الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ ((١)) .
وهذه الهدايات الأربع مرتبة؛ فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة، ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله.
أما بقية أنواع الهداية فهي لله وحده، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ، وكل هداية ذكر الله أنه منع الظالمين والكافرين منها، فهي الهداية التوفيقية، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة، وإدخال الجنة.
قال تعالى: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ((٢)) وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ((٣)) ... إذ طالب الهدى ومتحريه هو الذي يوفقه ويهديه إلى طريق الجنة لا من يتحرى طريق الظلال والكفر ((٤)) .
فالهداية بذلك التي هي نقيض الضلال دالة في سياق تعريفها الاصطلاحي على كونها بنوعيها هي من هبات الله .
القضايا البلاغية
١. في الآية طباق سلب بين ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وبين ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .
المعنى العام للآيات
﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
стр. 492
" هداية متواصلة إلى البغية لا محالة " ((١)) . وقال الزَّمَخْشَرِيّ: " لا تقدر أن تدخل في الإسلام كلّ من أحببت أن يدخل فيه من قومك ومن غيرهم لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره " ((٢)) .
وقال النسفي: " يخلف فعل الاهتداء فيمن يشاء " ((٣)) .
وقال الشيخ أحمد الصاوي: " أي فسلّم أمرك لله، فإنه أعلم بأهل السعادة والشقاء ولا يبالي بأحد " ((٤)) .
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
" بالمستعدين لذلك " ((٥)) .
وقال البقاعي: " أي الذين هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم، فيكونوا عرقيين فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو العرب، أقارب كانوا أو أباعد " ((٦)) .
وقال الشيخ زاده: " وهذه الآية حجة لنا على المعتزلة في قولهم إن الهدى هو البيان، وقد هدى الناس جميعاً، ولكن لم يهتد البعض منهم بسوء اختيارهم، فهذه الآية دلت على أن وراء البيان ما يسمى هداية، وهو خلق الاهتداء، وإعطاء التوفيق والقدرة التي هي داعية اكتساب الخير والاجتناب عن الشر إذ يفعل ما يشاء بحكمته لا يسئل عما يفعل " ((٧)) .
ما يستفاد من النصّ
١ـ كثيراً ما يعتذر المخلّ بواجب الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه الآية، ويتشبث بظاهرها ليرفع اللوم عنه بسبب تكاسله بحجة أن الهداية بيد الله، ونفاها عن حبيبه ( ﷺ ) ، وكذلك يعتذر بهذه الآية المنهمكون في الشهوات والمعاصي بحجة أن الله لم يهده، والجواب عن ذلك في شقين:
стр. 493
إِنْ الله جَلَّ وَعَلا قد أرسل رسله وأنبياءه ليهدون الناس إلى طريق مستقيم، طريق الهداية، وهو ما يسمى بالهداية الإرشادية، لكي لا يكون للناس حجة بعد الرسل، فمن واجب الأنبياء والرسل والدعاة أن يقوموا ما باستطاعتهم ويؤدوا واجبهم في التبليغ، وتبيين شرع الله، وهذا الواجب الذي عليهم، وليس بمقدورهم ولا من واجبهم أن يجعلوا كلّ الناس مهتدين، فهذا بيد الله وحده.
إِنْ هداية الله جَلَّ وَعَلا لبعض عباده دون آخرين بما يسمى (الهداية التوفيقية) تسبقها مقدمات مستندة إلى الهدايات الأخرى وهذه المقدمات هي عبارة عن صلاحيات اكتسبها أصحابها بالهداية الأولى العامة، وأتبعها أعمال صالحة، بمعنى أن المعنيين بالهداية الخاصة أصبحوا مستحقين لنزول تلك الرحمة، إما بإنابتهم إلى الله ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ ((١)) ، أو بجهادهم في سبيل الله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ((٢)) ، أو بأعمالهم الصالحة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ ((٣)) ، فإن الله لا يهدي الوقم الكافرين، ولا الظالمين، قال تعالى: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ((٤)) ، وقوله: ﴿وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) . فالظلم والفسوق تكون حجباً تمنع نفوذ الهداية الإلهية (التوفيقية) .
стр. 494
٢ ـ اختلف المفسرون في إسلام (أبي طالب) استناداً إلى مدلولات هذه الآية
﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ، ومن الأحاديث الواردة في سبب نزول هذه الآية. قال قسم من المفسرين: إنه لم يسلم. وقال آخرون إنه الأسلم. قال الرازي: " وهذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب ". وذكر الطباطبائي أن الروايات المستفيضة عن أهل البيت دلت على إيمانه " والمنقول من أشعاره بالإقرار على صدق النبي ( ﷺ ) وحقية دينه، وهو الذي آوى النبي ( ﷺ ) صغيراً وحماه بعد البعثة وقبل الهجرة فقد كان آثر مجاهدته وحده في حفظ نفسه الشريف " ((١)) .
الذي أراه أن الثابت في الروايات الصحيحة الواردة في سبب نزول هذه الآية أنه مات على غير الإسلام، أما ما استدل به الطباطبائي من أشعار أبي طالب على إسلامه فليس بحجة، فليس فيها دلائل على إسلامه وإنما فيها دلالة على نصرته، ولم ينكره أحد، كقوله:
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما نطاعن عن حوله ونقاتل
ونسلمه حتَّى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ((٢))
قال البقاعي: " ولما عجب من حال قريش في طلبهم من الآيات مثل ما أوتي موسى (﵇) ، ثُمَّ كفرهم به، وبما هو أعظم منه، وختم بِأَنَّهُ أعلم بأهل الخير وأهل الشرّ إلى الإعراض عن الأسف على أحد، والإقبال على عموم الدعاء للقريب والبعيد على حد سواء، قال دليلاً لأنهم إنما يتبعون أهوائهم عاطفاً على قولهم: ﴿لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ((١)) ، ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ ((٢)) ، كان الرد بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ " ((٣)) . ومناسبة هذه الآيات على موقعها أنها جاءت لبيان حال قريش في كفرهم برسول الله ( ﷺ ) ، وكيف أن الله بين تفاهة حججهم بعد تعداد نعمه عليهم.
ثُمَّ دعتهم الآيات إلى الاعتبار بإهلاك الله للأمم السابقة لأنهم تنكروا لنعم الله، وبطروا بها، فنلاحظ كيف أن الآيات جاءت متناسقة متناسبة فيما بينها، ولتعطي القارئ صورة لعناد قريش، ثُمَّ تربطه بما جرى للأمم السابقة لغرض العبرة والعظة، ولكي يستمر الاتعاض بها في كلّ زمان ومكان من خلال نبذها للدنيا، وتذكير الإنسان بأن ما عند الله خير وأبقى ((٤)) .
