وهذا القسم أشار إليه بقوله (ويجري ما أفرد) أي عن الإضافة (أو ما أضيف) حالة كونه (مقروناً بال من نعت) المنادى (المبني) وهو العلم، والنكرة المقصودة (وتأكيده) (و) عطف (بيانه ونسقه) أي: عطف النسق (المقرون بأل على لفظه) أي لفظ المنادى المبني. فيرفع مراعاة للفظه (أو محله) أي: أو يجري التابع على محل المنادى فينصب.
٢- فإن كان التابع (من نعت أو توكيد أو بيان) مضافاً مجرداً من (ال) وجب نصبه مراعاة لمحل المنادى كما لو كان هو المنادى.
مثال النعت: يا خليلُ كبيرَ القوم تكلم.
ومثال التوكيد: يا شبابُ كلَّكَم أو كلَّهم (١) أنتم رجال الغد (خطابا لمعينين) .
ومثال عطف البيان: يا محمدُ أبا عبد الله، فـ (أبا) عطف بيان منصوب بالألف، وما بعده مضاف إليه.
وهذا القسم أشار إليه بقوله: (وما أضيف مجردًا على محله) أي ويجري ما أضيف من نعت أو توكيد أو بيان حالة كونه مجردًا من (ال) على محل المنادى دون لفظه فينصب فقط.
٣-وإن كان التابع نعتاً، ومنعوته المنادى هو كلمة (أي) في التذكير و (أية) في التأنيث، وجب رفعه مراعاة للفظ ذلك المنادى، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) ﴾ (٣) فـ (يا) حرف نداء. و (أي) منادى مبني على الضم في محل نصب و (ها) حرف تنبيه. (الإنسان) نعت لـ (أيّ) مرفوع بالضمة، و (الكافرون) نعت (لأي) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
وهذا القسم أشار إليه ابن هشام ﵀ بقوله: (ونعت (أيّ) على لفظه) أي: ويجري نعت (أي) و (أية) على لفظ هذا المنادى فيرفع فقط؛ لأنه المقصود بالنداء.
стр. 177
٤-وإن كان التابع بدلاً أو عطف نسق مجردًا من (ال) فإنه يعطى حكم المنادى المستقل؛ فيبنى إذا كان مفردًا معرفة، نحو: يا رجلُ زيدُ. ويا رجلُ وزيدُ. بالضم كما يبنى لو قلت: يا زيدُ.
وينصب إذا كان مضافًا أو شبيهًا به نحو: يا زيدُ أبا عبد الله، ويا عليُّ وأبا عبد الله. بنصب (أبا عبد الله) ؛ لأنه مضاف، وهو ينصب لو كان منادى نحو: يا أبا عبد الله. دون النظر إلى المتبوع.
وهذا القسم أشار إليه بقوله: (والبدل والنسق والمجرد كالمنادى المستقل مطلقًا) أي: إن البدل وعطف النسق المجرد من (ال) كالمنادى المستقل، فيبنى حيث يبنى المنادى، وينصب حيث ينصب وإن كان المتبوع خلاف ذلك، ولذا قال (مطلقًا) أي مبنيًا كان المنادى أو معربًا.
هذا كله إذا كان المنادى مبنيًا، فإن كان معربًا - وهو المنادى المنصوب، ولم يذكره ابن هشام - نُصِبَ التابع مطلقًا (١) مراعاة للفظ المتبوع.
مثال النعت: يا طالبًا مجتهدًا لا يؤثر عليك الكسالى (تقوله لغير معين) فـ (مجتهدًا) نعت منصوب.
ومثال عطف البيان: يا مسلمين أهلَ العقيدة دافعوا عن دينكم. فـ (أهل العقيدة) عطف بيان منصوب.
ومثال التوكيد: يا طلابًا كلَّكم أو كلَّهم احفظوا أوقاتكم.
ومثال البدل: يا أبا محمد خالدًا تصدق على الفقراء.
ومثال عطف النسق: يا أبا محمد وعليًا تصدقا على الفقراء.
قوله: (ولَكَ في نَحْوِ: ̄ يَا زَيْدُ زيْدَ الْيَعْمَلاَتِ ̄ فَتْحُهُمَا أَوْ ضَمُّ الأوَّلِ) .
إذا تكرر المنادي المفرد، وكان اللفظ الثاني المكرر مضافًا نحو: يا طالبُ العلم احرص على الفائدة. جاز في الأول وجهان:
стр. 178
١-النصب على اعتبار أن هذا المنادى (الأول) مضافًا للمضاف إليه المذكور في الكلام، والاسم الثاني المكرر مقحماً بين المتضايفين (ويعرب توكيدًا لفظيًا للأول) (١) ، أو مضافًا إلى محذوف يماثل المذكور، وأصل الكلام: يا طالبَ العلِم طالبَ العلم. بإضافتين في الأسلوب الواحد، ويكون الاسم الثاني منصوبًا على أنه توكيد لفظي أو بدل أو عطف بيان أو مفعولاً به لفعل محذوف أو منادى بحرف نداء محذوف.
٢-بناء الأول على الضم؛ لأنه مفرد معرفة (بالقصد والإقبال) في محل نصب. ويكون الثاني حينئذ توكيدًا لفظيًا أو بدلاً أو عطف بيان مراعى في الثلاثة محل المتبوع - لأنه في محل نصب كما ذكرنا - أو يكون منادى سقط منه حرف النداء، أو مفعولاً به لفعل محذوف، وبهذا تبين أن الثاني واجب النصب، والوجهان في الأول، ومن ذلك ما أشار إليه ابن هشام ﵀ من قول الشاعر:
(١) يا زيدُ زيدَ اليعملات الذُّبَّلِ.........تطاول الليل عليك فانزلِ (٢)
стр. 179
فصل في ترخيم المنادى
قوله: (وَيَجُوزُ تَرْخِيمُ المُنَادَى المَعْرفَةِ، وهَوُ حَذُفُ آخِرِهِ تَخْفِيفاً، فَذُو التَّاءِ مَطْلَقًا كـ (يَا طَلْحُ، وَيَا ثُبُ)
من أحكام المنادى: الترخيم. وهو: حذف آخره تخفيفاً على وجه مخصوص، فتقول: يا حارِ، في نداء: حارث، وفي نداء طفلة اسمها (عَزَّة) : يا عَزَّ.
وقوله: (حَذفُ آخره) أي حذف آخر المنادى. ولم يقيده بكونه حرفًا ليشمل الحرف، والحرفين، وجزء المركب، كما سيأتي.
وقوله: (تخفيفاً) أي لمجرد التخفيف، وفيه بيان أن أهم أغراض الترخيم هو التخفيف.
وشروط الترخيم: أن يكون المنادى معرفة إما بالعلمية، وإما بالقصد والإقبال (وهو النكرة المقصودة) .
والمنادى الذي يراد ترخيمه قسمان:
الأول: مقترن بتاء التأنيث.
الثاني: مجرد منها.
أما المقترن بتاء التأنيث فيجوز ترخيمه (مطلقًا) أي: سواء أكان علماً، أم نكرة مقصودة، ثلاثيًا أم أكثر.
فتقول في نداء (طلحة) : يا طلحَ (١) فـ (طلحَ) . منادى مبني على الضم على التاء المحذوفة للترخيم في محل نصب.
وتقول في نداء (عائشة) : يا عائشَ (٢) ، وتقول في نداء فتاة اسمها (هِبَة) ياهِبَ، وتقول في نداء (ثُبة) وهي الجماعة: يا ثُبَ.
قوله: (وَغَيْرُهُ بِشَرْطِ ضَمْهِ وعَلَميَّتِه وَمُجَاوَزَتَهِ ثَلاَثَةَ أحْرُفٍ كَـ (يَا جَعْفُ ضَمَّا وَفَتحا) .
هذا القسم الثاني من المنادى الذي يجوز ترخيمه، وهو المجرد من تاء التأنيث، فيشترط فيه - زيادة على ما تقدم - ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون مبنياً على الضم.
الثاني: أن يكون تعريفه بالعلمية دون غيرها.
الثالث: أن يكون متجاوزاً ثلاثة أحرف.
стр. 180
فتقول في ترخيم (يا حارِثُ) : يا حارِ. و (يا سالِمُ) : يا سال، فإن كان غير مضموم نحو: يا عبدَ الله، أو كان معرفة بغير العلمية نحو: يا صاحبُ (لمعين) أو كان ثلاثيًا كـ (عمر) لم يجز ترخيمه.
وأشار بقوله: (كيا جعفُ ضمًا وفتحًا) إلى كيفية ضبط المنادي بعد ترخيمه وأن لضبطه طريقتين:
الأولى: قطع النظر عن المحذوف للترخيم، فيجعل الباقي كأنه اسم تام موضوع على تلك الصيغة، فيبني على الضم، فتقول في (جعفر) : يا جعفُ. وفي (سالم) : يا سالُ، وإعرابه: منادى مبني على الضم في محل نصب. وتسمى (لغة من لا ينتظر) .
