← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2135

تعجيل الندى بشرح قطر الندى

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (310 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

١- التخصيص إن كان المتبوع نكرة، والمراد به: تقليل الاشتراك المعنوي في النكرة، وتضييق عدد ما تشمله، نحو: جاء رجل تاجر. ٢- الإيضاح إن كان المتبوع معرفة، والمراد به: إزالة الاشتراك اللفظي فيها ورفع الاحتمال الذي يتجه إلى معناها: حضر خالد الكاتب. ٣-مجرد المدح نحو: رضي الله عن عمر بن الخطاب الشاملِ عدلُه الرحيمِ قلبُه. ٤-مجرد الذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ٥-الترحم- أي إظهار الرحمة والحنان لغيرك - نحو: اللهم ارحم عبدك المسكين. ٦-التوكيد كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) ﴾ (١) فـ (واحدة) نعت لـ (نفخة) وهو للتوكيد؛ لأن الواحدة تفهم من اسم المرة (نفخة) . قوله: (وَيَتْبَعُ مَنْعُوتَهُ في وَاحِدٍ مِنْ أَوْجُهِ الإِعْرَابِ، وَمِنَ التَّعْريفِ وَالتَّنْكِيرِ، ثُمَّ إِنْ رَفَعَ ضَمِيراً مُسْتَتِراً تَبِعَ في واحِدٍ مِنَ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، وَوَاحِدٍ مِنَ الإِفْرَادِ وَفَرْعَيْهِ، وَإِلاَّ فَهُوَ كَالفِعْلِ، وَالأَحْسَنُ جَاءَنِي رَجُلٌ قُعُودٌ غِلْمَانُهُ ثُمَّ قَاعِدٌ ثُمَّ قَاعِدُونَ) . النعت نوعان: ١-حقيقي: وهو ما دل على صفة في اسم قبله، نحو: أقمت في المنزل الفسيح، فـ (الفسيح) نعت حقيقي، لأنه دل على صفة في الاسم الذي قبله، وهو (المنزل) ، لأن المتصف بالفساحة حقيقة هو المنزل، فسمى هذا النعت: نعتاً حقيقيًا. وعلامته: أن يشتمل النعت على ضمير مستتر يعود على المنعوت.

стр. 247

٢-سببي: وهو ما دل على صفة في اسم له ارتباط بالمتبوع، نحو: أقمت في المنزل الفسيح فناؤه. فـ (الفسيح) نعت، ولكنه ليس للمتبوع (المنزل) إذ ليست الفساحة - هنا - صفة المنزل. وإنما هي صفة لما بعده وهو (فناؤه) غير أنه لما كان للفناء ارتباط بالمنزل. جاز أن نقول عن صفة الفِنَاءِ إنها صفة للمنزل، ومن أجل ذلك يسمى لفظ (الفسيح) في هذا المثال نعتاً غير حقيقي أو نعتًا سببيًا (١) ، فـ (الفسيح) نعت مجرور بالكسرة (فناؤه) فاعل للصفة مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه. وعلامته: أن يأتي بعد النعت اسم ظاهر مرفوع بالنعت، مشتمل على ضمير يعود على المنعوت. وأما مطابقة النعت لمنعوته فقد ذكر المصنف ﵀ أن النعت بنوعيه يتبع منعوته في رفعه ونصبه وجره. وفي تعريفه وتنكيره. وأما ما يتعلق بالإفراد وفرعيه والتذكير والتأنيث. فإن كان النعت حقيقياً تبع منعوته في إفراده وتثنيته وجمعه وفي تذكيره وتأنيثه. وإن كان النعت سببياً فهو بمنزلة الفعل الذي يصح أن يحل محله ويكون بمعناه. فيلزم الإفراد، ويراعي في تذكيره وتأنيثه الاسم الذي بعده. مثال الحقيقي: هذا منزلٌ واسعٌ، سقيت كلبًا لاهثًا، اقبل النصح من أخٍ مخلصٍ، أكرمت الطالبَ المهذبَ. دخلت مكتبةً واسعةً، هاتان فتاتان عاقلاتان، عاشرت إخوانًا مستقيمين. مثال السببي: هذا منزل واسعٌ فناؤه، أكرمت الطالبَ المهذبةَ أخلاقُه، عاشرت إخواناً مستقيمةً أخلاقُهم. مررت بالرجلِ الجديدِة سيارتُه. وقول المصنف ﵀: (والأحسن جاءني رجل قعودٌ غلمانهُ ثم قاعد ثم قاعدون) .

