← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 212

الفوائد لابن القيم - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (308 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تُنسِي علمًا ذِكرُه ألذُّ من نيل الشهوة، وإما أن تُشمِّت عدوًّا وتُحزِن وليًّا، وإما أن تقطع الطريقَ على نعمةٍ مقبلةٍ، وإما أن تُحدِثَ عيبًا يبقى صفةً لا تزولُ؛ فإن الأعمال تُورِثُ الصفاتِ والأخلاقَ. فصل للأخلاق حدٌّ متى جاوزتْه صارت عُدوانًا، ومتى قصَّرتْ عنه كان نقصًا ومهانةً. فللغضب حدٌّ، وهو الشجاعةُ المحمودةُ والأَنفةُ من الرذائل والنقائص، وهذا كماله. فإذا جاوز حدَّه تعدَّى صاحبُه وجار، وإن نقصَ عنه جبُن ولم يأْنَفْ من الرذائل. وللحرص حدٌّ، وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها. فمتى نقص من ذلك كان مهانةً وإضاعةً، ومتى زاد عليه كان شَرَهًا ورغبةً فيما لا تُحمَد الرغبةُ فيه. وللحسد حدٌّ، وهو المنافسةُ في طلب الكمال والأنفةُ أن يتقدَّم عليه نظيرُه. فمتى تعدَّى ذلك صار بغيًا وظلمًا يتمنَّى معه زوال النعمة عن المحسود ويَحرِصُ على إيذائه، ومتى نقصَ عن ذلك كان دَناءةً وضعفَ همةٍ وصِغَرَ نفس. قال النبيُّ ﷺ : "لا حسدَ إلّا في اثنتين: رجُلٌ آتاهُ الله مالًا فسلَّطهُ على هَلَكتِه في الحق. ورجلٌ آتاهُ الله الحكمةَ فهو يقضي بها ويُعلِّمُها الناسَ" (١) فهذا حسدُ منافسةٍ يُطالبُ الحاسدُ به نفسَه أن يكون مثل

стр. 212

المحسود، لا حسدُ مَهانةٍ يتمنَّى به زوالَ النعمة عن المحسود. وللشهوة حدٌّ، وهو راحةُ القلب والعقل من كَدِّ الطاعةِ واكتساب الفضائل والاستعانة بقضائها على ذلك فمتى زادت على ذلك صارت نَهْمةً وشَبَقًا والتحقَ صاحبُها بدرجة الحيوانات، ومتى نقصتْ عنه ولم يكن فراغًا في طلب الكمال والفضل كانت ضعفًا وعجزًا ومهانةً. وللراحة حدٌّ، وهو إجمامُ النفس والقُوى المدرِكة والفعَّالة للاستعداد للطاعة واكتساب الفضائل وتوفُّرها على ذلك، بحيثُ لا يُضعِفُها الكدُّ والتعبُ ويضعفُ أثرها. فمتى زاد على ذلك صار توانيًا وكسلًا وإضاعةً وفات به أكثرُ مصالح العبد، ومتى نقص عنه صار مُضرًّا بالقُوى مُوهِنًا لها، وربَّما انقطع به؛ كالمُنبتِّ الذي لا أرْضَا قطع ولا ظهرًا أبْقى (١). والجود له حدٌّ بين طرفين؛ فمتى جاوز حدَّه صار إسرافًا وتبذيرًا، ومتى نقصَ عنه كان بُخلًا وتقتيرًا. وللشجاعة حدٌّ؛ متى جاوزته صارت تهوُّرًا، ومتى نقصتْ عنه صارتْ جُبنًا وخَوَرًا. وحدُّها الإقدام في مواضع الإقدام والإحجامُ في مواضع الإحجام؛ كما قال معاويةُ لعمرو بن العاص: أعياني أن أعرفَ شُجاعًا أنت أم جبانًا (٢) تُقدِمُ حتى أقول: من أشجع الناس، وتَجبُن حتى

стр. 213

أقول: من أجبن الناس؟! فقال: شُجاعٌ إذا ما أمْكنتْنيَ فُرْصةٌ … فإن لم تكن لي فُرْصةٌ فجَبانُ والغيرةُ لها حدُّ؛ إذا جاوزته صارتْ تهمةً وظنًّا سيئًا بالبريء، وإن قصَّرتْ عنه كانت تغافلًا ومبادئ دياثةٍ. وللتواضع حدٌّ؛ إذا جاوزه كان ذُلًّا ومهانةً، ومن قصَّر عنه انحرف إلى الكبر والفخر. وللعزِّ حدٌّ؛ إذا جاوزهُ كان كبرًا وخُلُقًا مذمومًا، وإن قصَّرَ عنه انحرف إلى الذُّلِّ والمهانة. وضابط هذا كُلِّه العدلُ، وهو الأخذُ بالوسطِ الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناءُ مصالح الدُّنيا والآخرة، بل لا تقوم مصلحة البدن إلَّا به؛ فإنه متى خرج بعضُ أخلاطِه عن العدل وجاوزه أو نقصَ عنه ذهبَ من صحته وقوته بحسب ذلك، وكذلك الأفعال الطبيعيةُ كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك؛ إذا كانت وسطًا بين الطرفين المذمومين كانت عدلًا، وإن انحرفتْ إلى أحدهما كانت نقصًا وأثمرتْ نقصًا. فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود، ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهي؛ فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود، حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها ما هو داخلٌ فيها.

стр. 214

قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]. فأعدلُ الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفةً وفعلًا. وبالله التوفيقُ. فصل قال أبو الدرداءِ ﵁: يا حبَّذا نومُ الأكياس وفِطْرُهم؛ كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم؛ والذرةُ من صاحب تقوى أفضلُ من أمثال الجبال عبادةً من المُغترِّين (١)؟! وهذا من جواهر الكلام وأدلِّه على كمال فقه الصحابة وتقدمهم على من بعدهم في كل خير ﵃. فاعلمْ أن العبد إنما يَقطع منازلَ السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنِه، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]. وقال: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. وقال النبي ﷺ : "التقوى ها هنا"، وأشار إلى صدره (٢).

стр. 215

فالكيِّسُ يَقطعُ من المسافة بصحة العزيمة وعلوِّ الهمَّةِ وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعافَ أضعافِ ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر المُشِقّ؛ فإن العزيمة والمحبة تُذهِب المشقة وتُطيِّب السيرَ، والتقدمُ والسبقُ إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة، فيتقدمُ صاحبُ الهمة مع سكونه صاحبَ العمل الكثير بمراحل؛ فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله. وهذا موضعٌ يحتاجُ إلى تفصيل يوافق فيه الإسلام الإحسان: فأكمل الهدي هديُ رسول الله ﷺ ، وكان موفِّيًا كلَّ واحدٍ منهما حقَّه؛ فكان مع كماله وإرادته وأحواله مع الله يقومُ حتى تَرِمَ قدماهُ، ويصوم حتى يُقال: لا يُفطِرُ، ويجاهدُ في سبيل الله، ويُخالِط أصحابه ولا يَحتجِبُ عنهم، ولا يترك شيئًا من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تَعجِزُ عن حملها قُوى البشر. والله تعالى أمر عباده أن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم، ولا يقبل واحدًا منهما إلا بصاحبه وقرينه. وفي "المسند" مرفوعًا: "الإسلام علانيةٌ والإيمانُ في القلب" (١). فكل إسلام ظاهرٍ لا يَنفُذُ صاحبُه منه إلى حقيقة الإيمان الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه شيءٌ من الإيمان الباطن، وكل حقيقة باطنة

стр. 216

لا يقوم صاحبها بشرائع الإسلام الظاهرة لا تنفع ولو كانت ما كانت؛ فلو تمزَّق القلب بالمحبة والخوف ولم يتعبَّدْ بالأمرِ وظاهر الشرع لم يُنْجِهِ ذلك من النار؛ كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقةُ الإيمان لم يُنجِه ذلك من النار. وإذا عُرف هذا فالصادقون السائرون إلى الله والدار الآخرة قسمان: قسمٌ صَرَفوا ما فضلَ من أوقاتهم بعد الفرائض إلى النوافل البدنيَّة وجعلوها دأبهم؛ من غير حرص منهم على تحقيق أعمال القلوب ومنازلها وأحكامها، وإن لم يكونوا خالين من أصلها، لكن هِمَمَهم مصروفةٌ إلى الاستكثار من الأعمال. وقسمٌ صرفوا ما فضَلَ عن الفرائض والسنن إلى الاهتمام بصلاح قلوبهم وعكوفها على الله وحده والجمعية عليه وحفظ الخواطر والإرادات معه، وجعلوا قوة تعبُّدهم بأعمال القلوب من تصحيح المحبة والخوف والرجاء والتوكُّل والإنابة، ورأوا أن أيسر نصيبٍ من الواردات التي تَرِدُ على قلوبهم من الله أحبُّ إليهم من كثير من التطوعات البدنيَّة؛ فإذا حصل لأحدهم جمعيةٌ وواردُ أُنسِ أو حبٍّ أو اشتياقٍ أو انكسارٍ وذُلٍّ؛ لم يَستبدلْ به شيئًا سواه البتة؛ إلَّا أنْ يجيء الأمرُ، فيُبادر إليه بذلك الوارد إن أمكنه، وإلَّا بادرَ إلى الأمر ولو ذهب الوارد؛ فإذا جاءت النوافل فها هنا معتركُ التردُّد؛ فإن أمكن القيام إليها به فذاك، وإلَّا نظرَ في الأرجح والأحبِّ إلى الله؛ هل هو القيامُ إلى تلك النافلة ولو ذهب واردُهُ؛ كإغاثة الملهوف وإرشاد ضالٍّ وجَبْر مكسورِ واستفادة إيمانٍ ونحو ذلك؛ فها هنا ينبغي تقديم النافلة الراجحة، ومتى قدَّمها لله رغبةً فيه وتقرُّبًا إليه فإنَّه يَرِدُ عليه ما فات من واردِهِ أقوى مما كان في وقتٍ

