وتطيل الرواية التوراتية في الفقرة الثالثة عشر في قصة الاستسقاء بينما توجز ذلك الرواية القرآنية وتجعل موسى (﵇) في صورة الحيي الكريم ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ.
وفي الفقرة الرابعة عشر يجري الحوار بين شعيب (﵇) وبين بناته، أما الرواية القرآنية فهي من الإعجاز الوصفي بمكان عالٍ جداً إذ تقول هذه الرواية الإلهية ـ ومن أصدق من الله قيلاً ـ ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ ولا وصف أبلغ من هذا الوصف الإلهي لحياء هذه الفتاة المؤمنة وهو ما أتى بصيغة الحال.
وتظهر الفقرة الخامسة عشر رضا موسى (﵇) بالمقام عند شعيب
(﵇) ، وتعلن أن نتيجة هذا المقام الزواج. أما الرواية القرآنية فتظهر أن الخاطب هو والد الفتاتين، أي: شعيب (﵇) مقابل تأجير موسى (﵇) لنفسه لديه ثماني أو عشر سنين، والنصّ القرآني أبلغ وأفصح وأبين.
أما الفقرة السادسة عشر فهي تتناقض في الرواية التوراتية التي تجعل يوم إنزال الوحي هو يوم سوق الغنم إلى جبل الله حوريب مع الرواية القرآنية التي تجعل ذلك بعد قضاء موسى (﵇) الأجل وسيره نحو جبل الطور في سيناء، ولا ريب أن تغيير الحقيقة الواحدة من قبل حاخامات بني إسرائيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه إنما كان لمآرب إسرائيلية. وبذلك يتبين لنا أن التحديد القرآني للطور بأنه يوم بدء الوحي لموسى (﵇) هو الحقيقة التاريخية المطلقة والمهيمنة على النصّ والرواية التوراتية في سفر الخروج الذي تعرض لتحريف شديد.
أما الفقرة الثامنة عشر في الرواية التوراتية فتجعل نداء الرب من وسط شجرة العليق، والرواية القرآنية تجعل النداء الإلهي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وهو تحديد فيه البلاغة كلّ البلاغة والفصاحة كلّ الفصاحة.
стр. 457
وهناك تناقض في الفقرة التاسعة عشر إذ تجعل النداء نهياً لموسى (﵇) عن القدوم، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل الخطاب الإلهي لموسى (﵇) أشرف خطاب بطمأنته ودعوته للإقبال في قوله تعالى: ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾ وهو نص تكرر في عدة مواضع من الَقُرْآن الكَرِيم.
وفي الفقرة العشرين كان سبب الدعوة إخراج بني إسرائيل من مصر، أما الرواية القرآنية فتبين أن السبب هو دعوة فرعون وملأه للهداية إذ كانوا قوماً فاسدين وهذا أسلوب الهداية العالمية القرآنية خلافاً لأسلوب الشعب المختار توراتياً.
أما الفقرة الحادية والعشرون فتنسب لموسى (﵇) خوفه من البعثة واستهانته بنفسه على العموم، إلاَ أَن الرواية القرآنية تكرم موسى (﵇) وتجعل سبب خوفه قتله نفساً من عندهم، وفي هذا قمة التكريم الإلهي لموسى (﵇) .
وتجعل الفقرة الثانية والعشرون من الله مخاطباً في التوراة لموسى (﵇) وهو ما يستقيم به النصّ، أما التكملة فتجعل الخوف من أن لا يُصدق المصريون موسى، أما الرواية القرآنية فتجعل الخوف من التكذيب، وكأن الحاخامات اليهود من بني إسرائيل اقتبسوا هذه الفقرة القرآنية هاهنا في رواية سفر الخروج.
ونجد في الفقرة الثالثة والعشرين تشابه بين الرواية التوراتية المأخوذة من الرواية القرآنية في زمن ترجمة التوراة إلى العربية في العصر العباسي على ما حققه التاريخ، لذلك جاءت الروايتان متشابهتان.
أما الفقرة الرابعة والعشرون فتجعل اليد برصاء بعد خروجها من الجيب بينما تجعلها الرواية القرآنية ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي منيرة وتزيد على الرواية التوراتية بضم الجناح من الرهب، وهذ معجزة قرآنية في الزيادة على اليهود في توراتهم ما لم يكونوا يعرفونه حتَّى في مروياتهم.
стр. 458
ونجد الفقرة الخامسة والعشرين تتشابه في معناها العام مع الرواية القرآنية في وجود البرهانين الذين تسميهما الرواية التوراتية آيتين، وهو من اختلاف الترجمة في النقل من الآرامية والعبرانية إلى العربية، وهذا ما يعزز ما ذهبنا إليه في هذا البحث من أن حاخامات اليهود اعتمدوا بخفاء على الرواية القرآنية في تنقيح ترجمتهم للتوراة، وهذا ما استندنا في اكتشافه إلى تحليلنا العام لسورة القصص.
والفقرة السادسة والعشرون تجعل موسى لا يحسن الكلام، أما الرواية القرآنية فتنسب لموسى (﵇) من تواضعه أنه جعل أخاه هارون (﵇) أفصح منه لساناً، ونلاحظ هاهنا أن الرواية التوراتية في سفر الخروج تتعمد الانتقاص بصورة غير مباشرة من موسى (﵇) ، وهذه عادة اليهود وديدنهم في الانتقاص من الأنبياء، فهم قتلتهم ومن رموهم بالكبائر والصغائر، ومصداق ذلك في الفقرة السابعة والعشرين التي تجعل موسى يخاطب الله تعَاَلىَ ـ حاشاه ـ خطاباً جافاً (أبعث من أنت باعثه) . أما الرواية القرآنية فتجعل الخطاب ألطف خطاب ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي﴾ وهذا دليل على كمال النصّ القرآني وهيمنته على النصّ التوراتي.
стр. 459
وكذلك نجد أن الفقرة الثامنة والعشرين من هذه الفقرات تنتقص انتقاصاً جد عظيم من نبي الله موسى (﵇) بسبب حقد بني إسرائيل على أنبياء الله ـ عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ فهي تجعل غضب الرب متعمداً على موسى
(﵇) ـ وحاشاه ـ ويمن عليه بهارون (﵇) ، وهذا خلاف الحقيقة، فإن الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ تجعل الخطاب الإلهي مؤازراً لموسى (﵇)
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ وهو ما يتناسب مع واقع الحال كلّ التناسب وليس فيه انتقاص من سيدنا موسى (﵇) ، بل على العكس، فإن فيه تكريم له بشد عضده بأخيه.
ونجد في الفقرة التاسعة والعشرين تشابهاً بين الرواية التوراتية والنصّ القرآني وإن كان الخطاب القرآني أعمق في الدلالة والأمر. كذلك في الفقرة الثلاثين وإن اختلف الخطاب في الأمر بإطلاق إسرائيل، ولكن صيغة الخطاب القرآني تجعل إسناد الألوهية لفرعون، وهو ما أغفل عنه النصّ التوراتي المحرف المنحول في أساسه كله على ما قدمناه.