أسباب النزول
стр. 497
نقل الطبري عن ابن عباس ﵄ أن الحارث بن نوفل الذي قال ﴿إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ . وقال أيضاً: قد علمنا أنك رسول الله، ولكن نخاف أن نتخطف من أرضنا، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ ((١)) .
ونقل الزمخشري " عن الزجاج إجماع المسلمون أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمد أو صدقوه، تفلحوا وترشدوا، فقال النبي ( ﷺ ) : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟ قال: فما تريد يا ابن أخي؟ قال: أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول: لا اله ألا الله أشهد لك بها عند الله، قال: يا ابن أخي قد علمت أنك لصادق، ولكن أكره أن يقال: خرع عند الموت، ولولا أن تكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف.
قالت قريش ـ وقيل: إن القائل الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف ـ نحن نعلم أنك على الحق، ولكن نخاف أن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك وإنما نحن أكلة راس ـ أي: قليلون ـ يتخطفونا من أرضنا " ((٢)) .
وجاء في بيان نزول قول تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾
والتي اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية؟
قال مجاهد: نزلت في النبي ( ﷺ ) وفي أبي جهل بن هشام.
стр. 498
وعن مجاهد أنها نزلت في حمزة، وعلي بن أبي طالب، وأبي جهل ((١)) .
وقيل: نزلت في عمار، وفي الوليد بن المغيرة ((٢)) .
والذي أرجحه جمعاً بين الروايات أنها نزلت في رسول الله ( ﷺ ) ومن معه ـ رضوان الله عليهم ـ وفي قريش ومن معهم من الكافرين أخذاً لظاهر المعنى وتوجيههاً للقراءات المختلفة فيه.
تحليل الألفاظ
١. ﴿نُتَخَطَّفْ﴾ :
" الخَطْفُ: الإِسْتِلابُ، وقيل: الخَطْفُ الأَخْذُ في سُرْعةٍ واسْتِلابٍ. خَطِفَه، بالكسر، يَخْطَفُه خَطْفاً، بالفتح، وهي اللغة الجيّدة، وفيه لغة أُخرى حكاها الأَخفش: خَطَفَ، بالفتح، يَخْطِفُ بالكسر، وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف: اجّتَذَبه بسُرْعة " ((٣)) .
وقال الراغب الأصفهاني: " الخطف والاختطاف: الاختلاس بالسرعة، يقال: خَطِفَ يَخْطِف، وخَطَف يَخْطَف، وقرئ بهما جميعاً " ((٤)) .
٢. ﴿نُمَكِّنْ﴾ :
المَكْنُ والمَكِنُ: بيضُ الضَّبَّةِ والجَرَادة ونحوهما واحدته مَكْنةٌ. ومَكِنة، بكسر الكاف. وقد مَكِنَتِ الضَّبَّةُ وهي مَكُونٌ وأَمْكَنتْ وهي مُمْكِنٌ إِذا جمعت البيض في جوفها، والمكنة التمكن، تقول العرب: إِن بني فلان لذوو مَكِنةٍ من السلطان أَي تَمكُّنٍ. قال ابن بري: لا يصح أَن يقال في المَكِنة إِنه المكان إلا على التَّوَسُّع لأن المكنّة إنما هي بمعنى التمكن.
стр. 499
والطَّلِبَة بمعنى التَّطَلُّبِ والتَّبِعَةِ بمعنى التَّتُّبع. يقال: إِنَّ فلاناً لذو مَكِنةٍ من السلطان، فسمي موضع الطير مَكِنةً لتَمكُّنه، والمَكانةُ المَنْزلة عند الملك. وقال أبو منصور: المكان والمكانة واحد. قال ابن سيده: تَمَكَّنَ من الشيء واستمكن: ظفر ((١)) .
٣. ﴿يُجْبَى﴾ :
جَبَى الخراجَ والماء والحوضَ يَجْبَاهُ ويَجْبِيه: جَمَعَه. جَبَيْتُ الماء في الحوض وجَبَوْته والجابي: الذي يجمع الماء للإبل. والجِباوةً اسم الماء المجموع، والجبا بالفتح الحوض الذي يجبى فيه الماء ((٢)) .
قال الراغب الأصفهاني: جبيت الماء في الحوض: جمعته، والحوض الجامع له: جابية، وجمعها جواب. ومنه استعير: جبيت الخراج جباية على طريق الاصطفاء ((٣)) .
٤. ﴿بَطِرَتْ﴾ :
البَطَرُ: النشاط، وقيل: التبختر، وقيل: قلة احتمال النِّعمة، وقيل: الدَّهَشُ والحَيْرَةُ. وقيل: البَطَرُ الطُّغيان في النِّعْمَة. وقيل: هو كراهة الشيء من غير أَن يستحق الكراهية. بَطِرَ بَطَراً، فهو بَطِرٌ. والبَطَرُ: الأَشَر، وهو شدّة المَرَح. وبَطِرَ النِّعْمَةَ بَطَراً، فهو بَطِرٌ: لم يشكرها ((٤)) .
وقال الراغب الأصفهاني: " البطر: دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها " ((٥)) .
٥. ﴿مُهْلِكَ﴾ :
الهَلْكُ: الهلاك. هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكاً وهَلْكاً وهَلاكاً: مات. واستعمل أبو حنيفة الهلكة في جفوف النبات ((٦)) .
стр. 500
وقال الراغب الأصفهاني: " الهلاك على أربعة أوجه:
افتقاد الشيء عنك، وهو عند غيرك موجود كقوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ ((١)) .
وهلاك الشيء باستحالة وفساد، كقوله: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ ((٢)) .
والثالث: الموت، كقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ((٣)) .
بطلان الشيء من العالم وعدمه رأسا، وذلك المسمى فناء المشار إليه بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ ((٤)) ، ويقال للعذاب والخوف والفقر: الهلاك ((٥)) .
٦. ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾ :
الحُضُورُ: نقيض المَغيب والغَيْبةِ؛ حَضَرَ يَحْضُرُ حُضُوراً وحِضارَةً؛ وقال الجوهري: حَضْرَةُ الرجل قُرْبهُ وفِناؤه. وقال الأَزهري: الحَضْرَةُ قُرْبُ الشيء، تقول: كنتُ بِحَضْرَةِ الدار، أي: بقربه ((٦)) .
القراءات القرآنية
١. ﴿الْهُدَى﴾ :
قرأها بالإمالة حمزة، والكسائي، وورش ((٧)) .
٢. ﴿نُتَخَطَّفْ﴾ :
قرأ المنقري: (نُتَخَطَّفُ) برفع الفاء ((٨)) .