стр. 217

آخر، وإن كان الواردُ أرجحَ من النافلة فالحزمُ له الاستمرارُ في واردِهِ حتَّى يتوارى عنه؛ فإنه يفوتُ والنافلةُ لا تفوت. وهذا موضعٌ يحتاجُ إلى فضل فقهٍ في الطريق ومراتب الأعمال وتقديم الأهمِّ منها فالأهمِّ. والله الموفقُ لذلك، لا إله غيره ولا ربَّ سواهُ. فصل أصلُ الأخلاق المذمومة كلِّها الكِبرُ والمهانة والدَّناءةُ. وأصلُ الأخلاق المحمودة كلِّها الخشوعُ وعلوُّ الهمَّة. فالفخرُ والبطرُ والأشرُ والعُجْبُ والحسدُ والبغيُ والخُيَلاءُ والظُّلمُ والقسوةُ والتجبُّرُ والإعراضُ وإباءُ قبول النصيحة والاستئثارُ وطلبُ العلو وحب الجاه والرئاسة وأن يُحمَد بما لم يفعل وأمثالُ ذلك؛ كلُّها ناشئةٌ من الكبر. وأمَّا الكذبُ والخِسَّةُ والخيانةُ والرِّياءُ والمكرُ والخديعةُ والطمع والفزعُ والجُبْنُ والبخلُ والعجزُ والكسلُ والذُّلُّ لغير الله واستبدالُ الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ ونحوُ ذلك؛ [فكلُّها] من المهانة والدَّناءة وصغر النفس. وأمَّا الأخلاقُ الفاضلةُ؛ كالصبر والشجاعة والعدل والمروءة والعفَّة والصِّيانة والجود والحلم والعفو والصَّفْح والاحتمال والإيثار وعزَّة النفس عن الدَّناءات والتواضع والقناعة والصِّدق والإخلاص والمكافأة على الإحسان بمثله أو أفضلَ والتغافُل عن زلَّات الناس وترك الاشتغال بما لا يَعنِيه وسلامة القلب من تلك الأخلاق المذمومة ونحو ذلك؛ فكلُّها ناشئةٌ عن الخُشوع وعلوِّ الهمة.

стр. 218

والله سبحانه أخبر عن الأرض بأنَّها تكونُ خاشعةً، ثم يَنزِلُ عليها الماء، فتهتزُّ وتربو وتأخذُ زينتها وبهجتها؛ فكذلك المخلوق منها إذا أصابهُ حظُّه من التوفيق. وأمَّا النارُ فطبعُها العلوُّ والإفسادُ، ثم تخمُدُ فتصيرُ أحقرَ شيءٍ وأذلَّهُ، وكذلك المخلوقُ منها؛ فهي دائمًا بين العلو إذا هاجت واضطربت، وبين الخِسَّة والدَّناءة إذا خَمَدتْ وسكنتْ. والأخلاق المذمومةُ تابعةٌ للنار والمخلوق منها، والأخلاقُ الفاضلةُ تابعةٌ للأرض والمخلوق منها؛ فمن عَلتْ همَّتُهُ وخشَعتْ نفسُه اتَّصف بكل خلق جميل، ومن دَنَتْ همته وطغَتْ نفسه اتَّصف بكلِّ خلق رذيل. فصل المطلبُ الأعلى موقوفٌ حصولُه على همةٍ عاليةٍ ونيةٍ صحيحةٍ؛ فمن فقدهما تعذَّر عليه الوصولُ إليه. فإن الهمَّة إذا كانت عاليةً تعلَّقتْ به وحده دون غيره، وإذا كانت النيةُ صحيحةً سلك العبدُ الطريقَ الموصلة إليه؛ فالنية تُفرد له الطريقَ، والهمةُ تُفرد له المطلوبَ؛ فإذا توحَّدَ مطلوبه والطريق الموصلة إليه كان الوصولُ غايتَه. وإذا كانت همَّتُهُ سافلةً تعلقتْ بالسُّفليات ولم تتعلَّق بالمطلب الأعلى، وإذا كانت النيةُ غيرَ صحيحة كانت طريقُهُ غير موصلةٍ إليه. فمدارُ الشأن على همة العبد ونيَّته، وهما مطلوبُهُ وطريقُهُ، ولا يتمُّ له إلا بتركِ ثلاثة أشياء: العوائد والرسوم والأوضاع التي أحدثَها الناس.

стр. 219

الثاني: هجرُ العوائق التي تعوقه عن إفراد مطلوبه وطريقه وقطعها. الثالث: قطع علائق القلب التي تحول بينه وبين تجريد التعلق بالمطلوب. والفرق بينهما أن العوائق هي الحوادث الخارجية، والعلائق هي التعلُّقات القلبية بالمباحات ونحوها. وأصل ذلك ترك الفضول التي تَشْغَلُ عن المقصود من الطعام والشراب والمنام والخلطة؛ فيأخذُ من ذلك ما يُعِينه على طلبه، ويرفض منه ما يقطعه عنه أو يُضعِفُ طلبَه. والله المستعانُ. فصل: من كلام عبد الله بن مسعود ﵁ • قال رجلٌ عنده: ما أُحِبُّ أن أكون من أصحاب اليمين، أُحِبُّ أن أكون من المقرَّبين! فقال عبد الله: لكن ها هنا رجلٌ ودَّ أنه إذا مات لم يُبْعَثْ. يعني نفسَه (١). • وخرج ذات يوم، فاتَّبَعهُ ناسٌ، فقال لهم: ألكُم حاجةٌ؟ قالوا: لا، ولكن أردنا أن نمشي معك. قال: ارجِعوا فإنه ذِلَّةٌ للتابع وفتنةٌ للمتبوع (٢). • وقال: لو تعلمون مني ما أعلمُ من نفسي لحَثَوتُم على رأسي

стр. 220

التراب (١). • وقال: حبَّذا المكروهانِ الموتُ والفقرُ. وأيمُ الله إنْ هو إلَّا الغنَى والفقرُ، وما أبالي بأيِّهما بُلِيتُ، أرجو الله في كل واحدٍ منهما: إن كان الغنى إنَّ فيه للعطف، وإن كان الفقرُ إن فيه للصبر (٢). ٣ - وقال: إنكم في ممرِّ الليل والنهار؛ في آجالٍ منقوصةٍ، وأعمالٍ محفوطةٍ، والموتُ يأتي بغتةً؛ فمن زرع خيرًا فيُوشِكُ أن يَحصُد رغبةً، ومن زرع شرًّا فيوشكُ أن يَحصُد ندامةً، ولكلِّ زارعٍ مثل ما زرع؛ لا يسبقُ بطيءٌ بحظِّه، ولا يُدرِك حريصٌ ما لم يُقدَّر له؛ من أُعطي خيرًا فالله أعطاهُ، ومن وُقي شرًّا فالله وقاهُ. المتقون سادةٌ، والفقهاءُ قادةٌ، ومجالستُهم زيادة (٣). • إنَّما هما اثنتان: الهدْيُ والكلام؛ فأفضلُ الكلام كلامُ الله، وأفضَلُ الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرُّ الأمور مُحدثاتُها، وكلُّ مُحدَثَةٍ بدعةٌ؛ فلا يَطولَنَّ عليكم الأمدُ، ولا يُلهينَّكُمُ الأملُ؛ فإن كل ما هو آت قريبٌ، ألا وإن البعيد ما ليس آتيًا. ألا وإنَّ الشقي من شَقِيَ في بطنِ أمه، وإن السعيد من وُعِظَ بغيره. ألا وإنّ قتال المسلم كُفْرٌ، وسبابَهُ فُسوقٌ. ولا يَحلُّ لمسلم أن يَهجُرَ أخاهُ فوق ثلاثة أيام، حتَّى يُسلِّم عليه إذا لقيهُ، ويُجيبهُ إذا دعاهُ، ويعوده إذا مرض. ألا وإن شرَّ الرَّوايا روايا الكذب. ألا وإنَّ الكذب لا يصلُحُ منه جدٌّ ولا هزلٌ ولا أن يَعِدَ الرجلُ صَبيَّهُ شيئًا ثم لا