أما الفقرة الحادية والثلاثون فتجعل إسناد الأمر من فرعون لأعوانه من مسخري الشعب، بينما يجعل النصّ القرآني إسناد الاستكبار لفرعون وجنوده وينسب إليهم الاعتقاد الذي أثبته علم الحفريات من أن فرعون وقومه يومذاك في مصر كانوا يظنون أنهم لا يرجعون إلى الله ، بل يرجعون إلى دنيا أخرى يحكم فيها فرعون الإله، فسبق النصّ القرآني علم الحفريات الحديث في إثباته اعتقاد الفراعنة بعالم آخر ولكنهم لا يرجعون فيه إلى الله ليحاسبهم، بل إلى فرعون، وهو ما غفل عنه كُتّاب التوراة، وهذا مما يقتضي التنبيه عليه.
стр. 460
أما الفقرة الثانية والثلاثون فتختصر الرواية التوراتية القصة إلى الإغراق، أما النصّ القرآني فهو يزيد بلاغة على بلاغة، إذ يجعل الإغراق بأخذ فرعون وجنوده والتذكير بعاقبة الظالمين، وهذا أحد أوجه الإعجاز القرآني.
فإذا استبان لنا من خلال الجدول السابق وتحليلنا له الفرق الشاسع بين الروايتين، فنستطيع أن نؤكد أن العقل السليم يدلّ على أن الرواية القرآنية أصدق دلالة وأكثر تاريخية من تلك الرواية التوراتية لكل الحقائق التاريخية.
بعد أن بين الله وعلا قصة سيدنا موسى (﵇) وما جرى فيها من أحداث عظام، ينتقل السياق القرآني ليوظف هذه القصة كأحد الأدلة على صدق الرسول ( ﷺ ) في دعوته، فرسول الله ( ﷺ ) يتلو هذه الأحداث بتفاصيلها كما يقصها شاهد عيان، وما كان حاضراً زمانها، ولم يكن يقرأ ويكتب، ولكن تنزيل العزيز الرحيم، فبعد أن بين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((١)) أنه تعالى أرسل سيدنا موسى بعد أن أهلك القرون الأولى، ودرست الشرائع واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى ما فيه صلاحهم أردف بقوله تعالى:
﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ لبيان الحاجة إلى إرسال رسوله محمد ( ﷺ ) لمثل تلك الدواعي، التي دعت إلى إرسال موسى (﵇) ، لئلا يكون للناس حجة ((٢)) بعد الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ ((٣)) .
стр. 463
وإن ذكر قصة سيدنا موسى (﵇) وما جرى للمكذبين له من عقاب بشارة للرسول ( ﷺ ) أن النصر هو حليف المؤمنين مهما عظمت قوة الكافرين. ومن هذا يتبين لنا الإعجاز القرآني في اختيار الآيات والكلمات والمعاني في مواقفها الخاصة بها، وجاء ذكر سيدنا موسى (﵇) كدليل على صدق رَسُول الله ( ﷺ ) ، ولوجود توافق كبير بين حياة النبيين الكريمين ـ عَلَيْهما الصَلاة والسَّلام ـ وللتشابه في الظروف التي مرت بهم، وهذا ما سنبينه لاحقاً إن شاء الله تعالى.
فمع وجود قصتين في السورة بينهما زمن طويل، إلاَ أَن السورة جاءت بأحداث القصتين فيها ترابط، وبين آياتها تناسب في دلالتها بحيث وظفت قصة سيدنا موسى (﵇) توظيفاً رائعاً للاستدلال بها على صدق الرَّسُول ( ﷺ ) وصدق دعوته.
أسباب النزول
ذكر الطبري في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ عن مجاهد، قال: اليهود تأمر قريشاً أن تسأل مُحَمَّداً مثل ما أوتي موسى، يقول الله لمحمد ( ﷺ ) : قل لقريش يقولوا لهم: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ((١)) ؟
стр. 464
ونقل القرطبي عن الكلبي: " بعثت قريش إلى اليهود وسألوهم عن بعث مُحَمَّد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الجواب إليهم
﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ ، وقال قوم: إن اليهود علموا المشركين، وقالوا: قولوا لمحمد لولا أوتيت مثل ما أوتي موسى، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة، فهذا الاحتجاج وارد على اليهود، أي: أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى حين قالوا في موسى وهارون هما ساحران " ((١)) .
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ نقل الطبري عن رفاعة القرظي، قال: " نزلت هذه الآية في عشرة أنا أحدهم " ((٢)) .
وقال الواحدي: " إن الآية مما اختلف العلماء في سبب نزولها " ((٣)) .
تحليل الألفاظ
١. ﴿قَضَيْنَا﴾ :
القضاء، قال ابن منظور: " الحكم وأصله قضايّ، لأنه من قَضَيْت إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت والجمع الأقضية، القضيّة مثله والجمع القضايا على فَعالى، وأصله فضائل. وقال أبو بكر: قال أهل الحجاز: القاضي معناه في اللغة القاطع للأمور المحكِم لها... والقضايا الأحكام واحدتها قضية.
قال ابن السيرافي: قضاهما فرغ من عملها، والقضاء الحكم والأمر، وقضى أي حكم، ومنه القضاء والقدر " ((٤)) .
стр. 465
وقال الراغب: " القضاء فصل الآمر قولاً كان ذلك أو فعلاً، وكل واحد منهما على وجهين إلهي وبشري، فمن القول الإلهي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ((١)) ، أي: أمر بذلك، ومن القول البشري نحو: قضى الحاكم بكذا، فإن حكم الحاكم يكون بالقول، ومن الفعل البشري: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ ((٢)) ، فالقضاء هو الحكم من أعلى إلى أدنى على ما قاله أهل اللغة ((٣)) .
٢. ﴿قُرُونًا﴾ :
قال الراغب: " القرن القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ((٤)) " ((٥)) .
وقال ابن منظور: " الأُمَّة تأتى بعد الأَمَةِ. قيل: مدته عشر سنين وقيل: عشرون سنة. وقيل: ثلاثون. وقيل: ستون. وقيل: سبعون. وقيل: ثمانون. وقيل: القرن مائة سنة، والذي يقع عندي إن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي، أو كان فيها طبقة من أهل العلم. قلت السنون أو كثرت " ((٦)) .
٣. ﴿فَتَطَاوَلَ﴾ :
يقال: طويل وطوّال، وعريض وعراض للجمع طِوالُ. وقيل: طيال باعتبار الطول. قيل: للحبل المرخي على الدابة: طَول وطوّل فرسك أي أرخ طِوَلهُ. وقيل: طوال الدهر لمدته الطويلة، وتطاول فلان " إذا اظهر الطوّل أو الطْوّل قال تعالى: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ ((٧)) " ((٨)) .