٣. ﴿يُجْبَى﴾ :
قرأ نافع، وعاصم، وأبو جعفر: (تُجْبَى) بتاء التأنيث، وقرأ الباقون بالياء، وحجة من قرأ بتاء التأنيث (الثمرات) ، وحجة من قرأ بالياء أنه فرق بين المؤنث وفعله بـ (إليه) لأنه تأنيث غير حقيقي، ولأن معنى الثمرات الرزق، فحمل على المعنى فَذُكِّر ((٩)) .
٤. ﴿ثَمَرَاتُ﴾ :
стр. 501
قرأ الجمهور (ثَمَرَاتُ) بفتحتين، وقرأ أبان بن تغلب بضمتين: (ثُمُرات) ، وهي قراءة شاذة ((١)) .
٥. ﴿فِي أُمِّهَا﴾ :
قرأ حمزة، والكسائي: (امِّها) وصلاً للإتباع ((٢)) .
٦. ﴿تَعْقِلُونَ﴾ :
قرأ أبو عمرو (يعقلون) بالياء إعراضاً عن خطابهم، وخطاب لغيرهم كأنه قال: انظروا إلى هؤلاء وسخافة عقولهم أفلا يعقلون يا مُحَمَّد ( ﷺ ) .
وقرأ الجمهور بالتاء على خطابهم وتوبيخهم في كونهم أهملوا العقل في العاقبة، ونسب هذه القراءة أبو علي في الحجة إلى أبي عمرو وحده ((٣)) .
٧. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾ :
قرأ طلحة: (أمَن وَعَدْنَاه) بحذف الفاء ((٤)) .
٨. ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ :
وقريء: (مَتَاعًا الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) انتصب الحياة الدنيا على الظرف ((٥)) .
٩. ﴿ثُمَّ هُوَ﴾ :
بسكون الهاء (هْوَ) كما قرأها الكسائي، وأبو جعفر وصلاً ((٦)) .
القضايا البلاغية
стр. 502
١. الإسناد المجازي ((١)) (مجاز عقلي) في قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ ، لأن المراد أهل الحرم. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ المراد أهلها بدليل قوله تعالى بعد:
﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً﴾ ، أي: لقد زهوا بها حيناً من الدهر وغرتهم الأماني وأبطرتهم النعمة وكان ديدنهم ديدن المترفين الرافلين في حلل السعادة، فما عتموا أن فنوا وطوتهم الأيام وبقيت آثارهم شواخص ((٢)) .
المعنى العام الآيات
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾
" أي: نستلب من أرضنا يعني أرض مكة والحرم، وقيل: إنما قاله الحارث بن نوفل بن عبد مناف فإنه قال للنبي ( ﷺ ) : إنا لنعلم أن قولك الحق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك أن يتخطفنا العرب من أرضنا، ولا طاقة لنا بالعرب ((٣)) ، فقال : ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ .
قال الماوردي: " فيه وجهان:
أحدهما ـ إنه جعله آمناً بما طبع النفوس عليه من السكون إليه حتَّى لا ينفر منه الغزال والذئب والحمام والحدأة.
الثاني ـ إنه جعله آمناً بالأمر الوارد من جهته بأمان من دخله ولاذ به، قاله يحيى بن سلام، يقول: كنتم آمنين في حرمي تأكلون رزقي وتعبدون غيري أفتخافون إذا عبدتموني وأمنتم بي " ((٤)) .
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾
стр. 503
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ " هو استفهام إنكار، وهذا الإنكار يقتضي توبيخاً على هذا الحال التي نزلوا لأجلها منزلة من ينفي أن الله مكن لهم حرماً " ((١)) .
﴿يُجْبَى﴾ أي يجمع ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه
﴿إِلَيْهِ﴾ ، أي: خاصة دون غيره من جزيرة العرب ((٢)) .
﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ " أي يجمع إليه ثمرات كلّ أرض وبلد " ((٣)) ، وقال ابن عاشور: " عام في كلّ ذي ثمرة، وهو عموم عرفي، أي: ثمر كلّ شيء من الأشياء المثمرة المعروفة " ((٤)) .
﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا، والعندية مجاز في التكريم والبركة أي: رزقاً قدرناه لهم إكراماً، فكأنه رزق خاص من مكان شديد الاختصاص ((٥)) .
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ قال النسفي:" متعلق بـ (من لدنا) ، أي: قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله. و (أكثرهم) جهلة لا يعلمون ذلك، ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الخوف والأمن من عنده ولما خافوا التخطف إذ أمنوا به " ((٦)) .
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾
قال القرطبي: " بين لمن توهم أنه لو آمن لقاتلته العرب أن الخوف في ترك الإيمان أكثر، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار" ((٧)) .
﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾
قال الرازي: " في هذا الاستثناء وجوه:
стр. 504
أحدهما ـ قال ابن عباس ﵄: لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوماً أو ساعة.
ثانياً ـ يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقى أثرها في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلاً فتهلكه كما أهلكت من قبله " ((١)) . ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ " لهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم، وسائر ما يتصرف فيه، والشيء إذا لم يبق له مالك معين. قيل: إنه ميراث الله هو الباقي بعد خلقه " ((٢)) .
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ قال أبو السعود: " بيان للعناية الربانية إثر بيان إهلاك القرى المذكورة، أي: وما صحّ، وما استقام، بل يستحال في سنته المبنية على الحكم البالغة، أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الإنذار، بل كانت عادته أن لا يهلكها ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً﴾ " ((٣)) .
﴿فِي أُمِّهَا﴾ قال الماوردي فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما ـ أوائلها، قاله الحسن.
الثاني ـ في معظم القرى من سائر الدنيا، حكاه ابن عيسى.
الثالث ـ إن أم القرى مكة، قاله قتادة " ((٤)) .
وقال الخازن: " في أكبرها وأعظمها رسولاً ينذرهم، وخصّ الأم ببعثه الرسول لأنه يبعث إلى الأشراف وهم سكان المدن. وقيل: حتَّى يبعث في أم القرى وهي مكة رسولاً يعني مُحَمَّد ( ﷺ ) لأنه خاتم الأنبياء " ((٥)) .
والذي أرجحه أن المقصود هو أم القرى بدلاله السياق.
стр. 505
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ، أي: بتكذيب الرسل والعتو في الكفر " ((١)) .
وقال عطاء: " يريد بظلمهم أهلكتهم وظلمهم شركهم " ((٢)) .
وجاء في المحرر الوجيز " إن الله تعالى يقيم الحجة على عباده بالرسل فلا يعذب إلا بعد أن يتمادى أهل القرى في ظلم وطغيان، والظلم هنا يجمع الكفر والمعاصي والتقصير في الجهاد. وبالجملة وضع الباطل موضع الحق " ((٣)) .