стр. 221

يُنْجِزُهُ. ألا وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، والفجورُ يهدي إلى النار، والصدق يهدي إلى البر، والبرُّ يهدي إلى الجنة، وإنّه يُقالُ للصادق: صدق وبرَّ، ويقالُ للكاذب: كذب وفجر، وإن محمدًا ﷺ حدثنا أن الرجل ليَصدُق حتى يُكتَب عند الله صدِّيقًا، ويكذبُ حتَّى يُكتَب عند الله كذَّابًا (١). • إنَّ أصدق الحديث كتابُ الله، وأوثق العُرى كلمةُ التَّقْوى، وخيرَ الملل ملةُ إبراهيم، وأحسن السُّنن سُنَّةُ محمد ﷺ ، وخير الهدي هديُ الأنبياء، وأشرف الحديث ذكرُ الله، وخير القصص القرآنُ، وخير الأمور عواقبها، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى، ونفسٌ تُنْجيها خيرٌ من إمارة لا تُحْصِيها، وشرُّ المعذرة حين يَحضرُ الموتُ، وشرُّ الندامة ندامةُ يوم القيامة، وشرُّ الضَّلالة الضَّلالةُ بعد الهُدى، وخيرُ الغنى غنى النَّفس، وخيرُ الزَّاد التَّقْوى، وخيرُ ما أُلقيَ في القلب اليقينُ، والرَّيبُ من الكفر، وشرُّ العمى عمى القلب، والخمر جِماعُ الإثم، والنساءُ حبائلُ الشيطان، والشبابُ شعبةٌ من الجنون، والنَّوْحُ من عمل الجاهلية، ومن الناس من لا يأتي الجمعةَ إلا دُبُرًا ولا يذكر الله إلا هُجرًا، وأعظم الخطايا الكذبُ، ومن يعفُ يَعفُ الله عنه، ومن يَكظِم الغيظَ يأْجُرْهُ الله، ومن يَغفِرْ يغفر الله له، ومن يصبر على الرَّزيَّة يُعْقِبْه الله، وشرُّ المكاسب كسبُ الرِّبا، وشرُّ المآكل مالُ اليتيم، وإنما يكفي أحدكم ما قنِعتْ به نفسُه، وإنما يصيرُ إلى أربعة أذرع، والأمر إلى آخره، وملاكُ العمل خواتمهُ، وأشرف الموت قتلُ الشُّهداءِ،

стр. 222

ومن يَستكبِر يَضَعْه الله، ومن يَعصِ الله يُطعِ الشيطانَ (١). • ينبغي لحامل القرآن أن يُعَرفَ بليله إذا الناسُ نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصَمْتِه إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون. وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا سكينًا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا ولا غافلًا ولا سخَّابًا ولا صَيَّاحًا ولا حديدًا (٢). • من تطاول تعظُّمًا حَطَّهُ الله، ومن تواضع تخشُّعًا رفعه الله (٣). • وإنَّ للملَكِ لَمَّةً وللشيطان لَمَّةً: فلَمَّةُ الملك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ؛ فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله. ولَمَّةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ؛ فإذا رأيتُم ذلك فتعوَّذوا بالله (٤). • إنَّ الناس قد أحسنوا القولَ؛ فمن وافق قولُه فعلَه فذاك الذي أصابَ حظَّه، ومن خالف قولُهُ فعلَه فذاك إنما يُوبِّخُ نفسه (٥). • إني لأُبغِضُ الرجلَ أن أراهُ فارغًا ليس في شيءٍ من عمل الدُّنيا ولا عمل الآخرة (٦).

стр. 223

• ومن لم تأمره الصلاةُ بالمعروف وتَنْهَه عن المنكر لم يزددْ بها من الله إلا بعدًا (١). • من اليقين أن لا تُرضي الناسَ بسخطِ الله، ولا تَحْمد أحدًا على رزق الله، ولا تلوم أحدًا على ما لم يُؤتِك الله؛ فإنَّ رزقَ الله لا يسوقه حرصُ حريصٍ ولا يَرُدُّهُ كراهةُ كارهٍ. وإن الله بقسطه وحلمه وعدله جعل الرَّوحَ والفرحَ في اليقين والرضى، وجعل الهمَّ والحزنَ في الشكِّ والسخط (٢). • ما دُمتَ في صلاة فأنت تَقْرَعُ بابَ الملك، ومن يَقْرَعْ بابَ الملك يُفتَحْ له (٣). • إني لأحسبُ الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها (٤). • كونوا ينابيعَ العلم، مصابيحَ الهُدى، أحلاسَ البيوت، سُرُجَ الليل، جُدُدَ القلوب، خُلقانَ الثياب، تُعرفون في السماء وتَخْفَون على أهل الأرض (٥). • إنَّ للقلوب شهوةً وإدبارًا؛ فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودَعُوها عند فترتها وإدبارها (٦).

стр. 224

• ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية (١). • إنكم ترون الكافر من أصحِّ الناس جسمًا وأمرضهم قلبًا، وتَلْقَون المؤمنَ من أصح الناس قلبًا وأمرضهم (٢) جسمًا. واللهِ لو مرضتْ قلوبكم وصحتْ أجسامُكم لكنتُمْ أهونَ على الله من الجُعْلان (٣). • لا يَبلُغ العبدُ حقيقةَ الإيمان حتى يَحُلَّ بذِرْوته، ولا يحُلُّ بذروته حتى يكون الفقرُ أحبَّ إليه من الغني والتواضعُ أحبَّ إليه من الشرف، وحتى يكون حامدُه وذامُّه عنده سواء (٤). • وإنَّ الرجل ليخرُجُ من بيته ومعه دينه فيرجعُ وما معه منه شيءٌ؛ يأتي الرجل، ولا يملك له ولا لنفسه ضَرًّا ولا نفعًا، فيُقسِمُ له بالله إنك لذَيْتَ وذَيتَ، فيرجع وما حُبِيَ من حاجته بشيءٍ وبسخط الله عليه (٥). • لو سَخِرتُ من كلبٍ لخشيتُ أن أُحوَّل كلبًا (٦). • الإثم حَوازُّ القلوب (٧). • ما كان من نظرة فإن للشيطان فيها مطمعًا (٨).

стр. 225

• مع كل فرحةٍ تَرْحةٌ، وما مُلئَ بيتٌ حبرةً إلَّا مُلئَ عبرةً (١). • ما منكم إلا ضيفٌ وما له عاريةٌ؛ فالضيف مرتحلٌ، والعارية مؤداةٌ إلى أهلها (٢). • يكون في آخر الزمان أقوامٌ أفضلُ أعمالهم التلاوُمُ بينهم، يُسمَّون الأنتانَ (٣). • إذا أحب الرجل أن يُنصِف من نفسه فليأتِ إلى الناس الذي يُحِب أن يؤتى إليه (٤). • الحقُّ ثقيل مريءٌ، والباطلُ خفيفٌ وبيءٌ، رُبَّ شهوةٍ تُورِثُ حزنًا طويلًا (٥). • ما على وجه الأرض شيءٌ أحوجُ إلى طول سَجْنٍ من لسان (٦). • إذا ظهر الزِّنى والرِّبا في قريةٍ أُذِنَ بهلاكها (٧). • من استطاعَ منكم أن يجعل كنزَه في السماء حيثُ لا يأكله السوسُ ولا تناله السرَّاقُ فليفعل؛ فإن قلب الرجل مع كنزه (٨).

стр. 226

• لا يُقلِّدنَّ أحدُكم دينَه رجلًا؛ فإن آمن آمنَ؛ وإن كفر كفر، وإن كنتم لا بدَّ مقتدين فاقتدوا بالميت؛ فإن الحي لا تُؤمَن عليه الفتنة (١). • لا يكن أحدكم إمَّعةً! قالوا: وما الإمعةُ؟ قال: يقولُ: أنا مع الناس؛ إن اهتَدوا اهتديتُ، وإن ضلُّوا ضللتُ، ألا لِيوطِّنْ أحدُكم نفسَه على أنه إن كفَر الناسُ لا يكفر (٢). • وقال له رجلٌ: علِّمني كلماتٍ جوامعَ نوافعَ! فقال: اعبُدِ الله لا تشرك به شيئًا، وزُلْ مع القرآن حيث زال، ومن جاءك بالحق فاقبلْ منه وإن كان بعيدًا بغيضًا، ومن جاءك بالباطل فارْدُدْ عليه وإن كان حبيبًا قريبًا (٣). • يُؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقالُ له: أدِّ أمانتك! فيقول: يا ربِّ! من أين وقد ذهبت الدُّنيا؟ فتُمثَّل على هيئتها يوم أخذَها في قعر جهنم، فيَنزِل فيأخذها فيضعُها على عاتقه فيصعد بها، حتى إذا ظن أنه خارج بها هَوتْ وهوى في أثرها أبدَ الآبدين (٤). • اطلبْ قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالِس الذِّكر، وفي أوقات الخلوة؛ فإن لم تجدهُ في هذه المواطن فسَلِ الله أن يَمُنَّ عليك بقلبٍ؛ فإنه لا قلبَ لك.

стр. 227

• قال الجنيدُ: دخلتُ على شابٍّ فسألني عن التوبة؟ فأجبتُه، فسألني عن حقيقتها؟ فقلتُ: أن تَنصِبَ ذنبَك بين عينيك حتى يأتيك الموتُ. فقال لي: مه! ما هذا حقيقةَ التوبة. فقلتُ له: فما حقيقةُ التوبة عندك يا فتى؟! قال: أن تَنسَى ذنبك. وتركني ومضى. [فقال رجلٌ:] فكيف هو عندك يا أبا القاسم؟ فقلتُ: القولُ ما قال الفتى. قال: كيف؟ قلتُ: إذا كنتُ معه في حال، ثم نقلني من حال الجفاء إلى حال الوفاء؛ فذكري للجفاء في حال الوفاء جفاء (١). فصل لا يجتمع الإخلاصُ في القلب ومحبةُ المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلَّا كما يجتمع الماءُ والنار والضبُّ والحوتُ. فإذا حدَّثتْك نفسُك بطلب الإخلاص فأقبِلْ على الطمع أولًا فاذبحْه بسكين اليأس، وأقبِلْ على المدح والثناء فازهد فيهما زهدَ عُشاق الدُّنيا في الآخرة؛ فإذا استقام لك ذبحُ الطمع والزُّهدُ في الثناء والمدح؛ سَهُلَ عليك الإخلاص. فإن قلت: وما الذي يُسهِّل عليَّ ذبحَ الطمع والزهدَ في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيُسهِّله عليك علمُك يقينا أنه ليس من شيء يُطمَع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنُهُ؛ لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبدَ منها شيئًا سواهُ.

стр. 228

وأما الزهدُ في الثناء والمدح فيُسهِّلُه عليك علمُك أنه ليس أحدٌ ينفعُ مدحُه وَيزِيْن ويَضرُّ ذمُّه وَيشينُ إلَّا الله وحده؛ كما قال ذلك الأعرابيُّ للنبي ﷺ : إن مدحي زَينٌ وَذمِّي شَينٌ. فقال: "ذلك الله " (١)؛ فازهد في مدح من لا يَزِينُك مدحه وفي ذمِّ من لا يَشِينك ذمُّهُ، وارغبْ في مدح مَن كلُّ الزين في مدحه وكل الشين في ذمِّه. ولن تقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين؛ فمتى فقدتَ الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركبٍ. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]. فصل لذَّةُ كل أحدٍ على حسب قدره وهمته وشرفِ نفسه: فأشرفُ النَّاس نفسًا وأعلاهم همةً وأرفعهم قدرًا من لذَّتُهُ في معرفة الله ومحبَّته والشوق إلى لقائه والتودُّد إليه بما يحبُّه ويرضاه؛ فلذَّتُه في إقباله عليه وعكوف همَّته عليه. ودون ذلك مراتبُ لا يُحصيها إلَّا الله، حتى تنتهي إلى من لذَّتُهُ في أخسِّ الأشياء من القاذورات والفواحش في كلِّ شيءٍ من الكلام والفعال والأشغال؛ فلو عُرض عليه ما يلتذُّ به الأولُ لم تَسمَح نفسُه بقبوله ولا الالتفات إليه وربما تألَّمتْ من ذلك؛ كما أن

стр. 229

الأول إذا عُرِض عليه ما يلتذُّ به هذا لم تسمَحْ نفسه به ولم تلتفتْ إليه ونفرتْ نفسه منه. وأكمل الناس لذةً من جُمِع له بين لذَّة القلب والروح ولذة البدن؛ فهو يتناول لذَّاته المباحة على وجهٍ لا ينقُصُ حظّه من الدار الآخرة ولا يقطع عليه لذَّةَ المعرفة والمحبة والأنس بربِّه؛ فهذا ممن قال تعالى فيه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وأبخسُهم حظًّا من اللذة من تناولها على وجهٍ يحولُ بينه وبين لذَّات الآخرة، فيكون ممن يقال لهم يوم استيفاء اللَّذَّاتِ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. فهؤلاء تمتعوا بالطيبات، وأولئك تمتعوا بالطيبات. وافترقوا في وجه التمتع: فأولئك تمتعوا بها على الوجه الذي أُذِن لهم فيه، فجُمِعَ لهم بين لذَّة الدُّنيا والآخرة. وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة، وسواءٌ أُذن لهم فيه أم لا، فانقطعت عنهم لذَّةُ الدنيا وفاتتهم لذة الآخرة؛ فلا لذَّةُ الدنيا دامتْ لهم ولا لذَّةُ الآخرة حصلتْ لهم. فمن أحبَّ اللذة ودوامها والعيشَ الطيب فليجعلْ لذة الدُّنيا موصلًا له إلى لذة الآخرة؛ بأن يستعين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته، فيتناولها بحكم الاستعانة والقوة على طلبه، لا بحكم مجرَّد الشهوة والهوى. وإن كان ممن زُوِيَتْ عنه لذَّاتُ الدُّنيا وطيباتُها فليجعل ما نُقِصَ منها زيادةً في لذَّة الآخرة، ويُجِمَّ نفسَه ها هنا بالترك ليستوفيها كاملةً هناك.

стр. 230

فطيباتُ الدنيا ولذَّاتُها نِعمَ العونُ لمن صح طلبه لله والدار الآخرة وكانت همتُه لما هناك، وبئسَ القاطعُ لمن كانت هي مقصوده وهمته وحولها يُدَندِن. وفواتُها في الدنيا نعم العونُ لطالب الله والدار الآخرة، وبئسَ القاطع للنازعِ من الله والدار الآخرة. فمن أخذ منافع الدنيا على وجهٍ لا ينقص حظّه من الآخرة ظَفِرَ بهما جميعًا، وإلَّا خَسِرَهما جميعًا. سبحان الله رب العالمين! لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلَّا إقامةُ المروءة، وصونُ العِرض، وحفظُ الجاه، وصيانةُ المال الذي جعله الله قِوامًا لمصالح الدنيا والآخرة، ومحبةُ الخلق، وجوازُ القول بينهم، وصلاحُ المعاش، وراحةُ البدن، وقوةُ القلب، وطيب النفس، ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفُسَّاق والفُجَّار، وقلةُ الهمّ والغمّ والحزن، وعزُّ النفس عن احتمال الذُّلِّ، وصونُ نور القلب أن تُطفئهُ ظلمةُ المعصية، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار، وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسبُ، وتيسير ما عَسُرَ على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم، والثناء الحسن في الناس، وكثرة الدُّعاء له، والحلاوةُ التي يكتسبها وجهه، والمهابةُ التي تُلقى له في قلوب الناس، وانتصارُهم وحميتُهم له إذا أُوذي وظُلِم، وذبُّهم عن عِرْضِه إذا اغتابه مغتابٌ، وسرعة إجابة دعائه، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وقُربُ الملائكة منه، وبعدُ شياطين الإنس والجنِّ منه، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه، وخطبتهم لمودَّته وصحبته، وعدم خوفه من الموت بل يفرح به لقدومه على ربِّه

стр. 231

ولقائه له ومصيره إليه، وصِغَرُ الدُّنيا في قلبه، وكِبَرُ الآخرة عنده، وحرصُهُ على الملك الكبير والفوز العظيم فيها، وذوقُ حلاوة الطاعة، ووجدُ حلاوة الإيمان، ودعاءُ حملة العرش ومن حوله من الملائكة له، وفرحُ الكاتبين به ودعاؤُهم له كلَّ وقتٍ، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته، وحصول محبة الله له وإقباله عليه وفرحه بتوبته، وهكذا يجازيه بفرح وسرورٍ لا نسبةَ له إلى فرحِه وسروره بالمعصية بوجهٍ من الوجوه. فهذه بعضُ آثار ترك المعاصي في الدُّنيا. فإذا مات تلقَّتْهُ الملائكةُ بالبُشرى من ربِّه بالجنة، وبأنَّه لا خوف عليه ولا حُزْن، وينتقلُ من سجن الدُّنيا وضيقها إلى روضةٍ من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة. فإذا كان يومُ القيامة كان الناسُ في الحرِّ والعرَقِ، وهو في ظلِّ العرش. فإذا انصرفوا من بين يدي الله أخذَ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين. و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. فصل ذكر ابنُ سعد في "الطبقات" (١) عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان إذا خطب على المنبر، فخاف على نفسه العُجْبَ قطعهُ. وإذا كتب كتابًا، فخاف فيه العُجْبَ مزَّقه. ويقولُ: اللهمَّ! إنِّي أعوذُ بك من شرِّ نفسي.