٤. ﴿ثَاوِيًا﴾ :
стр. 466
الثوّاء " طولُ المقام ثَوَى يَثْوي ثَواءً، وَثوَيْتُ بالمكان وثَويَتهُ ثواءً وثوِايّاً مثل مضى يمضي مَضَاء وُمضاءً وُمضّياً، والأخيرة عند سيبويه، وثويت له أطلت الإقامة به وأثْوَيتْه أنا وَثّويْته ألزمته الثّواء فيه، وثَوَى بالمكان نزل فيه، وبه سمي المنزل مثوَى، والمثوَى الموضع الذي يقام به وجمعه المثاوي " ((١)) .
وقال الراغب: " الثواء الإقامة مع الاستقرار " ((٢)) .
٥. ﴿تَظَاهَرَا﴾ :
" الظّهر الجارِحَةُ وجمعهُ ظهورُ رجل ُمظَهّرُ شديد الظهر. ويعبّر عن المركوب بالظهر ويستعار لمن يتقوى به ظهر عليه غلبه وظاهرته عاونته قال تعالى: ﴿وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ ((٣)) " ((٤)) .
قال الآلوسي: أي تعاوناً بتصديق كل واحد منهما الآخر تأييده إياه ((٥)) .
٦. ﴿وَصَّلْنَا﴾ :
قال ابن منظور: " وصلت الشيء وصلاً وصلة، والوصل ضد الهجران. وقال ابن سيده: الوصل خلاف الفصل وفي التنزيل: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ﴾ ، أي: وصلنا ذكر الأنبياء وأقاصيص بعضها ببعض لعلهم يعتبرون " ((٦)) .
وقال الراغب: " أي أكثرنا لهم القول موصولاً بعضه البعض " ((٧)) .
٧. ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ :
" الدّرْءُ الدفع درأهُ يَدْرؤهُ دَرْءاً دَرْأ هُو درْأهُ دَفَعَهُ تداَرأ القوم تدافعوا في الخصومة " ((٨)) .
стр. 467
وقال الراغب: " الَدْرءُ الميل إلى أحد الجانبين يقال: قوّمتُ دَرْأه وَدَرَأتُ عنه َدفعتُ عن جانبه ودارَأتهُ دافعته " ((١)) .
٨. ﴿نُتَخَطَّفْ﴾ :
الخَطْفُ: الاستلابُ. وقيل: الخَطْفُ الأخذ في سرعِة استلاب خطفِه بالكسر يْخطفهُ خَطفاً بالفتح " ((٢)) . وقال الراغب: " الخطف والاختطاف الاختلاس بالسرعة يقال خَطَفَ يَخْطَفَ وخَطفَ يْخِطفْ وقرئ بهما جميعاً " ((٣)) .
القراءات القرآنية
١. ﴿رَحْمَةً﴾ :
قرأت رحمة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بالنصب والرفع، فقد قرأ الجمهور: (رَحْمَةً) بالنصب بمعنى جعلناك رحمة وقدر: أعلمناك ونبأناك رحمة. وقرأ عيسى، وأبو حيوة بالرفع: (رَحْمَةٌ) ، وقدر: ولكن هو رحمة، أو أنت رحمة ((٤)) .
٢. ﴿سِحْرَانِ﴾ :
واختلف القراء في قراءة (سِحْرَانِ) ، فقرأ الجمهور: (سَاحِرَان) وقرأ عبد الله، وزيد بن علي، والكوفيين: (سِحْرَان) ((٥)) .
٣. ﴿تَظَاهَرَا﴾ :
أصلها تتظاهران ثم أدغمت التاء في الظاء وحذفت النون وروعي ضمير الخطاب، ولو قريء يظاهرا بالياء حملاً على مراعاة ساحران لكان له أوجه، أو على تقديرهما ساحران تظاهرا ((٦)) .
٤. ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ :
قرأ زيد بن علي، والفرّاء بالرفع (اتَّبِعُهُ) لأنه صفة لكتاب وكتاب نكرة ((٧)) .
٥. ﴿وَصَّلْنَا﴾ :
стр. 468
قرأ الحسن (وَصَلْنا) بالتخفيف ((١)) .
القضايا البلاغية
المجاز العقلي: ﴿أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾ المراد به الأمم، لأنهم يخلقون في تلك الأزمنة، فنسب إلى القرون بطريق المجاز العقلي ((٢)) .
﴿تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ جناس الاشتقاق، ويسمّى أيضاً جناساً ناقصاً ((٣)) ((٤)) .
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ مجاز مرسل ((٥)) . قال الزَّمَخْشَرِيّ: " لما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كلّ عمل معبراً عنه باجتراح الأيدي وتقديم الأيدي وإن كان من أعمال القلوب، وهذا من الاتساع في الكلام وتصير الأقل تابعاً للأكثر وتغليب الأكثر على الأقل " ((٦)) ، أي: من باب إطلاق الجزء على الكل، فالمجاز المرسل بذلك تعلق بما قدمته أيديهم، والأيدي لا تقدم العمل لأن العمل لا يمسك باليد، فكان التعبير القرآني ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دالاً على عظم الصيغة القرآنية في تصوير القضايا البلاغية.
стр. 469
قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ فالأمر خرج عن حقيقته إلى معنى التعجيز ((١)) ، وهذا من أساليب الَقُرْآن الكَرِيم البليغة أن يأمر الله تعَاَلىَ بشيء هو يعلم أنهم لا يقدرون عليه كقوله تعالى: ﴿قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ((٢)) ، وهو تعالى يعلم أنهم لا يستطيعون ذلك.
المعنى العام للآيات
﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾
وما كنت يا محمد بجانب غربي الجبل ((٣)) . وقال البقاعي " أي: الوادي من الطور الذي رأى موسى (﵇) فيه النار، وهو مما يلي البحر منه من جهة الغرب على يمين المتوجه إلى ناحية مكة المشرفة، ومن ناحية مصر، فناداه منه العزيز الجبار وهو ذو طوى " ((٤)) .
والمعنى أنك على ما أخبرتك لم تكن موجوداً وقت ذاك ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾ .
قال أبو حيان: " والأمر. قيل: النبوة والحكم الذي أتاه الله موسى وقيل: الأمر أمر مُحَمَّد ( ﷺ ) أن يكون من أمته، وهذا التأويل يستقيم معه مما بعده من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾ . وقيل: الأمر هلاك فرعون بالماء، ويحمل الغربي على اليم، وبدأ أولا بنفي شئ خاص، وهو أنه لم يحضر ومعه وقت قضاء الله لموسى الأمر، ثم ثنى بكونه لم يكن من الشاهدين بجميع ما أعلمناك به، ونفي لشهادة جميع ما جرى لموسى، فكان عموماً بعد خصوص " ((٥)) .