والذي أراه أن المعنى الخاص بالظلم يشمل كفرهم بالله تعالى على ما يتضح من سياق النص.
ويثور هنا سؤالان أوردها الرازي ﵀:
السؤال الأول: لماذا ما أهلك الله الكفار قبل بعثة مُحَمَّد ( ﷺ ) مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى، والتكذيب بمحمد ( ﷺ ) ؟
السؤال الثاني: لماذا ما أهلكهم بعد مبعث مُحَمَّد ( ﷺ ) مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى والتكذيب بمحمد ( ﷺ ) ؟
فأجاب عن السؤال الأول بقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ .
وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة.
وأجاب عن السؤال الثاني بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ أنفسهم بالشرك، وأهل مكة ليسوا كذلك، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون، وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمناً ((٤)) .
стр. 506
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾
أجاب الله جل وعلا عن شبهتهم التي قالوا فيها تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا، فبين الله تعالى خطأهم في ذلك، لأن ما عند الله خير وأبقى وذلك لوجهين كما ذكر الرازي:
أحدهما ـ إن المنافع هناك أعظم.
وثانيها ـ إنها خالصة عن الشوائب، ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار بل الضار فيها أكثر.
وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة، ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً، فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر، فكان من الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستيفاء منافع الدنيا، ونبه عن ذلك بقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ يعني: من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل ((١)) .
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾
قال المراغي في تفسير هذه الآية "أي: أفمن وعدناه من خلقنا على طاعته إيانا بالجنة وجزيل نعيمها مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر فآمن بما وعدناه وأطاعنا، فاستحق أن نجزله وعدنا فهو لاقيه حتماً وصائر إليه، كمن متعناه الحياة الدنيا ونسي العمل بما واعدنا به أهل الطاعة، وآثر لذة عاجلة على لذة آجلة لا تنفذ، ثم هو يوم القيامة إذا ورد على الله من المحضرين لعذابه واليم عقابه " ((٢)) .
وأرى أن المقصود بذاك الوعد بمغفرة الله تعالى ورضوانه بإقراره في دار القرار والمستقر الجنة يوم القيامة، وهو ما يوضحه المعنى العام للآيات.
ما يستفاد من النصّ
стр. 507
١. دل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ على أنهم لا ينكرون أنه الهدى، فإن أهل الجزيرة العربية بما اشتهروا به من فصاحة اللغة وحسن البيان أدركوا بفطرتهم أن الذي جاء به مُحَمَّد ( ﷺ ) ليس من كلام البشر، ولا هو من سجع الكهان، ولا هو من السحر، ولكن ما منعهم من الإيمان به هو العصبية القبلية، والخشية من ذهاب السلطة الدينية والسياسية والإدارية عن مكة المكرمة.
فقد جاء فيما يرويه ابن هشام عن ابن إسحاق أن عتبة بن ربيعه قرا عليه الرسول ( ﷺ ) سورة فصلت إلى أن وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ ((١)) ، فأمسك عتبة بفيه وناشده الرحم أن يكف عن القراءة، وذلك خوفاً مما تتضمنه الآية من تهديد. ثم عاد عتبة إلى أصحابه فقالوا: ما ورائك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي إني سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فو الله ليكون لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ((٢)) .
стр. 508
٢. دلت الآيات على أن الأمن والخوف من الله، فالله جل وعلا وحده الحافظ، والنافع والضار، والمحي والمميت، والمعز والمذل، وأنه لو اجتمعت كل قوى الأرض على أن تضر إنساناً أو مجتمعاً دخل في حمى الله لا تستطيع، ولا أن تنصر من خذله الله، فالخوف الحقيقي هو في البعد عن هوى الله، والأمن لا يكون إلا في حمى الله.
قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ((١)) .
فلو عادت الدول العربية والإسلامية إلى كتابها وتمعنت به لأنقذها من حيرتها أمام القوة الغاشمة (أمريكا) وتفردها بمصائر الشعوب، فقد انهار من انهار من المسلمين أمام قوة أمريكا، وقدم التنازلات تلو الأخرى لإرضائها، ولم يجرأ على مخالفتها، فعلى المسلمين أن يعلموا أن الأمن من الله لا من أمريكا والخوف من الله لا من أمريكا.
٣. ودلت كذلك هذه الآيات على أن البطر والظلم من أسباب هلاك الأمم والشعوب قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ .
٤. ودلت هذه الآيات كذلك على أن الأمم لا تستمر حضارياً إن عتت باقتصادها ببطران المعيشة، وتغيير نعم الله ، لأن ذلك مشعر ببوار هذه الأمم إلى يوم القيامة.
стр. 509
المطلب الثاني: مشاهد من يوم القيامة وتوبيخ المشركين على مزاعمهم
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ * فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ ((١)) .
المناسبة
بعد أن ردّ القرآن الكريم على حجج المشركين، وبيَّن تهافتها بتأكيده على أن الأمن يكون بالقرب من الله، وأن الخوف في البعد عنه، يجول النص بهم جولة أخرى بعرض مشهد من مشاهد يوم القيامة وما يحصل فيه من الإهانة والتقريع والعذاب للمشركين حين يسألهم عدة أسئلة للتوبيخ والتأنيب:
السؤال الأول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ؟
السؤال الثاني: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ ؟
السؤال الثالث: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ ؟
فأراد القرآن الكريم من خلال هذه الآيات أن يجسد حقيقية مهمة لعباده، مفادها أن الخوف ينبغي أن يكون من الله، فهو القاهر فوق عبادة ويبطل الخوف من غيره، فما قدره الله كائن لا محالة، وما لم يقدر لم يقع أبداً. إذن علام الخوف من المرض، وعلام الخوف من الفقر، وعلامة الخوف من الموت إذا كان كلّ شي مقدر ومكتوب؟
стр. 510
قال تعالى ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ((١)) .
تحليل الألفاظ
١. ﴿تَزْعُمُونَ﴾ :
الزَّعْم والزِّعم والزُّعْم ثلاث لغات القول زَعَمَ زَعْماً وزُعْماً وزِعْماً، أي: قال. وقيل: هو القول يكون حقاً ويكون باطلاً.
وقال الليث: سمعت أهل العربية يقولون: إذا قيل: ذكر فلان كذا أو كذا، فإنما يقال ذلك للأمر يستيقن أنه حق، وإذا شك فيه فلم يدر لعله كذب أو باطل. قيل: زعم فلان. وقيل: الزعم الظن. وقيل: الكذب ((٢)) .
