← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 212

الفوائد لابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (308 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

• ليس العجبُ من قوله: ﴿يُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، إنما العجبُ من قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: ٥٤]. • ليس العجبُ من فقيرٍ مسكين يُحِبُّ محسنًا إليه، إنما العجبُ من محسنٍ يحبُّ فقيرًا مسكينًا. فصل القرآنُ كلامُ الله، وقد تجلَّى الله فيه لعبادِهِ بصفاتِهِ: فتارةً يتجلَّى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، فتَخْضَعُ الأعناقُ، وتَنكسرُ النفوسُ، وتَخْشَعُ الأصواتُ، ويذوبُ الكبرُ كما يذوب الملحُ في الماء. وتارةً يتجلَّى في صفات الجمال والكمال، وهو كمالُ الأسماء وجمال الصفات وجمالُ الأفعال الدالُّ على كمال الذات، فيَستنفِدُ حُبُّه من قلب العبد قُوَّة الحبِّ كلها بحسب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيُصبِح فؤادُ عبدِه فارغًا إلا من محبَّتِهِ، فإذا أراد منه الغيرُ أن يعلق تلك المحبة به؛ أبَى قلبُهُ وأحشاؤُهُ ذلك كلَّ الإباء؛ كما قيل: يُرادُ من القلب نسيانُكُم … وتأبى الطِّباعُ على النَّاقِلِ (١) فتبقى المحبةُ له طبعًا لا تكلُّفًا. وإذا تجلَّى بصفات الرحمة والبرِّ واللطف والإحسان انبعثتْ قوةُ الرجاء من العبد، وانبسط أملُهُ، وقويَ طمَعُهُ، وسار إلى ربِّهِ وحادي الرجاء يحدو ركابَ سيره، وكلَّما قوي الرجاءُ جَدَّ في العمل؛ كما أنَّ

стр. 107

الباذر كلَّما قويَ طمعُهُ في المغلِّ غلَّق أرضَه بالبذْرِ، وإذا ضعُف رجاؤُهُ قصَّر في البذر. وإذا تجلَّى بصفات العدل والانتقام والغضب والسَّخط والعقوبة انقمعتِ النفسُ الأمَّارةُ، وبَطَلتْ أو ضَعُفتْ قُواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات، وانقبضَتْ أعِنَّةُ رُعوناتِها، فأحضرت المطية حظَّها من الخوف والخشية والحذر. وإذا تجلَّى بصفات الأمر والنهي والعهد والوصية وإرسال الرُّسل وإنزال الكتب وشَرْعِ الشرائع؛ انبعثتْ منها قُوَّةُ الامتثال والتنفيذِ لأوامره، والتبليغِ لها، والتواصي بها، وذكرِها وتذكُّرِها، والتصديقِ بالخبر، والامتثال للطلب، والاجتناب للنهي. وإذا تجلَّى بصفات السمع والبصر والعلم انبعثَ من العبد قُوَّةُ الحياء؛ فيستحيي ربَّه أن يراهُ على ما يكره، أو يسمعُ منه ما يكره، أو يُخفِي في سريرته ما يمقتُهُ عليه، فتبقى حركاتُهُ وأقوالُهُ وخواطرُهُ موزونةً بميزان الشرع، غيرَ مُهملةٍ ولا مُرسَلةٍ تحت حكم الطبيعة والهوى. وإذا تجلَّى بصفات الكفاية، والحسب، والقيام بمصالح العباد، وسَوْقِ أرزاقهم إليهم، ودفعِ المصائبِ عنهم، ونصرِهِ لأوليائه وحمايته لهم ومعيِّتِهِ الخاصة لهم؛ انبعثتْ من العبد قوةُ التوكل عليه، والتفويض إليه، والرِّضى به في (١) كل ما يجريه على عبده ويقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه. والتوكُّل معنى يلتئمُ من علمِ العبد بكفاية الله وحسنِ اختياره لعبده، وثقتِه به، ورضاه بما يفعله به ويختارُهُ له.

стр. 108

وإذا تجلى بصفات العزِّ والكبرياء أعطتْ نفسُه المطمئنةُ ما وصلتْ إليه من الذُّلِّ لعظمته، والانكسار لعزَّته، والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب والجوارح له، فتعلوه السكينةُ والوقارُ في قلبه ولسانه وجوارحه وسمتِهِ، ويَذهبُ طيشُه وتَوْقُه وحدَّتُهُ. وجِماعُ ذلك أنه سبحانه يَتعرَّفُ إلى العبد بصفاتِ إلهيَّتِه تارةً وبصفاتِ ربوبيَّتِه تارةً: فيُوجِب له شهودُ صفاتِ الإلهية: المحبةَ الخاصة، والشوقَ إلى لقائه، والأنس والفرح به، والسرور بخدمته، والمنافسة في قربه، والتودُّد إليه بطاعته، واللَّهَجَ بذكره، والفرار من الخلق إليه، ويصيرُ هو وحدَه همَّهُ دون ما سواه. ويُوجِب له شهودُ صفاتِ الربوبيَّة: التوكلَ عليه، والافتقارَ إليه، والاستعانة به، والذُّلَّ والخضوع والانكسار له. وكمالُ ذلك أن يشهد ربوبيَّتَهُ في إلهيَّتِهِ، وإلهيَّتَهُ في ربوبيَّتِهِ، وحمده في ملكِهِ، وعزَّه في عفوهِ، وحكمته في قضائه وقدره، ونعمته في بلائه، وعطاءه في منعه، وبرَّهُ ولطفه وإحسانه ورحمته في قيُّومِيَّتِهِ، وعدلهُ في انتقامه، وجودَهُ وكرمهُ في مغفرته وسترِهِ وتجاوزِهِ، ويشهد حكمتَه ونعمته في أمره ونهيه، وعزَّهُ في رضاهُ وغضبه، وحلمهُ في إمهالِهِ، وكرمه في إقباله، وغناه في إعراضه. وأنت إذا تدبَّرتَ القرآن وأجَرتَهُ من التحريف وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين وأفكار المتكلِّفين؛ أشهدَك مَلِكًا قيُّومًا فوق سماواته، على عرشه، يُدبِّرُ أمرَ عباده، يأمرُ وينهى، ويُرسِلُ الرسل وينزلُ الكتب، ويرضى ويغضبُ، ويُثيبُ ويُعاقبُ، ويُعطي ويَمنعُ، ويُعزُّ ويُذِلُّ،

стр. 109

ويَخفِضُ ويَرفع، يرى من فوق سبعٍ ويسمع، ويعلم السِّرَّ والعلانية، فعَالٌ لما يريدُ، موصوفٌ بكلِّ كمال، منزَّهٌ عن كلِّ عيبٍ، لا تتحرَّكُ ذرَّةٌ فما فوقها إلا بإذنه، ولا تسقطُ ورقةٌ إلا بعلمه، ولا يَشفعُ أحدٌ عنده إلَّا بإذنِهِ، ليس لعباده من دونه وليٌّ ولا شفيعٌ. فصل لما بايعَ الرسولُ ﷺ أهلَ العقبةِ (١) أمرَ أصحابَه بالهجرة إلى المدينة، فعلمتْ قريشٌ أنَّ أصحابهُ قد كَثُروا وأنَّهم سيمنعونه، فأَعملتْ آراءها في استخراج الحيل؛ فمنهم من رأى الحبس، ومنهم من رأى النفي، ثم اجتمع رأيُهم على القتل. فجاء البريدُ بالخبر من السماء، وأمره أن يُفارِقَ المضجعَ، فبات عليٌّ مكانَه (٢)، ونهضَ الصِّدِّيقُ لرفقة السَّفَرِ. فلمَّا فارقا بيوتَ مكَّةَ اشتدَّ الحَذَرُ بالصِّدِّيق، فجعل يذكُرُ الرَّصدَ فيسيرُ أمامه، وتارةً يذكُرُ الطلَب فيتأخَّرُ وراءه، وتارةً عن يمينِه، وتارةً عن شماله، إلى أن انتهيا إلى الغار. فبدأ الصدِّيقُ بدخولِهِ ليكون وقايةً له إنْ كان ثَمَّ مُؤذٍ، وأنْبَتَ الله شجرةً لم تكن قبلُ، فأظلَّت المطلوب وأضلَّت الطالب، وجاءتْ عنكبوتٌ فحاذَتْ وجهَ الغار فحاكتْ ثوبَ نَسْجِها على منوال السِّتْرِ، فأُحْكِمَت الشُّقَّةُ حتى عُمِّيَ على القائفِ الطلبُ، وأرسل الله حمامتين

стр. 110

فاتَّخَذَتا هناك عُشًّا جعل على أبصار الطالبين غِشاوةً (١)، وهذا أبلغُ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود. فلمَّا وقف القومُ على رؤوسهم، وصار كلامُهم بسَمْعِ الرسول ﷺ والصِّدِّيق؛ قال الصِّدِّيقُ وقد اشتدَّ به القلقُ: يا رسول الله! لَو أنَّ أحدَهم نظرَ إلى ما تحتَ قدميه لأبصَرنَا تحتَ قدمَيْهِ. فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر! ما ظنُّك باثنينِ اللهُ ثالثُهُما؟ " (٢). لما رأى الرسول حزنَه قد اشتدَّ -لكن لا على نفسه- قَوَّى قلبَه ببشارة ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، فظهَر سِرُّ هذا الاقترانِ في المعيَّة لفظًا كما ظهر حكمًا ومعنى؛ إذ يُقالُ: رسول الله وصاحبُ رسول الله، فلما مات قيل: خليفةُ رسولِ الله، ثمَّ انقطعتْ إضافةُ الخلافةِ بموته، فقيل: أميرُ المؤمنين (٣). فأقاما في الغار ثلاثًا، ثم خرجا منه ولسانُ القدرِ يقولُ: لتدخُلنَّها دُخولًا لم يَدْخُله أحدٌ قبلك ولا ينبغي لأحدٍ من بعدك. فلما استقلَّا على البيداء لَحِقَهما سُراقةُ بن مالك، فلما شارفَ الظفَر أرسل عليه الرسولُ ﷺ سهمًا من سِهام الدُّعاء، فساخَتْ قوائمُ فرسِه في الأرض إلى بطنها (٤)، فلما علم أنه لا سبيلَ له عليهما أخذ