стр. 470
ويجيب الرازي ﵀ عن سؤال مهم ربما يخطر في البال وهو: أنه تعالى لما قال: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ ثبت أنه لم يكن شاهداً، لأن الشاهد لا بد أن يكون معه حاضراً، فما الفائدة إذاً من إعادة قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾ بقوله: " قال ابن عباس ﵄ التقدير: لم تحضر الموضع، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع، فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ويرى " ((١)) .
وأرى أن ذلك قمة البلاغة في الوصف القرآني، فيزول بذلك سؤال فخر الدين الرازي، والإشكال الذي افترضه في تفسيره ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ " أي: ولكنا أنشأنا من عهد موسى إلى عهدك قروناً كثيرة، فتطاول عليهم العمر إلى أن وجد القرن الذي أنت فيه، فدرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء وأحوال موسى، وأرسلناك بما فيه سعادة البشر " ((٢)) .
ونحن نوافق ما أورده القرطبي في الذي ذهب إليه من أن ذكر رسول الله
( ﷺ ) جاء على لسان كل الأنبياء " ظاهراً هذا يوجب أن يكون جرى لنبينا (﵇) ذكر في ذلك الوقت وان الله سيبعثه، ولكن طالت المدة وغلبت القسوة فنسى القوم ذلك " ((٣)) .
стр. 471
ويشير الزملكاني في البرهان عن إشارة لطيفة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ ...﴾ ، فيقول: " فإن مثل هذا يقال لمن جرى له ذكر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾ ، وهو من الشهادة على الشيء، لا أنه بمعنى الحضور، إذ قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ قد أفاده. وقوله تعالى:
﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ ، من باب ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ ((١)) ، وطول العهد منسيٍ ومؤدٍ إلى الإهمال، أي: فأهملوا وصيتنا بالإيمان بك، وهو إشارة إلى ما أوحي إليهم في التوراة من أمر نبينا ( ﷺ ) " ((٢)) .
وفي الآية نكتة بلاغية جديرة بالالتفات إليها هي أن الصيغة القرآنية للخطاب ذكرت رسول الله ( ﷺ ) بأنه رسول صادق كصدق موسى الرسول (﵇) باقتضاء الدلالة المفهومة بمقابلة (بجانب الغربي) برسول الله ( ﷺ ) في مكة المكرمة.
стр. 472
وقال أبو حيان في البَحْر المُحِيْط، والرازي في مفاتيح الغيب: " فإن قلت كيف يتصل قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾ بهذا الكلام، ومن أي جهة يكون استدراكاً؟ قلت: اتصاله به وكونه استدراكاً من حيث أن معناه: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قروناً كثيرة، فتطاول على أخرهم، وهو القرن الذي أنت فيهم. واندرست العلوم، فوجب إرسالك، فأرسلناك وكسبنّاك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى، كأنه قال: وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة النظرة، ودلّ به على المسبب على عادة الله في اختصاره " ((١)) .
﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾
" أي: وما كنت مقيماً في أهل مدين إقامة موسى وشعيب حال كونك ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ﴾ ، أي: تقرأ على أهل مدين بطريق التعليم منهم ﴿آيَاتِنَا﴾ الناطقة بالقصة
﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إياك وموحين إليك تلك الآيات " ((٢)) .
ونقل الرازي وجهين في قوله تعالى: ﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ﴾ " الوجه الأول ـ قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ولكنا كنا مرسلين أرسلناك وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها. الوجه الثاني ـ قال الضحاك: يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب، وإنما كان غيرك، ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولاً " ((٣)) .
ونحن نرجح الوجه الأول.
стр. 473
﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
" أي: كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى فرعون، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات " ((١)) .
﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ " أي: لكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر رحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس " ((٢)) .
وذكر الرازي لطيفة من لطائف القرآن الكريم الكثيرة، وهي " إنه تعالى لما بين قصة موسى (﵇) قال لرسوله: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ ، و ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا﴾ ، و ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ ، فجمع تعالى بين كل ذلك، لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى (﵇) ، إذ المراد بقوله: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا﴾ أول أمره، والمراد ناديناه وسط أمره، وهو ليلة المناجاة لما بين تعالى أنه (﵇) لم يكن في هذه الأحوال حاضراً، بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين، ثم فسر تلك الرحمة بأن قال: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ " ((٣)) .
﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
" أي: لم يأتيهم نذير لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى، وهي خمسمائة وخمسون سنة " ((٤)) .
وفي الآية اقتضاء لرسالة محمد ( ﷺ ) بتذكيره (﵇) بإنذاره كفار قريش الذين لم يأتهم نذير ليتذكروا ذلك، وهذا من بديع الأسلوب القرآني.
стр. 474
﴿وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾
قال الطبري في تأويل هذه الآية: " لولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك يا محمد إليهم، لو حلّ بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم واكتسابهم الآثام واجتراحهم المعاصي، ربنا هلا أرسلت إلينا رسولاً من قبل أن يحل بنا سخطك والمصيبة في هذا الموضع العذاب والنقمة " ((١)) .
وذكر القرطبي أنه تعالى " خص الأيدي بالذكر في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ، لأن الغالب من الكسب إنما يقع بها " ((٢)) .
وأرى أن الآية دالة في عمومها على معنى المنة على الكفار من أهل مكة بإرسال رسول الله مُحَمَّد ( ﷺ ) ، إذ لو لم يرسل لهم لاحتجوا بأنهم لم يعرفوا رسلاً، وهذه بعض مواطن رحمة الله تعالى بعباده، وإقامة الحجة عليهم.
﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُون َ﴾
стр. 475
قال أبو حيان " والحق هو الرسول محمد ( ﷺ ) جاء بالكتاب المعجز الذي قطع معاذيرهم. وقيل: القرآن. ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ أي: من قبل الكتاب المنزل جملة واحدة، وانقلاب العصا حية، وفلق البحر وغيرها من الآيات، اقترحوا ذلك على سبيل التعنت والعناد، كما قالوا: لولا أنزل عليه كنز، وما أشبه ذلك من المقترحات لهم، وهذه المقالة التي قالوها هي من تعليم اليهود لقريش قالوا لهم ألاَ يأتي بآية باهرة كآيات موسى، فرد الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى، وقد وقع منهم في آيات موسى ما وقع من هؤلاء في آيات الرسول " ((١)) .
﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ نقل الطبري عن قتادة في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ : قالت ذلك أعداء الله اليهود للإنجيل والفرقان فمن قال: (ساحران) فيقول (محمد وعيسى) ((٢)) .
وقيل: المراد به " أن موسى ومحمد ـ عَلَيْهِما الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ تعاونا على السحر " ((٣)) .