قال الراغب الأصفهاني: الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذم القائلين به ((٣)) .
٢. ﴿أَغْوَيْنَا﴾ :
غَوَى الغَيَّ الظَّلال والخيبة. غَوَى بالفتح غَيَّاً وغَوِى غِوَايَة، فعن أبي عبيد: ضلَّ ورجل غاوٍ وغَوٍ وغَوَى وغَيَّان ضَالّ وإِغْواء. قال ابن الإعرابي: الغَيّ الفساد ((٤)) .
قال الراغب الأصفهاني: " الغَيُّ جهل من اعتقاد فاسد " ((٥)) .
٣. ﴿تَبَرَّأْنَا﴾ :
قال الراغب: برأ أصل البُرْء والبَراء والتَّبِّري مما يكره مجاوزته ولذلك. قيل: بَرَأْتُ من المرض، وبَرَأتُ من فلان، وتَبَرَّأتُ وأبْرَأتُه وأَبْرَأتُه من كذا، وبَرَأتُه، ورجل بَرِئ وقوم بُرَاء وبَرِيئُون ((٦)) .
٤. ﴿فَعَمِيَتْ﴾ :
стр. 511
العمى: ذهاب البصر كله عَمِي يَعْمَى عَمَىً فهو أَعْمَى وأعْمَاي يعَامِي أعْمِياء، وتعمَى في معنى عَمِيَ. قال الليث: رجل أعْمَى وامرأة عَمْياء ولا يقع هذا النعت على العين الواحدة لأن المعنى يقع عليها جميعاً ويقال: امرأتان عُمياً ونسوة عُمياً وقوم عُمي، وتَعَامى الرجل أي أري من نفسه ذلك ((١)) .
وقال الراغب: العَمَى في اقتضاء البصر والبصيرة، ويقال في الأول: أعمى، وفي الثاني أعمى وعمٍّ. وعَمِي عليه، أي: أشتبه حتى صار بالإضافة إليه كالأعمى ((٢)) .
٥. ﴿الْمُفْلِحِينَ﴾ :
الفَلح والفَلاح: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير. قال الأزهري: إنما قيل لأهل الجنة مفلحون لفوزهم ببقاء الأبد ((٣)) .
وقال الراغب الأصفهاني: الفلاح الظفر وإدراك بغية، وذلك ضربان دنيوي وأخروي، فالدنيوي الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا، وهو البقاء والغنى والعز، وفلاح أخروي وذلك أربعة اشياء بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل " ((٤)) .
القراءات القرآنية
١. ﴿غَوَيْنَا﴾ :
قرأ أبان عن عاصم وبعض الشاميين: (غَوِينا) بكسر الواو ((٥)) .
٢. ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ :
قرأ يعقوب: (يناديهم) بضم الهاء ((٦)) .
٣. ﴿فَعَمِيَتْ﴾ :
وقرأ الأعمش، وجناح بن حبيش، وأبو زرعة، وابن عمرو بن جرير بضم العين وتشديد الميم (فَعُمَّيَتْ) والمعنى أظلمت عليهم الأمور فلا يستطيعوا أن يخبروا بما فيه نجاة لهم ((٧)) .
٤. ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ :
стр. 512
قرأ طلحة (يسَّاءلون) بإدغام التاء في السين، أي: لا يسأل بعضهم بعضاً فيما يتحاجون به ((١)) .
القضايا البلاغية
أولاً. أسلوب السخرية والتهكم في قول تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ((٢)) .
ثانياً. تشيبه مرسل في قوله تعالى: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ ووجه الشبة في أنهم تلقوا الغواية من غيرهم فأفاد التشبيه أن المجيبين أغواهم مغوون قبلهم وهم يحسبون هذا الجواب يدفع التبعية عنهم ((٣)) .
ثالثاً. استعارة تصريحية ((٤)) تبعية في قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ﴾ أستعير العمى لعدم الاهتداء، فهم لا يهتدون للأنباء، ثم قلب للمبالغة فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم وضمن معنى الخفاء فعدي بـ (على) ففيه أنواع من البلاغة الاستعارة والقلب والتضمين ((٥)) .
المعنى العام للآيات
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾
стр. 513
قال أبو حيان: " يوم يناديهم الله ونداؤه إياهم يحتمل أن يكون بواسطة وبغير واسطة " ((١)) .
وقال الثعالبي: " الضمير المتصل بـ (ينادي) لعبدة الأوثان والإشارة إلى قريش وكفار العرب " ((٢)) .
﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . قال الرازي: " أين الذين ادعيتم ألهيتهم لتخلصكم؟ أو أين قولكم تقربنا إلى الله زلفى، وقد علموا أن لا اله إلا الله، فيكون ذلك زائداً في غمهم إذا خوطبوا بهذا القول " ((٣)) .
وقال البقاعي: " ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم بقوله ﴿الَّذِينَ كُنتُمْ﴾ ، أي: كوناً أنتم عريقون فيه (تزعمون) ليدفعوا عنكم أو عن أنفسهم " ((٤)) .
﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ﴾
" الشياطين وأئمة الكفر ورؤوسه و (حق) ، أي: وجب عليهم القول، أي: مقتضاه ((٥)) ، وهو قوله تعالى: ﴿لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ((٦)) .
نلاحظ تكرار (الذين) :
أولاً: ﴿الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .
وثانياً: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ﴾ .
ما الغرض من ذلك؟
يجيبنا الآلوسي ﵀ بقوله: " المراد بالموصول الشركاء والذين كانوا يزعمونهم شركاء من الشياطين ورؤساء الكفر وتخصيصهم بما في حيز الصلة مع شمول مضمونها الاتباع أيضاً لأصالتهم في الكفر واستحقاق العذاب، والتعبير عنهم بذلك دون زعمهم شركاء لإخراج مثل عيسى وعزير والملائكة ﵈ لشمول الشركاء على ما سمعت له " ((٧)) .
стр. 514
﴿رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾
أي: ربنا أن هؤلاء الاتباع الذين أضللناهم أغويناهم باختيارهم كما غوينا نحن كذلك، ولم يكن منا لهم إلا الوسوسة والتسويل لا القسر والإلحاد فهم كانوا مختارين حين اقدموا على تلك العقائد وهذه الأعمال وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتب المشحونة والزواجر بالوعد والوعيد والمواعظ ((١)) .
﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ قال القرطبي: " أي: تبرأ بعضنا من بعض والشياطين يتبرؤون ممن أطاعهم والرؤساء يتبرؤون ممن قبل منهم " ((٢))
كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ ((٣)) .
﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ قال الزمخشري معناها: " إنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم " ((٤)) .
