← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 212

الفوائد لابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (308 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المحبوبُ شرٌّ له في معاشه ومعاده. وكذلك يكرهُ المرأةَ لوصفٍ من أوصافها، وله في إمساكها خيرٌ كثير لا يَعرِفُه، ويُحِبُّ المرأة لوصفٍ من أوصافها، وله في إمساكها شرٌّ كثيرٌ لا يَعرِفهُ. فالإنسانُ -كما وصفه به خالقُه- ظَلومٌ جَهولٌ؛ فلا ينبغي أن يجعلَ المعيارَ على ما يضره وينفعه ميلَه وحبَّه ونفرتَه وبُغضَه، بل المعيارُ على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه؛ فأنفعُ الأشياءِ له على الإطلاق طاعةُ ربه بظاهره وباطنه، وأضرُّ الأشياء عليه على الإطلاق معصيتُه بظاهره وباطنه؛ فإذا قام بطاعته وعبوديَّته مخلصًا له فكلُّ ما يَجري عليه مما يكرهه يكون خيرًا له، وإذا تخلَّى عن طاعته وعبوديته فكلُّ ما هو فيه من محبوبٍ هو شرٌّ له. فمن صحَّتْ له معرفةُ ربه والفقهُ في أسمائه وصفاته؛ عَلِم يقينًا أن المكروهات التي تُصِيبه والمِحَن التي تَنزل به فيها ضروبٌ من المصالح والمنافع التي لا يُحصِيها علمُه ولا فِكرتُه، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يُحِب؛ فعامةُ مصالح النفوس في مكروهاتها؛ كما أن عامةَ مَضارِّها وأسباب هَلَكَتِها في محبوباتها. فانظُرْ إلى غارسِ جنةٍ من الجنات خبيرٍ بالفلاحة؛ غَرَسَ جنةً، وتعاهدَها بالسقي والإصلاح حتى أثمرتْ أشجارها، فأقبل عليها يَفصِلُ أوصالها ويقطع أغصانَها لعلمه أنها لو خُلِّيتْ على حالها؛ لم تَطِبْ ثمرتُها، فيُطعِّمُها من شجرة طيبة الثمرة. حتى إذا التحمتْ بها واتحدتْ وأعطتْ ثمرتَها؛ أقبل يُقلِّمُها ويقطع أغصانَها الضعيفة التي تُذهِب قوتَها، ويُذِيقُها ألمَ القطع والحديد لمصلحتها وكمالها، لتَصلُحَ ثمرتُها

стр. 142

أن تكون بحضرة الملوك. ثم لا يَدَعُها ودواعي طبعِها من الشرب كلَّ وقتٍ، بل يُعطِّشُها وقتًا ويَسقِيها وقتًا، ولا يترك الماء عليها دائمًا، وإن كان ذلك أنضرَ لورقها وأسرعَ لنباتها. ثم يَعمِدُ إلى تلك الزينة التي زُيِّنت بها من الأوراق، فيُلقي عنها كثيرًا منها؛ لأنَّ تلك الزينة تَحُول بين ثمرتها وبين كمال نُضْجِها واستوائها؛ كما في شجر العنب ونحوه. فهو يقطع أعضاءها بالحديد، ويُلقي عنها كثيرًا من زينتها، وذلك عينُ مصلحتها؛ فلو أنها ذاتُ تمييزٍ وإدراك كالحيوان؛ لتوهمتْ أن ذلك إفسادٌ لها وإضرارٌ بها، وإنما هو عينُ مصلحتها. وكذلك الأب الشفيق على ولده العالمُ بمصلحته؛ إذا رأى مصلحتَه في إخراج الدم الفاسد عنه؛ بَضَّع جلدَه وقطعَ عروقه وأذاقه الألم الشديد، وإن رأى شفاءه في قطع عضوٍ من أعضائه أبانَه عنه؛ كل ذلك رحمةً به وشفقةً عليه. وإن رأى مصلحته في أن يُمسِك عنه العطاءَ لم يُعطِه ولم يُوسِّع عليه؛ لعلمِه أن ذلك أكبرُ الأسباب إلى فساده وهلاكه. وكذلك يمنعه كثيرًا من شهواته حِميةً له ومصلحةً لا بخلًا عليه. فأحكم الحاكمين وأرحمُ الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم؛ إذ أنزل بهم ما يكرهون؛ كان خيرًا لهم من أن لا يُنزِله بهم؛ نظرًا منه لهم وإحسانًا إليهم ولطفًا بهم، ولو مُكِّنوا من الاختيار لأنفسهم لعَجَزوا عن القيام بمصالحهم علمًا وإرادةً وعملًا، لكنه سبحانه تولى تدبيرَ أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته؛ أحبُّوا أم كرهوا. فعَرفَ ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته؛ فلم يتهموهُ في شيء من أحكامه. وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته؛ فنازعوه تدبيرَه، وقَدَحُوا في حكمته، ولم ينقادوا لحكمه،

стр. 143

وعارضوا حكمَه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة؛ فلا لربهم عَرفوا، ولا لمصالحهم حَصَّلوا. والله الموفق. ومتى ظَفِر العبدُ بهذه المعرفة سَكنَ في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يُشبِه نعيمُها إلا نعيم جنة الآخرة؛ فإنه لا يزال راضيًا عن ربه، والرِّضَى جنةَ الدُّنيا ومُستَراحُ العارفين؛ فإنه طِيبُ النفس بما يَجري عليه من المقادير التي هي عين اختيار الله له وطمأنينتُها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرِّضى بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ رسولًا، وما ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ من لم يَحصُل له ذلك (١). وهذا الرِّضى هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسنِ اختياره؛ فكلَّما كان بذلك أعرفَ كان به أرضَى. فقضاء الرب سبحانه في عبده دائرٌ بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة، لا يَخرُج عن ذلك البتة؛ كما قال ﷺ في الدُّعاءِ المشهور: "اللهم! إنِّي عبدك، ابنُ عبدك، ابنُ أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألُك بكل اسم هو لك، سَمَّيتَ به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك: أن تجعلَ القُرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاء حُزني، وذهابَ همّي وغمّي. ما قالها أحدٌ قطُّ إلَّا أذهبَ الله همَّهُ وغمَّهُ، وأبْدلهُ مكانَه فرحًا". قالوا: أفلا نتعلَّمُهنَّ يا رسول الله؟ قال: "بلى! ينبغي لمن سمعَهن أن يتعلمَهُنَّ" (٢)، والمقصود قوله: "عدلٌ فيَّ قضاؤك"، وهذا يتناول كل قضاءٍ يَقضِيه على عبده؛ من عقوبة، أو ألم، وسبب ذلك؛

стр. 144

فهو الذي قضَى بالسبب وقضى بالمسبب، وهو عدلٌ في هذا القضاء، وهذا القضاءُ خيرٌ للمؤمن؛ كما قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يَقضِي الله للمؤمن قضاءً؛ إلَّا كان خيرًا له، وليس ذلك إلَّا للمؤمن" (١). قال العلَّامة ابن القيِّم: فسألتُ شيخَنا (٢): هل يدخُلُ في ذلك قضاءُ الذنب؟ فقال: نعم بشرطه. فأجملَ في لفظة (بشرطه) ما يَترتَّبُ على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذُّلِّ والبكاءِ وغير ذلك. فائدة لا تَتِمُّ الرغبةُ في الآخرة إلا بالزُّهد في الدُّنيا. ولا يستقيم الزُّهدُ في الدُّنيا إلا بعد نظرين صحيحين: نظرٌ في الدُّنيا وسرعةِ زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخِسَّتها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغُصَصِ والنَّغَصِ والأنكادِ، وآخِرُ ذلك الزوالُ والانقطاعُ، مع ما يُعقِبُ من الحسرة والأسف؛ فطالبُها لا يَنفكُّ من هَمٍّ قبل حصولها، وهَمٍّ في حالِ الظَّفرِ بها، وغمٍّ وحزنٍ بعد فواتها. فهذا أحدُ النظرين. النظرُ الثاني في الآخرة، وإقبالِها ومجيئها ولا بُدَّ، ودوامِها وبقائها، وشرفِ ما فيها من الخيرات والمسرَّات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ها هنا؛ فهي كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧]؛