стр. 111

يَعرِضُ المال على من قد ردَّ مفاتيح الكنوز، ويُقدِّم الزادَ إلى شبعان، "أبيتُ عند ربِّي يُطعِمُني ويَسقِيني" (١). كانت تحفةُ ﴿ثَانِيَ اثْنَينِ﴾ [التوبة: ٤٠] مُدَّخرةً للصديق دونَ الجميع؛ فهو الثاني في الإسلام وفي بذل النفس وفي الزُّهد وفي الصُّحبة وفي الخلافة وفي العمر وفي سبب الموت؛ لأنَّ الرسول ﷺ مات عن أثر السُّمِّ (٢)، وأبو بكر سُمَّ فمات (٣). أسلمَ على يديه من العشرة عثمان وطلحة والزُّبير وعبدُ الرحمن بن عوف وسعدُ بن أبي وقَّاص. وكان عنده يوم أسلم أربعون (٤) ألف درهم، فأنفقَها أحوجَ ما كان الإسلامُ إليها؛ فلهذا جَلبتْ نفقتُهُ عليه: "ما نفعني مالٌ ما نفعني مالُ أبي بكر" (٥). فهو خيرٌ من مؤمن آل فرعون؛ لأنَّ ذلك كان يكتُمُ إيمانَه والصديقُ أعلنَ به، وخيرٌ من مؤمن آل ياسينَ؛ لأنَّ ذلك جاهدَ ساعةً والصديقُ جاهدَ سنين. عاينَ طائرَ الفاقةِ يَحُومُ حولَ حبِّ الإيثار ويَصيح ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فألقى له حبَّ المال على روض الرِّضي، واستلقى على فراش الفقر، فنقلَ الطائرُ الحبَّ إلى حَوصلةِ المضاعفة،

стр. 112

ثم علا على أفنان شجرة الصدق يُغرِّدُ بفنون المدح، ثم قام في محاريب الإسلام يتلو: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل: ١٧ - ١٨]. نَطقتْ بفضله الآياتُ والأخبار، واجتمعَ على بيعتِه المهاجرون والأنصار، فيا مُبْغِضيه! في قلوبكم من ذكرِه نار، كلما تُلِيتْ فضائلُه عَلا عليهم الصُّفارُ، أتُرى لم يَسمع الروافضُ الكفَّارُ ﴿ثَانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]؟! دُعي إلى الإسلام فما تلعثمَ ولا أبي، وسار على المحجَّة فما زلَّ ولا كبا، وصبر في مُدَّتِهِ من مُدى العِدَا على وقع الشَّبا، وأكثر في الإنفاق فما قلَّل حتى تخلَّل بالعبا، تالله لقد زاد على السَّبْكِ في كلِّ دينار دينارُ ﴿ثَانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]. من كان قرينَ النبي في شبابه؟! من ذا الذي سبقَ إلى الإيمان من أصحابه؟! من الذي أفتى بحضرته سريعًا في جوابه؟! من أولُ من صلَّى معهُ؟! من آخرُ من صلَّى به؟! من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟! فاعرِفُوا حقَّ الجار. نهضَ يوم الرِّدَّةِ بفهم واستيقاظ، وأبانَ من نصِّ الكتاب معنًى دقَّ عن حديد الألحاظ؛ فالمحبُّ يفرحُ بفضائله والمبغضُ يغتاظ، حسرةُ الرافضي أن يفرَّ من مجلس ذكره، ولكن أين الفرار؟! كم وَقى الرسولَ بالمال والنفس، وكان أخصَّ به في حياته وهو ضجيعُه في الرمس، فضائلُهُ جليَّةٌ، وهي خليةٌ عن اللبس، يا عجبًا! من يُغطِّي عينَ ضوءِ الشمس في نصف النهار؟!

стр. 113

لقد دخلا غارًا لا يَسكنُهُ لابثٌ، فاستوحش الصديق من خوف الحوادث، فقال الرسول: ما ظنُّك باثنينِ واللهُ الثالث! فنزلت السكينةُ فارتفع خوف الحادث، فزال القلقُ وطاب عيشُ الماكث، فقام مؤذنُ النصر يُنادي على رؤوس منائرِ الأمصار: ﴿ثَانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]. حُبُّه والله رأسُ الحنيفيَّة، وبُغْضُهُ يدُلُّ على خُبْثِ الطَّويَّة، فهو خيرُ الصحابة والقرابة والحُجَّةُ على ذلك قويَّة، لولا صِحَّةُ إمامته ما قَبِلَ ابنُ الحنفيَّة. مهلًا! مهلًا! فإنَّ دم الروافض قد فار. والله ما أحببناهُ لهوانا، ولا نعتقد في غيره هوانا، ولكن أخذْنا بقول عليٍّ ﵁ وكفانا: رضيك رسولُ الله لديننا، أفلا نرضاك لدُنيانَا (١)؟! تالله لقد أخذتَ من الروافض بالثار. تالله لقد وجبَ حقُّ الصدِّيق علينا، فنحن نقضي بمدائحه ونَقَرُّ بما نُقَرِّ بُه من السُّنِّي عينًا؛ فمن كان رافضيًّا فلا يعدْ إلينا، وليقلْ: لي أعذار. تنبيه • اجتنبْ من يُعادِي أهلَ الكتاب والسُّنَّة لئلَّا يُعْدِيك خُسرانُه. • احترزْ من عدُوَّين هلك بهما أكثرُ الخلق: صادٍّ عن سبيل الله بشُبُهاتِه وزُخْرُفِ قوله، ومفتونٍ بدُنياه ورئاستِهِ. • من خُلِقَ فيه قُوَّةٌ واستعدادٌ لشيء؛ كانت لذَّتُهُ في استعمال تلك

стр. 114

القوة فيه. فلذةُ من خُلِقَتْ فيه قوةٌ واستعدادٌ للجماع استعمال قوتِه فيه. ولذَّةُ من خُلِقت فيه قوةُ الغضب والتوثُّب استعمالُ قوته الغضبيَّة في متعلَّقها. ومن خُلِقتْ فيه قوةُ الأكل والشرب؛ فلذَّتُهُ باستعمال قوته فيهما. ومن خُلِقتْ فيه قوةُ العلم والمعرفة؛ فلذَّتُهُ باستعمال قوته وصرفها إلى العلم. ومن خُلِقتْ فيه قوةُ الحبِّ لله والإنابة إليه والعكوف بالقلب عليه والشوق إليه والأنس به؛ فلذتُه ونعيمهُ استعمالُ هذه القوة في ذلك. وسائرُ اللَّذَّات دون هذه اللَّذَّة مضمحلةٌ فانيةٌ، وأحمدُ عاقبتِها أن تكونَ لا له ولا عليه. تنبيه • يا أيُّها الأعزلُ! احذرْ فراسةَ المتَّقي؛ فإنِّه يَرى عورةَ عملك من وراءِ سترِ "اتَّقوا فراسة المؤمن" (١). • سبحان الله! في النفس: كِبْرُ إبليسُ، وحسدُ قابيل، وعُتُوُّ عادٍ، وطغيانُ ثمودَ، وجرأةُ نمرود، واستطالةُ فرعون، وبَغْيُ قارون، وقِحَةُ هامان، وهَوَى بَلْعام، وحِيَلُ أصحابِ السبت، وتمرُّدُ الوليد، وجهل أبي جهل. وفيها من أخلاق البهائم: حِرصُ الغُراب، وشَرَهُ الكلب، ورُعونة الطاووس، ودناءة الجُعَل، وعقوق الضبِّ، وحِقدُ الجمل، ووثوبُ الفهد، وصَولةُ الأسد، وفِسقُ الفأرة، وخُبثُ الحية، وعَبَثُ القرد، وجمعُ النملة، ومكر الثعلب، وخِفَّةُ الفَراش، ونوم الضَّبُع.