وقال ابن عاشور: " ابتدءوا جوابهم بتوجيه النداء إلى الله بعنوان أنه ربهم، نداء أريد منه الاستعطاف بأنه الذي خلقهم اعترافاً منهم بالعبودية وتمهيداً للتنصل من أن يكونوا هم المخترعين لدين الشرك " ((٥))
﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ قال البقاعي: " وقيل: أي ثانياً للاتباع تهكماً بهم وإظهاراً للاستهانة لعجزهم الملزوم لتحسرهم وعظم تأسفهم، وعبر بصيغة المجهول إظهاراً للاستهانة بهم " ((٦)) .
стр. 515
﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ قال أبو حيان:"هذا لسخافة عقولهم في ذلك الموطن لا يجيبهم".
وقال ابن عاشور: " والدعاء دعاء الاستغاثة حسب زعمهم أنهم شفعاؤهم عند الله في الدنيا " ((١)) .
وقال الآلوسي: " لفرط الحيرة والإفلاس هناك طلب حقيقة الدعاء وقيل: دعوهم لضرورة الامتثال على أن هناك طلباً والغرض من طلب ذلك منهم تفضيحهم على رؤوس الأشهاد بدعاء من لا نفع له لنفسه " ((٢)) .
﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ قال أبو السعود: " ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة " ((٣)) .
﴿وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ، فكثير من المفسرين زعموا أن جواب (لو) محذوف وذكروا فيه وجوهاً:
أحدهما ـ قال الضحاك، ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة.
ثانياً. لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق.
ثالثاً. ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون.
رابعاً. لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.
خامساً. قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذ رأوا العذاب ((٤)) ، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ﴾ ((٥)) .
فإن المراد به ـ والله اعلم ـ أن المشركين حينما يرون العذاب في الآخرة، وأنه واقع بهم لا محالة، وحاصل كما ذكره الرسول ( ﷺ ) لهم وحذرهم منه يتمنون لو أنهم كانوا مهتدين، ولات حين مناص، ولا يمكن أن يراد بالعذاب عذاب الدنيا كما قال ابن عاشور ((٦)) .
стр. 516
وذلك لأننا إذا رجعنا قليلاً إلى الآيات التي قبل هذه، فكلها تتحدث عن يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ، أي: يوم القيامة يناديهم ثم ما يحصل من تبرأ بين الذين أتَبَعوا والذين أَتُبِعوا ﴿رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ ، ثم يسألهم الله ليوبخهم، ويبين لهم عدم قدرة من اتخذوهم آلهةً على نصرهم. فبعد أن سقطت كل حججهم، وتبين لهم كم كانوا على ضلال ورأوا العذاب، فتمنوا لو أنهم كانوا مهتدين مع من اهتدى.
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ . قال القرطبي: " أي: يقول الله لهم ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين لما بلغوكم رسالاتي " ((١)) .
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ﴾ . قال الماوردي: فيها وجهان:
" الوجه الأول ـ الحجج، قاله مجاهد.
الوجه الثاني ـ الأخبار، قاله السدي " ((٢)) .
وقال ابن الجوزي: " سميت أنباء لأنها أخبار يخبرها " ((٣)) .
﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ نقل القرطبي عدة آراء للعلماء في معناها:
قال الضحاك: لا يسأل بعضهم بعضاً عن الحجج، لأن الله أدحض حججهم.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا ينطقون بحجة.
وقيل: ﴿لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ في تلك الساعة ولا يدرون ما يجيبون من هول تلك الساعة.
وقال مجاهد لا يتساءلون بالأنساب.
وحكى عيسى أنه لا يسأل بعضهم بعضاً أن يحمل من ذنوبه شيئاً (٤) .
والذي أراه في ذلك هو رأي ابْن عَبَّاس لصوابه ودلالته على الحجة.
стр. 517
﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ ، أي: من الشرك ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ جمع بين الإيمان والعمل الصالح ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ قال الآلوسي: " أي: الفائزين بالمطلوب عنده تعالى الناجين عن المهروب " ((١)) .
وقد ذكر العلماء في (عسى) وجوه ذكرها الرازي:
إنه من الكرام تحقيق والله اكرم الأكرمين.
أن يراد ترجي التائب وطمعه كأنه قال فليطمع في الفلاح.
عسى أن يكونوا كذلك إن داموا على التوبة والإيمان لجواز أن لا يدوموا ((٢)) .
وقال الطبري: " وعسى من الله واجب " ((٣)) .
وابن كثير:" عسى من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضله ومنته لا محالة " (٤) .
وقال ابن عطية: " وهذا ظن حسن بالله تعالى يشبه فضله وكرمه واللازم من (عسى) أنها ترجيه لا واجبة، وفي كتاب الله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن
طَلَّقَكُنَّ﴾ ((٥)) " ((٦)) .
وقال الثعالبي: " معنى الوجوب الوقوع " ((٧)) .
وذكر ابن عاشور: " ﴿فَعَسَى﴾ ترج لتمثيل حالهم بحال من يرجى منه الفلاح. و ﴿أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ أشد في إثبات الفلاح ثم أن يفلح " ((٨)) .
وقال البقاعي: " وإنما يقطع له بالغلام وإن كان مثل ذلك في مجاري عادات الملوك قطعاً إعلاماً بأنه لا يجب عليه سبحانه شيء ليدوم حذره ويتقي قضاؤه وقدرة، فإن الكل منه " ((٩)) .
ما يستفاد من النصّ
دلت الآيات السابقات على ما يأتي:
стр. 518
أولاً. هناك في الآيات نداءان؛ النداء الأول لإثبات الألوهية لله وحده لا شريك له من خلال إخباره عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة حيث يناديهم ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ .
ثانياً. النداء الثاني لإثبات النبوات من خلال قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم وكيف كان حالكم معهم، وهذا كما يسئل العبد في قبره: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا اله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله. وأما الكافر فيقول: هاه، هاه لا أدري. ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت، لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، ولذا قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ((١)) .
ثالثاً. أجابت الآيات عن ما يتبادر من سؤال في الذهن وهو: ما حكم من تاب من المشركين ((٢)) ؟ بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ﴾ .
وعطف الإيمان عليها لأن المقصود حصول إقلاع عن عقائد الشرك وإحلال عقائد الإسلام محلها، ولذلك عطف عليه بقوله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ، لأن بعض أهل الشرك كانوا شاعرين بفساد دينهم، وكان يصدهم عن تقلد شعائر الإسلام أسباب مغرية من الأعراض الزائلة التي افتتنوا بها " ((٣)) .
فباب التوبة إذا مفتوح للمشركين ولغيرهم بهذه الشروط:
الندم بالقلب.