стр. 145

فهي خيراتٌ كاملةٌ دائمةٌ، وهذه خيالاتٌ ناقصةٌ منقطعةٌ مضمحلَّةٌ. فإذا تَمَّ له هذانِ النظرانِ آثرَ ما يَقتضِي العقلُ إيثارَهُ، وزَهِدَ فيما يقتضي الزُّهدَ فيه. فكلُّ أحدٍ مطبوعٌ على أن لا يتركَ النفعَ العاجلَ واللَّذَّةَ الحاضرةَ إلى النفع الآجل واللَّذَّة الغائبة المنتظرة إلا إذا تبيَّنَ له فَضْلُ الآجلِ على العاجلِ وقوِيَتْ رغبتُهُ في الأعلى الأفضل. فإذا آثرَ الفانيَ الناقصَ كان ذلك إما لعدم تبيُّنِ الفضل له، وإما لعدم رغبتهِ في الأفضل؛ وكلُّ واحدٍ من الأمرين يدُلُّ على ضعفِ الإيمان وضعف العقل والبصيرة. فإنَّ الراغبَ في الدُّنيا الحريصَ عليها المُؤثِرَ لها: إمَّا أن يُصدِّقَ بأن ما هناك أشرفُ وأفضلُ وأبقى، وإمَّا أن لا يُصدِّقَ. فإن لم يُصدِّق بذلك كان عادمًا للإيمان رأسًا، وإن صدَّق بذلك ولم يُؤثِره كان فاسدَ العقل سييّء الاختيارِ لنفسه. وهذا تقسيمٌ حاصرٌ ضروريٌّ لا ينفكُّ العبدُ من أحد القسمين منه؛ فإيثارُ الدُّنيا على الآخرة: إما من فسادٍ في الإيمان، وإما من فسادٍ في العقل، وما أكثرَ ما يكون منهما. ولهذا نبذَها رسولُ الله ﷺ وراءَ ظَهْرِه هو وأصحابُه، وصَرَفُوا عنها قلوبَهم، واطَّرحُوها ولم يَألَفوها، وهَجَروها ولم يَميلوا إليها، وعَدُّوها سِجْنًا لا جنة (١)، فزَهِدوا فيها حقيقةَ الزُّهد، ولو أرادوها لنالوا منها كلَّ محبوبٍ، ولوَصَلوا منها إلى كلِّ مرغوبٍ؛ فقد عُرِضتْ عليه

стр. 146

مفاتيحُ كنوزِها فردَّها، وفاضَتْ على أصحابه فآثروا بها ولم يَبيعوا حظَّهم من الآخرة بها، وعلموا أنَّها مَعْبَرٌ ومَمَرٌّ لا دارُ مُقامٍ ومُستقَرّ، وأنها دارُ عبورٍ لا دارُ سُرورٍ، وأنها سحابةُ صَيفٍ تتقشَّعُ عن قليلٍ، وخيالُ طَيفٍ ما استتمَّ الزيارةَ حتى آذنَ بالرحيل. قال النبي ﷺ : "ما لي وللدُّنيا؟ إنما أنا كراكبٍ قال في ظلِّ شجرةٍ ثُمَّ راح وتركَها" (١). وقال: "ما الدُّنيا في الآخرة إلَّا كما يُدْخِلُ أحدُكُمْ إصْبعَهُ في اليَمِّ؛ فلينظُرْ بِمَ تَرجِعُ؟ " (٢). وقال خالِقُها سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٤ - ٢٥]، فأخبر عن خِسَّة الدنيا وزَهَّدَ فيها، وأخبر عن دار السلام ودعا إليها. وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦].

стр. 147

وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِـ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا مَتَاعٌ (٢٦)﴾ [الرعد: ٢٦]. وقد تواعدَ (١) سبحانه أعظمَ الوعيد لمن رضي بالحياة الدُّنيا واطمأنَّ بها وغَفَلَ عن آياته ولم يَرْجُ لقاءه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ [يونس: ٧ - ٨]. وعَيَّر سبحانه من رضي بالدُّنيا من المؤمنين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨]، وعلى قدر رغبة العبد في الدُّنيا ورضاهُ بها

стр. 148

يكونُ تَثاقُلُه عن طاعة الله وطلبِ الآخرة. ويكفي في الزُّهد في الدُّنيا: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَينَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]. وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٦]. وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]. وقوله: ﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤]. وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَينَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا (١٠٤)﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤]. والله المستعان وعليه التكلان.

стр. 149

قاعدة أساسُ كل خيرٍ أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ فتتيقَّن حينئذٍ أن الحسناتِ من نِعَمِه، فتشكره عليها وتتضرع إليه أن لا يقطعها عنك، وأن السيئات من خِذلانه وعقوبته، فتبتهل إليه أن يحولَ بينك وبينها ولا يَكِلَكَ في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك. وقد أجمع العارفون على أن كل خيرٍ فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شرٍّ فأصله خِذلانه لعبده. وأجمعوا أن التوفيق أن لا يَكِلَك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يُخليَ بينك وبين نفسك. فإذا كان كل خيرٍ فأصله التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد؛ فمفتاحه الدعاء والافتقارُ وصدقُ اللَّجأ والرغبة والرهبة إليه؛ فمتى أعطى العبدَ هذا المفتاحَ فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مُرْتَجًا دونه. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إنِّي لا أَحمِلُ همَّ الإجابة، ولكن همّ الدُّعاء؛ فإذا أُلهِمتُ الدُّعاءَ فإن الإجابة معه (١). وعلى قدر نيَّة العبد وهمَّتِهِ ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقُه سبحانه وإعانته؛ فالمعونة من الله تَنزِلُ على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخِذلان يَنزِل عليهم على حسب ذلك. فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، يضعُ التوفيقَ في

стр. 150

مواضعه اللائقة به، والخذلانَ في مواضعه اللائقة به، وهو العليم الحكيم، وما أُتِيَ من أُتِيَ إلَّا من قبل إضاعة الشُّكر وإهمال الافتقار والدُّعاء، ولا ظَفِرَ من ظفر بمشيئة الله وعونه إلَّا بقيامه بالشُّكر وصدق الافتقار والدُّعاء. ومِلاكُ ذلك الصبرُ؛ فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ فإذا قطع الرأس فلا بقاءَ للجسد. • ما ضُرِبَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظمَ من قسوة القلب والبعدِ عن الله. • خُلِقت النارُ لإذابة القلوب القاسية. • أبعدُ القلوب من الله القلبُ القاسي. • إذا قسا القلبُ قَحَطَتِ العينُ. • قسوةُ القلب من أربعة أشياء إذا جاوزتْ قدرَ الحاجة: الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة. • كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعامُ والشرابُ؛ فكذلك القلبُ إذا مرض بالشهوات لم تَنْجَعْ فيه المواعظُ. • من أراد صفاءَ قلبه فليُؤْثِر الله على شهوته. • القلوب المتعلقةُ بالشهوات محجوبةٌ عن الله بقدر تعلُّقها بها. • القلوب آنيةُ الله في أرضه؛ فأحبُّها إليه أرقُّها وأصلبها وأصفاها. • شَغلوا قلوبهم بالدُّنيا، ولو شَغلوها بالله والدار الآخرة لجالتْ في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورَجعتْ إلى أصحابها بغرائب الحكم وطُرَفِ الفوائد.

стр. 151

• إذا غُذِيَ القلبُ بالتذكُّر، وسُقِي بالتفكُر، ونُقِّيَ من الدَّغل؛ رأى العجائبَ وأُلهِمَ الحكمةَ. • ليس كلُّ من تَحلَّى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهلُ المعرفة والحكمة الذين أَحيَوا قلوبَهم بقتل الهوى، وأما من قتل قلبه فأحيا الهوى؛ فالمعرفة والحكمة عاريَّةٌ على لسانه. • خَرابُ القلبِ من الأمن والغفلة، وعِمارتُهُ من الخشية والذِّكْرِ. • إذا زَهِدَت القلوبُ في موائد الدُّنيا؛ قعدتْ على مَوائدِ الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رَضِيتْ بموائد الدُّنيا؛ فَاتَتْها تلك الموائدُ. • الشوقُ إلى الله ولقائه نسيمٌ يَهُبُّ على القلب يُرَوِّحُ عنه وَهَجَ الدُّنيا. • من وَطَّنَ قلبَه عند ربِّه سكنَ واستراح، ومن أرسله في الناس اضطربَ واشتد به القلقُ. • لا تَدخلُ محبةُ الله في قلب فيه حبُّ الدُّنيا إلا كما يدخل الجملُ في سَمِّ الإبرة. • وإذا أحبَّ الله عبدًا اصطنَعه لنفسِه، واجتباهُ لمحبَّتِهِ، واستخلصه لعبادته، فشَغلَ همَّهُ به، ولسانهُ بذكره، وجوارحَهُ بخدمته. • القلب يَمرضُ كما يمرض البدنُ، وشفاؤهُ في التوبة والحِمْية، ويَصْدَأ كما تَصْدأ المرآةُ، وجلاؤهُ بالذكر، ويَعْرَى كما يَعْرَى الجسمُ، وزينتُهُ التَّقوى، ويجوعُ ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفةُ والمحبة والتوكل والإنابة والخدمةُ. • إياك والغفلةَ عمَّن جعلَ لحياتك أجلًا، ولأيَّامِك وأنفاسِك أمدًا،

стр. 152

ومن كل ما سواه بُدٌّ ولا بُدَّ لك منه. • من ترك الاختيارَ والتدبيرَ في طلب زيادة دُنيا أو جاهٍ أو في خوف نقصان أو في التخلُّص من عدوٍّ توكُلًا على الله وثقةً بتدبيره له وحسن اختياره له، فألقى كنفَهُ بين يديه، وسلَّم الأمرَ إليه، ورضي بما يقضيه له؛ استراح من الهموم والغُموم والأحزان. ومن أبى إلَّا تدبيرَهُ لنفسه؛ وقعَ في النَّكَدِ والنَّصَبِ وسوء الحال والتعب؛ فلا عيشَ يصفو، ولا قلبَ يفرح، ولا عملَ يزكو، ولا أملَ يقوم، ولا راحةَ تدومُ. والله سبحانه سهَل لخلقه السبيلَ إليه، وحجبَهم عنه بالتدبير؛ فمن رضي بتدبير الله له وسكنَ إلى اختياره وسلَّم لحُكمه؛ أزالَ ذلك الحجاب، فأفضى القلبُ إلى ربِّه واطمأنَّ إليه وسكن. • المتوكِّلُ لا يسألُ غيرَ الله، ولا يرُدُّ على الله، ولا يدَّخِرُ مع الله. • من شُغل بنفسه شُغِلَ عن غيره، ومن شُغِل بربِّه شُغِل عن نفسه. • الإخلاصُ: هو ما لا يعلمه مَلَكٌ فيكتبه، ولا عدوُّ فيُفسِدهُ، ولا يُعجَبُ به صاحبه فيُبطِله. • الرِّضى سكون القلب تحت مجاري الأحكام. • الناس في الدُّنيا معذَّبون على قدر هممهم بها. • للقلب ستة مواطنَ يجولُ فيها لا سابعَ لها ؛ ثلاثةٌ سافلة، وثلاثةٌ عاليةٌ: فالسافلةُ: دنيا تتزيَّنُ له، ونفسٌ تحدِّثُه، وعدوٌّ يوسوسُ له. فهذه مواطنُ الأرواح السافلة التي لا تزالُ تجولُ فيها. والثلاثة العاليةُ: علمٌ يتبيَّنُ له، وعقلٌ يرشدُه، وإلهٌ يعبدُه. والقلوب جوَّالةٌ في هذه المواطن. • اتِّباعُ الهوى وطولُ الأمل مادةُ كلِّ فسادٍ ؛ فإنَّ اتِّباعَ الهوى يُعمِي

стр. 153

عن الحقِّ معرفةً وقصدًا، وطول الأمل يُنسِي الآخرةَ ويصُدُّ عن الاستعداد لها. • لا يشمُّ عبدٌ رائحةَ الصدق و [هو] يُداهِنُ نفسَه أو يُداهِنُ غيرَه. • إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا جعله معترفًا بذنبه ممسكًا عن ذنب غيره، جوادًا بما عنده زاهدًا فيما عند غيره، محتملًا لأذى غيره. وإنْ أراد به شرًّا عكس ذلك عليه. • الهمَّةُ العليَّةُ لا تزالُ حائمةً حول ثلاثة أشياء: تعرُّفٌ لصفةٍ من الصفات العليا تزدادُ بمعرفتها محبةً وإرادةً، وملاحظةٌ لمِنَّةٍ تزدادُ بملاحظتها شُكرًا وطاعة، وتذكُّرٌ لذنبٍ تزدادُ بتذكُّرِهِ توبةً وخشية؛ فإذا تعلَّقتِ الهمةُ بسوى هذه الثلاثة جالتْ في أودية الوساوس والخطرات. • من عَشِقَ الدُّنيا نظرتْ إلى قدرها عنده، فصيَّرتْه من خَدَمِها وعبيدِها وأذلَّتْه. ومن أعرض عنها نظرتْ إلى كبر قدره، فخدمته وذلَّت له. • إنما يُقطَع السفرُ ويَصِلُ المسافرُ بلزوم الجادَّة وسيرِ الليل؛ فإذا حادَ المسافرُ عن الطريق، ونام الليل كلَّه؛ فمتى يَصِلُ إلى مقصده؟! فائدة جليلة كلُّ من آثر الدُّنيا من أهل العلم واستحبَّها؛ فلا بدَّ أن يقول على الله غيرَ الحقِّ؛ في فتواه وحكمِه، في خبرِه وإلزامِه؛ لأنَّ أحكام الربِّ سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيَّما أهل الرئاسة والذين يتَّبعون الشَّهوات؛ فإنَّهم لا تَتِمُّ لهم أغراضُهم إلَّا بمخالفة الحق ودفعه كثيرًا؛ فإذا كان العالم والحاكم مُحِبًّا للرئاسة، متَّبعًا

стр. 154

للشَّهوات لم يتمَّ له ذلك إلا بدفع ما يضادُّه من الحقِّ، ولا سيَّما إذا قامت له شبهةٌ، فتتَّفقُ الشبهةُ والشهوةُ، ويَثُورُ الهوى، فيَخفَى الصوابُ، ويَنطمِسُ وجهُ الحقِّ! وإن كان الحقُّ ظاهرًا لا خفاءَ به ولا شبهةَ فيه أقدمَ على مخالفته، وقال: لي مَخرجٌ بالتوبة. وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]. [وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ] وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾ [الأعراف: ١٦٩]. فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العرضَ الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم، وقالوا: سيُغفَر لنا! وإن عَرضَ لهم عرضٌ آخُر أخذوه؛ فهم مُصِرُّون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحقِّ، فيقولون: هذا حكمه وشرعه ودينُهُ! وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلافُ ذلك، أوْ لا يعلمون أن ذلك دينُهُ وشرعُهُ وحكمُهُ! فتارةً يقولون على الله ما لا يعلمون، وتارةً يقولون عليه ما يعلمون بطلانه! وأمَّا الذين يتَّقون فيعلمون أنَّ الدار الآخرة خيرٌ من الدُّنيا، فلا يَحمِلُهم حبُّ الرئاسة والشهوة على أن يُؤثِروا الدُّنيا على الآخرة. وطريقُ ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسُّنَّة، ويستعينوا بالصبر والصلاة، ويتفكَّروا في الدُّنيا وزوالها وخسَّتها، والآخرةِ وإقبالِها ودوامِها. وهؤلاء لا بدَّ أنَّ يبتدِعوا في الدين مع الفجور في العمل، فيجتمع لهم الأمران؛ فإنَّ اتِّباع الهوى يُعْمِي عينَ القلب؛ فلا يُميِّزُ بين السنة

стр. 155

والبدعة، أو يُنْكِسُهُ؛ فيرى البدعة سنةً والسنة بدعةً. فهذه آفةُ العلماء إذا آثروا الدُّنيا واتَّبعوا الرئاسات والشَّهوات. وهذه الآياتُ فيهم إلى قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]. فهذا مَثَلُ عالمِ السوء الذي يعمل بخلاف علمه. وتأمَّلْ ما تضمَّنته هذه الآية من ذمِّه، وذلك من وجوهٍ: أحدُها: أنه ضَلَّ بعد العلم، واختار الكفرَ على الإيمان عمدًا لا جهلًا. وثانيها: أنه فارق الإيمان مفارقةَ من لا يعود إليه أبدًا؛ فإنه انسلخ من الآيات بالجملة كما تنسلخُ الحيَّةُ من قِشْرِها، ولو بقي معه منها شيءٌ لمَ ينسلِخْ منها. وثالثُها: أنَّ الشيطان أدْرَكهُ ولحقهُ بحيثُ ظَفِرَ به وافترسَهُ، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ﴾، ولم يقلْ: تبعهُ؛ فإنَّ في معنى ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أدركه ولَحِقَه، وهو أبلغ من (تبِعَهُ) لفظًا ومعنى. رابعُها: أنَّه غَوَى بعد الرُّشد، والغيُّ: الضَّلالُ في العلم والقصد، وهو أخصُّ بفساد القصد والعمل؛ كما أنَّ الضَّلال أخصُّ بفساد العلم والاعتقاد؛ فإذا أُفرِدَ أحدُهما دخلَ فيه الآخرُ، وإن اقترنا فالفرقُ ما ذُكِر. وخامسُها: أنَّه سبحانه لم يشأ أن يرفعهُ بالعلم، فكان سبب هلاكه؛

стр. 156

لأنه لم يُرفَعْ به، فصار وبالًا عليه، فلو لم يكن عالمًا كان خيرًا له وأخفَّ لعذابه. وسادسُها: أنَّه سبحانه أخبر عن خِسَّةِ همَّته وأنَّه اختار الأسفل الأدنى على الأشرف الأعلى. وسابعُها: أنَّ اختيارَه للأدنى لم يكن عن خاطرٍ وحديث نفس، ولكنَّهُ كان عن إخلادٍ إلى الأرض، وميل (١) بكلِّيَّتِهِ إلى ما هناك، وأصلُ الإخلاد اللزومُ على الدَّوام، كأنَّه قيل: لزِم الميلَ إلى الأرض، ومن هذا يقالُ: أخلد فلانٌ بالمكان: إذا لزم الإقامةَ به، قال مالك بن نُوَيْرة (٢). بأبْناء حيٍّ مِنْ قَبائلِ مالِكٍ … وعمرو بن يربوعٍ أقاموا فأخْلَدوا وعبَّرَ عن ميله إلى الدنيا بإخلادِهِ إلى الأرض؛ لأنَّ الدُّنيا هي الأرضُ وما فيها وما يُسْتَخْرَجُ منها من الزينةِ والمَتاع. وثامنُها: أنَّه رَغِبَ عن هداهُ، واتَّبع هواهُ، فجعل هواهُ إمامًا له يقتدي به ويتَبِعُهُ. وتاسعُها: أنَّه شبَّهَهُ بالكلب الذي هو أخسُّ الحيوانات هِمَّةً، وأسقطُها نفسًا، وأبخلُها وأشدُّها كَلَبًا، ولهذا سُمِّي كلبًا. وعاشرُها: أنه شبَّه لَهَثَهُ على الدُّنيا، وعدمَ صبرِه عنها، وجَزَعَهُ لفقدها، وحرصه على تحصيلها؛ بلَهَثِ الكلب في حالتي تركه والحمل عليه بالطَّرْدِ، وهكذا هذا: إن تُرِكَ فهو لَهْثَانُ على الدُّنيا، وإن وُعِظ وزُجِر فهو كذلك؛ فاللَّهَثُ لا يُفارِقُهُ في كلِّ حال كَلَهَثِ الكلب.

стр. 157

قال ابنُ قتيبة (١): كلُّ شيءٍ يَلْهَثُ فإنَّما يَلْهَثُ من إعياءٍ أو عطش؛ إلَّا الكلب؛ فإنه يلهثُ في حال الكلال وحال الراحة، وحال الرِّيِّ وحال العطش، فضربهُ الله مثلًا لهذا الكافر، فقال: إن وعظتَهُ فهو ضالٌّ، وإن تركتهُ فهو ضالٌّ؛ كالكلب؛ إن طردْتَهُ لَهَثَ، وإنْ تركتَهُ على حالِهِ لهَثَ. وهذا التمثيلُ لم يَقَعْ بكلِّ كلبٍ، وإنَّما وقع بالكلبِ اللاهثِ، وذلك أخسُّ ما يكون وأشنعُهُ. فصل فهذا حالُ العالم المُؤثِر الدُّنيا على الآخرة. وأما العابد الجاهلُ فآفتُهُ من إعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خياله وذوقه ووَجْدِه وما تهواه نفسه. ولهذا قال سفيان بن عُيينة وغيره: احذروا فتنةَ العالم الفاجر وفتنةَ العابد الجاهل؛ فإنَّ فتنتهما فتنةٌ لكلِّ مفتونٍ. فهذا بجهله يَصُدُّ عن العلم وموجبه، وذاك بغيِّه يدعو إلى الفُجور. وقد ضرب الله سبحانه مثل النوع الآخر بقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَينِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧]. وقصتُهُ معروفةٌ (٢)، فإنه بنى أساسَ أمرِه على عبادة الله بجهلٍ،

стр. 158

فأوقعه الشيطانُ بجهله، وكفَّره بجهله. فهذا إمامُ كلِّ عابدٍ جاهل؛ يَكفُرُ ولا يَدْرِي، وذاك إمام كلِّ عالم فاجرٍ يختارُ الدُّنيا على الآخرة. وقد جعل سبحانه رِضَى العبد بالدُّنيا وطمأنينتهُ وغفلتهُ عن معرفةِ آياتِهِ وتدبُّرِها والعملِ بها سبَب شقائِهِ وهلاكه. ولا يجتمع هذان -أعني: الرضى بالدُّنيا والغفلة عن آيات الربِّ- إلَّا في قلب من لا يؤمنُ بالمعاد ولا يرجو لقاء ربِّ العباد، وإلا فلو رَسَخِ قدمُهُ في الإيمان بالمعاد؛ لما رضي بالدُّنيا ولا اطمأنَّ إليها ولا أعرض عن آيات الله. وأنت إذا تأمَّلْتَ أحوال الناس وجدتَ هذا الضرب هو الغالب على الناس وهم عُمَّارُ الدُّنيا، وأقلُّ الناس عددًا من هو على خلاف ذلك، وهو من أشدِّ الناس غُربةً بينهم؛ لهم شأنٌ وله شأنٌ، علمُه غيرُ علومهم، وإرادتُهُ غير إرادتِهم، وطريقه غير طريقهم؛ فهو في وادٍ وهم في وادٍ. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧ - ٨]، ثم ذكر وصف ضدِّ هؤلاء ومآلهم وعاقبتهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ [يونس: ٩]؛ فهؤلاء إيمانهم بلقاء الله أورثَهم عدَم الرِّضى بالدُّنيا والطُّمأنينة إليها ودوامَ ذكرِ آياته. فهذه مواريثُ الإيمان بالمعاد، وتلك مواريثُ عدمِ الإيمان به والغفلة عنه.

стр. 159

فائدة عظيمة أفضلُ ما اكتسبتْه النفوسُ وحصَّلتْهُ القلوب ونال به العبدُ الرِّفْعةَ في الدُّنيا والآخرة هو العلم والإيمان. ولهذا قرنَ بينَهما سبحانَه في قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبُّه والمؤهَّلون للمراتب العالية. ولكنَّ أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمَّى العلم والإيمان اللذين بهما السعادة والرفعةُ وفي حقيقتهما، حتى إن كلَّ طائفةٍ تظنُّ أن ما معها من العلم والإيمان هو هذا الذي به تُنال السعادة، وليس كذلك، بل أكثرهم ليس معهم إيمان يُنجي ولا علمٌ يرفع، بل قد سَدُّوا على نفوسهم طرقَ العلم والإيمان اللذين جاء بهما الرسول ﷺ ودعا إليهما الأمةَ وكان عليهما هو وأصحابُهُ من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم. فكلُّ طائفة اعتقدتْ أنَّ العلم ما معها، وفَرِحتْ به، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ [المؤمنون: ٥٣]، وأكثرُ ما عندهم كلامٌ وآراءٌ وخَرْص! والعلم وراء الكلام؛ كما قال حمادُ بن زيد: قلتُ لأيوب: العلم اليوم أكثرُ أو فيما تقدَّم؟ فقال: الكلامُ اليومَ أكثرُ والعلمُ فيما تقدَّم أكثر! ففرَّق هذا الراسخُ بين العلم والكلام. فالكتبُ كثيرةٌ جدًّا، والكلام والجدالُ والمُقدَّراتُ الذِّهْنيَّةُ كثيرةٌ، والعلم بمعزلٍ عن أكثرها، وهو ما جاء به الرسول عن الله. قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقال: ﴿وَلَئِنِ

стр. 160

اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الذِي مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال في القرآن: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]؛ أي: وفيه علمه. ولمَّا بَعُدَ العهدُ بهذا العلم؛ آلَ الأمرُ بكثيرٍ من الناس إلى أن اتَّخذوا هواجسَ الأفكار وسوانحَ الخواطر والآراء علمًا، ووضعوا فيها الكتبَ، وأنفقوا فيها الأنفاسَ، فضيَّعوا فيها الزمان، وملؤوا بها الصحفَ مدادًا والقلوب سوادًا، حتى صَرَّح كثيرٌ منهم أنَّه ليس في القرآن والسنة علمٌ! وأن أدلَّتهما لفظيةٌ لا تفيدُ يقينًا ولا علمًا!! وصَرَخَ الشيطانُ بهذه الكلمة فيهم، وأذَّنَ بها بين أظهرهم، حتى أسمعَها دانِيهم لقاصيهم، فانسلختْ بها القلوبُ من العلم والإيمان كانسلاخ الحيَّة من قِشْرها والثوب عن لابسه. قال الإمام العلَّامةُ شمس الدين ابن القيم: ولقد أخبرني بعضُ أصحابنا عن بعض أتباع تلاميذ هؤلاء أنه رآه يشتغلُ في بعض كتُبهم ولم يحفظ القرآن، فقال له: لو حفظتَ القرآن أولًا كان أولى! فقال: وهل في القرآن علمٌ؟! قال ابن القيِّم: وقال لي بعض أئمة هؤلاء: إنما نسمع الحديثَ لأجل البركة، لا لنستفيدَ منه العلم؛ لأنَّ غيرنا قد كفانا هذه المؤونةَ؛ فعمدتُنا على ما فهموه وقرَّروه. ولا شكَّ أنَّ من كان هذا مبلغه من العلم فهو كما قال القائلُ: نَزلوا بمكةَ في قبائلِ هاشمٍ … ونزلْتُ بالبَطْحاءِ أبْعدَ منْزِلِ (١)

стр. 161

قال: وقال لي شيخُنا مرَّةً في وصف هؤلاء: إنهم طافوا على أرباب المذاهب ففازوا بأخسِّ المطالب، ويكفيك دليلًا على أن هذا الذي عندهم ليس من عند الله ما ترى فيه من التناقض والاختلاف ومصادمة بعضه لبعض، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، وهذا يدُلُّ على أن ما كان من عنده سبحانه لا يختلفُ، وأنَّ ما اختلف وتناقض فليس من عنده. وكيف تكونُ الآراءُ والخيالاتُ وسوانحُ الأفكار دينًا يُدانُ به ويُحكَم به على الله ورسوله؟! سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ! وقد كان علمُ الصحابة الذي يتذاكرون فيه غيرَ علومِ هؤلاء المختلفين الخرَّاصين؛ كما حكى الحاكمُ في ترجمة أبي عبد الله البخاري؛ قال: كان أصحابُ رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا إنما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيِّهم، ليس بينهم رأيٌ ولا قياسٌ. ولقد أحسن القائلُ (١): العِلْمُ قال الله قال رسولُهُ … قال الصَّحابةُ ليْسَ بالتَّمويهِ ما العِلْمُ نَصْبَكَ للخِلافِ سَفاهةً … بَين الرَّسولِ وبَيْنَ رأي فَقيهِ كلَّا ولا جَحْدَ الصِّفاتِ ونَفْيَها … حَذرًا مِنَ التَّمْثيلِ والتَّشْبيهِ

стр. 162

فصل وأما الإيمان فأكثر الناس -أو كلُّهم- يَدَّعونه، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]. وأكثرُ المؤمنين إنما عندهم إيمانٌ مجملٌ، وأما الإيمانُ المفصلُ بما جاء به الرسولُ ﷺ معرفةً وعلمًا وإقرارًا ومحبةً ومعرفةً بضدِّه وكراهيته وبُغْضِهِ؛ فهذا إيمانُ خواصِّ الأمة وخاصَّةِ الرسول، وهو إيمانُ الصِّدِّيقِ وحزبِهِ. وكثيرٌ من الناس حظُّهم من الإيمان الإقرارُ بوجود الصانع، وأنَّه وحده هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وهذا لم يكن يُنكرِه عُبَّادُ الأصنام من قُريش ونحوهم! وآخرون الإيمانُ عندهم هو التكلُّمُ بالشهادتين، سواءٌ كان معه عملٌ أو لم يكن، وسواءٌ وافقَ تصديقَ القلب أو خالفه! وآخرون عندهم الإيمانُ مجرَّدُ تصديق القلب بأن الله سبحانه خالقُ السماوات والأرض وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وإنْ لم يُقِرَّ بلسانه ولم يَعملْ شيئًا، بل ولو سَبَّ اللهَ ورسولَه وأتى بكلِّ عظيمةٍ وهو يعتقد وحدانية الله ونبوة رسوله؛ فهو مؤمنٌ! وآخرون عندهم الإيمانُ هو جحدُ صفات الربِّ تعالى من علوِّه على عرشه، وتكلُّمِه بكلماته وكُتُبهِ، وسمعِهِ وبصرِهِ ومشيئتِهِ وقدرتِهِ وإرادتِهِ وحُبِّهِ وبُغضِهِ، وغيرِ ذلك مما وصفَ به نفسَه ووصفه به رسولُه؛ فالإيمانُ عندهم إنكارُ حقائقِ ذلك كلِّه وجَحْدهُ والوقوفُ مع ما تقتضيه آراءُ المتهوِّكين وأفكارُ المخرِّصين، الذي يرُدُّ بعضهم على بعض ويَنقُض

стр. 163

بعضُهم قول بعض، الذين هم كما قال عمرُ بن الخطاب والإمام أحمدُ: مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متَّفقون على مفارقةِ الكتاب. وآخرون عندهم الإيمانُ عبادةُ الله بحُكْمِ أذواقِهم ومواجيدِهم وما تهواه نفوسهم من غير تقييد بما جاء به الرسولُ. وآخرون الإيمان عندهم ما وجدوا عليه آباءهم وأسلافهم بحكم الاتفاق كائنًا ما كان، بل إيمانهم مبنيٌّ على مقدِّمتين: إحداهما: أن هذا قولُ أسلافنا وآبائنا. والثانية: أن ما قالوه فهو الحقُّ. وآخرون عندهم الإيمان مكارمُ الأخلاق وحسنُ المعاملة وطلاقةُ الوجه وإحسانُ الظنِّ بكل أحدٍ وتخليةُ الناسِ وغفلاتِهم. وآخرون عندهم الإيمان التجرُّدُ من الدُّنيا وعلائقها وتفريغ القلب منها والزُّهد فيها؛ فإذا رأوا رجلًا هكذا جعلوه من سادات أهل الإيمان، وإن كان منسلخًا من الإيمان علمًا وعملًا. وأعلى من هؤلاء من جعل الإيمانَ هو مجرد العلم وإن لم يُقارِنْه عملٌ. وكلُّ هؤلاء لم يَعرِفوا حقيقةَ الإيمان ولا قاموا به ولا قام بهم. وهم أنواعٌ: منهم من جعل الإيمانَ ما يضادُّ الإيمانَ، ومنهم من جعل الإيمان ما لا يُعتبرُ في الإيمان، ومنهم من جعله ما هو شرطٌ فيه ولا يكفي في حصوله، ومنهم من اشترط في ثبوته ما يُناقِضُه ويُضادُّه، ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه. والإيمان وراء ذلك كلِّه.

стр. 164

وهو حقيقةٌ مركبةٌ من: معرفة ما جاء به الرسولُ ﷺ علمًا، والتصديق به عقدًا، والإقرار به نُطقًا، والانقياد له محبَّةً وخضوعًا، والعمل به باطنًا وظاهرًا، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان. وكماله في: الحبِّ في الله، والبُغْضِ في الله، والعطاءِ لله، والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهَهُ ومعبوده. والطريق إليه: تجريدُ متابعة رسولهِ ظاهرًا وباطنًا، وتغميضُ عين القلبِ عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله. وبالله التوفيق. من اشتغل بالله عن نفسه كفاهُ الله مؤونَة نفسِه، ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونةَ الناس، ومن اشتغل بنفسه عن الله وَكَلهُ الله إلى نفسه، ومن اشتغل بالناس عن الله وَكَلهُ الله إليهم. فائدة جليلة إنما يَجِدُ المشقةَ في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله، فأما من تركَها صادقًا مخلصًا من قلبه لله؛ فإنه لا يجد في تركها مشقةً إلّا في أول وهلة، ليُمْتحن أصادقٌ هو في تركها أم كاذبٌ؟ فإن صبرَ على تلك المشقة قليلًا استحالتْ لذَّةً. قال ابن سيرين: سمعتُ شُريحًا يَحلِفُ بالله ما تركَ عبدٌ لله شيئًا فوجدَ فَقْدَه. وقولهم: "من ترك لله شيئًا عوَّضَه الله خيرًا منه" (١) حقٌّ، والعوضُ

стр. 165

أنواعٌ مختلفة، وأجلُّ ما يعوّضُ به: الأنسُ بالله، ومحبته، وطمأنينةُ القلب به، وقوَّتُه، ونشاطُه، وفرحُه، ورضاهُ عن ربِّه تعالى. • أغبى الناس مَن ضَلَّ في آخر سفره وقد قاربَ المنزلَ. • العقولُ المؤيَّدةُ بالتوفيق تَرى أنَّ ما جاء به الرسولُ ﷺ هو الحقُّ الموافقُ للعقل والحكمة، والعقولُ المضروبة بالخِذْلانِ ترى المعارضة بين العقل والنقل وبين الحكمة والشرع. • أقربُ الوسائل إلى الله ملازمةُ السُّنَّة والوقوفُ معها في الظاهر والباطن، ودوامُ الافتقار إلى الله، وإرادةُ وجهه وحده بالأقوال والأفعال. وما وصلَ أحدٌ إلى الله إلَّا من هذه الثلاثة، وما انقطع عنه أحدٌ إلّا بانقطاعه عنها أو عن أحدها. • الأصولُ التي انبنَى عليها سعادةُ العبد ثلاثةٌ، ولكل واحد منها ضدٌّ؛ فمن فقدَ ذلك الأصلَ حصلَ على ضدِّه: التوحيدُ وضدُّه الشركُ، والسنة وضدُّها البدعة، والطاعة وضدُّها المعصيةُ. ولهذه الثلاثة ضدٌّ واحدٌ، وهو: خُلوُّ القلب من الرغبة في الله وفيما عنده ومن الرهبة منه وممَّا عنده. قاعدة جليلة قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام: ٥٥]. وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية [النساء: ١١٥]. والله تعالى قد بيَّن في كتابه سبيلَ المؤمنين مفصلةً وسبيلَ المجرمين

стр. 166

مفصلةً، وعاقبة هؤلاء مفصلة وعاقبة هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، وأولياء هؤلاء وأولياء هؤلاء، وخذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفَّق بها هؤلاء والأسباب التي خَذَل بها هؤلاء، وجلَّى سبحانه الأمرين في كتابه وكشَفَهما وأوضحَهما وبينهما غاية البيان، حتى شاهدتْهما البصائرُ كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام. فالعالمون بالله وكتابه ودينه عَرفوا سبيلَ المؤمنين معرفةً تفصيليةً وسبيلَ المجرمين معرفةً تفصيليةً، فاستبانتْ لهم السبيلانِ كما يستبين للسالك الطريقُ الموصلُ إلى مقصوده والطريقُ الموصلُ إلى الهلكة؛ فهؤلاء أعلم الخلق، وأنفعهم للناس، وأنصحهم لهم، وهم الأَدِلَّاءُ الهداةُ. وبذلك برَّزَ الصحابةُ على جميع من أتى بعدهم إلى يوم القيامة؛ فإنهم نشؤوا في سبيل الضلال والكفر والشرك والسُّبُل الموصلة إلى الهلاك، وعرفوها مفصلة، ثم جاءهم الرسولُ، فأخرجهم من تلك الظُّلُمات إلى سبيل الهُدى وصراط الله المستقيم، فخرجوا من الظُّلمة الشديدة إلى النور التامِّ، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغيِّ إلى الرشاد، ومن الظُّلْم إلى العدل، ومن الحيرة والعمى إلى الهُدى والبصائر، فعرفوا مقدارَ ما نالوه وظفروا به ومقدارَ ما كانوا فيه؛ فإنَّ الضِّدَّ يُظهِرُ حُسْنَه الضِّدُّ، وإنما تتبينُ الأشياءُ بأضدادها، فازدادوا رغبةً ومحبة فيما انتقلوا إليه، ونفرةً وبُغضًا لما انتقلوا عنه، وكانوا أحبَّ الناس في التوحيد والإيمان والإسلام، وأبغضَ الناس في ضدِّه، عالمين بالسبيل على التفصيل. وأما من جاء بعد الصحابة؛ فمنهم من نشأ في الإسلام غيرَ عالمٍ تفصيلَ ضدِّه، فالتبس عليه بعضُ تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل

стр. 167

المجرمين؛ فإنَّ اللَّبس إنما يقع إذا ضَعُفَ العلم بالسبيلين أو أحدهما؛ كما قال عمر بن الخطَّاب: إنما تُنْقَضُ عُرى الإسلام عُروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهليةَ. وهذا من كمال علم عمر ﵁؛ فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها، وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول ﷺ ؛ فإنه من الجاهلية؛ فإنها منسوبة إلى الجهل، وكلُّ ما خالف الرسول فهو من الجهل؛ فمن لم يعرِفْ سبيلَ المجرمين ولم تستبن له؛ أوشك أن يظنَّ في بعض سبيلهم أنَّها من سبيل المؤمنين؛ كما وقع في هذه الأمة من أمورٍ كثيرةٍ في باب الاعتقاد والعلم والعمل، هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل، أدخلَها من لم يَعرِفْ أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها، وكفَّر من خالفها، واستحلَّ منه ما حرمه الله ورسوله؛ كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم، ممَّن ابتدع بدعةً ودعا إليها وكفَّر من خالفها. والناس في هذا الموضع أربعُ فرقٍ: الأولى: من استبانَ له سبيلُ المؤمنين وسبيلُ المجرمين على التفصيل علمًا وعملًا، وهؤلاء أعلمُ الخلق. الفرقةُ الثانيةُ: من عَمِيَتْ عنه السبيلانِ من أشباه الأنعام، وهؤلاء بسبيل المجرمين أخصُّ ولها أسلَكُ. الفرقةُ الثالثة: من صَرَفَ عنايتَه إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدِّها؛ فهو يَعرِف ضدَّها من حيثُ الجملة والمخالفة، وأن كلَّ ما خالف سبيل المؤمنين فهو باطلٌ، وإن لم يتصوَّرْه على التفصيل، بل إذا سمع شيئًا مما يخالف سبيلَ المؤمنين صَرَفَ سمعَه عنه، ولم يَشْغَلْ نفسَه بفهمه ومعرفةِ وجهِ بطلانه.

стр. 168

وهو بمنزلة من سَلِمَتْ نفسُه من إرادة الشهوات فلم تَخْطُر بقلبه ولم تَدْعُه إليها نفسه؛ بخلاف الفرقة الأولى؛ فإنهم يعرفونها وتميلُ إليها نفوسهم ويجاهدونها على تركها لله. وقد كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسألة: أيُّهما أفضلُ: رجلٌ لم تَخْطُرْ له الشهواتُ ولم تَمُرَّ بباله، أو رجلٌ نازعتْهُ إليها نفسُه فتركها لله؟ فكتب عمرُ: إنَّ الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله من ﴿الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات: ٣] (١). وهكذا من عَرف البدعَ والشرك والباطل وطُرُقَهُ؛ فأبغضَها لله، وحَذِرَها، وحَذَّر منها، ودفعها عن نفسه، ولم يَدَعْها تَخْدِشُ وجهَ إيمانه ولا تُورِثُهُ شبهةً ولا شكًّا، بل يزدادُ بمعرفتها بصيرةً في الحقِّ ومحبةً له، وكراهةً لها ونفرةً عنها: أفضلُ ممَّن لا تخطُرُ بباله ولا تَمُرُّ بقلبه؛ فإنَّه كلما مرت بقلبه وتصوَّرتْ له ازداد محبةً للحقِّ ومعرفة بقدره وسُرورًا به، فيَقْوَى إيمانُهُ به؛ كما أن صاحب خواطر الشَّهواتِ والمعاصي كلَّما مرَّت به فرغب عنها إلى ضدِّها؛ ازداد محبَّةً لضدِّها ورغبةً فيه وطلبًا له وحرصًا عليه؛ فما ابتلى الله سبحانه عبدَهُ المؤمنَ بمحبة الشهوات والمعاصي وميلِ نفسِه إليها؛ إلا ليَسُوقَه بها إلى محبَّهِ ما هو أفضلُ منها وخيرٌ له وأنفعُ وأدومُ، وليُجاهِدَ نفسَه على تركها له سبحانه، فتُورِثُه تلك المجاهدةُ الوصولَ إلى المحبوب الأعلى؛ فكلما نازعتْه نفسُه إلى تلك الشهوات واشتدَّت إرادتُه لها وشوقُه إليها؛ صَرَفَ ذلك الشوقَ والإرادة والمحبة إلى النوع العالي الدائم، فكان طلبُه له أشدَّ،

стр. 169

وحرصُه عليه أتمَّ؛ بخلاف النفس الباردة الخالية من ذلك؛ فإنها وإن كانت طالبةً للأعلى، لكن بين الطلبين فرقٌ عظيم! ألا ترى أن من مشى (١) إلى محبوبه على الجمر والشوك أعظمُ ممَّن مشى (٢) إليه راكبًا على النجائب؟ فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها إلى غيره؛ فهو سبحانه يبتلي عبده بالشَّهوات؛ إمَّا حجابًا له عنه، أو حاجبًا له يُوصِلُه إلى رضاهُ وقُربِه وكرامتِهِ. الفرقة الرابعة: فرقةٌ عرفتْ سبيلَ الشرِّ والبدع والكفر مفضَّلةً، وسبيلَ المؤمنين مجملةً. وهذا حالُ كثيرٍ ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع، فعرفها على التفصيل، ولم يَعرِفْ ما جاء به الرسول كذلك، بل عرفهُ معرفةً مجملةً، وإن تفصَّلتْ له في بعض الأشياء، ومن تأمَّل كُتبهم رأى ذلك عيانًا. وكذلك من كان عارفًا بطرق الشر والظُّلم والفساد على التفصيل سالكًا لها، إذا تاب ورجع عنها إلى سبيل الأبرار؛ يكونُ علمه بها مجملًا، غير عارفٍ بها على التفصيل معرفةَ من أفنى عُمُرَهُ في تصرُّفها وسلوكها. والمقصودُ أنَّ الله سبحانه يُحِبُّ أن تُعرَفَ سبيلُ أعدائه لتُجتنَب وتُبْغَض كما يُحِبُّ أن تُعرَف سبيلُ أوليائه لتُحَبَّ وتُسلَكَ. وفي هذه المعرفة من الفوائد والأسرار ما لا يعلمه إلا الله؛ من معرفة

стр. 170

عمومِ ربوبيَّته سبحانه وحكمته، وكمال أسمائه وصفاته، وتعلُّقها بمتعلَّقاتها، واقتضائها لآثارها وموجباتها. وذلك من أعظم الدِّلالة على ربوبيَّتِهِ ومُلكِهِ وإلهيَّتِهِ، وحُبِّهِ وبُغْضِهِ، وثوابِهِ وعقابِهِ. والله أعلم. • أربابُ الحوائج على باب الملك يسألون قضاءَ حوائجهم، وأولياؤُهُ المحبُّون له الذين هو همُّهم ومُرادُهم جُلساؤُهُ وخواصُّه؛ فإذا أراد قضاءَ حاجة واحدٍ من أولئك؛ أذِنَ لبعض جلسائه وخاصَّتِهِ أن يشفع فيه رحمةً له وكرامةً للشافع، وسائرُ الناس مطرودون عن الباب مضروبون بسياط البُعْدِ. فصل عشرةُ أشياء ضائعةٌ لا يُنتفع بها: علمٌ لا يُعمَل به، وعملٌ لا إخلاصَ فيه ولا اقتداء، ومالٌ لا يُنْفَقُ منه فلا يَستمتِعُ به جامعُه في الدُّنيا ولا يُقدِّمُه أمامَه إلى الآخرة، وقلبٌ فارغٌ من محبة الله والشوق إليه والأنس به، وبدنٌ معطَّلٌ من طاعته وخدمته، ومحبةٌ لا تتقيَّدُ برِضىَ المحبوب وامتثال أوامره، ووقتٌ معطَلٌ عن استدراك فارطٍ أو اغتنام برٍّ وقُربةٍ، وفكرٌ يجولُ فيما لا ينفعُ، وخدمةُ من لا تُقرِّبُك خدمتُه إلى الله ولا تعودُ عليك بصلاح دُنياك، وخوفُك ورجاؤُك لمن ناصيته بيد الله وهو أسيرٌ في قبضته ولا يَملِك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. وأعظمُ هذه الإضاعات إضاعتان هُما أصلُ كلِّ إضاعةٍ: إضاعةُ القلب وإضاعةُ الوقت؛ فإضاعة القلب من إيثار الدُّنيا على الآخرة، وإضاعةُ الوقت من طول الأمل.

стр. 171

فاجتمع الفسادُ كلُّه في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاحُ كلُّه في اتِّباع الهدى والاستعداد للِّقاء. والله المستعانُ. • العجب ممن تَعرِضُ له حاجةٌ، فيَصْرِفُ رغبتَه وهمتَه فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يَتصدَّى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه من داء الشهوات والشبهات! ولكن إذا مات القلبُ لم يَشْعُرْ بمعصيته! فصل لله سبحانه على عبده أمرٌ أمرَهُ به وقضاءٌ يقضيه عليه ونعمةٌ يُنْعِمُ بها عليه؛ فلا ينفكُّ من هذه الثلاثة، والقضاءُ نوعان: إمَّا مصائبُ وإما معايبُ، وله عليه عبوديةٌ في هذه المراتب كلِّها. فأحبُّ الخلق إليه: من عرفَ عبوديتَهُ في هذه المراتب ووفَّاها حقَّها؛ فهذا أقربُ الخلق إليه. وأبعدُهم منه: من جَهِلَ عبوديتَهُ في هذه المراتب فعطَّلها علمًا وعملًا. فعبوديتُهُ في الأمر: امتثالُه إخلاصًا واقتداءً برسول الله ﷺ . وفي النهي: اجتنابُهُ خوفًا منه وإجلالًا ومحبَّةً. وعبوديتُهُ في قضاء المصايب: الصبرُ عليها، ثم الرِّضَى بها وهو أعلى منه، ثم الشكر عليها وهو أعلى من الرِّضى. وهذا إنما يتأتَّى منه إذا تمكن حبُّهُ من قلبه وعلم حُسْنَ اختياره له وبرَّه به ولطفَه به وإحسانه إليه بالمصيبة وإن كره المصيبة.

стр. 172

وعبوديته في قضاء المعايب: المبادرة إلى التوبة منها والتنصُّل والوقوف في مقام الاعتذار والانكسار، عالمًا بأنه لا يرفعُها عنه إلا هو، ولا يَقِيه شرَّها سواه، وأنها إن استمرَّت أبعدتْه من قربه وطَردتْه من بابه، فيراها من الضُّرِّ الذي لا يكشفه غيره، حتى إنه ليراها أعظم من ضر البدن؛ فهو عائذٌ برضاه من سخطه، وبعفوه من عقوبته، وبه منه، مستجيرٌ به منه، وملتجئٌ منه إليه، يعلم أنه إذا تخلى عنه وخلَّى بينه وبين نفسه فعنده أمثالُها وشرٌّ منها، وأنه لا سبيلَ له إلى الإقلاع والتوبة إلَّا بتوفيقه وإعانته، وأن ذلك بيده سبحانه لا بيد العبد؛ فهو أعجز وأضعف وأقل من أن يوفق نفسه أو يأتي بمرضاة سيده بدون إذنه ومشيئته وإعانته؛ فهو ملتجئٌ إليه، متضرِّعٌ، ذليلٌ، مسكين، مُلْقٍ نفسَه بين يديه، طريحٌ ببابه، مستخذٍ له، أذلُّ شيءٍ وأكسره له، وأفقره وأحوجه إليه، وأرغبُهُ فيه، وأحبه له، بدنه متصرفٌ في أشغاله، وقلبه ساجدٌ بين يديه، يعلم يقينًا أنه لا خير فيه ولا له ولا به ولا منه، وأن الخير كله لله وفي يديه وبه ومنه؛ فهو وليُّ نعمته، ومبتدئه بها من غير استحقاق، ومُجرِيها عليه مع تمقُّته إليه بإعراضه وغفلته ومعصيته؛ فحظُّه سبحانه الحمد والشكر والثناء، وحظُّ العبد الذمُّ والنقصُ والعيب، قد استأثر بالمحاميد والمدح والثناء، وولي العبدُ الملامةَ والنقائص والعيوب؛ فالحمدُ كلُّه له، والخير كلُّه في يديه، والفضلُ كلُّه له، والثناءُ كلُّه له، والمنةُ كلُّها له؛ فمنه الإحسانُ ومن العبد الإساءةُ، ومنه التودُّدُ إلى العبد بنعمه ومن العبد التبغُّضُ إليه بمعاصيه، ومنه النُّصح لعبده ومن العبد الغشُّ له في معاملته. وأمَّا عبودية النِّعم فمعرفتها والاعتراف بها أولًا، ثم العياذُ به أن يقع في قلبه نسبتُها وإضافتُها إلى سواه وإن كان سببًا من الأسباب؛ فهو مسبّبه

стр. 173

ومقيمه؛ فالنعمة منه وحده بكلِّ وجه واعتبار، ثم الثناء بها عليه ومحبتُه عليها وشكره بأن يستعملها في طاعته. ومن لطائف التعبُّد بالنعم أن يَستكثِرَ قليلَها عليه، ويَستقِلَّ كثيرَ شكره عليها، ويعلم أنها وصلت إليه من سيده من غير ثمن بذله فيها، ولا وسيلةٍ منه توسَّل بها إليه، ولا استحقاقٍ منه لها، وأنها لله في الحقيقة لا للعبد، فلا تزيدُهُ النعم إلا انكسارًا وذلًّا وتواضعًا ومحبةً للمنعم. وكلَّما جدَّد له نعمةً أحدثَ لها عبوديةً ومحبةً وخضوعًا وذلًّا، وكلما أحدثَ له قبضًا أحدثَ له رضىً، وكلما أحدثَ ذنبًا أحدثَ له توبةً وانكسارًا واعتذارًا، فهذا هو العبد الكيِّسُ، والعاجزُ بمعزلٍ عن ذلك. وبالله التوفيقُ. فصل من ترك الاختيارَ والتدبيرَ في رجاء زيادة أو خوف نقصان أو طلب صحةٍ أو فرارٍ من سقم، وعلمَ أنَّ الله على كل شيء قديرٌ، وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير، وأنَّ تدبيره لعبده خيرٌ من تدبير العبد لنفسه، وأنه أعلم بمصلحته من العبد، وأقدر على جلبها وتحصيلها منه، وأنصح للعبد منه لنفسه، وأرحم به منه بنفسه، وأبرُّ به منه بنفسه، وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة واحدة ولا يتأخَّر عن تدبيره له خطوةً واحدةً؛ فلا متقدمَ له بين يدي قضائه وقدره ولا متأخر؛ فألقى نفسه بين يديه، وسلَّم الأمرَ كلَّه إليه، وانطرحَ بين يديه انطراحَ عبدٍ مملوك ضعيف بين يدي ملك عزيز قاهر، له التصرف في عبده بكل ما يشاء، وليس للعبد التصرفُ فيه بوجه من الوجوه، فاستراح حينئذٍ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات، وحملَ كَلَّه وحوائجَه ومصالحه

стр. 174

من لا يبالي بحملها ولا تُثقِله ولا يَكترِثُ بها، فتولَّاها دونه، وأراه لطفَه وبِرَّهُ ورحمته وإحسانه فيها؛ من غير تعب من العبد ولا نَصَبٍ ولا اهتمام منه؛ لأنَّه قد صرف اهتمامه كله إليه، وجعله وحده همه، فصرف عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه، وفرَّغ قلبه منها؛ فما أطيبَ عيشَه! وما أنعمَ قلبَه وأعظمَ سرورَه وفرحَه!. وإن أبى إلا تدبيرَه لنفسه، واختيارَه لها، واهتمامَه بحظِّه، دون حقِّ ربه؛ خلَّاه وما اختاره، وولَّاه ما تولى، فحضره الهمُّ والغمُّ والحزن والنكَدُ والخوف والتعب وكسفُ البال وسوءُ الحال؛ فلا قلبَ يصفو، ولا عملَ يزكو، ولا أملَ يحصل، ولا راحةَ يفوزُ بها، ولا لذةَ يتهنَّأُ بها، بل قد حِيْلَ بينه وبين مسرَّته وفرحه وقرَّة عينه؛ فهو يَكدَحُ في الدنيا كَدْحَ الوحشِ، ولا يظفر منها بأمل، ولا يَتزوَّدُ منها لمعادٍ. والله سبحانه قد أمر العبد بأمر، وضَمِنَ له ضمانًا؛ فإن قام بأمره بالنُّصح والصدق والإخلاص والاجتهاد؛ قام الله سبحانه له بما ضمنه له من الرزق والكفاية والنصر وقضاء الحوائج؛ فإنه سبحانه ضَمِنَ الرزقَ لمن عبده، والنصرَ لمن توكل عليه واستنصر به، والكفايةَ لمن كان هو همَّه ومرادَه، والمغفرةَ لمن استغفرهُ، وقضاءَ الحوائج لمن صدقه في طلبها ووَثِقَ به وقوي رجاؤهُ وطمعُه في فضله وجودِهِ؛ فالفَطِنُ الكيِّسُ إنما يَهتمُّ بأمره وإقامته وتوفيقه لا بضمانه؛ فإنه الوفيُّ الصادقُ، ومن أوفى بعهده من الله؟! فمن علامات السعادة صرفُ اهتمامه إلى أمر الله دون ضمانه، ومن علامات الحرمان فراغُ قلبه من الاهتمام بأمره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه. والله المستعانُ.

стр. 175

قال بشر بن الحارث: أهل الآخرة ثلاثةٌ: عابدٌ وزاهدٌ وصديقٌ؛ فالعابدُ يعبد الله مع العلائق، والزاهد يعبده على ترك العلائق، والصديق يعبده على الرضى والموافقة: إن أراه أَخْذَ الدُّنيا أخذَها، وإن أراه تَرْكَها تَرَكها. إذا كان الله ورسوله ﷺ في جانب؛ فاحذَرْ أن تكون من الجانب الآخر؛ فإن ذلك يُفضِي إلى المشاقَّة والمحادَّة، وهذا أصلها، ومنه اشتقاقها؛ فإن المشاقة أن يكون في شقٍّ ومن يخالفه في شقٍّ، والمحادَّة أن يكون في حدٍّ وهو في حدٍّ. ولا تَستسهِلْ هذا؛ فإن مبادئه تَجُرُّ إلى غايته، وقليلُه يدعو إلى كثيره! وكن في الجانب الذي فيه الله ورسوله ﷺ ، وإن كان الناسُ كلُّهم في الجانب الآخر؛ فإن لذلك عواقبَ هي أحمدُ العواقبِ وأفضلُها، وليس للعبد أنفع من ذلك في دنياه قبل آخرته. وأكثر الخلق إنما يكونون من الجانب الآخر، ولا سيما إذا قَويت الرغبةُ والرهبة؛ فهناك لا تكاد تجد أحدًا في الجانب الذي فيه الله ورسوله، بل يَعدُّه الناس ناقصَ العقل سيئَ الاختيار لنفسه، وربما نسبوه إلى الجنون، وذلك من مواريث أعداء الرُّسل؛ فإنهم نسبوهم إلى الجنون لما كانوا في شقٍّ وجانبٍ والناسُ في شقٍّ وجانب آخر. ولكن من وطَّن نفسَه على ذلك؛ فإنه يحتاج إلى علم راسخ بما جاء به الرسول يكون يقينًا له لا ريبَ عنده فيه، وإلى صبر تام على معاداة من عاداه ولومةِ من لامه، ولا يَتِمُّ له ذلك إلا برغبةٍ قوية في الله والدار الآخرة؛ بحيث تكون الآخرة أحبَّ إليه من الدنيا وآثرَ عنده منها، ويكون الله ورسوله ﷺ أحبَّ إليه مما سواهُما.

стр. 176

وليس شيءٌ أصعب على الإنسان من ذلك في مبادئ الأمر؛ فإنَّ نفسه وهواهُ وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشريه من ذلك الجانب يدعونه إلى العاجل؛ فإذا خالفهم تَصدَّوا لحربه؛ فإن صبر وثبت جاءه العونُ من الله، وصار ذلك الصعب سهلًا، وذلك الألم لذَّةً؛ فإن الرب شكورٌ؛ فلا بدَّ أن يُذِيقَه لذَّةَ تحيُّزِه إلى الله وإلى رسوله ويُرِيَه كرامةَ ذلك؛ فيشتدَّ به سرورُه وغبطتُهُ، ويبتهج به قلبه، ويظفر بقوَّته وفرحه وسروره، ويبقَى من كان محاربًا له على ذلك بين هائبٍ له ومسالمٍ له ومساعدٍ وتارك، ويَقوَى جندهُ، ويضعُف جندُ العدوِّ. ولا تَستصعِبْ مخالفةَ الناس والتحيُّز إلى الله ورسوله ولو كنتَ وحدك؛ فإن الله معك، وأنت بعينه وكَلاءتِه وحفظِه لك، وإنما امتحن يقينَك وصبَرك. وأعظم الأعوان لك على هذا بعد عون الله التجردُ من الطمع والفزع؛ فمتى تجرَّدتَ منهما هان عليك التحيُّزُ إلى الله ورسوله، وكنتَ دائمًا في الجانب الذي فيه الله ورسوله، ومتى قام بك الطمع والفزعُ فلا تَطمَعْ في هذا الأمر، ولا تُحدِّثْ نفسَك به. فإن قلتَ: فبأيِّ شيءٍ أستعينُ على التجرُّد من الطمع ومن الفزع؟ قلتُ: بالتوحيد، والتوكُّل، والثقة بالله، وعلْمِك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلَّا هو، وأنَّ الأمر كلَّه لله ليس لأحد مع الله شيءٌ. نصيحة هلمَّ إلى الدُّخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصبٍ ولا تعبٍ ولا عناءٍ، بل من أقرب الطُّرُقِ وأسهلها!

стр. 177

وذلك أنَّك في وقتٍ بين وقتين، وهو في الحقيقة عمُرُكَ، وهو وقتُك الحاضرُ بين ما مَضَى وما يُستقبَلُ: فالذي مضى تُصلِحه بالتوبة والنَّدم والاستغفار، وذلك شيءٌ لا تعبَ عليك فيه ولا نصبَ ولا معاناةَ عملٍ شاق، إنما هو عملُ قلبٍ. وتمتنع فيما يُستَقبل من الذُّنوب، وامتناعُك تركٌ وراحةٌ، ليس هو عملًا بالجوارح يَشُقُّ عليك معاناتُه، وإنما هو عزمٌ ونيَّةٌ جازمةٌ تُريحُ بدنَك وقلبَك وسرَّك. ف ما مضى تُصلِحُهُ بالتوبة، وما يُستقبل تُصلِحُه بالامتناع والعزم والنية، وليس للجوارح في هذين نصبٌ ولا تعبٌ، ولكن الشأن في عمرك، وهو وقتك الذي بين الوقتين؛ فإن أضعتَه أضعتَ سعادتَك ونجاتك، وإن حفظتَه مع إصلاح الوقتين اللَّذين قبله وبعده بما ذُكِرَ نجوتَ وفُزتَ بالراحة واللَّذَّةِ والنعيم، وحفظُهُ أشقُّ من إصلاح ما قبله وما بعده؛ فإن حفظه أن تُلزِمَ نفسَك بما هو أولى بها وأنفعُ لها وأعظمُ تحصيلًا لسعادتها، وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوتٍ. فهي والله أيامك الحالية التي تَجمع فيها الزادَ لمعادك؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار: فإن اتَّخذْتَ منها سبيلًا إلى ربك بلغتَ السعادةَ العظمى والفوزَ الأكبر في هذه المدة اليسيرة التي لا نسبة لها إلى الأبد، وإن آثرتَ الشهواتِ والراحات واللهو واللعب انقضتْ عنك بسرعةٍ، وأعقبتْك الألمَ العظيمَ الدائم الذي مُقاساتُهُ ومعاناتُهُ أشقُّ وأصعبُ وأدومُ من معاناة الصبرِ عن محارم الله والصبرِ على طاعته ومخالفةِ الهوى لأجله.

стр. 178

فصل علامة صحة الإرادة: أن يكون همُّ المريد رِضَى ربه، واستعداده للقائه، وحزنه على وقت مرَّ في غير مرضاته، وأسفه على قربه والأنس به. وجماعُ ذلك أن يُصبح ويُمسي وليس له همٌّ غيره. فصل • إذا استغنى الناسُ بالدُّنيا فاستغنِ أنت بالله، وإذا فرحوا بالدُّنيا فافرح أنت بالله، وإذا أَنِسُوا بأحبابهم فاجعلْ أنسَك بالله، وإذا تعرَّفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزَّ والرفعة؛ فتعرَّفْ أنت إلى الله وتودَّدْ إليه؛ تنالُ بذلك غاية العز والرفعة. • قال بعض الزُّهاد: ما علمتُ أن أحدًا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعةٌ لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان. فقال له رجلٌ: إني أُكثِرُ البكاء. فقال: إنك إن تضحك وأنت مُقِرٌّ بخطيئتك خيرٌ من أن تبكي وأنت مُدِلٌّ بعملك؛ إنَّ المُدِلَّ لا يصعد عمله فوق رأسه. فقال: أوصني. فقال: دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها، وكن في الدنيا كالنحلة: إن أكلتْ أكلتْ طيبًا، وإن أطعمتْ أطعمتْ طيبًا، وإن سقطتْ على شيء لم تَكسِرْه ولم تَخدِشْه. فصل الزهد أقسامٌ: زهدٌ في الحرام، وهو فرضُ عين. وزهدٌ في الشبهات، وهو بحسب مراتب الشبهة: فإن قويتْ التحقتْ بالواجب، وإن ضعُفتْ كان مستحبًا. وزهدٌ في الفضول. وزهدٌ فيما لا يَعنِي من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره. وزهدٌ في الناس. وزهدٌ في

стр. 179

النفس بحيث تَهُون عليه نفسُه في الله. وزهدٌ جامعٌ لذلك كله، وهو الزهدُ فيما سوى الله وفي كل ما شَغَلك عنه. وأفضل الزهد إخفاء الزهد. وأصعبه الزهدُ في الحظوظ. والفرق بينه وبين الورع: أن الزهد تركُ ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة. والقلب المعلَّق بالشهوات لا يصح له زهدٌ ولا ورعٌ. قال يحيى بن معاذ: عجبتُ من ثلاث: رجلٌ يُرائي بعمله مخلوقًا مثلَه ويتركُ أن يعمله لله، ورجلٌ يبخلُ بماله وربُّه يَستقرِضه منه فلا يُقرِضه منه شيئًا، ورجلٌ يَرغب في صحبة المخلوقين ومودَّتهم، والله يدعوه إلى صحبته ومودته. فائدة جليلة قال سهل بن عبد الله: ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي؛ لأنَّ آدم نُهِي عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب عليه، وإبليس أُمِر أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يُتَب عليه. قلت: هذه مسألة عظيمةٌ لها شأنٌ، وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي (١)، وذلك من وجوه عديدة: أحدُها: ما ذكره سهلٌ من شأن آدم وعدوِّ الله إبليس.

стр. 180

الثاني: أن ذنب ارتكاب النهي مصدره في الغالب الشهوة والحاجة، وذنبُ ترك الأمر مصدره في الغالب الكِبْرُ والعزَّةُ، و"لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقال ذرة من كبرٍ" (١)، ويدخلها من مات على التوحيد وإن زنى وسرق. (٢) الثالث: أن فعل المأمور أحبُّ إلى الله من ترك المنهي؛ كما دلَّ على ذلك النصوصُ: كقوله ﷺ : "أحبُّ الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها" (٣). وقوله: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من أن تَلْقَوا عدوَّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم"؟. قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "ذكرُ الله" (٤). وقوله: "واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة" (٥). وغير ذلك من النصوص. وترك المناهي عملٌ؛ فإنه كفُّ النفسِ عن الفعل. ولهذا علَّق سبحانه المحبةَ بفعل الأوامر؛ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
следующие страницы →