стр. 232

اعلم أن العبد إذا شرع في قول أو عمل؛ يبتغي به مرضاة الله، مطالعًا فيه منَّةَ الله عليه به وتوفيقَه له فيه، وأنه بالله لا بنفسه ولا بمعرفته وفكره وحوله وقوَّته، بل هو بالذي أنشأ له اللسانَ والقلب والعين والأذن، فالذي منَّ عليه بذلك هو الذي مَنَّ عليه بالقول والفعل؛ فإذا لم يَغِبْ ذلك عن ملاحظته ونظر قلبه لم يَحضُره العُجْبُ الذي أصلُهُ رؤيةُ نفسه وغيَبتُهُ عن شهود مِنَّة ربِّه وتوفيقه وإعانته. فإذا غابَ عن تلك الملاحظة وَثَبتِ النفسُ وقامت في مقام الدَّعوى، فوقع العُجب، ففسد عليه القول والعملُ: فتارةً يُحال بينه وبين تمامه ويُقطَع عليه، ويكون ذلك رحمةً به، حتى لا يغيب عن مشاهدة المنة والتوفيق. وتارةً يتمُّ له، ولكن لا يكون له ثمرةٌ، وإن أثمَر أثمرَ ثمرةً ضعيفةً غير محصلةٍ للمقصود. وتارةً يكون ضررُه عليها أعظمَ من انتفاعه، ويتولَّدُ له منه مفاسد شتَّى بحسب غيبته عن ملاحظة التوفيق والمنة ورؤيته نفسَه وأن القول والفعل به. ومن هذا الموضع يُصلِحُ اللَّهُ سبحانه أقوالَ عبده وأعماله ويُعظِم له ثمرتَها أو يُفسِدُها عليه ويمنعه ثمرتها؛ فلا شيءَ أفسدُ للأعمال من العُجْب ورؤية النفس. فإذا أراد الله بعبده خيرًا أشهده منتَه وتوفيقه وإعانتَه له في كل ما يقوله ويفعله، فلا يُعجَب به، ثم أشهده تقصيره فيه، وأنه لا يرضى لربه به، فيتوب إليه منه ويستغفره ويستحيي أن يطلب عليه أجرًا. وإذا لم يُشهِده ذلك، وغيَّبهُ عنه، فرأى نفسه في العمل، ورآه بعين الكمال والرضى، لم يقع ذلك العمل منه موقع القبول والرِّضى والمحبة. فالعارفُ يعمل العمل لوجهه، مشاهدًا فيه منته وفضلهُ وتوفيقه،

стр. 233

معتذرًا منه إليه، مستحييًا منه إذ لم يُوفِّه حقَّهُ. والجاهل يعمل العمل لحظِّه وهواهُ، ناظرًا فيه إلى نفسه، يمُنُّ به على ربِّه، راضيًا بعمله. فهذا لونٌ وذاك لونٌ آخرُ. فصل الوصول إلى المطلوب موقوف على هَجْر العوائد وقطع العوائق [والعلائق]: فالعوائدُ: السكونُ إلى الدَّعَةِ والراحة وما أَلِفهُ الناس واعتادوهُ من الرسوم والأوضاع، التي جعلوها بمنزلة الشرع المتَّبع، بل هي عندهم أعظم من الشرع؛ فإنهم ينكرون على من خرج عنها وخالفها ما لا ينكرون على من خالف صريح الشرع، وربما كفّروه أو بدّعوه وضلَّلوه أو هجروه وعاقبوه لمخالفة تلك الرسوم، وأماتوا لها السُّنن، ونصبوها أندادًا للرسول يُوالون عليها ويُعادون؛ فالمعروفُ عندهم ما وافقها والمنكر ما خالفها. وهذه الأوضاعُ والرسومُ قد استولتْ على طوائف بني آدم من الملوك والولاة والفقهاء والصوفيَّة والفقراء والمطوِّعين والعامة؛ فرُبِّي فيها الصغير، ونشأ عليها الكبير، واتُّخِذت سننًا، بل هي أعظم عند أصحابها من السنن، الواقفُ معها محبوسٌ، والمتقيِّدُ بها منقطعٌ، عمَّ بها المُصابُ، وهُجِر لأجلها السنة والكتاب، من استنصر بها فهو عند الله مخذولٌ، ومن اقتَدى بها دون كتاب الله وسنَّةِ رسوله فهو عند الله غيرُ مقبول. وهذا أعظم الحُجُب والموانع بين العبد وبين النفوذ إلى الله ورسوله.

стр. 234

فصل وأما العوائقُ فهي أنواع المخالفات ظاهرها وباطنها؛ فإنها تَعُوق القلبَ عن سيرِه إلى الله وتقطع عليه طريقَه. وهي ثلاثة أمورٍ: شركٌ، وبدعةٌ، ومعصيةٌ؛ فيزولُ عائقُ الشرك بتجريد التوحيد، وعائقُ البدعة بتحقيق السنة، وعائقُ المعصية بتصحيح التوبة. وهذه العوائق لا تتبيَّنُ للعبد حتى يأخذ في أُهبة السفر ويتحقَّقَ بالسير إلى الله والدار الآخرة؛ فحينئذٍ تظهر له هذه العوائقُ ويُحِسُّ بتعويقها له بحسب قوة سيره وتجرُّده للسفر، وإلَّا فما دام قاعدًا لا تظهرُ له كوامنُها وقواطعُها. فصل وأما العلائقُ فهي كل ما تعلق به القلب دون الله ورسوله من ملاذِّ الدنيا وشهواتها ورئاساتها وصحبة الناس والتعلق بهم. ولا سبيل له إلى قطع هذه الأمور الثلاثة ورفضها إلا بقوَّة التعلق بالمطلب الأعلى، وإلَّا فقطعُها عليه بدون تعلقه بمطلوبه ممتنعٌ؛ فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلَّا لمحبوب هو أحبُّ إليها منه وآثرُ عندها منه، وكلما قوي تعلقُه بمطلوبه ضعُفَ تعلقه بغيره، وكذا بالعكس، والتعلقُ بالمطلوب هو شدَّةُ الرغبة فيه، وذلك على قدر معرفته به وشرفه وفضله على ما سواه. فصل لما كمَّل الرسولُ ﷺ مقامَ الافتقار إلى الله سبحانه أحوجَ الخلائقَ

стр. 235

كلهم إليه في الدُّنيا والآخرة: أمَّا حاجتهم إليه في الدُّنيا فأشدُّ من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنفَس الذي به حياةُ أبدانهم. وأما حاجتهم إليه في الآخرة فإنهم يستشفعون بالرُّسل إلى الله حتَّى يُرِيْحَهم من ضيق مقامهم؛ فكلهم يتأخر عن الشفاعة، فيشفع لهم، وهو الذي يَستفتحُ لهم باب الجنة (١). فصل من علامات السعادة والفلاح: أن العبد كلما زِيدَ في علمه زيد في تواضعه ورحمته، وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقصَ من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قُربه من الناس وقضاءِ حوائجهم والتواضع لهم. وعلاماتُ الشقاوة: أنه كلما زيد في علمه زيد في كِبْره وتِيْهِه، وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنِّه بنفسه، وكلما زيد في عمره زيد في حرصه، وكلما زيد في مالِه زيد في بخله وإمساكِه، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه. وهذه الأمورُ ابتلاءٌ من الله وامتحانٌ يَبْتَلي بها عبادَه فيَسعَدُ بها أقوامٌ ويَشقى بها أقوامٌ.

стр. 236

وكذلك الكراماتُ امتحانٌ وابتلاءٌ كالملك والسلطان والمال؛ قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]. فالنعم ابتلاءٌ من الله وامتحانٌ يظهر به شكر الشكور وكفر الكفور؛ كما أن المحن بلوى منه سبحانه؛ فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]؛ أي ليس كل من وسَّعتُ عليه وأكرمتُه ونعَّمته يكون ذلك إكرامًا مني له، ولا كل من ضيَّقتُ عليه رزقه وأبليتُه يكون ذلك إهانةً مني له. فصل من أراد علوَّ بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به؛ فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه. فالأعمال والدرجات بنيانٌ، وأساسها الإيمان، ومتى كان الأساس وثيقًا حملَ البنيانَ واعتلى عليه، وإذا تهدَّم شيءٌ من البنيان سهُل تداركُه، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيانُ ولم يثبتْ، وإذا تهدَّم شيءٌ من الأساس سقط البنيانُ أو كاد. فالعارف همَّته تصحيح الأساس وإحكامه، والجاهلُ يرفع في البناء عن غير أساس؛ فلا يلبث بنيانه أن يسقط. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩]. فالأساسُ لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان؛ فإذا كانت القوة قويَّةً