ترك المعصية في الحال.
العزم على ألا يعود إلى المعصية.
стр. 519
أن تكون التوبة خوفاً وحياءً من الله.
أن يكثر الاستغفار.
إعادة حقوق الناس إذا كان الأمر يتعلق بهم، لأن الله تعالى لا يتخلى عن حقوق الآخرين ((١)) .
قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ((٢)) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ((٣)) .
المطلب الثالث: الله وحده الخالق المتصرف العالم بمكنونات الأنفس
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((٤)) .
المناسبة
بعد أن بين جل وعلا فيما مضى من الآيات كيف تسقط في يوم القيامة من بين أيدي المشركين الكفرة أعذارهم، ويتخلى عنهم من اعتقدوا في الدنيا أنهم ينصرونهم من دون الله، فأظلمت في وجوههم الأمور وعميت عليهم الأنباء، ثم ينتزع الله تعالى من الكفرة من تاب من كفره وآمن بالله ورسله وعمل بالتقوى، فيرتجي ﵀ وتوبته له ونعيمه المقيم في جناته، ثم يأتي قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ليخبر بها أنه يختار من بين عباده رسلاً وأنبياء، وليس لأحد من خلقه مثل ذلك ((٥)) .
стр. 520
وقال ابن عاشور: " وظاهر عطفه على ما قبله أن معناه آيل إلى التفويض إلى حكمة الله تعالى في خلق قلوب متفتحة للاهتداء ولو بمراحل وقلوب غير متفتحة له، فهي قاسية صماء وأنه الذي اختار فريقاً على فريق " ((١)) .
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ :
اختلف المفسرون في سبب نزولها على قولين:
أولاً. أنه عني بذلك قوماً من المشركين جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا: هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا، فنزل ذلك فيهم قاله ابن شجرة ((٢)) .
ثانياً. وقال جماعة من المفسرين: إنها نزلت جواباً للمشركين حين قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ((٣)) يعني الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف ((٤)) .
تحليل الألفاظ
١. ﴿يَخْلُقُ﴾ :
الخالق هو الله تعالى، والخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثال لم تسبق إليه، وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه. وقال أبو بكر الأنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه والآخر التقدير.
وقال ابن سيده: خلق الله الشيء يخلقه خلقاً أحدثه بعد أن لم يكن ((٥)) .
وقال الراغب: " الخلق أصله التقدير المستقيم ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا اقتداء " ((٦)) .
٢. ﴿الْخِيَرَةُ﴾ :
стр. 521
قال الراغب: " الخبر الفاصل المختص بالخير يقال: ناقة خِيَار وجمل خِيَار واسْتَخَار الله العبد فَخَارَ له، أي: طلب منه الخير فأولاه، وخَابَرت فلاناً كذا فَخِرتَه. والخِيَرَة الحالة التي تحصل للمتَخَيّر والمُخْتَار نحو القِعْدة والجِلْسَة لحال القاعد والجالس " ((١)) .
٣. ﴿تُكِنُّ﴾ :
" كنت الكِنّ والكِنَّة والكِنَان: وقاء كل شيء وستره. والكِنّ البيت أيضاً والجمع أَكْنَان، وأَكِنَّه وكَنَّ الشيء يَكُنَّه كَنَّا وكُنُوناً وأَكَنَّه وكَنَّنَه ستره " ((٢)) .
قال الراغب: " الكِنُّ ما يحفظ فيه الشيء يقال: كَنْنَت الشيء كِنًّا جعلته في كِنٍّ، وخصّ كَنْنت بما يُستر ببيت أو ثوب وغير ذلك من الأجسام. وأَكْنَنْت بما يستر في النفس قال تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ ((٣)) " ((٤)) .
القراءات القرآنية
١. ﴿وَيَخْتَارُ﴾ :
قال القرطبي: " الوقف التام على (ويختار) ((٥)) . وقال علي بن سليمان: هذا الوقف التام " ((٦)) .
٢. ﴿تُكِنُّ﴾ :
وقرأ ابن محيصن بفتح التاء وضم الكاف (تكن) ((٧)) .
٣. ﴿تُرْجَعُونَ﴾ :
قرأ يعقوب بفتح التاء وإسكان الراء وكسر الجيم (تَرْجِعون) ((٨))
القضايا البلاغية
стр. 522
أولاً. الإدماج ((١)) في قوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ﴾ فإن هذه الآية أدمجت فيها المبالغة في المطابقة لأن انفراده سبحانه بالحمد في الآخر، وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه مبالغة في وصف ذاته بالانفراد والحمد، وهذه وإن خرج الكلام مخرج المبالغة في الظاهر فالأمر فيها حقيقة في الباطن لأن أولى بالحمد في الدارين ورب الحمد والشكر والثناء الحسن في المحلين حقيقة وغيره من جميع خلقه إنما يحمد في الدنيا مجازاً وحقيقة حمده راجعه إلى ولي الحمد سبحانه (٢) .
ثانياً. الطباق بين (تكن ـ ويعلنون) ، وبين (الأولى ـ والآخرة) وهو من المحسنات البديعة ((٣)) .
المعنى العام للآيات
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾
قال ابن عاشور المعنى: إن الله يخلق من يشاء من خلقه من البشر وغيرهم، ويختار من بين مخلوقاته لما يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء إرساله، وليس يرسل من اختاروه هم " ((٤)) .
وقيل: هو جواب لليهود إذ قالوا: لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به. قال ابن عباس ﵄: يخلق ما يشاء من خلقه ويختار من يشاء لنبوته.
وقال النقاش: يخلق ما يشاء من خلقه يعني محمد ( ﷺ ) ويختار الأنصار لدينه ((٥)) .
стр. 523
وقال ابن عطية: " ويحتمل أن يريد؛ ويختار الله تعالى الأديان والشرائع وليس لهم الخيرة في أن يميلوا إلى الأصنام في العبادة. ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ " ((١)) .
قال الزمخشري: " والمعنى الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجود الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. وقيل: يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح وهو أعلم بصالحهم من أنفسهم " ((٢)) .
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
قال الزمخشري: " أي: الله برئ من إشراكهم وما يحملهم عليه من الجرأة على الله واختيارهم عليه ما لا يختار " ((٣)) .
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾
أي " ما يكنون ويخفون في صدورهم من الاعتقادات الباطلة، ومن عداوتهم لرسول الله ( ﷺ ) ونحو ذلك ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ، وما يظهرونه من الأفعال الشنيعة والطعن فيه ( ﷺ ) وغير ذلك، ولعله للمبالغة في خباء باطنهم لأن ما فيه مبدأ لما يكون في الظاهر من القبائح لم يقل ما يكنون كما قيل ما يعلنون " ((٤)) .