стр. 248

معناه: أنه إذا كان السببي - وهو مرفوع النعت - جمع تكسير جاز أن يجمع النعت جمع تكسير، لجريانه مجرى المفرد. فتقول: هؤلاءِ زملاءٌ كرامٌ آباؤهم، وجاءني رجل قعود غلمانه، وجاز أن يفرد النعت فتقول: هؤلاءِ زملاءٌ كريمٌ آباؤهم. وجاءني رجلٌ قاعدٌ غلمانُه بالإفراد. وظاهر كلام المصنف أن جمعه أرجح من إفراده؛ لأنه قدم الجمع على الإفراد، وقيل إفراده أرجح؛ لأنه حلَّ محل الفعل، والفعل وإذا أسند لجمع أُفرد؛ فتقول: كَرُمَ آباؤهم، وقَعَدَ غلمانه، لا كرموا. وقعدوا، على اللغة المشهورة كما مضى في باب الفاعل. وهناك وجه ثالث - كما ذكر المصنف - وهو جمعه جمع مذكر سالم، وهذا ضعيف، كما نص عليه المصنف في الشذور. (١) قوله: (وَيَجُوزُ قَطْعُ الصِّفَةِ المَعْلُوم مَوْصُوفُهَا حَقِيقَةً أَوِ ادِّعَاءً رَفْعًا بِتَقْدِيرِ هُوَ، وَنَصْبًا بِتَقْدِيرِ أَعْنِي أَوْ أَمْدّحُ أَوْ أَذُمُّ أَوْ أَرْحَمُ) . الأصل أن النعت يتبع منعوته في إعرابه - كما تقدم - ويجوز لداع بلاغي قطع هذا النعت عن التبعية لمنعوته، فلا يتبعه في علامة الإعراب. بل يعطي إعراباً جديدًا، فإن كان المنعوت مرفوعًا وأردنا قطع النعت - لداع بلاغي (٢) - قطعناه إلى النصب، نحو: جاء محمدٌ العالمَ، وإن كان المنعوت منصوبًا وأردنا قطع النعت قطعناه إلى الرفع نحو: رأيت محمدًا المسكينُ، وإن كان المنعوت مجروراً جاز قطعه إلى الرفع أو النصب نحو: آمنت بالأنبياءِ الهداةُ، أو الهداةَ.

стр. 249

فرفْعُه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: (هو) ، ونصبه بإضمار فعل تقديره: (أعني) في النعت الموضِّح. أو (أمدح) في المدح أو (أذم) في الذم، أو (أرحم) في الترحم، أو غير ذلك مما يناسب النعت، ويجب حذف المبتدأ أو الفعل إذا كان النعت المقطوع لمدح أو ذم أو ترحم؛ لأنه من العوامل الواجبة الحذف، فإن كان لغير ذلك جاز ذكره وحذفه. وشرط القطع أن يكون المنعوت معلومًا ومتعينًا بدون النعت، إما حقيقة أو ادعاء بأن ينزل المنعوت غير المعلوم منزلة المعلوم لأمر ما. فالمعلوم حقيقة كما تقدم، والمعلوم ادعاء نص عليه سيبويه في كتابه (١) فقال: (وقد يجوز أن تقول: مررت بقومك الكرامَُ - أي بالرفع والنصب - إذا جعلت المخاطب كأنه قد عرفهم، كما قال: مررت برجلٍ زيدٌ، فتنزله منزلة من قال لك: من هو؟ وإن لم يتكلم به، فكذلك هذا تنزله هذه المنزلة وإن كان لم يعرفهم) . ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) ﴾ (٢) فقد قرأ عاصم بنصب (حمالة) على أنه مفعول به لفعل محذوف وجوبًا تقديره: أذم، وقرأ بقية السبعة بالرفع على الاتباع؛ لأن نعت المرفوع مرفوع. ٢- التوكيد قوله: (وَالتَّوْكِيدُ وَهُوَ إِمَّا لَفْظِيٌّ نحْوُ: (أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لا أَخا لَهُ) وَنحْوُ: (أَتَاكِ أَتَاكِ الَّلاحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ) وَنحْوُ: (لاَ لاَ أَبُوحُ بِحُبِّ بَثْنَةَ إِنَّهَا) وَلَيْسَ مِنْهُ ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ (٣) و ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ (٤) . الثاني من التوابع: التوكيد المراد به: المؤكِّد - بكسر الكاف - من إطلاق المصدر مراداً به اسم الفاعل، ويقال: التأكيد - بالهمزة - والأول أفصح، كما في القاموس. وهو قسمان: لفظي، وهو المراد هنا، ومعنوي، ويأتي إن شاء الله.