الثانية: أن يلاحظ المحذوف. ويعتبر كأنه باقٍ فيبقى ما كان قبله على حركته أو سكونه قبل الحذف، ويكون البناء على الضم مقصورًا على الحرف الأخير المحذوف، كما كان قبل حذفه، فتقول في (جَعْفَرٍ) : يا جعفَ. وفي (سَالمٍ) : يا سالِ. وفي نداء (طلحة) : يا طلحَ، وتقدم إعرابه. وتسمى هذه الطريقة: (لغة من ينتظر) .
وقول ابن هشام (ضماً) إشارة إلى الطريقة الأولى. وقوله (وفتحًا) أي فتح الفاء من قوله: (يا جعف) وهي الطريقة الثانية.
قوله: (وَيُحْذَفُ مِنْ نَحْوِ سَلْمَانَ وَمَنْصُورٍ وَمِسْكِينٍ حَرْفانِ وَمِنْ نَحْوِ: مَعْدِ يَكَرِبَ الكَلِمَةُ الثَّانَيَةُ) .
المحذوف من آخر المنادى عند ترخيمه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: حذف الحرف الأخير وحده، وهو الأغلب، وتقدم له أمثلة.
القسم الثاني: حذف الحرفين الأخيرين معًا، وشرط ذلك أن يكون المنادى علمًا مجردًا من تاء التأنيث اجتمعت فيه أربعة شروط: -
١-أن يكون معتلا (١) .
стр. 181
٢-أن يكون ساكناً.
٣-أن يكون ما قبل الحرف الأخير زائدًا.
٤-أن يكون رابعًا فصاعدًا.
تقول في نداء (سلمان) : يا سلمُ - بفتح الميم وضمها - على ما تقدم، وتقول في نداء (منصور) : يا منصُ. بالضم ليس غير.
وتقول في نداء (مسكين) على أنه علم: يا مسكُ.
بخلاف نحو: سفرجل؛ فلا يحذف منه حرفان؛ لأن ما قبل الآخر ليس معتلاً، ونحو: هَبَيَّخ (١) لأن ما قبل الآخر ليس ساكنًا. وبخلاف: مختار (علمًا) ؛ لأن حرف العلة ليس زائدًا، لأن أصله الياء، فلابد من بقاء الألف. ونحو: سعيد؛ لأن الحرف المعتل ليس رابعًا، فهذه يقتصر فيها عند الترخيم على حذف الحرف الأخير فقط.
القسم الثالث: حذف كلمة برأسها، وذلك في المركب المزجي، نحو: معدي كرب، فتقول: يا معدي. وفي خالويه: يا خالَ. (٢)
فصل في الاستغاثة والندبة
قوله: (وَيَقُولُ المُسْتَغِيثُ: يَالله لِلْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِ لاَم المُسْتَغَاثِ بِهِ إِلاَّ في لاَمِ المَعْطُوفِ الَّذِي لَمْ يَتَكَرَّرْ مَعَهُ (يَا) وَنَحْوُ: يَاَ زَيْدًا لِعَمْرٍو، وَيَا قَوْمِ لِلْعَجِبِ العَجِيبِ) .
стр. 182
الاستغاثة من أنواع النداء (١) وهي نداء من يُخَلِّص من شدة واقعة أو يعين على رفعها قبل وقوعها. وأداتها (يا) .
فالأول: نحو يا لَلناس لِلغريق.
الثاني: نحو: يا لَلحراس لِلأعداء.
وأسلوب الاستغاثة لا يتحقق الغرض منه - وهو طلب النصرة والعون - إلا بثلاثة أركان.
١-حرف النداء (يا) دون غيره من حروف النداء، وهو مذكور دائماً.
٢-المستغاث به. (وهو من يُطلب منه العون والمساعدة) وهو مجرور بلام مفتوحة دائمًا. إلا إذا عطف عليه مستغاث آخر، ولم تتكرر (يا) فتكسر. نحو: يا لَلعلماء ولِلمصلحين لِلشباب. فكلمة (المصلحين) ليست مستغاثاً أصيلاً لعدم وجود حرف النداء (يا) ولكنها لما عطفت على ما قبلها اكتسبت معنى الاستغاثة.
٣-المستغاث له (وهو الذي يطلب بسببه العون لمعاونته ومقاومته) وهو مجرور بلام مكسورة كما تقدم، أو بـ (من) نحو: يا لَلقاضي من شاهد الزور.
وللنحويين آراء في لام المستغاث به. وأحسنها أنها حرف جر فُتِحَتْ للتفريق بينها وبين لام المستغاث له. وهي ومجرورها متعلقان بحرف النداء (يا) ، لنيابته عن الفعل (ألتجئ) ونحوه.
فمثلاً: يا لَلعلماء لِلجهال، تقول: (يا) حرف نداء واستغاثة.
(للعلماء) اللام: حرف جر واستغاثة و (العلماء) اسم مجرور باللام، والجار والمجرور متعلقان بـ (يا) النائبة عن الفعل (ألتجئ) .
للجهال: جار ومجرور متعلقان بـ (يا) .
وقد ذكر المصنف للاستغاثة ثلاثة استعمالات:
الأول: ما تقدم وهو أن يجر المستغاث به بلام مفتوحة وهو أكثر الاستعمالات.
стр. 183
الثاني: أن تحذف اللام، ويزاد في آخر المستغاث به ألف تكون عوضًا عن اللام المحذوفة، ولا يصح الجمع بين اللام والألف. نحو: يا عالمَا للجاهل. فـ (عالمَا) منادى مبني على ضم مقدر منع من ظهوره الفتحة التي جاءت لمناسبة الألف، في محل نصب.
الثالث: أن تحذف اللام ولا يزاد في آخره ألف، بل يجعل كالمنادى المستقل، وهذا أقل الاستعمالات، فتقول: يا خالدُ لعمرو. ومنه قول الشاعر:
(١) ألا يا قومُ للعجب العجيب ......وللغفلات تعرض للأريب (١)
فاستعمل المستغاث به وهو قوله (يا قوم) استعمال المنادى، فلم يلحق به اللام في أوله ولا الألف في آخره.
قوله: (وَالنَّادِبُ، وَا زَيْدًا، وَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَا، وَا رَأْسَا، وَلَكَ إِلْحَاقُ الهَاءِ وَقْفاً) .
الندبة: نداء المتفجع عليه لفقده، أو المتوجع منه، لكونه محلَّ ألم، فالأول كقول جرير في عمر بن عبد العزيز ﵀:
حُمِّلتَ أمرًا عظيمًا فاصطبرت له ......وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
فقوله (يا عمرا) أسلوب ندبة. وليس نداء؛ لأن المقام مقام رثاء. والثاني نحو: وا ظهراه.
والغرض من الندبة الإعلام بعظمة المندوب وإظهار أهميته أو شدته أو العجز عن احتمال ما به، وفيها إظهار الحزن وقلة الصبر.
стр. 184
ولا يستعمل في المندوب من حروف النداء إلا حرفان: (وا) وهي الغالب عليه والمختصة به.
و (يا) إذا وجد قرينة تدل على أن الأسلوب للندبة كما في بيت جرير المتقدم.
وحكم المندوب حكم المنادى من حيث الإعراب. فيبنى على الضم إن كان مفرداً معرفة نحو: واعمرُ. فـ (وا) حرف نداء وندبة و (عمر) منادى مندوب مبني على الضم في محل نصب. وينصب لفظاً إذا كان مضافاً نحو: وا أميرَ المؤمنين، فـ (أميرَ) منادى مندوب منصوب وعلامة نصبه الفتحة و (المؤمنين) مضاف إليه.
ولك أن تزيد في آخره ألفاً وهو أكثر حالات المندوب فتقول: وا عمرا، فـ (وا) حرف نداء وندبة (عمرا) منادى مندوب مبني على الضم المقدر بسبب الفتح المناسب لألف الندبة. والألف للندبة.
ولك إلحاق (هاء) السكت بعد الألف عند الوقف. فتقول: (واعمراه) وإعرابه كالذي قبله، والهاء للسكت.
وقول المصنف: (والنادب. وازيدا) معطوف على قوله: (ويقول المستغيث) أي: ويقول النادب (وا زيدا) .
المفعول المطلق
قوله: (والمَفْعُولُ المُطْلَقُ، وَهُوَ المَصْدَرُ الفَضْلَةُ المُسَّلَطُ عَلَيْهِ عَامِلٌ مِنْ لَفْظِهِ كـ (ضَرَبْتُ ضَرْباً) ، أَوْ مِنْ مَعْنَاهُ كـ (قَعَدْتُ جُلُوساً) .
لما أنهى المصنف ﵀ الكلام على المفعول به وما يتعلق به من أحكام المنادى، شرع في النوع الثاني من المفاعيل. وهو المفعول المطلق.
