← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 212

الفوائد لابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (308 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وليس شيءٌ أصعب على الإنسان من ذلك في مبادئ الأمر؛ فإنَّ نفسه وهواهُ وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشريه من ذلك الجانب يدعونه إلى العاجل؛ فإذا خالفهم تَصدَّوا لحربه؛ فإن صبر وثبت جاءه العونُ من الله، وصار ذلك الصعب سهلًا، وذلك الألم لذَّةً؛ فإن الرب شكورٌ؛ فلا بدَّ أن يُذِيقَه لذَّةَ تحيُّزِه إلى الله وإلى رسوله ويُرِيَه كرامةَ ذلك؛ فيشتدَّ به سرورُه وغبطتُهُ، ويبتهج به قلبه، ويظفر بقوَّته وفرحه وسروره، ويبقَى من كان محاربًا له على ذلك بين هائبٍ له ومسالمٍ له ومساعدٍ وتارك، ويَقوَى جندهُ، ويضعُف جندُ العدوِّ. ولا تَستصعِبْ مخالفةَ الناس والتحيُّز إلى الله ورسوله ولو كنتَ وحدك؛ فإن الله معك، وأنت بعينه وكَلاءتِه وحفظِه لك، وإنما امتحن يقينَك وصبَرك. وأعظم الأعوان لك على هذا بعد عون الله التجردُ من الطمع والفزع؛ فمتى تجرَّدتَ منهما هان عليك التحيُّزُ إلى الله ورسوله، وكنتَ دائمًا في الجانب الذي فيه الله ورسوله، ومتى قام بك الطمع والفزعُ فلا تَطمَعْ في هذا الأمر، ولا تُحدِّثْ نفسَك به. فإن قلتَ: فبأيِّ شيءٍ أستعينُ على التجرُّد من الطمع ومن الفزع؟ قلتُ: بالتوحيد، والتوكُّل، والثقة بالله، وعلْمِك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلَّا هو، وأنَّ الأمر كلَّه لله ليس لأحد مع الله شيءٌ. نصيحة هلمَّ إلى الدُّخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصبٍ ولا تعبٍ ولا عناءٍ، بل من أقرب الطُّرُقِ وأسهلها!

стр. 177

وذلك أنَّك في وقتٍ بين وقتين، وهو في الحقيقة عمُرُكَ، وهو وقتُك الحاضرُ بين ما مَضَى وما يُستقبَلُ: فالذي مضى تُصلِحه بالتوبة والنَّدم والاستغفار، وذلك شيءٌ لا تعبَ عليك فيه ولا نصبَ ولا معاناةَ عملٍ شاق، إنما هو عملُ قلبٍ. وتمتنع فيما يُستَقبل من الذُّنوب، وامتناعُك تركٌ وراحةٌ، ليس هو عملًا بالجوارح يَشُقُّ عليك معاناتُه، وإنما هو عزمٌ ونيَّةٌ جازمةٌ تُريحُ بدنَك وقلبَك وسرَّك. ف ما مضى تُصلِحُهُ بالتوبة، وما يُستقبل تُصلِحُه بالامتناع والعزم والنية، وليس للجوارح في هذين نصبٌ ولا تعبٌ، ولكن الشأن في عمرك، وهو وقتك الذي بين الوقتين؛ فإن أضعتَه أضعتَ سعادتَك ونجاتك، وإن حفظتَه مع إصلاح الوقتين اللَّذين قبله وبعده بما ذُكِرَ نجوتَ وفُزتَ بالراحة واللَّذَّةِ والنعيم، وحفظُهُ أشقُّ من إصلاح ما قبله وما بعده؛ فإن حفظه أن تُلزِمَ نفسَك بما هو أولى بها وأنفعُ لها وأعظمُ تحصيلًا لسعادتها، وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوتٍ. فهي والله أيامك الحالية التي تَجمع فيها الزادَ لمعادك؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار: فإن اتَّخذْتَ منها سبيلًا إلى ربك بلغتَ السعادةَ العظمى والفوزَ الأكبر في هذه المدة اليسيرة التي لا نسبة لها إلى الأبد، وإن آثرتَ الشهواتِ والراحات واللهو واللعب انقضتْ عنك بسرعةٍ، وأعقبتْك الألمَ العظيمَ الدائم الذي مُقاساتُهُ ومعاناتُهُ أشقُّ وأصعبُ وأدومُ من معاناة الصبرِ عن محارم الله والصبرِ على طاعته ومخالفةِ الهوى لأجله.

стр. 178

فصل علامة صحة الإرادة: أن يكون همُّ المريد رِضَى ربه، واستعداده للقائه، وحزنه على وقت مرَّ في غير مرضاته، وأسفه على قربه والأنس به. وجماعُ ذلك أن يُصبح ويُمسي وليس له همٌّ غيره. فصل • إذا استغنى الناسُ بالدُّنيا فاستغنِ أنت بالله، وإذا فرحوا بالدُّنيا فافرح أنت بالله، وإذا أَنِسُوا بأحبابهم فاجعلْ أنسَك بالله، وإذا تعرَّفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزَّ والرفعة؛ فتعرَّفْ أنت إلى الله وتودَّدْ إليه؛ تنالُ بذلك غاية العز والرفعة. • قال بعض الزُّهاد: ما علمتُ أن أحدًا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعةٌ لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان. فقال له رجلٌ: إني أُكثِرُ البكاء. فقال: إنك إن تضحك وأنت مُقِرٌّ بخطيئتك خيرٌ من أن تبكي وأنت مُدِلٌّ بعملك؛ إنَّ المُدِلَّ لا يصعد عمله فوق رأسه. فقال: أوصني. فقال: دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها، وكن في الدنيا كالنحلة: إن أكلتْ أكلتْ طيبًا، وإن أطعمتْ أطعمتْ طيبًا، وإن سقطتْ على شيء لم تَكسِرْه ولم تَخدِشْه. فصل الزهد أقسامٌ: زهدٌ في الحرام، وهو فرضُ عين. وزهدٌ في الشبهات، وهو بحسب مراتب الشبهة: فإن قويتْ التحقتْ بالواجب، وإن ضعُفتْ كان مستحبًا. وزهدٌ في الفضول. وزهدٌ فيما لا يَعنِي من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره. وزهدٌ في الناس. وزهدٌ في

стр. 179

النفس بحيث تَهُون عليه نفسُه في الله. وزهدٌ جامعٌ لذلك كله، وهو الزهدُ فيما سوى الله وفي كل ما شَغَلك عنه. وأفضل الزهد إخفاء الزهد. وأصعبه الزهدُ في الحظوظ. والفرق بينه وبين الورع: أن الزهد تركُ ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة. والقلب المعلَّق بالشهوات لا يصح له زهدٌ ولا ورعٌ. قال يحيى بن معاذ: عجبتُ من ثلاث: رجلٌ يُرائي بعمله مخلوقًا مثلَه ويتركُ أن يعمله لله، ورجلٌ يبخلُ بماله وربُّه يَستقرِضه منه فلا يُقرِضه منه شيئًا، ورجلٌ يَرغب في صحبة المخلوقين ومودَّتهم، والله يدعوه إلى صحبته ومودته. فائدة جليلة قال سهل بن عبد الله: ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي؛ لأنَّ آدم نُهِي عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب عليه، وإبليس أُمِر أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يُتَب عليه. قلت: هذه مسألة عظيمةٌ لها شأنٌ، وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي (١)، وذلك من وجوه عديدة: أحدُها: ما ذكره سهلٌ من شأن آدم وعدوِّ الله إبليس.

стр. 180

الثاني: أن ذنب ارتكاب النهي مصدره في الغالب الشهوة والحاجة، وذنبُ ترك الأمر مصدره في الغالب الكِبْرُ والعزَّةُ، و"لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقال ذرة من كبرٍ" (١)، ويدخلها من مات على التوحيد وإن زنى وسرق. (٢) الثالث: أن فعل المأمور أحبُّ إلى الله من ترك المنهي؛ كما دلَّ على ذلك النصوصُ: كقوله ﷺ : "أحبُّ الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها" (٣). وقوله: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من أن تَلْقَوا عدوَّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم"؟. قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "ذكرُ الله" (٤). وقوله: "واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة" (٥). وغير ذلك من النصوص. وترك المناهي عملٌ؛ فإنه كفُّ النفسِ عن الفعل. ولهذا علَّق سبحانه المحبةَ بفعل الأوامر؛ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

стр. 181

الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦]. وأما في جانب المناهي فأكثر ما جاء النفي للمحبة؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٣]، وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦] ونظائره. وأخبر في موضع آخر أنه يكرهها ويسخطها؛ كقوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨]. إذا عُرِفَ هذا؛ ففعلُ ما يحبُّه سبحانه مقصود بالذات، ولهذا يُقدِّرُ ما يكرهه ويَسخَطُه لإفضائه إلى ما يحب؛ كما قدَّر المعاصي والكفر والفسوق لما ترتب على تقديرها مما يحبه من لوازمها؛ من الجهاد، واتخاذ الشهداء، وحصول التوبة من العبد والتضرع إليه والاستكانة، وإظهار عدله وعفوه وانتقامه وعزه، وحصول الموالاة والمعاداة لأجله، وغير ذلك من الآثار التي وجودها بسبب تقديره لما يكره أحبّ إليه من ارتفاعها بارتفاع أسبابها، وهو سبحانه لا يُقدِّر ما يُحِبُّ لإفضائه إلى حصول ما يكرهه ويسخطه كما يقدِّر ما يكرهه لإفضائه إلى ما يحبه، فعُلِمَ أن فعلَ ما يُحِبُّه أحبُّ إليه مما يكرهه. يوضحه الوجه الرابع: أن فعل المأمور مقصود لذاته، وترك المنهيِّ مقصودٌ لتكميل فعل المأمور؛ فهو منهيٌّ عنه لأجل كونه يُخِلُّ بفعل

стр. 182

المأمور أو يُضعِفه وينقصه؛ كما نبَّه سبحانهُ على ذلك في النهي عن الخمر والميسر بكونهما يَصُدَّانِ عن ذكر الله وعن الصلاة؛ فالمنهياتُ قواطعُ وموانعُ صادَّةٌ عن فعل المأمورات أو عن كمالها؛ فالنهي عنها من باب المقصود لغيره، والأمر بالواجبات من باب المقصود لنفسه. ويوضحه الوجه الخامس: أن فعل المأمورات من باب حفظ قوة الإيمان وبقائها، وترك المنهيات من باب الحِمْية عما يُشوِّش قوةَ الإيمان ويُخرِجها عن الاعتدال، وحفظ القوة مقدَّمٌ على الحمية؛ فإن القوة كلما قويتْ دفعت الموادَّ الفاسدة، وإذا ضعفتْ غلبت الموادُّ الفاسدة؛ فالحمية مرادةٌ لغيرها، وهو حفظ القوة وزيادتها وبقاؤها، ولهذا كلما قويتْ قوة الإيمان دفعت الموادَّ الرديئة ومنعتْ من غلبتها وكثرتها بحسب القوة وضعفها، وإذا ضعُفت غَلبتِ الموادُّ الفاسدة. فتأمل هذا الوجه. الوجه السادس: أن فعل المأمورات حياة القلب وغذاؤهُ وزينته وسروره وقُرَّةُ عينه ولذته ونعيمه، وترك المنهيَّات بدون ذلك لا يُحصِّلُ له شيئًا من ذلك؛ فإنه لو ترك جميع المنهيَّات، ولم يَأتِ بالإيمان والأعمال المأمورِ بها لم ينفعه ذلك الترك شيئًا، وكان خالدًا مخلَّدًا في النار. وهذا يتبينُ بالوجه السابع: أن مَن فعلَ المأموراتِ والمنهيَّاتِ؛ فهو: إما ناجٍ إن غلبتْ حسناتُه سيئاتِه، وإما ناجٍ بعد أن يُؤخذَ منه الحقُّ ويُعاقَب على سيئاته؛ فمآلُهُ إلى النجاة، وذلك بفعل المأمور. ومن ترك المأمورات والمنهيَّات فهو هالكٌ غير ناجٍ. ولا ينجو إلا بفعل المأمور، وهو التوحيد.

стр. 183

فإن قيل: فهو إنَّما هلك بارتكاب المحظور، وهو الشركُ. قيل: يكفي في الهلاك تركُ نفسِ التوحيد المأمور به وإن لم يأتِ بضدٍّ وجوديٍّ من الشرك، بل متى خلا قلبُهُ من التوحيد رأسًا؛ فلم يُوحِّد اللهَ فهو هالكٌ، وإن لم يَعبُد معه غيرَه، فإذا انضاف إليه عبادةُ غيره؛ عُذِّبَ على تركِ التوحيد المأمور به وفعلِ الشرك المنهيِّ عنه. يوضِّحه الوجه الثامن: أنَّ المدعوَّ إلى الإيمان إذا قال: لا أُصدِّقُ ولا أكذِّبُ ولا أُحِبُّ ولا أبغضُ ولا أعبده ولا أعبد غيره! كان كافرًا بمجرد الترك والإعراض؛ بخلاف ما إذا قال: أنا أصدِّقُ الرسولَ وأحبُّه وأؤمنُ به وأفعل ما أمرني، ولكنَّ شهوتي وإرادتي وطبعي حاكمةٌ عليَّ لا تَدَعُني أترُكُ ما نهاني عنه، وأنا أعلمُ أنه قد نهاني وكره لي فعل المنهي، ولكن لا صبر لي عنه! فهذا لا يُعَدُّ كافرًا بذلك، ولا حكمُهُ حكمُ الأوَّل؛ فإنَّ هذا مطيعٌ من وجهٍ، وتاركُ المأمور جملةً لا يُعَدُّ مطيعًا بوجهٍ. يوضِّحُه الوجهُ التاسعُ: أن الطاعة والمعصية إنما تتعلق بالأمر أصلًا وبالنهي تبعًا؛ فالمطيعُ ممتثلُ المأمور، والعاصي تاركُ المأمور: قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]. وقال موسى لأخيه: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣]. وقال عمرو بن العاص عند موته: أنا الذي أمرْتَني فعصيتُ، ولكن لا إله إلا أنت (١).

стр. 184

وقال الشاعرُ (١): أمرْتُك أمرًا حازمًا فعصيْتَني والمقصودُ من إرسال الرُّسُل طاعةُ المرسل، ولا تحصلُ إلا بامتثال أوامره، واجتنابُ المناهي من تمام امتثال الأوامر ولوازمه، ولهذا لو اجتنبَ المناهي ولم يفعل ما أُمر به لم يكن مطيعًا وكان عاصيًا؛ بخلاف ما لو أتى بالمأمورات وارتكب المناهي؛ فإنه وإن عُدَّ عاصيًا مذنبًا؛ فإنه مطيعٌ بامتثال الأمر عاصٍ بارتكاب النهي؛ بخلاف تارك الأمر؛ فإنه لا يُعَدُّ مطيعًا باجتناب المنهيَّات خاصةً. الوجه العاشر: أنَّ امتثال الأمر عبوديةٌ وتقرُّبٌ وخدمةٌ، وتلك العبادة التي خُلق لأجلها الخلقُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فأخبر سبحانه أنه إنما خلقهم للعبادة، وكذلك إنما أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبهُ ليعبدوه؛ فالعبادة هي الغايةُ التي خُلِقوا لها، ولم يُخلَقوا لمجرَّد الترك؛ فإنه أمرٌ عدميٌّ لا كمال فيه من حيثُ هو عدمٌ؛ بخلاف امتثال المأمور؛ فإنه أمرٌ وجوديٌّ مطلوبُ الحصول. وهذا يتبيَّنُ بالوجه الحادي عشر: وهو أن المطلوب بالنهي عدم الفعل، وهو أمرٌ عدميٌّ، والمطلوبُ بالأمر إيجادُ فعل، وهو أمرٌ وجوديٌّ، فمتعلقُ الأمر الإيجاد، ومتعلق النهي الإعدام أو العدم، وهو أمرٌ لا كمال فيه؛ إلَّا إذا تضمَّن أمرًا وجوديًّا؛ فإنَّ العدم -من حيثُ هو عدمٌ- لا كمال فيه ولا مصلحةَ؛ إلَّا إذا تضمَّن أمرًا وجوديًّا مطلقًا، وذلك

стр. 185

الأمر الوجوديُّ مطلوبٌ مأمورٌ به، فعادتْ حقيقةُ النهي إلى الأمر، وأنَّ المطلوب به ما في ضمن النهي من الأمر الوجوديِّ المطلوب به. وهذا يتَّضحُ بالوجه الثاني عشر: وهو أنَّ الناس اختلفوا في المطلوب بالنهي على أقوال: أحدُها: أن المطلوب به كفُّ النفس عن الفعل وحبسُها عنه. وهو أمرٌ وجوديٌّ. قالوا: لأن التكليف إنما يتعلقُ بالمقدور، والعدمُ المحضُ غيرُ مقدورٍ. وهذا قولُ الجمهور. وقال أبو هاشم وغيرُهُ: بل المطلوب عدمُ الفعل، ولهذا يحصل المقصود من بقائه على العدم، وإن لم يَخطُرْ بباله الفعلُ، فضلًا أن يقصد الكفَّ عنه، ولو كان المطلوبُ الكفَّ؛ لكان عاصيًا إذا لم يأتِ به، ولأنَّ الناس يمدحون بعدم فعل القبيح من لم يَخْطُر بباله فعلُه والكفُّ عنه. وهذا أحدُ قولي القاضي أبي بكر، ولأجله التزم أنَّ عدم الفعل مقدورٌ للعبد وداخلٌ تحت الكسب؛ قال: والمقصود بالنهي الإبقاء على العدم الأصلي وهو مقدورٌ. وقالتْ طائفةٌ: المطلوب بالنهي فعلُ الضدِّ؛ فإنه هو المقدور وهو المقصودُ للناهي؛ فإنَّه إنما نهاه عن الفاحشة طلبًا للعفة وهي المأمور بها، ونهاه عن الظلم طلبًا للعدل المأمور به، وعن الكذب طلبًا للصدق المأمور به، وهكذا جميع المنهيات. فعند هؤلاء أن حقيقة النهي الطلبُ لضد المنهي عنه، فعاد الأمر إلى أن الطلب إنما تعلق بفعل المأمور. والتحقيق أن المطلوب نوعان: مطلوب لنفسه، وهو المأمور به.

стр. 186

ومطلوبٌ إعدامه لمضادته المأمورَ به، وهو المنهي عنه؛ لما فيه من المفسدة المضادة للمأمور به. فإذا لم يَخطُرْ ببال المكلف، ولا دعتْه نفسُه إليه، بل استمر على العدم الأصلي؛ لم يُثَبْ على تركه. وإن خطر بباله، وكفَّ نفسه عنه لله، وتركه اختيارًا؛ أُثيب على كف نفسه وامتناعه؛ فإنه فعل وجوديٌّ، والثواب إنما يقع على الأمر الوجودي دون العدم المحض. وإن تركه مع عزمه الجازم على فعله، لكن تركه عجزًا؛ فهذا وإن لم يُعاقَب عقوبةَ الفاعل، لكن يُعاقَب على عزمه وإرادته الجازمة التي إنما تخلَّف مرادُها عجزًا. وقد دلت على ذلك النصوص الكثيرة؛ فلا يُلتَفت إلى ما خالفها: كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. وقوله في كاتم الشهادة: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق: ٩]. وقول النبي ﷺ : "إذا تواجهَ المسلمانِ بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟! قال: "إنه أراد قتل صاحبه" (١). وقوله في الحديث الآخر: "ورجل قال: لو أن لي مالًا؛ لعمِلْتُ بعمل فلان؛ فهو بنيته، وهما في الوِزر سواءٌ" (٢).

стр. 187

وقول من قال: "إن المطلوب بالنهي فعل الضِّدِّ" ليس كذلك؛ فإن المقصود عدم الفعل والتلبس بالضِّد (١)؛ فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو غير مقصود بالقصد الأوَّل، وإن كان المقصود بالقصد الأول المأمور الذي نهي عما يمنعه ويضعفه؛ فالمنهي عنه مطلوبٌ إعدامه طلبَ الوسائل والذرائع، والمأمور به مطلوبٌ إيجاده طلبَ المقاصد والغايات. وقولُ أبي هاشم: "إن تارك القبائح يُحمَد وإن لم يخطر بباله كفُّ النفس"، فإن أراد بحمده أن لا يُذَمَّ فصحيحٌ، وإن أراد أن يُثنى عليه بذلك ويُحمَد عليه ويَستحقَّ الثوابَ فغيرُ صحيح؛ فإن الناس لا يَحمدون المجبوب على ترك الزِّنى ولا الأخرس على عدم الغيبة والسبّ، وإنما يَحمدون القادر الممتنع عن قدرةٍ وداعٍ إلى الفعل. وقولُ القاضي: "الإبقاءُ على العدم الأصلي مقدورٌ"، فإن أراد به كفَّ النفس ومنعها فصحيحٌ، وإن أراد مجرَّدَ العدم فليس كذلك. وهذا يتبيَّنُ بالوجه الثالث عشر: وهو أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه من طريق اللُّزوم العقلي لا القصد الطلبي؛ فإن الآمر إنما مقصوده فعل المأمور؛ فإذا كان من لوازمه ترك الضد صار تركه مقصودًا لغيره. وهذا هو الصوابُ في مسألة الأمر بالشي؛ هل هو نهيٌ عن ضدِّه أم لا؟ فهو نهيٌ عنه من جهة اللُّزوم لا من جهة القصد والطلب. وكذلك النهي عن الشي؛ مقصود الناهي بالقصد الأوَّل الانتهاءُ عن المنهي عنه، وكونه

стр. 188

مشتغلًا بضدِّه جاء من جهة اللزوم العقليِّ، لكن إنما نهي عما يضادُّ ما أمر به كما تقدم. فكان المأمور به هو المقصود بالقصد الأول في الموضعين. وحرف المسألة: أن طلب الشيء طلبٌ له بالذَّات ولما هو من ضرورته باللُّزوم، والنهي عن الشيء طلبٌ لتركه بالذات ولفعل ما هو من ضرورة الترك باللُّزوم، والمطلوب في الموضعين فعلٌ وكفٌّ، وكلاهما أمرٌ وجوديٌّ. الوجه الرابع عشر: أنَّ الأمر والنهي في باب الطلب نظير النفي والإثبات في باب الخبر، والمدح والثناءُ لا يحصلان بالنفي المحض إن لم يتضمن ثبوتًا؛ فإن النفي كاسمه عدمٌ لا كمالَ فيه ولا مدحَ، فإذا تضمَّنَ ثبوتًا صحَّ المدحُ به؛ كنفي النسيان المستلزم لكمال العلم وبيانه، ونفي اللُّغوب والإعياء والتعب المستلزم لكمال القوة والقدرة، ونفي السِّنة والنوم المستلزم لكمال الحياة والقيُّومية، ونفي الولد والصاحبة المستلزم لكمال الغنى والملك والرُّبوبية، ونفي الشريك والوليِّ والشفيع بدون الإذن المستلزم لكمال التوحيد والتفرُّد بالكمال والإلهيَّة والملك، ونفي الظلم المتضمِّن لكمال العدل، ونفي إدراك الأبصار له المتضمن لعظمته وأنه أجلُّ من أن يُدرَك وإن رأته الأبصارُ، وإلَّا؛ فليس في كونه لا يُرى مدحٌ بوجهٍ من الوجوه؛ فإن العدم المحض كذلك. وإذا عُرف هذا؛ فالمنهيُّ عنه إن لم يتضمن أمرًا وجوديًّا ثبوتيًّا لم يُمدَح بتركه ولم يُستحقَّ الثواب والثناء بمجرَّد الترك؛ كما لا يستحقُّ المدح والثناء بمجرَّد الوصف العدميِّ. الوجه الخامس عشر: أن الله سبحانه جعل جزاء المأمورات عشرةَ

стр. 189

أمثالِ فعلِها، وجزاءُ المنهيَّات مثلٌ واحدٌ، وهذا يدلُّ على أن فعل ما أمر به أحبُّ إليه من ترك ما نهى عنه، ولو كان الأمرُ بالعكس لكانت السيئةُ بعشرةٍ والحسنةُ بواحدةٍ أو تساويَا. الوجه السادس عشر: أنَّ المنهيَّ عنه المقصودُ إعدامُه وأن لا يدخل في الوجود، سواءٌ نوى ذلك أو لم يَنْوه، وسواءٌ خطر بباله أو لم يخطر؛ فالمقصود أن لا يكون، وأما المأمورُ به فالمقصودُ كونه وإيجادُه والتقرُّبُ به نيةً وفعلًا. وسرُّ المسألة: أنَّ وجود ما طلب إيجادَهُ أحبُّ إليه من عدم ما طلب إعدامهُ، وعدم ما أحبَّه أكره إليه من وجود ما يُبْغِضُهُ؛ فمحبتُه لفعل ما أمر به أعظمُ من كراهته لفعل ما نهى عنه. يوضحُه الوجهُ السابع عشر: أنَّ فعل ما يُحِبُّه والإعانة عليه وجزاءه وما يترتَّبُ عليه من المدح والثناء من رحمته، وفعل ما يكرهه وجزاءه وما يترتَّبُ عليه من الذَّمِّ والألم والعقاب من غضبه، ورحمتُه سابقةٌ على غضبه غالبةٌ له، وكل ما كان من صفةِ الرحمة فهو غالبٌ لما كان من صفة الغضب؛ فإنَّه سبحانه لا يكون إلَّا رحيمًا، ورحمتُهُ من لوازم ذاته؛ كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وإحسانه، فيستحيل أن يكون على خلاف ذلك، وليس كذلك غضبه، فإنه ليس من لوازم ذاته، ولا يكون غضبانَ دائمًا غضبًا لا يُتَصَوَّرُ انفكاكُه، بل يقولُ رُسُلُه وأعلمُ الخلق به يوم القيامة: "إن ربي قد غضبَ اليوم غضبًا لم يَغْضَبْ قبله مثله ولن يغضب بعده مثله" (١)، ورحمته وسعت كلَّ شيءٍ وغضبُهُ لم يسع كلَّ

стр. 190

شيءٍ، وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمةَ ولم يكتُب على نفسه الغضب، ووسع كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا ولم يَسَعْ كلَّ شيءٍ غضبًا وانتقامًا؛ فالرحمةُ وما كان بها ولوازمُها وآثارُها غالبةٌ على الغضب وما كان منه وآثاره؛ فوجودُ ما كان بالرحمة أحبُّ إليه من وجود ما كان من لوازم الغضب، ولهذا كانت الرحمةُ أحبُّ إليه من العذاب، والعفوُ أحبَّ إليه من الانتقام؛ فوجود محبوبه أحبُّ إليه من فوات مكروهه، ولا سيَّما إذا كان في فوات مكروهه فواتُ ما يحبُّه من لوازمه؛ فإنَّه يكره فوات تلك اللوازم المحبوبة كما يكرهُ وجود ذلك الملزوم المكروه. الوجهُ الثامن عشر: أن آثار ما يكرهُهُ -وهو المنهياتُ- أسرعُ زوالًا بما يُحبُّه من زوال آثار ما يحبُّه بما يكرهُه. فآثارُ كراهته سريعةُ الزوال، وقد يُزيلُها سبحانه بالعفو والتجاوز، وتزولُ بالتوبة، والاستغفار، والأعمال الصالحة، والمصائب المُكَفِّرة، والشفاعة، والحسناتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات، ولو بلغتْ ذنوبُ العبدِ عَنانَ السماءِ، ثم استغفره غفر له، ولو لقيَهُ بِقُرابِ الأرض خطايا، ثم لقيَهُ لا يُشرِكُ به شيئًا؛ لأتاهُ بقُرابها مغفرة، وهو سبحانه يَغفرُ الذنوب -وإن تعاظمت- ولا يُبالي، فيبطِلُها ويبطلُ آثارها بأدنى سعي من العبد وتوبةٍ نصوح وندمٍ على ما فعل، وما ذاك إلا لوجود ما يُحِبُّه من توبة العبد وطاعته وتوحيده، فدلَّ على أنَّ وجود ذلك أحبُّ إليه وأرضى له. يوضِّحُه الوجهُ التاسعَ عشرَ: وهو أنَّه سبحانه قدَّر ما يُبْغِضُهُ ويكرهُهُ من المنهيَّاتِ لما يترتَّب عليها مما يحبُّه ويفرحُ به من المأمورات. فإنَّه سبحانه أفرحُ بتوبة عبده من الواجد الفاقد والعقيم الوالد والظمآن الوارد، وقد ضربَ رسولُ الله ﷺ لفرحه بتوبة العبد مثلًا

стр. 191

ليس في المفروح به أبلغُ منه (١)، وهذا الفرحُ إنَّما كان بفعل المأمور به، وهو التوبةُ، فقدَّر الذنب لما يترتَّبُ عليه من هذا الفرح العظيم الذي وجودُهُ أحبُّ إليه من فواته، ووجوده بدون لازمه ممتنع فدلَّ على أن وجود ما يحب أحبُّ إليه من فوات ما يكرهُ. وليس المرادُ بذلك أنَّ كلَّ فردٍ من أفراد ما يحبُّ أحبُّ إليه من فوات كل فردٍ مما يكرهُ، حتى تكون ركعتا الضُّحى أحبَّ إليه من فوات قتل المسلم، وإنما المراد أن جنس فعل المأمورات أفضلُ من جنس ترك المحظورات؛ كما إذا فُضِّلَ الذكَرُ على الأنثى والإنسيُّ (٢) على الملك؛ فالمرادُ الجنسُ لا عمومُ الأعيانِ. والمقصودُ أنَّ هذا الفرح الذي لا فرح يُشبِهُهُ بفعل مأمور التوبة يَدُلُّ على أنَّ هذا المأمور أحبُّ إليه من فوات المحظور الذي تفوتُ به التوبةُ وأثرُها ومُقتضاها. فإن قيل: إنما فرح بالتوبة لأنَّها تركٌ للمنهي، فكان الفرحُ بالترك! قيل: ليس كذلك؛ فإن الترك المحض لا يُوجب هذا الفرحَ بل ولا الثواب ولا المدح، وليست التوبة تركًا، وإن كان التركُ من لوازمها، وإنما هي فعلٌ وجوديٌّ، يتضمنُ إقبال التائب على ربِّه وإنابتهُ إليه والتزام طاعته، ومن لوازم ذلك ترك ما نهي عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ﴾ [هود: ٣]؛ فالتوبة رجوعٌ مما يكره إلى ما يحبُّ، وليست مجرد الترك؛ فإن من ترك الذنب تركًا مجردًا ولم يرجع

стр. 192

منه إلى ما يحبُّه الربُّ تعالى لم يكنْ تائبًا؛ فالتوبة رجوعٌ وإقبالٌ وإنابةٌ لا تركٌ محضٌ. الوجه العشرون: أن المأمور به إذا فات فاتت الحياة المطلوبةُ للعبد، وهي التي قال تعالى فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقال في حقِّ الكفَّار: ﴿أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. وأما المنهيُّ عنه فإذا وُجِد فغايتُهُ أن يوجد المرضُ، وحياةٌ مع السَّقم خيرٌ من موتٍ. فإن قيل: ومن المنهيِّ عنه ما يُوجِب الهلاك، وهو الشِّرْكُ. قيل: الهلاكُ إنما حصل بعدم التوحيد المأمور به الذي به الحياةُ، فلما فُقِد حصلَ الهلاكُ؛ فما هلك إلَّا من عدم إتيانه بالمأمور به. وهذا وجهٌ حادٍ وعشرون في المسألة: وهو أنَّ في المأمورات ما يُوجِب فواتُهُ الهلاكَ والشقاء الدائم، وليس في المنهيَّات ما يقتضي ذلك. الوجهُ الثاني والعشرون: أنَّ فعل المأمور يقتضي ترك المنهيِّ عنه إذا فُعِل على وجهه من الإخلاص والمتابعة والنُّصح لله فيه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ومجرَّدُ ترك المنهي لا يقتضي فعل المأمور ولا يستلزمه. الوجهُ الثالثُ والعشرون: أنَّ ما يحبُّه من المأمورات فهو متعلِّقٌ بصفاته، وما يكرهه من المنهيات فمتعلقٌ بمفعولاته.

стр. 193

وهذا وجهٌ دقيقٌ يحتاجُ إلى بيان، فنقولُ: المنهياتُ شرورٌ وتُفضي إلى الشرور، والمأموراتُ خيرٌ وتُفضي إلى الخيرات، والخيرُ بيديه سبحانه والشرُّ ليس إليه (١)؛ فإنَّ الشرَّ لا يدخلُ في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، وإنما هو في المفعولات، مع أنه شرٌّ بالإضافة والنسبة إلى العبد، وإلَّا من حيثُ إضافتهُ ونسبتهُ إلى الخالق سبحانه فليس بشرٍّ من هذه الجهة. فغايةُ ارتكاب المنهيِّ أن يوجب شرًّا بالإضافة إلى العبد مع أنه في نفسه ليس بشرٍّ، وأما فواتُ المأمور فيفوتُ به الخيرُ الذي بفواته يحصُلُ ضدُّه من الشر، وكما كان المأمور أحبَّ إلى الله سبحانه؛ كان الشرُّ الحاصلُ بفواته أعظم؛ كالتوحيد والإيمان. وسرُّ هذه الوجوه: أنَّ المأمور به محبوبُهُ والمنهيَّ مكروهُهُ، ووقوعُ محبوبه أحبَّ إليه من فوات مكروهه، وفواتُ محبوبه أكرهُ إليه من وقوع مكروهه. والله أعلم. فصل مبنى الدين على قاعدتين: الذكر والشكر: قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال النبيُّ ﷺ لمعاذٍ: "والله إنِّي لأحبُّك؛ فلا تنسَ أن تقول دُبُر كُلِّ

стр. 194

صلاةٍ: اللهمَّ! أعِنّي على ذِكْركَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عبادَتِكَ" (١). وليس المرادُ بالذِّكْرِ مجرد ذكر اللسان، بل الذكر القلبي واللساني، وذكره يتضمن ذكرَ أسمائِهِ وصفاته، وذكرَ أَمرهِ ونهيهِ وذِكْرَهُ بكلامه، وذلك يستلزمُ معرفتَهُ والإيمان به وبصفات كمالهِ ونعوتِ جلالِهِ والثناء عليه بأنواع المدح، وذلك لا يتمُّ إلا بتوحيده. فذكره الحقيقيُّ يستلزمُ ذلك كلَّه ويستلزم ذكر نعمهِ وآلائِهِ وإحسانِهِ إلى خلقه. وأما الشكرُ فهو القيامُ له بطاعته والتقرُّبُ إليه بأنواع محابِّه ظاهرًا وباطنًا. وهذان الأمران هما جِمَاعُ الدِّين؛ فذكره مستلزمٌ لمعرفته، وشكره متضمنٌ لطاعته. وهذان هما الغايةُ التي خَلقَ لأجلها الجنَّ والإنس والسماوات والأرض، ووضع لأجلها الثواب والعقاب، وأنزل الكُتُبَ، وأرْسل الرُّسُلَ، وهي الحق الذي به خُلِقَتِ السماواتُ والأرضُ وما بينهما، وضدُّها هو الباطلُ والعبثُ الذي يتعالى ويتقدَّسُ عنه، وهو ظنُّ أعدائه به. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧].

стр. 195

وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إلا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥]. وقال بعد ذكر آياته في أول سورة يونس: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]. وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦]. وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. [وقال:] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧]. فثبت بما ذُكِر أنَّ غاية الخلق والأمْرِ أن يُذْكَرَ وأن يُشكرَ؛ يُذْكَر فلا يُنْسى، ويُشْكَر فلا يُكْفَر. وهو سبحانه ذاكرٌ لمن ذكرهُ، شاكرٌ لمن شكرهُ؛ فذِكْرُه سببٌ لذِكره، وشُكْرُهُ سببٌ لزيادته من فضله. فالذِّكْرُ للقلب واللسان.

стр. 196

والشكرُ للقلب محبةً وإنابةً، وللِّسان ثناءً وحمدًا، وللجوارح طاعةً وخدمةً. فصل تكرَّر في القرآن جعْلُ الأعمال القائمة بالقلب والجوارح سببَ الهداية والإضلال، فيقومُ بالقلب والجوارح أعمالٌ تقتضي الهُدى اقتضاء السببِ لمسبَّبه والمؤثِّر لأثره، وكذلك الضلالُ؛ فأعمالُ البر تُثْمِرُ الهدى، وكلَّما ازداد منها ازداد هدًى، وأعمالُ الفجور بالضدِّ. وذلك أنَّ الله سبحانه يُحِبُّ أعمال البرِّ فيجازي عليها بالهُدى والفلاح، ويُبْغِضُ أعمال الفجور ويُجازي عليها بالضَّلال والشَّقاءِ. وأيضًا فإنه البَرُّ، ويحبُّ أهل البِرِّ، فيُقرِّبُ قلوبهم منه بحسب ما قاموا به من البر، ويُبْغِضُ الفجور وأَهله؛ فيبعدُ قلوبهم منه بحسب ما اتَّصفوا به من الفجور. فمن الأصل الأول: قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢]. وهذا يتضمَّنُ أمرين: أحدهما: أنَّه يَهدي به من اتَّقى مساخطَه قبل نزول الكتاب؛ فإنَّ الناس على اختلاف مللهم ونحلهم قد استقرَّ عندهم أن الله سبحانه يكره الظُّلم والفواحش (١) والفساد في الأرض ويَمقُتُ فاعلَ ذلك، ويُحبُّ العدل والإحسان والجود والصدق والإصلاح في الأرض ويُحبُّ فاعل

стр. 197

ذلك؛ فلما نزل الكتابُ أثاب سبحانه أهل البرِّ بأن وَفَّقَهم للإيمان به جزاءً لهم على برِّهم وطاعتِهِم، وخذل أهل الفجورِ والفُحْش والظُّلم بأنْ حال بينهم وبين الاهتداء به. والأمرُ الثاني: أنَّ العبد إذا آمن بالكتاب واهتدى به مجملًا وقَبِلَ أوامرهُ وصدَّق بأخباره؛ كان ذلك سببًا لهدايةٍ أُخرى تحصُلُ له على التفصيل؛ فإنَّ الهداية لا نهاية لها، ولو بلغ العبدُ فيها ما بلغ؛ ففوق هدايته هدايةٌ أخرى، وفوق تلك الهداية هدايةٌ أخرى إلى غير غاية؛ فكلما اتَّقى العبد ربَّهُ ارتقى إلى هداية أخرى؛ فهو في مزيد هداية ما دام في مزيد من التَّقْوى، وكلَّما فوَّتَ حظًّا من التقوى فاته حظٌّ من الهداية بحسبه؛ فكلَّما اتَّقى زاد هداه، وكلما اهتدى زادت تقواه. قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]. وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾ [الأعلى: ١٠]. وقال: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إلا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [غافر: ١٣] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]؛ فهداهم أولًا للإيمان، فلما آمنوا هداهُم بالإيمان هدايةً بعد هدايةٍ.

стр. 198

ونظيرُ هذا قولُه: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، ومن الفُرقان: ما يُعطيهم من النُّور الذي يُفرِّقون به بين الحقِّ والباطل، والنصر والعزِّ الذي يتمكنون به من إقامة الحقِّ وكسر الباطل؛ فُسِّرَ الفرقان بهذا وهذا. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ [سبأ: ٩]. وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ في: سورة لقمان [٣١]، وسورة إبراهيم [٥]، وسبأ [١٩]، والشورى [٣٣]؛ فأخبر عن آياته المشهودة العيانية أنها إنما ينتفع بها أهلُ الصبر والشُّكر؛ كما أخبر عن آياته الإيمانية القرآنية أنها إنما ينتفع بها أهل التقوى والخشية والإنابة ومن كان قصده اتباع رضوانه، وأنها إنما يتذكرُ بها من يخشاهُ سبحانه؛ كما قال: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ [طه: ١ - ٣]. وقال في الساعة: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: ٤٥]، وأما من لا يؤمن بها ولا يرجوها ولا يخشاها؛ فلا تنفعه الآياتُ العيانيَّةُ ولا القرآنيةُ. ولهذا لما ذكر سبحانه في سورة هود عقوبات الأمم المكذِّبين للرسل وما حلَّ بهم في الدُّنيا من الخزي؛ قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣]، فأخبر أن في عقوباته للمكذبين عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، وأما من لا يؤمن بها ولا يخاف عذابها؛ فلا يكون ذلك عبرة وآية في حقه، وإذا سمع ذلك قال: لم يزل في الدهر الخير والشر والنعيم والبؤس والسعادة والشقاوةُ!! وربما أحال ذلك على

стр. 199

أسباب فلكيَّةٍ وقُوى نفسانية!! وإنما كان الصبر والشكر سببًا لانتفاع صاحبهما بالآيات؛ [لأنَّ الإيمان] ينبني على الصبر والشكر؛ فنصفُهُ صبرٌ ونصفه شكرٌ؛ فعلى حسب صبر العبد وشكره تكون قوةُ إيمانِه، وآياتُ الله إنما ينتفع بها من آمن بالله وآياته، ولا يتم له الإيمان إلا بالصبر والشكر؛ فإن رأس الشكر التوحيد، ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى؛ فإذا كان مشركًا متبعًا هواه لم يكن صابرًا ولا شكورًا، فلا تكون الآياتُ نافعةً له ولا مؤثِّرةً فيه إيمانًا. فصل وأمَّا الأصل الثاني -وهو اقتضاءُ الفجور والكبر والكذب للضَّلال- فكثيرٌ أيضًا في القرآن: كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧]. وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَينِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [البقرة: ٨٨].

стр. 200

وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]؛ فأخبر أنه عاقبهم على تخلفهم عن الإيمان لما جاءهم وعرفوه وأعرضوا عنه، بأن قلَّب أفئدتَهم وأبصارهم وحال بينهم وبين الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]؛ فأمرهم بالاستجابة له ولرسوله حين يدعوهم إلى ما فيه حياتُهم، ثم حذَّرهم من التخلُّف والتأخُّر عن الاستجابة الذي يكون سببًا لأن يحول بينهم وبين قلوبهم؛ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥]. وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]؛ فأخبر سبحانه أن كسبهم غطَّى على قلوبهم وحال بينها وبين الإيمان بآياته، فقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ [المطففين: ١٣]. وقال تعالى في المنافقين: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾ [التوبة: ٦٧]؛ فجازاهم على نسيانهم له أن نَسِيَهم فلم يذكرهم بالهدى والرحمة، وأخبر أنه أنساهم أنفسهم (١)، فلم يطلبوا كمالها بالعلم النافع والعمل الصالح، وهما الهدى ودين الحق، فأنساهم طلبَ ذلك ومحبته ومعرفته والحرصَ عليه عقوبةً لنسيانهم له. وقال تعالى في حقهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٦ - ١٧]، فجمع لهم بين اتباع الهوى والضلال الذي هو ثمرته وموجبه كما جمع

стр. 201

للمهتدين بين التقوى والهدى. فصل وكما يَقرِن سبحانه بين الهُدى والتُّقى، والضلال والغيِّ؛ فكذلك يقرن بين: الهُدى والرحمة، والضلال والشَّقاء: فمن الأول: قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [لقمان: ٥]. وقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]. وقال عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. وقال أهل الكهف: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ [الكهف: ١٠]. وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]. وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤]. وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ

стр. 202

وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾، ثم أعاد سبحانه ذكرهما فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨،]، وقد تنوَّعت عبارات السلف في تفسير الفضل والرحمة (١)، والصحيح أنهما الهدى والنعمة؛ ففضله هداه، ورحمته نعمتُه، ولذلك يقرن بين الهدى والنعمة. كقوله في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. ومن ذلك قوله لنبيه يذكره بنعمه عليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٦ - ٨]؛ فجمع له بين هدايته له وإنعامه عليه بإيوائه وإغنائه. ومن ذلك قول نوح: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود: ٢٨]. وقولُ شعيبٍ: ﴿أَرَأَيتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨]. وقال عن الخضر: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٥]. وقال لرسوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣]. وقال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ

стр. 203

وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]؛ ففضله هدايته، ورحمته إنعامه وإحسانه إليهم وبِرُّه بهم. وقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣]؛ والهدى منعَه من الضلال، والرحمة منعتْه من الشقاء، وهذا هو الذي ذكره في أول السورة في قوله: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [طه: ١ - ٢]، فجمع له بين إنزال القرآن عليه ونفي الشقاء عنه؛ كما قال في آخرها في حقِّ أتباعه: ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣]. فالهدى والفضل والنعمة والرحمة متلازماتٌ لا يَنفكُّ بعضُها عن بعض؛ كما أن الضلال والشقاء متلازمان لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ [القمر: ٤٧]، والسُّعر: جمع سعيرٍ، وهو العذابُ الذي هو غايةُ الشقاء. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠]. ومن هذا أنه سبحانه يجمع بين الهدى وانشراح الصدر والحياة الطيبة وبين الضلال وضِيق الصدر والمعيشة الضَّنْك:

стр. 204

قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وكذلك يجمع بين الهدى والإنابة وبين الضلال وقسوة القلب: قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]. وقال تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢]. فصل والهدى والرحمة وتوابعهما من الفضل والإنعام كله من صفة العطاء، والإضلال والعذاب وتوابعهما من صفة المنع، وهو سبحانه يُصرِّف خلقَه بين عطائه ومنعه، وذلك كله صادرٌ عن حكمةٍ بالغةٍ ومُلكٍ تامٍّ وحمدٍ تامٍّ؛ فلا إله إلا الله. فصل إذا رأيتَ النفوس المُبطِلة الفارغة من الإرادة والطلب لهذا الشأن قد تشبَّث بها هذا العالمِ السُّفْليُّ وقد تشبَّثتْ به؛ فكِلْها إليه؛ فإنه اللائقُ بها لفساد تركيبها، ولا تَنقُشْ عليها ذلك؛ فإنه سريع الانحلال عنها، ويبقى تشبُّثُها به مع انقطاعه عنها عذابًا عليها بحسب ذلك التعلُّق، فتبقى شهوتُها وإرادتُها فيها؛ وقد حِيْلَ بينها وبين ما تشتهي على وجهٍ يئستْ معه من حصول شهوتها ولذَّتها.

стр. 205

فلو تصور العاقلُ ما في ذلك من الألم والحسرة لبادرَ إلى قطع هذا التعلُّق كما يُبادِرُ إلى حَسْم موادِّ الفساد، ومع هذا فإنه ينالُ نصيَبه من ذلك؛ وقلبُه وهمُّه متعلقٌ بالمطلب الأعلى. والله المستعانُ. فصل إياك والكذبَ؛ فإنَّه يُفْسِدُ عليك تصوُّرَ المعلومات على ما هي عليه، ويُفسِد عليك تصويرَها وتعليمَها للناس! فإن الكاذب يُصوِّرُ المعدومَ موجودًا والموجودَ معدومًا، والحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، والخير شرًّا والشرَّ خيرًّا؛ فيفسُدُ عليه تصوُّرُه وعلمه عقوبةً له. ثم يُصوِّر ذلك في نفس المخاطب المغترّ به الراكن إليه؛ فيُفسِدُ عليه تصوُّرَه وعلمه. ونفس الكاذب معرضةٌ عن الحقيقة الموجودة، نزَّاعةٌ إلى العدم، مُؤثِرةٌ للباطل. وإذا فسدتْ عليه قوةُ تصوُّره وعلمه التي هي مبدأ كلِّ فعل إراديٍّ؛ فسدتْ عليه تلك الأفعالُ، وسَرى حكم الكذب إليها، فصار صدورُها عنه كصدور الكذب عن اللسان؛ فلا ينتفع بلسانه ولا بأعماله. ولهذا كان الكذبُ أساسَ الفجور؛ كما قال النبي ﷺ : "إنَّ الكذب يهدي إلى الفُجور، وإن الفجور يهدي إلى النَّار" (١). وأولُ ما يَسرِي الكذبُ من النفس إلى اللسان فيُفسِدُه، ثم يسري إلى

стр. 206

الجوارح فيُفسدُ عليها أعمالها كما أفسد على اللسان أقواله، فيَعُمُّ الكذبُ أقواله وأعمالَه وأحوالَه، فيَستحكِمُ عليه الفسادُ ويَترامَى داؤه إلى الهلكة إن لم يتداركه الله بدواء الصدقِ يَقلَعُ تلك المادَّة من أصلها. ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلِّها الصدق، وأضدادُها من الرِّياء والعُجْب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجُبن والمهانة وغيرها أصلها الكذبُ؛ فكلُّ عمل صالح ظاهرٍ أو باطنٍ فمنشؤهُ الصدق، وكل عمل فاسدٍ ظاهرٍ أو باطنٍ فمنشؤهُ الكذبُ. والله تعالى يعاقب الكذابَ بأن يُقعِده ويُثبِّطه عن مصالحه ومنافعه، ويُثيِب الصادقَ بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته؛ فما استُجِلبَتْ مصَالحُ الدُّنيا والآخرة بمثل الصدق، ولا مفاسدُهما ومضارُّهما بمثل الكذب. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وقال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]. وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١]. وقال: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾ [التوبة: ٩٠]. فصل في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.

стр. 207

في هذه الآية عدةُ حِكَم وأسرار ومصالح للعبد: فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه؛ لم يأمن أن تُوافِيَه المضرةُ من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ لعدم علمه بالعواقب؛ فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد؛ أوجب له ذلك أمورًا: منها: أنَّه لا أنفعَ له من امتثال الأمر، وإن شقَّ عليه في الابتداء؛ لأنَّ عواقبه كلها خيراتٌ ومسراتٌ ولذاتٌ وأفراح، وإن كرهته نفسه؛ فهو خيرٌ لها وأنفع. وكذلك لا شيء أضرٌ عليه من ارتكاب النهي، وإن هَوِيتْه نفسه ومالت إليه؛ فإن عواقبه كلها آلامٌ وأحزانٌ وشرورٌ ومصائبُ. وخاصّةُ العقل تحمّلُ الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم والشر الطويل. فنظر الجاهل لا يُجاوز المبادئَ إلى غاياتها، والعاقل الكيِّس دائمًا ينظرُ إلى الغايات من وراء سُتور مبادئها، فيرى ما وراء تلك السُّتورِ من الغايات المحمودة والمذمومة، فيرى المناهي كطعام لذيذٍ قد خُلِط فيه سُمٌّ قاتلٌ؛ فكلما دعتْه لذته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم، ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق مُفْضٍ إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه كراهةُ مذاقه عن تناوله أمرهُ نفعُه بالتناول. ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تُدرَك به الغاياتُ من مبادئها، وقوةِ صبر يُوطِّنُ به نفسَه على تحمُّلِ مشقَّة الطريق لما يُؤمِّلُ عند الغاية؛ فإذا فقد اليقين والصبر تعذَّر عليه ذلك، وإذا قوي يقينُهُ وصبرُهُ هإن عليه كل مشقَّةٍ يتحمَّلُها في طلب الخير الدائم واللَّذَّة الدائمة. ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويضَ إلى من يعلم

стр. 208

عواقبَ الأمور، والرِّضى بما يختارُهُ له ويقضيه له؛ لما يرجو فيه من حسن العاقبة. ومنها: أنه لا يَقترِحُ على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علمٌ؛ فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم، فلا يختارُ على ربه شيئًا، بل يسأله حُسْنَ الاختيار له، وأن يُرضِيه بما يختاره؛ فلا أنفعَ له من ذلك. ومنها: أنه إذا فَوَّضَ إلى ربه ورضي بما يختاره له؛ أمدَّه فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصَرَفَ عنه الآفاتِ التي هي عُرضة اختيارِ العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه. ومنها: أنه يُرِيحه من الأفكار المُتعِبة في أنواع الاختيارات، ويُفرِّغ قلبَه من التقديرات والتدبيرات التي يَصعد منها في عقبةٍ وينزلُ في أخرى، ومع هذا فلا خروجَ له عما قُدِّر عليه؛ فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمودٌ مشكورٌ ملطوفٌ به فيه، وإلَّا جري عليه القدرُ وهو مذمومٌ غيرُ ملطوفٍ به فيه؛ لأنه مع اختياره لنفسه. ومتى صحَّ تفويضُهُ ورضاه اكتنفَه في المقدور العطفُ عليه واللطفُ به، فيصير بين عطفه ولطفه؛ فعطفهُ يَقِيه ما يحذره، ولطفُهُ يُهوِّنُ عليه ما قدَّرَهُ. إذا نَفَذَ القدرُ في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيُّلُهُ في ردِّه؛ فلا أنفعَ له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحًا كالميتة؛ فإن السَّبُعَ لا يرضى بأكل الجِيَفِ.

стр. 209

فصل لا ينتفع بنعمة الله بالإيمان والعلم إلا من عرفَ نفسه، ووقف بها عند قدرها، ولم يَتجاوزهُ إلى ما ليس له، ولم يَتَعدَّ طورَه، ولم يقل: هذا لي، وتيقَّن أنه لله ومن الله وبالله؛ فهو المانُّ به ابتداءً وإدامةً بلا سبب من العبد ولا استحقاقٍ منه، فتُذِلُّه نِعمُ الله عليه، وتَكْسِره كسرةَ من لا يرى لنفسه ولا فيها خيرًا البتة، وأن الخير الذي وصل إليه فهو لله وبه ومنه، فتُحدِثُ له النعمُ ذلًّا وانكسارًا عجيبًا لا يُعبَّرُ عنه؛ فكلما جدَّد لهُ نعمةً ازداد له ذُلًّا وانكسارًا وخشوعًا ومحبّةً وخوفًا ورجاءً. وهذا نتيجةُ علمين شريفين: علمه بربه وكماله وبِرِّه وغناه وجُودِه وإحسانه ورحمته، وأن الخير كله في يديه، وهو ملكه؛ يُؤتي منه من يشاءُ ويمنع منه من يشاءُ، وله الحمدُ على هذا. وهذا أكملُ حمدٍ وأتمُّهُ. وعلمُه بنفسه، ووقوفه على حدِّها وقدرها ونقصها وظلمها وجهلها، وأنها لا خير فيها البتة، ولا لها ولا بها ولا منها، وأنها ليس لها من ذاتها إلّا العدم؛ فكذلك من صفاتها وكمالها ليس لها إلَّا العدم الذي لا شيء أحقرُ منه ولا أنقص؛ فما فيها من الخير تابعٌ لوجودها الذي ليس إليها ولا بها. فإذا صار هذان العلمان صبغةً لها لا صبغةً على لسانها؛ علمتْ حينئذٍ أن الحمد كلَّه لله، والأمر كلَّه له، والخير كلَّه في يديه، وأنه هو المستحقُّ للحمد والثناء والمدح دونها، وأنها هي أولى بالذمِّ والعيب واللوم. ومن فاته التحقُّقُ بهذين العلمين تلوَّنتْ به أقواله وأعماله وأحواله، وتَخبَّطتْ عليه، ولم يهتد إلى الصراط المستقيم الموصل له

стр. 210

إلى الله. فإيصالُ العبدِ بتحقيق هاتين المعرفتين علمًا وحالًا، وانقطاعُهُ بفواتهما. وهذا معنى قولهم: من عرفَ نفسه عَرفَ ربه (١)؛ فإنه من عرف نفسه بالجهل والظُّلْم والعيب والنقائص والحاجة والفقر والذُّلِّ والمسكنة والعدم؛ عرف ربَّه بضدِّ ذلك، فوقف بنفسه عند قدرها، ولم يَتعدَّ بها طورَها، وأثنى على ربِّه ببعض ما هو أهله، وانصرفتْ قوة حُبِّهِ وخشيته ورجائه وإنابته وتوكُّله إليه وحدَه، وكان أحبَّ شيءٍ إليه وأخوفَ شيء عنده وأرجاه له، وهذا هو حقيقةُ العبودية. والله المستعانُ. ويُحكى أن بعض الحكماء كتب على باب بيته: إنه لن يَنتفع بحكمتنا إلَّا من عرف نفسَه ووقف بها عند قدرها؛ فمن كان كذلك فليدخُلْ، وإلَّا فليرجِعْ حتى يكون بهذه الصفة. فصل الصبرُ على الشهوة أسهلُ من الصبر على ما تُوجِبُهُ الشهوةُ؛ فإنها إما أن توجب ألمًا وعقوبةً، وإمّا أن تقطع لذَّةً أكملَ منها، وإما أن تُضيِّع وقتًا إضاعتُهُ حسرةٌ وندامةٌ، وإما أن تَثْلم عِرضًا توفيرُهُ أنفعُ للعبد من ثَلمِه، وإما أن تُذهِبَ مالًا بقاؤُهُ خيرٌ له من ذهابه، وإما أن تضع قدرًا وجاهًا قيامُهُ خيرٌ من وضعه، وإما أن تَسْلُب نعمةً بقاؤها ألذُّ وأطيبُ من قضاء الشهوة، وإما أن تُطرِّق لوضيعٍ إليك طريقًا لم يكن يجدُها قبل ذلك، وإما أن تَجلِب همًّا وغمًّا وحزنًا وخوفًا لا يقاربُ لذَّةَ الشهوة، وإمَّا أن

стр. 211

تُنسِي علمًا ذِكرُه ألذُّ من نيل الشهوة، وإما أن تُشمِّت عدوًّا وتُحزِن وليًّا، وإما أن تقطع الطريقَ على نعمةٍ مقبلةٍ، وإما أن تُحدِثَ عيبًا يبقى صفةً لا تزولُ؛ فإن الأعمال تُورِثُ الصفاتِ والأخلاقَ. فصل للأخلاق حدٌّ متى جاوزتْه صارت عُدوانًا، ومتى قصَّرتْ عنه كان نقصًا ومهانةً. فللغضب حدٌّ، وهو الشجاعةُ المحمودةُ والأَنفةُ من الرذائل والنقائص، وهذا كماله. فإذا جاوز حدَّه تعدَّى صاحبُه وجار، وإن نقصَ عنه جبُن ولم يأْنَفْ من الرذائل. وللحرص حدٌّ، وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها. فمتى نقص من ذلك كان مهانةً وإضاعةً، ومتى زاد عليه كان شَرَهًا ورغبةً فيما لا تُحمَد الرغبةُ فيه. وللحسد حدٌّ، وهو المنافسةُ في طلب الكمال والأنفةُ أن يتقدَّم عليه نظيرُه. فمتى تعدَّى ذلك صار بغيًا وظلمًا يتمنَّى معه زوال النعمة عن المحسود ويَحرِصُ على إيذائه، ومتى نقصَ عن ذلك كان دَناءةً وضعفَ همةٍ وصِغَرَ نفس. قال النبيُّ ﷺ : "لا حسدَ إلّا في اثنتين: رجُلٌ آتاهُ الله مالًا فسلَّطهُ على هَلَكتِه في الحق. ورجلٌ آتاهُ الله الحكمةَ فهو يقضي بها ويُعلِّمُها الناسَ" (١) فهذا حسدُ منافسةٍ يُطالبُ الحاسدُ به نفسَه أن يكون مثل

стр. 212

المحسود، لا حسدُ مَهانةٍ يتمنَّى به زوالَ النعمة عن المحسود. وللشهوة حدٌّ، وهو راحةُ القلب والعقل من كَدِّ الطاعةِ واكتساب الفضائل والاستعانة بقضائها على ذلك فمتى زادت على ذلك صارت نَهْمةً وشَبَقًا والتحقَ صاحبُها بدرجة الحيوانات، ومتى نقصتْ عنه ولم يكن فراغًا في طلب الكمال والفضل كانت ضعفًا وعجزًا ومهانةً. وللراحة حدٌّ، وهو إجمامُ النفس والقُوى المدرِكة والفعَّالة للاستعداد للطاعة واكتساب الفضائل وتوفُّرها على ذلك، بحيثُ لا يُضعِفُها الكدُّ والتعبُ ويضعفُ أثرها. فمتى زاد على ذلك صار توانيًا وكسلًا وإضاعةً وفات به أكثرُ مصالح العبد، ومتى نقص عنه صار مُضرًّا بالقُوى مُوهِنًا لها، وربَّما انقطع به؛ كالمُنبتِّ الذي لا أرْضَا قطع ولا ظهرًا أبْقى (١). والجود له حدٌّ بين طرفين؛ فمتى جاوز حدَّه صار إسرافًا وتبذيرًا، ومتى نقصَ عنه كان بُخلًا وتقتيرًا. وللشجاعة حدٌّ؛ متى جاوزته صارت تهوُّرًا، ومتى نقصتْ عنه صارتْ جُبنًا وخَوَرًا. وحدُّها الإقدام في مواضع الإقدام والإحجامُ في مواضع الإحجام؛ كما قال معاويةُ لعمرو بن العاص: أعياني أن أعرفَ شُجاعًا أنت أم جبانًا (٢) تُقدِمُ حتى أقول: من أشجع الناس، وتَجبُن حتى

стр. 213

أقول: من أجبن الناس؟! فقال: شُجاعٌ إذا ما أمْكنتْنيَ فُرْصةٌ … فإن لم تكن لي فُرْصةٌ فجَبانُ والغيرةُ لها حدُّ؛ إذا جاوزته صارتْ تهمةً وظنًّا سيئًا بالبريء، وإن قصَّرتْ عنه كانت تغافلًا ومبادئ دياثةٍ. وللتواضع حدٌّ؛ إذا جاوزه كان ذُلًّا ومهانةً، ومن قصَّر عنه انحرف إلى الكبر والفخر. وللعزِّ حدٌّ؛ إذا جاوزهُ كان كبرًا وخُلُقًا مذمومًا، وإن قصَّرَ عنه انحرف إلى الذُّلِّ والمهانة. وضابط هذا كُلِّه العدلُ، وهو الأخذُ بالوسطِ الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناءُ مصالح الدُّنيا والآخرة، بل لا تقوم مصلحة البدن إلَّا به؛ فإنه متى خرج بعضُ أخلاطِه عن العدل وجاوزه أو نقصَ عنه ذهبَ من صحته وقوته بحسب ذلك، وكذلك الأفعال الطبيعيةُ كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك؛ إذا كانت وسطًا بين الطرفين المذمومين كانت عدلًا، وإن انحرفتْ إلى أحدهما كانت نقصًا وأثمرتْ نقصًا. فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود، ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهي؛ فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود، حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها ما هو داخلٌ فيها.

стр. 214

قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]. فأعدلُ الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفةً وفعلًا. وبالله التوفيقُ. فصل قال أبو الدرداءِ ﵁: يا حبَّذا نومُ الأكياس وفِطْرُهم؛ كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم؛ والذرةُ من صاحب تقوى أفضلُ من أمثال الجبال عبادةً من المُغترِّين (١)؟! وهذا من جواهر الكلام وأدلِّه على كمال فقه الصحابة وتقدمهم على من بعدهم في كل خير ﵃. فاعلمْ أن العبد إنما يَقطع منازلَ السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنِه، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]. وقال: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. وقال النبي ﷺ : "التقوى ها هنا"، وأشار إلى صدره (٢).

стр. 215

فالكيِّسُ يَقطعُ من المسافة بصحة العزيمة وعلوِّ الهمَّةِ وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعافَ أضعافِ ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر المُشِقّ؛ فإن العزيمة والمحبة تُذهِب المشقة وتُطيِّب السيرَ، والتقدمُ والسبقُ إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة، فيتقدمُ صاحبُ الهمة مع سكونه صاحبَ العمل الكثير بمراحل؛ فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله. وهذا موضعٌ يحتاجُ إلى تفصيل يوافق فيه الإسلام الإحسان: فأكمل الهدي هديُ رسول الله ﷺ ، وكان موفِّيًا كلَّ واحدٍ منهما حقَّه؛ فكان مع كماله وإرادته وأحواله مع الله يقومُ حتى تَرِمَ قدماهُ، ويصوم حتى يُقال: لا يُفطِرُ، ويجاهدُ في سبيل الله، ويُخالِط أصحابه ولا يَحتجِبُ عنهم، ولا يترك شيئًا من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تَعجِزُ عن حملها قُوى البشر. والله تعالى أمر عباده أن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم، ولا يقبل واحدًا منهما إلا بصاحبه وقرينه. وفي "المسند" مرفوعًا: "الإسلام علانيةٌ والإيمانُ في القلب" (١). فكل إسلام ظاهرٍ لا يَنفُذُ صاحبُه منه إلى حقيقة الإيمان الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه شيءٌ من الإيمان الباطن، وكل حقيقة باطنة
следующие страницы →