وقيل: المراد به " موسى وهارون قاله مجاهد، فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة " ((٤)) .
والذي يبدو لي أن المراد به سيدنا موسى (﵇) ، وسيدنا مُحَمَّد ( ﷺ ) ، وذلك بدلالة قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ وهو القرآن، ومن جاء به هو سيدنا مُحَمَّد ( ﷺ ) . وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ هذا على قراءة (ساحران) أو على قراءة (سحران) يكون المقصود القرآن والتوراة.
стр. 476
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
أي " قل يا محمد للقائلين للتوراة والإنجيل هما سحران تظاهرا أتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما لطريق الحق ولسبيل الرشاد ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ
صَادِقِينَ﴾ في زعمكم أن هذين الكتابين سحران، وأن الحق في غيرهما " ((١)) .
وذكر أبو حيان " أن تعليق إتيانهم بشرط الصدق أمر متحقق متيقن أنه لا يكون ولا يمكن صدقهم، كما أنه لا يمكن أن يأتوا بكتاب من عند الله يكون أهدى من الكتابين " ((٢)) . وهذا من آرائه البليغة.
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
قال الآلوسي ﵀: " فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب أهدى منهما، وإنما عبر عنه بالاستجابة إيذاناً بأنه ( ﷺ ) على كمال أمن من أمره، كان أمره ( ﷺ ) لهم بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه. وقيل: المراد فإن لم يستجيبوا دعاءك إياهم إلى الإيمان بعد ما وضح لهم من المعجزات التي تضمنها كتابك الذي جاءهم، فالاستجابة على ظاهرها لأن الإيمان أمر يريد ( ﷺ ) حقيقة وقوعه منهم بمعنى الإجابة ونتصدى إلى الداعي باللام " ((٣)) .
والذي يتوجه عندي في ذلك أنهم خوطبوا بذلك لعجزهم الكلي عن الآتيان بكتاب أهدى من الكتب التي أنزلها الله تعالى، وهذا وجه من أوجه الإعجاز القرآني.
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
стр. 477
قال الفراء: " أنزلنا عليهم الَقُرْآن يتبع بعضه بعضاً " ((١)) .
وقال ابن عاشور: " للتوصيل أحوال كثيرة فهو باعتبار ألفاظه ووصلِّ بعضه ببعض، ولم ينزل جملة واحدة، وباعتبار معانيه، ووصلّ أصنافاً من الكلام وعداً ووعيداً، وترغيباً وترهيباً، وقصصاً ومواعظ، وعبراً ونصائح، يعقب بعضه بعضاً " ((٢)) .
ما يستفاد من النصّ
بعد تحلينا للنص والوقوف على معانيه يمكن لنا أن نستخلص المعاني والعبر الآتية:
أولا. استدل القرآن الكريم بقصص الأنبياء والأمم السابقة التي جاء ذكرها في القرآن بتفاصيل أحداثها على صدق الرسول ( ﷺ ) فيما جاء به فالقرآن الكريم تحدث عن قصة سيدنا موسى (﵇) مع فرعون وقومه بتفاصيل دقيقة ربما لا يعرفها حتى أهل الكتاب أنفسهم، وتحدث كذلك عن قصص للأنبياء مع أممهم مما لا علم للنبي ( ﷺ ) ولا لأهل جزيرة العرب بها، مما يؤكد كون القرآن وحياً من عند الله بصدقه في الخطاب التاريخي خلافاً لمن زعم أن قصصه للعظة وليست للأخبار التاريخية.
ثانياً. دلت هذه الآيات على حاجة البشرية إلى هدي النبوة في عهد سيدنا موسى
(﵇) بعد أن أهلك القرون الأولى ودرست الشرائع واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى صلاحهم في الدنيا والآخرة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((٣)) .
ثالثاً. نستدل من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ على تاريخ اليهود المريب تكذيبهم ومحاربتهم لرسل الله ﵈ على مرّ العصور وقتلهم الأنبياء بغير حق.
стр. 478
رابعاً. نستدل من سياق الآيات على الحاجة الماسة في حياتنا المعاصرة للأخذ بالوعي الإلهي المنزل على رسول الله ( ﷺ ) في الدين والدنيا والنفس والمجتمع، لأن ذلك مما يعين على إدراك الاستقرار الروحي الذي نحن جميعاً بأمس الحاجة إليه اليوم.
خامساً. إن تلك المعاني القديمة تدل فيما تدل عليه أن التواصل الحضاري لا زال قائماً بين الأمم، وأن الأمم تنسى بمرور الزمن أحداثاً ما كان لها أن تنساها بدلالة قوله تعالى: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ وأن للأمم كلها على اختلافها لهم سنن ثابتة في حياتها الحضارية.
المطلب الثاني: إيمان طوائف من أهل الكتاب بدعوته ( ﷺ -)
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ((١)) .
المناسبة
نلاحظ أن النص القرآني يعرض في هذه الآيات والتي قبلها صوراً مختلفة للإيمان وللسلوك الخلقي.
الصورة الأولى متمثلة في كفر كفار قريش وتكذيبهم للرسول ( ﷺ ) مستعينين باليهود على اختلاق الحجج الواهية وزرع الشكوك في نفوس المؤمنين كما مرّ في الآيات السابقة.
стр. 479
والصورة الثانية تقدم نموذجاً أخراً، وصوراً أخرى وهي استقامة الطبع وخلوص النية متمثلة في فريق من الذين أوتوا الكتاب الذين كانوا مثلاً للعباد الصالحين، فآمنوا بالنبي محمد ( ﷺ ) وصدقوا بالقرآن وكانوا مثالاً في الأخلاق الحميدة، كما عبر عنه المفسرون من قدماء ومحدثين
فأراد الَقُرْآن الكَرِيم بامتداحه الذين آمنوا من أهل الكتاب أن يعيب على كفار قريش عدم إيمانهم بالرسول ( ﷺ ) ، فكان الأولى بهم أن يصدقوه لأنهم يعرفون صدقه وسيرته الحسنة بينهم، ونلاحظ الترابط والتناسق بين هذه الآيات والتي قبلها في مدح الَقُرْآن الكَرِيم للذين آمنوا من قريش، بالمقارنة التي استخدمها الَقُرْآن.
أسباب النزول
ذكر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ عدة روايات منها ما رواه الطبري عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن علي بن رفاعة، قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب، منهم أبو رفاعة ـ يعني أباه ـ إلى النبي ( ﷺ ) ، فآمنوا، فأوذوا، فنزلت:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ قبل القرآن ((١)) .
ونقل الماوردي قولين في سبب نزول هذه الآية:
أحدهما ـ نزلت في عَبْد الله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العنبري وسلمان الفارسي، أسلموا، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها، قاله قتادة.