وقوله: (والمفعول المطلق) معطوف على قوله في باب المفعول (المفعول منصوب، وهو خمسة: المفعول به، والمفعول المطلق ... ) .
وهو: المصدر الفضلة المسلط عليه عامل من لفظه أو من معناه، نحو: انتصر الحق انتصارًا (١) فـ (انتصارًا) مفعول مطلق. لأنه مصدر: انتصر ينتصر انتصارًا، وفضلة، أي: يستغنى عنه في الكلام، فليس ركناً في الإسناد. إذ ليس مسندًا ولا مسندًا إليه. وقد نصبه عامل من لفظه وهو: (انتصر) .
стр. 185
ونحو: قعدت جلوسًا. فـ (جلوساً) مفعول مطلق؛ لأنه مصدر جلس يجلس جلوسًا. وفضلة كما تقدم، وقد نصبه عامل من معناه وهو (قعدت) ، لأن القعود والجلوس متحدان في المعنى دون المادة.
وتعريف المصنف للمفعول المطلق بأنه: المصدر إنما هو باعتبار الغالب، وإلا فقد يكون المفعول المطلق غير المصدر كما سيأتي في الأشياء التي تنوب عن المصدر. (١)
وحكم المفعول المطلق: النصب، ويستفاد هذا من قوله: (الفضلة) لأن الفضلات حكمها النصب، فيخرج نحو: كلامُك كلامٌ حسن، فليس من هذا الباب، لأنه عمدة، وليس بفضلة.
ومعنى (مفعول مطلق) : أي لم يقيد بحرف جر أو غيره كبقية المفاعيل، كالمفعول به، والمفعول معه، وإنما أُطلق عن التقييد، لأنه المفعول الحقيقي لفعل الفاعل، حيث لم يوجد من الفاعل إلا ذلك الحدث، نحو: جلس الضيف جلوسًا. فالضيف قد أوجد الجلوس نفسه وأحدثه بعد أن لم يكن.
بخلاف باقي المفعولات فإنها ليست بمفعول الفاعل، وتسمية كل واحد منها مفعولاً إنما هو باعتبار إلصاق الفعل به، أو وقوعه لأجله، أو فيه، أو معه. فلذلك احتاجت للتقييد.
والمفعول المطلق ثلاثة أقسام:
١-مؤكد لعامله نحو: أكرمته إكراماً، قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) ﴾ (٢) فـ (الواو) حرف قسم وجر، و (الصافات) اسم مقسم به مجرور، (صفاً) مفعول مطلق منصوب باسم الفاعل قبله.
стр. 186
٢- مبين لنوع عامله، بأن يدل على هيئة صدور الفعل، نحو: رجع القهقرى (١) ، نظرت للعالم نظر الإعجاب والتقدير، قال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٢) . فـ (الصفح) مفعول مطلق منصوب، (الجميل) وصف منصوب.
٣- مبين لعدد عامله، بأن يدل على مرات صدور الفعل نحو: قرأت الكتاب قراءتين.
قوله: (وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ غَيْرُهُ كـ (ضَرَبْتُهُ سَوْطاً) ، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣) ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (٤) ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) ﴾ (٥) .
يجوز حذف المصدر وإنابة غيره عنه. وحكم هذا النائب: النصب دائماً على أنه مفعول مطلق. وليس بمصدر، إذ مصدر العامل المذكور في الكلام قد حذف.
والضمير في قوله: (وقد ينوب عنه) يعود إلى المصدر لا إلى المفعول المطلق كما هو المتبادر، والأشياء التي تنوب عن المصدر كثيرة منها:
١-الآلة التي تستخدم لإيجاد معنى ذلك المصدر المحذوف، نحو: ضربته سوطًا، فـ (سوطًا) مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب بالفتحة. والأصل: ضربَ سوطٍ، فحذف المصدر، وأقيمت آلته مقامه.
٢-عدده. نحو: سجد المصلي أربعًا. فـ (أربعًا) مفعول مطلق نائب عن المصدر المحذوف، والأصل: سجوداً أربعاً. ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٦) فـ (ثمانين) مفعول مطلق منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والأصل: جلدًا ثمانين، فحذف المصدر، وأقيم العدد مقامه.
стр. 187
٣-ما دل على كلية أو بعضية (١) بشرط الإضافة لمثل المصدر المحذوف، نحو: أتقن العامل عمله كلَّ الإتقان. فـ (كلَّ) مفعول مطلق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (٢) فـ (كلَّ) مفعول مطلق نائب عن المصدر المحذوف، والأصل: ميلاً كلَّ الميل. ومثال بعض: أهمل الطالب بعضَ الإهمال. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) ﴾ (٣) فـ (بعض) مفعول مطلق نائب عن المصدر.
قوله (وَلَيْسَ مِنْهُ ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ (٤)) .
أي ليس مما ينوب عن المصدر: صفته في قوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ خلافاً للمعربين في قولهم: إن (رغدًا) مفعول مطلق نائب عن المصدر المحذوف. والأصل: أكلاً رغدًا. فحذف الموصوف ونابت صفته منابه. بل (رغدًا) حال من الضمير العائد على المصدر الدال عليه الفعل، والتقدير: وكُلا حال كون الأكل رغدًا. ومعنى (رغدًا) أي: طيباً هنيئاً.
وما قاله ابن هشام ﵀ ليس متعيناً. بل يجوز إعراب (رغدا) حالاً، ويجوز إعرابها مفعولاً مطلقًا نائبًا عن المصدر المحذوف.ويكون مما نابت فيه الصفة عن المصدر. وقد أجاز المصنف في أوضح المسالك إقامة صفة المصدر مُقامه. نحو: سرت أحسنَ السير (٥) . أي: سيرًا أحسن السير.
المفعول له
стр. 188
قوله: (وَالمَفْعُولُ لَهُ، وَهُوَ المَصْدَرُ المُعَلِّلُ لِحَدَثٍ شَارَكَهُ وَقْتًا وَفَاعِلاً كـ (قُمْتُ إجْلاَلاً لَكَ) فَإِنْ فَقَدَ المُعَلِّلُ شَرْطًا جُرَّ بِحَرْفِ التَّعْلِيلِ نَحْوُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ ) (١) .
وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ...... ... ......... ... ......... ...
وفَجئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا ...... ... ......... ... ......... ...
هذا النوع الثالث من المفاعيل: وهو المفعول له، ويسمى المفعول لأجله، ومن أجله.
وقول المصنف (والمفعول له) معطوف على قوله في باب المفعول (المفعول منصوب، وهو خمسة: المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول له) .
وقد عرفه بقوله: (المصدر المعلِّل لحدث شاركه وقتًا وفاعلاً) ومثاله: قمت إجلالاً لك. فـ (إجلالاً) مصدر: أجلَّه وأجلله إجلالاً أي: عَظَّمَهُ، وهو معلِّل للحدث، وهو: القيام، وزمن الإجلال والقيام واحد. وفاعل القيام وفاعل الإجلال واحد أيضًا، فيكون مفعولاً له. أي فُعِل له الفعل.
وحكمه جواز النصب إذا وجدت فيه هذه الشروط الثلاثة:
١-أن يكون مصدراً؛ لقوله: (وهو المصدر) .
٢-أن يفيد التعليل؛ لقوله: (المعلِّل لحدث) بكسر اللام مشددةً، أي: الواقع علة.
٣-أن يتحد المصدر مع عامله في الوقت والفاعل؛ لقوله: (شاركه وقتًا وفاعلاً) أي: شارك المعلِّلُ الحدثَ فيهما. كما مضى بيانه. فإن فُقِدَ منها شرط (٢) وجب جره بحرف دال على التعليل (كاللام) أو (من) أو غيرهما.
стр. 189
فمثال ما فَقَدَ المصدرية: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) فالمخاطبون في قوله: (لكم) علة للخلق. وليس ضميرهم مصدراً، لذا جُرَّ باللام.
ومثال ما فَقَدَ الاتحاد في الفاعل قول الشاعر:
(١) وإني لتعروني لذكراكِ هِزَّة ......كما انتفض العصفور بلله القطر (٢)
فقوله (لذكراكِ) : مصدر. مجرور باللام الدالة على التعليل، وهو علة لِعَرْوِ الهِزَّة، وإنما جُرَّ لاختلاف الفاعل، لأن فاعل العرو: الهزة، وفاعل الذكرى: هو المتكلم؛ لأن المعنى: لذكري إياكِ.
ومثال ما فَقَدَ الاتحاد في الوقت قول الشاعر:
(٢) فجئت وقد نضَّت لنوم ثيابها ......لدى السِّتر إلا لِبْسَةَ المتفضِّل (٣)
стр. 190
فقوله (لنوم) مصدر. مجرور باللام الدالة على التعليل، وهو علة لخلع الثياب، وإنما جُرَّ لاختلاف الوقت؛ لأن زمن خلع الثياب سابق على زمن النوم.
