الأدوات التي يستثنى بها غير (إلا) ثلاثة أقسام: ما يخفض دائمًا وما ينصب دائمًا. وما يخفض تارة وينصب أخرى.
فأما الذي يخفض دائماً فـ (غير) (١) و (سوى) (٢) ومعنى (غير) : إفادة المغايرة. أي: الدلالة على أن ما بعدها مغاير لما قبلها في الحكم، وفيها بحثان:
١-بحث في المستثنى بعدها. وحكمه: الجر بها لإضافتها إليه.
٢-بحث في إعرابها، لأنها اسم، وحكمها: أنها تعرب بما كان يعرب المستثنى بعد (إلا) على التفصيل السابق. فتقول: حضر الضيوف غيرَ خالدٍ، بنصب (غير) على الاستثناء؛ لأنه كلام تام موجب. كما تقول: حضر الضيوفُ إلا خالدًا. وتقول: ما حضر الضيوفُ غيرُ خالدٍ أو غيرَ خالدٍ. بالاتباع والنصب وتقول: ما حضر غيرُ خالد. برفع (غير) وجوباً؛ لأنه مفرغ، وتقول: ما حضر الضيوف غيرَ سيارة. بنصب (غير) عند الحجازيين، وجواز الاتباع عند بني تميم.
وهكذا حكم (سوى) فهما متماثلان في المعنى والإعراب تقول: حضر الضيوف سوى خالدٍ. فـ (سوى) منصوب على الاستثناء.
قوله: (وبِخَلا، وَعَدَا، وَحَاشَا، نَوَاصِبَ وَخَوَافِضَ. وَبِمَا خَلا، وَبِمَا عَدَا، وَلَيْسَ، وَلاَ يَكُونُ، نَوَاصِبَ) .
стр. 212
هذا القسم الثاني والثالث من أدوات الاستثناء - غير إلا - فالثاني ما ينصب فقط، وهو أربعة: ليس، ولا يكون، وما خلا، وما عدا، فأما (ليس) (ولا يكون) فإن المستثنى بهما يجب نصبه؛ لأنه خبرهما نحو: قرأت الكتاب ليس صفحةً، أو: لا يكون صفحةً، أما اسمهما فضمير مستتر وجوبًا تقديره: (هو) يعود على البعض المفهوم من الكل السابق الذي هو المستثنى منه، فمعنى: قرأت الكتاب ليس صفحة. أن المقروء كلٌّ استثنى بعضُه، أي قرأت الكتابَ ليس بعضُ الكتاب المقروء صفحةً، وجملة الاستثناء (ليس صفحة) في محل نصب حال، أو مستأنفة فلا محل لها من الإعراب. ويبقى ارتباطها بما قبلها من الناحية المعنوية فقط.
وأما (خلا وعدا) فلهما حالتان كما ذكر المصنف:
الأولى: أن تتقدمهما (ما) المصدرية. فيجب نصب المستثنى بهما على أنه مفعول به. والفاعل ضمير مستتر وجوبًا - كما تقدم في (ليس) تقول: نجح الطلاب ما عدا جابرًا. فـ (ما) مصدرية، و (عدا) فعل ماض. وفاعله ضمير مستتر و (جابرًا) مفعول به منصوب. و (ما) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مؤول بمشتق يقع حالاً أو ظرف زمان، والتقدير: نجح الطلاب مجاوزين جابرًا، أو وقت مجاوزتهم (١) جابرًا.
الثانية: ألا تتقدمهما (ما) فيجوز نصب المستثنى بهما على أنه مفعول به، باعتبار أنهما فعلان، ويجوز جره باعتبار أنهما حرفا جر. تقول: نجح الطلاب عدا جابرًا بالنصب. أو جابرٍ، بالجر، فـ (عدا) حرف جر، و (جابرٍ) اسم مجرور بـ (عدا) ، وفي الجملة ما تقدم من جواز كونها في محل نصب على الحال أو مستأنفة لا محل لها. وأما الجار والمجرور فهو متعلق بالفعل قبله.
стр. 213
وأما القسم الثالث فهو ما يخفض تارة، وينصب أخرى وهو (حاشا) والمستثنى بها منصوب على أنه مفعول به باعتبارها فعلاً، أو مجرور باعتبارها حرفًا، نحو: نجح الطلاب حاشا جابرًا، أو جابرٍ. والإعراب كما تقدم. ولا تسبقها (ما) على الأرجح.
باب مخفوضات الأسماء
قوله: (يُخْفَضُ الاِسْمُ إِمَّا بِحَرْفٍ مُشْتَركٍ وَهُوَ مِنْ، وَإِلَى، وَعَنْ، وَعَلَى، وَفِي، وَالَّلاَمُ، والْبَاءُ لِلْقَسم وَغَيْرِهِ، أَوْ مُخْتَصٍّ بالظَّاهِرِ: وَهُوَ، رُبّ، ومُذْ، ومُنْذُ، والكافُ، وَحَتَّى، وَوَاوُ القَسمِ وَتَاؤُهُ) .
لما فرغ المصنف ﵀ من المرفوعات والمنصوبات، ذكر المجرورات، وهي ثلاثة أقسام:
الأول: مجرور بالحرف.
الثاني: مجرور بالإضافة.
الثالث: مجرور بالتبعية لمتبوع مجرور، وهذا موضعه التوابع، وبدأ بالمجرور بالحرف؛ لأنه الأصل.
(١) وحرف الجر نوعان: (١)
الأول: مشترك بين الاسم الظاهر والمضمر، وهو سبعة، وقد ذكرها المصنف.
الثاني: مختص بالاسم الظاهر. وهو سبعة ذكرها المصنف أيضًا وهي أربعة أقسام:
١-ما يختص بالنكرات وهو: (رُبَّ) .
٢-ما يختص بالزمان وهو (مذ) و (منذ) .
٣-ما يختص بلفظ الجلالة وهو (التاء) .
٤-ما لا يختص بظاهر بعينه وهو: (الكاف) و (حتى) و (الواو) .
стр. 214
فالمشترك الذي يجر الاسم الظاهر والضمير سبعة وهي:
١-مِنْ: ولها معانٍ منها:
بيان الجنس، وعلامتها: صحة وقوع الموصول موقعها مع ضمير يعود على ما قبلها إن بَيَّنت معرفة، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (١) أي: الذي هو الأوثان. لأن الرجس جنس عام يشمل الأوثان وغيرها. فإن بَينت نكرة فعلامتها: أن يقع موقعها الضمير وحده، كقوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (٢) أي: هي ذهب.
ومنها: التبعيض: أي الدلالة على البعضية وعلامتها: صحة وقوع (بعض) موقعها كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٣) .
ومنها: ابتداء الغاية في الأمكنة كثيرًا. وفي الأزمنة أحيانًا على الصحيح، وهذا هو الغالب عليها، والمارد بالغاية: المسافة، كقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (٥)(٦) إلى غير ذلك من معانيها التي تؤخذ من الكتب المطولة مثل: (مغني اللبيب) وغيره.
٢- إلى: ومن معانيها:
стр. 215
انتهاء الغاية مطلقاً - زمانية أو مكانية - وهو الغالب عليها كقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢) وتأتي للمصاحبة، بأن يصحَّ وضع كلمة (مع) موضعها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣) .
٣- عن: وأشهر معانيها:
المجاوزة. ومعناها: ابتعاد شيء مذكور أو غير مذكور عما بعد حرف الجر بسبب شيء قبله. فالأول نحو: رميت السهم عن القوس، أي: جاوز السهم القوس بسبب الرمي.
ومنه قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٤) والثاني نحو: أبو بكر ﵁. أي جاوزته المؤاخذة بسبب الرضى، ومنه قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ (٥) وتأتي للبعدية، كقوله تعالى: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (٦) . أي: حالاً بعد حال.
٤- على: وأشهر معانيها:
الاستعلاء. أي: العلو، حسياً كان نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) ﴾ (٧) أو معنويًا كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٨) وتأتي للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٩) أي: لهدايته إياكم. وتأتي للظرفية بمعنى (في) إذا جَرَّت الظرف كقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١٠) أي: في حين غفلة.
٥- في: وأشهر معانيها:
стр. 216
الظرفية، ومعناها: احتواءُ الشيء في داخله شيئاً آخر، كما يحتوي الظرف المظروف؛ نحو: القلم في الحقيبة، وقد يكون مجازًا إذا فقد الاحتواء، نحو: خالد في البرية. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) ﴾ (١) .
٦- اللام: وأشهر معانيها:
المِلْكُ، وذلك إذا وقعت بين ذاتين الثانية منهما تملك حقيقة نحو: الكتاب لخالد. قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) ومن معانيها: الاستحقاق، وهي الواقعة بين معنى وذات كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (٣) ، ومن معانيها: التقوية للعامل بسبب ضعفه، إما لتأخره، كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٤) أو لكونه فرعًا عن غيره كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾ (٥) لأن (فَعَّالٌ) صيغة مبالغة، وهي فرع عن الفعل في العمل.
٧- الباء: وأشهر معانيها:
الإلصاق وهو مطلق التعلق، وهو حسي، نحو: أمسكت بزيد، أو معنوي نحو: طفت بالكعبة.
أما القسم الثاني المختص بالاسم الظاهر فهو كما يلي:
١-رُبَّ:
стр. 217
وهو حرف جر شبيه بالزائد موضوع للتكثير والتقليل حسب القرينة، والأول أكثر. نحو رُبَّ رجلٍ عالمٍ لقيت، فـ (رُبَّ) حرف جر شبيه بالزائد، (رجلٍ) مبتدأ مرفوع بضمةً مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، (عالم) صفة، وجملة (لقيت) خبر المبتدأ. وهو خاص بجر النكرة. ولابد أن يأتي بعدها نعت مفرد أو جملة أو شبهها، فالمفرد كما مثل. والجملة نحو: رب رجلٍ لازمك عرفته. وشبه الجملة: رب جالس عندك عرفته. ويجوز تخفيف الباء كما في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ﴾ (١) في قراءة نافع وعاصم. وشدد الباقون. وهي هنا مكفوفة عن العمل بـ (ما) الزائدة إعرابًا المؤكدة معنى.
٢-مُذْ، مُنْذُ:
ولا يجر بهما من الاسم الظاهر إلا الزمن المعين نحو: ما رأيته منذُ يومِ السبت، أو مُذْ يومِ السبت. ويجوز رفع ما بعدهما على أنهما اسمان نحو: ما رأيته مذ يومُ السبت. فـ (مذ) مبتدأ (يومُ السبت) خبره.
٣-الكاف:
وأشهر معانيها التشبيه كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) ﴾ (٢) وتأتي للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (٣) وكقولنا في التشهد "كما صليت على إبراهيم" على أحد القولين. (٤)
٤-حتى:
стр. 218
ومعناها الدلالة على انتهاء الغاية نحو: سهرت الليلة حتى السحر. والأصل دخول الغاية في حكم ما قبلها إلا إذا وجد قرينة. بخلاف (إلى) فإن الغاية لا تدخل معها كقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) إلا بقرينة كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢) أي: مع المرافق بدليل السنة. (٣)
٥-واو القسم وتاء القسم.
والواو لا تختص بظاهر معين نحو: والله لأفعلن الخير أو: والرازق أو والذي نفسي بيده ونحو ذلك. ولا يجوز القسم إلا بالله تعالى أو صفة من صفاته، وأما التاء فلا يجر بها إلا لفظ الجلالة كقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٤) .
الإضافة
قوله: (أَوْ بِإضَافَةٍ إِلَى اسْم عَلَى مَعْنَى الَّلام كَغُلامِ زَيْدٍ، أَوْ مِنْ كَخَاتِمِ حَدِيدٍ، أَوْ فِي كـ ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ (٥) وَتُسَمَّى مَعْنَويَّةً لأنَّهَا لِلتَعْرِيفِ، أَوِ التَّخْصِيص، أَوْ بَإضَافَةِ الوَصْفِ إِلَى مَعْمُولِهِ كَـ (بَالِغَ الكَعْبَةِ. وَمَعْمُورِ الدَّارِ. وَحَسَنِ الوَجْهِ) . وَتُسَمَّى لَفْظِيَّةً لأنَّهَا لِمُجَرَّدِ التَّخْفِيفِ) .
لما فرغ من ذكر المجرور بالحرف ذكر المجرور بالإضافة.
وقوله: (أو بإضافة اسم) معطوف على قوله (بحرف) أي: يخفض الاسم بالحرف، أو بسبب إضافة اسم إليه، لأن العامل في المضاف إليه هو المضاف - على الأصح - لاتصال الضمير المضاف إليه به. والضمير لا يتصل ِإلا بعامله نحو: كتابك جديد، لا الإضافة نفسها، كما هو ظاهر عبارة المصنف ﵀ (٦) .
والإضافة نوعان:
стр. 219
النوع الأول: إضافة معنوية. وهي ما أفادت المضاف تعريفاً أو تخصيصًا، ولا يكون المضاف فيها وصفًا مضافًا إلى معموله.
مثال ذلك: كتابُ خالدٍ جديدٌ. فكلمة (كتاب) إذا أخذت وحدها دلت على كتاب غير معين؛ لأنه (نكرة) فإذا قلت: كتابُ خالدٍ ... بالإضافة فقد عينته وعَرَّفته.
وإذا قلت: أسمعُ بكاءً، من غير إضافة، كان لفظ البكاء عاماً يشمل بكاء الطفل وبكاء المرأة وبكاء الرجل ... ، فإذا أضفته إلى نكرة وقلت: أسمع بكاءَ طفلٍ، فقد خصصته وضيقت عمومه.
وسميت الإضافة في المثالين (معنوية) ، لأنها أفادت المضاف أمرًا معنويًا هو التعريف في المثال الأول؛ لأن المضاف إليه معرفة. أو التخصيص في المثال الثاني؛ لأن المضاف إليه نكرة (١) وهذه الإضافة ثلاثة أقسام:
стр. 220
١-أن تكون الإضافة بمعنى (من) البيانية، وذلك إذا كان المضاف إليه جنساً للمضاف، نحو: هذا خاتمُ حديدٍ، أي: خاتم من حديد.
٢-أن تكون الإضافة بمعنى (في) الظرفية. وذلك إذا كان المضاف إليه ظرفًا واقعًا فيه المضاف، مكانيًا نحو: عثمان ﵁ شهيد الدار. أي: شهيد في الدار. أو زمانيًا كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (١) أي مكر في الليل والنهار. (٢)
٣-أن تكون الإضافة بمعنى (اللام) وهذا إذا لم يصلح تقدير (من) ولا (في) نحو: هذا غلام زيد أي: غلام لزيد.
النوع الثاني: من نوعي الإضافة: الإضافة اللفظية، وإليها أشار بقوله: (أو بإضافة الوصف) فهو عطف على قوله: (أو بإضافة اسم) أي: يخفض الاسم بإضافة الاسم - كما مر - أو بإضافة الوصف العامل عمل الفعل إلى معموله.
فالإضافة اللفظية: هي التي يكون فيها المضاف وصفًا عاملاً - وهو كل اسم فاعل أو مفعول بمعنى الحال أو الاستقبال. أو صفة مشبهة. ولا تكون إلا للدوام غالبًا.
مثال ذلك: صانعُ المعروفِ مشكورٌ. فـ (صانعُ) مضاف. وهو اسم فاعل للحال أو الاستقبال. وقد أضيف إلى معموله، فإن المضاف إليه هنا مفعول به في المعنى للمضاف وهو (صانع) ، ومثل ذلك اسم المفعول نحو: محمودُ الخصالِ ممدوحٌ. والصفة المشبهة نحو: كثيرُ الكلامِ مذمومٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٣) .
стр. 221
وهذا النوع لا يستفيد فيه المضاف من المضاف إليه تعريفًا ولا تخصيصًا، أما الدليل على أنها لا تفيد المضاف تعريفًا فهو وقوع هذا المضاف نعتًا للنكرة في قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١) ، ولو كان المضاف (بالغَ) اكتسب التعريف من المضاف إليه ما صح وقوعه نعتًا للنكرة (هديًا) ، لأن المعرفة لا تكون نعتًا للنكرة.
وأما الدليل على أنها لا تفيد المضاف تخصيصاً، فلأن تخصيص الصنع بالمعروف في: (صانعُ المعروفِ) ليس بجديد، لحصوله قبل الإضافة في نحو: فلانٌ صانعٌ معروفاً.
وإنما فائدتها - كما قال المصنف ﵀: (التخفيف) ومراده التخفيف اللفظي، بحذف التنوين أو النون كما سيأتي، ولهذا سميت الإضافة في هذا النوع لفظية، لأن فائدتها ترجع إلى اللفظ لا إلى المعنى كما في النوع الأول.
قوله: (وَلا تُجَامِعُ الإضَافَةُ تَنْوِينًا، وَلا نُونًا تَالِيةً لِلإعْرَابِ مُطْلَقًا وَلا أَلْ إِلا فِي نَحْوِ: الضَّارِبَا زَيْدٍ، وَالضَّارِبُو زَيْدٍ، والضَّارِبُ الرَّجُلِ وَالضَّارِب رَأسِ الرَّجُلِ، وَبِالرَّجُلِ الضَّارِبِ غُلامِهِ) .
ذكر المصنف الأحكام المترتبة على الإضافة وهي أحكام كثيرة ذكر منها أربعة:
١-كون المضاف إليه مجرورًا دائمًا، والعامل فيه الجر هو المضاف وهذا تقدم.
٢-وجوب حذف التنوين إن وجد في آخر المضاف قبل إضافته، مثل: ركبت سيارةَ خَليلٍ. فحُذِفَ التنوين من (سيارة) ولو زالت الإضافة لعاد التنوين نحو: ركبت سيارةً جديدةً.
стр. 222
٣-وجوب حذف نون المثنى ونون الجمع المذكر السالم وملحقاتها إن وقع أحدهما مضافًا مختومًا بالنون. وهي النون التي تلي حرف الإعراب نحو: يسير الناس على جانبي الشارع، حاملو (١) العلم محترمون.
فإن كانت النون ليست للتثنية ولا لجمع المذكر السالم وهي النون التي لا تلي الإعراب لم يجز حذفها مثل: المحافظة على الصلاة عنوانُ الاستقامِة، فلا تحذف النون؛ لأن علامة الإعراب وهي الضمة وقعت بعدها لا قبلها.
وقوله: (مطلقًا) أي أن حذف التنوين والنون التالية للإعراب مطلق عن التقييد فلا يستثنى منه شيء، بخلاف ما سيأتي في حذف (ال) من المضاف فإنه يستثنى منه بعض المسائل.
٤-وجوب حذف (ال) من صدر المضاف نحو: الكتاب جديد. فتقول: كتابُ القواعدِ جديدٌ. بحذف (ال) من المضاف، وهذا عام في الإضافة المعنوية واللفظية، ويستثنى من الإضافة اللفظية أربع مسائل. يجوز فيها الجمع بين (ال) والإضافة، وهي:
الأولى: أن يكون المضاف مثنى نحو: الحافظا دروسِهما مكافآن.
الثانية: أن يكون المضاف جمع مذكر سالمًا نحو: المتقنو أعمالِهم رابحون.
الثالثة: أن توجد (ال) في المضاف والمضاف إليه معاً نحو: المنصفُ الناسِ محبوبٌ.
الرابعة: أن يكون المضاف إليه مضافاً لما فيه (ال) نحو: المحبُ فعلِ الخيرِ سعيدٌ.
стр. 223
الخامسة: أن يكون المضاف إليه مضافًا إلى ضمير يعود على لفظ مشتمل على (ال) نحو: العلم أنتم المدركو قيمتِه. بجرِّ (قيمته) وفيه ضمير يعود على (العلم) وهو مشتمل على أل. و (العلم) مبتدأ أول و (أنتم) مبتدأ ثان (المدركو) خبر المبتدأ الثاني مرفوع بالواو، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف و (قيمة) مضاف إليه. وهو مضاف والهاء مضاف إليه. والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
باب - في ذكر الأسماء العاملة عمل أفعالها
١- اسم الفعل
قوله: (يَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ سَبْعَةٌ: اسْمُ الفِعْلِ كَـ (هَيْهَاتَ، وَصَه، وَوَيْ - بِمَعْنَى: بَعُدَ - وَاسْكُتْ، وَأَعْجَبُ) وَلاَ يُحْذَفُ وَلا يَتَأَخَّرُ عَنْ مَعْمُولِهِ، و ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (١) مُتَأَوَّلٌ، وَلاَ يَبْرُزُ ضَمِيرُهُ، وَيُجْزَمُ المُضَارعُ في جَوَابِ الطَّلَبِيِّ مِنْهُ نحْوُ: (مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي) وَلا يُنْصَبُ) .
هذا الباب معقود للأسماء التي تعمل عمل أفعالها وقد ذكر المصنف ﵀ منها سبعة:
الأول: اسم الفعل. وهو كلمة تدل على معنى الفعل وتعمل عمله، ولا تقبل علاماته، نحو: صَهْ إذا تكلم غيرك. فـ (صه) متضمنة معنى فعل الأمر (اسكت) ، وتعمل عمله. فالفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنت، بَيْدَ أنها لا تقبل علامة فعل الأمر، مثل: ياء المخاطبة. ولذا لم تُسَمَّ فعل أمر، بل دعيت اسم فعل أمر.
واسم الفعل من حيث زمنه ثلاثة أقسام:
الأول: اسم فعل ماض نحو: هيهات الأمل إذا لم يسعده العمل. فـ (هيهات) اسم فعل ماض، بمعنى: بَعُدَ، مبني على الفتح لا محل له. (الأمل) فاعل.
الثاني: اسم فعل أمر، نحو: عليك نفسَك فهذبها. فـ (عليك) اسم فعل بمعنى (الزم) مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنت) ، (نفسك) مفعول به لاسم الفعل منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه.
стр. 224
الثالث: اسم فعل مضارع، نحو: وَيْ لشبابٍ لا يعمل. فـ (وي) اسم فعل مضارع بمعنى (أعجبُ) مبني على السكون لا محل له، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنا) .
ووروده بمعنى الأمر كثير. وبمعنى الماضي والمضارع قليل.
ولاسم الفعل أحكام كثيرة ذكر المصنف ﵀ بعضها ونزيد عليها ما نرى أهميته:
١-أسماء الأفعال سماعية (١) يقتصر فيها على ما ورد عن العرب بلفظه دون تغيير. والقياسي منها: ما صيغ من فعل ثلاثي تام متصرف على وزن (فَعَال) نحو: حَذارِِ أن تُبتلى بالعجب، سماعِ النَصحَ بمعنى: احذر واسمع.
٢-أسماء الأفعال كلها مبنية على ما سمعت عليه عن العرب. وليس لها محل من الإعراب، فلا تكون مبتدأ ولا خبراً ولا فاعلاً ولا مفعولاً ولا شيئاً آخر يقتضي أن تكون في محل رفع أو نصب أو جر.
٣-أنها تعمل عمل الفعل فترفع الفاعل حتماً. وتساير فعلها في التعدي واللزوم وهذا تقدم بيانه في الأمثلة التي أعربناها.
٤-أن اسم الفعل لا يتأخر عن معموله. فلا تقول: نفسَك عليك، بتقديم المفعول وتأخير اسم الفعل.
وأجاز الكسائي ومن وافقه تأخير اسم الفعل عن معموله مستدلاً بما ذكر المصنف في قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) فـ (كتاب الله) مفعول به مقدم لاسم الفعل (عليكم) منصوب بالفتحة.
стр. 225
وخرجه غيره على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: كتب الله ذلك عليكم كتابًا و (عليكم) جار ومجرور متعلق بالفعل المحذوف، وليس من باب اسم الفعل، وقد دل على المحذوف قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١) لأن التحريم يستلزم الكتابة، لأنه لما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ عُلم أن ذلك مكتوب، فكأنه قال: كتب الله ذلك عليكم كتابًا.
٥-ومن أحكام اسم الفعل أنه لا يحذف بل لابد من ذكره، وهذا بخلاف الفعل فإنه يعمل مذكورًا ومحذوفًا.
٦-أن اسم الفعل لا يبرز معه ضمير إذا أسند لمثنى أو جمع فتقول: صه، بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع. والمذكر المؤنث.
٧-أنه إذا كان دالاً على الطلب جاز جزم المضارع في جوابه تقول: نزالِ نحدثْك. بجزم المضارع، كما تقول: انزل نحدثك، كما تقدم في جزم المضارع في جواب الطلب، ومنه قول الشاعر:
(١) وقولي كلما جشأت وجاشت ...مكانِك تحمدي أو تستريحي (٢)
стр. 226
فـ (مكانك) اسم فعل أمر بمعنى (اثبتي) وجاء المضارع في جوابه مجزوماً وهو قوله (تحمدي) وعلامة كونه مجزومًا حذف النون منه. لأنه مسند لياء المخاطبة وهي النفس.
وأما النصب فلا ينصب المضارع بعد الفاء في جواب الطلب منه فلا تقول: نزال فنحدثَك. بنصب المضارع (نحدثَك) بل يجب رفعه، وقد مضى بيان ذلك في الكلام على نواصب المضارع أول الكتاب.
٢- المصدر
قوله: (وَالمَصْدَرُ كَضَرْبٍ وَإِكْرَامٍ إِنْ حَلَّ محَلَّهُ فِعْلٌ مَعَ (أَنْ) أَوْ (مَا) وَلَمْ يَكُنْ مُصَغَّرًا وَلا مُضْمَرًا وَلا مَحْدُودًا وَلاَ مَنْعُوتًا قَبْلَ العَمَلِ وَلا مَحْذُوفًا وَلا مَفْصُولاً مِنَ المَعْمُولِ وَلا مُؤَخَّرًا عَنْهُ) .
النوع الثاني: من الأسماء العاملة عمل الفعل: المصدر، والمصدر هو: الاسم الدال على الحدث المجرد، المشتمل على حروف فعل أو أكثر منها، نحو: بَذْلُ المال في الخير نَفْعٌ لصاحبه. فـ (بَذْل) مصدر: بَذَلَ، يبذل بذلاً، وهو يدل على حدوث البذل من غير زمن. وقد اشتمل على جميع حروف الفعل (بَذَلَ) .
стр. 227
وفي نحو: إكرام الضيف من آداب الإسلام. اشتمل المصدر على حروف فعله وزيادة الألف قبل آخره. (١)
وقول المصنف: (والمصدر) بالرفع عطف على (اسم الفعل) والتقدير: يعمل عمل فعله سبعة: اسم الفعل والمصدر ...
فيعمل المصدر عمل فعله الذي اشتق منه. فيرفع الفاعل وينصب المفعول به بواسطة أو بغيرها، وفي تمثيل المصنف ﵀ للمصدر بقوله: (كضرب وإكرام) إشارة إلى أن المصدر المزيد يعمل عمل المجرد.
وقد ذكر المصنف لعمله ثمانية شروط، واحد منها وجودي، والسبعة الباقية عدمية وهي كما يلي:
١-أن يصح أن يَحِلَّ محله (أن) والفعل. أو (ما) والفعل، نحو: يسرني أداؤك الواجب. فـ (أداءُ) فاعل (يسرُّ) وهو مصدر عَمِلَ عَمَل فعله، وقد أضيف إلى فاعله وهو (الكاف) ، ونصب المفعول (الواجب) ، ويمكن أن يحل محله (أن والفعل) أو (ما والفعل) فتقول: يسرني أن تؤدي الواجب. إن أردت المضي أو الاستقبال. أو يسرني ما تؤدي الواجب، إن أردت الحال.
стр. 228
٢-ألا يكون مصغرًا فلا يجوز: أُكَيلُكَ الطعام بسرعة مضر. تريد: أكلك الطعام.
٣-ألا يكون ضميرًا. فلا يجوز: إكرامي الصديق مطلوب وهو جارًا أشد، تريد: وإكرامي جارًا أشد.
٤-ألا يكون محدودًا. أي: مختومًا بالتاء الدالة على المرة الواحدة. فلا يصح ساءني ضربتك عليًا. لأن (ضربة) مصدر محدود. مختوم بتاء زائدة دالة على المرة الواحدة.
فإن كانت التاء من صيغة الكلمة وليست للوحدة جاز أن يعمل المصدر نحو: إغاثتك الملهوف دليل مروءتك.
٥-ألا يكون المصدر متبعاً بتابع كالنعت وغيره، قبل تمام عمله. فلا يجوز: أعجبني إكرامُك الطيِّبُ زيدًا. لأن (الطيب) صفة للمصدر (إكرام) وهو لم يستكمل عمله بنصب مفعوله (زيدًا) .
٦- ألا يكون محذوفاً، لأنه إذا حذف لم توجد حروف الفعل الذي هو محمول عليه.
٧-ألا يكون مفصولاً عن معموله بفاصل ليس معمولاً لهذا المصدر نحو: إني أقوى على إلقاءٍ في الحفل كلمةً نافعة، والأصل: إني أقوى على إلقاءٍ كلمةً نافعةً في الحفل.
٨-ألا يتأخر عن معموله، فلا يجوز: ساءني زيدًا ضربُك. إلا إن كان المعمول ظرفًا أو جارًا أو مجرورًا فيجوز تأخره عنه، لوروده في القرآن، ولأنه يتوسع فيهما. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ (١)(٢) وقال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ (٣)(٤) . والأصل: بلغ السعي معه. حِوَلاً عنها. ولا داعي للتكلف في التأويل من غير داع، ولا سيما في القرآن.
стр. 229
قوله: (وَإِعْمَالُهُ مُضَافًا أكْثَرُ نَحْوُ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ (١) وقَوْل الشَّاعر: (أَلاَّ إنَّ ظُلْمَ نَفْسِهِ المَرْءُ بَيِّنٌ) . وَمُنَوَّنًا أَقْيَسُ نَحْوُ: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ (٢) وبـ (اَلْ) شَاذٌ نَحْوُ: (عجبت من الرزق المسيءَ إلهُهُ)) .
ينقسم المصدر العامل إلى ثلاثة أقسام:
الأول: المضاف. وإعماله أكثر من إعمال القسمين الآخرين. وهو ضربان:
(أ) مضاف لفاعله. نحو: يسرني شكرُكَ المنعمَ. فـ (شكر) مصدر. وهو فاعل (يسرُّ) ، وهو مضاف والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله. (المنعمَ) مفعول به للمصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ (٣) فـ (دفعُ) مبتدأ حذف خبره وجوبًا. وهو مضاف إلى فاعله. و (الناسَ) مفعول به للمصدر.
(ب) مضاف لمفعوله نحو: من سوء التربية عصيانُ الآباءِ بنوهم. فـ (عصيان) مصدر، وهو مبتدأ مؤخر. وهو مضاف إلى مفعوله (الآباء) و (بنوهم) فاعل المصدر، ومنه قوله ﷺ : " بني الإسلام على خمس.. وحجِّ البيتِ من استطاع إليه سبيلاً " فـ (حج) مصدر مضاف لمفعوله (البيت) و (من استطاع) فاعل المصدر. وقول الشاعر:
ألا إنَّ ظلمَ نفسِه المرءُ بيّنٌ......إذا لم يَصُنْها عن هوىً يغلب العقلا (٤)
فأضاف المصدر (ظلم) إلى مفعوله وهو (نفسه) ثم أتى بالفاعل بعد ذلك، وهو قوله: (المرءُ) والأصل: ألا إن ظلمَ المرءِ نفسَه بين ...
стр. 230
الثاني: المنون. وإعماله أقرب إلى القياس من إعمال المضاف، لأنه يشبه الفعل في التنكير، وهو يلي المضاف في الكثرة نحو: واجب علينا تشجيعٌ كلَّ مجتهد، تقديره: واجب علينا أن نشجع كل مجتهد. ومنه قوله تعالى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ (١) فـ (إطعام) مصدر، معطوف على ما قبله وهو (فك رقبة) وهو منون نَصَبَ المفعول به وهو قوله (يتيماً) . والتقدير: أو أن يطعم يتيمًا.
الثالث: المعرف بـ (ال) . وإعماله شاذ، لبعده عن مشابهة الفعل باقترانه بـ (ال) ، وهو أقل من سابقيه استعمالاً وبلاغة، نحو: المجدُّ سريع الإنجاز أعمالَه. بنصب (أعماله) على أنه مفعول به للمصدر وهو (الإنجاز) . ومنه قوله الشاعر:
عجبت من الرزق المسيءَ إلهُهُ ......ومن ترك بعض الصالحين فقيرًا (٢)(٢) بنصب (المسيء) على أنه مفعول به للمصدر (٣) وهو (الرزق) و (إلهه) بالرفع فاعل له.
٣- اسم الفاعل
стр. 231
قوله: (وَاسْمُ الفَاعِلِ كَـ (ضَاربٍ وَمُكْرِمٍ) ، فَإِنْ كَانَ بـ (اَلْ) عَمِلَ مُطْلَقًا، أَوْ مُجَرَّدًا فَبِشَرْطَيْنِ كَوْنُهُ حَالاً أَوِ اسْتِقْبَالاً وَاعْتِمَادُهُ عَلَى نَفْيٍ أَوِ اسْتِفْهَامٍ، أَوْ مُخْبَر ٍعَنْهُ، أَوْ مَوْصُوفٍ و ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ (١) عَلَى حِكَايَةِ الحَالِ، خِلافًا لِلْكِسَائي. وَخَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأخِيرِ، وَتَقْدِيرُهُ خَبِيرٌ كَظَهِيرٍ خِلافًا لِلأخْفَشِ) .
النوع الثالث من الأسماء العاملة عمل الفعل (اسم الفاعل) وقوله المصنف: (واسم الفاعل) معطوف على ما قبله كما تقدم في المصدر.
واسم الفاعل: اسم مشتق للدلالة على معنى مجرد حادث وعلى فاعله.
وقولنا: (معنى مجرد) المراد: هو الحدث، كالقيام، والقعود، في قولك: قائم، قاعد.
ومعنى: (حادث) أي: عارض يتغير ويزول. وهذا هو الغالب في اسم الفاعل نحو: ندم الظالم فهو نادم.
ويصاغ من الفعل الثلاثي على وزن (فاعل) كـ: ضارب، ومن غير الثلاثي على وزن مضارعه بعد إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وكسر ما قبل الآخر كـ: مُكْرِم، وهو يعمل عمل فعله فإن كان لازمًا رفع الفاعل، وإن كان متعديًا رفع الفاعل ونصب المفعول، ويأتي توضيح ذلك إن شاء الله.
واسم الفاعل لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون مقترنًا بـ (ال) .
الثانية: أن يكون مجردًا منها.
فإن كان مقترناً بأل عمل بلا شرط، نحو: الكاتمُ سرَّ إخوانه محبوبٌ، فـ (الكاتمُ) مبتدأ. وفيه فاعل مستتر. (سرَّ) مفعول به لاسم الفاعل (محبوب) خبر المبتدأ.
стр. 232
وإن كان مجردًا عمل عمل فعله بشرطين (١) :
الأول: أن يكون للحال أو الاستقبال.
الثاني: أن يعتمد على نفي، أو استفهام، أو على مبتدأ، وهو المراد بقوله: (أو مخبرٍ عنه) . أو يعتمد على موصوف، وذلك بأن يقع اسم الفاعل خبرًا عن المبتدأ أو صفة.
مثال اعتماده على نفي: ما حامدٌ السوقَ إلا من ربح. فـ (ما) نافية و (حامد) مبتدأ، وهو اسم فاعل. عمل عمل فعله. فرفع الفاعل الذي سد مسد الخبر وهو (من) الموصولة. ونصب المفعول المقدَّم وهو كلمة (السوق) .
ومثال الاستفهام: أبالغٌ أنت قصدَك؟ فـ (بالغٌ) مبتدأ (أنت) فاعل سد مسد الخبر، (قصدَك) مفعول به لاسم الفاعل. والكاف مضاف إليه.
ومثال اعتماده على مبتدأ: أنت حافظٌ غَيْبَةَ جارك.
ومثال اعتماده على موصوف. صحبت رجلاً عارفًا حقوق الصداقة.
فإن كان مفيدًا للمضي لم يعمل، فلا يصح أن تقول: محمد كاتبٌ واجبَه أمس، بنصب (واجبه) بل يجب فيه الإضافة فتقول: محمد كاتبُ واجبِهِ أمس، وخالف في ذلك الكسائي فأجاز عمله - وإن كان ماضيًا - محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ (٢) فـ (باسط) بمعنى الماضي. وخرجه غيره على أنه حكاية حال ماضية. ومعنى ذلك: أن يفرض المتكلم حين كلامه أن القصة واقعة الآن فهو يصفها. وعليه لا يكون (باسطٌ) ماضياً، وإنما هو حاضر. والسر في ذلك إحضاره في الذهن حتى كأنه مشاهد.
стр. 233
وإن لم يعتمد اسم الفاعل لم يعمل. وخالف في ذلك الأخفش فأجاز عمله، واحتج بقول الشاعر:
خبيرٌ بنو لِهْبٍ فلا تكُ ملغيًا ......مقالة لِهْبيٍّ إذا الطير مَرَّتِ (١)
فإن قوله: (خبير) مبتدأ، وقوله (بنو لهب) فاعل سد مسد الخبر، ولم يعتمد اسم الفاعل على شيء مما ذكر.
стр. 234
والجمهور على اشتراط الاعتماد - كما تقدم - ولا حجة للأخفش في هذا البيت، لجواز حمله على التقديم والتأخير، بجعل الوصف وهو قوله (خبير) خبرًا مقدمًا. وقوله: (بنو لهب) مبتدأ مؤخر. والأصل: بنو لهب خبير، ولما كان هذا الحمل يلزم عليه الإخبار بالمفرد عن الجمع، قال المصنف ﵀: (وتقديره (١) خبير كظهير) والمعنى: أن صيغة (فعيل) على وزن المصدر كالصهيل والنعيق. والمصدر يخبر به عن المفرد والمثنى والجمع بلفظ واحد فكذا ما هو على وزنه، وقد ورد ذلك صريحًا في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٢) فـ (الملائكة) مبتدأ و (ظهير) خبر المبتدأ (٣) . فأُخبر عن الجمع بالمفرد؛ لما تقدم، والله أعلم.
٤- أمثلة المبالغة
قوله: (وَالمِثَالُ وَهُوَ مَا حُوِّلَ لِلمُبَالَغَةِ مِنْ فَاعِلٍ إِلى فَعَّالٍ، أَوْ فَعُولٍ أَوْ مِفْعَالٍ بِكثْرَةٍ، أَوْ فَعِيلٍ، أَوْ فَعِلٍ بِقِلَّةٍ نَحْوُ: أَمَّا العَسَلَ فَأَنَا شَرَّابٌ) .
النوع الأول: من الأسماء العاملة عمل الفعل (أمثلة المبالغة) وقول المصنف (والمثال) معطوف على ما قبله كما تقدم.
والمراد به: كل اسم حُوِّلَ للمبالغة والتكثير (٤) في الفعل من صيغة (فاعل) إلى إحدى الصيغ المذكورة. وهي خمس:
стр. 235
١-فَعَّال: بتشديد العين. نحو: القائد الناجح ليس بهياب عند الفزع. ومنه ما حكاه سيبويه: أما العسلَ فأنا شراب. فـ (شراب) صيغة مبالغة، وقد عملت عمل الفعل. ففيها ضمير مستتر هو الفاعل. والمفعول (العسلَ) فهو منصوب.
٢-فَعُول: بفتح الفاء، نحو: المؤمن شكورٌ ربَّه على نعمه، فـ (ربَّه) منصوب على التعظيم، والهاء مضاف إليه.
٣-مِفْعال: بكسر الميم، نحو: الشجاعُ مِطْعانٌ عَدُوَّهُ. والتحويل إلى هذه الثلاث بكثرة.
٤-فَعِيل: بكسر العين وبعدها ياء. نحو: المؤمن رحيمٌ بالضعفاء.
٥-فَعِل: بكسر العين من غير ياء. نحو: لا تكن جزعًا عند الشدائد والتحويل إلى هذين بقلة. (١)
فهذه الصيغ الخمس تعمل عمل اسم الفاعل - الذي يعمل عمل فعله - لإفادتها ما يفيده مكررًا، ولورود السماع عن العرب بإعمالها كما تقدم فيما حكاه سيبويه. ومنه قوله الشاعر:
حَذِرٌ أمورًا لا تضير وآمنٌ ......ما ليس منجيَه من الأقدار (٢)
فأعمل الشاعر صيغة المبالغة (حَذِرٌ) عمل الفعل، فنصب بها المفعول وهو قوله: (أمورًا) .
стр. 236
وصيغ المبالغة تؤخذ من مصدر الفعل الثلاثي كما في الأمثلة المتقدمة، وأخذها من مصدر غير الثلاثي قليل مثل: معطاء، من الفعل (أعطى) ، ومثل: بشير ونذير، من الفعلين: (بَشَّرَ) و (أنذر) . (١)
وسميت هذه الصيغ بأمثلة المبالغة لأنها مثال لكل ما جاء على وزنها، مثل: ضَرَّاب، وشَرَّاب، ونَفَّاع. ونحوها مما هو على وزن (فَعَّال) وكذا الباقي.
٥- اسم المفعول
قوله: (وَاسْمُ المَفْعُولِ كَمَضْرُوبٍ ومُكْرَمٍ، ويَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ وهُوَ (٢) كاسْمِ الفَاعِلِ) .
النوع الخامس: مما يعمل عمل الفعل (اسم المفعول) وهو معطوف على ما تقدم.
واسم المفعول: اسم مشتق للدلالة على معين مجرد وعلى من وقع عليه ذلك المعنى.
نحو: مُنِحَ الفائزُ جائزةً فهو ممنوح. فاسم المفعول (ممنوح) يدل على معنى مجرد، وهو (منح الجائزة) غير مقيد بزمان، ويدل على الذات التي وقع عليها منح الجائزة.
وهو يصاغ من الفعل الثلاثي على وزن (مفعول) كـ: مضروب ومن غير الثلاثي على وزن مضارعه بعد إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وفتح ما قبل الآخر كـ: مُكْرَم.
واسم المفعول يعمل عمل فعله المبني للمجهول، فإن كان محلى بأل عمل مطلقاً بدون شرط نحو: المذمومُ خلقُه مبغض، قال تعالى في مصارف الزكاة ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) فـ (قلوبهم) نائب فاعل لاسم المفعول. والميم علامة الجمع. والهاء مضاف إليه.
وإن كان مجردًا عمل إذا تحققت له الشروط التي اشترطت لعمل اسم الفاعل.
стр. 237
فيرفع نائب الفاعل إن كان فعله متعدياً لواحد فتقول: الخبر منقول. فـ (الخبر) مبتدأ و (منقول) خبر. وهو اسم مفعول، وفيه نائب فاعل ضمير مستتر تقديره (هو) كما تقول: نقل الخبر.
وإن كان فعله متعديًا لاثنين فأكثر. رَفَعَ واحداً بالنيابة ونَصَبَ غيره نحو: المجد ممنوح جائزةً. فـ (المجد) مبتدأ (ممنوح) خبر. وهو اسم مفعول، وفيه نائب فاعل ضمير مستتر تقديره. (هو) وهو المفعول الأول في الأصل. (جائزة) مفعول ثان. والأصل: منحت المجدَّ جائزة، ثم بُني للمجهول فقيل: مُنِحَ المجدُّ جائزة. ومن إعماله في المتعدي قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ (١) فـ (جنات) بدل أو عطف بيان مما قبله وهو قوله تعالى: ﴿لَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ (٢) ، و (مفتحةً) حال من (جناتِ عدنٍ) و (الأبواب) نائب فاعل.
٦- الصفة المشبهة باسم الفاعل
قوله: (وَالصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ بِاسْمِ الفَاعِلِ المُتَعَدِّي لِوَاحِدٍ، وَهِيَ الصِّفَةُ المَصُوغَةُ لِغَيْرِ تَفْضِيلٍ لإفَادَةِ الثُّبُوتِ كَحَسَنٍ وظَرِيفٍ وَطَاهِرٍ وَضَامِرٍ ... ) .
النوع السادس مما يعمل عمل الفعل الصفة المشبهة وهي:
الصفة المصوغة من فعل لازم لغير تفضيل، للدلالة على معنى قائم في الموصوف على وجه الثبوت.
نحو: (الصبي فَطِنٌ) فـ (فَطِنٌ) صفة مشبهة. مأخوذة من مصدر الفعل الثلاثي اللازم (فَطِنَ) وهي لغير تفضيل قطعاً، لأن الصفات الدالة على التفضيل هي الدالة على أن اثنين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها، كـ: أعلم وأكبر، وهذه ليست كذلك، وإنما صيغت لدلالة على معنى - وهو (الفَطَانة) - قائمٍ في الموصوف، وهو (الصبي) ، على وجه الثبوت والدوام في سائر الأوقات، لا التجدد والحدوث في وقت دون آخر.
стр. 238
وهذا بخلاف اسم الفاعل نحو: خالد قائم. فهو وصف دال على صفة عارضة، لأن هذا القائم قد يجلس، فهذا الوصف لا يفيد الثبوت، وإنما يفيد التجدد والحدوث. وهذا شأن اسم الفاعل. (١)
والصفة المشبهة لا تصاغ قياساً إلا من مصدر الفعل الماضي الثلاثي اللازم، وهي نوعان:
١-ما وازن المضارع في الحركات والسكنات كـ: طاهر القلب، وضامر البطن، فهما يوازنان: يَظْهُر، ويَضْمُر. وهذا قليل.
٢-ما لم يوازن المضارع في الحركات والسكنات. كـ (حَسَنٍ) وظريفٍ. فهما غير موازنين للمضارع: يَحْسُن، ويَظْرُف. وهذا هو الكثير فيها.
فإن كانت من غير الثلاثي وجبت موازنتها للمضارع نحو: منطلق اللسان، لأنها من غير الثلاثي اسم فاعل أو اسم مفعول أريد بهما الثبوت والدوام. وإلا فهي لا تصاغ إلا من الثلاثي كما عرفنا.
ويراد بالموازنة: تساوي عدد الحروف المتحركة والساكنة في كل منهما، وأن يكون ترتيب المتحرك والساكن فيهما متماثلاً، ولا يلزم اتفاق نوع الحركة، فلو كان الأول مفتوحاً في أحدهما والثاني مضمومًا حصلت الموازنة والمجاراة.
وسميت بـ (الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد) لوجود التشابه بينهما في أمور أهمها:
١-الدلالة على المعنى وصاحبه. كما تقدم في المثال، ولهذا لم تشبه اسم المفعول، لأنه لا يدل على الحدث وصاحبه.
стр. 239
٢-أنها عملت النصب - كما سيأتي - وكان الأصل أنها لا تنصب، لكونها مأخوذة من فعل لازم.
٣-أنها تثنى وتجمع وتذكر وتؤنث مثل: (جميل جميلة) (جميلان، جميلتان) (جميلون، جميلات) .
وقول المصنف: (المتعدى لواحد) إشارة إلى أنها لا تنصب إلا اسمًا واحدًا.
ومع أنها توافق اسم الفاعل في هذه الأمور فهي تخالفه في أمور أخرى أهمها:
١-أنها لا تؤخذ إلا من الفعل اللازم. واسم الفاعل يصاغ من اللازم والمتعدي.
٢-أنها تارة لا تجري على حركات المضارع وسكناته. وتارة تجري - كما تقدم -، واسم الفاعل لا يكون إلا مجاريًا للمضارع كضارب، فإنه مجار لـ (يَضْرِب) و (مُكْرِم) فإنه موافق لـ (يُكْرِم) .
٣-أنها للزمن الحاضر الدائم، لأنها تفيد الثبوت والدوام. فلا تكون للماضي وحده. أو المستقبل وحده. أو الحاضر وحده. واسم الفاعل يكون لأحد الأزمنة الثلاثة.
وسأذكر أمرين آخرين - إن شاء الله - في الكلام على معمول الصفة.
قوله: (وَلا يَتَقَدَّمُهَا مَعْمُولُهَا، وَلا يَكُونُ أَجْنَبِيًّا وَيُرْفَعُ عَلَى الفَاعِلِيَّةِ، أَو الإِبْدَالِ ويُنْصَبُ عَلَى التَّمْيِيْزِ أَوِ التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ وَالثَّانِي يَتَعَيَّنُ في المَعْرِفَةِ، ويُخْفَضُ بالإِضَافَةِ) .
هذا بحث في معمول الصفة المشبهة. فله حكمان:
الأول: أن لا يتقدم معمولها المنصوب عليها، فنحو: أخوك حسنُ رأيَه، بالنصب، لا تقول: أخوك رأيَه حَسنَ. بخلاف اسم الفاعل فيجوز تقديم منصوبة عليه نحو: كاتبٌ الدرسَ، فتقول زيد الدرسَ كاتبٌ.
стр. 240
الثاني: أنه لا يكون أجنبيًا بل سببيًا، والمراد بالسببي: الاسم الظاهر المتصل بضمير يعود على صاحبها، كما في المثال السابق (١) بخلاف اسم الفاعل فإن معموله يكون أجنبيًا كما في المثال المتقدم ويكون سببيًا نحو: مررت برجل قائدٍ بعيرَه.
وأما إعراب معمول الصفة، فإن الصفة المشبهة تعمل فيما بعدها، ويأتي معمولها على ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون مرفوعًا على الفاعلية. وهذا باتفاق. وحينئذ فالصفة خالية من ضمير موصوفها؛ لأنه لا يكون للشيء فاعلان. أو على الإبدال من ضمير مستتر في الصفة عند أبي عليِّ الفارسي.
مثال ذلك: الخطيبُ طلقٌ لسانُه. فـ (الخطيب) مبتدأ (طلق) خبر (لسانه) لسان: فاعل للصفة المشبهة على قول الجمهور. أو الفاعل ضمير مستتر. و (لسان) بدل من هذا الضمير. و (الهاء) مضاف إليه.
الثانية: أن يكون منصوبًا على شبه المفعولية إن كان معرفة (٢) ، وعليه أو على التمييز إن كان نكرة، وإنما لم يكن مفعولاً به؛ لأنه تقدم أن الصفة لا تؤخذ إلا من مصدر الفعل اللازم. والفعل اللازم لا ينصب مفعولاً به. فكذا ما أخذ من مصدره، مثال المعرفة: أخوك حسن رأيَه، فـ (رأيه) منصوب على التشبيه بالمفعول به، ومثال النكرة: العدو شديد بأسًا، فـ (بأسًا) تمييز، وهو الأرجح، أو منصوب على التشبيه بالمفعول به.
الثالثة: أن يكون مجرورًا بالإضافة، نحو: جارنا كريمُ الطبعِ.
اسم التفضيل
стр. 241
قوله: (واسْمُ التَّفْضِيلِ، وَهُوَ الصِّفَةُ الدَّالَّةُ عَلَى المُشَارَكَةِ وَالزِّيَادَةِ كَأَكْرَمَ، وَيُسْتَعْمَلُ بـ (مِنْ) وَمُضَافًا لِنَكِرَةٍ فَيُفْرَدُ وَيُذَكَّرُ وَبـ (اَلْ) فَيُطَابِقُ، وَمُضَافًا لمَعْرِفَةٍ فَوَجْهَانِ) .
هذا النوع السابع مما يعمل عمل الفعل وهو اسم التفضيل وتعريفه: هو الصفة الدالة على المشاركة والزيادة.
ومعنى المشاركة: أي اشتراك شيئين في صفة من الصفات، كالكرم، والشجاعة، والعلم ونحوها.
ومعنى الزيادة: أي زيادة أحدهما على الآخر في هذه الصفة نحو: العلم أنفع من المال. والذي زاد يسمى (المفضَّل) والآخر يسمى: (المفضَّل عليه) أو (المفضول) . ويدل اسم التفضيل في أغلب صوره على الاستمرار والدوام.
ويصاغ اسم التفضيل على وزن (أفعل) (١) من مصدر الفعل الذي يراد التفضيل في معناه، بشرط أن يكون هذا الفعل من الأفعال التي يجوز التعجب منها، وهي الأفعال الجامعةُ الشروطَ المذكورةَ في باب التعجب. وستأتي إن شاء الله.
واسم التفضيل له ثلاث حالات:
الأولى: وجوب إفراده وتذكيره، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. وذلك في صورتين:
стр. 242
إحداهما: أن يؤتى بعده بالمفضَّل عليه مجروراً بـ (من) نحو: زيد أشجع من عمرو، والزيدان أشجع من عمرو، والزيدون أشجع من عمرو، وهند أشجع من عمرو، والهندان أشجع من عمرو، والهندات أشجع من عمرو، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ (١) فجاء اسم التفضيل (أحبُّ) مفرداً مع الاثنين. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ (٢) فجاء اسم التفضيل (أحبَّ) مفرداً مع الجماعة.
الصورة الثانية: أن يكون مضافاً إلى نكرة، فتقول: عليٌّ أفضل رجل، والعليان أفضل رجلين، والعليون أفضل رجال، وهند أفضل امرأة، والهندان أفضل امرأتين، والهندات أفضل نسوة.
الحالة الثانية: وجوب مطابقته لموصوفه إفرادًا وتذكيراً وفرعيهما، وذلك إذا كان مقترناً بـ (ال) تقول: الولد الأكبر ذكي، والدار الكبرى جميلة ... وهكذا البقية، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا﴾ (٤) .
стр. 243
الحالة الثالثة: جواز المطابقة وعدمها. وذلك إذا كان مضافًا لمعرفة تقول: الزيدان أفضل القوم. بعدم المطابقة، وإن شئت قلت: أفضلا القوم، بالمطابقة. ومن عدم المطابقة قول الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ (١) فـ (هم) مفعول أول لـ (تجد) و (أحرصَ) مفعولٌ ثانٍ. وقد جاء مفرداً. ولو طابق لقال: أحرصي، ومن المطابقة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ (٢) فـ (أكابر) مضاف إلى (مجرميها) وهو مفعول أول لـ (جعل) التي بمعنى (صيَّر) والمفعول الثاني هو الجار والمجرور (في كل قرية) على أحد الأعاريب، وقد جاء اسم التفضيل المضاف مطابقًا لموصوفه المقدر، أي: قومًا أكابر، ولو لم يطابق لقيل: أكبر مجرميها.
قوله: (وَلا يَنْصِبُ المَفْعُولَ مُطْلَقًا، وَلا يَرْفَعُ في الغَالِبِ ظَاهِرًا إِلا في مَسْأَلَةِ الكُحْلِ) .
ذكر المصنف ﵀ عمل اسم التفضيل، وهو يحتاج إلى شيء من التفصيل، فأقول:
اسم التفصيل أحد المشتقات العاملة عمل الفعل، فيصح أن يتعلق به الظرف، والجار والمجرور، نحو: هذا الخطيب أفصح في القول لساناً. فالجار والمجرور (في القول) متعلق بـ (أفصح) .
وأما عمله:
فقد ذكر المصنف أنه لا ينصب المفعول به (مطلقًا) أي: سواء كان اسمًا ظاهرًا أم ضميرًا، بل يصل إلى مفعوله باللام نحو: خالد أبذل للمعروف وأسرع للنجدة. أو بالباء نحو: عليٌّ أعرف بالنحو من خالد، أما الحال والتمييز فإن اسم التفضيل ينصبهما، فمثال الحال: خالد مفرداً أنفعُ من عمرو معانًا. فالعامل في الحالين: (مفرداً، معاناً) هو اسم التفضيل (أنفع) .
ومثال التمييز: المتقدمون أكثر صلاحاً من المتأخرين، فـ (صلاحاً) تمييز منصوب باسم التفضيل.
стр. 244
وأما عمله الرفع فإنه يرفع الضمير المستتر باتفاق، نحو: العفة أكرم من الابتذال، فاسم التفضيل (أكرم) رافع ضميراً مستتراً هو فاعله.
ولا يرفع الظاهر قياساً إلا إذا صح أن يقع في موضعه فعل بمعناه، وهذا مطرد في كل موضع يقع فيه اسم التفضيل بعد نفي أو شبهه كالنهي، ويكون مرفوعه أجنبياً مفضلاً على نفسه باعتبارين.
مثال تقدم النفي: ما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيد.
وهذا المثال يتردد في كتب النحو، وبه عرفت مسألةُ رفعِ اسمِ التفضيلِ الاسمَ الظاهرَ بمسألة الكحل.
ففي المثال يصح وقوع الفعل موقع اسم التفضيل، فيقال: ما رأيت رجلاً يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد. وقد تقدم في المثال نفي بـ (ما) ، ومرفوع اسم التفضيل وهو (الكحل) أجنبي لم يتصل بضمير يعود على الموصوف، وقولنا: مفضلاً على نفسه باعتبارين. أي: أن هذا الأجنبي مفضل على نفسه باعتبارين مختلفين، فالكحل في عين زيد أحسن من الكحل نفسه في عين غيره من الرجال.
فـ (أحسن) اسم تفضيل نعت لـ (رجل) و (الكحل) فاعل لاسم التفضيل مرفوع.
ومثال النهي: لا يكن غيرُك أقربَ إليه الخيرُ منه إليك، فـ (أقرب) خبر (يكن) منصوب و (الخير) فاعل لاسم التفضيل.
وأما الجر فإن اسم التفضيل يجر المفضول إذا كان مضافاً إليه، نكرةً كان، نحو العالم أقدرُ رجلٍ على إزالة مشكلات الناس، أو معرفة نحو: الذي يرى الأسد بكثرة أجرأُ الناس عليه.
باب التوابع
١- النعت
قوله: (يَتْبَعُ مَا قَبْلَهُ في إِعْرَابِهِ خَمْسَةٌ: النَّعْتُ، وَهُوَ التَّابعُ المُشْتَقُّ أَوِ المُؤَوَّلُ بِهِ المُبَايِنُ لِلَفْظِ مَتْبُوعِهِ، وَفَائِدَتُهُ تَخْصِيصٌ أَوْ تَوْضِيحٌ أَوْ مَدْحٌ أَوْ ذَمٌّ أَوْ تَرَحُّمٌ أَوْ تَوْكِيدٌ) .
стр. 245
التوابع جمع تابع، وهو لفظ متأخر دائماً يتقيد في نوع إعرابه بنوع الإعراب في لفظ معين متقدم عليه. يسمى (المتبوع) ، نحو: جاء الرجلُ المهذبُ. رأيت الرجلَ المهذبَ، سلمت على الرجل المهذبِ فلفظ (المهذب) تابع لكلمة (الرجل) في إعرابه رفعًا ونصبًا وجرًا.
والتوابع خمسة وهي: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل.
فالأول: النعت، وهو: التابع المشتق أو المؤول به المباينُ للفظ متبوعه.
فقوله: (التابع) هذا جنس يشمل التوابع كلها.
وقوله: (المشتق أو المؤول به) . فيه بيان الأشياء التي ينعت بها فذكر شيئين:
١-الاسم المشتق. وهو ما دل على معنى وصاحبه كـ (قائم، وكاتب، ومهذب، وحسن، وأفضل) .
٢-المؤول بالمشتق. وهو الاسم الجامد المشبه للمشتق في المعنى، كاسم الإشارة نحو: مررت بزيد هذا. أي: الحاضر. و (ذي) بمعنى صاحب نحو: مررت برجل ذي مال. أي: صاحب مال.
وأسماء النسب نحو: مررت برجل تميمي، أي: منسوب إلى تميم (١) .
وخرج بذلك بقية التوابع، فإنها لا تكون مشتقة ولا مؤولة به، ألا ترى أنك تقول في التوكيد: جاء القوم أجمعون. وفي عطف البيان والبدل: جاء صالح أبو عبد الله، وفي عطف النسق: جاء خالد وهشام. فتجدها توابع جامدة.
وما جاء في بعضها مشتقاً فليس بشرط فيه، فعطف النسق قد يكون بين مشتقين. ولكن ذلك ليس بشرط كما في النعت نحو: أبوك كريم وعالم. وكذا التوكيد اللفظي نحو: جاء خالد الفاضل الفاضل.
وقوله: (المباين للفظ متبوعه) لإخراج التوكيد اللفظي (٢) . لأنه عين متبوعه.
وأشهر الأغراض التي يفيدها النعت ما يأتي:
стр. 246
١- التخصيص إن كان المتبوع نكرة، والمراد به: تقليل الاشتراك المعنوي في النكرة، وتضييق عدد ما تشمله، نحو: جاء رجل تاجر.
٢- الإيضاح إن كان المتبوع معرفة، والمراد به: إزالة الاشتراك اللفظي فيها ورفع الاحتمال الذي يتجه إلى معناها: حضر خالد الكاتب.
٣-مجرد المدح نحو: رضي الله عن عمر بن الخطاب الشاملِ عدلُه الرحيمِ قلبُه.
٤-مجرد الذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
٥-الترحم- أي إظهار الرحمة والحنان لغيرك - نحو: اللهم ارحم عبدك المسكين.
٦-التوكيد كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) ﴾ (١) فـ (واحدة) نعت لـ (نفخة) وهو للتوكيد؛ لأن الواحدة تفهم من اسم المرة (نفخة) .
قوله: (وَيَتْبَعُ مَنْعُوتَهُ في وَاحِدٍ مِنْ أَوْجُهِ الإِعْرَابِ، وَمِنَ التَّعْريفِ وَالتَّنْكِيرِ، ثُمَّ إِنْ رَفَعَ ضَمِيراً مُسْتَتِراً تَبِعَ في واحِدٍ مِنَ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، وَوَاحِدٍ مِنَ الإِفْرَادِ وَفَرْعَيْهِ، وَإِلاَّ فَهُوَ كَالفِعْلِ، وَالأَحْسَنُ جَاءَنِي رَجُلٌ قُعُودٌ غِلْمَانُهُ ثُمَّ قَاعِدٌ ثُمَّ قَاعِدُونَ) .
النعت نوعان:
١-حقيقي: وهو ما دل على صفة في اسم قبله، نحو: أقمت في المنزل الفسيح، فـ (الفسيح) نعت حقيقي، لأنه دل على صفة في الاسم الذي قبله، وهو (المنزل) ، لأن المتصف بالفساحة حقيقة هو المنزل، فسمى هذا النعت: نعتاً حقيقيًا.
وعلامته: أن يشتمل النعت على ضمير مستتر يعود على المنعوت.
стр. 247
٢-سببي: وهو ما دل على صفة في اسم له ارتباط بالمتبوع، نحو: أقمت في المنزل الفسيح فناؤه. فـ (الفسيح) نعت، ولكنه ليس للمتبوع (المنزل) إذ ليست الفساحة - هنا - صفة المنزل. وإنما هي صفة لما بعده وهو (فناؤه) غير أنه لما كان للفناء ارتباط بالمنزل. جاز أن نقول عن صفة الفِنَاءِ إنها صفة للمنزل، ومن أجل ذلك يسمى لفظ (الفسيح) في هذا المثال نعتاً غير حقيقي أو نعتًا سببيًا (١) ، فـ (الفسيح) نعت مجرور بالكسرة (فناؤه) فاعل للصفة مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه.
وعلامته: أن يأتي بعد النعت اسم ظاهر مرفوع بالنعت، مشتمل على ضمير يعود على المنعوت.
وأما مطابقة النعت لمنعوته فقد ذكر المصنف ﵀ أن النعت بنوعيه يتبع منعوته في رفعه ونصبه وجره. وفي تعريفه وتنكيره.
وأما ما يتعلق بالإفراد وفرعيه والتذكير والتأنيث. فإن كان النعت حقيقياً تبع منعوته في إفراده وتثنيته وجمعه وفي تذكيره وتأنيثه.
وإن كان النعت سببياً فهو بمنزلة الفعل الذي يصح أن يحل محله ويكون بمعناه. فيلزم الإفراد، ويراعي في تذكيره وتأنيثه الاسم الذي بعده.
مثال الحقيقي: هذا منزلٌ واسعٌ، سقيت كلبًا لاهثًا، اقبل النصح من أخٍ مخلصٍ، أكرمت الطالبَ المهذبَ. دخلت مكتبةً واسعةً، هاتان فتاتان عاقلاتان، عاشرت إخوانًا مستقيمين.
مثال السببي: هذا منزل واسعٌ فناؤه، أكرمت الطالبَ المهذبةَ أخلاقُه، عاشرت إخواناً مستقيمةً أخلاقُهم. مررت بالرجلِ الجديدِة سيارتُه.
وقول المصنف ﵀: (والأحسن جاءني رجل قعودٌ غلمانهُ ثم قاعد ثم قاعدون) .
стр. 248
معناه: أنه إذا كان السببي - وهو مرفوع النعت - جمع تكسير جاز أن يجمع النعت جمع تكسير، لجريانه مجرى المفرد. فتقول: هؤلاءِ زملاءٌ كرامٌ آباؤهم، وجاءني رجل قعود غلمانه، وجاز أن يفرد النعت فتقول: هؤلاءِ زملاءٌ كريمٌ آباؤهم. وجاءني رجلٌ قاعدٌ غلمانُه بالإفراد.
وظاهر كلام المصنف أن جمعه أرجح من إفراده؛ لأنه قدم الجمع على الإفراد، وقيل إفراده أرجح؛ لأنه حلَّ محل الفعل، والفعل وإذا أسند لجمع أُفرد؛ فتقول: كَرُمَ آباؤهم، وقَعَدَ غلمانه، لا كرموا. وقعدوا، على اللغة المشهورة كما مضى في باب الفاعل.
وهناك وجه ثالث - كما ذكر المصنف - وهو جمعه جمع مذكر سالم، وهذا ضعيف، كما نص عليه المصنف في الشذور. (١)
قوله: (وَيَجُوزُ قَطْعُ الصِّفَةِ المَعْلُوم مَوْصُوفُهَا حَقِيقَةً أَوِ ادِّعَاءً رَفْعًا بِتَقْدِيرِ هُوَ، وَنَصْبًا بِتَقْدِيرِ أَعْنِي أَوْ أَمْدّحُ أَوْ أَذُمُّ أَوْ أَرْحَمُ) .
الأصل أن النعت يتبع منعوته في إعرابه - كما تقدم - ويجوز لداع بلاغي قطع هذا النعت عن التبعية لمنعوته، فلا يتبعه في علامة الإعراب. بل يعطي إعراباً جديدًا، فإن كان المنعوت مرفوعًا وأردنا قطع النعت - لداع بلاغي (٢) - قطعناه إلى النصب، نحو: جاء محمدٌ العالمَ، وإن كان المنعوت منصوبًا وأردنا قطع النعت قطعناه إلى الرفع نحو: رأيت محمدًا المسكينُ، وإن كان المنعوت مجروراً جاز قطعه إلى الرفع أو النصب نحو: آمنت بالأنبياءِ الهداةُ، أو الهداةَ.
стр. 249
فرفْعُه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: (هو) ، ونصبه بإضمار فعل تقديره: (أعني) في النعت الموضِّح. أو (أمدح) في المدح أو (أذم) في الذم، أو (أرحم) في الترحم، أو غير ذلك مما يناسب النعت، ويجب حذف المبتدأ أو الفعل إذا كان النعت المقطوع لمدح أو ذم أو ترحم؛ لأنه من العوامل الواجبة الحذف، فإن كان لغير ذلك جاز ذكره وحذفه.
وشرط القطع أن يكون المنعوت معلومًا ومتعينًا بدون النعت، إما حقيقة أو ادعاء بأن ينزل المنعوت غير المعلوم منزلة المعلوم لأمر ما.
فالمعلوم حقيقة كما تقدم، والمعلوم ادعاء نص عليه سيبويه في كتابه (١) فقال: (وقد يجوز أن تقول: مررت بقومك الكرامَُ - أي بالرفع والنصب - إذا جعلت المخاطب كأنه قد عرفهم، كما قال: مررت برجلٍ زيدٌ، فتنزله منزلة من قال لك: من هو؟ وإن لم يتكلم به، فكذلك هذا تنزله هذه المنزلة وإن كان لم يعرفهم) .
ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) ﴾ (٢) فقد قرأ عاصم بنصب (حمالة) على أنه مفعول به لفعل محذوف وجوبًا تقديره: أذم، وقرأ بقية السبعة بالرفع على الاتباع؛ لأن نعت المرفوع مرفوع.
٢- التوكيد
قوله: (وَالتَّوْكِيدُ وَهُوَ إِمَّا لَفْظِيٌّ نحْوُ: (أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لا أَخا لَهُ) وَنحْوُ: (أَتَاكِ أَتَاكِ الَّلاحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ) وَنحْوُ: (لاَ لاَ أَبُوحُ بِحُبِّ بَثْنَةَ إِنَّهَا) وَلَيْسَ مِنْهُ ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ (٣) و ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ (٤) .
الثاني من التوابع: التوكيد المراد به: المؤكِّد - بكسر الكاف - من إطلاق المصدر مراداً به اسم الفاعل، ويقال: التأكيد - بالهمزة - والأول أفصح، كما في القاموس.
وهو قسمان: لفظي، وهو المراد هنا، ومعنوي، ويأتي إن شاء الله.
стр. 250
فاللفظي: إعادة اللفظ الأول: بعينه، سواء كان اسمًا كقول الشاعر:
(٣) أخاك أخاك إنَّ من لا أخا له ...كساع إلى الهيجا بغير سلاح (١)
فـ (أخاك) مفعول به لفعل محذوف وجوبًا، لأنه من باب الإغراء تقديره: الزم أخاك - مثلاً - وهو منصوب بالألف لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف مضاف إليه. و (أخاك) الثاني توكيد لفظي.
أو كان فعلاً وحده، أو مع فاعله كقول الشاعر:
فأينَ إلى أينَ النجاةُ ببغلتي ......أتاكِ أتاكِ اللاحقونَ احبسِ احبسِ (٢)
فقوله (أتاكِ أتاكِ) فيه توكيد الفعل بالفعل. و (اللاحقون) فاعل (أتاك) الأول، والثاني جيء به للتوكيد فلا فاعل له.
وفي قوله: (احبسِ احبسِ) وقع الفعل الثاني مع فاعله المستتر توكيدًا للأول مع فاعله.
أو كان حرفًا كقول الشاعر:
(١) لا لا أبوح بحب بَثْنَةَ إنها ......أخذت عليَّ مواثقاً وعهودا (٣)