стр. 480
الآخر ـ إنها نزلت في أربعين رجلاً من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي ( ﷺ ) قبل مبعثه اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه، وثمانية قدموا من الشام منهم بحيرة، وغبرهة، والأرشف، وعامر، وايمن، وإدريس، ونافع، فأنزل الله فيهم هذه الآية، والتي بعدها إثر قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ ((١)) .
ونقل القرطبي رواية عن عروة بن الزبير أنها نزلت في النجاشي وأصحابه، ووجه باثني عشر رجلاً، فجلسوا مع النبي ( ﷺ ) ، وكان أبو جهل وأصحابه قريباً منهم، فآمنوا بالنبي ( ﷺ ) ، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه، فقال لهم: خيبكم الله من ركب، وقبحكم من وفد، ولم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ركباً أحمق منكم ولا أجهل، فقالوا: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ، لم نأل أنفسنا رشداً.
﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ ((٢)) .
ولا يمكن ترجيح رواية على أخرى، ولكن الذي أراه مناسباً أنها نزلت عامة فيمن كان قبل رسالة النبي ( ﷺ ) على دين سماوي ولما جاء المصطفى ( ﷺ ) آمنوا به وأوذوا في سبيل الإسلام أشد الأذى فصبروا.
تحليل الألفاظ
١. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ :
الإيمان ضد الكفر والإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب يقال: آمن به قوم وكذب به قوم.
стр. 481
وقال الزجاج: الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة ولما أتى به النبي
( ﷺ ) واعتقاده وتصديقه بالقلب، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن مسلم غير مرتاب ولا شاك، وهو الذي يرى أداء الفرائض واجب عليه لا يدخله في ذلك ريب (١) .
وقال الراغب الأصفهاني: " الإيمان يستعمل تارة اسماً للشريعة التي جاء بها محمد ( ﷺ ) ، ويوصف بها كل من دخل في شريعته مقراً بالله وبنبوته قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ﴾ ((٢)) .
وتارة يستعمل على سبيل المدح ويراد به إذعان النفس للحق على السبيل التصديق ((٣)) .
٢. ﴿مُسْلِمِينَ﴾ :
الإسلام والاستلام الانقياد والإسلام من الشريعة إظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبي ( ﷺ ) وبذلك يحقن الدم. قال ثعلب: الإسلام باللسان، والإيمان بالقلب. قال الأزهري: الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به الرسول ( ﷺ ) ، وبه يحقن الدم فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان ((٤)) .
٣. ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ :
الدَرّءُ الدَفّعْ دَرَأهُ يَدْرؤهُ دَرْءاً وَدْرأهً دَفَعهُ وتدارَأ القومُ تدافعوا في الخصومة ونحوها ودرأت بالهمز دافَعْت، وكل من دَفْعتهُ عنك فقد دَرَأْتهُ
والمدارَأَةُ المخالفةُ المدافعة ((٥)) .
قال الراغب الأصفهاني: " الدرْءُ المَيلُ إلى أحَدِ الجانبين يقال: قوّمتُ َدرْأهُ وَدَرأتُ عنه دَفعْتُ عن جانبه " ((٦)) .
٤. ﴿اللَّغْوَ﴾ :
стр. 482
الّلغا الّسقط وما لا ُيعتّد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع. اللّغو والّلغا والَلغوْي ما كان من الكلام غير معقود عليه. اللغو في الإيمان ما لا يعقد عليه القلب مثل قولك (لا والله) . قال الشافعي: اللغو في لسان العرب الكلام غير المعقود عليه ((١)) .
القضايا البلاغية
في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ عبر الَقُرْآن الكَرِيم عنهم باسم الإشارة لتنبيه على أنهم جديرون بما سيذكر بعد اسم الإشارة من الأوصاف.
﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي أعمالنا مستحقة لنا كناية عن ملازمتهم إياها. وأما قوله: ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ فهو تتميم على حد ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ((٢)) .
﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ المقصود من السلام أنه سلام المباركة المكنى بها عن الموادعة أن لا نعود لمخاطبتكم. قال الحسن: كلمة (السلام عليكم) تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين، ولعل الَقُرْآن غير مقالتهم بالتقديم والتأخير لتكون مشتملة على الخصوصية المناسبة للإعجاز، لأن تأخير الكلام الذي فيه المباركة إلى أخر الخطاب أولى ان يكون فيه براعة المقطع " ((٣)) .
المقابلة في قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ فإن الحسنة مقابلة للسيئة، وقد زادت بها الجملة جمالاً.
стр. 483
ونحن نرى أن القضايا البلاغية في هذه الآيات هو ما يتمثل في قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ آفاق في الكلام تقديماً وتأخيراً إذ الأصل يدرءون السيئة بالحسنة، ولكن لما كان ذكر الحسنة مقدماً بلاغياً على ذكر السيئة قدمت الحسنة وأضيف لهما باء الجر.
المعنى العام للآيات
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ﴾
قال الماوردي: " في معناها وجهان:
أحدهما ـ يعني الذين آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل الَقُرْآن وهم بالقرآن يؤمنون قاله يحيى بن سلام.
الثاني ـ الذين آتيناهم التوراة والإنجيل هم بمحمد ( ﷺ ) يؤمنون، قاله ابن شجرة " ((١)) .
وهاهنا يثور سؤال مهم: هل المقصود بالذين آتيناهم الكتاب اليهود وحدهم أم اليهود والنصارى؟
والذي أراه أن سياق الآيات يدلّ على أن المقصود جميع أهل الكتاب من يهود ونصارى على اختلاف مشاربهم، فكلهم يعرفون رَسُول الله ( ﷺ ) كما يعرفون أبنائهم، ولكن كفر من كفر منهما حسداً وحقداً وغلاً " ((٢)) .
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ ، أي: من قبل الَقُرْآن. وقيل: من قبل مُحَمَّد ( ﷺ ) ﴿هُمْ بِهِ﴾ ، أي: بالقرآن أو بمحمد ( ﷺ ) ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ((٣)) .
стр. 484
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ ، أي: إذا قريء عليهم الَقُرْآن قالوا صدقنا بما فيه ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ . وقال الرازي: " قوله إنه الحق من ربنا يدلّ على التعليل يعني أن كونه حقاً من عند الله يوجب الإيمان به. وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ بيان لقوله: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيد، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء ﵈ المتقدمين من البشارة بمقدمه ((١)) . وهو ما تدلّ عليه المعاني الكامنة في الآية الكريمة: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ ، وذكروا في معناها عدة وجوه، وهي:
الأول ـ إنهم صبروا على الإيمان بمحمد ( ﷺ ) قبل أن يبعث ثُمَّ على إتباعه حين بعث، قاله الضحاك.
الثاني ـ يؤتون أجورهم مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل مُحَمَّد ( ﷺ ) ومرة أخرى بإيمانهم بمُحَمَّد ( ﷺ ) .