والمفعول لأجله يكون مجردًا من (ال) والإضافة، وهذا يكثر نصبه نحو: ضربت ابني تأديبًا. وقد يأتي محلى بـ (ال) ، وهذا يكثر جره نحو: ضربت ابني للتأديب. وقد يأتي مضافًا، وهذا يستوي نصبه وجره نحو: ضربت ابني تأديبه. أو لتأديبه.
المفعول فيه
قوله: (وَالمَفْعُولُ فِيهِ، وَهُوَ مَا سُلِّطَ عَليْه عَامِلٌ عَلَى مَعْنَى (في) مِن اسْم زَمانِ كَـ (صُمْتُ يَوْمَ الخَمِيس) أَوْ حِينًا أَوْ أسْبُوعًا، أَوِ اسْمِ مَكانٍ مُبْهَم وَهُوَ الجِهَاتُ السِّتُّ كَالأَمَام وَالفَوْقِ وَاليَمِينِ وَعَكْسِهِنَّ وَنَحْوِهِنَّ كَـ (عِنْدَ، وَلَدَى) والمَقَادِيرِ كَـ (َالفَرْسَخِ) وَمَا صِيغَ مِنْ مَصْدَرِ عَامِلِهِ كـ (قَعَدْتُ مَقْعَدَ زَيْدٍ)) .
هذا الرابع من المفعولات وهو المفعول فيه. وهو الظرف. وقوله (والمفعول فيه) معطوف كما تقدم.
وهو: كل اسم زمان أو مكان سُلِّطَ عليه عامل على معنى (في) ، كقولك: صمت يومَ الخميس، صليت خلفَ مقام إبراهيم ﵊. فـ (يوم) اسم زمان، و (خلف) اسم مكان. وكل منهما قد سلط عليه عامل (١) فنصبه. وهو (صمت، صليت) وتسلط هذا العامل إنما هو على معنى (في) الظرفية. ولذا صح أن يقال: إن ظرف الزمان يبين الزمن الذي حصل فيه الفعل، وظرف المكان يبين المكان الذي حصل فيه الفعل، فـ (يوم) مفعول فيه منصوب بالفتحة، و (الخميس) مضاف إليه. وكذا: خلف مقام إبراهيم.
стр. 191
فشرط المفعول فيه أن يكون الظرف متضمنًا معنى (في) مع جميع الأفعال، وخرج بذلك ما لم يتضمن معنى (في) أصلاً. وهو الظرف الواقع مبتدأ أو خبراً أو فاعلاً أو مفعولاً أو غير ذلك، فليس من باب المفعول فيه، نحو: يومُ الجمعة يومٌ مبارك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ﴾ (١) أي: القيامة القريبة. فـ (يوم) منصوب على أنه مفعول به ثانٍ لـ (أنذر) لا على أنه مفعول فيه - لما تقدم - لأن المقصود إنذارهم يوم القيامة ذاته.
وخرج بقولنا: (مع جميع الأفعال) ما تضمن معنى (في) مع بعض الأفعال دون بعض نحو: دخلت الدارَ. فـ (الدارَ) وإن تضمن معنى (في) مع الفعل (دخل) ونحوه. لكن لا يصح أن يقال: صليت الدار، جلست الدار، على معنى (في) ، فليست كلمة (الدار) منصوبة على الظرفية، بل على المفعولية، لأن الفعل (دخل) يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف الجر.
واعلم أن جميع أسماء الزمان تقبل النصب على الظرفية بأنواعها الثلاثة وهي:
١-اسم زمان مختص (٢) : وهو ما يقع جواباً لـ (متى) ، نحو: متى صمتَ؟ فتقول: يومَ الخميس. فـ (يومَ) مفعول فيه منصوب وعلامة نصبه الفتحة. و (الخميس) مضاف إليه.
٢-اسم زمان معدود: وهو ما يقع جوابًا لـ (كم) ، نحو: كم جلست في مكة؟ فتقول: جلست أسبوعًا، أو جلست شهرًا، فـ (أسبوعًا) مفعول فيه منصوب.
٣-اسم زمان مبهم: وهو لا يقع جوابًا لشيء منهما، كحين ووقت ومدة. فهو يدل على زمان غير محدود. نحو: انتظرتك وقتاً. فـ (وقتاً) مفعول فيه منصوب.
وأما أسماء المكان فلا ينصب منها على الظرفية إلا ما كان مبهماً (وهو ما لا يختص بمكان بعينه) وهو ثلاثة أقسام كما ذكر المصنف:
стр. 192
١-أسماء الجهات الست. وهي: الفوق والتحت، والأعلى، والأسفل، واليمين، والشمال. وذات اليمين، وذات الشمال، والوراء والأمام (١) نحو: وقف المتكلم أمامَ المصلين، جلست يمينَ الباب، سرنا في الطريق ذاتَ اليمين، فكل من (أمام، يمين، ذات اليمين) منصوب على أنه مفعول فيه.
ويلحق بأسماء الجهات: ما أشبهها في شدة الإبهام والاحتياج إلى ما يعين معناها، مثل: عند، لدى، ناحية، مكان. تقول: جلست عندَ الباب. تركت الكتاب لدى الطالب، أي: عنده فـ (عندَ) ظرف مكان منصوب، و (لدى) ظرف مكان منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
٢-أسماء المقادير: أي الدالة على مسافة معلومة كالفرسخ والبريد والميل. نحو: سرت فرسخًا، مشينًا في المزرعة ميلاً، قطع الفرس بريدًا. (٢)
٣-ما صيغ من المصدر على وزن (مَفْعَل) للدلالة على المكان. وشرط نصبه: أن يكون عامله من لفظه. وهو معنى قول المصنف: (وما صيغ من مصدر عامله) نحو: وقفت موقفَ الخطيبِ. قعدت مقعدَ المدرس.فـ (موقفَ) مأخوذ من المصدر (وقوفاً) الذي هو مصدر عامله (وقف) ، فيكون منصوباً على أنه مفعول فيه، وكذا (مقعد) في المثال الثاني.
فإن كان عامله من غير لفظه وجب جره بـ (في) نحو: جلست في مقعد المعلم.
стр. 193
واعلم أن اسم الزمان أو المكان إن فارق النصب على الظرفية إلى حالة لا تشبهها كأن يقع فاعلاً أو مبتدأ أو خبرًا أو مفعولاً فهو متصرف ولا يسمى ظرفًا في هذه الاستعمالات، كما تقدم، وإن لم يفارق النصب على الظرفية أصلاً، أو فارقها إلى حالة تشبهها، وهي الجر بـ (من) ، فهو ظرف غير متصرف.
فالأول نحو (سحر) إذا أريد به سحر يوم بعينه نحو: أتيتك سحرَ يوم الخميس فـ (سحر) مفعول فيه منصوب. والثاني مثل: عندَ، لدنْ، قبلُ، بعدُ. نحو: جلست عندَك ساعةً. جئتك من لدنْ زيدٍ. (١)
فـ (عند) مفعول فيه منصوب، و (لدن) مفعول فيه مبني على السكون في محل جر.
المفعول معه
قوله: (وَالمَفْعُولُ مَعَهُ، وَهُوَ اسْمٌ فَضْلةٌ بَعْدَ وَاوٍ أُرِيدَ بِهَا التَّنْصِيصُ عَلَى المَعِيَّةِ مَسْبُوقَةٍ بِفعْلٍ أَوْ مَا فِيهِ حُرُوَفُهُ وَمَعْنَاهُ كـ (سِرْتُ وَالنِّيلَ) و (أَنَا سَائِرٌ وَالنِّيلَ)) .
هذا القسم الخامس والأخير من المفعولات. وهو المفعول معه. وهو: اسم فضلة بعد واوٍ بمعنى (مع) ، مسبوقةٍ بفعل أو ما فيه حروفه ومعناه.
стр. 194
نحو: سرت والنيلَ. وِأنا سائر والنيلَ. فـ (النيلَ) مفعول معه منصوب، لأن المقصود سرت مع الطريق الذي يقارن النيل. وهو اسم لدخول (أل) . وفضلة: لأنه يستغنى عنه، فليس ركنًا في الإسناد. إذا هو زائد على المسند والمسند إليه. والواو بمعنى (مع) وقد سُبقت في المثال الأول بفعل، وفي الثاني باسم فاعل، وهو (سائر) ، وفيه معنى الفعل وحروفه (١) .
وخرج بقوله: (اسم) نحو: سرت والشمس طالعة. لأن الواو داخلة على جملة، ونحو: لا تأكل وتتكلمَ، لأن الواو وإن كانت للمعية لكنها داخلة على فعل.
وبقوله: (فضلة) نحو: تشارك خالد وصالح؛ لأن ما بعد الواو عمدة؛ لأن الفعل (تشارك) يقتضي أن يكون فاعله متعددًا. وبقوله: (بمعنى مع) نحو: جاء بكر وخالد قبله.