وذكر الرازي أن الثواب غير واجب عليه، بل هو سبحانه يعطيه فضلاً وإحساناً، فله الحمد في الآولى والآخرة، ويؤكد ذلك قول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ((٥)) .
أما المعتزلة فعندهم الثواب مستحق، فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فما أنعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.
стр. 524
وقيل: إنه يستحق الحمد والشكر من أهل النار. وأيضاً بما فعله بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم لأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله عليهم من أن يوجب الشكر.
وقال الرازي: وهذا فيه نظر لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا بالضرورة أن التوبة عن القبائح يجب على الله قبولها، وعلموا بالضرورة أن الاشتغال بالشكر الواجب عليهم يوجب على الله الثواب وهم قادرون على ذلك وعالمون بأن ذلك مما يخلصهم عن العذاب ويدخلهم في استحقاق الثواب، أفترى أن الإنسان مع العلم بذلك والقدرة عليه يترك هذه التوبة؟ كلا بل لا بد أن يتوبوا، وأن يشتغلوا بالشكر ومتى فعلوا ذلك بطل العقاب ((١)) .
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
قال ابن عاشور: " له القضاء، وهو تعيين نفع أو ضر للغير وحذف المتعلق بالحكم لدلالة قوله تعالى: ﴿فِي الآولَى وَالآخِرَةِ﴾ عليه أي: له الحكم في الدارين. والاختصاص مستعمل في حقيقته ومجازه، لأن الحكم في الدنيا يثبت لغير الله على المجاز، وأما الحكم في الآخرة فمقصور على الله، وفي هذا إبطال لتصرف آلهة المشركين فيما يزعمونه من تصرفاتها، وإبطال لشفاعتها التي يزعمونها " ((٢)) .
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قال الرازي: " إلى محل حكمه وقضائه ترجعون " ((٣)) .
ما يستفاد من النصّ
стр. 525
أولاً. دلت الآيات على الاختيار الدال على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته، فلا أحد يشاركه في اختياره، ولا فيما يفضله جل وعلا، فخلق الخلق، وجعل الأفضلية من بين خلقه للإنسان على كثير ممن خلق تفضيلاً قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ((١)) . ويهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء ذكوراً، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير ٌ﴾ ((٢)) .
стр. 526
واختار من بين عبادة رسلاً وأنبياء، واختار منهم سيدنا محمد ( ﷺ ) لختم الرسل والأنبياء وجعل رسالته خاتمة الرسالات وفضله على جميع الأنبياء والرسل قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ((١)) . واختار من بين الأيام يوم النحر كأفضل يوم عند الله، واختار من بين الشهور شهر رمضان، واختار من أفضل الليالي ليلة القدر، واختار يوم الجمعة كأفضل يوم من أيام الأسبوع، واختار البلد الحرام من بين الأمكنة ليكون مكاناً لبيته الحرام، واختار السموات السبع، واختار العليا منها فجعلها مستقراً للمقربين من ملائكته وأسكنها من يشاء من خلقه، فلا أحد له حق الاعتراض على ما فضل، وليس من واجبه معرفة السر في التفضيل والاختيار ((٢)) .
стр. 527
ثانياً. أشارت الآية إلى سنة (الاستخارة) التي علمها رسول الله ( ﷺ ) لأصحابه الكرام، قال بعض العلماء: لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك، بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ((١)) ، وفي الركعة الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ((٢)) ، واختار بعض المشايخ أن يقرا في الركعة الأولى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ ((٣)) ، وفي الركعة الثانية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ((٤)) ، وكلٌ حسن، ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السلام.
وهو ما أخرجه البخاري، والترمذي، والبيهقي من حديث جابر (﵁) ((٥)) .
стр. 528
قال: ((كان رسول الله ( ﷺ ) يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذَا هَمَّ أحَدُكُمْ بالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فإنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أعْلَمُ، وأنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لي فِي دِيني وَمَعاشِي وَعاقِبَةِ أمْرِي، أو قال: عاجلِ أمْرِي وآجِلِهِ، فاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لي، ثُم بارِكْ لي فِيهِ، وَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ شَرٌّ لي في دِينِي وَمعاشِي وَعاقِبَةِ أمْرِي، أو قال: عاجِلِ أمْرِي وآجِلِهِ، فاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، قال: ويُسمِّي حاجَتَهُ)) .
وعن سعد بن أبي وقاص (﵁) : قال رسول الله ( ﷺ ) : ((مِنْ سَعَادَةِ ابنِ آدَمَ اسْتِخَارَته الله، وَمِنْ شَقَاوَته تَرْكُهُ)) ((١)) .
стр. 529
قال العلماء: ينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون حائلا إلى أمر من الأمور. فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه فإن الخير فيه أن شاء الله ((١)) .
المطلب الرابع: دلائل قدرة الله في سورة القصص وتأكيد توبيخ المشركين على مزاعمهم
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ((٢)) .
المناسبة
لما بين من قبل استحقاقه للحمد على وجه الإجمال بقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ، فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه ما لا يقدر عليه سواه ((٣)) ، فقال لرسوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ .
стр. 530
وقال البقاعي: " ولما قامت على القدرة الشاملة والعلم التام، وأنه الإله وحدوا أو ألحدوا هذه الأعلام على هذا النظام أقام دليلاً على ذلك كله بما اجتمع فيه
من العلم والحكمة وتمام القدرة منبهاً على وجوب حمده مفصلاً لبعض ما يحمد عليه " ((١)) .
وقال ابن عاشور: " بعد أن تم الاستدلال بما سبق من الآيات على انفراده بالإلهية بصفات ذاته إلى الاستدلال على ذلك ببديع مصنوعاته، وفي ضمن هذا الاستدلال إدماج الامتنان على الناس وللتعريض بكفر المشركين جلائل نعمه " ((٢)) .
فنلاحظ الترابط والتلازم بين الآيات القرآنية، وهو وجه من وجوه الإعجاز القرآني.
تحليل الألفاظ
١. ﴿سَرْمَدًا﴾ :
قال ابن منظور: السَّرْمَد دوام الزمان من ليل أو نهار. قال الزجاج: السرمد الدائم ((٣)) . وقال الزمخشري: " والسرمد الدائم المتصل من السرد وهو المتابعة، ومنه قولهم في الأشهر الحرم: ((ثلاثة سرد وواحد فرد)) ((٤)) . والميم زائدة ووزنه فعمل ((٥)) .
وقال قسم من العلماء أن الميم أصلية ووزنه فعلل، لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر ((٦)) .
٢. ﴿تَسْكُنُونَ﴾ :