стр. 237

حملت البدنَ ودفعتْ عنه كثيرًا من الآفات، وإذا كانت القوة ضعيفةً ضعُف حملُها للبدن وكانت الآفاتُ إليه أسرع شيءٍ. فاحملْ بنيانَك على قوَّة أساس الإيمان؛ فإذا تشعَّثَ شيءٌ من أعالي البناء وسطحه كان تداركه أسهلَ عليك من خراب الأساس. وهذا الأساس أمران: صحةُ المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته. والثاني: تجريدُ الانقياد له ولرسوله دون ما سواه. فهذا أوثق أساسٍ أسَّس العبدُ عليه بنيانَه، وبحسبه يعتلي البناء ما شاء. فأحْكِم الأساسَ، واحفظ القوة، ودُمْ على الحِمْية، واستفرِغْ إذا زاد بك الخلط، والقصدَ القصدَ وقد بلغتَ المراد، وإلَّا فما دامت القوة ضعيفةً والمادةُ الفاسدة موجودةً والاستفراغُ معدومًا: فاقْرَ السَّلامَ على الحياة فإنَّها … قد آذنتْك بسرعةِ التَّوْديعِ فإذا كملَ البناءُ؛ فبيِّضْه بحسن الخلق والإحسان إلى الناس، ثم حُطْهُ بسُورٍ من الحذر لا يقتحمه عدوٌّ ولا تبدو منه العورة، ثم أَرْخِ السُّتورَ على أبوابه، ثم أقْفِلِ البابَ الأعظم بالسكوت عما تخشى عاقبته، ثم رَكِّبْ له مفتاحًا من ذكر الله به تفتحه وتغلقه؛ فإن فتحتَ فتحتَ بالمفتاح، وإن أغلقتَ الباب أغلقتَه به، فتكون حينئذٍ قد بنيتَ حِصنًا تحصَّنتَ فيه من أعدائك؛ إذا طاف به العدو لم يجد منه مدخلًا، فييأس منك. ثم تعاهدْ بناءَ الحصن كلَّ وقت؛ فإن العدو إذا لم يطمع في الدخول من الباب نَقَبَ عليك النقوبَ من بعيد بمعاول الذُّنوب. فإن أهملتَ أمرهُ وصل إليك النَّقبُ؛ فإذا العدو معك في داخل الحصن، فيصعب عليك

стр. 238

إخراجه، وتكون معه على ثلاث خلال: إما أن يغلبك على الحصن ويستولي عليه، وإما أن يُساكنك فيه، وإما أن يَشغلك بمقابلته عن تمام مصلحتك وتعود إلى سَدِّ النقب ولَمِّ شَعَثِ الحصن. وإذا دخل نقبُه إليك نالك منه ثلاث آفات: إفسادُ الحصن، والإغارة على حواصله وذخائره، ودلالة السراق من بني جنسه على عورته. فلا يزال يُبلَى منه بغارة بعد غارة حتى يُضعِفوا قواه ويُوهِنوا عزمَه فيتخلَّى عن الحصن ويُخلِّي بينهم وبينه. وهذه حالُ أكثر النفوس مع هذا العدوِّ، ولهذا تراهم يُسخِطون ربهم برضى أنفسهم بل برضى مخلوقٍ مثلهم لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، ويُضيِّعون كسبَ الدِّين بكسب الأموال، ويُهلِكون أنفسهم بما لا يبقى لهم، ويَحرِصون على الدنيا وقد أدبرت عنهم، ويزهدون في الآخرة وقد هَجَمتْ عليهم، ويخالفون ربهم باتباع أهوائهم، ويتكلون على الحياة ولا يذكرون الموت، ويذكرون شهواتهم وحظوظهم وينسون ما عهد الله إليهم، ويهتمون بما ضَمِنَه الله لهم ولا يهتمون بما أمرهم به، ويفرحون بالدنيا ويحزنون على فوات حظهم منها ولا يحزنون على فوات الجنة وما فيها، ولا يفرحون بالإيمان فرحهم بالدِّرهم والدينار، ويُفسِدون حقَّهم بباطلهم وهداهم بضلالهم ومعروفَهم بمنكرهم، ويَلبِسُون إيمانَهم بظنونهم، ويَخلِطُون حلالَهم بحرامهم، ويترددون في حيرَة آرائهم وأفكارهم، ويتركون هدى الله الذي أهداه إليهم. ومن العجب أن هذا العدو يَستعمل صاحبَ الحصن في هدم حصنه بيديه!!

стр. 239

فصل أركان الكفر أربعةٌ: الكبرُ، والحسد، والغضب، والشهوة ؛ فالكبر يمنعه الانقيادَ، والحسد يمنعه قبولَ النصيحة وبذلها، والغضبُ يمنعه العدلَ، والشهوة تمنعه التفرُّغَ للعبادة. فإذا انهدم ركنُ الكبر سَهُلَ عليه الانقياد، وإذا انهدم ركنُ الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله، وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع، وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبرُ والعفافُ والعبادةُ. وزوال الجبال عن أماكنها أيسر من زوال هذه الأربعة عمن بُلِي بها، ولا سيما إذا صارت هيئاتٍ راسخةً وملكاتٍ وصفاتٍ ثابتة؛ فإنه لا يستقيم له معها عملٌ البتة، ولا تزكو نفسه مع قيامها بها، وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة، وكل الآفات متولدةٌ منها، وإذا استحكمت في القلب؛ أرتْه الباطلَ في صورة الحق والحقَّ في صورة الباطل، والمعروفَ في صورة المنكر والمنكرَ في صورة المعروف، وقَرَّبتْ منه الدنيا وبعَّدتْ منه الآخرةَ. وإذا تأملتَ كفرَ الأمم رأيتَه ناشئًا منها، وعليها يقع العذابُ، وتكون خفتُهُ وشدته بحسب خفتها وشدتها؛ فمن فتحَها على نفسه فتَحَ عليه أَبوابَ الشرور كلها عاجلًا وآجلًا، ومن أغلقَها على نفسه أغلقَ عنه أبوابَ الشرور؛ فإنها تمنع الانقياد والإخلاص والتوبة والإنابة وقبول الحق ونصيحة المسلمين والتواضع لله ولخلقه. ومنشأ هذه الأربعة من جهله بربِّه وجهله بنفسه؛ فإنه لو عرفَ ربَّه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وعرف نفسَه بالنقائص والآفات؛ لم

стр. 240

يتكبْر ولم يغضبْ لها ولم يحسُدْ أحدًا على ما آتاه الله؛ فإن الحسد في الحقيقة نوعٌ من معاداة الله؛ فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله، ويُحِبّ زوالَها عنه والله يكره ذلك؛ فهو مضادٌّ لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته، ولذلك كان إبليس عدوَّه حقيقةً؛ لأنَّ ذنبه كان عن كبر وحسد. فقلْعُ هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده والرضى به وعنه والإنابة إليه. وقَلْع الغضب بمعرفة النفس وأنها لا تَستحقُّ أن يغضب لها وينتقم لها؛ فإن ذلك إيثارٌ لها بالرضى والغضب على خالقها وفاطرها. وأعظم ما تدفع به هذه الآفة أن يُعوِّدها أن تَغضَب له سبحانه وترضى له؛ فكلما دخلها شيءٌ من الغضب والرضى له خرجَ منها مقابله من الغضب والرِّضى لها، وكذا بالعكس. أما الشهوةُ فدواؤها صحة العلم والمعرفة بأن إعطاءها شهواتِها أعظمُ أسباب حرمانها إياها ومنعها منها، وحِمْيتها أعظم أسباب اتصالها إليها؛ فكلما فتحتَ عليها بابَ الشهوات كنتَ ساعيًا في حرمانها إياها، وكلما أغلقتَ عنها ذلك الباب كنتَ ساعيًا في إيصالها إليها على أكمل الوجوه. فالغضب مثل السَّبُع؛ إذا أفلتَه صاحبُه بدأ بأكله، والشهوة مثل النار، إذا أضرمها صاحبها بدأتْ بإحراقه، والكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه؛ فإن لم يُهلِكْك طردَك عنه، والحسد بمنزلة معاداة من هو أقدر منك. والذي يَغلِبُ شهوتَه وغضبَه يَفْرَقُ الشيطانُ من ظله، ومن تَغلِبه شهوتُه وغضبُه يَفرَقُ من خياله.

стр. 241

فصل عظيم النفع الجهال بالله وأسمائه وصفاته، المعطلون لحقائقها؛ يُبغِّضون اللهَ إلى خلقه، ويقطعون عليهم طريقَ محبته والتودُّدِ إليه بطاعته من حيث لا يعلمون. ونحن نذكر من ذلك أمثلة تَحتذي عليها: فمنها: أنهم يُقرِّرون في نفوس الضعفاء أن الله سبحانه لا تنفع معه طاعةٌ وإن طال زمانها وبالغ العبد وأتى بها بظاهرهِ وباطنه، وأن العبد ليس على ثقة ولا أمنٍ من مكره، بل شأنه سبحانه أن يأخذ المطيع المتقي من المحراب إلى الماخور، ومن التوحيد والمسبحة إلى الشرك والمزمار، ويُقلِّب قلبه من الإيمان الخالص إلى الكفر. ويروون في ذلك آثارًا صحيحة لم يفهموها، وباطلة لم يَقُلْها المعصوم، ويزعمون أن هذا حقيقة التوحيد، ويتلون على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ويقيمون إبليس حجة لهم على هذه المعرفة، وأنه كان طاووس الملائكة، وأنه لم يترك في السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا وله فيها سجدة أو ركعة، لكن جَنَى عليه جاني القدر وسَطَا عليه الحكم، فقلبَ عينَه الطيبة وجعلها أخبثَ شيء، حتى قال بعض عارفيهم: إنك ينبغي أن تخاف الله كما تخاف الأسدَ الذي يَثِبُ عليك بغير جرم منك ولا ذنبٍ أتيتَه إليه!! ويَحتجُّون بقول النبي ﷺ : "إن أحدكم ليعملُ بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيَسبِق عليه الكتابُ، فيعمل بعمل أهل