وبقوله: (مسبوقة بفعل) نحو: كلُّ طالبٍ وكتابُه. فإن الواو بمعنى (مع) لكن لم يتقدم فعل ولا شبهه.
قوله: (وَقَدْ يَجِبُ النَّصْبُ كَقَوْلِكَ: لاَتَنْهَ عَنِ القَبيح وَإِتْيَانَهُ، وَمِنْهُ: (قُمْتُ وَزَيْدًا) و (مَرَرْتُ بِكَ وَزَيْدًا) عَلَى الأَصَحِّ فِيهمَا، وَيَتَرَجَّحُ في نحْوِ قَوْلِكَ: كُنْ أَنْتَ وزَيْدًا كالأخِ. ويَضْعُفُ فِي نَحْوِ: (قَامَ زيْدٌ وعَمْرٌو)) .
للاسم الواقع بعد (الواو) المسبوقة بفعل أو ما في معناه حالات:
الأولى: وجوب نصبه على أنه مفعول معه، وذلك إذا كان العطف ممتنعاً لمانع معنوي، أو صناعي يعود إلى الإعراب.
стр. 195
فالأول كقولك: لا تنه عن القبيح وإتيانَه، فيجب نصب ما بعد الواو على أنه مفعول معه. أي: لا تنه عن القبيح مع إتيانه. ولا يجوز عطفه، لأن المعنى على العطف: لا تنه عن القبيح ولا تنه عن إتيانه، وهذا تناقض يفسد المراد.
والثاني: كقولك: قمت وزيداً، ومررت بك وزيدًا، فيجب نصب (زيدًا) في المثالين على المعية، ولا يصح العطف؛ أما الأول؛ فلأنه لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل إلا بعد التوكيد بضمير منفصل، نحو: قمت أنا وزيدٌ. وأما الثاني؛ فلأنه لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار مع المعطوف نحو: مررت بك وبزيد.
ومن النحاة من لا يشترط في المسألتين - مسألتي العطف - شيئًا فعلى هذا يجوز العطف. ولهذا قال ابن هشام ﵀: (على الأصح فيهما) . أي على الأصح من القولين.
стр. 196
الحالة الثانية: جواز النصب والعطف، والنصب على المعية أرجح للفرار من عيب معنوي نحو: كن أنت وصالحًا كالأخ. فنصب (صالحًا) على أنه مفعول معه أحسن من رفعه عطفاً على الضمير المستتر في (كن) ؛ لأنك لو عطفت لزم أن يكون صالحًا مأمورًا، وأنت لا تريد أن تأمره. وإنما تريد أن تأمر مخاطبك بأن يكون مع صالح كالأخ. (١)
الحالة الثالثة: جواز الوجهين. والعطف أرجح، وذلك إذا أمكن العطف بغير ضعف في اللفظ ولا ضعف في المعنى، نحو: قام خالد وعصام؛ لأن العطف هو الأصل، ولا مضعف له، فيترجح.
باب الحال
قوله: (وَهُوَ وصْفٌ فَضُلَةٌ يَقَعُ في جَوَابِ كَيْفَ: كَـ (ضَرَبْتُ اللِّصَّ مَكْتُوفًا)) .
لما أنهى ابن هشام ﵀ الكلام على المفعولات، شرع في الكلام على بقية منصوبات الأسماء، ومنها الحال، وهو نوعان:
١-حال مؤكدة، وهي التي يستفاد معناها بدونها، وستأتي إن شاء الله في باب التمييز.
٢-حال مؤسسة أو مُبَيِّنَةٌ، وهي التي لا يستفاد معناها بدونها، وهي عبارة عما اجتمع فيه ثلاثة شروط:
стр. 197
الأول: أن يكون وصفًا، والمراد به - كما تقدم - ما دل على معنى وصاحبه كـ (راكب - وفرح - ومسرور) ونحوها.
الثاني: أن يكون فضلة. والمراد به: ما ليس ركناً في الإسناد (١) .
الثالث: أن يبين هيئة صاحبه عند وقوع الفعل. وهو معنى قوله المؤلف: (ويقع في جواب كيف؟) نحو: كيف جاء سلمان؟ فيكون الجواب هو لفظ الحال. فيقال: جاء سلمان فرحًا - مثلاً - وكيف ضربتَ اللص؟ فيقال: مكتوفاً. فـ (فرحًا) حال، وهو وصف، لأنه صفة مشبهة، وفضلة؛ لأنه ليس ركنًا في الإسناد، فهو زائد على المسند (جاء) والمسند إليه (سلمان) وقد بَيَّنَ هيئة الاسم الذي قبله وقت وقوع الفعل وهو (المجيء) (٢) .
فخرج بالشرط الأول نحو: رجعت القهقرى، فإنه وإن كان مبيناً لهيئة الفاعل، إلا أنه ليس بوصف، بل هو اسم للرجوع إلى الخلف.
стр. 198
وخرج بالثاني: الوصف الواقع عمدة، كالخبر نحو: عماد مسرور.
وخرج بالثالث نحو: لله دره فارسًا، فإنه تمييز لا حال؛ إذ لم يقصد به الدلالة على الهيئة، بل التعجب من فروسيته، ووقع بيان الهيئة ضمنًا.
قوله: (وشَرْطُهَا التَّنْكِيرُ) .
أي: شرط الحال أن تكون نكرة - كما في الأمثلة - وقد وردت معرفة في ألفاظ مسموعة عن العرب، لا يقاس عليها، ومنها كلمة: (وحد) في نحو: جاء الضيف وحده، فـ (وحد) حال منصوبة، وهي معرفة؛ لأنها مضافة للضمير، وهي مؤولة بنكرة أي: منفردًا ونحو: ادخلوا الأولَ فالأولَ. فـ (الأول فالأول) حال منصوبة، وهي معرفة لدخول (ال) ، وهي مؤولة بنكرة، أي: مترتبين.
قوله: (وصَاحِبِهَا التَّعْرِيفُ، أو التَّخْصِيصُ، أو التَّعْمِيمُ، أو التَّأخِيرُ نحو: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ (١) ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ﴾ (٢) و (لميَّةَ مُوحِشاً طَلَلٌ)) .
يشترط في صاحب الحال واحد من أربعة:
الأول: التعريف. وهذا هو الأصل في صاحب الحال؛ لأنه أشبه المبتدأ في كونه محكوماً عليه بالحال. نحو: أقبل خالد ماشيًا. فـ (ماشيا) حال منصوبة من (خالد) وهو معرفة، لأنه علم. ومنه قوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ (٣) فـ (خشعًا) حال من فاعل (يخرجون) وهو معرفة؛ لأنه ضمير.
ويصح وقوع صاحب الحال نكرة إذا وجد مسوغ وهو أحد الثلاثة الباقية وهي:
стр. 199
الثاني: التخصيص: ومعناه أن تتخصص النكرة بوصف أو إضافة؛ فالوصف نحو: جاء رجل ضعيف ماشيًا. فـ (ماشيًا) حال من (رجل) وهو نكرة لكنه وُصِفَ. والإضافة نحو: جاء ولدُ حفصةَ مسرورًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ﴾ (١) . فـ (سواءً) حال من (أربعة) وهي مضافة.
الثالث: أن تكون نكرة عامة لوقوعها بعد نفي أو شبهة نحو: ما ندم طالب مجتهدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ﴾ (٢) فـ (لها منذرون) جملة في موضع الحال من (قرية) وصح مجيء الحال من النكرة؛ لتقدم النفي عليها (٣) .
الرابع: أن يتأخر صاحب الحال نحو: أتاني سائلاً رجلٌ. فـ (سائلاً) حال من (رجل) ، ومنه قوله الشاعر:
(١) لِمَيَّةَ موحشًا طَلَلُ ......يلوح كأنه خِلَلُ (٤)
стр. 200
فـ (موحشًا) حال من (طلل) وهو نكرة. وإنما جاز ذلك لتأخره عن الحال. (١)
وقول المصنف: (وصاحبِها التعريفُ) معطوف على ما قبله. والتقدير: وشرطُ صاحبِها التعريف.
باب التمييز
قوله: (والتَمْيِيزُ، وهُوَ اسْمٌ فَضْلةٌ نَكِرَةٌ جَامِدٌ مُفَسِّرٌ لما انبهم مِنَ الذَواتِ) .
التمييز من منصوبات الأسماء في غالب أحواله. وقوله: (والتمييز) بالرفع عطفًا على ما تقدم. وقد ذكر المصنف أن التمييز ما اجتمع فيه خمسة أمور:
١-أن يكون اسمًا.
٢-أن يكون فضلة، وهو ما يمكن الاستغناء عنه.
٣-أن يكون نكرة.
٤-أن يكون جامدًا. (٢)
٥-أن يكون مفسرًا لما انبهم من الذوات.
