← Тафсир

Тафсир · id 2125

سورة القصص دراسة تحليلية

محمد مطني

Полный текст (624 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

واختار من بين عبادة رسلاً وأنبياء، واختار منهم سيدنا محمد ( ﷺ ) لختم الرسل والأنبياء وجعل رسالته خاتمة الرسالات وفضله على جميع الأنبياء والرسل قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ((١)) . واختار من بين الأيام يوم النحر كأفضل يوم عند الله، واختار من بين الشهور شهر رمضان، واختار من أفضل الليالي ليلة القدر، واختار يوم الجمعة كأفضل يوم من أيام الأسبوع، واختار البلد الحرام من بين الأمكنة ليكون مكاناً لبيته الحرام، واختار السموات السبع، واختار العليا منها فجعلها مستقراً للمقربين من ملائكته وأسكنها من يشاء من خلقه، فلا أحد له حق الاعتراض على ما فضل، وليس من واجبه معرفة السر في التفضيل والاختيار ((٢)) .

стр. 527

ثانياً. أشارت الآية إلى سنة (الاستخارة) التي علمها رسول الله ( ﷺ ) لأصحابه الكرام، قال بعض العلماء: لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك، بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ((١)) ، وفي الركعة الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ((٢)) ، واختار بعض المشايخ أن يقرا في الركعة الأولى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ ((٣)) ، وفي الركعة الثانية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ((٤)) ، وكلٌ حسن، ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السلام. وهو ما أخرجه البخاري، والترمذي، والبيهقي من حديث جابر (﵁) ((٥)) .

стр. 528

قال: ((كان رسول الله ( ﷺ ) يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذَا هَمَّ أحَدُكُمْ بالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فإنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أعْلَمُ، وأنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لي فِي دِيني وَمَعاشِي وَعاقِبَةِ أمْرِي، أو قال: عاجلِ أمْرِي وآجِلِهِ، فاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لي، ثُم بارِكْ لي فِيهِ، وَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ شَرٌّ لي في دِينِي وَمعاشِي وَعاقِبَةِ أمْرِي، أو قال: عاجِلِ أمْرِي وآجِلِهِ، فاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، قال: ويُسمِّي حاجَتَهُ)) . وعن سعد بن أبي وقاص (﵁) : قال رسول الله ( ﷺ ) : ((مِنْ سَعَادَةِ ابنِ آدَمَ اسْتِخَارَته الله، وَمِنْ شَقَاوَته تَرْكُهُ)) ((١)) .

стр. 529

قال العلماء: ينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون حائلا إلى أمر من الأمور. فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه فإن الخير فيه أن شاء الله ((١)) . المطلب الرابع: دلائل قدرة الله في سورة القصص وتأكيد توبيخ المشركين على مزاعمهم ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ((٢)) . المناسبة لما بين من قبل استحقاقه للحمد على وجه الإجمال بقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ، فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه ما لا يقدر عليه سواه ((٣)) ، فقال لرسوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ .

стр. 530

وقال البقاعي: " ولما قامت على القدرة الشاملة والعلم التام، وأنه الإله وحدوا أو ألحدوا هذه الأعلام على هذا النظام أقام دليلاً على ذلك كله بما اجتمع فيه من العلم والحكمة وتمام القدرة منبهاً على وجوب حمده مفصلاً لبعض ما يحمد عليه " ((١)) . وقال ابن عاشور: " بعد أن تم الاستدلال بما سبق من الآيات على انفراده بالإلهية بصفات ذاته إلى الاستدلال على ذلك ببديع مصنوعاته، وفي ضمن هذا الاستدلال إدماج الامتنان على الناس وللتعريض بكفر المشركين جلائل نعمه " ((٢)) . فنلاحظ الترابط والتلازم بين الآيات القرآنية، وهو وجه من وجوه الإعجاز القرآني. تحليل الألفاظ ١. ﴿سَرْمَدًا﴾ : قال ابن منظور: السَّرْمَد دوام الزمان من ليل أو نهار. قال الزجاج: السرمد الدائم ((٣)) . وقال الزمخشري: " والسرمد الدائم المتصل من السرد وهو المتابعة، ومنه قولهم في الأشهر الحرم: ((ثلاثة سرد وواحد فرد)) ((٤)) . والميم زائدة ووزنه فعمل ((٥)) . وقال قسم من العلماء أن الميم أصلية ووزنه فعلل، لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر ((٦)) . ٢. ﴿تَسْكُنُونَ﴾ :

стр. 531

السُّكُون ضد الحركة سَكَنَ الشيء يَسْكُن سُكُوناً، إذا ذهبت حركته وأَسْكَنه هو وسَكَّنَه غيره تَسْكِيناً، وكل ما هَدَأ فقد سَكَنَ كالريح والحر والبرد ونحو ذلك. وسَكَن الرجل سَكَت. وقال أبو العباس في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ ((١)) ، قال: إنما الساكن من الناس والبهائم، والبهائم خاصة وقال ابن الأعرابي: معناه وله ما حل في الليل والنهار ((٢)) . وقال الراغب الأصفهاني: " السكون ثبوت الشيء بعد تحرك ويستعمل في الاستيطان نحو سكن فلان مكان كذا، أي: استوطن، واسم المكان مسكن، والجمع مساكن " ((٣)) . ٣. ﴿وَنَزَعْنَا﴾ : " نَزَع الشيء يَنْزَعُه نَزْعَاً فهو مَنْزُوع ونَزِيْع وانْتَزَعَه فانْتَزَعَك اقتلعه فاقتلع. وفرّق سيبويه بين نَزَع وانْتَزَع فقال: انْتَزَع اسْتَلَب ونَزَعَ: حوَّل الشيء عن موضعه، وإن على نحو الاستلاب نَزَع الأمير العامل من عمله أزاله " ((٤)) . وقال ابن عاشور: " النَّزْع جذب شيء من بين ما هو مختلط به، واستعير هنا لإخراج بعض من جماعة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ((٥)) " ((٦)) . ٤. ﴿شَهِيدًا﴾ :