الثالث ـ قال مقاتل: هؤلاء لما آمنوا بمُحَمَّد ( ﷺ ) شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح، وأجر على الإيمان، فيروى أَنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.
ويرجح الرازي القول الأول، ويستدل على ذلك بأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة، وبيّن أيضاً أنهم كانوا به مؤمنين قبل البعثة، ثُمَّ أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك " ((٢)) .
стр. 485
والذي أرجحه هو القول الثاني بأنهم يؤتون أجرهم مرتين لإيمانهم بأنبيائهم الذين كانوا قبل النبي ( ﷺ ) ، ومرة لإيمانهم بمحمد ( ﷺ ) ، فعن أبي موسى الأشعري (﵁) : ((أن رَسُول الله ( ﷺ ) قال: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ( ﷺ ) فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أدّى حق الله تعَاَلىَ وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثُمَّ أدبها فأحسن أدبها، ثُمَّ أعتقها وتزوجها فلها أجران " ((١)) .
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ " فيه عدة وجوه:
أحدهما ـ (يدفعون) بالعمل الصالح ما تقدم من ذنب، قاله ابن شجرة.
الثاني ـ يدفعون بالحلم جهل الجاهل.
الثالث ـ يدفعون بالسلام قبح اللقاء، وهذا معنى قول النقاش.
الرابع ـ يدفعون بالمعروف المنكر، قاله ابن جبير.
الخامس ـ يدفعون بالخير الشر، قاله ابن زيد.
السادس ـ يدفعون بالتوبة ما تقدم من المعصية " ((٢)) .
وأغلب هذه الأقوال يدلّ على مكارم الأخلاق وذات معنى متقارب ولا نجد فيها خلافاً كبيراً.
يقول القرطبي: " فهذه آية مهادنة، وهي من صدر الإسلام، وهي مما نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاه أمة محمد ( ﷺ ) إلى يوم القيامة ((٣)) .
стр. 486
ومنه قوله ( ﷺ ) لأبي ذر: ((اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) ((١)) .
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ في سبيل الخير ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
قال مجاهد: السبّ والأذى.
وقال الضحاك: الشرك.
وقال ابن زيد: ما غيرته اليهود من وصف الرَّسُول ( ﷺ )
﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ وتركوه تكرماً ((٢)) .
والراجح أنهم إذا سمعوا ما قال المشركون من الأذى والشتم، أعرضوا عنه ولم ينشغلوا به كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ ((٣)) .
أما قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ فقال الطبرسي: " أي: لا نسأل نحن عن أعمالكم ولا تسألوا عن أعمالنا، بل كلّ منا يجازى على عمله " ((٤)) .
وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ((٥)) .
﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال صاحب الخازن: " ليس المراد من (سلام) تحية، ولكن سلام المشاركة، والمعنى: سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم " ((٦)) .
﴿لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ " لا نطلب صحبتهم ولا نريد مخالطتهم " ((٧)) .
ما يستفاد من النصّ
стр. 487
نستدل من إيمان هؤلاء النفر من أهل الكتاب بنبوة المصطفى ( ﷺ ) أن جميع رسالات الله ذات أصل واحد فيما يتعلق بالعقائد ومكارم الأخلاق، فهي قاطبة تدعو إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتدعو إلى فعل الخير، وتنهى عن فعل الشر، وتأمر بطاعة الله. والَقُرْآن الكَرِيم قد احتوى على تلك الأسس جميعاً من حلال وحرام، وترغيب وترهيب، ومواعظ وقصص، فجاء مصدقاً للأنبياء من قبله، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ((١)) وكذلك تضمن الَقُرْآن فضلاً عن ذلك أحكام وتشريعات جديدة تتناسب ورسالة الله الخاتمة.
لما كان الَقُرْآن الكَرِيم مشتملاً على أصول كتبهم ومصدقاً لنبوة أنبيائهم ودعا الناس للإيمان بهم، فصار كفر أهل الكتاب بالنبي ( ﷺ ) أو بكتابه كفراً بكتبهم ورسلهم، فإن التوراة قد بشرت بنبوته ( ﷺ ) في عدة أسفار ((٢)) ، وكذلك الإنجيل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ((٣)) .
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ودلت هذه الآية كذلك على صفة أخرى من صفات الأتقياء، وهي بذل المال في سبيل الله.
стр. 488
ودل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ الآية، على الدعوة بالابتعاد عن اللغو، والابتعاد عن الدخول في المنافسات والجدال العقيم في مسائل أخلاقية غير مهمة والابتعاد عن مجادلة الجهلة لأن الجدل مع أهل اللغو لغو، والتركيز على كلّ ما يربط الإنسان بخالقه.
نستدل من الآيات على أن الكفر برسالة بمحمد ( ﷺ ) يدخل اليهود والنصارى في الكفر ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ((١)) ما دامت الدعوة قد بلغتهم على اختلاف مشاربهم المذهبية.
المطلب الثالث: الهداية البيانية والهداية التوفيقية
﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ((٢)) .
المناسبة
فيما مرّ من الآيات السابقات تم استعراض نموذجاً من الذين نزل عليهم الوحي، وبلغتهم دعوة المصطفى ( ﷺ ) النموذج الأول المتمثل في كفار قريش الذين كانوا يمارون بغير حقّ، ويأتون بالحجج لا ليؤمنوا كقولهم: ﴿لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ، فبين الَقُرْآن الكَرِيم أنهم لم يكونوا صادقين في حجتهم بقوله تعالى: ﴿أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ ، والنموذج الآخر هو فريق من الذين أوتوا الكتاب ممن استقام طبعهم، وخلصت نيتهم، فبين الَقُرْآن الكَرِيم طريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ .
стр. 489
ثُمَّ أراد الَقُرْآن الكَرِيم في هذه الآيات أن يبين أن هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب لم يزد الرسول ( ﷺ ) في جهاده معهم للإيمان على أن يتلو عليهم الَقُرْآن ووراءه من قومه من جهده ليؤمن، ومن أحب بكل نفسه أن يهديه للإسلام فلم يقدِّر الله له ذلك لأمر يعلمه من نفسه، وما كان النبي ( ﷺ ) ليهدي من يحب، إنما يهدي الله من يعلم من نفسه ما يستحق به الهدى ومن هو مستعد للإيمان ((١)) . فناسبت هذه الآية مكانها في سُوْرَة الْقَصَصِ، وناسبت أيضاً ما قبلها ليكتمل المعنى بأن الهداية التوفيقية هي بيد الله وحده، العالم بمن يستحقها، والهداية البيانية هي مهمة الرسل والأنبياء والدعاة أن يقوموا بها.
أسباب النزول
أخرج مسلم، عن أبي هريرة (﵁) قال: قال رَسُول الله ( ﷺ ) لعمه:
((قل لا إله إلا الله أشهد لك يوم القيامة. قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقرت بها عينك، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ﴾ )) ((٢)) .
وأخرج النسائي بسند جيد عن أبي سعيد بن رافع قال: سألت ابن عمر عن هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أفي أبي جهل، وأبي طالب؟ قال: نعم " ((٣)) .
تحليل الألفاظ
١. ﴿تَهْدِي﴾ :
стр. 490
الهُدى ضدّ الضلال وهو الرَّشادُ، والهادي من أَسماء الله . وقد هَداه هُدىً وهَدْياً وهِدايةً وهِديةً وهَداه للدِّين هُدىً وهَداه يَهْدِيه في الدِّين هُدىً. وقال الليث: ومعنى هَدَيْتُ لك في معنى بَيَّنْتُ لك وهُدَى الله، أَي: الصِّراط الذي دَعا إِليه هو طَرِيقُ الحقّ. وقال ابن بري: يقال هديته الطريق بمعنى عرفته.
وقال ابن الأَثير: والهادي هو الذي بَصَّرَ عِبادَه وعرَّفَهم طَريقَ معرفته حتى أَقرُّوا برُبُوبِيَّته، وهَدى كل مخلوق إِلى ما لا بُدَّ له منه في بَقائه ودَوام وجُوده ((١)) .
وقال الراغب الأصفهاني: " الهداية دلالة بلطف ... وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه:
الأول: الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية.
الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٢) .
الثالث: الهداية التوفيقية التي يختص بها من اهتدى، وهو المعني بقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ ((٣)) . وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ((٤)) .
стр. 491
الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ ((١)) .
وهذه الهدايات الأربع مرتبة؛ فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة، ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله.
أما بقية أنواع الهداية فهي لله وحده، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ، وكل هداية ذكر الله أنه منع الظالمين والكافرين منها، فهي الهداية التوفيقية، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة، وإدخال الجنة.
قال تعالى: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ((٢)) وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ((٣)) ... إذ طالب الهدى ومتحريه هو الذي يوفقه ويهديه إلى طريق الجنة لا من يتحرى طريق الظلال والكفر ((٤)) .
فالهداية بذلك التي هي نقيض الضلال دالة في سياق تعريفها الاصطلاحي على كونها بنوعيها هي من هبات الله .
القضايا البلاغية
١. في الآية طباق سلب بين ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وبين ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .
المعنى العام للآيات
﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
стр. 492
" هداية متواصلة إلى البغية لا محالة " ((١)) . وقال الزَّمَخْشَرِيّ: " لا تقدر أن تدخل في الإسلام كلّ من أحببت أن يدخل فيه من قومك ومن غيرهم لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره " ((٢)) .
وقال النسفي: " يخلف فعل الاهتداء فيمن يشاء " ((٣)) .
وقال الشيخ أحمد الصاوي: " أي فسلّم أمرك لله، فإنه أعلم بأهل السعادة والشقاء ولا يبالي بأحد " ((٤)) .
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
" بالمستعدين لذلك " ((٥)) .
وقال البقاعي: " أي الذين هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم، فيكونوا عرقيين فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو العرب، أقارب كانوا أو أباعد " ((٦)) .
وقال الشيخ زاده: " وهذه الآية حجة لنا على المعتزلة في قولهم إن الهدى هو البيان، وقد هدى الناس جميعاً، ولكن لم يهتد البعض منهم بسوء اختيارهم، فهذه الآية دلت على أن وراء البيان ما يسمى هداية، وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق والقدرة التي هي داعية اكتساب الخير والاجتناب عن الشر إذ يفعل ما يشاء بحكمته لا يسئل عما يفعل " ((٧)) .
ما يستفاد من النصّ
١ـ كثيراً ما يعتذر المخلّ بواجب الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه الآية، ويتشبث بظاهرها ليرفع اللوم عنه بسبب تكاسله بحجة أن الهداية بيد الله، ونفاها عن حبيبه ( ﷺ ) ، وكذلك يعتذر بهذه الآية المنهمكون في الشهوات والمعاصي بحجة أن الله لم يهده، والجواب عن ذلك في شقين:
стр. 493
إِنْ الله جَلَّ وَعَلا قد أرسل رسله وأنبياءه ليهدون الناس إلى طريق مستقيم، طريق الهداية، وهو ما يسمى بالهداية الإرشادية، لكي لا يكون للناس حجة بعد الرسل، فمن واجب الأنبياء والرسل والدعاة أن يقوموا ما باستطاعتهم ويؤدوا واجبهم في التبليغ، وتبيين شرع الله، وهذا الواجب الذي عليهم، وليس بمقدورهم ولا من واجبهم أن يجعلوا كلّ الناس مهتدين، فهذا بيد الله وحده.
إِنْ هداية الله جَلَّ وَعَلا لبعض عباده دون آخرين بما يسمى (الهداية التوفيقية) تسبقها مقدمات مستندة إلى الهدايات الأخرى وهذه المقدمات هي عبارة عن صلاحيات اكتسبها أصحابها بالهداية الأولى العامة، وأتبعها أعمال صالحة، بمعنى أن المعنيين بالهداية الخاصة أصبحوا مستحقين لنزول تلك الرحمة، إما بإنابتهم إلى الله ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ ((١)) ، أو بجهادهم في سبيل الله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ((٢)) ، أو بأعمالهم الصالحة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ ((٣)) ، فإن الله لا يهدي الوقم الكافرين، ولا الظالمين، قال تعالى: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ((٤)) ، وقوله: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) . فالظلم والفسوق تكون حجباً تمنع نفوذ الهداية الإلهية (التوفيقية) .
стр. 494
٢ ـ اختلف المفسرون في إسلام (أبي طالب) استناداً إلى مدلولات هذه الآية
﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ، ومن الأحاديث الواردة في سبب نزول هذه الآية. قال قسم من المفسرين: إنه لم يسلم. وقال آخرون إنه الأسلم. قال الرازي: " وهذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب ". وذكر الطباطبائي أن الروايات المستفيضة عن أهل البيت دلت على إيمانه " والمنقول من أشعاره بالإقرار على صدق النبي ( ﷺ ) وحقية دينه، وهو الذي آوى النبي ( ﷺ ) صغيراً وحماه بعد البعثة وقبل الهجرة فقد كان آثر مجاهدته وحده في حفظ نفسه الشريف " ((١)) .
الذي أراه أن الثابت في الروايات الصحيحة الواردة في سبب نزول هذه الآية أنه مات على غير الإسلام، أما ما استدل به الطباطبائي من أشعار أبي طالب على إسلامه فليس بحجة، فليس فيها دلائل على إسلامه وإنما فيها دلالة على نصرته، ولم ينكره أحد، كقوله:
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما نطاعن عن حوله ونقاتل
ونسلمه حتَّى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ((٢))