مثاله: اشتريت رطلاً عسلاً. فـ (عسلاً) تمييز؛ وهو اسم بدليل تنوينه، ونكرة؛ لأنه لا يدل على معين؛ وقد فَسَّر الإبهام في اسم الذات الذي قبله؛ لأن قولك: اشتريت رطلاً ... فيه إبهام، لأن السامع لا يفهم ما تريد بالرطل هل تريد عسلاً أو تمرًا أو سمنًا؟ فإذا قلت: عسلاً زال الإبهام، وفُهم المراد، لأنك ميزت له (الرطل) وبينت المقصود به، ولذلك يسمى لفظ (عسلاً) : تمييزاً. والاسم الذي قبله: مُمَيَّزًا، والتمييز والتبيين والتفسير ألفاظ مترادفة معناها واحد.
стр. 201
قوله: (وَأَكْثَرُ وقُوعِهِ بَعْدَ المقَادِير، كَجَرْيبٍ نخْلاً، وصَاعٍ تَمْراً، ومَنَوَيْنِ عَسَلاً، والْعَدَدِ نَحْوَ: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ (١) إِلى تِسْعٍ وتِسْعِينَ، ومِنْهُ تَمْييزُ كم الاسْتْفْهَامِيةَ نَحْوِ: (كَمْ عَبْداً مَلَكَتْ) ، فأمَّا تَمْيِيزُ الخَبريةِ فَمَجْرورٌ مُفردٌ كَتَمْييزْ المائةِ ومَا فَوْقَهَا، أو مَجْمُوعٌ كَتَمْييزِ العَشَرَةِ ومَا دُونَها ولَكَ في تَمْيِيْزِ الاسْتِفْهَامِيَّة الْمَجْرُوِرَةِ بالحرْفِ جَرٌ ونَصْبٌ) .
التمييز نوعان:
١-تمييز مفرد أو تمييز ذات. وهو المراد بقوله (وأكثر وقوعه) وهو الذي عرفه المصنف فيما مضى.
٢-تمييز نسبة أو تمييز جملة. وهذا سيأتي إن شاء الله.
فأما تمييز المفرد فأكثر مواضعه:
١-بعد المقادير وهي عبارة عن ثلاثة أشياء: المساحة، نحو: اشتريت جريبًا (٢) نخلاً. بعته ذراعًا صوفًا. والكيل نحو: تصدقت بصاع تمرًا. والوزن نحو: أعطيته منوين (٣) عسلاً. اشتريت رطلاً سمنًا. فـ (نخلاً) تمييز منصوب. وهكذا ما بعده.
стр. 202
٢-بعد العدد. والتمييز بعد العدد جمع مجرور مع الثلاثة والعشرة وما بينهما نحو: عندي خمسة أقلامٍ وثلاث مسَّاحاتٍ، ومفرد منصوب مع أحد عشر وتسعة وتسعين وما بينهما نحو: في الكتاب خمس وسبعون صفحةً، وفي كل صفحة تسعة عشر سطرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ (٢) ومفرد مجرور مع المائة والألف نحو: في المزرعة ألف نخلةٍ ومائة شجرةٍ.
ومن تمييز العدد: تمييز (كم) الاستفهامية (وهي الأداة التي يسأل بها عن معدود) . وهو مفرد منصوب بها نحو: كم حديثاً حفظت؟ فـ (حديثاً) منصوب على التمييز لـ (كم) . و (كم) مفعول مقدم. إلا إذا دخل عليها حرف جر فإنه يكون مجرورًا كما سيأتي.
وأما تمييز (كم) الخبرية (وهي أداة للإخبار عن معدود كثير) فإن تمييزها مجرور دائمًا بإضافتها إليه. وهو إما مفرد - كما تقدم في تمييز المائة وما فوقها - نحو: كم مرةٍ يخطئ إلي أخي وأنا أغفر له. وإما جمع - كما تقدم في تمييز الثلاثة والعشرة وما بينهما - نحو: كم ساعاتٍ قضيتها لاهيًا لِلَّهِ
وقوله: (وَلَكَ في تَمْيِيْزِ الاسْتِفْهَامِيَّة الْمَجْرُوِرَةِ بالحرْفِ جَرٌ ونَصْبٌ) .
معناه أن (كم) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر جاز في تمييزها الجر بـ (من) ظاهرة أو مقدرة، نحو: بكم ريالٍ اشتريت هذا الكتاب؟ بكم من ريال ... ؟ فإن وجدت (من) فهي ومجرورها متعلقان بـ (كم) ، وإلا فالتمييز مجرور بالإضافة، أو بـ (من) مضمرة. والوجه
стр. 203
الثاني في تمييزها النصب وتقدم. (١)
قوله: (وَيَكُونُ التَّمْييزُ مُفسِّراً للنِّسْبَةِ مُحَوَّلاَّ كـ ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٢) ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (٣) ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ (٤) أَوْ غَيْرَ مُحَوَّلٍ نَحْوَ: (امْتَلأ الإنَاءُ مَاءً)) .
هذا النوع الثاني من نوعي التمييز وهو تمييز النسبة، وهو التمييز الذي يزيل الإبهام عن المعنى العام بين طرفي الجملة. وهو المعنى المنسوب فيها لشيء من الأشياء.
مثاله: إذا قلت: طاب المكان. نجد أن في الجملة إبهاماً ولكنه لا يقع على كلمة واحدة - كما في تمييز المفرد أو تمييز الذات - وإنما ينصبُّ على الجملة كلها، وهو نسبة الطيب إلى المكان، إذا لا ندري ما المراد به؛ أهو هواؤه أم ماؤه أم تربته؟ فإذا قلنا: طاب المكان هواءً، تعين المراد واتضحت نسبة الطيب إلى المكان. ولذلك يسمى لفظ (هواء) تمييزاً؛ لأنه أزال إبهامًا في نسبة شيء إلى شيء.
وتمييز النسبة نوعان:
الأول: تمييز محول. وهو ثلاثة أقسام:
стр. 204
١-محول عن الفاعل نحو: حَسُنَ الشاب خلقًا، فـ (خلقًا) تمييز نسبة لأنه أزال الإبهام في نسبة الحُسْن إلى الشاب. وهو محول عن الفاعل، إذ الأصل: حَسُنَ خُلُقُ الشاب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (١) فـ (شيباً) تمييز نسبة محول عن الفاعل لأن أصله: واشتعل شيب الرأس. (٢)
٢-محول عن المفعول نحو: وفَّيتُ العمال أجوراً. فـ (أجورًا) تمييز نسبة، لأنه أزال الإبهام في نسبة التوفية إلى العمال، وهو منقول عن المفعول، والأصل: وفَّيت أجور العمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (٣) فـ (عيونًا) تمييز نسبة محول عن المفعول؛ لأن تقديره: وفجرنا عيون الأرض.
٣-محول عن غيرهما كالمحول عن المبتدأ، وذلك بعد اسم التفضيل الصالح للإخبار به عن التمييز، نحو: الحرير أغلى من القطن قيمةً. فـ (قيمة) تمييز محول عن المبتدأ، إذ الأصل: قيمةُ الحرير أغلى من قيمة القطن. ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ (٤) فـ (مالاً) تمييز محول عن المبتدأ، وأصله: مالي أكثر من مالك.
القسم الثاني: من تمييز النسبة: تمييز غير محول. نحو: امتلأ الإناء ماءً، فـ (ماءً) تمييز غير محول عن شيء، بل هو تركيب وضع ابتداء هكذا (٥) . ومنه قولهم: (لله دره فارسًا) . ونحوه مما يفيد التعجب. وهذا القسم قليل في الكلام.
стр. 205
قوله: (وقَدْ يُؤكِّدَانِ نَحْوُ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١) وقَوْلَه: (مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيِّة دِيناً) ومِنْهُ: (بِئْسَ الْفَحْلُ فَحْلُهُمُ فَحْلاً) خلافاً لسيبويه) .
أي: قد يأتي الحال والتمييز مؤكدين. فلا تكون الحال لبيان الهيئة ولا يزيل التمييز إبهاماً. بل يفيدان مجرد التأكيد.
فالحال المؤكدة: هي التي لا تفيد معنى جديداً سوى التوكيد نحو: لا تظلم الناس باغيًا. فـ (باغيًا) حال من الفاعل. وهي مؤكدة لقوله: (لا تظلم) ؛ لأن الظلم هو البغي. ولو حذفت لفهم معناها مما بقي من الجملة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فـ (مفسدين) حال من الواو، وهي مؤكدة لقوله (لا تعثوا) ؛ لأن العَثْوَ هو الفساد معنى. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢) فـ (جميعًا) حال من (ما) وهي مؤكدة، لأن العموم مستفاد من لفظ (ما) .
وأما التمييز المؤكد فكقول أبي طالب:
ولقد علمت بأن دين محمد ......من خير أديان البرية دينا (٣)
فـ (ديناً) تمييز مؤكد لما سبقه، إذ لو حذف لفهم معناه مما بقي من الكلام.