стр. 115

غير أنَّ الرياضة والمجاهدة تُذْهِبُ ذلك. فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند، ولا تَصلُح سِلعتُه لعقدِ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]؛ فما اشترى إلا سِلعةً هذَّبها الإيمانُ، فخرجتْ من طبعها إلى بلدٍ سكانُه التائبون العابدون. • سَلِّم المبيعَ قبلَ أن يَتْلف في يدك فلا يَقبلُهُ المشتري! • قد علمَ المشتري بعيبِ السِّلْعة قبل أن يشتريها فسلِّمْها ولك الأمانُ من الرد. • قَدْرُ السِّلعة يُعرَف بقدرِ مشتريها والثمنِ المبذول فيها والمنادي عليها؛ فإذا كان المشتري عظيمًا والثمن خطيرًا والمنادي جليلًا كانت السلعةُ نفيسةً. يا بائعًا نفسَه بيعَ الهوانِ لو اسْـ … ــترْجعتَ ذا البيع قبلَ الفوْتِ لمْ تَخِبِ (١) وبائعًا طِيبَ عَيشٍ مالهُ خطرٌ … بِطَيْفِ عيشٍ من الآلام مُنْتَهَبِ غُبِنْتَ واللهِ غبنًا فاحشًا ولدى … يَوْمِ التَّغابُنِ تَلْقَى غايةَ الحرَبِ ووارِدًا صَفْوَ عيشٍ كُلُّهُ كدرٌ … أمامكَ الورْدُ حقًّا ليسَ بالكذبِ وحاطبَ اللَّيْلِ في الظَّلماءِ مُنْتصبًا … لكُلِّ داهيةٍ تُدْني من العَطَبِ تَرجو الشِّفاءَ بأحْداقٍ بها مرضٌ … فهل سمعتَ بِبُرءٍ جاء من عَطَبِ ومُفْنيًا نفسَهُ في إثْرِ أقْبَحِهم … وصْفًا للَطْخِ جمالٍ فيه مُستلَبِ

стр. 116

وواهبًا نفسَه من مثلِ ذا سَفَهًا … لو كُنْتَ تَعْرِفُ قدرَ النَّفسِ لم تَهَبِ شابَ الصِّبا والتَّصابي بعدُ لم يَشِبِ … وضاعَ وقتُك بين اللَّهو واللَّعبِ وشمسُ عُمْرِك قد حانَ الغُرُوبُ لها … والفيءُ في الأفُق الشَّرقيِّ لم يَغِبِ وفاز بالوصلِ من قدْ جَدَّ وانْقشعتْ … عن أُفْقِه ظُلُماتُ اللَّيلِ والسُّحُبِ كم ذا التَّخلُّفُ والدُّنيا قد ارتحلتْ … ورُسلُ ربِّك قدْ وافَتْك في الطَّلَبِ ما في الدِّيار وقدْ سارتْ ركائبُ منْ … تهْواهُ للصَّبِّ من شُكْرٍ ولا أَرَبِ فأَفرِشِ الخَدَّ ذَيَّاك التُّرابَ وقُلْ … ما قالهُ صاحب الأشواق والحُقُبِ (١) ما رَبْعُ مَيَّةَ محفوفًا يُطيفُ به … غيْلانُ أشْهَى له من رَبْعِكَ الخَرِبِ منازلًا كان يَهواها ويألفُها … أيَّام كان منالُ الوصل عن كَثَبِ ولا الخُدودُ ولو أُدْمِينَ من ضَرَجٍ … أشهَى إلى ناظري من رَبْعِك الخَرَبِ (٢) وكُلَّما جُلِّيَتْ تلك الرُّبوعُ لهُ … يَهْوي إليها هُويَّ الماءِ في الصَّبَبِ أحْيا لهُ الشوقَ تذكارُ العُهودِ بها … فلو دَعا القلبَ للسُّلوانِ لم يُجِبِ هذا وكم منزلٍ في الأرضِ يألَفُهُ … وما له في سواها الدَّهرَ من رَغَبِ ما في الخيامٍ أخو وَجْدٍ يُرِيْحُك إنْ … بَثَثْتَه بعضَ شأنِ الحبِّ فاغتربِ وأَسرِ في غمَراتِ الليلِ مهتديًا … بنفحةِ الطيبِ لا بالعُودِ والحَطَبِ وعادِ كُلَّ أخي جُبْنٍ ومَعْجزةٍ … وحاربِ النفسَ لا تُلقِيكَ في الحَرَبِ

стр. 117

وخُذْ لنفسِك نورًا تستضيءُ به … يومَ اقتسامِ الورَى الأنوارَ بالرُّتَبِ غيره: إن كان يُوجِبُ ضُرِّي رحمتي فرِضىً … بسوءِ حالي وحِلٌّ للضَّنا بدني مَنحْتُك الرُّوحَ لا أَبغِي بها ثمنًا … إلَّا رِضاك ووافَقْرِي إلى الثَّمَنِ (١) غيره: أَحِنُّ بأطرافِ النَّهارِ صَبابةً … وباللَّيلِ يَدعوني الهوى فأُجيبُ (٢) غيره: وإذا لم يَكنْ من العِشقِ بُدٌّ … فمن العَجْزِ عِشْقُ غيرِ الجميلِ (٣) غيره: فلوْ أنَّ ما أسْعىَ لعيشٍ مُعجَّلٍ … كفانيَ منهُ بعضُ ما أنا فيهِ ولكِنَّما أسعَى لِمُلكِ مُخلَّدٍ … فوا أسفَا إنْ لم أكُنْ بمُلاقيهِ (٤) • يا من هو من أرباب الخبرة! هل عرفتَ قيمةَ نفسِك؟ إنما خُلِقت الأكوانُ كلُّها لك. • يا من غُذِيَ بِلبَانِ البِرِّ، وقُلِّبَ بأيدي الألطاف! كلُّ الأشياء شجرةٌ

стр. 118

وأنت الثمرة، وصورةٌ وأنت المعنى، وصَدَفٌ وأنت الدُّرُّ، ومَخِيضٌ وأنت الزُّبْدُ. • منشورُ اختيارِنا لك واضحُ الخطِّ، ولكنّ استخراجَك ضعيفٌ. • متى رُمتَ طلبي فاطلُبْني عندك، واطلُبْني منك تجدْني قريبًا، ولا تطلُبْني من غيرك فأنا أقربُ إليك منه. • لو عرفتَ قدْرَ نفسِك عندنا ما أهنتَها بالمعاصي، إنما أبْعَدْنا إبليسَ إذْ لم يَسجُدْ لك وأنتَ في صُلبِ أبيك؛ فواعجبًا! كيف صالحتَهُ وتركتَنا؟! • لو كان في قلبك محبَّةٌ؛ لبانَ أثرُها على جَسَدِك: ولمَّا ادَّعيتُ الحُبَّ قالتْ كذَبْتَني … ألستُ أرى الأعضاءَ منك كَواسِيَا (١) • لو تغذَّى القلبُ بالمحبة؛ لَذَهبتْ عنه بِطْنَةُ الشَّهوات: ولو كُنْتَ عُذْرِيَّ الصَّبابةِ لم تكنْ … بَطِينًا وأنساك الهوى كثرةَ الأكلِ (٢) • لو صحَّتْ محبَّتُك لاستوحشتَ ممَّن لا يُذكِّرُك بالحبيب. • واعجبًا لمن يَدَّعي المحبة، ويحتاجُ إلى من يُذَكِّره بمحبوبِه؛ فلا يَذكُرُهُ إلَّا بمُذكِّرٍ! أقلُّ ما في المحبة أنها لا تُنْسِيك تَذكُّرَ المحبوبِ:

стр. 119

ذكرتُك لا أنِّي نَسِيتُك ساعةً … وأيْسَرُ ما في الذِّكر ذِكْرُ لساني (١) • إذا سافرَ المحبُّ للقاءِ محبوبه ركبتْ جنودُه معه، فكان الحبُّ في مقدِّمة العسكر، والرجاءُ يَحْدُو بالمَطِيِّ، والشوقُ يَسُوقها، والخوفُ يجمعها على الطريق؛ فإذا شارفَ قدومَ بلدِ الوصل خرجتْ تَقادِمُ الحبيبِ للقاءِ. فدَاوِ سُقْمًا بجسمٍ أنت مُتْلِفُهُ … وابْرُدْ غَرامًا بقلبٍ أنت مُضرِمُهُ ولا تَكِلْني على بُعْدِ الدِّيارِ إلى … صَبْرِي الضَّعيفِ فصبري أنت تعلمُهُ تَلَقَّ قلبي فقد أرْسلْتُهُ عَجِلًا … إلى لقائك والأشواقُ تَقْدُمُه (٢) فإذا دخل على الحبيب أُفِيضَتْ عليه الخِلَعُ من كلِّ ناحية؛ ليُمْتحَن أيَسكُنُ إليها فتكون حظَّهُ؟ أم يكون التفاتُهُ إلى من ألبسَهُ إيَّاها؟ • مَلَؤوا مراكبَ القلوب متاعًا لا يَنفقُ إلا على الملك، فلما هَبَّتْ رياحُ السَّحرِ أقلعتْ تلك المراكبُ، فما طلعَ الفجرُ إلَّا وهي بالمِيناء. • قطعوا باديةَ الهوى بأقدام الجدِّ، فما كان إلَّا القليلُ حتى قَدِمُوا من السفر، فأعقبَهم (٣) الراحةُ في طرَيقِ التلقِّي، فدخلوا بلدَ الوصلِ وقد حَازوا رِبْحَ الأبد. • فَرَّغَ القومُ قُلوبَهم من الشواغل، فضُرِبَتْ فيها سُرادِقاتُ المحبة، فأقاموا العيونَ تَحْرُسُ تارةً وتَرُشُّ أخرى.

стр. 120

• سُرادِقُ المحبةِ لا يُضرَبُ إلا في قاعٍ نَزِهٍ فارغٍ. نزِّهْ فؤادَكَ من سوانا والْقَنا … فجنابُنا حِلٌّ لكُلِّ مُنزِّهِ الصَّبْرُ طِلَّسمٌ لكنزِ وصالِنا … مَن حَلَّ ذا الطِلَّسمَ فازَ بكنْزِهِ (١) • اعرفْ قدرَ ما ضاع منك، وابكِ بكاءَ من يدري مقدارَ الفائتِ. • لو تَخيَّلْتَ قربَ الأحباب لأقمتَ المأتَمَ على بُعْدِكَ. • لو استنشقتَ ريحَ الأسحار لأفاقَ منك قلبُك المخمورُ. • من استطال الطريقَ ضعُف مشيُهُ: وما أنتَ بالمُشتاقِ إن قُلتَ بيننا … طِوالُ اللَّيالي أوْ بعيدُ المفاوزِ (٢) • أما علمتَ أنَّ الصادق إذا هَمَّ ألْقَى بين عيْنَيْهِ عَزْمَهُ؟! (٣) • إذا نزلَ آبُ في القلب حَلَّ آذارُ في العين. • هانَ سَهَرُ الحُرَّاسِ لمَّا علموا أن أصواتَهم بسَمْعِ الملك. • من لاح له حالُ الآخرة هانَ عليه فراقُ الدُّنيا. • إذا لاحَ للباشقِ الصيدُ نَسيَ مألوفَ الكفِّ. • يا أقدامَ الصبرِ! احْمِلي! بَقِيَ القليلُ.

стр. 121

• تَذكَّرْ حلاوةَ الوصالِ يَهُنْ عليك مُرُّ المجاهدة. • قد علمتَ أين المنزلُ؛ فاحْدُ لها تَسِرْ. • أعلى الهِمَم هِمَّةُ من استعدَّ صاحبُها للقاءِ الحبيب، وقَدَّمَ التَّقادِمَ بين يدي المُلْتَقى؛ فاستبشر بالرِّضى عند القدوم، ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. • الجنَّةُ تَرضَى منك بأداء الفرائض، والنارُ تَندفعُ عنك بتَرْكِ المعاصي، والمحبَّهُ لا تَقنَعُ منك إلا ببذل الرُّوح. • لله ما أحلَى زمانًا (١) تَسعَى فيه أقدامُ الطاعةِ على أرض الاشتياق. • لمَّا سَلَّم القومُ النفوسَ إلى رائضِ الشرع؛ علَّمَها الوِفاقَ في خلاف الطبع، فاستقامتْ مع الطاعة؛ كيف دارتْ دارتْ معها. وإنِّي إذا اصْطكَّتْ رِقابُ مَطِيِّهمْ … وثَوَّرَ حَادٍ بالرِّفاقِ عَجُولُ أخالِفُ بين الرَّاحتيْنِ على الحَشَا … وأَنْظُرُ أنِّي مُلْتَمٍ فأَمِيلُ (٢) فصل • عَلَّمْتَ كلبَك فهو يترُكُ شهوتَه في تناوُل ما صادَهُ؛ احترامًا لنعمتك، وخوفًا من سطوتك، وكم عَلَّمك معلِّمُ الشرعِ وأنتَ لا تقبلُ. • حُرِّم صيدُ الجاهلِ والممسكِ لنفسه؛ فما ظنُّ الجاهلِ الذي أعمالُهُ لهوى نفسِه. • جُمِعَ فيك عقلُ الملك، وشهوةُ البهيمة، وهوى الشيطان، وأنت

стр. 122

للغالب عليك من الثلاثة: إن غلبتَ شهوتَك وهواك زِدتَ على مرتبة مَلَكٍ، وإن غلبك هواك وشهوتُك نَقَصْتَ عن مرتبة كلبٍ. • لمَّا صَادَ الكلبُ لربِّهِ أُبِيحَ صيدُهُ، ولما أمْسَكَ على نفسه حَرُمَ ما صادَهُ. • مصدرُ ما في العبد من الخير والشرِّ والصفاتِ الممدوحة والمذمومة من صفة المُعطِي المانع؛ فهو سبحانه يُصرِّفُ عبادَه بين مقتضى هذين الاسمين؛ فحظُّ العبدِ الصادقِ من عبوديَّتِهِ بهما الشُّكْرُ عند العطاء، والافتقارُ عند المنع؛ فهو سبحانه يُعطِيه ليشكُرهُ، ويَمنعُهُ ليفتقرَ إليه، فلا يَزالُ شكورًا فقيرًا. • قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾ [الفرقان: ٥٥]؛ هذا من ألطفِ خطاب القرآن وأشرفِ معانيه. وإنَّ المؤمن دائمًا مع الله على نفسه وهواهُ وشيطانه وعدوِّ ربِّه، وهذا معنى كونه من حزب الله وجنده وأوليائِهِ؛ فهو مع الله على عدوِّهِ الداخل فيه والخارج عنه؛ يُحارِبُهم ويُعادِيهم ويُغْضِبُهم له سبحانه؛ كما يكونُ خواصُّ الملك معه على حربِ أعدائِهِ، والبعيدون منه فارغون من ذلك غيرُ مهتمِّين به. والكافرُ مع شيطانه ونفسه وهواه على ربِّه. وعباراتُ السَّلَفِ على هذا تدورُ: ذكر ابنُ أبي حاتم (١) عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جُبَيْرٍ قال: عونًا للشيطان على ربِّه بالعداوةِ والشِّركِ.

стр. 123

وقال الليثُ عن مجاهدٍ قال: يُظاهِرُ الشيطانَ على معصيةِ الله؛ يُعِينُه عليها. وقال زيدُ بن أسلم: ظهيرًا أي: مُواليًا. والمعنى: أنَّه يُوالي عدُوَّهُ على معصيتِهِ والشركِ به، فيكونُ مع عدوِّهِ مُعِينًا له على مَساخِطِ ربِّه. فالمعيَّةُ الخاصةُ التي للمؤمن مع ربِّه وإلهِهِ قد صارتْ لهذا الكافر والفاجر مع الشيطان ومع نفسه وهواه وقُربانه، ولهذا صدَّر الآية بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥]، وهذه العبادةُ هي الموالاةُ والمحبةُ والرِّضى بمعبوديهم المتضمِّنةُ لمعيَّتِهم الخاصَّة، فظاهَروا أعداءَ الله على مُعاداتِهِ ومخالفته ومساخطه، بخلاف وَليِّه سبحانه؛ فإنَّه معه على نفسه وشيطانه وهواهُ. وهذا المعنى من كنوز القرآن لمن فَهِمهُ وعَقَلهُ. وبالله التوفيقُ. • قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]. قال مقاتلٌ: إذا وُعِظوا بالقرآن لم يَقَعوا عليه صُمًّا لم يَسمعوه وعُميانًا لم يُبصِرُوه، ولكنَّهم سمعوا وأبصروا وأيقنوا به. وقالَ ابنُ عباس: لم يكونوا عليها صُمًّا وعُميانًا، بل كانوا خائفين خاشعين. وقال الكلبيُّ: يَخِرُّون عليها سُمَّعًا وبُصَّرًا.

стр. 124

وقال الفرَّاءُ (١): وإذا تُلِي عليهم القرآنُ لم يَقعُدوا على حالهم الأولى؛ كأنَّهم لم يَسمعوه، فذلك الخُرورُ، وسَمعْتُ العرب تقولُ: قَعَدَ يَشتِمُني؛ كقولك: [قامَ] يَشتِمُني، وأقبل يَشتِمُني، والمعنى على ما ذُكِر: لم يَصِيروا عندها صُمًّا وعُميانًا. وقال الزَّجَّاجُ (٢): المعنى: إذا تُلِيَتْ عليهم خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا سامعين مبصرين لما أُمِروا به. وقال ابنُ قُتيبة (٣): أي لم يَتغافلوا عنها كأنَّهم صُمٌّ لم يَسمَعُوها وعُمْيٌ لم يَرَوها. قلتُ: ها هنا أمران: ذِكْرُ الخُرور، وتسليطُ النفي عليه. وهل هو خُرورُ القلب أو خُرورُ البدنِ للسُّجود؟ وهل المعنى: لم يكن خُرورُهم عن صَمَمٍ وعَمَهٍ؛ فلهُم عليها خرورٌ بالقلب خضوعًا أو بالبدن سُجودًا، أو ليس هناك خرورٌ وعبَّرَ به عن القعود؟ • أصولُ المعاصي كلِّها -كبارها وصغارها- ثلاثةٌ: تعلُّقُ القلبِ بغير الله، وطاعةُ القوة الغضبيَّة، والقوة الشهوانيَّةِ. وهي: الشركُ، والظلمُ، والفواحشُ. فغايةُ التعلُّق بغير الله: الشركُ وأن يُدْعى معه إلهٌ آخرُ، وغايةُ طاعة القوَّة الغضبيَّة: القتلُ، وغايةُ طاعة القوَّةِ الشهوانيَّة: الزِّنى.

стр. 125

ولهذا جمعَ الله سبحانه بين الثلاثة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. و هذه الثلاثةُ يدعو بعضُها إلى بعضٍ: فالشركُ يدعو إلى الظُّلم والفواحش؛ كما أنَّ الإخلاص والتوحيد يَصْرِفُهما عن صاحبه، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (١) [يوسف: ٢٤]؛ فالسوءُ العشقُ، والفحشاءُ الزِّنى. وكذلك الظلمُ يدعو إلى الشرك والفاحشة؛ فإنَّ الشرك أظلمُ الظلم؛ كما أنَّ أعدل العدل التوحيدُ؛ فالعدلُ قرينُ التوحيد، والظلمُ قرينُ الشِّرْكِ، ولهذا يجمعُ سبحانهُ بينهما: أمّا الأولُ ففي قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وأمّا الثاني فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]. والفاحشةُ تدعو إلى الشرك والظُّلم، ولا سيَّما إذا قَويتْ إرادتُها ولم تحصُلْ إلا بنوع من الظُّلم والاستعانة بالسحر والشيطان، وقد جَمعَ سبحانه بين الزِّنى والشرك في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣]. فهذه الثلاثةُ يَجُرُّ بعضُها إلى بعض ويأمُرُ بعضُها ببعضٍ. ولهذا كلَّما كان القلبُ أضعفَ توحيدًا وأعظمَ شركًا كان أكثرَ فاحشةً وأعظمَ تعلُّقًا بالصُّوَرِ وعشقًا لها. ونظيرُ هذا قولُه تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ

стр. 126

خَيرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧﴾ [الشورى: ٣٦ - ٣٧]؛ فأخبر أنَّ ما عنده خيرٌ لمن آمن به وتوكَّل عليه، وهذا هو التوحيد، ثمَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾؛ فهذا اجتنابُ داعي القوة الشهوانيَّة، ثم قال: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ [الشورى: ٣٧]؛ فهذا مخالفةُ القوة الغضبيَّة؛ فجمعَ بين التوحيد والعفَّةِ والعدل التي هي جِماعُ الخيرِ كلِّه. فصل هَجْرُ القرآن أنواعٌ: أحدها: هجرُ سَماعِهِ والإيمان به والإصغاءِ إليه. والثاني: هجرُ العملِ به والوقوفِ عند حلالِهِ وحرامِهِ، وإنْ قرأهُ وآمنَ به. والثالث: هجرُ تحكيمِه والتحاكمِ إليه في أصول الدِّين وفروعِهِ، واعتقادُ أنَّه لا يُفِيدُ اليقينَ، وأنَّ أدلَّتهُ لفظيَّةٌ لا تحصِّلُ العلمَ. والرابع: هجرُ تدبُّرِه وتفهُّمِه ومعرفةِ ما أراد المتكلِّمُ به منه. والخامس: هجرُ الاستشفاءِ والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها؛ فيَطلبُ شِفاءَ دائِهِ من غيره، ويَهجُرُ التداويَ به. وكلُّ هذا داخلٌ في قولهِ: ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، وإنْ كان بعضُ الهَجْرِ أهونَ من بعضٍ. وكذلك الحَرَجُ الذي في الصدور منه: فإنه تارةً يكون حرجًا من إنزالِهِ وكونِه حقًّا من عند الله.

стр. 127

وتارةً يكونُ من جهة متكلِّمٍ به أو كونِه مخلوقًا من بعض مخلوقاته ألهمَ غيرَهُ أن تكلَّم به. وتارةً يكون من جهة كفايتِه وعدمِها، وأنَّه لا يَكفي العبادَ، بل هم محتاجون معه إلى المعقولات أو الأقيسة أو الآراء أو السياسات. وتارةً يكونُ من جهة دلالته وهل (١) أُرِيدَ به: حقائقُهُ المفهومةُ منه عند الخطاب؟ أو أُرِيدَ به تأويلُها وإخراجُها عن حقائقها إلى تأويلاتٍ مُستكْرَهةٍ مشتركةٍ؟! وتارةً يكونُ من جهة كون تلك الحقائق، وإن كانت مرادةً فهي ثابتةٌ في نفس الأمر؟ أو أوْهمَ أنَّها مرادةٌ لضربٍ من المصلحة؟! فكلُّ هؤلاء في صدورهم حرجٌ من القرآن، وهم يَعلَمون ذلك من نفوسهم، ويَجِدُونه في صدورهم. ولا تجدُ مبتدعًا في دينه قطُّ إلَّا وفي قلبه حرجٌ من الآيات التي تُخالِفُ بدعتَهُ؛ كما أنك لا تجدُ ظالمًا فاجرًا إلَّا وفي صدرِه حرجٌ من الآيات التي تَحُولُ بينه وبين إرادته. فتدبَّرْ هذا المعنى ثم ارْضَ لنفسِكَ بما تشاءُ. فائدة كمالُ النفس المطلوبُ ما تضمَّن أمرين: أحدُهما: أن يَصيرَ هيئةً راسخةً وصفةً لازمةً لها. الثاني: أن يكون صفةَ كمالٍ في نفسه.

стр. 128

فإذا لم يكن كذلك لم يكنْ كمالًا؛ فلا يليقُ بمن يَسعَى في كمال نفسه المنافسةُ عليه، ولا الأسفُ على فوْتِهِ. وذلك ليس إلا معرفة بارئِها وفاطرِها ومعبودِها وإلهِها الحقِّ الذي لا صلاحَ لها ولا نعيمَ ولا لذَّةَ إلَّا بمعرفته وإرادةِ وجهه وسلوكِ الطريقِ الموصلةِ إليه وإلى رضاهُ وكرامته، وأن تعتادَ ذلك فيصيرَ لها هيئةً راسخةً لازمة. وما عدا ذلك من العلوم والإرادات والأعمال؛ فهي بينَ ما لا يَنفعُها ولا يُكمِّلُها وما يَعُودُ بضررها ونقصِها وألمِها، ولا سيَّما إذا صار هيئةً راسخةً لها؛ فإنَّها تُعَذَّبُ وتتألَّمُ به بحسب لزومهِ لها. وأما الفضائلُ المنفصلةُ عنها كالملابس والمراكب والمساكن والجاه والمال؛ فتلك في الحقيقة عَوَارٍ أُعِيرَتْها مدةً، ثم يَرجعُ فيها المُعِيرُ، فتتألَّمُ وتَتعذَّبُ برجوعه فيها بحسب تعلُّقِها بها، ولا سيَّما إذا كانت هي غايةَ كمالِها؛ فإذا سُلِبَتْها أُحْضِرتْ أعظم النقص والألم والحسرةِ. فليَتَدبَّرْ من يُرِيدُ سعادَة نفسه ولذَّتَها هذه النُّكْتَة؛ فأكثرُ هذا الخلقِ إنما يَسْعَون في حرمانِ نفوسهم وألمِها وحسرتها ونقصها من حيث يظنُّون أنَّهم يُريدون سعادتَها ونعيمَها؛ فلذَّتُها بحسبِ ما حصلَ لها من تلك المعرفة والمحبة والسلوك، وألمُها وحسرتُها بحسبِ ما فاتَها من ذلك. ومتى عَدِمَ ذلك وخَلَا منه؛ لم يَبْقَ فيه إلّا القوى البدنيَّةُ النفسانيَّةُ التي بها يَأكلُ ويَشربُ ويَنكِحُ ويَغضَبُ ويَنالُ سائر لذَّاته ومرافقَ حياته ولا يَلحَقُهُ من جهتها شَرَفٌ ولا فضيلةٌ بل خَساسةٌ ومَنقصةٌ؛ إذا كان إنما يُناسِب بتلك القوى البهائمَ ويَتَّصلُ بجنسها ويَدخُل في جملتها ويَصِيرُ كأحدها، وربما زادتْ في تناولها عليه واختصَّتْ دونَه بسلامةِ عاقبتها والأمن من جَلْبِ الضررِ عليها.

стр. 129

فكمالٌ تُشاركُك فيه البهائمُ وتَزِيدُ عليك وتَختصُّ عنك فيه بسلامة العاقبةِ حقيقٌ أن تَهْجُرَهُ إلى الكمالِ الحقيقيِّ الذي لا كمالَ سواهُ. وبالله التوفيق. فائدة جليلة إذا أصبحَ العبدُ وأمسَى وليس هَمُّه إلا الله وحده؛ تَحَمَّلَ اللهُ سبحانه حوائجَه كلَّها، وحَمَلَ عنه كلَّ ما أهمَّهُ، وفرَّغَ قلبَه لمحبَّتِه ولسانَه لذكرِه وجوارحَه لطاعتِه. وإن أصبح وأمسى والدُّنيا همُّهُ؛ حَمَّلهُ اللهُ همومَها وغُمومَها وأنكادَها، وَوَكَلَه إلى نفسه، فشَغَلَ قلبَه عن محبَّتِهِ بمحتَّةِ الخلق، ولسانَهُ عن ذكرِه بذكرهم، وجوارحَه عن طاعتِه بخدمتهم وأشغالهم؛ فهو يَكْدَحُ كَدْحَ الوحشِ في خدمة غيره؛ كالكِيرِ ينفُخ بطنَه ويَعصرُ أضالِعَه في نفعِ غيره. فكلُّ من أعرضَ عن عبوديَّةِ اللهِ وطاعتِه ومحبَّتِهِ بُلِيَ بعبوديَّة المخلوق ومحبَّتِه وخدمتِه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ [الزخرف: ٣٦]. قال سفيانُ بن عُيينة: لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلَّا جئتُكُمْ به من القرآن. فقال له قائلٌ: فأين في القرآن: أعْطِ أخاك تمرةً؛ فإن لم يَقبلْ فأعطِه جَمْرةً؟ فقال: في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا﴾ الآية.

стр. 130

فائدة العلمُ: نَقْلُ صورةِ المعلومِ من الخارج وإثباتُها في النفس. والعمل: نقلُ صورةٍ عمليَّةٍ (١) من النفس وإثباتُها في الخارج. فإن كان الثابتُ في النفس مطابقًا للحقيقة في نفسها فهو علمٌ صحيحٌ. وكثيرًا ما يَثبت ويَتراءى في النفس صُورٌ ليس لها وجودٌ حقيقيٌّ، فيظنُّها الذي قد أثْبتَها في نفسه علمًا، وإنَّما هي مقدرةٌ لا حقيقة لها، وأكثرُ علوم الناس من هذا الباب. وما كان منها مطابقًا للحقيقة في الخارج فهو نوعان: نوعٌ تَكملُ النفسُ بإدراكه والعلم به، وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وكُتُبِه وأمرِه ونهيه. ونوعٌ لا يَحصلُ للنفس به كمالٌ، وهو كلُّ علم لا يَضرُّ الجهلُ به؛ فإنَّه لا ينفع العلم به، وكان النبيُّ ﷺ يستعيذُ بالله من علم لا ينفع (٢). وهذا حال أكثر العلوم الصحيحة المطابقة التي لا يَضُرُّ الجهلُ بها شيئًا؛ كالعلم بالفلك ودقائقه ودرجاتِه وعددِ الكواكب ومقاديرها، والعلم بعدد الجبال وألوانها ومساحاتها ونحو ذلك. فشرفُ العلم بحسب شرفِ معلومه وشدةِ الحاجة إليه، وليس ذلك إلا العلم بالله وتوابع ذلك.

стр. 131

وأمَّا العمل (١) فآفتُهُ عدمُ مطابقته لمراد الله الدينيِّ الذي يُحبُّه الله ويرضاهُ، وذلك يكون من فساد العلم تارةً، ومن فساد الإرادة تارةً: ففسادُهُ من جهة العلم: أن يعتقد أن هذا مشروع محبوبٌ لله وليس كذلك، أو يعتقد أنَّه يُقرِّبُه إلى الله وإن لم يكن مشروعًا، فيَظُنَّ أنه يَتقرَّبُ إلى الله بهذا العمل وإنْ لم يَعلمْ أنَّه مشروعٌ. وأمَّا فسادُهُ من جهة القصد فأنْ لا يَقصِدَ به وجهَ الله والدارَ الآخرة، بل يَقصد به الدُّنيا والخلْق. وهاتان الآفتان في العلم والعمل لا سبيلَ إلى السلامة منهما إلا بمعرفة ما جاء به الرسول في باب العلم والمعرفة، وإرادةِ وجه الله والدار الآخرة في باب القصد والإرادة؛ فمتى خلا من هذه المعرفة وهذه الإرادة فسدَ علمُهُ وعملُهُ. والإيمانُ واليقين يُورِثان صحةَ المعرفة وصحةَ الإرادة، وهما يُورِثان الإيمانَ ويُمِدَّانه. ومن هنا يتبيَّنُ انحرافُ أكثر الناس عن الإيمان لانحرافهم عن صحة المعرفة وصحة الإرادة. ولا يَتِمُّ الإيمانُ إلا بتلقِّي المعرفة من مشكاة النُّبُوَّة وتجريدِ الإرادة عن شوائب الهوى وإرادةِ الخلق، فيكون علمه مقتبسًا من مشكاة الوحي وإرادتُهُ لله والدار الآخرة؛ فهذا أصحُّ الناس علمًا وعملًا، وهو من الأئمة الذين يَهدُون بأمر الله ومن خلفاء رسوله ﷺ في أمَّتِهِ.

стр. 132

قاعدة الإيمانُ له ظاهرٌ وباطنٌ: وظاهرُهُ قولُ اللسان وعملُ الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقيادُهُ ومحبتُهُ. فلا يَنفعُ ظاهرٌ لا باطنَ له، وإن حقَنَ به الدِّماء وعصَمَ به المال والذُّرِّيَّةَ. ولا يُجزِئُ باطنٌ لا ظاهرَ له إلّا إذا تعذَّرَ بعجزٍ أو إكراهٍ وخوفِ هلاكٍ. فتخلُّفُ العملِ ظاهرًا مع عدم المانع دليلٌ على فساد الباطن وخُلُوِّه من الإيمان، ونقصُهُ دليلُ نقصِه، وقوَّتُهُ دليلُ قوَّتِهِ. فالإيمانُ قلبُ الإسلام ولُبُّه، واليقينُ قلبُ الإيمانِ ولبُّه. وكلُّ علم وعمل لا يَزيدُ الإيمانَ واليقينَ قوةً فمدخولٌ، وكلُّ إيمانٍ لا يَبعثُ على العمل فمدخولٌ. قاعدة التوكُّلُ على الله نوعان: أحدُهما: توكُلٌ عليه في جَلْبِ حوائج العبد وحظوظِه الدُّنيويَّةِ أو دَفْعِ مكروهاتِهِ ومصائبه الدُّنيويَّةِ. والثاني: التوكُّل عليه في حصول ما يُحِبُّه هو ويَرضاهُ من الإيمان واليقين والجهادِ والدعوة إليه. وبين النوعين من الفضل ما لا يُحْصِيه إلا الله، فمتى توكَّل عليه العبدُ في النوع الثاني حقَّ توكُّلِهِ كفاهُ النوعَ الأولَ تمامَ الكفايةِ. ومتى توكَّل

стр. 133

عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضًا، لكنْ لا يكونُ له عاقبةُ المتوكِّل عليه فيما يُحِبُّه ويرضاهُ. فأعظمُ التوكُّل عليه: التوكُّلُ في الهداية، وتجريد التوحيد، ومتابعةِ الرسول، وجهادِ أهل الباطل؛ فهذا توكُّلُ الرُّسُلِ وخاصَّةِ أتباعِهم. والتوكُّل تارةً يكونُ توكُّلَ اضطرارٍ وإلْجَاءٍ؛ بحيثُ لا يَجدُ العبدُ مَلجأ ولا وَزَرًا إلا التوكُّلَ؛ كما إذا ضاقتْ عليه الأسبابُ، وضاقتْ عليه نفسُهُ، وظَنَّ أنْ لا ملجأ من الله إلَّا إليه، وهذا لا يَتخلَّفُ عنه الفَرَجُ والتيسيرُ البتَّةَ. وتارةً يكون توكُّلَ اختيارٍ، وذلك التوكُّلُ مع وجود السببِ المُفْضِي إلى المراد: فإن كان السببُ مأمورًا به ذُمَّ على تركه. وإن قام بالسبب وتركَ التوكُّلَ ذُمَّ على تركه أيضًا؛ فإنَّه واجبٌ باتفاق الأمة ونصِّ القرآن. والواجبُ القيامُ بهما والجمعُ بينهما. وإن كان السببُ محرَّمًا حرُمَ عليه مباشرتُهُ، وتَوحَّدَ السببُ في حقِّه في التوكُّل، فلم يَبقَ له سببٌ سواهُ؛ فإنَّ التوكُّل من أقوى الأسباب في حصولِ المرادِ ودفعِ المكروهِ، بل هو أقوى الأسباب على الإطلاق. وإنْ كان السببُ مباحًا نظرتَ: هل يُضْعِفُ قيامُك به التوكُّلَ أو لا يُضعِفُه؟ فإن أضعفَه وفرَّقَ عليك قلبَك وشتَّتَ همَّك فتركُهُ أوْلى. وإن لم يُضعِفْهُ فمباشرتُه أولى؛ لأنَّ حكمةَ أحكم الحاكمين اقتضَتْ ربط المسبَّب به؛ فلا تُعطِّلْ حكمتَه مهما أمكنك القيامُ بها، ولا سيَّما إذا فعلتَهُ عبوديَّةً، فتكون قد أتيتَ بعبوديَّةِ القلبِ بالتوكُّل، وعبوديَّةِ الجوارحِ

стр. 134

بالسببِ المَنْويِّ به القُرْبَةُ. والذي يُحقِّقُ التوكُّلَ القيامُ بالأسباب المأمورِ بها: فمن عَطَّلَها لم يَصِحَّ توكُّلُه؛ كما أنَّ القيام بالأسباب المُفضِية إلى حصول الخير يُحقِّقُ رجاءه؛ فمن لم يَقُمْ بها كان رجاؤه تمنِّيًا؛ كما أنَّ من عَطَّلها يكونُ توكُّلُه عجزًا وعجزُه توكُّلًا. وسرُّ التوكُّل وحقيقتهُ هو اعتمادُ القلب على الله وحدَه: فلا يَضُرُّهُ مباشرةُ الأسباب؛ مع خلوِّ القلب من الاعتماد عليها والركونِ إليها، كما لا ينفعه قوله: توكَّلْتُ على الله؛ مع اعتمادِه على غيره ورُكونِه إليه وثقتِه به. فتوكُّلُ اللسانِ شيءٌ، وتوكلُ القلب شيءٌ؛ كما أن توبة اللسان مع إصرار القلب شيءٌ، وتوبة القلب وإن لم يَنطِق اللسانُ شيءٌ. فقول العبد: توكلتُ على الله مع اعتماد قلبِه على غيره مثلُ قولهِ: تُبتُ إلى الله وهو مُصِرٌّ على معصيته مرتكبٌ لها. فائدة الجاهلُ يشكو الله إلى الناس، وهذا غايةُ الجهل بالمشكُوِّ والمشكُوِّ إليه؛ فإنَّه لو عرف ربَّه لما شكاهُ، ولو عرفَ الناسَ لما شكَا إليهم. ورأى بعضُ السلف رجلًا يشكو إلى رجلٍ فاقتَه وضرورتَه، فقال: يا هذا! واللهِ ما زدتَ على أن شكوتَ من يَرحمك إلى من لا يَرحمك. وفي ذلك قيل: وإذا شكوتَ إلى ابْنِ آدم إنَّما … تَشكُو الرَّحيمَ إلى الَّذي لا يَرحَمُ (١)

стр. 135

والعارفُ إنما يشكو إلى الله وحده. وأعرفُ العارفين من جعلَ شكواه إلى الله من نفسه لا من الناس؛ فهو يَشكو من مُوجبات تسليطِ الناس عليه؛ فهو ناظرٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. فالمراتبُ ثلاثةٌ: أخسُّها: أن تشكوَ الله إلى خلقه، وأعلاها: أن تشكوَ نفسَك إليه، وأوسطها: أن تشكو خلقه إليه. قاعدة جليلة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]. فتضمنت هذه الآيةُ أمورًا: أحدُها: أن الحياة النافعة إنما تَحصُلُ بالاستجابة لله ورسوله؛ فمن لم تَحصُلْ له هذه الاستجابةُ فلا حياةَ له، وإن كانت له حياةٌ بهيميَّهٌ مشتركةٌ بينه وبين أرذلِ الحيوانات. فالحياةُ الحقيقيَّةُ الطيبةُ هي حياةُ من استجابَ لله والرسولِ ظاهرًا وباطنًا؛ فهؤلاء هم الأحياءُ وإن ماتوا، وغيرُهم أمواتٌ وإن كانوا أحياء الأبدانِ.

стр. 136

ولهذا كان أكملُ الناسِ حياةً أكملَهم استجابةً لدعوة الرسول؛ فإنَّ كلَّ ما دعا إليه ففيه الحياةُ، فمن فاتَه جزءٌ منه فاتَه جزءٌ من الحياة، وفيه من الحياة بحسبِ ما استجابَ للرسول. قال مجاهدٌ: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يعني: للحقِّ. وقال قتادةُ: هو هذا القرآنُ، فيه الحياةُ والنجاةُ والعصمةُ في الدُّنيا والآخرة. وقال السُّدِّيُّ: هو الإسلامُ؛ أحياهُم به بعد موتهم بالكفر. وقال ابنُ إسحاق وعُروةُ بن الزبير -واللفظ لهُ-: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ يعني: للحرب التي أعزَّكُمُ الله بها بعدَ الذُّلِّ، وقَوَّاكم بعد الضَّعْفِ، ومنعكم بها من عدُوِّكم بعد القهر منهم لكم. وهذه كلُّها عباراتٌ عن حقيقةٍ واحدة، وهي القيام بما جاء به الرسولُ ظاهرًا وباطنًا. قال الواحديُّ (١): والأكثرون على أنَّ معنى قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: هو الجهادُ، وهو قولُ ابن إسحاق واختيارُ أكثرِ أهل المعاني. قال الفرَّاءُ (٢): إذا دَعاكُم إلى إحياءِ أمركم بجهادِ عدوِّكُم. يريد أن أمرهم إنما يَقوَى بالحرب والجهاد؛ فلو تركوا الجهادَ ضعُف أمرُهم، واجترأ عليهم عدوُّهم.

стр. 137

قلتُ: الجهادُ من أعظم ما يُحيِيْهم به في الدُّنيا وفي البرزخ وفي الآخرة: أما في الدُّنيا فإنَّ قوتَهم وقهرَهم لعدوِّهم بالجهاد. وأمَّا في البرزخ فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وأمَّا في الآخرة فإن حظَّ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظمُ من حظِّ غيرهم. ولهذا قال ابنُ قُتَيبة (١): ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ يعني الشهادة. وقال بعضُ المفسِّرين: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ يعني الجنةَ؛ فإنَّها دارُ الحيوان، وفيها الحياةُ الدائمةُ الطيبةُ. حكاه أبو عليٍّ الجرجانيُّ. والآيةُ تتناولُ هذا كلَّه؛ فإن الإيمان والإسلام والقرآن والجهاد تُحيِي القلوب الحياة الطَّيِّبة، وكمالُ الحياة في الجنة، والرسولُ داعٍ إلى الإيمان وإلى الجنَّة؛ فهو داعٍ إلى الحياة في الدُّنيا والآخرة. والإنسانُ مضطرٌّ إلى نوعين من الحياة: حياةُ بدنه التي بها يدرِك النافعَ والضارَّ ويُؤثِرُ ما ينفعُهُ على ما يضُرُّهُ، ومتى نقصَتْ فيه هذه الحياةُ ناله من الألم والضعف بحسب ذلك، ولذلك كانت حياةُ المريض والمحزون وصاحبِ الهمِّ والغمِّ والخوفِ والفقر والذُّلِّ دون حياةِ من هو مُعافىً من ذلك. وحياةُ قلبه وروحه التي بها يُميِّزُ بين الحقِّ والباطل والغَيِّ والرَّشاد والهدى والضلال، فيختارُ الحقَّ على ضدِّه، فتُفِيدُ هذه الحياةُ قوَّةَ التمييز بين النافع والضَّارِّ في العلوم والإرادات والأعمال، وتُفيدُهُ قوَّةَ الإيمان

стр. 138

والإرادةِ والحبِّ للحقِّ، وقوةَ البغضِ والكراهةِ للباطل؛ فشعورُه وتمييزُه وحبُّه ونفرتُهُ بحسب نصيبه من هذه الحياة؛ كما أنَّ البدنَ الحيَّ يكونُ شعورُهُ وإحساسُهُ بالنافع والمؤلم أتمَّ، ويكونُ ميلُهُ إلى النافع ونفرتُهُ عن المؤلم أعظمَ؛ فهذا بحسب حياة البدن، وذاك بحسب حياة القلب؛ فإذا بَطلتْ حياتُه بطلَ تمييزُه، وإن كان له نوعُ تمييزٍ لم يكن فيه قوةٌ يُؤثِرُ بها النافعَ على الضَّارِّ. كما أنَّ الإنسان لا حياةَ له حتى يَنفُخَ فيه الملَكُ -الذي هو رسولُ الله- من روحِه فيصيرَ حيًّا بذلك النفخ وكان قبل ذلك من جملة الأموات، فكذلك (١) لا حياةَ لروحه وقلبه حتى يَنفُخَ فيه الرسولُ ﷺ من الرُّوح الذي ألْقِي إليه؛ قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢]، وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ فأخبر أَنَّ وحيَهُ روحٌ ونورٌ. فالحياةُ والاستنارةُ موقوفةٌ على نفخ الرسول المَلَكيِّ [والرسول البشريِّ]؛ فمن أصابه نفخُ الرسول الملكيِّ ونفخُ الرسول البشريِّ حصلتْ له الحياتانِ، ومن حصلَ له نفخُ الملَكِ دون نفخ الرسول حصلتْ له إحدى الحياتين وفاتتْه الأخرى. قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فجَمعَ له بين

стр. 139

النور والحياة؛ كما جَمعَ لمن أعرض عن كتابه بين الموت والظلمة. قال ابنُ عباس وجميع المفسرين: كان كافرًا ضالًا فهديناه. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يتضمن أمورًا: أحدُها: أنه يمشي في الناس بالنور وهم في الظُّلمة؛ فمَثلُه ومَثَلُهم كمثل قوم أظلمَ عليهم الليلُ فضلُّوا ولم يهتدوا للطريق، وآخر معه نورٌ يمشي به في الطريق ويَراها ويَرى ما يَحذرُهُ فيها. وثانيها: أنه يمشي فيهم بنورِه، فهم يَقتبِسُون منه لحاجتهم إلى النور. وثالثها: أنه يمشي بنوره يومَ القيامة على الصراط إذا بقي أهل الشرك والنفاق في ظلماتِ شركهم ونفاقهم. وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. المشهورُ في الآية أنه يَحُول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، ويَحُول بين أهل طاعته وبين معصيته، وبين أهل معصيته وبين طاعته. وهذا قولُ ابن عباسٍ وجمهور المفسرين. وفي الآية قولٌ آخرُ: إن المعنى أنه سبحانه قريبٌ من قلبه، لا تخفَى عليه خافيةٌ؛ فهو بينه وبين قلبه. ذكره الواحديُّ عن قتادة. وكأنَّ هذا أنسبُ بالسياق؛ لأنَّ الاستجابة أصلها بالقلب؛ فلا تَنفعُ الاستجابة بالبدن دون القلب؛ فإن الله سبحانه بين العبد وبين قلبه؛ فيعلم هل استجاب له قلبه؟ وهل أضمرَ ذلك أو أضمرَ خلافه؟ وعلى القول الأول فوجهُ المناسبة أنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة

стр. 140

وأبطأتُم عنها؛ فلا تَأمَنوا أن الله يَحُول بينكم وبين قلوبكم، فلا يُمكِّنكم بعد ذلك من الاستجابة؛ عقوبةً لكم على تركها بعدَ وضوح الحق واستبانتِه، فيكون كقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٠١]؛ ففي الآية تحذيرٌ عن تركِ الاستجابةِ بالقلب وإن استجابَ بالجوارح. وفي الآية سرٌّ آخرُ، وهُو أنه جَمعَ لهم بين الشرع والأمر به -وهو الاستجابةُ- وبين القدر والإيمان به؛ فهي كقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٥ - ٥٦]. والله أعلم. فائدة جليلة قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقوله : ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]. فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية. والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية. فالعبد يكرهُ مواجهةَ عدوه بقوته الغضبية خشيةً على نفسه منه، وهذا المكروهُ خيرٌ له في معاشه ومعاده، ويُحِبُّ الموادعةَ والمتاركةَ، وهذا

