← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 212

الفوائد لابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (308 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فائدة ما أخذ العبدُ ما حُرِّم عليه إلا من جهتين: إحداهُما (١): سوءُ ظنِّهِ بربِّهِ، وأنَّه لو أطاعَهُ وآثَرَهُ لم يُعطِهِ خيرًا منه حلالًا. والثانيةُ: أن يكون عالِمًا بذلك، وأنَّ مَنْ تركَ لله شيئًا أعاضَهُ خيرًا منه (٢)، ولكن تغلِبُ شهوتُهُ صبَرهُ وهواهُ عقلَهُ. فالأولُ مِن ضَعْفِ علمِهِ، والثاني من ضَعْفِ عقلِهِ وبصيرتِهِ. • قال يحيى بن معاذٍ: من جمع الله عليه قلبَهُ في الدُّعاءِ لم يَرُدَّهُ. قلتُ: إذا اجتمع عليه قلبُهُ، وصَدَقتْ ضرورتُهُ وفاقتُهُ، وقَوِيَ رجاؤُهُ؛ فلا يكاد يُرَدُّ دعاؤُهُ. فصل • لما رأى المتيقِّظون سطوةَ الدُّنيا بأهلها، وخداعَ الأملِ لأربابهِ، وتملُّك الشيطانِ قيادَ النُّفوس، ورأوا الدولة للنفس الأمَّارةِ؛ لجأوَا إلى حصنِ التضرُّع والالتجاءِ؛ كما يأوي العبدُ المذعورُ إلى حَرَمِ سيِّدِهِ.

стр. 72

• شهواتُ الدُّنيا كلُعَبِ الخيال، ونظرُ الجاهل مقصورٌ على الظاهر، فأمَّا ذو العقل فيرى ما وراء السِّتْرِ. • لاحَ لهمُ حَبُّ المشتهَى، فلما مدُّوا أيدي التناول؛ بانَ لأبصارِ البصائرِ خيطُ الفخِّ، فطاروا بأجنحةِ الحَذَرِ، وصوَّبوا إلى الرحيل الثاني: ﴿يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [يس: ٢٦]. • تلمَّحَ القومُ الوجودَ، ففهِموا المقصودَ، فأجمعوا الرحيلَ قبل الرحيل، وشمَّروا للسيرِ في سواءِ السبيل؛ فالناسُ مشتغلون بالفضلاتِ، وهم في قطع الفلواتِ، وعصافيرُ الهوى في وَثاقِ الشبكةِ ينتظرونَ الذبحَ. • وَقَعَ ثَعْلبانِ في شبكةٍ، فقال أحدُهما للآخرِ: أينَ الملتقى (١) بعد هذا؟ فقال: بعد يومينِ في الدِّباغةِ. • تالله ما كانتِ الأيامُ إلا منامًا؛ فاستيقظوا وقد حصلوا على الظَّفَرِ. • ما مضى من الدُّنيا أحلامٌ، وما بقي منها أمانيُّ، والوقتُ ضائعٌ بينَهما. • كيف يَسْلَمُ من له زوجةٌ لا تَرحمُهُ، وولدٌ لا يَعذِرُه، وجارٌ لا يأمَنُه، وصاحبٌ لا ينصحُه، وشريكٌ لا يُنصِفُه، وعدوٌّ لا ينامُ عن معاداته، ونفسٌ أمَّارةٌ بالسوءِ، ودُنيا متزينةٌ، وهوًى مُرْدٍ، وشهوةٌ غالبةٌ له، وغضبٌ قاهرٌ، وشيطانٌ مزيِّنٌ، وضعفٌ مستولٍ عليه؟! فإن تولَّاهُ الله وجذَبَهُ إليه انقهرتْ له هذه كلُّها، وإن تخلَّى عنه ووكلَهُ

стр. 73

إلى نفسه اجتمعت عليه، فكانت الهَلَكةُ. • لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسُّنَةِ والمحاكمةِ إليهما، واعتقدوا عدمَ الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراءِ والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ؛ عرضَ لهم من ذلك فسادٌ في فِطَرِهم، وظلمةٌ في قلوبِهِم، وكدَرٌ في أفهامِهِم، ومَحْقٌ في عقولِهِم، وعَمَّتْهم هذه الأمورُ وغلبتْ عليهم؛ حتى رُبِّيَ فيها الصغيرُ، وهَرِمَ عليها الكبيرُ، فلم يَرَوْها منكرًا! فجاءتهمْ دولةٌ أخرى قامتْ فيها البدَعُ مقامَ السُّنَنِ، والنفسُ مقامَ العقل، والهوى مقام الرُّشدِ، والضلالُ مقام الهدى، والمنكرُ مقامَ المعروفِ، والجهلُ مقام العلم، والرِّياءُ مقامَ الإخلاصِ، والباطلُ مقام الحقِّ، والكذِبُ مقامَ الصِّدْقِ، والمداهنةُ مقام النصيحة، والظلمُ مقام العدل؛ فصارت الدولةُ والغلبَةُ لهذه الأمور، وأهلُها هم المشارَ إليهم، وكانتْ قبل ذلك لأضدادها، وكان أهلُها هم المشارَ إليهم. • فإذا رأيتَ دولةَ هذه الأمور قد أقبلتْ، وراياتُها قد نُصِبَتْ، وجيوشُها قد رَكِبَتْ؛ فبطنُ الأرض والله خيرٌ من ظهرها، وقُلَلُ الجبال خيرٌ من السهول، ومخالطةُ الوحشِ أسلمُ من مخالطةِ الناس. اقشعرَّتِ الأرضُ وأظلمتِ السماءُ وظهر الفسادُ في البرِّ والبحر من ظلم الفَجَرَةِ، وذهبتِ البركاتُ وقلَّتِ الخيراتُ وهزُلتِ الوحوشُ وتكدَّرتِ الحياةُ من فسق الظَّلَمَةِ، وبكى ضوءُ النهارِ وظلمةُ الليل من الأعمال الخبيثةِ والأفعال الفظيعةِ، وشكا الكرامُ الكاتبون والمُعَقِّباتُ إلى ربِّهم من كثرةِ الفواحش وغلبةِ المنكرات والقبائحِ. وهذا والله مُنذِرٌ بسَيلِ عذابٍ قد انعقد غمامُهُ، ومُؤذِنٌ بليل بلاءٍ قد ادْلهَمَّ ظلامُهُ؛ فاعزِلوا

стр. 74

عن طريق هذا السَّيل بتوبةٍ نَصوح ما دامتِ التوبةُ ممكنةً وبابُها مفتوحٌ! وكأنَّكم بالباب وقد أُغْلِقَ، وبالرهنِ وقد غَلِقَ (١)، وبالجَناح وقد عَلِقَ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. • اشترِ نفسَك اليومَ؛ فإنَّ السوقَ قائمةٌ، والثمنَ موجودٌ، والبضائع رخيصةٌ، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يومٌ لا تَصِلُ فيه (٢) إلى قليل ولا كثير، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ﴾ [الفرقان: ٢٧]. إذا أنْتَ لمْ تَرْحَلْ بزادٍ من التُّقى … وأبْصَرْتَ يومَ الحَشْرِ منْ قَدْ تَزوَّدا نَدِمْتَ على أنْ لا تكون كَمِثِلِه … وأنَّكَ لمْ تُرْصِدْ كما كان أرْصَدا (٣) • العملُ بغير إخلاص ولا اقتداءٍ كالمسافر يَملأُ جرابَهُ رملًا يُثْقِلُهُ ولا ينفعُهُ. • إذا حملتَ على القلب همومَ الدُّنيا وأثقالهَا، وتهاونتَ بأورادِهِ التي هي قُوتُهُ وحياتُهُ؛ كنتَ كالمسافر الذي يُحمِّلُ دابَّتَهُ فوق طاقتِها، ولا يُوفيها علفَها؛ فما أسرع ما تَقِفُ به! • ومُشَتَّتُ العَزَماتِ يُنْفِقُ عُمْرَهُ … حيْرانَ لا ظَفَرٌ ولا إخْفاقُ (٤) • هلِ السَّائقُ العَجْلانُ يَمْلِكُ أمْرَهُ … فما كُلُّ سَيرِ اليَعْمَلاتِ وَخيدُ

стр. 75

رويدَا بأخفافِ المَطِيِّ فإنَّما … تُداسُ جِباهٌ تَحتَها وخُدود (١) • من تلمَّحَ حلاوة العافية هان (٢) عليه مرارةُ الصَّبرِ. • الغايةُ: أولٌ في التقديرِ، آخرٌ في الوجودِ، مَبدأٌ في نظرِ العقلِ، منتهًى في منازل الوصول. • ألِفْتَ عَجْزَ العادةِ؛ فلو عَلَتْ بك هِمَّتكَ رُبا المعالي؛ لاحتْ لك أنوارُ العزائم. • إنَّما تفاوَتَ القومُ بالهِمَم لا بالصُّوَرِ. • نزولُ هِمَّةِ الكَسَّاح دَلَّاهُ في جُبِّ العَذِرَة. • بينَك وبين الفائزينَ جبلُ الهوى، نزلوا بين يديهِ ونزلْتَ خَلْفَهُ؛ فاطْوِ فَضْلَ منزل تَلْحَقْ بالقوم. • الدُّنيا مِضْمارُ سباقٍ، وقد انعقد الغبارُ، وخَفِيَ السابقُ، والناسُ في المِضمارِ بين فارسٍ وراجل وأصحابِ حُمُرٍ مُعَقَّرةٍ. سَوْفَ تَرى إذا انْجَلى الغُبارُ … أفَرَسٌ تَحْتَكَ أمْ حِمارُ (٣) • في الطبع شَرَهٌ، والحِميةُ أوفقُ. • لصُّ الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى. • حَبَّةُ المشتَهى تحتَ فَخِّ التَّلَفِ؛ فتفكَّرْ في الذبح؛ وقد هان