ومنه أيضاً قول جرير:
والتَّغْلَبِيُّون بئس الفحلُ فحلُهمُ ...فحلاً وأُمهمُ زَلاَّءُ مِنْطِيقُ (٤)
стр. 206
فـ (فحلاً) تمييز مؤكد لما سبقه، إذ لو حذف لفهم معناه مما بقي من الكلام.
وقول المصنف: (خلافاً لسيبويه) أي في هذا الشاهد. فإن سيبويه وأتباعه لا يجيزون الجمع بين فاعل (نعم) إذا كان اسمًا ظاهرًا وبين التمييز - كما في هذا البيت -، فلا تقول: نعم الرجل رجلاً إبراهيم. لأن التمييز لرفع الإبهام، ولا إبهام مع ظهور الفاعل. وعندهم أنه حال مؤكدة.
والصحيح الجواز لوروده عن العرب شعرًا ونثرًا. أما الشعر فالشاهد المذكور وغيره (١) . وأما النثر فقول الحارث بن عباد لما بلغه قتلُ ابنه في حرب (البسوس) (٢) : (نعم القتيلُ قتيلاً أصلح بين بكر وتغلب) فـ (قتيلاً) تمييز، والفاعل (القتيل) .
ولا يلزم أن يكون التمييز لرفع الإبهام، فقد يكون للتوكيد كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (٣) فـ (شهرًا) تميز مؤكد لقوله سبحانه (إن عدة الشهور) ، كقولك: عندي من الرجال عشرون رجلاً. فـ (رجلاً) تمييز مؤكد لقولك (من الرجال) ، وإذا كانت الشواهد على الجواز كثيرة فلا حاجة إلى التأويل الذي لجأ إليه المانعون.
باب المستثنى
قوله: (والمُسْتَثْنَى بـ (إِلا) مِنْ كَلام تامٍّ مُوجَبٍ نحْوُ: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (٤) فَإِنْ فُقِدَ الإيجَابُ تَرَجَّحَ البَدَلُ في المُتَّصِلِ نحْوُ: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (٥) والنَّصْبُ في المُنْقَطِع عِنْدَ بَنِي تَمِيم، ووَجَبَ عِنْدَ الحِجَازِيِّينَ نحْوُ: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٦)) .
стр. 207
قوله: (والمستثنى) الظاهر أنه معطوف على (التمييز) . وعبر المصنف ﵀ بالمستثنى؛ لأنه هو الذي من المنصوبات فهو أولى من التعبير بـ (الاستثناء) ؛ لأنه يحتاج للتأويل؛ لأنه مصدر بمعنى اسم المفعول.
والمستثنى: هو الاسم المذكور بعد (إلا) أو إحدى أخواتها مخالفًا في الحكم لما قبلها، نحو: حضر الأصدقاءُ إلا علياً. فـ (علياً) مستثنى. و (الأصدقاء) مستثنى منه، وهو المحكوم عليه بالحضور، أما عليٌُّ فلم يثبت له هذا الحكم الذي ثبت لبقية الأصدقاء. فهو مستثنى منهم مخالفٌ لهم في الحكم.
وأما حكم المستثنى من حيث الإعراب ففيه تفصيل.
فالمستثنى بـ (إلا) يجب نصبه على الاستثناء في الأغلب (١) بشرطين:
الأول: أن يكون الكلام تامًا (وهو أن يكون المستثنى منه مذكورًا) .
الثاني: أن يكون الكلام موجبًا (وهو أن يكون خالياً من نفي أو نهي أو استفهام) ولا فرق في ذلك بين الاستثناء المتصل (وهو أن يكون المستثنى بعضًا من المستثنى منه) والمنقطع (وهو: ألا يكون المستثنى بعضًا من المستثنى منه) .
مثال المتصل: قرأت الكتابَ إلا صفحةً. فـ (صفحةً) مستثنى منصوب بالفتحة. والكلام تام. موجب. وهو متصل. ومنه قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (٢) فـ (قليلاً) مستثنى بـ (إلا) منصوب بالفتحة.
ومثال المنقطع: جاء القومُ إلا سيارةً فـ (سيارةً) مستثنى منصوب، وهو منقطع؛ لأنه ليس بعضًا مما قبله.
стр. 208
فإن فقد الشرط الأول وهو: التمام فسيأتي حكمه إن شاء الله، وإن فقد الثاني وهو الإيجاب - بأن اشتمل الكلام على نفي أو شبهه - فلا يخلو من حالتين: -
الحالة الأولى: أن يكون الاستثناء متصلاً، فيجوز فيه وجهان:
الأول: نصبه على الاستثناء.
الثاني: إعرابه بإعراب المستثنى منه، على أنه بدلٌ منه، بدلُ بعض من كل، للمشاكلة في الإعراب، تقول: لا تعجبني الكتبُ إلا النافعُ. بنصب (النافع) على الاستثناء، أو رفعه على أنه بدل من (الكتب) ، وبدل المرفوع مرفوع، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (١) فقد قرأ السبعة - إلا ابن عامر - برفع (قليل) على أنه بدل من الواو في قوله تعالى: (ما فعلوه) . أما ابن عامر فقد قرأ بالنصب على الاستثناء.
ولم يصرح المصنف ﵀ بالنصب - وهو الوجه الأول - لكنه لما قال: (ترجح البدل) علم منه جواز النصب، لكن الاتباع على أنه بدل أرجح.
الحالة الثانية: أن يكون الاستثناء منقطعًا. فيجب النصب على الاستثناء عند الحجازيين نحو: ما حضر القوم إلا فرسًا. بنصب (فرسًا) على الاستثناء. ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٢)(٣) فقد قرأ السبعة بالنصب على الاستثناء. وهو استثناء منقطع - على قول الجمهور - لأن اتباع الظن ليس بعضاً من العلم.
ويجوز عند بني تميم اتباعه لما قبله في إعرابه فتقول: ما حضر القومُ إلا فرسٌ. بالرفع على أنه بدل من (القوم) ، وبدل المرفوع مرفوع، والنصب عندهم أرجح.
стр. 209
وقول المصنف: (والنصب في المنقطع) معطوف على ما تقدم والتقدير: (وترجح النصب ... الخ) .
قوله: (مَا لمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِمَا فالنَّصْبُ نحْوُ قَوْلِهِ:
وَمَا لِيَ إِلا آلَ أَحْمَدَ شِيعَةٌ ......وَمَا لِيَ إِلا مَذْهَبَ الْحَقِّ مَذْهَبُ)
أي: إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه - فيهما - أي في تقدم المتصل والمنقطع، إذا كان الكلام تاماً غير موجب وجب النصب. وامتنع الإبدال. نحو: ما حضر إلا عليًا الضيوف، ما قدم إلا فرسًا القوم، ومنه قوله الشاعر:
(١) وما لي إلا آل أحمد شيعة ......وما لي إلا مذهب الحق مذهب (١)
فقد نصب الشاعر المستثنى في الموضعين، لأنه مقدم على المستثنى منه، والأصل وما لي شيعةٌ إلا آلَ أحمدَ، وما لي مذهبٌ إلا مذهبَ الحقِّ، وإنما امتنع إعرابه بدلاً؛ لأنه لو رفع على البدلية لزم منه تقدم التابع (علياً) - كما في المثال - على المتبوع (الضيوف) أو يتغير الحال فيصير التابع متبوعًا. وكلاهما ممنوع.
قوله: (أوْ فُقِدَ التَّمَامُ فَعَلَى حَسَبِ العَوَامِلِ نحْوُ: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ (٢) ويُسَمَّى مُفَرَّغًا) .
стр. 210
تقدم أن المستثنى يجب نصبه إذا كان الكلام تامًا موجبًا. وأن التام هو: ما ذكر فيه المستثنى منه، وذكر هنا أنه إذا فُقِدَ التمام - بأن لم يذكر المستثنى منه - فإن الاسم الواقع بعد (إلا) يعرب على حسب العوامل قبلها، كما لو كانت (إلا) غير موجودة، وتعرب (إلا) أداة استثناء ملغاة لا عمل لها. نحو: لا يسدي النصيحةَ إلا المخلصون، لا تصاحبْ إلا الأخيارَ. لا يصلح الناسُ إلا بالدين. فـ (المخلصون) في المثال الأول فاعل. و (الأخيار) في المثال الثاني مفعول به. و (الدين) في المثال الثالث مجرور متعلق بالفعل (يصلح) . ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) ﴾ (٢) فـ (أمرنا) مبتدأ. و (نا) مضاف إليه و (إلا) أداة استثناء ملغاة (واحدة) خبر المبتدأ مرفوع. وهذا مثال الرفع. والنصب كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (١) فـ (الحقَّ) مفعول به منصوب للفعل (تقولوا) ، والجر كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) فـ (التي) متعلق بالفعل قبله.
ويسمى هذا الاستثناء مفرغاً، لأن ما قبل (إلا) تفرغ للعمل فيما بعدها، كما في الأمثلة.