стр. 141

المحبوبُ شرٌّ له في معاشه ومعاده. وكذلك يكرهُ المرأةَ لوصفٍ من أوصافها، وله في إمساكها خيرٌ كثير لا يَعرِفُه، ويُحِبُّ المرأة لوصفٍ من أوصافها، وله في إمساكها شرٌّ كثيرٌ لا يَعرِفهُ. فالإنسانُ -كما وصفه به خالقُه- ظَلومٌ جَهولٌ؛ فلا ينبغي أن يجعلَ المعيارَ على ما يضره وينفعه ميلَه وحبَّه ونفرتَه وبُغضَه، بل المعيارُ على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه؛ فأنفعُ الأشياءِ له على الإطلاق طاعةُ ربه بظاهره وباطنه، وأضرُّ الأشياء عليه على الإطلاق معصيتُه بظاهره وباطنه؛ فإذا قام بطاعته وعبوديَّته مخلصًا له فكلُّ ما يَجري عليه مما يكرهه يكون خيرًا له، وإذا تخلَّى عن طاعته وعبوديته فكلُّ ما هو فيه من محبوبٍ هو شرٌّ له. فمن صحَّتْ له معرفةُ ربه والفقهُ في أسمائه وصفاته؛ عَلِم يقينًا أن المكروهات التي تُصِيبه والمِحَن التي تَنزل به فيها ضروبٌ من المصالح والمنافع التي لا يُحصِيها علمُه ولا فِكرتُه، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يُحِب؛ فعامةُ مصالح النفوس في مكروهاتها؛ كما أن عامةَ مَضارِّها وأسباب هَلَكَتِها في محبوباتها. فانظُرْ إلى غارسِ جنةٍ من الجنات خبيرٍ بالفلاحة؛ غَرَسَ جنةً، وتعاهدَها بالسقي والإصلاح حتى أثمرتْ أشجارها، فأقبل عليها يَفصِلُ أوصالها ويقطع أغصانَها لعلمه أنها لو خُلِّيتْ على حالها؛ لم تَطِبْ ثمرتُها، فيُطعِّمُها من شجرة طيبة الثمرة. حتى إذا التحمتْ بها واتحدتْ وأعطتْ ثمرتَها؛ أقبل يُقلِّمُها ويقطع أغصانَها الضعيفة التي تُذهِب قوتَها، ويُذِيقُها ألمَ القطع والحديد لمصلحتها وكمالها، لتَصلُحَ ثمرتُها

стр. 142

أن تكون بحضرة الملوك. ثم لا يَدَعُها ودواعي طبعِها من الشرب كلَّ وقتٍ، بل يُعطِّشُها وقتًا ويَسقِيها وقتًا، ولا يترك الماء عليها دائمًا، وإن كان ذلك أنضرَ لورقها وأسرعَ لنباتها. ثم يَعمِدُ إلى تلك الزينة التي زُيِّنت بها من الأوراق، فيُلقي عنها كثيرًا منها؛ لأنَّ تلك الزينة تَحُول بين ثمرتها وبين كمال نُضْجِها واستوائها؛ كما في شجر العنب ونحوه. فهو يقطع أعضاءها بالحديد، ويُلقي عنها كثيرًا من زينتها، وذلك عينُ مصلحتها؛ فلو أنها ذاتُ تمييزٍ وإدراك كالحيوان؛ لتوهمتْ أن ذلك إفسادٌ لها وإضرارٌ بها، وإنما هو عينُ مصلحتها. وكذلك الأب الشفيق على ولده العالمُ بمصلحته؛ إذا رأى مصلحتَه في إخراج الدم الفاسد عنه؛ بَضَّع جلدَه وقطعَ عروقه وأذاقه الألم الشديد، وإن رأى شفاءه في قطع عضوٍ من أعضائه أبانَه عنه؛ كل ذلك رحمةً به وشفقةً عليه. وإن رأى مصلحته في أن يُمسِك عنه العطاءَ لم يُعطِه ولم يُوسِّع عليه؛ لعلمِه أن ذلك أكبرُ الأسباب إلى فساده وهلاكه. وكذلك يمنعه كثيرًا من شهواته حِميةً له ومصلحةً لا بخلًا عليه. فأحكم الحاكمين وأرحمُ الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم؛ إذ أنزل بهم ما يكرهون؛ كان خيرًا لهم من أن لا يُنزِله بهم؛ نظرًا منه لهم وإحسانًا إليهم ولطفًا بهم، ولو مُكِّنوا من الاختيار لأنفسهم لعَجَزوا عن القيام بمصالحهم علمًا وإرادةً وعملًا، لكنه سبحانه تولى تدبيرَ أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته؛ أحبُّوا أم كرهوا. فعَرفَ ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته؛ فلم يتهموهُ في شيء من أحكامه. وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته؛ فنازعوه تدبيرَه، وقَدَحُوا في حكمته، ولم ينقادوا لحكمه،

стр. 143

وعارضوا حكمَه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة؛ فلا لربهم عَرفوا، ولا لمصالحهم حَصَّلوا. والله الموفق. ومتى ظَفِر العبدُ بهذه المعرفة سَكنَ في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يُشبِه نعيمُها إلا نعيم جنة الآخرة؛ فإنه لا يزال راضيًا عن ربه، والرِّضَى جنةَ الدُّنيا ومُستَراحُ العارفين؛ فإنه طِيبُ النفس بما يَجري عليه من المقادير التي هي عين اختيار الله له وطمأنينتُها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرِّضى بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ رسولًا، وما ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ من لم يَحصُل له ذلك (١). وهذا الرِّضى هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسنِ اختياره؛ فكلَّما كان بذلك أعرفَ كان به أرضَى. فقضاء الرب سبحانه في عبده دائرٌ بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة، لا يَخرُج عن ذلك البتة؛ كما قال ﷺ في الدُّعاءِ المشهور: "اللهم! إنِّي عبدك، ابنُ عبدك، ابنُ أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألُك بكل اسم هو لك، سَمَّيتَ به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك: أن تجعلَ القُرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاء حُزني، وذهابَ همّي وغمّي. ما قالها أحدٌ قطُّ إلَّا أذهبَ الله همَّهُ وغمَّهُ، وأبْدلهُ مكانَه فرحًا". قالوا: أفلا نتعلَّمُهنَّ يا رسول الله؟ قال: "بلى! ينبغي لمن سمعَهن أن يتعلمَهُنَّ" (٢)، والمقصود قوله: "عدلٌ فيَّ قضاؤك"، وهذا يتناول كل قضاءٍ يَقضِيه على عبده؛ من عقوبة، أو ألم، وسبب ذلك؛

стр. 144

فهو الذي قضَى بالسبب وقضى بالمسبب، وهو عدلٌ في هذا القضاء، وهذا القضاءُ خيرٌ للمؤمن؛ كما قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يَقضِي الله للمؤمن قضاءً؛ إلَّا كان خيرًا له، وليس ذلك إلَّا للمؤمن" (١). قال العلَّامة ابن القيِّم: فسألتُ شيخَنا (٢): هل يدخُلُ في ذلك قضاءُ الذنب؟ فقال: نعم بشرطه. فأجملَ في لفظة (بشرطه) ما يَترتَّبُ على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذُّلِّ والبكاءِ وغير ذلك. فائدة لا تَتِمُّ الرغبةُ في الآخرة إلا بالزُّهد في الدُّنيا. ولا يستقيم الزُّهدُ في الدُّنيا إلا بعد نظرين صحيحين: نظرٌ في الدُّنيا وسرعةِ زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخِسَّتها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغُصَصِ والنَّغَصِ والأنكادِ، وآخِرُ ذلك الزوالُ والانقطاعُ، مع ما يُعقِبُ من الحسرة والأسف؛ فطالبُها لا يَنفكُّ من هَمٍّ قبل حصولها، وهَمٍّ في حالِ الظَّفرِ بها، وغمٍّ وحزنٍ بعد فواتها. فهذا أحدُ النظرين. النظرُ الثاني في الآخرة، وإقبالِها ومجيئها ولا بُدَّ، ودوامِها وبقائها، وشرفِ ما فيها من الخيرات والمسرَّات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ها هنا؛ فهي كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧]؛

стр. 145

فهي خيراتٌ كاملةٌ دائمةٌ، وهذه خيالاتٌ ناقصةٌ منقطعةٌ مضمحلَّةٌ. فإذا تَمَّ له هذانِ النظرانِ آثرَ ما يَقتضِي العقلُ إيثارَهُ، وزَهِدَ فيما يقتضي الزُّهدَ فيه. فكلُّ أحدٍ مطبوعٌ على أن لا يتركَ النفعَ العاجلَ واللَّذَّةَ الحاضرةَ إلى النفع الآجل واللَّذَّة الغائبة المنتظرة إلا إذا تبيَّنَ له فَضْلُ الآجلِ على العاجلِ وقوِيَتْ رغبتُهُ في الأعلى الأفضل. فإذا آثرَ الفانيَ الناقصَ كان ذلك إما لعدم تبيُّنِ الفضل له، وإما لعدم رغبتهِ في الأفضل؛ وكلُّ واحدٍ من الأمرين يدُلُّ على ضعفِ الإيمان وضعف العقل والبصيرة. فإنَّ الراغبَ في الدُّنيا الحريصَ عليها المُؤثِرَ لها: إمَّا أن يُصدِّقَ بأن ما هناك أشرفُ وأفضلُ وأبقى، وإمَّا أن لا يُصدِّقَ. فإن لم يُصدِّق بذلك كان عادمًا للإيمان رأسًا، وإن صدَّق بذلك ولم يُؤثِره كان فاسدَ العقل سييّء الاختيارِ لنفسه. وهذا تقسيمٌ حاصرٌ ضروريٌّ لا ينفكُّ العبدُ من أحد القسمين منه؛ فإيثارُ الدُّنيا على الآخرة: إما من فسادٍ في الإيمان، وإما من فسادٍ في العقل، وما أكثرَ ما يكون منهما. ولهذا نبذَها رسولُ الله ﷺ وراءَ ظَهْرِه هو وأصحابُه، وصَرَفُوا عنها قلوبَهم، واطَّرحُوها ولم يَألَفوها، وهَجَروها ولم يَميلوا إليها، وعَدُّوها سِجْنًا لا جنة (١)، فزَهِدوا فيها حقيقةَ الزُّهد، ولو أرادوها لنالوا منها كلَّ محبوبٍ، ولوَصَلوا منها إلى كلِّ مرغوبٍ؛ فقد عُرِضتْ عليه
следующие страницы →