стр. 242

النار، فيدخلها" (١)، ويروون عن بعض السلف: أكبر الكبائر: الأمن من مكر الله، والقنوطُ من رحمة الله (٢). وذكر الإمام أحمدُ عن عون بن عبد الله أو غيره؛ أنه سمع رجلًا يدعو: اللهم! لا تُؤمِنِّي مكرَك! فأنكر ذلك وقال: قُلْ: اللهم! لا تجعلني ممَّن يأمن مكرَك. وبنوا هذا على أصلهم الباطل، وهو إنكارُ الحكمة والتعليل والأسباب، وأن الله لا يفعل لحكمةٍ ولا بسبب، وإنما يفعل بمشيئة مجردةٍ من الحكمة والتعليل والسبب؛ فلا يفعل لشيءٍ ولا بشيءٍ، وأنه يجوزُ عليه أن يُعذِّب أهل طاعته أشدَّ العذاب، ويُنعم أعداءه وأهل معصيته بجزيل الثواب، وأن الأمرين بالنسبة إليه سواءٌ، ولا يُعلَم امتناعُ ذلك إلا بخبر من الصادق أنه لا يفعله؛ فحينئذٍ يُعلَم امتناعُهُ؛ لوقوع الخبر بأنه لا يكون، لا لأَنَّه في نفسه باطلٌ وظلمٌ؛ فإن الظلم في نفسه مستحيلٌ؛ فإنه غير ممكن، بل هو بمنزلة جعل الجسم الواحد في مكانين في آنٍ واحدٍ، والجمع بين الليل والنهار في ساعةٍ واحدةٍ، وجعل الشيء موجودًا معدومًا معًا في آنٍ واحد؛ فهذا حقيقةُ الظُّلم عندهم. فإذا رجع العامل إلى نفسه قال: من لا يَستقرُّ له أمرٌ، ولا يُؤمَن له مكرٌ؛ كيف يُوثَق بالتقرب إليه؟! وكيف يُعوَّلُ على طاعته واتِّباع أوامره؟! وليس لنا سوى هذه المدة اليسيرة؛ فإذا هجرنا فيها اللَّذات، وتركنا الشهوات، وتكلفنا أثقال العبادات، وكُنَّا مع ذلك على غير ثقةٍ منه أن يقلب علينا الإيمان كفرًا والتوحيد شركًا والطاعة معصيةً والبِرَّ فجورًا ويُديم علينا العقوباتِ؛ كنا خاسرين في الدنيا والآخرة!!

стр. 243

فإذا استحكم هذا الاعتقاد في قلوبهم وتخمَّر في نفوسهم؛ صاروا إذا أُمروا بالطاعات وهَجْر اللَّذَّات بمنزلة إنسان جعل يقول لولده: معلمك إن كتبتَ وأحسنتَ وتأدبت ولم تَعصه ربما أقام لك حجةً وعاقبك، وإن كسلتَ وبطلتَ وتعطلتَ وتركتَ ما أمرك به ربما قرَّبك وأكرمك! فيُودِعُ بهذا القول قلبَ الصبي ما لا يثق بعده إلى وعيدِ المعلم على الإساءة ولا وعدِه على الإحسان! وإن كبرَ الصبيُّ وصلح للمعاملات والمناصب قال له: هذا سلطان بلدنا؛ يأخذُ اللصَّ من الحبس فيجعله وزيرًا أميرًا، ويأخذ الكيِّسَ المحسن لشغله فيُخلّدُهُ الحبسَ ويقتله ويصلبه! فإذا قال له ذلك أوحشه من سلطانه، وجعله على غير ثقة من وعده ووعيده، وأزال محبته من قلبه، وجعله يخافه مخافةَ الظالم الذي يأخذ المحسنَ بالعقوبة والبريء بالعذاب، فأفلسَ هذا المسكينُ من اعتقاد كون الأعمال نافعة أو ضارة؛ فلا بفعل الخير يستأنس ولا بفعل الشر يستوحش! وهل في التنفير عن الله وتبغيضه إلى عباده أكثر من هذا؟! ولو اجتهد الملاحدة على تبغيض الدين والتنفير عن الله لما أَتوا بأكثر من هذا؟! وصاحب هذه الطريقة يظن أنه يقرر التوحيد والقدر ويردُّ على أهل البدع وينصر الدين، ولعَمْر اللهِ العدوُّ العاقل أقل ضررًا من الصديق الجاهل. وكتبُ الله المنزلة كلها ورسلُه كلهم شاهدةٌ بضد ذلك، ولا سيما القرآن؛ فلو سَلَكَ الدعاءَ المسلكَ الذي دعا الله ورسوله ﷺ به الناسَ إليه لصلحَ العالمُ صلاحًا لا فساد معه.

стр. 244

فالله سبحانه أخبر -وهو الصادق الوفيُّ- أنه إنما يُعامل الناسَ بكسبهم، ويُجازيهم بأعمالهم، ولا يَخاف المحسنُ لديه ظلمًا ولا هَضْمًا، ولا يخاف بخسًا ولا رَهَقًا، ولا يُضيّع عملَ محسن أبدًا، ولا يُضيّع على العبد مثقالَ ذرة ولا يَظلمها ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، وإن كان مثقال حبة من خردل جازاه بها ولا يُضيعها عليه، وأنه يجزي بالسيئة مثلها ويُحبِطها بالتوبة والندم والاستغفار والحسنات والمصائب، ويَجزي بالحسنة عشرَ أمثالها ويُضاعفها إلى سبع مئة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرة، وهو الذي أصلح الفاسدين، وأقبل بقلوب المعرضين، وتاب على المذنبين، وهَدى الضالين، وأنقذ الهالكين، وعلَّم الجاهلين، وبصَّر المتحيرين، وذكّر الغافلين، وآوى الشاردين، وإذا أوقع عقابًا أوقعه بعد شدة التمرد والعتوّ عليه ودعوة العبد إلى الرجوع إليه والإقرار بربوبيته وحقه مرة بعد مرة، حتى إذا أيِسَ من استجابته والإقرار بربوبيته ووحدانيته؛ أخذه ببعض كفره وعتوه وتمرده؛ بحيث يَعذِرُ العبدُ من نفسه ويعترف بأنه سبحانه لم يظلمه وأنه هو الظالم لنفسه. كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك: ١١]. وقال عمن أهلكهم في الدنيا: إنهم لما رأوا آياته وأحسوا بعذابه قالوا: ﴿يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾ [الأنبياء: ١٤ - ١٥]. وقال أصحاب الجنة التي أفسدها عليهم لما رأوها قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾ [القلم: ٢٩].

стр. 245

قال الحسن: لقد دخلوا النار وإنَّ حمدهُ لفي قلوبهم ما وجدوا عليه حجة ولا سبيلا. ولهذا قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٥]؛ فهذه الجملة في موضع الحال؛ أي قُطِع دابرهم حالَ كونه سبحانه محمودًا على ذلك، فقُطِعَ دابرُهم قطعًا مصاحبًا لحمده؛ فهو قطع وإهلاكٌ يُحمَد عليه الرب تعالى لكمال حكمته وعدله ووَضْعِه العقوبةَ في موضعها الذي لا يليق به غيرها، فوضعها في الموضع الذي يقول من علم الحال: لا تليق العقوبة إلا بهذا المحل، ولا يليق به إلا العقوبة. ولهذا قال عقيب إخباره عن الحكم بين عباده ومصير أهل السعادة إلى الجنة وأهل الشقاء إلى النار: ﴿وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥]، فحذف فاعل القول إشعارًا بالعموم وأن الكون كله قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٧٥)﴾ لما شاهدوا من حكمة الحقِّ وعدله وفضله، ولهذا قال في حق أهل النار: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢]، كأن الكون كلُّه يقول ذلك، حتى تقوله أعضاؤهم وأرواحهم وأرضهم وسماؤُهم. وهو سبحانه يخبر أنه إذا أهلك أعداءه أنجى أولياءه، ولا يَعمُّهم بالهلاك بمحض المشيئة. ولما سأله نوح نجاةَ ابنه أخبر أنه يُغرِقه بسوء عمله وكفرِه، ولم يقل: إني أُغرِقه بمحض مشيئتي وإرادتي بلا سبب ولا ذنب!! وقد ضَمِنَ سبحانه زيادةَ الهداية للمجاهدين في سبيله ولم يُخبر أن

стр. 246

يُضِلّهم ويُبطِل سعيَهم، وكذلك ضَمِنَ زيادة الهداية للمتقين الذين يتبعون رضوانه، وأخبر أنه لا يُضلُّ إلا الفاسقين الذين ينقضون عهده من بعد ميثاقه، وأنه إنما يُضلُّ من آثر الضلال واختاره على الهدى، فيطبع حينئذٍ على سمعه وقلبه، وأنه يُقلِّبُ قلبَ من لم يرضَ بهداه إذا جاءه ولم يؤمن به ودفعَه وردَّه، فيقلبُ فؤادَه وبصرَه عقوبةً له على ردِّه ودفعِه لما تحقَّقه وعَرفَه وأنه سبحانَه لو عَلِمَ في تلك المحالِّ التي حكم عليها بالضلال والشقاء خيرًا لأفهمَها وهداها، ولكنها لا تَصلُح لنعمته ولا تليق بها كرامته؛ وقد أزاح سبحانه العللَ وأقام الحججَ ومكَّن من أسباب الهداية، وأنه لا يُضلُّ إلا الفاسقين والظالمين، ولا يطبع إلا على قلوب المعتدين، ولا يُركِسُ في الفتنة إلَّا المنافقين بكسبهم، وأن الرينَ الذي غطَّى به قلوبَ الكفار هو عين كسبهم وأعمالهم؛ كما قال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]، وقال عن أعدائه من اليهود: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وأخبر أنه لا يُضلُّ من هداه حتى يُبين له ما يتقي، فيختار -لشقوته وسوء طبيعته- الضلالَ على الهدى والغيَّ على الرَّشاد ويكون مع نفسه وشيطانه وعدوِّ ربه عليه. وأما المكر الذي وصفَ به نفسه؛ فهو مجازاتُهُ للماكرين بأوليائه ورسله، فيقابل مكرهم السيئ بمكره الحسن، فيكون المكر منهم أقبحَ شيءٍ، ومنه أحسن شيءٍ؛ لأنه عدلٌ ومجازاةٌ. وكذلك المخادعة منه جزاءٌ على مخادعة رسله وأوليائه. فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر. وأما كون الرجل "يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها

стр. 247

إلا ذراعٌ فيَسبِقُ عليه الكتاب"؛ فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، ولو كان عملًا مقبولًا صالحًا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يُبطِله عليه. وقوله: "لم يبقَ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ" يُشكِل على هذا التأويل، فيقال: لما كان العمل بآخره وخاتمته؛ لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له، بل كان فيه آفةٌ كامنةٌ ونكتةٌ خُذِلَ بها في آخر عمره، فخانتْه تلك الآفةُ والداهيةُ الباطنة في وقت الحاجة، فرجع إلى موجبها، وعملتْ عملها، ولو لم يكن هناك غشٌّ وآفةٌ لم يقلب الله إيمانه كفرًا ورِدَّةً (١) مع صدقه فيه وإخلاصه بغير سببٍ منه يقتضي إفسادَه عليه، والله يعلم من سرائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض. وأما شأن إبليس فإن الله سبحانه قال للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]؛ فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد ما لا تعلمه الملائكة، فلما أُمِروا بالسجود ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية والانقياد فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوِّه من الكبر والغش والحسد، فأبى واستكبر وكان من الكافرين. وأما خوف أوليائه من مكره فحقٌّ؛ فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم فيصيرون إلى الشقاء؛ فخوفهم من ذنوبهم، ورجاؤهم لرحمته. وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] إنما هو في حق

стр. 248

الفجار والكفار، ومعنى الآية: فلا يَعصِي ويأمنُ مقابلةَ الله له على مكر السيئات بمكره به إلَّا القوم الخاسرون. و الذي يخافه العارفون بالله من مكره: أن يؤخّر عنهم عذاب الأفعال، فيحصل منهم نوع اغترارٍ، فيأنسوا بالذُّنوب، فيجيئهم العذابُ على غِرَّةٍ وفترة. وأمرٌ آخر: وهو أن يغفلوا عنه ويَنسَوا ذكره، فيتخلى عنهم إذا تخلَّوا عن ذكره وطاعته، فيُسرِع إليهم البلاءُ والفتنة، فيكون مكره بهم تخلّيه عنهم. وأمرٌ آخرُ: أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نفوسهم، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون. وأمرٌ آخرُ: أن يمتحنهم ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه، فيُفتنون به، وذلك مكرٌ. فصل • السَّنة شجرةٌ، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعته فثمرة شجرته طيبةٌ، ومن كانت في معصيةٍ فثمرته حنظلٌ، وإنما يكون الجَدَادُ يوم المعاد؛ فعند الجَدَاد يتبينُ حلو الثمار من مُرّها. • والإخلاص والتوحيد شجرةٌ في القلب؛ فروعها الأعمال، وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعةٌ ولا ممنوعةٌ؛ فثمرة التوحيد والإخلاص في الدُّنيا كذلك.

стр. 249

• والشركُ والكذبُ والرياءُ شجرةٌ في القلب؛ ثمرها في الدنيا الخوف والهمُّ والغمّ وضيق الصدر وظلمةُ القلب، وثمرها في الآخرة الزقُّوم والعذابُ المقيم. وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم. فصل إذا بلغ العبد أُعطِيَ عهدَه الذي عَهِدَه إليه خالقه ومالكه. فإذا أخذ عهده بقوة وقبول وعزمٍ على تنفيذ ما فيه؛ صَلُح للمراتب والمناصب التي يَصلُح لها الموفون بعهودهم. فإذا هزَّ نفسه عند أخذ العهد وانتخاها وقال: قد أُهِّلتُ لعهد ربي؛ فمن أولى بقبوله وفهمه وتنفيذه مني؟! فحَرَصَ أولًا على فهم عهده وتدبره وتعرفه وصايا سيده له، ثم وطَّن نفسَه على امتثال ما في عهده والعمل به وتنفيذه حسبما تضمنه عهده، فأبصر بقلبه حقيقة العهد وما تضمَّنه، فاستحدث همَّةً أخرى وعزيمةً غير العزيمة التي كان فيها وقت الصِّبا قبل وصول العهد، فاستقال من ظلمة غِرَّةِ الصِّبا والانقياد للعادة والمنشأ، وصبر على شرف الهمة، وهتكَ ستر الظلمة إلى نور اليقين، فأدرك بقدر صبره وصدق اجتهاده ما وهبه الله له من فضله. فأوَّلُ مراتب سعادته أن تكون له أذنٌ واعيةٌ وقلبٌ يَعقِل ما تَعِيْه الأذُن. فإذا سمع، وعقلَ، واستبانتْ له الجادَّة، ورأى عليها تلك الأعلامَ، ورأى أكثر الناس منحرفين عنها يمينًا وشمالًا، فلزمها، ولم ينحرف مع

стр. 250

المنحرفين، الذين كان سببُ انحرافهم عدمَ قبول العهد، أو قبلوه بكُرهٍ ولم يأخذوه بقوةٍ ولا عزيمةٍ ولا حدَّثوا أنفسَهم بفهمه وتدبره والعمل بما فيه وتنفيذ وصاياه، بل عُرِضَ عليهم العهدُ ومعهم ضَراوة الصبا ودين العادة وما ألفوا عليه الآباء والأمهات، فتلقَّوا العهدَ تلقيَ من هو مكتفٍ بما وجدَ عليه آباءه وسلفه وعادتهم، لا تلقّي من يجمع همَّه وقلبه على فهم العهد والعمل به، حتى كأن ذلك العهد أتاه وحده وقيل له: تأملْ ما فيه ثم اعملْ بموجبه! فإذا لم يتلقَّ عهدَه هذا التلقي أخلَد إلى سيرة القرابة وما استمرت عليه عادة أهله وأصحابه وجيرانه وأهل بلده! فإن عَلَتْ همته أخلد إلى ما عليه سلفه ومن تقدمه من غير التفاتٍ إلى تدبر العهد وفهمه، فرضي لنفسه أن يكون دينه دينَ العادة! فإذا شامَه الشيطان، ورأى هذا مبلغَ همته وعزيمته؛ رماه بالعصبية والحمية للآباء وسلفه، وزيَّن له أن هذا هو الحق وما خالفه باطلٌ، ومثَّل له الهدى في صورة الضلال والضلالَ في صورة الهدى بتلك العصبية والحمية التي أُسِّستْ على غير علم، فرِضاه أن يكون مع عشيرته وقومه له ما لهم وعليه ما عليهم، فخُذِل عن الهدى، وولَّاه الله ما تولى؛ فلو جاءه كل هدى يخالف قومَه وعشيرته لم يَره إلا ضلالة. وإذا كانت همته أعلى من ذلك ونفسه أشرف وقدره أعلى أقبلَ على حفظ عهده وفهمه وتدبره، وعلم أن لصاحب العهد شأنًا ليس كشأن غيره، فأخذ نفسه بمعرفته من نفس العهد، فوجدَه قد تعرف إليه وعرَّفه نفسَه وصفاتِه وأسماءه وأفعاله وأحكامه، فعرف من ذلك العهد: قيومًا بنفسه مقيمًا لغيره، غنيًّا عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، مستوٍ على عرشه فوق جميع خلقه، يرى ويسمع، ويرضى ويغضب، ويحب ويبغضُ، ويدبر أمر مملكته وهو فوق عرشه متكلمٌ آمرٌ ناهٍ، يُرسل رسلَه
следующие страницы →