стр. 76

الصَّبْرُ. • قوةُ الطَّمع في بلوغ الأمل تُوجبُ الاجتهادَ في الطلبِ وشدةَ الحَذَرِ من فَوْتِ المأمول. • البخيلُ فقيرٌ لا يُؤْجَرُ على فقرِهِ. • الصبرُ على عطش الضُّرِّ، ولا الشُّرْبُ من شِرْعَةِ مَنٍّ. • تجوعُ الحُرَّةُ ولا تأكلُ بثَدْيَيها. • لا تسألْ سوى مولاكَ؛ فسؤالُ العبدِ غيرَ سيِّدِهِ تشنيعٌ عليه. • غَرْسُ الخَلْوَةِ يُثْمِرُ الأنسَ. • استوحِشْ مما لا يدومُ معكَ، واستأنِسْ بمَن لا يفارِقُك. • عزلةُ الجاهل فسادٌ، وأما عزلةُ العالِم فَمَعَها حِذاؤُها وسِقاؤُها. • إذا اجتمع العقلُ واليقينُ في بيتِ العُزْلَةِ، واستَحْضَرا الفكرَ، وجرتْ بينَهم مناجاةٌ: أتاكَ حديثٌ لا يُمَلُّ سَماعُهُ … شَهِيٌّ إلَينا نَثْرُهُ ونِظامُهُ إذا ذَكَرَتْهُ النَّفْسُ زال عَناؤها … وزال عَنِ القلبِ المُعَنَّى ظلامُهُ (١) • إذا خَرَجَتْ مِن فِي عَدُوِّكَ لفظةُ سَفَهٍ فلا تُلْحِقْها بمِثْلِها؛ تُلَقِّحْها، ونَسْلُ الخصام نَسْلٌ مذمومٌ. • حَميَّتُكَ لنفسِكَ أثرُ الجهل بها؛ فلو عَرَفْتَها حقَّ معرِفَتِها أعَنْتَ

стр. 77

الخصمَ عليها. • إذا اقْتَدَحَتْ نارُ الانتقام من نارِ الغَضَبِ؛ ابْتَدَأتْ بإحراقِ القادح. • أوْثِقْ غضبَكَ بسلسلة الحِلْم؛ فإنَّه كلبٌ؛ إنْ أَفْلَتَ أَتلفَ. • مَن سبقتْ له سابقةُ السعادة؛ دُلَّ على الدليل قبل الطَّلَب. • إذا أراد القَدَرُ شخصًا؛ بَذَرَ في أرض قلبهِ بذْرَ التوفيقِ، ثم سقاه بماءِ الرغبةِ والرهبةِ، ثم أقام عليه ناطُورَ (١) المراقَبةِ، واستخدمَ له حارسَ العلم؛ فإذا الزرعُ قائمٌ (٢) على سوقِهِ. • إذا طَلَعَ نجمُ الهِمَّةِ في ظلام ليل البَطالةِ، ورَدِفَهُ قمرُ العزيمةِ؛ أشرقتْ أرضُ القلبِ بنورِ ربِّها. • إذا جَنَّ الليلُ تغالبَ النومُ والسهرُ؛ فالخوفُ والشوقُ في مقدَّم عسكرِ اليَقَظَةِ، والكسلُ والتَّواني في كتيبةِ الغفلةِ؛ فإذا حَمَلَ العزمُ حَمَلَ على الميمنةِ، فانهزمتْ جنود التفريطِ؛ فما يَطْلُعُ الفجرُ؛ إلا وقد قُسِمَتِ السُّهْمانُ وبَرَدَتِ الغنيمةُ لأهلِها. • سَفَرُ الليل لا يُطيقهُ إلَّا مُضَمَّرُ المجاعةِ. • النجائبُ في الأوَّلِ، وحاملاتُ الزادِ في الأخير. • لا تَسأَمْ من الوقوفِ على الباب ولو طُرِدْتَ، ولا تقطع الاعتذارَ ولو رُدِدْتَ؛ فإنْ فُتِح البابُ للمقبولين دونكَ؛ فاهْجمْ هجومَ الكذَّابينَ، وادْخُلْ دخولَ الطُّفَيلِيَّة، وابْسُطْ كَفَّ ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَينَا﴾ [يوسف: ٨٨].

стр. 78

• يا مستفْتِحًا بابَ المعاشِ بغيرِ إقليدِ (١) التَّقوى! كيفَ تُوسِعُ طريقَ الخطايا وتَشْكو ضِيقَ الرِّزْقِ؟! • لو وَقَفْتَ عند مرادِ التَّقوى لم يَفُتْكَ مرادٌ. • المعاصي سَدٌّ في باب الكسبِ، و"إنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنْب يُصيبُهُ" (٢). • تَاللهِ ما جِئْتُكُمُ زائرًا … إلَّا وَجَدْتُ الأرْضَ تُطْوَى لِيْ ولا انْثنَى عَزْميَ عن بابِكُمْ … إلَّا تَعَثَّرْتُ بأذْيالي (٣) • الأرواحُ في الأشباح كالأطيار في الأبراج، وليسَ ما أُعِدَّ للاستفراخ كمن هُيِّئَ للسِّباق. • من أراد من العمَّالِ أن يَعرِفَ قدرَه عند السلطان فلينظر ماذا يُوليهِ مِن العمل؟ وبأيِّ شُغْلٍ يَشْغَلُهُ؟ • كنْ من أبناءِ الآخرةِ، ولا تكُنْ من أبناءِ الدُّنيا؛ فإنَّ الولد يَتْبَعُ الأمَّ. • الدُّنيا لا تُساوي نَقْل أقدامِكَ إليها؛ فكيف تَعْدو خلفَها؟! • الدُّنيا جيفةٌ، والأسدُ لا يقعُ على الجِيَفِ.

стр. 79

• الدُّنيا مجازٌ، والآخرةُ وطنٌ، والأوطارُ إنَّما تُطلَبُ في الأوطان. • الاجتماعُ بالإخوانِ قسمانِ: أحدُهُما: اجتماعٌ على مؤانسةِ الطبع وشُغْل الوقتِ؛ فهذا مَضَرَّتُهُ أرجحُ من منفعتِهِ، وأقلُّ ما فيه أنَّه يُفْسِدُ القلبَ ويُضيِّعُ الوقتَ. الثاني: الاجتماعُ بهم على التعاونِ على أسباب النَّجاةِ والتَّواصي بالحقِّ والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمةِ وأنفعها، ولكنَّ فيه ثلاث آفاتٍ: إحداها: تزيُّنُ بعضهم لبعضٍ. الثانيةُ: الكلامُ والخِلْطة أكثر من الحاجةِ. الثالثةُ: أن يصيرَ ذلك شهوةً وعادةً ينقطعُ بها عن المقصود. وبالجملةِ فالاجتماعُ والخِلْطَةُ لِقاحٌ: إما للنفس الأمَّارةِ، وإما للقلبِ والنفس المطمئنَّةِ، والنتيجةُ مستفادةٌ من اللِّقاحِ؛ فمن طابَ لِقاحُهُ طابتْ ثمرتُهُ. وهكذا الأرواح الطيبةُ لِقاحُها من المَلكِ، والخبيثةُ لِقاحُها من الشيطان، وقد جعلَ الله سبحانه بحكمتِهِ الطَّيِّباتِ للطَّيِّبين والطَّيِّبينَ للطَّيِّباتِ، وعَكْسَ ذلك. قاعدة ليس في الوجود الممكن سببٌ واحدٌ مستقلٌّ بالتأثير، بل لا يُؤثِّرُ سببٌ البتةَ إلا بانضمامِ سببٍ آخر إليه وانتفاءِ مانع يمنعُ تأثيرهُ. هذا في الأسباب المشهودة بالعيان وفي الأسباب الغائبة والأسباب المعنويَّةِ؛ كتأثير الشمس في الحيوان والنباتِ؛ فإنَّه موقوفٌ على أسباب أخر من وجود محلٍّ قابل وأسبابٍ أخَرَ تنضمُّ إلى ذلك السبب، وكذلك حصولُ الولد موقوفٌ على عدةِ أسَبابٍ غيرِ وطءِ الفَحْل، وكذلك جميعُ الأسباب مع مسبَّباتها. فكل ما يُخافُ ويُرْجَى من المخلوقاتِ؛ فأعلى غاياتِهِ أن

стр. 80

يكون جزءَ سببٍ غيرَ مستقلٍّ بالتأثيرِ. ولا يَستقلُّ بالتأثيرِ وحدَه دون توقُّفِ تأثيرِهِ على غيرِهِ إلَّا اللهُ الواحدُ القَهَّارُ؛ فلا ينبغي أن يُرْجى ولا يُخافَ غيرُهُ. وهذا برهانٌ قطعيٌّ على أنَّ تعلُّق الرجاء والخوف بغيره باطلٌ؛ فإنَّه لو فُرض أنَّ ذلك سببٌ مستقلٌّ وحدَه بالتأثير لكانتْ سببيَّتُهُ من غيرِهِ لا منه، فليس لهُ من نفسِهِ قوةٌ يَفْعَلُ بها؛ فإنَّه لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله؛ فهو الذي بيدِهِ الحَوْلُ كلُّه والقوةُ كلُّها؛ فالحولُ والقوةُ التي يُرْجى لأجلِهِما المخلوقُ ويُخافُ إنَّما هما لله وبيدِهِ في الحقيقة؛ فكيف يُخافُ ويُرْجى من لا حولَ له ولا قوة؟! بل خوفُ المخلوقِ ورجاؤُهُ أحدُ أسبابِ الحرمانِ ونزولِ المكروهِ بمَن يرجوهُ ويخافهُ؛ فإنَّه على قَدْرِ خوفِكَ من غيرِ الله يُسَلَّطُ عليك، وعلى قَدْرِ رجائِكَ لغيرِهِ؛ يكون الحرمانُ. وهذا حالُ الخلقِ أجمعِهِ، وإن ذهب عن أكثرهم علمًا وحالًا؛ فما شاء اللهُ كان ولا بدَّ، وما لم يشأْ لم يكن ولو اتَّفَقَتْ عليه الخليقةُ. التوحيد مَفْزَعُ أعدائه وأوليائه: فأمَّا أعداؤُهُ فيُنجِّيهم من كُرَب الدُّنيا وشدائِدِها؛ ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وأمَّا أولياؤُهُ فيُنَجِّيهم به من كُرُباتِ الدُّنيا والآخرةِ وشدائدِهما، ولذلك فَزِعَ إليه يونسُ فنجَّاهُ الله من تلك الظُّلُماتِ، وفزعَ إليه أتباعُ الرسل فنَجَوا به ممَّا عُذِّبَ به المشركون في الدُّنيا وما أُعِدَّ لهم في

стр. 81

الآخرة. ولما فَزِعَ إليه فرعونُ عند معاينةِ الهلاكِ وإدراكِ الغَرَقِ لم يَنْفَعْهُ؛ لأنَّ الإيمان عند المعاينةِ لا يُقْبَلُ. هذه سُنَّةُ الله في عبادِهِ؛ فما دُفِعَتْ شدائدُ الدُّنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاءُ الكَرْبِ بالتوحيد (١)، ودعوةُ ذي النونِ التي ما دعا بها مكروبٌ إلَّا فرَّج الله كَرْبَهُ بالتوحيد (٢). فلا يُلْقي في الكُرَب العظام إلا الشِّرْكُ، ولا يُنجي منها إلا التوحيدُ؛ فهو مفزَعُ الخليقةِ وملجؤُها وحِصْنُها وغِياثُها. وبالله التوفيق. فائدة اللذةُ تابعةٌ للمحبَّةِ ؛ تَقْوى بقوَّتِها، وتَضْعُفُ بضَعْفِها؛ فكلَّما كانت الرغبةُ في المحبوب والشوقُ إليه أقوى كانتِ اللَّذَّةُ بالوصول إليه أتمَّ. والمحبةُ والشوقُ تابعٌ لمعرفتِهِ والعلم به؛ فكلَّما كان العلمُ به أتَمَّ؛ كانتْ محبتُهُ أكملَ. فإذا رجع كمالُ النعيم في الآخرة وكمالُ اللَّذَّةِ إلى العلم والحُبِّ؛ فمَن كان بالله وأسمائِهِ وصفاتِهِ ودينهِ أعرف كان له أحبَّ، وكانت لذَّتُه

стр. 82

بالوصول إليه ومجاورتِهِ والنظرِ إلى وجهِهِ وسماع كلامِهِ أتمَّ. وكلُّ لَذَّةٍ ونعيمٍ وسرورٍ وبهجةٍ بالإضافة إلى ذلك كقطرةٍ في بحرٍ. فكيف يُؤْثِرُ منْ له عقلٌ لَذَّةً ضعيفةً قصيرةً مشوبةً بالآلام على لَذَّةٍ عظيمةٍ دائمةٍ أبدَ الآباد؟! وكمالُ العبدِ بحسب هاتين القوتين: العلم والحبِّ، وأفضلُ العلم العلمُ بالله، وأعلى الحبِّ الحبُّ له، وأكملُ اللَّذَّةِ بحَسَبهما. والله المستعان. قاعدة طالبُ اللَّهِ والدارِ الآخرة لا يستقيم له سَيرُه وطلبُه إلا بحَبْسَين: حبسُ قلبه في طلبه ومطلوبه، وحبسُهُ عن الالتفات إلى غيره. وحبسُ لسانه عما لا يُفيدُ، وحبسُهُ على ذِكْرِ الله وما يزيدُ في إيمانِهِ ومعرفتِهِ. وحبسُ جوارِحِه عن المعاصي والشهوات، وحبسُها على الواجبات والمندوبات. فلا يُفارِقُ الحبسَ حتى يَلْقى ربَّهُ، فيخلصُ من السجن إلى أوسع فضاءٍ وأطيبه. ومتى لم يصبِر على هذين الحبسين وفرَّ منهما إلى فضاءِ الشهوات؛ أعْقبَهُ ذلك الحبسُ الفظيعُ عند خروجه من الدُّنيا. فكلُّ خارجٍ من الدُّنيا: إما متخلِّصٌ من الحبس، وإما ذاهبٌ إلى الحبس. وبالله التوفيق. وَدَّع ابنُ عونٍ رجلًا فقال: عليك بتقوى الله؛ فإنَّ المتَّقي ليست عليه

стр. 83

وَحْشَةٌ. وقال زيدُ بنُ أسلم: كان يُقالُ: من اتَّقى الله أحبَّهُ الناس وإنْ كرِهوا (١). وقال الثوريُّ لابن أبي ذئبٍ: إن اتَّقَيْتَ الله كفاك الناس، وإن اتقيتَ الناسَ لن يُغْنوا عنك من الله شيئًا (٢). وقال سليمان بن داود: أُوتينا ممَّا أوتِيَ الناس وممَّا لم يُؤْتَوْا، وعُلِّمْنا مما عُلِّمَ الناسُ ومما لم يُعَلَّموا، فلم نجد شيئًا أفضل من تقوى الله في السرِّ والعلانية، والعدلِ في الغضبِ والرِّضى، والقصدِ في الفقرِ والغنى (٣). وفي "الزهد" للإمام أحمد (٤) أثرٌ إلهيٌّ: ما من مخلوقٍ اعْتصَمَ بمخلوق دوني إلَّا قطعتُ أسبابَ السماواتِ والأرضِ دونه؛ فإن سألني لم أُعْطِهِ، وإنْ دعاني لم أُجبْه، وإن استغفرَني لم أغفِرْ له. وما من مخلوقٍ اعتصمَ بي دون خَلْقيَ؛ إلا ضمنتِ السماواتُ والأرضُ رزقَه؛ فإنْ سألني أعطيتُهُ، وإنْ دعاني أجَبْتُهُ، وإن استغْفَرَني غفرتُ لهُ.

стр. 84

فائدة جليلة جمعَ النبيُّ ﷺ بين تقوى الله وحُسْنِ الخُلُقِ (١) لأنَّ تقوى الله تُصلِحُ ما بين العبد وبين ربِّه، وحسنُ الخُلُقِ يُصْلِحُ ما بينه وبين خلقِهِ؛ فتقوى الله تُوجِبُ له محبةَ الله، وحُسْنُ الخُلُقِ يدعو الناس إلى محبَّتِهِ. فائدة جليلة بين العبد وبين الله والجنةِ قنطرةٌ تُقْطَعُ بخُطوتين: خطوةٍ عن نفسه، وخُطوةٍ عن الخلقِ؛ فيُسْقِطُ نفسَهُ ويُلْغِيها فيما بينهُ وبين الناس، ويُسْقِطُ الناسَ ويُلْغِيهم فيما بينَهُ وبين الله؛ فلا يلتفِتُ إلَّا إلى من دَلَّهُ على الله وعلى الطريق الموصلة إلى الله. • صاحَ بالصحابة واعظُ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، فجزعتْ للخوف قلوبُهم، فجرتْ من الحذر العيونُ، ﴿فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]. • تزيَّنَتِ الدُّنيا لعليٍّ فقال: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا لا رجعَةَ لي فيك (٢)! وكانت تكفيه واحدةٌ للسُّنَّةِ، لكنَّه جمع الثلاث؛ لئلَّا يُتَصوَّرَ للهوى جوازُ المراجعة، ودينُهُ الصحيحُ وطبعُهُ السليمُ يأنَفانِ من المحلِّل؛ كيف وهو أحدُ رُواةِ حديثِ: "لعن الله المُحَلِّل" (٣)؟! • ما في هذه الدار موْضِعُ خَلْوَةٍ؛ فاتَّخِذْهُ في نفسِكَ.

стр. 85

• لا بدَّ أن تَجْذِبَكَ الجواذبُ؛ فاعْرِفْها وكنْ منها على حذرٍ، ولا تَضُرَّكَ الشواغلُ إذا خَلَوْتَ منها وأنتَ فيها. • نورُ الحقِّ أضوأُ من الشمس، فيَحِقُّ لخفافيشِ البصائرِ أن تَعْشَى عنه. • الطريقُ إلى الله خالٍ من أهل الشَّكِّ ومن الذين يتَّبِعونَ الشَّهواتِ، وهو معمورٌ بأهل اليقين والصَّبْر، وهم على الطَّريقِ كالأعلام، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]. قاعدة لشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت تأثيرٌ عظيمٌ في تكفير السيِّئاتِ وإحباطِها؛ لأنَّها شهادةٌ من عبدٍ مُوقنٍ بها، عارفٍ بمضمونها، قد ماتتْ منه الشَّهَواتُ، ولانتْ نفسُه المتمرِّدةُ، وانقادتْ بعد إبائها واستعصائها، وأقبلتْ بعد إعراضِها، وذَلَّتْ بعد عِزِّها، وخرج منها حِرْصُها على الدُّنيا وفضولِها، واسْتَخْذَتْ بين يدي ربِّها وفاطرِها ومولاها الحقِّ أذلَّ ما كانتْ له وأرْجى ما كانت لعفوهِ ومغفرتِهِ ورحمتِهِ، وتجرَّدَ منها التوحيدُ بانقطاع أسباب الشركِ وتحقُّق بطلانِهِ، فزالت منها تلك المنازعاتُ التي كانت مشغولةً بها، واجتمعِ هَمُّها على مَن أيقنتْ بالقُدوم عليهِ والمصير إليه، فَوَجَّه العبدُ وَجْهَهُ بكلِّيَّتِهِ إليه، وأقبلَ بقلبهِ ورُوحِهِ وهَمِّهِ عليه، فاستسلمَ له وحدَه ظاهرًا وباطنًا، واستوى سرُّه وَعلانيَتُهُ، فقال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبهِ، وقد تخلَّصَ قلبُهُ من التعلُّق بغيرِهِ والالتفاتِ إلى ما سواهُ، قد خرَجتِ الدُّنيا كلُّها من قلبه، وشارفَ القدوم على ربِّه، وخمدتْ نيرانُ شهوتهِ، وامتلأ قلبُهُ من الآخرةِ، فصارتْ نُصْبَ عينيه،

стр. 86

وصارتِ الدُّنيا وراءَ ظهرهِ، فكانت تلك الشهادة الخالصةُ خاتمةَ عملِهِ، فطهَّرَتْهُ من ذنوبه، وأدخلتْهُ على ربِّه؛ لأنَّه لَقِيَ رَبَّهُ بشهادةٍ صادقةٍ خالصةٍ، وافقَ ظاهرُها باطِنَها وسِرُّها علانيتَها. فلو حصلتْ له الشهادةُ على هذا الوجه في أيام الصحَّة لاستوحشَ من الدُّنيا وأهلِها، وفرَّ إلى الله من الناس، وأنِسَ به دون ما سواه، لكنَّه شهِدَ بها بقلبٍ مشحونٍ بالشهوات وحُبِّ الحياةِ وأسبابها، ونفسٍ مملوءةٍ بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله؛ فلو تجرَّدت كتجرُّدها عند الموت لكان لها نبأٌ آخرُ وعيشٌ آخرُ سوى عيشِها البهيميِّ. والله المستعانُ. ماذا يملِكُ مِنْ أمرهِ مَن ناصِيَتُه بيد الله، ونفسُهُ بيدِهِ، وقلبُهُ بين إصبعين من أصابعِهِ يقلِّبُهُ كيف يشاء (١)، وحياتُهُ بيدِهِ، وموتُهُ بيدِهِ، وسعادتُهُ بيدِهِ، وَشقاوتُهُ بيدِهِ، وحركاتُهُ وسكناتُهُ وأقوالُهُ وأفعالُهُ بإذنِهِ ومشيئتِهِ؛ فلا يتحرَّكُ إلا بإذنِهِ، ولا يفعلُ إلَّا بمشيئتِهِ. إنْ وَكَلَهُ إلى نفسه وكَلَه إلى عجزٍ وضيعةٍ وتفريطٍ وذنب وخطيئةٍ، وإن وكَلَه إلى غيره وكلَهُ إلى منْ لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا، وإن تخلَّى عنه استولى عليه عدوُّهُ، وجعلَهُ أسيرًا له. فهو لا غِنى له عنه طَرْفَةَ عينٍ، بل هو مضطرٌّ إليه على مدى الأنفاسِ في كلِّ ذرَّةٍ من ذَرَّاتِهِ باطنًا وظاهرًا، فاقتُهُ تامَّةٌ إليه. ومع ذلك فهو متخلِّفٌ عنه، مُعْرِضٌ عنه، يتبغَّضُ إليه بمعصيتِهِ، مع شدَّة الضرورة إليه من كلِّ وجهٍ، قد صار لِذِكْرِهِ نَسِيًّا، واتَّخذه وراءَهُ ظِهْرِيًّا. هذا؛ وإليه مرجعُهُ، وبين يديهِ موقفُهُ؟!

стр. 87

فَرِّغْ خاطِرَكَ للهَمِّ بما أُمِرْتَ به، ولا تَشْغَلْهُ بما ضُمِنَ لك؛ فإنَّ الرزق والأجل قرينانِ مضمونان؛ فما دام الأجلُ باقيًا كان الرزق آتيًا، وإذا سدَّ عليك بحكمتِهِ طريقًا من طرقِهِ؛ فتحَ لك برحمتِهِ طريقًا أنفعَ لك منه. فتأمَّلْ حالَ الجنين يأتيه غذاؤُه -وهو الدمُ- من طريقٍ واحدةٍ -وهو السُّرَّةُ-. فلما خرجَ من بطن الأمِّ، وانقطعتْ تلك الطريقُ؛ فتَحَ له طريقين اثنين وأجرى له فيهما رزقًا أطيبَ وألذ من الأول؛ لبنًا خالصًا سائغًا. فإذا تَمَّتْ مدةُ الرَّضاع، وانقطعتِ الطريقانِ بالفِطام؛ فتحَ له طرقًا أربعة أكملَ منها: طعامان وشرابان، فالطعامان من الحيوان والنبات، والشرابانِ من المياهِ والألبانِ وما يُضافُ إليهما من المنافع والملاذِّ. فإذا ماتَ انقطعتْ عنه هذه الطرقُ الأربعة، لكنَّه سبحانه فتحَ له -إن كان سعيدًا- طُرقًا ثمانيةً، وهي أبواب الجنة الثمانيةُ؛ يدخُلُ من أيِّها شاء. فهكذا الربُّ سبحانه؛ لا يمنعُ عبدَه المؤمنَ شيئًا من الدُّنيا إلا ويُؤتيهِ أفضلَ منه وأنفعَ له، وليس ذلك لغير المؤمن، فإنَّه سبحانه يمنعُهُ الحظَّ الأدنى الخسيسَ ولا يَرضى لهُ به؛ ليُعطِيَهُ الحظَّ الأعلى النفيسَ. والعبدُ -لجهلِهِ بمصالح نفسه، وجهلِهِ بكرم ربِّه وحكمتِهِ ولطفِهِ- لا يَعرِفُ التفاوتَ بين ما مُنِعَ منه وبين ما ذُخِرَ له، بل هو مولعٌ بحبِّ العاجل وإن كان دَنِيًّا، وبقلَّةِ الرغبة في الآجل وإن كان عليًّا. ولو أنصف العبدُ ربَّه -وأنَّى له بذلك- لعَلِمَ أنَّ فضله عليه فيما منَعهُ من الدُّنيا ولذَّاتها ونعيمها أعظمُ من فضلِهِ عليه فيما آتاه من ذلك؛ فما

стр. 88

منَعه إلا ليُعْطِيَهُ، ولا ابتلاهُ إلَّا ليُعافيَهُ، ولا امتحنَهُ إلا لِيُصافيهُ، ولا أماتَهُ إلا ليُحْييَهُ، ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهَّبَ منها للقدوم عليه وليسلُكَ الطريقَ الموصلةَ إليه. فـ ﴿جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢]، ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إلا كُفُورًا (٩٩)﴾ [الإسراء: ٩٩]. والله المستعانُ. • مَن عرفَ نفسَه اشتغلَ بإصلاحها عن عُيوبِ الناس، ومن عرفَ ربَّهُ اشتغل به عن هوى نفسه. • أنفعُ العمل أنْ تغيبَ فيه عن الناس بالإخلاص، وعن نفسك بشهود المِنَّة؛ فلا ترى فيه نفسك ولا ترى الخلق. • دخل الناسُ النارَ من ثلاثة أبوابٍ: باب شبهةٍ أورثتْ شكًّا في دين الله، وباب شهوةٍ أورثتْ تقديمَ الهوى على طاعتِه ومرضاتِه وباب غضبٍ أورثت العدوان على خلقه. • أصولُ الخطايا كلِّها ثلاثةٌ: الكبْرُ: وهو الذي أصار إبليسَ إلى ما أصارهُ، والحِرْصُ: وهو الذي أخرج آدم من الجنَّة، والحسدُ: وهو الذي جَرَّأ أحدَ ابنَي آدمَ على أخيهِ؛ فمنْ وُقِي شَرَّ هذه الثلاثة فقد وُقِيَ الشَّرَّ؛ فالكفرُ من الكِبر، والمعاصي من الحِرْص، والبَغْيُ والظُّلْمُ من الحسد. • جعل الله بحكمتِهِ كلَّ جزءٍ من أجزاءِ ابن آدم -ظاهرةً وباطنةً- آلةً لشيءٍ؛ إذا استُعملَ فيه فهو كمالُهُ: فالعينُ آلةٌ للنظرِ، والأذُن آلةٌ للسَّماع، والأنفُ آلةٌ للشمِّ، واللسانُ للنُّطقِ، والفرجُ للنِّكاح، واليدُ

стр. 89

للبطش، والرِّجْلُ للمشي، والقلبُ للتوحيد والمعرفة، والرُّوحُ للمحبَّةِ، والعقلُ آلةٌ للتفكُّرِ والتدبُّر لعواقبِ الأمور الدينيَّةِ والدنيويَّةِ وإيثارِ ما ينبغي إيثارُه وإهمالِ ما ينبغي إهمالُه. • أخسرُ الناسِ صفقةً من اشْتَغَلَ عن الله بنفسِهِ، بل أخسرُ منه من اشْتَغَلَ عن نفسِهِ بالناس. • في "السنن" من حديث أبي سعيدٍ يرفعُهُ: "إذا أصْبَحَ ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاءَ كُلَّها تكَفِّرُ اللِّسانَ؛ تقولُ: اتَّقِ الله! فإنَّما نحْنُ بكَ، فإنَّ استقمتَ اسْتَقَمْنا، وإن اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا" (١). قولُهُ: "تكَفِّر اللسان"، قيل: معناهُ: تَخْضَعُ له. وفي الحديث أنَّ الصحابةَ لمَّا دخلوا على النَّجاشيِّ؛ لم يُكفِّروا له؛ أي: لم يسجُدوا ولم يخضعوا، ولذلك قال له عمرُو بنُ العاص، أيُّها المَلِكُ! إنَّهم لا يُكَفِّرون لك. وإنَّما خَضَعَتْ للِّسان؛ لأنَّه بريدُ القلب وتَرْجُمانُهُ والواسطةُ بينه وبين الأعضاءِ. وقولُها: "إنَّما نَحْنُ بكَ"؛ أي: نجاتُنا بك وهلاكُنا بك، ولهذا قال: فإن استقمتَ استقَمْنا، وإن اعوججتَ اعوجَجْنا. فصل جمع النبيُّ ﷺ في قوله: "فاتَّقوا الله وأجْمِلوا في الطَّلَبِ" (٢) بين مصالح الدُّنيا والآخرةِ.

стр. 90

فنعيمُها ولَذَّتُها إنما يُنال بتقوى الله. وراحةُ القلب والبدنِ وتركُ الاهتمامِ والحِرْصِ الشَّديدِ والتَّعَب والعَناءِ والكدِّ والشَّقاءِ في طلبِ الدُّنيا إنَّما يُنالُ بالإجمال في الطَّلَبِ. فمنِ اتَّقى الله فازَ بلذَّةِ الآخرة ونعيمِها، ومن أجْمَلَ في الطَّلَب استراحَ من نَكَدِ الدُّنيا وهمومها. فالله المستعانُ. قدْ نادتِ الدُّنيا على نَفْسِها … لَوْ كان في ذا الخَلْقِ مَنْ يَسْمَعُ كَمْ واثِقٍ بالعيشِ أهْلَكْتُهُ … وجامِعٍ فَرَّقْتُ ما يَجْمَعُ (١) فائدة جَمَعَ النبيُّ ﷺ بين المَأْثَم والمَغْرم (٢)؛ فإنَّ المأثَمَ يوجِبُ خسارةَ الآخرةِ، والمغرمَ يوجِبُ خسارةَ الدُّنيا. فائدة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. عَلَّقَ سبحانَه الهدايةَ بالجهادِ؛ فأكملُ الناسِ هدايةً أعظمُهم جهادًا، وأقرضُ الجهادِ جهادُ النفس وجهادُ الهوى وجهادُ الشيطان وجهادُ الدُّنيا؛ فمنْ جاهدَ هذه الأربعةَ في الله هداه الله سُبلَ رضاهُ الموصلة إلى جنَّتِهِ، ومن تركَ الجهادَ فاتَهُ من الهُدى بحسب ما عطَّلَ من الجهاد. قال الجنيدُ: والذين جاهدوا أهواءَهم فينا بالتوبةِ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَ

стр. 91

الإخلاص. ولا يتمكَّنُ من جهادِ عدوِّهِ في الظاهرِ إلَّا من جاهدَ هذه الأعداءَ باطنًا؛ فمن نُصِر عليها نُصِرَ على عَدُوِّهِ، ومن نُصِرَتْ عليه نُصِرَ عليه عدُوُّهُ. فصل ألقى الله سبحانه العداوةَ بين الشيطان وبين الملَك، والعداوة بين العقل وبين الهوى، والعداوة بين النفس الأمَّارةِ وبين القلب، وابتلى العبدَ بذلك، وجمع له بين هؤلاءِ، وأمدَّ كلَّ حزبٍ بجنودٍ وأعوان؛ فلا تزالُ الحربُ سِجالًا ودُوَلًا بين الفريقين إلى أن يستولي أحدُهما على الآخر ويكون الآخرُ مقهورًا معهُ. فإذا كانتِ النوبةُ للقلبِ والعقل والملك؛ فهنالك السُّرور، والنعيمُ، واللَّذَّةُ، والبهجةُ، والفرحُ، وقُرَّةُ العين، وطيبُ الحياةِ، وانشراحُ الصدرِ، والفوزُ بالغنائم. وإذا كانتِ النوبةُ للنفس والهوى والشيطان؛ فهنالك الغمومُ، والهمومُ، والأحزانُ، وأنواعُ المكارِهِ، وضيقُ الصدر، وحبسُ المَلِكِ. فما ظنُّكَ بمَلِكٍ استولى عليه عدوُّه، فأنزلَهُ عن سرير مُلكِهِ، وأسرَهُ، وحبسَهُ، وحال بينه وبين خزائِنِه وذخائرِهِ وخَدَمِهِ، وصَيَّرها له، ومع هذا فلا يتحرَّكُ الملكُ لطلب ثأرِهِ، ولا يَستغِيثُ بمن يُغِيثُهُ، ولا يَستنجِدُ بمن يُنْجِدُهُ؟! وفوقَ هذا المَلِكِ مَلِكٌ قاهرٌ لا يُقْهَرُ، وغالبٌ لا يُغْلَبُ، وعزيزٌ لا يُذَلُّ، فأرسل إليه: إن استنصرْتَني نصرتُك، وإن استغثتَ بي أغثتُك، وإن التجأتَ إليَّ أخذتُ بثأرِكَ، وإن هربتَ إليَّ وأويتَ إليَّ سَلَّطْتكَ على عدوِّك، وجعلتُهُ تحتَ أَسْرِكَ.

стр. 92

فإنْ قال هذا المَلِكُ المأسورُ: قد شَدَّ عَدُوِّي وَثاقي، وأحكمَ رِباطي، واستوثقَ منِّي بالقيود، ومنعَني من النهوض إليك والفرار إليك والمسيرِ إلى بابِكَ؛ فإن أرسلتَ جندًا من عندك يَحُلُّ وثاقي ويَفُكُّ قُيودي ويُخرِجُني من حبسِهِ؛ أمْكَنَني أن أوافيَ بابك، وإلَّا لم يُمكِنِّي مفارقةُ مَحْبِسي ولا كسرُ قيودي. فإن قالَ ذلك احتجاجًا على ذلك السلطان، ودَفْعًا لرسالتِهِ، ورضًى بما هو فيه عند عدوِّهِ؛ خَلَّاه السلطانُ الأعظمُ وحاله وولَّاه ما تولَّى. وإنْ قال ذلك افتقارًا إليه، وإظهارًا لعجزِهِ وذُلِّهِ، وأنه أَضْعَفُ وأَعْجَزُ أن يسير إليه بنفسه، ويخرُجَ من حبس عدوِّه، ويتخلَّصَ منه بحَوْلِهِ وقوَّتِهِ، وأنَّ من تمام نعمةِ ذلك الملكِ عليه -كما أرسلَ إليه هذه الرسالة- أن يُمِدَّهُ من جُندِهِ ومماليكِهِ بمن يُعينُهُ على الخلاص ويَكسِرُ باب مَحْبِسِهِ ويَفُكُّ قيودَه؛ فإنْ فعلَ به ذلك فقد أتمَّ إنعامَه عليه، وإنْ تخلَّى عنه فلم يَظْلِمْهُ ولا مَنَعَهُ حقًّا هو له، وأنَّ حمده وحكمته اقتضى منعَه وتخليتَهُ في مَحْبسِه، ولا سيَّما إذا علم أن الحبس حبْسُهُ، وأنَّ هذا العدوَّ الذي حبسَهُ ممَلوك من مماليكِهِ، وعبدٌ من عبيدِهِ، ناصيتُهُ بيدِهِ، لا يتصرَّفُ إلا بإذنِهِ ومشيئتِهِ؛ فهو غيرُ ملتفتٍ إِليه، ولا خائفٌ منه، ولا معتقدٌ أنَّ له شيئًا من الأمر ولا بيده نفعٌ ولا ضرٌّ، بل هو ناظرٌ إلى مالِكِه ومتولِّي أمره ومن ناصيتُهُ بيده، قد أفرَدَهُ بالخوفِ والرجاءِ والتضرُّعِ إليه والالتجاءِ والرغبة والرهبة؛ فهناك تأتيه جيوشُ النصرِ والظَّفَرِ. • أعلى الهِمَم في طلب العلم طلب علمِ الكتابِ والسُّنَّةِ، والفهم عن الله ورسوله نفسَ المراد، وعلم حدود المُنْزَل، وأخَسُّ هِمَم طلَّابِ العلم قَصْرُ هِمَّتِهِ على تتبُّع شواذِّ المسائل وما لم يَنْزِلْ ولا هو واقعٌ، أو كانتْ

стр. 93

هِمَّتُهُ معرفةَ الاختلاف وتتبُّعَ أقوال الناس، وليسَ له هِمَّةٌ إلى معرفةِ الصحيح من تلك الأقوال، وقَلَّ أنْ ينتفعَ واحدٌ من هؤلاءِ بعلمِهِ. • وأعلى الهِمَم في باب الإرادة أنْ تكونَ الهِمَّةُ متعلقةً بمحبة الله والوقوفِ مع مرادِهِ الدينيِّ الأمريِّ، وأسفلُها أن تكون الهمَّةُ واقفةً مع مرادِ صاحِبها من الله؛ فهو إنما يعبدُهُ لمُرادِهِ منه لا لمرادِ الله منه؛ فالأولُ يريدُ اللهَ ويريدُ مرادَهُ، والثاني يريدُ من الله وهو فارغٌ عن إرادتِهِ. • علماءُ السَّوْءِ جلسوا على بابِ الجنَّةِ يدعونَ إليها الناسَ بأقوالِهِم ويَدْعونَهُم إلى النار بأفعالِهِم؛ فكلَّما قَالتْ أقوالُهُم للناس: هَلُمُّوا! قالتْ أفعالُهُم: لا تَسْمَعوا منهم! فلو كان ما دَعَوْا إليه حقًّا كانوا أولَ المستجيبين له! فهم في الصورة أدِلَّاءُ وفي الحقيقةِ قُطَّاعُ الطريق. • إذا كان الله وحدَه حظَّكَ ومرادَكَ؛ فالفضلُ كلُّه تابعٌ لك يزدلِفُ إليك؛ أيَّ أنواعِهِ تبدأ به. وإذا كان حظُّكَ ما تنالُ منه فالفضلُ موقوفٌ عنك؛ لأنَّه بيدِهِ، تابعٌ له، فعلٌ من أفعالِهِ. فإذا حصل لك حصلَ لك الفضلُ بطريقِ الضِّمْنِ والتَّبَع، وإذا كان الفضلُ مقصودَك لم يَحْصُلِ الله بطريق الضِّمْنِ والتَّبَع. فإن كنتَ قد عرفتَهُ وأنِسْتَ به ثم سقطتَ إلى طلب الفضل؛ حرمَكَ إيَّاهُ عقوبةً لك، ففاتَكَ الله وفاتك الفضلُ. فصل لمَّا خرَجَ رسولُ الله ﷺ من حَصْرِ العدوِّ دَخَل في حُصُرِ النصر، فعبثتْ أيدي سراياهُ بالنصر في الأطراف، فطار ذِكْرُهُ في الآفاقِ، فصار الخَلْقُ معهُ ثلاثة أقسام: مؤمنٌ به، ومسالمٌ له، وخائفٌ منه. ألقى بِذْرَ الصَّبْرِ في مزرعةِ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾

стр. 94

[الأحقاف: ٣٥]؛ فإذا أغصانُ النباتِ تَهْتَزُّ بخُزامىَ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]؛ فدخل مكة دُخولًا ما دَخَلَهُ أحدٌ قبلَه ولا بعدَه؛ حولَه المهاجرونَ والأنصارُ، لا يَبينُ منهم إلا الحَدَقُ، والصحابةُ على مراتبِهَم، والملائكةُ فوق رؤوسِهم، وجبريلُ يتردَّدُ بينَه وبين ربِّهِ، وقد أباحَ له حَرَمَهُ الذي لم يُحِلَّهُ لأحدٍ سواه (١). فلمَّا قايَسَ بين هذا اليوم وبين يوم ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، فأخْرَجوه ثانيَ اثنين؛ دخلَ وذَقَنُه يَمَسُّ قرَبوسَ سرجِهِ، خضوعًا وذُلًّا لمن ألبسَهُ ثوبَ هذا العزِّ الذي رَفعَتْ إليه فيه الخليقةُ رؤوسَها، ومَدَّتْ إليه الملوكُ أعناقها. فدخَلَ مكَّةَ مالكًا مؤيَّدًا منصورًا، وعلا كَعْبُ بلالٍ فوقَ الكعبةِ بعد أن كان يُجَرُّ في الرَّمضاءِ على جَمْرِ الفتنة، فنَشَرَ بَزًّا طُوي عن القوم من يوم قولِهِ: أحدٌ أحدٌ، ورَفعَ صوتَه بالأذانِ، فأجابتهُ القبائلُ من كلِّ ناحيةٍ، فأقبلوا يؤمُّونَ الصوتَ، فدخلوا في دين الله أفواجًا، وكانوا قبل ذلك يأتونَ آحادًا. فلمَّا جَلَسَ الرسولُ ﷺ على منبر العزِّ -وما نَزلَ عنه قطُّ- مَدَّتِ الملوكُ أعناقها بالخُضوع إليه؛ فمنهم من سلَّمَ إليه مفاتيحَ البلادِ، ومنهم من سألَهُ الموادعةَ والصُّلْح، ومنهم من أقرَّ بالجزيةِ والصَّغارِ، ومنهم من أخذ في الجمع والتأهُّب للحرب ولم يَدْرِ [أنَّه] لم يزِد على جمع الغنائم وسَوْقِ الأسارى إليه.

стр. 95

فلمَّا تكامل نصرُهُ، وبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاءه منشورُ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣]، وبعده توقيعُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ١ - ٢]؛ جاءَهُ رسولُ ربِّه يُخيِّرُهُ بين المُقام في الدُّنيا وبين لقائِهِ، فاختار لقاءَ ربِّه شوقًا إليه (١)، فتزيَّنَتِ الجِنانُ ليوم قدوم روحِهِ الكريمةِ لا كزينةِ المدينة يوم قدوم الملِكِ. إذا كان عرشُ الرحمن قد اهتزَّ لموتِ بعض أتباعِهِ (٢) فرحًا واستبْشارًا بقُدوم روحِهِ؛ فكيف بقُدوم رُوح سيدِ الخلائقِ؟! فيا منتسبًا إلى غير هذا الجناب! ويا واقفًا بغير هذا الباب! ستعلمُ يومَ الحشرِ أيَّ سَريرةٍ … تكونُ عليها يومَ تُبلَى السَّرائرُ فصل • يا مغرورًا بالأماني! لُعِنَ إبليسُ وأُهْبطَ من منزل العزِّ بتَرْكِ سجدةٍ واحدةٍ أُمِر بها، وأخْرَجَ آدم من الجنَّةِ بلُقمةٍ تناوَلَها، وحَجَبَ القاتل عنها بعد أن رآها عيانًا بملءِ كفٍّ من دم، وأمرَ بقتل الزَّاني أشنعَ القِتْلاتِ بإيلاج قَدْرِ الأُنْمُلَةِ فيما لا يَحِلُّ، وأمَرَ بإيساع الظَّهْرِ سياطًا بكلمةِ قذفٍ أو بقطرةٍ من مُسْكِرٍ، وأبانَ عُضوًا من أعضائكَ بثلاثةِ دراهم؛ فلا تأمَنْهُ أن يَحبِسَكَ في النارِ بمعصيةٍ واحدةٍ من معاصيهِ؛ ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾

стр. 96

[الشمس: ١٥]! دخلتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ (١). وإنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمة لا يُلقي لها بالًا يَهْوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب (٢). وإنَّ الرجل ليعملُ بطاعةِ الله ستين سنةً؛ فإذا كان عند الموت جارَ في الوصيَّة، فيُخْتَمُ له بسوءِ عملِهِ، فيدخُلُ النار (٣). العمُرُ بآخرِهِ، والعملُ بخاتمتِهِ (٤). • من أحدث قبْلَ السلام بطلَ ما مضى من صلاتِهِ، ومَنْ أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامُهُ ضائعًا، ومن أساءَ في آخر عُمُرِهِ لَقِيَ ربَّه بذلك الوجه. • لو قدَّمْتَ لقمةً وجدْتَها، ولكن يُؤذيك الشَّرَهُ. • كم جاءَ الثوابُ يَسعَى إليك، فوقف بالبابِ، فردَّه بوَّابُ (سوفَ) و (لعلَّ) و (عسى). • كيف الفلاحُ بين إيمانٍ ناقصٍ، وأملٍ زائدٍ، ومرضٍ لا طبيبَ له

стр. 97

ولا عائد، وهوًى مستيقظ، وعقلٍ راقدٍ؛ ساهيًا في غَمْرَتِهِ، عَمِهًا في سكرتِهِ، سابحًا في لُجَّةِ جهلِهِ، مستوحشًا من ربِّهِ، مستأنِسًا بخَلْقِهِ، ذِكْرُ الناس فاكهتُهُ وقوتُه، وذِكْرُ الله حبْسُهُ ومَوْتُهُ، لله منه جزءٌ يسيرُ من ظاهرِهِ، وقلبُهُ ويقينُهُ لغيرِهِ؟! لا كانَ مَنْ لِسِواك فيهِ بَقِيَّةٌ … يَجِدُ السَّبيلَ بِها إليهِ العُذَّلُ (١) فصل كان أولَ المخلوقاتِ القلمُ؛ لِيَكْتُبَ المقاديرَ قبل كونِها (٢). وجُعِلَ آدمُ آخرَ المخلوقاتِ، وفي ذلك حِكَمٌ: إحداها: تمهيدُ الدَّارِ قبل الساكنِ. الثانية: أنَّه الغايةُ التي خُلِقَ لأجلها ما سواهُ من السماواتِ والأرض والشمس والقمر والبَرِّ والبحر. الثالثةُ: أنَّ أحذقَ الصُنَّاعِ يَختِمُ عملَه بأحسنِهِ وغايتِهِ كما يبدؤُهُ بأساسه ومبادئِهِ. الرابعة: أنَّ النفوس متطلِّعةٌ إلى النهايات والأواخرِ دائمًا، ولهذا قال موسى للسَّحَرةِ أولًا: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾ [يونس: ٨٠]، فلما رأى الناسُ فعلَهم تطلَّعوا إلى ما يأتي بعده. الخامسة: أنَّ الله سبحانه أخَّرَ أفضلَ الكُتُبِ والأنبياء والأمم إلى آخر

стр. 98

الزمان، وجعل الآخرةَ خيرًا من الأولى، والنهاياتِ أكملَ من البدايات؛ فكم بين قول الملَكِ للرسول: اقْرَأْ! فيقولُ: ما أنا بقارئ (١). وبين قولِهِ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]! السادسة: أنَّه سبحانه جمعَ ما فرَّقَه في العالم في آدم؛ فهو العالم الصغير وفيه ما في العالم الكبير. السابعة: أنه خلاصة الوجود وثمرتُهُ، فناسب أن يكون خلقُهُ بعد الموجودات. الثامنة: أنَّ هذا من كرامته على خالقه أنه هيَّأ له مصالحَه وحوائجَه وآلاتِ معيشتِهِ وأسبابَ حياتِهِ؛ فما رفعَ رأسَه إلَّا وذلك كلُّه حاضرٌ عتيدٌ. التاسعة: أنَّه سبحانه أراد أن يُظهِرَ شرفَهُ وفضلَهُ على سائر المخلوقات، فقدَّمها عليه في الخلق، ولهذا قالت الملائكةُ: ليخلُقْ ربُّنا ما شاء؛ فلنْ يَخلُقَ خلقًا أكرمَ عليه منا (٢). فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر فضلُهُ وشرفُهُ عليهم بالعلم والمعرفة. فلما وقعَ في الذنبِ ظنَّتِ الملائكة أن ذلك الفضل قد نُسِخ، ولم تطَّلعْ على عبوديَّةِ التوبةَ الكامنة. فلما تاب إلى ربِّه، وأتى بتلك العبوديَّة؛ علمتِ الملائكةُ أنَّ لله في خلقِهِ سرًّا لا يعلمُهُ سواه. العاشرةُ: أنه سبحانه لما افتتحَ خلقَ هذا العالم بالقلم كان من أحسن المناسبة أن يختمه بخلق الإنسان؛ فإنَّ القلم آلةُ العلم، والإنسان هو

стр. 99

العالمُ. ولهذا أظهر سبحانه فضلَ آدم على الملائكة بالعلم الذي خُصَّ به دونهم. وتأمَّلْ كيف كتبَ سبحانه عُذْرَ آدمَ قبل هبوطِهِ إلى الأرض، ونبَّه الملائكةَ على فضلِهِ وشرفِهِ، ونوَّهَ باسمِهِ قبل إيجادِهِ بقولِهِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. وتأمَّل كيف وَسَمَهُ بالخلافة، وتلك ولايةٌ له قبل وجوده، وأقام عُذْرَهُ قبل الهُبوطِ بقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ والمحبُّ يُقيم عُذْرَ المحبوبِ قبلَ جنايتِهِ. فلما صوَّرهُ ألقاهُ على باب الجنَّة أربعين سنة (١)؛ لأنَّ دَأْبَ المحبِّ الوقوفُ على باب الحبيب، رَمَى به في طريق ذلِّ ﴿لَمْ يَكُنْ شَيئًا﴾ [الإنسان: ١] لئلَّا يُعْجَبَ يومَ ﴿اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤]. وكان إبليس يمرُّ على جسدِهِ، فيعجبُ منه ويقولُ: لأمرٍ قد خُلِقتَ! ثم يدخل من فيه ويخرج من دُبُرِهِ ويقول: لئن سُلِّطْتُ عليك لأهلِكَنَّك، ولئن سُلِّطْتَ عليَّ لأعصينَّك! ولم يَعلَمْ أنَّ هلاكه على يده. رأى طينًا مجموعًا فاحتقره، فلما صُوِّر الطينُ صورةً دَبَّ فيه داءُ الحسد، فلما نُفخَ فيه الروحُ ماتَ الحاسدُ. فلمَّا بُسِطَ له بساطُ العِزِّ عُرِضَتْ عليه المخلوقاتُ، فاسْتُحْضِرَ مدَّعي ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ [البقرة: ٣٠] إلى حاكم ﴿أَنْبِئُونِي﴾ [البقرة: ٣١]، وقد أخفَى الوكيلُ عنه بينةَ ﴿وَعَلَّمَ﴾، فنكسوا رؤوسَ الدعاوى على صدور الإقرار، فقام منادي التفضيل في أندية

стр. 100

الملائكةِ ينادي: ﴿اسْجُدُوا﴾، فتطهَّروا من حَدَثِ دعوى ﴿وَنَحْنُ﴾ [البقرة: ٣٠] بماء العذر في آنية ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]، فسجدوا على طهارة التسليم. وقام إبليسُ ناحيةً لم يَسجُدْ؛ لأنَّه خَبَثٌ، وقد تلوَّثَ بنجاسة الاعتراض، وما كانتْ نجاستُه تُتلافىَ بالتطهير؛ لأنَّها عينيةٌ. فلما تمَّ كمالُ آدم قيل: لا بُدَّ من خالِ جمالٍ على وجهِ ﴿اسْجُدُوا﴾، فجرى القدرُ بالذِّنْبِ؛ ليتبيَّنَ أثرُ العبوديَّةِ في الذُّلِّ. يا آدمُ! لو عُفِيَ لك عن تلك اللُّقْمَةِ لقال الحاسدونَ: كيف فُضِّلَ ذو شَرَهٍ لم يَصبِرْ على شجرة؟! لولا نزولُك ما تصاعدتْ صُعداءُ الأنفاس، ولا نزلتْ رسائلُ "هل من سائلٍ" (١)، ولا فاحتْ روائحُ "ولخُلُوفُ فمِ الصَّائمِ" (٢)؛ فتبيَّنَ حينئذٍ أنَّ ذلك التناول لم يكنْ عن شرَهٍ. يا آدمُ! ضَحِكُك في الجنةِ لك، وبكاؤُك في دارِ التكليف لنا. ما ضُرَّ مَن كَسرَهُ عزِّي إذا جَبَرَهُ فَضْلي. إنما تليقُ خِلْعَةُ العِزِّ ببدنِ الانكسارِ. أنا عند المنكسرةِ قلوبُهم من أجلي (٣). ما زالتْ تلك الأكْلةُ تُعادُّه حتى استولى داؤه على أولادِهِ، فأرسلَ

стр. 101

إليهم اللطيفُ الخبيرُ الدواءَ على أيدي أطباءِ الوجودِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣]، فحماهم الطبيب بالمناهي، وحَفِظَ القوةَ بالأوامر، واستفرغ أخلاطَهم الرديئة بالتوبة، فجاءت العافية من كلِّ ناحية. فيا من ضَيَّع القوةَ ولم يحفظها، وخَلَّط في مرضه وما احتمى ولا صبرَ على مرارة الاستفراغ! لا تُنْكرْ قُربَ الهلاك؛ فالداء مترامٍ إلى الفساد! لو ساعدَ القدرُ فأعنتَ الطبيبَ على نفسك بالحِمْيةِ من شهوةٍ خسيسةٍ؛ ظَفِرْتَ بأنواع اللَّذَّات وأصنافِ المشتهيات، ولكن بُخار الشهوة غطَّى عينَ البصيرة، فظننتَ أنَّ الحزم بيعُ الوعدِ بالنقدِ. يا لها بصيرةً عمياء! جَزِعَتْ من صبر ساعةٍ، واحتملتْ ذُلَّ الأبد! سافرتْ في طلب الدُّنيا وهي عنها زائلةٌ، وقعدتْ عن السفر إلى الآخرة وهي إليها راحلةٌ. إذا رأيتَ الرجل يشتري الخسيسَ بالنفيسِ، ويَبيعُ العظيمَ بالحقير؛ فاعلمْ بأنَّه سفيهٌ. فصل • لمَّا سَلِمَ لآدمَ أصلُ العبودية لمَ يقْدَحْ فيه الذنبُ. • "ابْنَ آدمَ! لوْ لَقِيتَني بقُرابِ الأرض خطايا، ثُمَّ لقيتَني لا تُشْرِكُ بي شيئًا؛ لقيتُكَ بِقُرابِها مغفرةً" (١). • لمَّا عَلِمَ السيِّدُ أنَّ ذنبَ عبدِهِ لم يكنْ قصدًا لمخالفتِهِ ولا قدحًا في

стр. 102

حكمتِهِ؛ علَّمَهُ كيف يعتذرُ إليه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. • العبدُ لا يريدُ بمعصيته مخالفة سيِّدِهِ ولا الجرأةَ على محارِمِهِ. ولكنْ غلباتُ الطبع وتزيينُ النفس والشيطان وقهرُ الهوى والثقةُ بالعفو ورجاءُ المغفرة. هذا من جانب العبد. وأمَّا من جانب الرُّبوبيَّةِ فجريانُ الحكم، وإظهارُ عزِّ الربوبيَّةِ وذلِّ العبوديَّةِ وكمال الاحتياج، وظُهورُ آثارِ الأسماءِ الحُسنى؛ كالعفوِّ والغفورِ والتوَّاب والحليم لمنْ جاء تائبًا نادمًا، والمنتقم والعَدْل وذي البطش الشديدِ لمَنْ أصَرَّ ولَزِمَ المعرَّة؛ فهو سبحانه يريدُ أن يُرِيَ عبدَه تفرُّدَه بالكمال ونقص العبدِ وحاجتَهُ إليه، ويُشْهِدَهُ كمال قدرتِهِ وعزَّتِهِ، وكمال مغفرتهِ وعفوهِ ورحمتِهِ، وكمال بِرِّهِ وسَتْرِهِ وحِلْمِهِ وتجاوزِهِ وصَفْحِه، وأن رحمته به إحسانٌ إليه لا معارضة، وأنه إن لم يتغمدْهُ برحمته وفضله؛ فهو هالكٌ لا محالةَ. فلله! كم في تقدير الذنب من حكمةٍ! وكم فيه مع تحقق التوبة للعبد من مصلحة ورحمةٍ! التوبةُ من الذنب كشُرْبِ الدواءِ للعليل، ورُبَّ عِلّةٍ كانت سببَ الصحة! لعلَّ عَتْبَكَ مَحْمودٌ عواقِبُهُ … ورُبَّما صَحَّتِ الأجْسادُ بالعِلَلِ (١) • لولا تقديرُ الذنب هلكَ ابنُ آدمَ من العُجْبِ. • ذنبٌ يَذِلُّ به أحبُّ إليه من طاعةٍ يُدِلُّ بها عليه. • شمعةُ النصر إنما تنزلُ في شمعدانِ الانكسارِ.

стр. 103

• لا يُكرِمُ العبدُ نفسَه بمثلِ إهانتِها، ولا يُعِزُّها بمثلِ ذُلِّها، ولا يُرِيحُها بمثل تَعبِها؛ كما قيل: سأُتْعِبُ نَفْسِي أو أصادِفَ راحةً … فإنَّ هَوانَ النَّفْسِ في كَرَمِ النَّفْسِ (١) ولا يُشْبِعُها بمثل جوعها، ولا يُؤْمِنُها بمِثْل خوفِها، ولا يُؤنِسُها بمثل وحشتها من كلِّ ما سوى فاطرِها وبارِئها، ولا يُحيِيها بمثل إماتتها؛ كما قيل: مَوْتُ النُّفوسِ حياتُها … مَنْ شاءَ أنْ يَحْيا يموتُ (٢) • شرابُ الهوى حلوٌ ولكنَّه يورِثُ الشَّرَقَ. • من تذكَّر خنقَ الفخِّ هانَ عليه هجرانُ الحبَّةِ. • يا مُعَرْقلًا في شَرَكِ الهوى جَمْزةُ عزمٍ وقد خرقت الشبكةَ. • لا بُدَّ من نفوذ القدر؛ فاجنَحْ للسلْم. • لله ملك السماوات والأرض؛ واستقرضَ منك حبَّةً، فبَخِلْتَ بها! وخلقَ سبعة أبحُرٍ، وأحبَّ منك دمعةً، فقَحطَتْ عينُك بها! • إطلاقُ البصر يَنقُشُ في القلب صورةَ المنظور، والقلبُ كعبةٌ، والمعبودُ لا يرضى بمزاحمةِ الأصنام. • لَذَّاتُ الدُّنيا كسوداءَ وقد غلبتْ عليك، والحورُ العينُ يَعْجَبْنَ من سوءِ اختياركَ عليهنَّ؛ غير أنَّ زَوبعةَ الهوى إذا ثارتْ سَفتْ في عين

стр. 104

البصيرة، فخَفيتِ الجادَّةُ. • سبحان الله! تزيَّنَتِ الجنةُ للخُطَّاب فجَدُّوا في تحصيل المهر، وتعرَّف ربُّ العزة إلى المحبين بأسمائه وَصفاته فعَمِلُوا على اللِّقاء، وأنت مشغولٌ بالجِيَفِ. لا كان مَن لسواك منه قلبُهُ … ولك اللِّسانُ مع الودادِ الكاذبِ (١) • المعرفة بِساطٌ لا يَطأُ عليه إلا مقرَّبٌ، والمحبَّةُ نشيدٌ لا يطربُ عليه إلا مُحِبٌّ مُغْرَمٌ. • الحبُّ غديرٌ في صحراءَ، ليستْ عليه جادَّةٌ؛ فلهذا قلَّ وارِدُهُ. • المحبُّ يَهرُبُ إلى العزلة والخلوة بمحبوبه والأُنْسِ بذكره كهَرَبِ الحوتِ إلى الماء والطفلِ إلى أمِّهِ. وأخْرُجُ من بينِ البيوتِ لعلَّني … أحدِّثُ عنك القلبَ بالسِّرِّ خاليَا (٢) • ليس للعابد مستراحٌ إلا تحت شجرة طُوبى، ولا للمحبِّ قرارٌ إلَّا يومَ المزيد. • اشتغِلْ به في الحياة؛ يَكْفِك ما بعد الموت. • يا مُنْفقًا بضاعةَ العُمُرِ في مخالفة حبيبه والبعد منه! ليس في أعدائك أضرُّ عليك منك. ما يَبْلُغُ الأعداءُ منْ جاهلٍ … ما يَبْلُغُ الجاهلُ منْ نفسِهِ (٣)

стр. 105

• الهمَّة العليَّةُ [همَّةُ] من استعدَّ صاحبُها للقاء الحبيب، وقدَّمَ التَّقادم بين يدي المُلتقي، فاستبشر عند القدوم: ﴿قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة: ٢٢٣]. • تالله ما عَدا عليك العدوُّ إلَّا بعد أن تولَّى عنك الوليُّ؛ فلا تظنَّ أن الشيطان غلب، ولكن الحافظ أعرض. • احذرْ بنفسِك! فما أصابك بلاءٌ قط إلَّا منها، ولا تُهادِنْها! فوالله ما أكرمَها من لم يُهِنْها، ولا أعزَّها من لم يُذِلَّها، ولا جَبَرَها من لم يَكسِرْها، ولا أراحَهَا من لم يُتْعِبْها، ولا أمَّنها من لمْ يُخوِّفها، ولا فرَّحها من لم يُحزِنْها. • سبحان الله! ظاهرُك متجمِّلٌ بلباس التَّقوى، وباطنُك باطيةٌ لخمر الهوى، فكلَّما طيَّبتَ الثوبَ فاحتْ رائحةُ المسكِر من تحته، فتباعدَ منك الصادقون، وانحاز إليك الفاسقون. • يدخُل عليك لصُّ الهوى وأنت في زاوية التعبُّد، فلا يَرى منك طردًا له، فلا يزالُ بك حتى يُخرِجك من المسجد. • اصدقْ في الطلب؛ وقد جاءتْك المعونة. • قال رجلٌ لمعروف: علِّمْني المحبة! فقال: المحبة لا تجيءُ بالتعليم (١). هو الشوقُ مدلولًا على مقتل الفتى … إذا لم يَعِدْ صَبًّا بِلُقْيا حَبيبهِ (٢)

стр. 106

• ليس العجبُ من قوله: ﴿يُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، إنما العجبُ من قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: ٥٤]. • ليس العجبُ من فقيرٍ مسكين يُحِبُّ محسنًا إليه، إنما العجبُ من محسنٍ يحبُّ فقيرًا مسكينًا. فصل القرآنُ كلامُ الله، وقد تجلَّى الله فيه لعبادِهِ بصفاتِهِ: فتارةً يتجلَّى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، فتَخْضَعُ الأعناقُ، وتَنكسرُ النفوسُ، وتَخْشَعُ الأصواتُ، ويذوبُ الكبرُ كما يذوب الملحُ في الماء. وتارةً يتجلَّى في صفات الجمال والكمال، وهو كمالُ الأسماء وجمال الصفات وجمالُ الأفعال الدالُّ على كمال الذات، فيَستنفِدُ حُبُّه من قلب العبد قُوَّة الحبِّ كلها بحسب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيُصبِح فؤادُ عبدِه فارغًا إلا من محبَّتِهِ، فإذا أراد منه الغيرُ أن يعلق تلك المحبة به؛ أبَى قلبُهُ وأحشاؤُهُ ذلك كلَّ الإباء؛ كما قيل: يُرادُ من القلب نسيانُكُم … وتأبى الطِّباعُ على النَّاقِلِ (١) فتبقى المحبةُ له طبعًا لا تكلُّفًا. وإذا تجلَّى بصفات الرحمة والبرِّ واللطف والإحسان انبعثتْ قوةُ الرجاء من العبد، وانبسط أملُهُ، وقويَ طمَعُهُ، وسار إلى ربِّهِ وحادي الرجاء يحدو ركابَ سيره، وكلَّما قوي الرجاءُ جَدَّ في العمل؛ كما أنَّ

стр. 107

الباذر كلَّما قويَ طمعُهُ في المغلِّ غلَّق أرضَه بالبذْرِ، وإذا ضعُف رجاؤُهُ قصَّر في البذر. وإذا تجلَّى بصفات العدل والانتقام والغضب والسَّخط والعقوبة انقمعتِ النفسُ الأمَّارةُ، وبَطَلتْ أو ضَعُفتْ قُواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات، وانقبضَتْ أعِنَّةُ رُعوناتِها، فأحضرت المطية حظَّها من الخوف والخشية والحذر. وإذا تجلَّى بصفات الأمر والنهي والعهد والوصية وإرسال الرُّسل وإنزال الكتب وشَرْعِ الشرائع؛ انبعثتْ منها قُوَّةُ الامتثال والتنفيذِ لأوامره، والتبليغِ لها، والتواصي بها، وذكرِها وتذكُّرِها، والتصديقِ بالخبر، والامتثال للطلب، والاجتناب للنهي. وإذا تجلَّى بصفات السمع والبصر والعلم انبعثَ من العبد قُوَّةُ الحياء؛ فيستحيي ربَّه أن يراهُ على ما يكره، أو يسمعُ منه ما يكره، أو يُخفِي في سريرته ما يمقتُهُ عليه، فتبقى حركاتُهُ وأقوالُهُ وخواطرُهُ موزونةً بميزان الشرع، غيرَ مُهملةٍ ولا مُرسَلةٍ تحت حكم الطبيعة والهوى. وإذا تجلَّى بصفات الكفاية، والحسب، والقيام بمصالح العباد، وسَوْقِ أرزاقهم إليهم، ودفعِ المصائبِ عنهم، ونصرِهِ لأوليائه وحمايته لهم ومعيِّتِهِ الخاصة لهم؛ انبعثتْ من العبد قوةُ التوكل عليه، والتفويض إليه، والرِّضى به في (١) كل ما يجريه على عبده ويقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه. والتوكُّل معنى يلتئمُ من علمِ العبد بكفاية الله وحسنِ اختياره لعبده، وثقتِه به، ورضاه بما يفعله به ويختارُهُ له.

стр. 108

وإذا تجلى بصفات العزِّ والكبرياء أعطتْ نفسُه المطمئنةُ ما وصلتْ إليه من الذُّلِّ لعظمته، والانكسار لعزَّته، والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب والجوارح له، فتعلوه السكينةُ والوقارُ في قلبه ولسانه وجوارحه وسمتِهِ، ويَذهبُ طيشُه وتَوْقُه وحدَّتُهُ. وجِماعُ ذلك أنه سبحانه يَتعرَّفُ إلى العبد بصفاتِ إلهيَّتِه تارةً وبصفاتِ ربوبيَّتِه تارةً: فيُوجِب له شهودُ صفاتِ الإلهية: المحبةَ الخاصة، والشوقَ إلى لقائه، والأنس والفرح به، والسرور بخدمته، والمنافسة في قربه، والتودُّد إليه بطاعته، واللَّهَجَ بذكره، والفرار من الخلق إليه، ويصيرُ هو وحدَه همَّهُ دون ما سواه. ويُوجِب له شهودُ صفاتِ الربوبيَّة: التوكلَ عليه، والافتقارَ إليه، والاستعانة به، والذُّلَّ والخضوع والانكسار له. وكمالُ ذلك أن يشهد ربوبيَّتَهُ في إلهيَّتِهِ، وإلهيَّتَهُ في ربوبيَّتِهِ، وحمده في ملكِهِ، وعزَّه في عفوهِ، وحكمته في قضائه وقدره، ونعمته في بلائه، وعطاءه في منعه، وبرَّهُ ولطفه وإحسانه ورحمته في قيُّومِيَّتِهِ، وعدلهُ في انتقامه، وجودَهُ وكرمهُ في مغفرته وسترِهِ وتجاوزِهِ، ويشهد حكمتَه ونعمته في أمره ونهيه، وعزَّهُ في رضاهُ وغضبه، وحلمهُ في إمهالِهِ، وكرمه في إقباله، وغناه في إعراضه. وأنت إذا تدبَّرتَ القرآن وأجَرتَهُ من التحريف وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين وأفكار المتكلِّفين؛ أشهدَك مَلِكًا قيُّومًا فوق سماواته، على عرشه، يُدبِّرُ أمرَ عباده، يأمرُ وينهى، ويُرسِلُ الرسل وينزلُ الكتب، ويرضى ويغضبُ، ويُثيبُ ويُعاقبُ، ويُعطي ويَمنعُ، ويُعزُّ ويُذِلُّ،

стр. 109

ويَخفِضُ ويَرفع، يرى من فوق سبعٍ ويسمع، ويعلم السِّرَّ والعلانية، فعَالٌ لما يريدُ، موصوفٌ بكلِّ كمال، منزَّهٌ عن كلِّ عيبٍ، لا تتحرَّكُ ذرَّةٌ فما فوقها إلا بإذنه، ولا تسقطُ ورقةٌ إلا بعلمه، ولا يَشفعُ أحدٌ عنده إلَّا بإذنِهِ، ليس لعباده من دونه وليٌّ ولا شفيعٌ. فصل لما بايعَ الرسولُ ﷺ أهلَ العقبةِ (١) أمرَ أصحابَه بالهجرة إلى المدينة، فعلمتْ قريشٌ أنَّ أصحابهُ قد كَثُروا وأنَّهم سيمنعونه، فأَعملتْ آراءها في استخراج الحيل؛ فمنهم من رأى الحبس، ومنهم من رأى النفي، ثم اجتمع رأيُهم على القتل. فجاء البريدُ بالخبر من السماء، وأمره أن يُفارِقَ المضجعَ، فبات عليٌّ مكانَه (٢)، ونهضَ الصِّدِّيقُ لرفقة السَّفَرِ. فلمَّا فارقا بيوتَ مكَّةَ اشتدَّ الحَذَرُ بالصِّدِّيق، فجعل يذكُرُ الرَّصدَ فيسيرُ أمامه، وتارةً يذكُرُ الطلَب فيتأخَّرُ وراءه، وتارةً عن يمينِه، وتارةً عن شماله، إلى أن انتهيا إلى الغار. فبدأ الصدِّيقُ بدخولِهِ ليكون وقايةً له إنْ كان ثَمَّ مُؤذٍ، وأنْبَتَ الله شجرةً لم تكن قبلُ، فأظلَّت المطلوب وأضلَّت الطالب، وجاءتْ عنكبوتٌ فحاذَتْ وجهَ الغار فحاكتْ ثوبَ نَسْجِها على منوال السِّتْرِ، فأُحْكِمَت الشُّقَّةُ حتى عُمِّيَ على القائفِ الطلبُ، وأرسل الله حمامتين

стр. 110

فاتَّخَذَتا هناك عُشًّا جعل على أبصار الطالبين غِشاوةً (١)، وهذا أبلغُ في الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود. فلمَّا وقف القومُ على رؤوسهم، وصار كلامُهم بسَمْعِ الرسول ﷺ والصِّدِّيق؛ قال الصِّدِّيقُ وقد اشتدَّ به القلقُ: يا رسول الله! لَو أنَّ أحدَهم نظرَ إلى ما تحتَ قدميه لأبصَرنَا تحتَ قدمَيْهِ. فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر! ما ظنُّك باثنينِ اللهُ ثالثُهُما؟ " (٢). لما رأى الرسول حزنَه قد اشتدَّ -لكن لا على نفسه- قَوَّى قلبَه ببشارة ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، فظهَر سِرُّ هذا الاقترانِ في المعيَّة لفظًا كما ظهر حكمًا ومعنى؛ إذ يُقالُ: رسول الله وصاحبُ رسول الله، فلما مات قيل: خليفةُ رسولِ الله، ثمَّ انقطعتْ إضافةُ الخلافةِ بموته، فقيل: أميرُ المؤمنين (٣). فأقاما في الغار ثلاثًا، ثم خرجا منه ولسانُ القدرِ يقولُ: لتدخُلنَّها دُخولًا لم يَدْخُله أحدٌ قبلك ولا ينبغي لأحدٍ من بعدك. فلما استقلَّا على البيداء لَحِقَهما سُراقةُ بن مالك، فلما شارفَ الظفَر أرسل عليه الرسولُ ﷺ سهمًا من سِهام الدُّعاء، فساخَتْ قوائمُ فرسِه في الأرض إلى بطنها (٤)، فلما علم أنه لا سبيلَ له عليهما أخذ
следующие страницы →