وشرط الاستثناء المفرغ أن يتقدمه نفي أو شبهه (٣) ، كالاستفهام في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ t (٤) فـ (القوم) نائب فاعل. وإنما شُرِطَ ذلك؛ لأن الإثبات يؤدي إلى الاستبعاد، فلو قلت: رأيت إلا خالدًا، لزم منه أنك رأيت جميع الناس إلا خالدًا، وذلك محال عادة نظرًا للظاهر.
قوله: (ويُسْتَثْنَى بـ (غَيْرِ وَسُوىً) خَافِضَيْنِ مُعْرَبَيْنِ بِإعْرَابِ الاسْمِ الَّذِي بَعْدَ (إِلاَّ)) .
стр. 211
الأدوات التي يستثنى بها غير (إلا) ثلاثة أقسام: ما يخفض دائمًا وما ينصب دائمًا. وما يخفض تارة وينصب أخرى.
فأما الذي يخفض دائماً فـ (غير) (١) و (سوى) (٢) ومعنى (غير) : إفادة المغايرة. أي: الدلالة على أن ما بعدها مغاير لما قبلها في الحكم، وفيها بحثان:
١-بحث في المستثنى بعدها. وحكمه: الجر بها لإضافتها إليه.
٢-بحث في إعرابها، لأنها اسم، وحكمها: أنها تعرب بما كان يعرب المستثنى بعد (إلا) على التفصيل السابق. فتقول: حضر الضيوف غيرَ خالدٍ، بنصب (غير) على الاستثناء؛ لأنه كلام تام موجب. كما تقول: حضر الضيوفُ إلا خالدًا. وتقول: ما حضر الضيوفُ غيرُ خالدٍ أو غيرَ خالدٍ. بالاتباع والنصب وتقول: ما حضر غيرُ خالد. برفع (غير) وجوباً؛ لأنه مفرغ، وتقول: ما حضر الضيوف غيرَ سيارة. بنصب (غير) عند الحجازيين، وجواز الاتباع عند بني تميم.
وهكذا حكم (سوى) فهما متماثلان في المعنى والإعراب تقول: حضر الضيوف سوى خالدٍ. فـ (سوى) منصوب على الاستثناء.
قوله: (وبِخَلا، وَعَدَا، وَحَاشَا، نَوَاصِبَ وَخَوَافِضَ. وَبِمَا خَلا، وَبِمَا عَدَا، وَلَيْسَ، وَلاَ يَكُونُ، نَوَاصِبَ) .
стр. 212
هذا القسم الثاني والثالث من أدوات الاستثناء - غير إلا - فالثاني ما ينصب فقط، وهو أربعة: ليس، ولا يكون، وما خلا، وما عدا، فأما (ليس) (ولا يكون) فإن المستثنى بهما يجب نصبه؛ لأنه خبرهما نحو: قرأت الكتاب ليس صفحةً، أو: لا يكون صفحةً، أما اسمهما فضمير مستتر وجوبًا تقديره: (هو) يعود على البعض المفهوم من الكل السابق الذي هو المستثنى منه، فمعنى: قرأت الكتاب ليس صفحة. أن المقروء كلٌّ استثنى بعضُه، أي قرأت الكتابَ ليس بعضُ الكتاب المقروء صفحةً، وجملة الاستثناء (ليس صفحة) في محل نصب حال، أو مستأنفة فلا محل لها من الإعراب. ويبقى ارتباطها بما قبلها من الناحية المعنوية فقط.
وأما (خلا وعدا) فلهما حالتان كما ذكر المصنف:
الأولى: أن تتقدمهما (ما) المصدرية. فيجب نصب المستثنى بهما على أنه مفعول به. والفاعل ضمير مستتر وجوبًا - كما تقدم في (ليس) تقول: نجح الطلاب ما عدا جابرًا. فـ (ما) مصدرية، و (عدا) فعل ماض. وفاعله ضمير مستتر و (جابرًا) مفعول به منصوب. و (ما) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مؤول بمشتق يقع حالاً أو ظرف زمان، والتقدير: نجح الطلاب مجاوزين جابرًا، أو وقت مجاوزتهم (١) جابرًا.
الثانية: ألا تتقدمهما (ما) فيجوز نصب المستثنى بهما على أنه مفعول به، باعتبار أنهما فعلان، ويجوز جره باعتبار أنهما حرفا جر. تقول: نجح الطلاب عدا جابرًا بالنصب. أو جابرٍ، بالجر، فـ (عدا) حرف جر، و (جابرٍ) اسم مجرور بـ (عدا) ، وفي الجملة ما تقدم من جواز كونها في محل نصب على الحال أو مستأنفة لا محل لها. وأما الجار والمجرور فهو متعلق بالفعل قبله.
стр. 213
وأما القسم الثالث فهو ما يخفض تارة، وينصب أخرى وهو (حاشا) والمستثنى بها منصوب على أنه مفعول به باعتبارها فعلاً، أو مجرور باعتبارها حرفًا، نحو: نجح الطلاب حاشا جابرًا، أو جابرٍ. والإعراب كما تقدم. ولا تسبقها (ما) على الأرجح.
باب مخفوضات الأسماء
قوله: (يُخْفَضُ الاِسْمُ إِمَّا بِحَرْفٍ مُشْتَركٍ وَهُوَ مِنْ، وَإِلَى، وَعَنْ، وَعَلَى، وَفِي، وَالَّلاَمُ، والْبَاءُ لِلْقَسم وَغَيْرِهِ، أَوْ مُخْتَصٍّ بالظَّاهِرِ: وَهُوَ، رُبّ، ومُذْ، ومُنْذُ، والكافُ، وَحَتَّى، وَوَاوُ القَسمِ وَتَاؤُهُ) .
لما فرغ المصنف ﵀ من المرفوعات والمنصوبات، ذكر المجرورات، وهي ثلاثة أقسام:
الأول: مجرور بالحرف.
الثاني: مجرور بالإضافة.
الثالث: مجرور بالتبعية لمتبوع مجرور، وهذا موضعه التوابع، وبدأ بالمجرور بالحرف؛ لأنه الأصل.
(١) وحرف الجر نوعان: (١)
الأول: مشترك بين الاسم الظاهر والمضمر، وهو سبعة، وقد ذكرها المصنف.
الثاني: مختص بالاسم الظاهر. وهو سبعة ذكرها المصنف أيضًا وهي أربعة أقسام:
١-ما يختص بالنكرات وهو: (رُبَّ) .
٢-ما يختص بالزمان وهو (مذ) و (منذ) .
٣-ما يختص بلفظ الجلالة وهو (التاء) .
٤-ما لا يختص بظاهر بعينه وهو: (الكاف) و (حتى) و (الواو) .
стр. 214
فالمشترك الذي يجر الاسم الظاهر والضمير سبعة وهي:
١-مِنْ: ولها معانٍ منها:
بيان الجنس، وعلامتها: صحة وقوع الموصول موقعها مع ضمير يعود على ما قبلها إن بَيَّنت معرفة، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (١) أي: الذي هو الأوثان. لأن الرجس جنس عام يشمل الأوثان وغيرها. فإن بَينت نكرة فعلامتها: أن يقع موقعها الضمير وحده، كقوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (٢) أي: هي ذهب.
ومنها: التبعيض: أي الدلالة على البعضية وعلامتها: صحة وقوع (بعض) موقعها كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٣) .
ومنها: ابتداء الغاية في الأمكنة كثيرًا. وفي الأزمنة أحيانًا على الصحيح، وهذا هو الغالب عليها، والمارد بالغاية: المسافة، كقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٥)(٦) إلى غير ذلك من معانيها التي تؤخذ من الكتب المطولة مثل: (مغني اللبيب) وغيره.
٢- إلى: ومن معانيها:
стр. 215
انتهاء الغاية مطلقاً - زمانية أو مكانية - وهو الغالب عليها كقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢) وتأتي للمصاحبة، بأن يصحَّ وضع كلمة (مع) موضعها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣) .
٣- عن: وأشهر معانيها:
المجاوزة. ومعناها: ابتعاد شيء مذكور أو غير مذكور عما بعد حرف الجر بسبب شيء قبله. فالأول نحو: رميت السهم عن القوس، أي: جاوز السهم القوس بسبب الرمي.
ومنه قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٤) والثاني نحو: أبو بكر ﵁. أي جاوزته المؤاخذة بسبب الرضى، ومنه قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ (٥) وتأتي للبعدية، كقوله تعالى: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (٦) . أي: حالاً بعد حال.
٤- على: وأشهر معانيها:
الاستعلاء. أي: العلو، حسياً كان نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) ﴾ (٧) أو معنويًا كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٨) وتأتي للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٩) أي: لهدايته إياكم. وتأتي للظرفية بمعنى (في) إذا جَرَّت الظرف كقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١٠) أي: في حين غفلة.
٥- في: وأشهر معانيها: