العُضُدُ والعَضِدُ والعَضُدُ من الإنسان وغيره الساعد، وهو ما بين المرفق إلى الكتف، والكلام الأكثر العَضُدُ والعَضُدُ: القوة، لأن الإنسان إنما يَقْوي بعَضُدِهِ فسميت القوة به. وقال الزجاج في معنى قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ ، أي: سنعينك بأخيك. وكل معين فهو عَضُد ((١)) .
القراءات القرآنية
١. ﴿رِدْءاً﴾ :
هذه قراءة الجمهور. وقرأ نافع، والمدنيان بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى الدال (رِدًاً) والمشهور عن أبى جعفر بالنقل ولا همز ولا تنوين، ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف ((٢)) .
٢. ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ :
قرأ عاصم، وحمزة بضم القاف فاحتمل الصفة لـ (ردأ) ، والحال احتمل الاستئناف. وقرأ الكسائي، وابن عامر، وأبو عمرو، وابن كثير، ونافع، وأبو جعفر، وخلف، ويعقوب بالإسكان: (يُصَدِّقْنِي) . وقرأ أبي، وزيد بن علي:
(يُصَدِّقُوْنِي) والضمير لفرعون وقومه. وقال ابن خالويه: هذا شاهد لمن جزم لأنه لو كان رفعاً لقال: يصدقونني ((٣)) .
٣. ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ :
قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: (إنِّيَّ) ((٤)) .
٤. ﴿يُكَذِّبُونِي﴾ :
قرأ يعقوب وصلاً (يكذبوني) ((٥)) .
٥. ﴿عَضُدَكَ﴾ :
стр. 422
قرأ الحسن، وعيسى بالفتح: (عَضَدَكَ) . وقرأ زيد بن علي، وقرأ الحسن أيضاً بالضم (عُضُدَك) . وعن الحسن أيضاً بضم العين وإسكان الضاد
(عُضْدُكَ) . وعن بعضهم بفتح العين وكسر الضاد وإسكانها (عَضِدُك، عَضْدُك) ((١) .
القضايا البلاغية
١.الإسناد المجازي في قوله تعالى: ﴿رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ قال الزمخشري: " ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل به الكفار كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة، فذلك جار مجرى التصديق المفيد كما يصدق القول بالبرهان، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي﴾ ، وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك، لا لقوله صدقت، فإن سَحْبَان وبَاقِلاّ يستويان فيه، أو يصل جناح كلامه بالبيان حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه، فأسند التصديق إلى هارون، لأنه السبب فيه إسناداً مجازياً، ومعنى الإسناد المجازي: أن التصديق حقيقة في المصدق، فإسناده إليه حقيقية، وليس في السبب تصديق، ولكن استعير له الإسناد لأنه لابس التصديق بالتسبب كما لابسه الفاعل بالمباشرة، والدليل على ذلك قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ " ((٢)) .
٢.الاستعارة التمثيلية في قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ " شبّه حال موسى (﵇) في تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بعضد شديد، ويجوز أن يكون هناك مجاز مرسل من باب إطلاق السبب على المسبب بمرتبتين بأن يكون الأصل سنقويك به، ثم نؤيدك، ثم سنشد عضدك به " ((٣)) .
المعنى العام
стр. 423
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾
قال: رب إني قتلت من قوم فرعون نفساً فأخاف إن أتيتهم ولم أُبِنْ عن نفسي بحجة أن يقتلوني، لأن ما في لساني من عقدة يحول بيني وبين ما أريد من الكلام، وأخي هارون هو أَفْصَحُ مني لساناً واحسن بياناً فأرسله معي عوناً يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ويجنب الشبهات ويجادل هؤلاء الجاحدين المعاندين، وإني أخاف أن يكذبوني ولساني لا يطاوعني حين المحاجة، فأجابه : سنقويك ونعينك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً عظيماً وغلبة على عدوكما، فلا يصلون إليكما بوسيلة من وسائل الغلبة ((١)) .
هل كان سيدنا هارون نبياً:
لقد وردت آيات كثيرة في القران الكريم تؤكد على نبوة هارون (﵇) منها:
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ ((٢)) .
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمْ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ((٣)) ، فإرشاده لهم باتباعه يدل على أنه نبي.
стр. 424
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ ، فهذه الدعوة من سيدنا موسى بأن يرسل إلى أخيه هارون كما أرسله فاستجاب الله لدعائه وأعطاه ما أراد بقوله: ﴿قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ((١)) .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ((٢)) ، ففي هذه الآية دلالة واضحة على إرسال سيدنا هارون (﵇) .
قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ ((٣)) .
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ((٤)) .
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ ((٥)) .
فقد نقل الرازي أقوال العلماء فيها:
" قال مقاتل: المعنى كي يصدقني فرعون، والمعنى أرسل معي أخي هارون حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان، فعند اجتماع البرهانين ربما حصل المقصود من تصديق فرعون.
قال السدي: إن نبيين وآيتين أقوى من نبي واحد وآية واحدة.
стр. 425
وقال القاضي: والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين ونبي ونبيين لأن المبعوث إليه إن نظر في أيهما كان علم وإن لم ينظر فالحالة واحدة، هذا إذا كانت طريقة الدلالة في المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلفت وأمكن في أحدهما إزالة الشبه، ما لا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يختلفا، ويصلح عند ذلك أن يقال: إنها بمجموعها أقوى من إحداهما على ما قاله السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون ﵉ لأن معجزتهما كانت واحدة لا متغايرة) ((١)) .
والذي أراه:
إنه بعد استعراضنا الآيات القرآنية تبين لنا بما لا يقبل الشك أن سيدنا هارون (﵇) قد كان رسولاً إلى فرعون وملائه وبني إسرائيل، ومن ذلك يتبين لنا حجم المهمة التي اضطلع بها سيدنا موسى وأخيه، فقد أرسله الله إلى ملك متجبر طاغية ضرب به المثل في الظلم والتكبر حتى أداه تكبره إلى ادعاء الربوبية. قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلاَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ((٢)) .
فإن رسالتها رسالة واحدة، قال تعالى في سورة طه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ ((٣)) . وفي الشعراء: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ((٤)) . وقال في سورة طه: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ ((٥)) ، ففي هذه الآيات وآيات آخر دلالة على أن مهمتهما كانت مهمة واحدة.
ما يستفاد من النصّ
نستطيع أن نستنبط المعاني الآتية مما مرّ من الآيات القرآنية.
стр. 426
أولا ـ إذا كلف والي أمر المسلمين أحداً بمهمة ما، أو أسند إليه مسؤولية ما، لا ضير عليه أن يطلب إشراك غيره معه في المهمة إذا كانت نيته خالصة لله، ويريد الإخلاص والنجاح في مهمته، حتَّى ولو كان ذلك المستعان به أخوه، أو ابنه، إذا كان ينطبق عليه الشرط السابق للعمل ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ ((١)) ، وشرط أن يكون العمل المكلف به مما يرضي الله أولاً.
ثانياً ـ وكذلك على المكلف بواجب أو مهمة أن يبين لمن كلّفه ويصارحه بكل شيء يمكن أن يفسد عليه مهمته ويقترح ما يعتقده كافٍ في إزالة هذه العوائق ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ وقد أجابه الله تعالى بإرسال هارون معه إلى فرعون وملائه ((٢)) .
المطلب الرابع: المقارنة بين سورة النمل وسورة القصص
من خلال الآيات الخاصة ببعثة
سيدنا موسى (﵇)
سورة النمل
سورة القصص
إِنِّي آنَسْتُ نَارًا
------
سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ
أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ
فَلَمَّا جَاءَهَا
نُودِيَ أَنْ بُورِكَ
وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
يَامُوسَى
إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَأَلْقِ عَصَاكَ
يَا مُوسَى لا تَخَفْ
إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
فِي تِسْعِ آيَاتٍ
-------
إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ
آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا
امْكُثُوا
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ
أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ
فَلَمَّا أَتَاهَا
نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ
стр. 427
------
أَنْ يَامُوسَى
إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ
يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ
إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ
------
اسْلُكْ يَدَكَ
فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
من خلال استعرضنا لقصة سيدنا موسى (﵇) في القران الكريم نلاحظ أنها ذكرت مرات عديدة وبصيغ مختلفة، وقد تكلمنا في الفصل التمهيدي عن فوائد وأغراض التكرار في القصة القرآنية، وسنتكلم الآن عن الأوجه المناسبة والاختلاف في بعض الألفاظ بين سورتي النمل والقصص فيما يخص بعثة سيدنا موسى (﵇) ، فقد لا حظنا هناك اختلاف في الزيادة والنقصان في بعض الكلمات، وسنبين أسباب هذا الاختلاف وماذا يعني ذلك.
فكما نعرف أن سورة القصص قد استوعبت تقريباً كل مراحل حياة سيدنا موسى (﵇) تقريباً ابتداء من اللحظات التي سبقت ولادته إلى بعثته وما بعدها من أحداث، أما ما ورد في سورة النمل فلم يكن بهذا التوسع، وورد بصورة مجملة.
وقد درسها الدكتور فاضل صالح السامرائي بالتفصيل في كتابه لمسات بيانية في نصوص من التنزيل ((١)) . وفيما يأتي بعض من هذه المقومات:
قال تعالى في سورة النمل ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ وقال في سورة القصص: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ . في سورة القصص زاد ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ ، وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص.
قال في سورة النمل: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ وقال في سورة القصص: ﴿قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ بزيادة ﴿امْكُثُوا﴾ وذلك لمقام التفصيل في سورة القصص أيضاً.
стр. 428
قال في سورة النمل: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ ، وقال في القصص:
﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ ، فبنى الكلام في سورة النمل على القطع
﴿سَآتِيكُمْ﴾ وفي القصص ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ إن مقام الخوف في القصص لم يدعه يقطع بالأمر، فإن الخائف لا يستطيع القطع بما سيفعل بخلاف الأمن، ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق والقطع بالأمر.
إن الترجي من سمات سورة القصص، والقطع من سمات سورة النمل واليك الشواهد.
قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ((١)) وهو ترجي
﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ((٢)) وهو ترج أيضاً.
﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ ((٣)) .
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ ((٤)) .
﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ((٥)) .
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((٦)) .
﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ ((٧)) .
وقال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ((٨)) .
أما سورة النمل لم يرد ترجي إلا في موطنين وهما:
قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ ((٩)) .
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ((١٠)) .
فناسب الترجي ما ورد في القصص، وناسب القطع واليقين ما ورد في سورة النمل.
стр. 429
وكذلك كرر فعل الإتيان في سورة النمل فقال: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾ ، ولم يكرر في القصص بل قال: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ﴾ ، فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.
قال في سورة النمل: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ وقال في القصص: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ . فذكر في سورة النمل أنه يأتيهم بشهاب قبس والشهاب هو شعلة من النار ساطعة ومعنى (القبس) : شعلة نار تقتبس من معظم النار. (والجذوة) العود الغليظ في رأسه نار (١) ، والشهاب الشعلة والقبس: النار المقبوسة ((٢)) .
أولا: المجيء بالشهاب أحسن من المجيء بالجمرة، لأن الشهاب يدفئ أكثر من الجمرة لما فيها من اللهب الساطع، كما أنه ينفع في الاستنارة أيضاً، فهو أحسن من الجذوة في الاستضاءة والدفء.
وثانياً: إنه سيأتي بالشهاب مقبوساً من النار، وليس مختلساً أو محمولاً منها، لأن الشهاب يكون مقبوساً وغير مقبوس ((٣)) ، وهذا أدل على القوة والثبات، لأن معناه أنه سيذهب إلى النار ويقبس منها شعلة ساطعة، أما في القصص فقد ذكر أنه ربما أتى بجمرة من النار ولم يقل إنه سيقتبسها منها، ولا شك أن الحالة الأولى أكمل لما فيها من زيادة دفع كل تعبير في موطنه اللائق به، ففي موطن الخوف ذكر الجمرة، وفي غير موطن الخوف ذكر الشهاب القبس.
стр. 430
قال في سورة النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾ ، وقال في القصص: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي﴾ ، وقد فرق الراغب بين المجيء والإتيان فقال: " المجيء كالإتيان، لكن المجيء أعم لأن الإتيان مجيء بسهولة، والإتيان قد يقال باعتبار القصد وأن لم يكن منه الحصول، والمجيء يقال اعتباراً بالحصول " ((١)) ، فإن ما قطعه موسى على نفسه في سورة النمل أصعب مما في سورة القصص، فقد قطع على نفسه أن يأتيهم بخبر أو بشهاب قبس، في حين ترجى ذلك في القصص، والقطع أشق وأصعب من الترجي، وغالباً ما يستعمل القران الكريم المجيء لما فيه صعوبة ومشقة ((٢)) .
ذكر في القصص جهة النداء ﴿نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ﴾ ، ولم يذكر الجهة في سورة النمل، وذلك لأن موطن القصص موطن تفصيل وموطن النمل موطن إيجاز.
قال في سورة النمل: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقال في القصص: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . قال الرازي: " ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل، إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء " ((٣)) ، ولأن الموقف في سورة النمل موقف تعظيم.
стр. 431
قال في سورة النمل: ﴿يَا مُوسَى﴾ ، وقال في القصص: ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾ ، فجيء بـ (أن) المفسرة، وذلك لأن المقام في سورة النمل مقام تعظيم لله وتكريم لموسى فشرفه بالنداء المباشر، في حين ليس المقام كذلك في القصص، فجاء بما يفسر الكلام، أي: ناديناه بنحو هذا، أو بما هذا معناه ((١)) .
قال في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، وقال في القصص: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فجيء بضمير الشان الدال على التعظيم في آية النمل (إِنَّهُ أَنَا) ، ولم يأت به في القصص، ثم جاء باسميه الكريمين (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) في سورة النمل زيادة في التعظيم.
قال في سورة النمل: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ، وقال في القصص: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ، فجيء بـ (أن) المفسرة أو المصدرية، ويقال فيها مثل ما قيل في الفقرة العاشرة من النمل ﴿يَا مُوسَى﴾ ، وفي القصص ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾ .
قال في سورة النمل: ﴿يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ﴾ . وقال في القصص: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾ بزيادة ﴿أَقْبِلْ﴾ ، وذلك أن مقام الإيجاز في سورة النمل يستدعي عدم الإطالة، ولأن شيوع جو الخوف في القصص يدل على إيغال موسى في الهرب، فدعاه إلى الإقبال وعدم الخوف ((٢)) .
قال في سورة النمل: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ، وقال في القصص: ﴿إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ ، وذلك أن المقام في سورة القصص مقام الخوف، والخوف يحتاج إلى الأمن، فأمنه قائلاً: ﴿إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ ، وأما في سورة النمل فالمقام مقام تكريم وتشريف. فقال: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ((٣)) .
стр. 432
قال في القصص: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ﴾ ، ولم يذكر مثل ذلك في سورة النمل، والرهب هو الخوف، وهو مناسب لجو الخوف الذي تردد في القصة، ومناسب لجو التفصيل فيها ((١)) .
يقول الباحث: بعد هذا العرض لأوجه الاختلاف بين هذين النصين يمكن أن نقول أن ذلك يعود إلى ثلاثة أسباب:
السبب الأول ـ هو أن سورة القصص جاءت مفصلة استوعبت كلّ جوانب حياة سيدنا موسى تقريباً، بينما وردت هذه القصة بصورة مجملة في سورة النمل، فكان ذلك سبباً من أسباب الاختلاف.
السبب الثاني ـ طابع الخوف الذي كان سمة من سمات سوره القصص فكان سبباً أخراً من أسباب الاختلاف.
السبب الثالث ـ إن المقام في سورة النمل مقام تكريم لسيدنا موسى (﵇) أوضح مما هو في القصص ((٢)) .
ففي سورة القصص كان جو القصة مطبوعاً بطابع الخوف، وفيما يأتي جرد لعبارات الخوف التي جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ:
فقد خافت أم موسى (﵇) على ولدها من فرعون وملائه قال تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ ((٣)) .
ومن شدة الخوف اصبح فؤادها فارغاً من الحزن قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ((٤)) .
خوفه بعد قتل القبطي: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ((٥)) .
وبعد خروجه من مصر قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ((٦)) .
стр. 433
بعد أن ذهب إلى مدين واتصل بالشيخ الكبير والد البنات وقص عليه قصته فطمأنه: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ((١)) .
وبعد البعثة طلب المعونة من الله أن يرسل معه أخوه هارون ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ ((٢)) .
ونلاحظ في سورة النمل أنه لم يرد ذكر للخوف إلا في مقام العصا: ﴿يا يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ((٣)) . وانما اخترنا سُوْرَة النَّمْلِ نموذجاً للمقارنة بين القصتين، وقد وضعنا الجدول في أول المطلب لتسهيل المقارنة.
المبحث الثاني: موقف فرعون وقومه من دعوة سيدنا موسى (﵇ -)
المطلب الأول: اتهام سيدنا موسى بالسحر
﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ((٤)) .
المناسبة
لقد بينت الآيات السابقات أن الله جل وعلا قد وعد سيدنا موسى بأن يجيب طلبه ودعائه بأن يحميه من فرعون وملائه، وأن يرسل معه أخوه هارون معيناً:
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ ، وليبين جل وعلا سرعة امتثال موسى وهارون لأمر الله قال: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ .
стр. 434
وقال البقاعي: " ولما كان التقدير فأتاهم كما أمر الله وعاضده أخوه كما أخبر الله ودعواهم إلى الله تعالى، وأظهر ما أمر به من الآيات بنى عليه قوله مبيناً بالفاء سرعة امتثاله ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ﴾ ، أي: فرعون وقومه، ولما كانت رسالة هارون (﵇) إنما هي تأييد لموسى (﵇) أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي فقال ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ ((١)) .
فنلاحظ مرة أخرى إلى روعة التناسق والتناسب في الآيات القرآنية كذلك الروعة في استخدام الحروف للدلالة على معانٍ لا يمكن أن تعبر عنها الجمل الطويلة.
تحليل الألفاظ
١. ﴿سِحْرٌ﴾ :
قال ابن منظور: هو كل ما لطف مأخذه ودقّ فهو سِحْر والجمع أسْحَار وسَحُور وسَحَرَة يَسْحَرَه سَحْراً وسِحْراً وسحَّرَه. ورجل ساحِر من قوم سَحَرَة وسُحَّار من قوم سَحَّارِين. وأصل السِحْر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لمّا أُري من الباطل في الحق، وخيل الشيء على غير حقيقته ـ وقد سَحَر الشيء عن وجهه، أي: صرفه ((٢)) وعرف الشافعي السِحْر بأنه: " عقد ورقى وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور وقلبه، أو عقله من غير مباشرة وله حقيقته " ((٣)) .
٢. ﴿مُفْتَرًى﴾ :
الفِرْية الكذب فَرَى كَذِباً فَرْيَاً وافْتَرَاه اختلقه، ورجل فَرِىُّ ومِفْرىً وأنه لقبيح الفِرْيَة، قال الليث: يقال فَرَى فلان الكذب يَفْرِيه إذا اختلقه ((٤)) .
القراءات القرآنية
١. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ :
стр. 435
قرأ ابن كثير: (قال) بغير واو لأنها كذلك في مصحف أهل مكة كأنه استئناف كلام. وقرأه الباقون: (وقال) بالواو، كأنه عطف على ما قبله عطف جملة على جملة ((١)) .
٢. ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر بالفتح (رَبِّيَ) بالفتح ((٢)) .
المعنى العام
﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾
﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ وهي العصا واليد (بينات) ، أي واضحات الدلالة على صدقه وأنه أمر خارق معجز، كفوا عن مقاومته ومعارضته، فرجعوا إلى البهت والكذب، ونسبوه إلى السحر، لأنهم يرون الشيء على حالة، ثم يرونه على حالة أخرى، ثم يعود إلى الحالة الأولى، فزعموا أنه سحر يفتعله موسى ويفتريه على الله، فليس بمعجز ثم مع دعواهم إنه سحر مفترى وكذبهم في ذلك، زادوا في الكذب أنهم ما سمعوا بهذا في آباءهم، أي: في زمان آبائهم وأيامهم ((٣)) .
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾
لما اخبره تعالى بقولهم عطف عليه الأخبار بقول موسى (﵇)
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ، ليوازن السامع بين الكلامين ويتبصر بعقله ما الفاسد منهما فبضدهما تتبين الأشياء ((٤)) .
стр. 436
وقال الرازي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ :
" من ثواب على تمسكه بالحق أو من عقاب، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ((١)) . وقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ((٢)) ، والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها وعقابها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان، وتلقي الملائكة بالبشرى عند الموت، فإن قيل: العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار، لأن الدنيا قد تكون خاتمتها خير في حق البعض، وشر في حق البعض الآخر، فلم اختصت خاتمتها بالخير في هذه التسمية دون خاتمتها بالشر؟ قلنا: إنه قد وضع الله الدنيا مجازاً إلى الآخرة، وأمر عباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الخير، وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار، ثُمَّ إنه (﵇) أكد ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ، أي: لا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع، بل يحصلون على ضد ذلك، وهذا نهاية في زجرهم عن العناد الذي ظهر منهم " ((٣)) .
ما يستفاد من النص
стр. 437
أولاً ـ في هذه الآية بشرى من البشارات القرآنية لانتصار المسلمين على أعدائهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ، وهذه الآية نظير ما جاء في سورة الأعراف من قول موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ((١)) .
فمن السنن الإلهية التي لا تنتهي أبداً هي أن العاقبة الحسنة للمتقين في الدنيا والآخرة، وليست مقصورة على الآخرة بدخول الجنان، وإنما تشمل عاقبتهم الحسنة المرضية في الدنيا، وتشمل انتصارهم على أعدائهم وإزالة الظلم عنهم، واسترداد حقوقهم، وعزتهم وكرامتهم، وعلو مكانتهم. وهذه العاقبة الحسنة هي للمتقين من عباده، وهم القائمون بكل مقتضيات ولوازم العبودية لله، والتي هي عبادة الله وحده لا شريك له، وتنفيذ ما أمر الله به، والابتعاد عمّا نهى عنه، وتحكيم شرع الله، وإقامة المجتمع الصالح القائم على الأخلاق الفاضلة التي ربى عليها الإسلام الجيل الأول ((٢)) .
ودلت كذلك على الاستعانة بالله في جميع الأحوال وجمع الكلمة، ولا ينبغي للمسلم أن ييأس أبداً.
стр. 438
ثانياً ـ نلاحظ التشابه الواضح في رد فعل قوم فرعون من دعوة سيدنا موسى (﵇) واتهامهم له بالسحر في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ ، ورد فعل كفار قريش من دعوة المصطفى
( ﷺ ) وعجزهم عن معارضته لما رأوا فصاحة القران وبلاغته، نسبوه إلى السحر قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ ((١)) ، فعلى الدعاة أن لا يضجروا من عدم استجابة من يدعونهم إلى الله، فالناس بطبيعتهم يختلفون في مدى استعدادهم للاستجابة لصوت الحق وفي سرعة هذه الاستجابة، فمن الناس من يقبل الحق بدون تردد، ومن الناس من لا يقبل الدعوة إلى الله ويظل يقاومها ثُمَّ يقبلها بعد ذلك، فعلى الداعي أن يفقه ذلك، ولا يتعجب ولا ييأس من الاستجابة له حتَّى من أعتى الناس وأشدهم مقاومة للدين ((٢)) .
وكذلك ما ورد أيضا من تشابه بين ما جاء في خطاب سيدنا موسى
(﵇) لقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ .
وما ورد من خطاب الرسول محمد ( ﷺ ) للمشركين بقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ ((٣)) .
وهو يرجح ما ذهبت إليه.
стр. 439
المطلب الثاني: ادعاء فرعون الألوهية وتكبره وملؤه في الأرض
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ ((١)) .
المناسبة
بعد أن بينت الآيات السابقات سرعة امتثال سيدنا موسى لأمر الله بدعوته لفرعون وقومه، وجاءهم بالمعجزات الدالات على صدقه، فاتهموه بالسحر، فقال لهم موسى بكل أدب: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ فتضمن رده عليهم ترغيب وترهيب بعد أن قدم لهم المعجزات، وجاء رده عليهم بأسلوب غاية في الروعة، وبأسلوب عالٍ من أدب الخطاب والمناظرة " فهو لم يؤكد أن خصمه في ضلال، كما لم ينسبه إلى نفسه، بل ردده بينهما وهو يعلم انه لأيهما " ((٢)) ، ثم علل هذا بأن من سنن الله أن المخذول هو الكاذب فقال: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ .
стр. 440
ثم يأتي النص القرآني والذي نحن بصدد تحليله ليبين في الجانب الآخر رد فرعون على مقالة موسى بمقالة تدل على الجهل ونقصان العقل ليؤكد النص القرآني على أنه بلغ غاية لا حد لها في الإنكار، وأنه لا مطمع في إيمانه لعتوه وطغيانه واستكباره في الأرض، وما جرى له من العذاب في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ ((١)) . فأراد النص القرآني في هذا المقطع أن يبين الفرق بين رد أهل الحق المتمثل في قول موسى المتفائل بنصر الله والمتوكل على الله، ورد فرعون المتكبر الظالم وليبين لنا بوضوح الفرق بين أخلاق الأنبياء، وبين أخلاق أعداء الله.
تحليل الألفاظ
﴿صَرْحًا﴾ :
الصَّرْح بيت واحد يبنى منفرداً ضخماً طويلاً في السماء. وقيل: هو القصر. وقيل: هو كل بناء مرتفع. وقال الزجاج: الصَّرح في اللغة القصر والصحن ((٢)) . وقال الراغب الأصفهاني: " وهو بيت عالي مزوق سمي بذلك اعتباراً بكونه صرحاً عن الشوب، أي: خالصاً " ((٣)) .
وقال الآلوسي هو: " بناء مكشوف عالياً، من صرح الشيء إذا ظهر " ((٤)) .
وقال ابن عاشور هو: " القصر المرتفع " ((٥)) .
القراءات القرآنية
١. ﴿لَعَلِّي﴾ :
قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر بالفتح:
(لَعَلَى) ((٦))
٢. ﴿لاَ يُرْجَعُونَ﴾ :
стр. 441
قرأ حمزة، والكسائي، ونافع: (لاَ يَرْجِعُون) مبيناً للفاعل والجهور مبيناً للمفعول ((١)) .
القضايا البلاغية
في قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ فيها إطناب ((٢)) بديع، وذلك أنه لم يقل: اطبخ لي الآجر، وذلك ليتفادى ذكر كلمة الآجر لأن تركيبها على سهولة لفظه ليس فصيحاً، وذلك امر يقرره الذوق وحده، فعبر عن الآجر بالوقود على الطين لأن هذه العبارة أحسن مطابقة لفصاحة القرآن، وعلو طبقته، وأشبه بكلام الجبابرة، وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين، منادى باسمه بـ (يا) في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر، وقد اشتملت هذه العبارة على الكثير من ألفاظ الجبابرة العتاة، وذلك على الوجه الآتي:
نادى وزيره بحرف النداء.
توسيط ندائه خلال الأمر وبناء الصرح.
رجاؤه الإطلاع إلى الله.
الغباء الذي يلازم الجبابرة العتاة، إذ يقعون في التناقض من حيث لا يشعرون، فقد صرح قبل قليل بقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ، فعرب عن نفي المعلوم بنفي العلم، وأعلن تصميمه على الجحود، ثُمَّ ما عتم أن أعلن رجاءه الإطلاع، فهل كان مصمماً على الجحود أم لم يكن ((٣)) ؟
المعنى العام
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
стр. 442
أي: وقال فرعون منكراً لما أتى به موسى (﵇) من توحيد الله وحده وعبادته، فقد اخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: " لما قال فرعون: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ قال جبريل (﵇) : يا رب طغى عبدك، فأذن لي في هلاكه، قال: يا جبريل هو عبدي ولن يسبقني له أجل قد أجلته حتى يجيء ذلك الأجل، فلما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ ((١)) قال جبريل: قد سكنت روعتك بقى عبدي وقد جاء أوان هلاكه " ((٢))
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾
" أي أطبخ لي يا هامان الآجر، فعن ابن عباس ﵁ وقتادة: هو أول من صنع الآجر وبنى به " ((٣)) .
وقد اختلف العلماء في فرعون هل بنى الصرح أم لا؟
١.فقال قوم: إنه بناه، " فقالوا إنه لما أمر ببناء الصرح جمع هامان العمال حتَّى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الاتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص، ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيدوه حتَّى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق فبعث الله تعالى جبريل (﵇) عند غروب الشمس فضربه بجناحيه فقطعه ثلاث قطع " ((٤)) .
ونقل الآلوسي رواية عن السدي " بأنه لما بنى له الصرح ارتقى فوقه، وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي متلطخة دماً فقال: قتلت إله موسى " ((٥)) .
стр. 443
٢.ومن الناس من قال: إنه لم يبن ذلك الصرح، لأنه يبعد من العقلاء أن يظنوا أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من على أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما يراها حين كان على قرار الأرض، ومن شك في ذلك خرج عن حد العقل، وهكذا القول فيما يقال من رمى السهم إلى السماء، وأن من حاول ذلك كان من المجانين، فلا يليق بالعقل والدين حمل القصة التي حكاها الله تعالى في القرآن على محمل يعرف فساده بضرورة العقل، فيصير ذلك مشرعاً قوياً لمن أحب الطعن في القران ((١)) .
والذي أراه أن أمر فرعون لهامان ببناء الصرح لم يكن يقصد البناء حقيقة، ولكنه أراد الاستهزاء بموسى وتكذيبه بدلالة قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ بعد الأمر ببناء الصرح، فهو إنما أراد أن يبين لهم بطريقة الاستدلال العقلي أنه لا دليل حيّ على وجود إله موسى، فأوهمهم بأن الإله لا بد أن يكون محسوساً، وهذا ما أراده من قوله لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
أي: ما دمت أنا محسوساً فأنا أحق بالعبادة من إله موسى غير المحسوس وهذا من قلة عقله واستخفافه بعقول قومه.
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
стр. 444
أي: رأوا كل من سواهم حقيراً بالإضافة إليهم، ولم يروا العظمة والكبرياء إلا لأنفسهم، فنظروا إلى غيرهم نظر الملوك للعبيد في الأرض وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ، لأن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى وهو المتكبر، أي: المتبالغ في كبرياء الشأن، فكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق ((١)) . قال ( ﷺ ) فيما يحكيه عن ربه: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحدة منهما قذفته في النار)) ((٢)) .
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾
الظن، قيل: إما على ظاهره، أو عبر عن اعتقادهم به تحقيراً وتمهيلاً ((٣)) .
ويقول الرازي في معنى قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ ، فهذا يدل على أنهم كانوا عارفين بالله تعالى، إلا أنهم كانوا ينكرون البعث، فلأجل ذلك تمردوا " ((٤)) .
وقال ابن عاشور: " فذكر (إلينا) لحكاية الواقع وليس بقيد، فلا يتوهم أنهم أنكروا البعث ولم ينكروا وجود الله مثل المشركين، وبتقديم (إلينا) على عامله لأجل الفاصلة، ويمكن أن يكون المعنى: وظنوا أنهم في منعة من أن يقعوا في قبضة قدرتنا " ((٥)) . أو أنهم كانوا يعتقدون بالبعث، ولكن الذي يحاسبهم هو فرعون وليس الله كما هو الواقع بدليل قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُون﴾ .
ما يستفاد من النصّ
стр. 445
لقد ذم القرآن الكريم في آيات كثيرة الكبر بصورة مباشرة أو من خلال ذكره لقصص المتكبرين في الأرض وذمه لهم، وتبيان عاقبتهم في الدنيا والآخرة، وفي هذه الآية يقص علينا القرآن قصة من قصص المتكبرين في الأرض، وكيف أوصله تكبره إلى ادعاه الألوهية، فكان عاقبته أنه وقومه في النار.
ودلت كذلك على التشابه بين ردّ فرعون وقومه من دعوة موسى (﵇) ورد فراعنة قريش من دعوة المصطفى ( ﷺ ) كأبي جهل، وأمية بن خلف، وغيرهم. وفي هذه الآية تحذير واضح لكل من يقف في طريق الدعوة إلى الله من الحكومات والأفراد، فمهما بلغ من القوة والمنعة فإنه ليس بمأمن من قوة الله وعقابه في الدنيا والآخرة.
المطلب الثالث: عاقبة فرعون وجنوده
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((١)) .
المناسبة
стр. 446
بعد أن بينت الآيات السابقات الدواعي لاستحقاق فرعون وجنوده العقوبة لادعائه الألوهية وتكبره في الأرض وتهكمه واستهزاءه بموسى أمام قومه ليشكك في صدق مقالته، جاءت هذه الآيات لتخبر بما نالهم من عقاب الدنيا، فقال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ ، ثم أمر رسوله محمد ( ﷺ ) وقومه بالنظر والاعتبار والتأمل بالعواقب ليعلموا أن هذه سنة الله في كل مكذب برسله ((١)) . فقال: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ، ثم بينت الآيات مصيرهم في النار، فقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ﴾ .
" فإن السياق هنا يعجل بالضربة القاضية، ويختصر حلقة السحرة التي تذكر في سور أخرى بتفصيل أو إجمال، يختصرها ليصل من التكذيب مباشرة إلى الإهلاك، ثم لا يقتصر عند الأخذ في الدنيا بل يتابع الرحلة إلى الآخرة، وهذا الإسراع في هذه الحلقة مقصود متناسق مع اتجاه القصة في السورة، وهو تدخل القدرة بلا ستار من البشر، فما أن يواجه موسى فرعون، حتى يعجل الله بالعاقبة وتضرب يد القدرة ضربتها الحاسمة بلا تفصيل في المواجهة أو تطويل " ((٢)) .
تحليل الألفاظ
١. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ :
" النَّبْذُ طرحك الشيء من يدك أمامك أو وراءك، نَبَذْتُ الشيء أَنْبِذَه نَبْذاً إذا ألقيته من يدك، ونَبَّذتُه شدد للكثرة، ونَبَذَت الشيء أيضاً إذا رميته وأبعدته " ((٣)) .
٢. ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ :
стр. 447
" القُبْح ضد الحسن يكون في الصورة، والفعل قَبَحَ يَقْبَح قُبْحاً وقُبُوحاً وقُبَاحة وقُبوحة وهو قَبِيح والجمع قَبَائح وقَباحى، والأنثى قَبِيحة، وقال الأزهري: هو نقيض الحسن عام في كل شيء " ((١)) .
٣. ﴿بَصَائِرَ﴾ :
قال ابن الأثير في أسماء الله تعالى البصير، وهو الذي يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وخافيها بغير جارحة. وقيل: البصر العين إلا أنه مذكر. وقيل: البصر حاسة الرؤية، وقال ابن الأعرابي: أبصر الرجل إذا خرج من الكفر إلى الإيمان ((٢)) .
القراءات القرآنية
١. ﴿الدُّنْيَا﴾ :
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة.
٢. ﴿الأُولَى﴾ :
قرأ حمزة، والكسائي، وورش، وخلف بالإمالة.
٣. ﴿لِلنَّاسِ﴾ :
قرأ الدوري بالإمالة.
٤. ﴿وَهُدًى﴾ :
قرأ كل من حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة ((٣)) .
القضايا البلاغية
تشبيه بليغ في قوله تعالى: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ ، أي: أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس، حذف أداة التشبيه ووجه الشبه، فأصبح بليغاً، قال الشيخ زاده: " أي مشبهاً بأنوار القلوب من حيث أن القلوب لو كانت خالية عن أنوار التوراة وعلومها لكانت عمياء لا تبصر ولا تعرف حقاً من باطل " ((٤)) .
المعنى العام
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾
أي: طرحناهم في البحر المالح. قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له: أساف، أغرقهم الله فيه. وقال وهب، والسدي: المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية القلزم يقال له: بطن مريرة. وقال مقاتل: يعني نهر النيل ((٥)) .
стр. 448
﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ﴾
جعلهم الله عبرةً لمن سلك وراءهم وأخذ طريقهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، فأجمع الله عليهم خزي الدنيا موصولاً بذل الآخرة ((١))
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ﴾
أي أهلكهم الله فلا ناصر لهم من دون الله، وأتبعهم زيادة في عقوبتهم وخزيهم في الدنيا، لعنة يلعنون، ولهم عند الخلق الثناء القبيح والمقت والذم وهذا أمر شاهد فهم أئمة الملعونين في الدنيا ومقدمتهم ((٢)) .
ما يستفاد من النصّ
بينت الآيات سنة من سنن الله في الطغاة والظلمة بأن مصيرهم الهلاك مهما تحصنوا، ومهما بلغت قوتهم، ولتنبهنا الآية على هذه الحقيقة الساطعة جاءت بكلمة (فانظر) لتحفز القارئ على الاتعاظ بتأكيدها على عاقبة الظالمين بقوله تعالى: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ وهي كلمة عامة تشمل كلّ ظالم من دول وأفراد.
ودلت كذلك الآيات على أن الجزاء من جنس العمل، ففرعون كما كان في الدنيا إماماً من أئمة الظلم والطغيان سيكون يوم القيامة هو وجنوده من أئمة النار.
ودلت الآيات على أن التاريخ لا يذكر الظالمين إلا بسوء لقوله تعالى:
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ﴾ .
ودلت الآيات كذلك على سنة من سنن الله في إرسال الرسل والأنبياء، فكلما تنقضي فترة من الزمن ويصبح الناس بحاجة إلى رسول يبعث ليعيد الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد.
стр. 449
المطلب الرابع: الفرق بين الرواية التوراتية وسفر الخروج وبين الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ لقصة موسى (﵇ -)
لقد كان الَقُرْآن الكَرِيم ولا زال كتاباً مهيمناً على كلّ الكتب التي سبقته باعتباره أخر الكتب الإلهية المنزلة بعد صحف إِبْرَاهِيمُ وموسى والتوراة وزبور داود وإنجيل عيسى ـ عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ فكيف إذا ما حرفت تلك الكتب من بعد أنبيائها على يد اليهود والنصارى، ونحن في تحليلنا العام لسورة القصص الشريفة استطعنا أن نجد أن الرواية القرآنية ـ إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير في وصف كلام الله تعَاَلىَ ـ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كانت ولا زالت مهيمنة وشاملة وعالية فوق النصوص التوراتية لقصة موسى ( ﷺ ) منذ طفولته حتَّى غرق فرعون على يديه بنصر الله .
وإن ما ذكره الَقُرْآن الكَرِيم كان منزهاً لموسى (﵇) ، بل وزائداً على ما في العهد القديم المسمى بالتوراة زيادات فيها فائدة وتوجب حقائق تاريخية ألهمها الله تعَاَلىَ وأوحاها إلى رسوله مُحَمَّد بن عَبْد الله النبي الأمي ( ﷺ ) مما لم يكن هو
( ﷺ ) ولا قومه يعرفونه من قبل، وهو ما جعل اليهود يتميزون من الغيظ حسداً وحقداً على ما آتاهم الله من كتابه، فنسوه وحرفوه واشتروا بآياته ثمناً قليلاً ثُمَّ نبذوه وراء ظهورهم، فأنزل الله تعَاَلىَ كتاباً أخر على الرَّسُول ( ﷺ ) .
ولا ننسى هاهنا أن سُوْرَة الْقَصَصِ مكية أنزلت قبل أن يقدم رَسُول الله
( ﷺ ) المدينة المنورة حتَّى لا يقول قائل أن أحداً علم رَسُول الله ( ﷺ ) تلك القصة.
стр. 450
وسوف نحاول فيما يلي استعراض الروايتين وفق جداول علمية للمقارنة، ثُمَّ بعد ذلك ـ إِنْ شاء الله العلي العظيم ـ نجري مقارنة نقدية بين الروايتين، لنرجح أي الروايتين هما الأصح والأدق تاريخياً:
ت
الخروج
سُوْرَة الْقَصَصِ
(وقام ملك جديد على مصر ... فأقاموا عليهم وكلاء تسخير ... فاستخدم المصريون بني إسرائيل) (١: ١٤) .
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ علاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءهُمْ﴾ (٤)
(ولما لم تستطع أن تخفيه بعد أخذت له سفطاً من بردى ... وجعلت الولد فيه) (٢: ٤)
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٧)
(ووقفت أخته من بعيد لتنظر ما يقع له) (٥: ٢)
﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ (١١)
(فقالت أخته لابنة فرعون هل أذهب وأدعو لك مرضعاً) (٢: ٨)
﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (١٢)
(فأخذت المرأة الصبي وأرضعته) (٢: ١٠)
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ (١٣)
(إذا برجل مصري يضرب رجلاً عبرانياً من اخوته ... فقتل العبري) (٢:١٣)
﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (١٥)
(ثُمَّ خرج في اليوم الثاني فإذا برجلين عبرانيين يتضاربان) (٢: ١٤)
﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ (١٨)
(أتريد أن تقتلني كما قتلت المصري) (٢: ١٥)
﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ (١٩)
стр. 451
(وسمع فرعون بهذا الخبر فطلب أن يقتل موسى) (٢: ١٦)
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (٢٠)
(فهرب موسى من وجه فرعون) (٢: ٢٦)
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٢١)
(وصار إلى أرض مدين وقعد عند البئر)
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٢)
(وكان لكاهن مدين سبع بنات) (٢: ١٧)
﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ﴾ (٢٣)
(فجئن واستقين وملأن المساقي ليسقين غنم أبيهن فجاء الرعاء وطردوهن فقام موسى ونجدهن وسقى غنمهن) (٢: ١١٨ –١٩)
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢٤)
(فقال لبناته وأين هو لم تتركن الرجل ادعونه ليأكل طعاماً) (٢: ٢١)
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (٢٥)
(فارتضى موسى أن يقيم عند الرجل فزوجه صفورة أبنته) (٢: ٢٢)
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (٢٧)
(وكان موسى يرعى غنم بيثرو حميه كاهن مدين فساق الغنم إلى ما وراء البرية حتَّى أفضى إلى جبل الله حوريب) (٣: ٢)
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ (٢٩)
(فتجلى له ملاك الرب في لهيب نار من وسط العليقة) (٣:٣)
﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ (٢٩)
стр. 452
(ورأى الرب أنه قد مال لينظر فناداه الله من وسط العليقة وقال: موسى موسى. قال ها أنذا) (٣: ٥)
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ﴾ (٣٠)
(قال لا تدن إلى هاهنا أخلع نعليك من رجلك فإن الموضع الذي انت فيه أرض مقدسة) (٣: ٦)
﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ (٣١)
(فالآن تعال أبعثك إلى فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر) (٣: ١١)
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (٣٢)
(قال موسى لله من أنا حتَّى أمضي إلى فرعون) (٣: ١٢)
﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي﴾ (٣٣)
(قال أنا أكون معك) (٣: ١٢)
(وقال إنهم لا يصدقوني) (٤: ٢)
﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ (٣٥)
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي﴾ (٣٤)
(فقال الرب ما تلك التي بيدك قال عصا قال ألقها على الأرض فألقاها على الأرض فصارت حية تسعى فهرب موسى من وجهها فقال الرب لموسى خذ يدك وأمسك بذنبها فمد يده فأمسكها فعادت منا في يده) (٤: ١ – ٥)
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ (٣١)
(أدخل يدك في جيبك فأدخل يده في جيبه ثُمَّ أخرجها فإذا يده برصاء كالثلج قال أردد يدك في جيبك فرد يده في جيبه ثُمَّ أخرجها من جيبه فعادت كسائر بدنه) (٤: ٦-٨)
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ﴾ (٣٢)
стр. 453
(فإن لم يصدقوك ولم يسمعوا لصوت الآية الأولى يصدقون صوت الآية الأخرى) (٤: ٩)
﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (٣٢)
(فقال موسى للرب رحماك يا رب إني لست أحسن الكلام) (٤: ١١)
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ (٣٤)
(يا رب أبعث من أنت باعثه) (٤: ١٤)
﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ (٣٤)
(فاتقد غضب الرب على موسى وقال ألست أعلم أن أخاك هارون اللاوي هو فصيح اللسان وهاهو أيضاً خارج للقائك) (٤: ١٥)
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ (٣٥)
(فإني أكون مع فيك وأعلمكما ما تصنعان) (٤: ١٦)
﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ (٣٥)
(فقال فرعون من هو الرب فاسمع لقوله وأطلق إسرائيل لا أعرف الرب ولا أطلق إسرائيل) (٥: ٣)
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٣٨)
(وأمر فرعون في ذلك مسخري الشعب ومدبريهم قائلاً لا تعطوا الشعب) (٥: ٦ –٧)
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ (٣٩)
(فغرق الرب المصريين في وسط البحر) (١٤: ٢٨)
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (٤٠)
стр. 454
فحيث نجد في الفقرة الأولى أن الرواية التوراتية تنسب التسخير للمصريين في عهد الملك الجديد، أما الرواية القرآنية فتجعل إسناد الفعل إلى فرعون وهو الأليق والأًصوب لأنه ليس كلّ المصريين كانوا يضطهدون بني إسرائيل، وهذا من الحقد اليهودي العام على كلّ الأمم، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل الإلقاء عاماً في اليم، وتوضحها آية أخرى إذ تجعل الإلقاء في التابوت، فالنص القرآني أوضح تاريخياً.
ونجد تقارباً بين الفقرة الثالثة في الروايتين التوراتية والقرآنية في المعنى فقط دون اللفظ، فالقرآن استخدم كلمة (قصيه) أي تتبع الأثر فهي تتبع أثر التابوت إلى أنَّ وصل إلى قصر فرعون، فهي أبلغ وأدل على الواقع من العبارة العامية لرواية التوراة، فقد استفاد حاخامات بني إسرائيل من الترجمة العربية للتوراة من النصوص القرآنية التي أعادوا صياغتها.
وتجعل الفقرة الرابعة الخطاب مباشراً بين أخت موسى وابنة فرعون، وهو ما تبهمه الرواية القرآنية لحكمة إلهية لتجعل النصّ القرآني أبلغ في التعبير بإبهام المقصود بخطاب الأخت.
أما الفقرة الخامسة فتتشابه الروايتان إلاَ أَن صياغة النصّ القرآني أجمل وابلغ وأدق في الدلالة، وهذا وجه من وجوه الإعجاز القرآني في مبناه ومعناه.
стр. 455
وتصرح الفقرة السادسة بالنسب الخاص بالمتشاجرين، أما النصّ القرآني فجعل النصّ مبهماً (من شيعته) (من عدوه) (يستصرخه) دون تعيين. والفقرة الثامنة تصرح بأن المقتول مصري، أما النصّ القرآني فيستمر في الإبهام، وذلك لأن آفاق إعجاز الإبهام في الَقُرْآن الكَرِيم تتمثل في أن الإبهام لما يأتي بيانه من بعده كون ما قبله أهم منه في الذكر، فقوله تعالى: ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾ إلهام لهذه الشيعة التي تقدم ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ وهذا ترابط في النصّ الَقُرْآنيّ، ولم يقل الله : (وهذا من بني إسرائيل) ولو قيل ذلك لكان غير بليغ، وغير دال بل أبهم الله الضمير في الخطاب حتَّى يفسر ما تقدم من تقسيم فرعون لأبناء مصر على شيع (أي: جماعات) وفيهم بنو إسرائيل، فهذا من شيعته أي من بني إسرائيل، وهذا وجه مهم إدراكه.
ويأتي الإبهام إما تعظيماً، وإما تفخيماً، فجاء النصّ مبهماً في سُوْرَة الْقَصَصِ كذلك وفق الأسلوب القرآني، ولأن الإبهام القرآني قد يراد به في بعض الآراء أن يبحث المسلم في ما أبهم ولا يتكل على الصراحة القرآنية.
وتجعل الفقرة التاسعة فرعون هو الذي يأتمر بقتل موسى، أما النصّ القرآني فيجعل الملأ هم الذين يأتمرون بقتل موسى دون تصريح بمن هم أولئك الملأ وهو ما يتعلق بالفقرة العاشرة، إذ تجعل الرواية التوراتية الهرب من فرعون، أما الرواية القرآنية فتجعل الهرب بترقب من المدينة.
وفي الفقرة الحادية عشر تتشابه الروايتان إلاَ أَن الفقرة الثانية عشر تجعل نبي الله شعيب (﵇) كاهن مدين، وهذا انتقاص منه (﵇) خلافاً للنصّ القرآنيّ، أما عدد البنات فتجعله الرواية التوراتية سبعاً على عادة اليهود في تقديس الرقم سبعة، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل عدد بناته اثنين.
стр. 456
وتطيل الرواية التوراتية في الفقرة الثالثة عشر في قصة الاستسقاء بينما توجز ذلك الرواية القرآنية وتجعل موسى (﵇) في صورة الحيي الكريم ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ.
وفي الفقرة الرابعة عشر يجري الحوار بين شعيب (﵇) وبين بناته، أما الرواية القرآنية فهي من الإعجاز الوصفي بمكان عالٍ جداً إذ تقول هذه الرواية الإلهية ـ ومن أصدق من الله قيلاً ـ ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ ولا وصف أبلغ من هذا الوصف الإلهي لحياء هذه الفتاة المؤمنة وهو ما أتى بصيغة الحال.
وتظهر الفقرة الخامسة عشر رضا موسى (﵇) بالمقام عند شعيب
(﵇) ، وتعلن أن نتيجة هذا المقام الزواج. أما الرواية القرآنية فتظهر أن الخاطب هو والد الفتاتين، أي: شعيب (﵇) مقابل تأجير موسى (﵇) لنفسه لديه ثماني أو عشر سنين، والنصّ القرآني أبلغ وأفصح وأبين.
أما الفقرة السادسة عشر فهي تتناقض في الرواية التوراتية التي تجعل يوم إنزال الوحي هو يوم سوق الغنم إلى جبل الله حوريب مع الرواية القرآنية التي تجعل ذلك بعد قضاء موسى (﵇) الأجل وسيره نحو جبل الطور في سيناء، ولا ريب أن تغيير الحقيقة الواحدة من قبل حاخامات بني إسرائيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه إنما كان لمآرب إسرائيلية. وبذلك يتبين لنا أن التحديد القرآني للطور بأنه يوم بدء الوحي لموسى (﵇) هو الحقيقة التاريخية المطلقة والمهيمنة على النصّ والرواية التوراتية في سفر الخروج الذي تعرض لتحريف شديد.
أما الفقرة الثامنة عشر في الرواية التوراتية فتجعل نداء الرب من وسط شجرة العليق، والرواية القرآنية تجعل النداء الإلهي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وهو تحديد فيه البلاغة كلّ البلاغة والفصاحة كلّ الفصاحة.
стр. 457
وهناك تناقض في الفقرة التاسعة عشر إذ تجعل النداء نهياً لموسى (﵇) عن القدوم، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل الخطاب الإلهي لموسى (﵇) أشرف خطاب بطمأنته ودعوته للإقبال في قوله تعالى: ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾ وهو نص تكرر في عدة مواضع من الَقُرْآن الكَرِيم.
وفي الفقرة العشرين كان سبب الدعوة إخراج بني إسرائيل من مصر، أما الرواية القرآنية فتبين أن السبب هو دعوة فرعون وملأه للهداية إذ كانوا قوماً فاسدين وهذا أسلوب الهداية العالمية القرآنية خلافاً لأسلوب الشعب المختار توراتياً.
أما الفقرة الحادية والعشرون فتنسب لموسى (﵇) خوفه من البعثة واستهانته بنفسه على العموم، إلاَ أَن الرواية القرآنية تكرم موسى (﵇) وتجعل سبب خوفه قتله نفساً من عندهم، وفي هذا قمة التكريم الإلهي لموسى (﵇) .
وتجعل الفقرة الثانية والعشرون من الله مخاطباً في التوراة لموسى (﵇) وهو ما يستقيم به النصّ، أما التكملة فتجعل الخوف من أن لا يُصدق المصريون موسى، أما الرواية القرآنية فتجعل الخوف من التكذيب، وكأن الحاخامات اليهود من بني إسرائيل اقتبسوا هذه الفقرة القرآنية هاهنا في رواية سفر الخروج.
ونجد في الفقرة الثالثة والعشرين تشابه بين الرواية التوراتية المأخوذة من الرواية القرآنية في زمن ترجمة التوراة إلى العربية في العصر العباسي على ما حققه التاريخ، لذلك جاءت الروايتان متشابهتان.
أما الفقرة الرابعة والعشرون فتجعل اليد برصاء بعد خروجها من الجيب بينما تجعلها الرواية القرآنية ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي منيرة وتزيد على الرواية التوراتية بضم الجناح من الرهب، وهذ معجزة قرآنية في الزيادة على اليهود في توراتهم ما لم يكونوا يعرفونه حتَّى في مروياتهم.
стр. 458
ونجد الفقرة الخامسة والعشرين تتشابه في معناها العام مع الرواية القرآنية في وجود البرهانين الذين تسميهما الرواية التوراتية آيتين، وهو من اختلاف الترجمة في النقل من الآرامية والعبرانية إلى العربية، وهذا ما يعزز ما ذهبنا إليه في هذا البحث من أن حاخامات اليهود اعتمدوا بخفاء على الرواية القرآنية في تنقيح ترجمتهم للتوراة، وهذا ما استندنا في اكتشافه إلى تحليلنا العام لسورة القصص.
والفقرة السادسة والعشرون تجعل موسى لا يحسن الكلام، أما الرواية القرآنية فتنسب لموسى (﵇) من تواضعه أنه جعل أخاه هارون (﵇) أفصح منه لساناً، ونلاحظ هاهنا أن الرواية التوراتية في سفر الخروج تتعمد الانتقاص بصورة غير مباشرة من موسى (﵇) ، وهذه عادة اليهود وديدنهم في الانتقاص من الأنبياء، فهم قتلتهم ومن رموهم بالكبائر والصغائر، ومصداق ذلك في الفقرة السابعة والعشرين التي تجعل موسى يخاطب الله تعَاَلىَ ـ حاشاه ـ خطاباً جافاً (أبعث من أنت باعثه) . أما الرواية القرآنية فتجعل الخطاب ألطف خطاب ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي﴾ وهذا دليل على كمال النصّ القرآني وهيمنته على النصّ التوراتي.
стр. 459
وكذلك نجد أن الفقرة الثامنة والعشرين من هذه الفقرات تنتقص انتقاصاً جد عظيم من نبي الله موسى (﵇) بسبب حقد بني إسرائيل على أنبياء الله ـ عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ فهي تجعل غضب الرب متعمداً على موسى
(﵇) ـ وحاشاه ـ ويمن عليه بهارون (﵇) ، وهذا خلاف الحقيقة، فإن الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ تجعل الخطاب الإلهي مؤازراً لموسى (﵇)
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ وهو ما يتناسب مع واقع الحال كلّ التناسب وليس فيه انتقاص من سيدنا موسى (﵇) ، بل على العكس، فإن فيه تكريم له بشد عضده بأخيه.
ونجد في الفقرة التاسعة والعشرين تشابهاً بين الرواية التوراتية والنصّ القرآني وإن كان الخطاب القرآني أعمق في الدلالة والأمر. كذلك في الفقرة الثلاثين وإن اختلف الخطاب في الأمر بإطلاق إسرائيل، ولكن صيغة الخطاب القرآني تجعل إسناد الألوهية لفرعون، وهو ما أغفل عنه النصّ التوراتي المحرف المنحول في أساسه كله على ما قدمناه.
أما الفقرة الحادية والثلاثون فتجعل إسناد الأمر من فرعون لأعوانه من مسخري الشعب، بينما يجعل النصّ القرآني إسناد الاستكبار لفرعون وجنوده وينسب إليهم الاعتقاد الذي أثبته علم الحفريات من أن فرعون وقومه يومذاك في مصر كانوا يظنون أنهم لا يرجعون إلى الله ، بل يرجعون إلى دنيا أخرى يحكم فيها فرعون الإله، فسبق النصّ القرآني علم الحفريات الحديث في إثباته اعتقاد الفراعنة بعالم آخر ولكنهم لا يرجعون فيه إلى الله ليحاسبهم، بل إلى فرعون، وهو ما غفل عنه كُتّاب التوراة، وهذا مما يقتضي التنبيه عليه.
стр. 460
أما الفقرة الثانية والثلاثون فتختصر الرواية التوراتية القصة إلى الإغراق، أما النصّ القرآني فهو يزيد بلاغة على بلاغة، إذ يجعل الإغراق بأخذ فرعون وجنوده والتذكير بعاقبة الظالمين، وهذا أحد أوجه الإعجاز القرآني.
فإذا استبان لنا من خلال الجدول السابق وتحليلنا له الفرق الشاسع بين الروايتين، فنستطيع أن نؤكد أن العقل السليم يدلّ على أن الرواية القرآنية أصدق دلالة وأكثر تاريخية من تلك الرواية التوراتية لكل الحقائق التاريخية.