стр. 532

الشَّهيد من أسماء الله الأمين في شهادته. وقيل: الشهيد الذي لا يغيب عن علمه شيء. وقال ابن ميسره: الشاهد العالم الذي يبين ما علمه، والجمع أشهاد وشهود وشهيد والجمع شهداء والشهادة، خبر قاطع تقول منه: شهد الرجل على كذا، وقال أبو العباس: شهد الشاهد عند الحاكم بيَّن ما يعلمه وأظهره ((١)) . وقال الراغب: " الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة أما بالبصر وأما بالبصيرة " ((٢)) . ٥. ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ : " البرهان بيان للحجة، وهو فعلان مثل الرُّجْحان والثُّنْيان، وقال بعضهم: وهو مصدر بَرَه يَبَرَه إذا أبْيَّض. ورجل أَبَرَه وامرأة بَرْهَاء، وقوم بُرْه. وبَرهَرْهَة شابة بيضاء، والبُّرْهَان أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق أبداً لا محالة " ((٣)) . وقال ابن منظور: " البرهان بيان الحجة واتضاحها " ((٤)) . القراءات القرآنية ١. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ : قرئت بثلاث قراءات: أ. بتسهيل الهمزة بين بين (نافع، وأبو جعفر، والازرق، وورش) . ب. بإبدالها ألفاً ممدودة (الازرق، وورش) . ج. بحذفها وليس بحذف قياسي (الكسائي) ((٥)) . ٢. ﴿بِضِيَاءٍ﴾ : قرا ابن كثير: (بِضَأء) بهمزتين، وقرأها كذلك قنبل. وروى ابن فليح، والبزي عن ابن كثير بغير همز، وهو الصواب ((٦)) . ٣. ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ : قرأ بالإدغام الكبير ((٧)) . القضايا البلاغية

стр. 533

١. (المناسبة) ((١)) في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ، فإنه لما أسند جعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة لنفسه، وهو القادر الذي جعل الشيء لا يقدر غيره على مضادته قال: ﴿أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ ، لمناسبة السماع للطرف المظلم من جهة صلاحية الليل للسماع دون الإبصار لعدم نفوذ البصر في الظلمة. ولما أسند جعل النهار سرمداً إلى يوم القيامة لنفسه كأن لم يخلق فيه ليل ألبتة، قال في فاصلة هذه الآية: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ لمناسبة ما بين النهار والإبصار ((٢)) .

стр. 534

٢. (اللف والنشر) ((١)) في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، قال الزمخشري: " زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة: لتسكنوا في أحدها وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر وهو النهار، ولإرادة شكركم، وقد سلكت بهذه الآية طريقة اللف في تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء إيذانا بأن لا شيء أجلب الغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده " ((٢)) .

стр. 535

٣. صحة المقابلات ((١) " فقد جاء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان، وجاء السكون والحركة في عجزه وهما ضدان، ومقابلة كل طرف منه بالطرف الآخر على الترتيب، وعبر سبحانه عن الحركة بلفظ الإرداف، فاستلزم الكلام ضرباً من المحاسن زائداً على المقابلة، والذي أوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل كون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة، وابتغاء الفضل حركة للمصلحة دون المفسدة، وهي اشتراك الإعانة بالقوة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل، وسلامة الحس، ويستلزم إضاءة الطرف الذي تلك الحركة المخصوصة واقفة فيه ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المآرب ويتقي أسباب المعاطب. والآية سيقت للاعتداد بالنعم، فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه وتابعه ليتم حسن البيان، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح التي لو عدد بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة، فحصل بهذا الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن، ألا تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان حيث قال: (لتسكنوا) و (لتبتغوا) بلام التعليل، فجمعت هذه الكلمات المقابلة والتعليل الإشارة والإرداف والائتلاف وحسن النسق وحسن البيان لمجيء الكلام فيها متلاحماً آخذة أعناق بعضه ببعض ثم اخبر بالخبر الصادق أن جميع ما عدد من النعم التي هي من لفظي الإشارة والإرداف بعض رحمته حيث قال بحرف التبعيض (ومن رحمته) وكل هذا في بعض آية

стр. 536

عدتها إحدى عشرة لفظة " ((١)) . ٤. التفسير ((٢)) : في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ " من هنا للسبب، أي: وبسبب رحمته إياكم جعل لكم الليل والنهار، ثُمَّ علل جعل كل واحد منها، فبدأ بعلة الأول وهو (الليل) ، وهو (لتسكنوا فيه) ، ثم بعلة الثاني وهو (ولتبتغوا من فضله) ثم بما يشبه العلة لجعل هذين الشيئين وهو (لعلكم تشكرون) ، أي: هذه الرحمة والنعمة " ((٣)) . المعنى العام للآيات ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ أي (قل) يا محمد لأهل مكة (أرأيتم) اخبروني إن جعل الله عليكم الليل سرمداً بأن يسكن الشمس تحت الأرض إلى يوم القيامة، لا نهار معه، فمن إله غير الله يأتيكم بنور تطلبون فيه المعيشة، ونهار تبصرون فيه، (أفلا تسمعون) ، أي: سماع فهم وقبول، فتستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى ((٤)) . ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال أبو السعود: " بإسكانها في وسط السماء، أو بتحريكها على مدار فوق الأفق، من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه " ((٥)) .

стр. 537

قال الزمخشري: " فإن قلت: هلا قيل: بنهار تتصرفون فيه كما قيل: بليل تسكنون فيه؟ قلت: ذكر الضياء ـ وهو ضوء الشمس ـ لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثم قرن بالضياء (أفلا تسمعون) ، لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل (أفلا تبصرون) لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون " ((١)) . ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قال ابن كثير في معنى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ بكم ﴿جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ، أي: خلق هذا وهذا ((٢)) . وقال الخازن: " يتعاقبان بالظلمة والضياء و ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ، أي الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، أي: بالنهار " ((٣)) . ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قال البيضاوي: " لكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها " ((٤)) . وقال الخازن: " وقيل: إن من نعمة الله تعالى على الخلق أن جعل الليل والنهار يتعاقبان، لأن المرء في حال الدنيا وفي حال التكليف مدفوع إلى التعب ليحصل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولأجله يحصل الاجتماع، فتمكن المعاملات. ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالراحة والسكون بالليل، فلا بد منهما " ((٥)) . ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

стр. 538

" نداء ثان على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهاً آخر يناديهم الرب على رؤوس الأشهاد ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ، أي: في دار الدنيا " ((١)) . ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي: أخرجنا من كلّ أمة رسولها الذي يشهد عليها بالتبليغ ((٢)) . ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ " قال مجاهد: حجتكم بما كنتم تعبدون. وقال مقاتل: حجتكم بأن معي شريكاً " ((٣)) . ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ نقل الماوردي في معناها ثلاثة أوجه: أولاً ـ العدل لله. ثانياً ـ التوحيد لله، قاله السدي. ثالثاً ـ الحجة لله، قاله ابن جبير ((٤)) . ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ " أي: وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع من ألوهية غير الله والشفاعة لهم" (٥) . ما يستفاد من النصّ دلت الآيات فيما دلت عليه على الإعجاز العلمي في تكوين الليل والنهار: ١. دلت الآيات على أن الله جعل ليل ونهار ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فأشارت الآية إلى أن قسم من الناس عليهم ليل يسكنون فيه، والقسم الآخر من الكرة الأرضية المواجه للشمس عليهم نهار يبتغون فيه من فضل الله، وتدور الأرض ويصبح أهل النهار عليهم ليل يسكنون فيه بعد نهار من التعب والعمل، وأهل الليل يكون عليهم نهار للعمل والابتغاء من فضل الله بعد أن أخذوا قسطاً من الراحة استعداداً لليوم التالي، ودل على أن الأرض كروية.

стр. 539

٢. يفهم من تقديم الليل على النهار في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ على أن النهار انما ينسلخ من الليل كما دل على ذلك قوله تعالى ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ ((١)) ، ولقد كشف العلم الحديث أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض، ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار الرقيقة التي كانت متكونة بسبب انعكاسات الأشعة القادمة من الشمس على الجزيئات الموجودة في الهواء مما يسبب النهار فيحدث بهذا الدوران سلخ النهار من الله ((٢)) .

стр. 540

٣. أطلق القرآن الكريم على ما تصدره الشمس من أشعة ضياء قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ ، وأطلق على ما يصدره القمر نوراً ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ ((١)) ، فأكثر القواميس لا تفرق بين الضوء والنور، بل يعدهما البعض مرادفين لمعنى واحد، وفي الحقيقة أن هناك فرق كبير بين اللفظيين، فكما معروف أن مصادر الضوء تقسم على نوعين: مصادر مباشرة كالشمس والنجوم، ومصادر غير مباشرة كالقمر والكواكب، فهذه الأخيرة تستمد نورها من الشمس ثم تعكسه علينا، فعلى هذا فأن الأشعة التي تأتي من مصدر ضوئي مباشر تسمى (الضوء) ، والتي تأخذ من مصدر غير مباشر بـ (النور) ((٢)) . ٤. أشارت الآيات كذلك إلى الفوائد الكثيرة التي لا تحصى لأشعة الشمس، ومنها: أ. يقول الدكتور (بنتلي) عميد كلية الطب بكلكتا أن الشمس تسبب زيادة سكان الممالك أو نقصها كما تسبب نمو المحصولات أو ضعفها ((٣)) ب. وأجمع الأطباء على أن ضوء الشمس يجب أن يتخلل جميع حجرات المنزل حتى تقتل الحيوانات الذرية بل أن الأمر فوق ذلك، فكثير من المدارس في ألمانيا تعرض التلاميذ لأشعة الشمس بين فترة وأخرى لفوائدها الكبيرة لجسم الإنسان ((٤)) . ج. وإن الشمس بها يكون البخار فيصير سحاباً فمطراً فيكون النبات والحيوان. د. أن أشعة الشمس مصدر مهم للطاقة في العصر الحديث يستخدم للإنارة، وتسيير السيارات من خلال خزن الضوء في ألواح زجاجية بلورية وتوليد الطاقة منها.

стр. 541

٥. دل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ . أ. على أهمية النوم لجسم الإنسان بعد ساعات العمل التي استقر فيها جميع أعضاء الجسد والتي تحتاج إلى الراحة لتبدأ نهاراً جديداً. ب. ونستدل من جعل الليل للسكون على أهمية العتمة والظلام للنائم. المبحث الثالث: التوجيهات الإلهية للرسول مُحَمَّد ( ﷺ ) من خلال سُوْرَة الْقَصَصِ المطلب الأول: وعد الله الرسول بالنصر ورحمة الله على مُحَمَّد ( ﷺ ) بإرساله بالقرآن ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ ((١)) . المناسبة قال تعالى في الآيات التي سبقت هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ((٢)) . فقال البقاعي: " ولما قرر ذكر الآخرة التي هي المرجع وكرره وأثبت الجزاء فيها، وأن العاقبة للمتقين أتبعه ما هو في بيان ذلك كالعلة فقال مستأنفاً مقرراً مؤكداً لما تقرر في أذهانهم في إنكار الآخرة وما يقتضيه حال خروجه ( ﷺ ) من مكة المشرفة من استبعاد رده إليها ((٣)) .

стр. 542

فنلاحظ أن الَقُرْآن جعل البشارة بالآخرة في الآيات التي سبقت هذه الآيات للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، وفي هذه الآية جعلت البشارة لهم في الدنيا بالتمكين في الأرض بعد أن نوهت إلى هذا التمكين في الآيات السابقات، بقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فيتبين بذلك الترابط بين الآيات، ودلالة بعضها على بعضها الآخر. أسباب النزول ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ذكر القرطبي عن مقاتل: خرج النبي ( ﷺ ) من الغار ليلاً مهاجراً إلى المدينة في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع الطريق ونزل الجحفة عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها، فقال له جرير: إن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ...﴾ ، أي: إلى مكة ظاهراً عليها ((١)) . وفي الخازن: " قال ابن عباس إلى مكة أخرجه البخاري ((٢)) عنه " ((٣)) . وقال ابن كثير بعد أن أورد رواية ابن أبي حاتم عن الضحاك: " وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان جميع السورة مكية " ((٤)) . ونقل القرطبي رواية عن ابن عباس بقوله: نزلت هذه الآية بالحجة ((٥)) ليست مكية ولا مدنية ((٦)) . والذي أراه أن هذه الآية ما دامت نزلت بالجحفة وهو ( ﷺ ) متوجه إلى المدينة، وهو إليها أقرب أن تكون مدنية استناداً إلى القاعدة في المكي والمدني.

стр. 543

تحليل الألفاظ ١. ﴿فَرَضَ﴾ : " فَرَضْت الشيء أفْرِضُه فَرْضَاً وفَرَّضُته للتكثير أوجبته " ((١)) . وقال الراغب الأصفهاني: " الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه، كفرض الحديد، وفرض الزند والقوس، والفرض كالإيجاب لكن الإيجاب يقال اعتباراً بوقوعه وثباته، والفرض بقطع الحكم فيه. قال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ ((٢)) ، أي: أوجبنا العمل بها عليك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ ((٣)) ، أي: أوجب عليك العمل به، ومنه يقال لما ألزم الحاكم من النفقة: فرض " ((٤)) ٢. ﴿لَرَادُّكَ﴾ : " الرد صرف الشيء ورجعه، والرَّدُّ مصدر رددت الشيء. ورده عن وجهه يرده رداً ومرداً وترداداً: صرفه وهو بناء للتكثير " ((٥)) . وقال الراغب الأصفهاني: " الرد صرف الشيء بذاته أو بحالة من أحواله يقال: ردتته فارتد " ((٦)) . وقال ابن عاشور: " الرد إرجاع الشيء إلى حاله أو مكانه " ((٧)) . ٣. ﴿مَعَادٍ﴾ : المعاد المصير والمرجع. والآخرة معاد الخلق. وقوله تعالى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ، يعني إلى مكة عدة للنبي ( ﷺ ) أن يفتحها له. وقال الفراء:" ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ حين ولدت، والمعاد هنا إلى عادتك حيث ولدت وليس من العود " ((٨)) .

стр. 544

وقال الراغب: " العود الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه إما انصرافاً بالذات، أو بالقول والعزيمة. والمعاد يقال للعود وللزمان الذي يعود فيه، وقد يكون للمكان الذي يعود إليه " ((١)) . القراءات القرآنية ﴿يُلْقَى﴾ : قرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة ((٢)) ، وليس للإمالة ها هنا أي دلالة في توجيه المعنى. القضايا البلاغية قال الزمخشري: " سر التنكر ((٣)) في قوله تعالى ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ قيل: المراد به مكة، ووجهه أن يراد رده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معاداً له شان، ومرجعاً له اعتداد، لغلبة رسول الله ( ﷺ ) عليها وقهره لأهلها، ولظهور عز الإسلام وأهله، وذل الشرك وحزبه ((٤)) . وقال ابن عاشور: " والتنكير في (معاد) للتعظيم كما يقتضيه مقام الوعد والبشارة وموقعها بعد قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ، أي: إلى معاد أي معاد. فتنكير (معاد) أفاد أنه عظيم الشان، وترتبه على الصلة أفاد أنه لا يعطى لغيره مثله، كما أن القرآن لم يفرض على أحد مثله ((٥)) . المعنى العام ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل به ((٦)) . وقد نقل ابن الجوزي ثلاثة أقوال في معنى قوله تعالى: ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ﴾ :

стр. 545

أحدهما ـ فرض عليك العمل بالقرآن، قاله عطاء بن أبي رياح، وابن قتيبة. الثاني ـ أعطاك القرآن، قاله مجاهد. الثالث ـ أنزل عليك القرآن، قاله مقاتل، والفراء ((١)) . ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ نقل الماوردي فيها خمسة أوجه: أحدهما ـ إلى مكة، قاله مجاهد، والضحاك، وابن جبير، والسدي. الثاني ـ إلى بيت المقدس، قاله نعيم القارئ. الثالث ـ إلى الموت، قاله ابن عباس، وعكرمة. الرابع ـ إلى يوم القيامة، قاله الحسن. الخامس ـ إلى الجنة، قاله أبو سعيد الخدري ((٢)) . وقال الشيخ زاده: إن (معاد) هاهنا بمعنى المصير والمنقلب، لا بمعنى المتبادر منه وهو المكان الذي يكون المرء مدة فيه، ثُمَّ يرجع إليه بعد أن فرق عنه، لأنه ( ﷺ ) لم يكن في ذلك المقام مدة حتَّى يعود إليه ((٣)) . والذي أراه هاهنا أن المقصود بالمعاد (مكة المكرمة) لأن سياق الآية، وما ورد في ذلك من الآراء يعضد الرأي القائل بذلك. ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ قال الرازي: " ووجه تعلقه بما قبله أن الله تعالى لما وعد رسوله ( ﷺ ) الرد إلى معاد قال: ﴿قُلْ﴾ للمشركين ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ يعني: نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والاعتزاز بالإعادة إلى مكة ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ يعنيهم وما يستحقون من العقاب في معادهم ((٤)) . ما يستفاد من النصّ أولاً. دلت الآية على معجزة من معجزات الَقُرْآن، وهي إخباره عن الغيب باعتبار ما سيكون. وهي البشرى بدخول مكة، وذلك في وقت كان يتم فيه استضعاف المسلمين.

стр. 546

ثانياً. يمكن أن نستدل من هذه الآية على أن النصر هو للإسلام وللقرآن، مهما كثر أعداؤهما وأنها أحد المبشرات بانتصار الإسلام والمسلمين، فالذي أنزل القرآن ونصر الإسلام والمسلمين في الجيل الأول سينصر دينه وجنده على أعداءه في كلّ زمان ومكان. ولكن النصر مشروط باتباع الهدى ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ((١)) . المطلب الثاني: عدم جواز مظاهرة الكافرين ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ ((٢)) . المناسبة بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ ، وما عطف عليها وما تخلل بينها مما اقتضى جميعه الوعد بنصره وظهور أمره وفوزه في الدنيا والآخرة، وأنه جاء من الله إلى قوم في ضلال مبين، وأن الذي رحمه فأتاه الكتاب على غير ترقب منه لا يجعل أمره سدى، فأعقب ذلك بتحذيره من أذى مظاهرة المشركين " ((٣)) . تحليل الألفاظ ﴿ظَهِيرًا﴾ : " استظهر به أي استعان، وظهرت عليه أعنته، وظهر عليّ أعانني وكلاهما عن ثعلب. وتظاهر فلان فلاناً عاونه، والمظاهرة المعاونة، والظهير العون الواحد والجمع في ذلك، وإنما يجمع ظهير لأن فعيلاً وفعولاً قد يستوي فيه المذكر والجمع " ((٤)) . القراءات القرآنية ١. ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ﴾ : قرأ ابن مسعود (فلا تجعلنَّ) ((٥)) . ٢. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ : قرأ كلّ من أبي عمرو، وورش بالإمالة ((٦)) . القضايا البلاغية

стр. 547

قال الشيخ زاده: " ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ في معنى من يلقي إليك، عبر عنه بقوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا﴾ للمبالغة فإن نفي رجاء الإلقاء أبلغ من نفي الإلقاء، فكأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة، أي: في حال كونه رحمة، أو إلا لأجل رحمة، فيكون الاستثناء متصلاً مفرغاً، ويكون المستثنى منه أعم الأحوال أو العلل، ولا يجوز أن يكون الاستثناء باعتبار اللفظ لأنه إذا قيل: ما كنت ترجوه إلا رحمة، لزم أن يكون ﵊ راجياً أن يلقى إليه الكتاب لأجل الرحمة، وظاهر أنه ﵊ لم يكن راجياً له أصلاً " ((١)) . قوله تعالى: ﴿يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ فيه استعارة، وذلك أن معنى إلقاء الكتاب وحيه به إليه، أطلق عليه اسم الإلقاء على وجه الاستعارة ((٢)) ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ﴾ قال ابن عاشور: " فإن فعل الكون لما وقع في سياق النهي، وكان سياق النهي مثل سياق النفي، لأن النهي أخو النفي في سائر تصاريف الكلام، كان وقوع فعل الكون في سياقه مفيداً في تعميم النهي عن كلّ كون من أكوان المظاهرة للمشركين ((٣)) . المعنى العام ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قال أبو حيان: " هذا تذكير لنعمه تعالى على رسوله، وأنه تعالى رحمه رحمة لم يتعلق بها رجاؤه. وقيل: بل هو متعلق بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ وأنت بحال من لا يرجو ذلك ((٤)) . ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾

стр. 548

قال القرطبي: " أي عوناً ومساعدة " ((١)) . وقال ابن عاشور: " تعميم النهي عن كون كلّ من أكوان المظاهرة للمشركين، والمظاهرة المعاونة، وهي مراتب أعلاها النصرة، وأدناها المصافحة والتسامح، لأن في المصافحة على المرغوب إعانة لراغبه " ((٢)) . ما يستفاد من النصّ هناك معانٍ جليلة يمكن أن نستنبطها من هذه الآية، لأهميتها القصوى في هذه المرحلة الحرجة والمعقدة من حياة المسلمين، فبعد أن ابتعد المسلمون عن منهج الله وتفرقوا، تكالب الأعداء عليهم، واستلبوا حقوقهم و‘إرادتهم، نصَّبوا على كثير من البلاد الإسلامية ولاة أذناباً للأجنبي وللكافرين، فحرفوا منهج الله فقادوا شعوبهم إلى الذل والتخاذل، فأجبروا شعوبهم على تقديم المعاونة لأعداء الله، بل وحتى القتال معهم جنباً إلى جنب، فكلنا يذكر أن قسماً من الدول العربية والإسلامية قاتلت مع أمريكا في حربها الظالمة ضد العراق بفتوى باطلة أصدرها بعض علماء السلاطين. وفي أفغانستان ذلك البلد المسلم الفقير بكل شيء إلا من إيمانهم بالله جل وعلا قام قسم من ولاة المسلمين بفتح قواعده للطائرات الأمريكية الغازية للتزود بالوقود ولضرب الشعب الأفغاني المسلم، وقسم اخر قام بمعاونة الأعداء سراً عن طريق تزويده بالمعلومات الاستخبارية عن المجاهدين الأفغان. سنجعل من قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ منطلقاً للإجابة عن سؤال في غاية الأهمية، هو: ما الحكم الشرعي فيمن يعين دولة أجنبية على دولة إسلامية بما يكون سبباً في سفك دماء المسلمين أو إتلاف ديارهم وأموالهم؟

стр. 549

إن ظاهر سياق الآية الكريمة ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ جاءت في سياق التوجيهات الإلهية للرسول ( ﷺ ) والمقصود بها أمته ( ﷺ ) لأنه حاشا لرسول الله ( ﷺ ) أن يظاهر الكافرين. إن الإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أولياء بعضهم للبعض الأخر، وحذر كلّ التحذير من موالاة أعداء الإسلام، وجعل الولاء والبراء شرط في الإيمان كما قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ((١)) وعدَّ الرَّسُول ( ﷺ ) الولاء والبراء من أوثق عرى الإيمان كما قال ( ﷺ ) : ((أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)) ((٢)) وهذا من دليل الكمال في آفاق النص القرآني بمعناه العام والخاص. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ((٣)) .

стр. 550

فمن حارب الإسلام خفيةً أو ظاهراً منفرداً أو مع جماعة فهو عدو المسلمين، وكل من أعانه من المسلمين فهو مرتد قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ((١)) ، فقد نفى الله جل وعلا الإيمان نفياً مطلقاً عن الذين يوادون من حاد الله ورسوله. وقال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ ((٢)) . فالآية تكشف عن تلك النوايا الخبيثة وتحارب الجرائم التي تنال من جسم الأمة وتفتك بقوتها والولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم ونصرتهم والنصح لهم والدعاء لهم والسلام عليهم وزيارة مريضهم وتشييع ميتهم وإعانتهم والرحمة بهم. والبراءة من الكفار تكون ببغضهم ديناً، ومفارقتهم وعدم الركون إليهم والحذر من التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم شرعاً، ولما كانت موالاة الكفار تقع على شُعب متفاوتة وصور مختلفة، لذا فإن الحكم فيها ليس حكماً واحداً، فإن من هذه الشُّعب والصور ما يوجب الردة ونقض الإيمان بالله، ومنها ما هو دون ذلك من المعاصي ((٣)) . الإجماع، أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تحريم معاونة الكافرين بأي شكل من أشكال المعاونة للأدلة التي سقناها فيما مضى:

стр. 551

فقد انعقدت ندوة لواء الإسلام ((١)) بدار لواء الإسلام في مساء الثلاثاء ١٦ من جمادى الأولى ١٣٧٦ هجرية الموافق ١٨ من ديسمبر ١٩٥٦ م بحضور مجموعة كبرى من علماء الأزهر، وهم كلّ من: أحمد حمزة، صبري عابدين، أمين عز العرب، عبد العزيز عامر، سليمان العقاد، مصطفى زيد، سليم أبو العز، مرسي عَبْد الله الصديق العماري، مُحَمَّد سيد جاد الحق، فهمي خالد مسعود، مُحَمَّد سابق، مُحَمَّد البنا، مُحَمَّد أبو زهرة مُحَمَّد توفيق عربة، مُحَمَّد علي شتا. وبدأت الندوة بمناقشة (الحكم الشرعي فيمن يعين دولة أجنبية على دولة مسلمة) فأجمعوا على تحريم أية معاونة للكافرين على المسلمين باعتبار من فعل ذلك تجري عليه أحكام المرتدين. وقد أجمع ((٢)) علماء العراق المجتمعون في مقر منظمة المؤتمر الإسلامي الشعبي ببغداد في صبيحة الثلاثاء الموافق ٢٩ رجب ١٤٢٢ هجرية الموافق ١٦ تشرين الثاني ٢٠٠١ م، وحضره كبار علماء العراق؛ على أنه لا يجوز شرعاً وبإجماع الأمة أن يكون المسلمون عوناً للكافرين تحت أية ذريعة وعلى وفق أي شعار، فلا يجوز لأي مسلم أو مؤسسة تسهيل مهمة العدوان للطاغوت الأمريكي الصهيوني على أمتنا العربية الإسلامية وعلى أية دولة من دولها أو فرد من أفرادها سواء ذلك بالتسهيلات العسكرية أو المعلومات أو فتح القواعد العسكرية أو الأجواء أو الممرات البحرية أو تقديم عون وجهد للعدوان وإن من فعل ذلك يعد خائناً ويعد ناقضاً من نواقض الإيمان العشرة، وإن جهاد الكفار ومقاومة العدوان الأمريكي الصهيوني وتحالفه الصميمي فرض على كلّ مسلم وبالأدوات والوسائل كافة، وجهاده دين وشريعة، وهذا ما قالته نصوص الشريعة وأدلتها، والتي منها:

стр. 552

أولاً ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ((١)) . ثانياً ـ ويثبت الَقُرْآن الكَرِيم أنه لا ولاية للكافر على المسلم ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ((٢)) . ثالثاً ـ كما يثبت الَقُرْآن الكَرِيم أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ ((٣)) . رابعاً ـ وقال ( ﷺ ) : ((المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم، أدناهم يد على من سواهم)) ((٤)) . المطلب الثالث: الدعوة إلى وحدانية الله وعدم الإشراك به شيئاً ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ((٥)) . المناسبة

стр. 553

بعد أن ذكَّر الله جَلَّ وَعَلا رسوله الكريم ( ﷺ ) بنعمه عليه بقوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أمره الله بخمسة أشياء: أولاً ـ ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ . ثانياً ـ ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ . ثالثاً ـ ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ . رابعاً ـ ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ . خامساً ـ ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . قال البقاعي: " ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضاً عن الأوامر، وإن كان المتواني مجتهداً في العمل قال مؤكداً تنبيهاً على شدة الأمر لكثرة الأعداء وتتابع الإيذاء والاعتداء (ولا يصدنك) ، أي: الكفار بمبالغتهم في الإعراض " ((١)) . أسباب النزول نقل السيوطي في الدَّرُّ المَنْثُوْرُ عن ابن المنذر عن ابن جريج (﵁) قال: لما نزلت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ((٢)) قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزلت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ((٣)) قالت الملائكة: هلك كل نفس، فلما نزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ ((٤)) قالت الملائكة: هلك أهل السماء وأهل الأرض.

стр. 554

وذكر السيوطي والآلوسي عن ابن عباس ﵄ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ قال: لما نزلت قيل: يا رسول الله فما بال الملائكة؟ فنزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ فبين في هذه الآية فناء الملائكة والثقلين من الجن والإنس وسائر عالم الله وبريته من الطير والوحش والسباع والأنعام، وكل ذي روح أنه هالك ميت ((١)) . تحليل الألفاظ ١. ﴿يَصُدُّنَّكَ﴾ : الصَّدُّ: الإِعْراضُ والصُّدُوف. صَدَّ عنه يَصِدُّ ويَصُدُّ صَدّاً وصُدُوداً: أَعرض. ورجل صادٌّ من قوم صُدُّادٍ، وامرأَة صادَّةٌ من نِسوة صَوادَّ وصُدادٍ أَيضاً. ويقال: صدّه عن الأَمر يَصُدُّه صَدّاً منعه وصرفه عنه ((٢)) . وقال الراغب الأصفهاني: " الصدود والصد قد يكون انصرافاً عن الشيء وامتناعاً، نحو: ﴿يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ ((٣)) ، وقد يكون صرفاً ومنعاً نحو: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ ((٤)) " ((٥)) ٢. ﴿هَالِكٌ﴾ : الهَلْكُ: الهلاك. قال أَبو عبيد: يقال الهَلْك والهُلْكُ؛ هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكاً وهَلْكاً وهَلاكاً: مات. وقال أبو بكر: قد يجوز أن يكون ماضي يهلك هلك، كعطب فاستغنى عنه، يهلك وبقيت يهلك دليلاً عليها ((٦)) . وقال الراغب الأصفهاني: " الهلاك على أربعة أوجه: افتقاد الشيء عنك، وهو عند غيرك موجود كقوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ ((٧)) .

стр. 555

وهلاك الشيء باستحالة وفساد كقوله: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ ((١)) . ويقال: هلك الطعام. والثالث: الموت كقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ((٢)) . والرابع: بطلان الشيء من العالم وعدمه رأساً، وذلك المسمى فناء المشار إليه بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ ((٣)) " ((٤)) . القراءات ١. ﴿يَصُدُّنَّكَ﴾ : قرأ يعقوب (يَصُدَّنْكَ) مجزوم النون. وقرئت (يُصِدَّنَّك) من أصده بمعنى صده وهي لغة في كلب ((٥)) . ٢. ﴿تُرْجَعُونَ﴾ : قرأ يعقوب، وعيسى: (تَرْجِعون) بفتح التاء وإسكان الراء وكسر الجيم ((٦)) . القضايا البلاغية الاستعارة في قال تعالى: ﴿يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ إلقاء الكتاب وحيه إليه، أطلق عليه اسم الإلقاء على وجه الاستعارة ((٧)) . الاستعارة: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ الرجوع مستعمل في معنى أخر الكون على وجه الاستعارة، لأن حقيقة الانصراف إلى مكان قد فارقه فاستعمل في مصير الخلق، وهو البعث بعد الموت، شبه برجوع صاحب المنزل إلى منزله ووجه الشبه الاستقرار والخلود ((٨)) . المجاز المرسل في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه من ذكر بعض الكلام وإرادة الكل، وقد جرت عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة ((٩)) . المعنى العام

стр. 556

﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ قال القرطبي: " يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك. وقال الضحاك: وذلك حين دعوه إلى دين آبائه، أي: لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدونك عن اتباع آيات الله " ((١)) . ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال ابن عاشور: " هذا النهي موجه إلى النبي ( ﷺ ) في الظاهر والمقصود به إبطال الشرك وإظهار ضلال أهله إذ يزعمون أنهم معترفون بألوهية الله تعَاَلىَ، وأنهم إنما اتخذوا له شركاء وشفعاء، فبين أن الله لا إله غيره، وأن انفراده بالألوهية في نفس الأمر يقضي بطلان الإشراك في الاعتقاد ولو أضعف إشراك" (٢) . ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال أبو السعود ﵀: " هذا وما قبله للتهييج والإلهاب وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم وإظهار أن المنهي عنه في القبح والشريّة بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدروه عنه أصلاً " ((٣)) . ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ﴾ قال الطبري: " لا معبود تصلح له العبادة إلا الله الذي كلّ شيء هالك إلا وجهه " ((٤)) . ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ﴾ قال البيضاوي: " فإن ما عداه ممكن هالك في ذاته معدوم " ((٥)) .

стр. 557

وقال الشيخ زاده في تفسير قول البيضاوي: " فإن الممكن لما استفاد الوجود من الخارج كان الوجود له كالثوب المستعار بالنسبة إلى الفقر، فكما لا يخرج الفقير باستعارة ذلك الثوب من الغني عن كونه فقيراً في حد ذاته، فكذا الممكنات لا تخرجن عن كونها هالكة عارية عن الوجود في حد نفسها، فظهر بهذا أن كلّ ما سواه من الممكنات هالك في الحال " ((١)) . وهذه الآية من متشابه الَقُرْآن الكَرِيم وهي من الآيات التي وقف عندها المفسرون. ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي " القضاء النافذ في خلقه، وقيل: الفصل بين الخلائق في الآخرة دون غيره " ((٢)) . ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ " أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم " ((٣)) . ما يستفاد من النصّ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ صحيح أن هذه الآيات في ظاهرها موجه للرسول ( ﷺ ) لكنها تشمل كل من يتصدى للدعوة، لأن وظيفة الرسل والأنبياء هي وظيفة الدعاة تبليغ الدعوة وإرشاد الناس إلى طريق الهداية، وعلى هذا فأن المطلوب من الدعاة القيام بواجب تبليغ الدعوة إلى الناس على أحسن ما يكون التبليغ وليس عليهم مسؤولية رفض الناس لدعوتهم كما ليس عليهم إجبارهم. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ ((٤)) .

стр. 558

ضرورة الصبر للدعاة، فالصبر من أهم عوامل نجاح الدعاة في مهماتهم لأنهم يواجهون الناس بدعوتهم التي تخالف أهواءهم وانحرافهم وغالباً ما يقابلونها بالرفض والإنكار وإيذاء الدعاة، ولهذا أمر الله رسوله الكريم ( ﷺ ) بالصبر على عناد وأذى المشركين وتكذيبهم له وإصرارهم على الشرك وطعنهم بالقرآن وبث الشبهات الباطلة في طريق الدعوة، وأمره الله جل وعلا في سورة القصص إلى عدم الالتفات إلى هذه الشبه بقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ . وقد كان رسول الله ﷺ في صبره مستجيباً لأمر الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ ((١)) . أكد في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ على مبدأ الولاء والبراء عند الدعاة والذي سبق أن بينه في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾ . " فالولاء هو الإسلام وأهله، والبراء من الشرك وأهله، وهكذا يكون الولاء والبراء عند الدعاة إلى الله، فولاءهم للإسلام ومعانيه ولمن يؤمن به ويدعو إليه، والبراء من كل شيء يخالف الإسلام قولاً وعملاً واعتقاداً وأشخاصاً يحملون هذه المخالفات " ((٢)) . على الدعاة واجب أساسي وهو الدعوة إلى التوحيد الخالص لله جلا وعلا وحده لا شريك له والدعوة إلى تحكيم شرع الله في الأرض. وأن لا تشغله الدنيا بما فيها من زخارف وشهوات وملذات عن هذا الهدف السامي لأن المال والجاه والمنصب يفنى ولا يبقى إلا ما كان خالصاً لله جل وعلا. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .

стр. 559

المطلب الرابع: شخصية الرسول مُحَمَّد ( ﷺ ) من خلال سورة القصص لا بد لنا أن نفهم أن لرسول الله ( ﷺ ) صورة مصورة في سورة القصص كانت ذات دلالات متعددة في مبناها ومعناها من خلال تصويرها الإلهي له ( ﷺ ) وللمؤمنين الذين سيقرأون القرآن الكريم وقد كان تحليلنا في هذا المطلب لهذه الصورة منصباً على إدراك التفصيلات القرآنية (الكلية والجزئية) لرسول الله ( ﷺ ) من خلال مواطن ذكره في سورة القصص، ونحن واجدون في سورة القصص إلحاحاً على تأسية رسول الله ( ﷺ ) بما جرى لرسل الله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ من قبله وخصوصاً نبي الله موسى (﵇) الذي كانت السورة كلها تقريباً مخصصة له (﵇) . وهذا ما نلاحظه في مثل قوله تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ ، فإن دلالتها الخاصة والعامة كانت على أن إخبار رسول الله ( ﷺ ) بما جرى في آيات الكتاب المبين إنما هو لحكمة إلهية وسر رباني.

стр. 560

ثم إن تسلية رسول الله ( ﷺ ) جاءت بمعنى متجدد شمولي ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ فتوالي الأفعال (نمن، نجعلهم، نجعلهم) وإسنادها إلى الله مشعر بأن الخطاب موجه لرسول الله ( ﷺ ) الذي كان يوم أنزلت عليه هذه السورة مستضعفاً في الأرض مع أصحابه ـ عليهم الرضا والرضوان ـ فهو جانب يصور لنا جانباً من شخصية رسول الله ( ﷺ ) في سورة القصص، وجانباً آخر هو ما نلاحظه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فهذه الآية هي حديث إخبار عن رد موسى (﵇) إلى أمه ونجد جوانباً من تشبيه رسول الله ( ﷺ ) بموسى في خروج رسول الله ( ﷺ ) إلى المدينة المنورة مهاجراً ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ((١)) ، وهذا من بديع البلاغة القرآنية في تصوير الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بأجمل وأكمل الأوصاف. ونجد وحدة الرسالة في قوله تعالى مخاطباً موسى (والخطاب لمحمد) ـ عليهما الصلاة والسلام ـ وهو قوله فيها ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ((٢)) ، وهذا يرد على اليهود الذين فرقوا بين الرسل وجعلوا إلههم مختلفاً عن إله العالمين إذ جعلوا أنفسهم شعبه المختار.

стр. 561

ونرى تشابهاً في شخصية رسول الله ( ﷺ ) في سورة القصص بينه وبين موسى ﵇ في كونها رميا جميعاً بالسحر ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾ ((١)) ، ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ ((٢)) وهو عين ما رمت به قريش رسول الله ( ﷺ ) . ونلاحظ أن ما فعله الله بفرعون في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ((٣)) هو عين ما جازى الله به كفار قريش يوم بدر إذ ألقاهم في يم الصحراء مع جنودهم، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ((٤)) ، وهذا من عجيب الاتفاق الإلهي والله تعالى يخاطب رسوله ( ﷺ ) بلفظ الأمر ﴿فَانظُرْ﴾ للدلالة العامة في لفظ الأمر.

стр. 562

وتبدو لنا شخصية رسول الله ( ﷺ ) في سورة القصص واضحة كل الوضوح في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ ((١)) ، ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَن﴾ ((٢)) ، لأن ذلك الإخبار الإلهي يدل على صدق رسول الله ( ﷺ ) في كل ما أخبر به عن موسى (﵇) في سورة القصص مما لم يكن موجوداً عنده وقومه ولا يعلمه في زمنه ( ﷺ ) إلا اليهود من أهل الكتاب الأول. ويصدق ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ((٣)) ، أما قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ((٤)) ، فهو دال على أن رسالة مُحَمَّد ( ﷺ ) إنما كانت عامة عالمية بعد أن ينذر قومه الذين لم يأتيهم نذير ولا رسول لعلهم يتذكرون، فقال الله في إرساله رسوله مُحَمَّد ( ﷺ ) كما أرسل موسى يوم الطور الذي لم يكن رسول الله ( ﷺ ) بالطبع موجوداً يومه.

стр. 563

ثم ذكر الله جانباً من منته على قريش قوم رسول الله ( ﷺ ) بقوله عز من قائل: ﴿وَلَوْلاَ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاَ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((١)) ، وهذه الآية موضحة لعموم السنة الإلهية وفضل الوجود النبوي في قومه، وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ((٢)) وهذا من بليغ كفر قريش، ثم بين الله أن مُحَمَّد ( ﷺ ) جاء بالحق من عنده ﷻ ، وواسى الله رسوله ﷺ بقوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ﴾ ((٣)) ، وفي هذا الخطاب الرقيق الحكيم كل الدلالة على صدق رسول الله ( ﷺ ) في دعوته وفي رغبته بإيمان عامة قومه وعامة العالم لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ ((٤)) ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ((٥)) .

стр. 564

وتتضح بعض جوانب شخصيته رسول الله ( ﷺ ) بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ((١)) ، وفي ذلك بيان كافٍ شافٍ في أن رسول الله ( ﷺ ) كان يتمنى هداية بعض من يحبهم فبين الله له أن الهداية بيده وحدة تعالى. ونجد كذلك شخصية رسول الله ( ﷺ ) في إخباره تعالى له بكلام قومه من كفار قريش له في قولهم: ﴿إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ ((٢)) وهذا من استهزائهم برسول الله ( ﷺ ) الذي لا ريب أنه كان يؤذيه لإصرارهم من خلاله على كفرهم وينسب الله نفسه لرسول الله ( ﷺ ) تكريماً فيقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ ((٣)) . وهذه إضافة تعظيم وتفخيم تشعر بقدر رسول الله ( ﷺ ) ومقداره وقد تكررت هذه الإضافة في مواطن أخرى في سورة القصص.

стр. 565

ونرى كذلك أن قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (١) يتضمن خطاب إلهي مبين لحال الكفار في سرهم ونجواهم وفي ظاهرهم وباطنهم وفي أذاهم لرسول الله ( ﷺ ) أمامه ومن ورائه أما الأوامر الإلهية لرسول الله ﷺ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ ((٢)) فهي تنبيه على لسان الرسول ( ﷺ ) للكافرين بأنهم إنما ينعمون بفضل الله وإخبار الله لنبيه مُحَمَّد ( ﷺ ) بقصة قارون فيه أسرار وحكم إلهية منها: إن حال أغنياء الكافرين من قريش كحال قارون. إن المال سلطة زائلة وليس قوة دائمة. إن قلة الصحابة الفقراء رضوان الله عليهم فيهم البركة. إن الاغترار لا يجر إلا إلى الندم. سرعة انقلاب الناس عن تولي زمانه. الصبر على الفقر في الدنيا نجاح وظفر في الآخرة. وأسرار أخرى تتضح بقراءة الآيات الخاصة بقارون مما كان فيه مفهوم النص الموجه لرسول الله ( ﷺ ) . ونلاحظ كذلك أن الله بشر رسوله ( ﷺ ) في وقت ضعفه بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ((٣)) ، فجعل رسول الله ( ﷺ ) في أمن وأمان في الدنيا وفي الآخرة، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ((٤)) ، فهو قول فيه جماع شخصية رسول الله ( ﷺ ) يستنبط منه: عظمة شخصية المصطفى ( ﷺ ) .
следующие страницы →