стр. 250

فاللفظي: إعادة اللفظ الأول: بعينه، سواء كان اسمًا كقول الشاعر: (٣) أخاك أخاك إنَّ من لا أخا له ...كساع إلى الهيجا بغير سلاح (١) فـ (أخاك) مفعول به لفعل محذوف وجوبًا، لأنه من باب الإغراء تقديره: الزم أخاك - مثلاً - وهو منصوب بالألف لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف مضاف إليه. و (أخاك) الثاني توكيد لفظي. أو كان فعلاً وحده، أو مع فاعله كقول الشاعر: فأينَ إلى أينَ النجاةُ ببغلتي ......أتاكِ أتاكِ اللاحقونَ احبسِ احبسِ (٢) فقوله (أتاكِ أتاكِ) فيه توكيد الفعل بالفعل. و (اللاحقون) فاعل (أتاك) الأول، والثاني جيء به للتوكيد فلا فاعل له. وفي قوله: (احبسِ احبسِ) وقع الفعل الثاني مع فاعله المستتر توكيدًا للأول مع فاعله. أو كان حرفًا كقول الشاعر: (١) لا لا أبوح بحب بَثْنَةَ إنها ......أخذت عليَّ مواثقاً وعهودا (٣)

стр. 251

ثم ذكر المصنف ﵀ أنه ليس من تأكيد الاسم قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) ﴾ (١) ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) ﴾ (٢) . لأن معنى (دكًا دكًا) أي: دكًا بعد دك. وأن الدك كرر عليها حتى صارت منخفضة الجبال، وعلى هذا فهو (حال) ، والدكُّ هو حط المرتفع والتسوية، ومعنى (والملك صفًا صفًا) أي: تنزل ملائكة كل سماء فيصفون صفًا بعد صف محدقين بالجن والإنس. وعلى هذا فهو (حال) . والظاهر أن قوله تعالى (دكًا دكًا) من باب التوكيد، وعليه كثير من النحاة كما قال (الفاكهي) في شرحه على القطر (٣) ، وجرى عليه ابن هشام نفسه في كتابه "شذور الذهب" (٤) لأن الدك في القيامة مرة واحدة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) ﴾ (٥) فيكون اللفظ الثاني مؤكداً للأول. وأما قوله تعالى: (صفًا صفًا) فالظاهر أنه ليس بتوكيد، بل هو حال على ما تقدم، أي: مصطفين، أو ذوي صفوف كثيرة، والله أعلم. (٦)

стр. 252

قوله: (أَوْ مَعْنَويٌ، وَهُوَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنِ مُؤَخَّرَةً عَنْهَا إِنِ اجْتَمَعَتَا، وَيُجُمَعَانِ عَلَى أَفْعُلِ مَعَ غَيْرِ المُفْرَدِ، وَبِكُلٍ لِغَيْرِ مُثَنَّى إِنْ تَجَزَّأَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعَامِلِهِ، وبِكِلا وَكِلْتَا لَهُ إِنْ صَحَّ وُقُوعُ المُفْرَدِ مَوْقِعَهُ وَاتحَدَ مَعْنَى المُسْنَد، وَيُضَفْنَ لِضَمِيرِ المُؤَكَّدِ، وَبِأَجْمَعَ وَجَمْعَاءَ وَجَمْعِهِمَا غَيْرَ مُضَافَةٍ) . النوع الثاني: التوكيد المعنوي وهو: تابع يذكر لرفع احتمال تقديرِ مضافٍ إلى المتبوع، أو إرادة الخصوص بما ظاهره العموم. فالأول: يكون بـ (النفس والعين) نحو: حادثني الأمير نفسه. فلو اقتصرنا على المؤكَّد (بفتح الكاف) لاحتمل أن يكون هناك مضاف محذوف، وأن الذي حادثك وكيله، أو أمين سره، أو رجل آخر من مساعديه، فإذا ذكر التوكيد ارتفع ذلك الاحتمال، فـ (نفسه) توكيد معنوي مرفوع، والهاء مضاف إليه. وإذا اجتمعا - النفس والعين - في اللفظ وجب تأخير (العين) عن النفس؛ لأن النفس عبارة عن جملة الشيء، والعين مستعارة في التعبير عن الجملة، فتقول: جاء خالد نفسُه عينُه. ولابد من اتصالهما بضمير مذكور عائد على المؤكَّد مطابق له في الإفراد والتذكير وفروعهما؛ ليحصل الربط بين التابع والمتبوع. ويجب إفرادهما مع المفرد - كما تقدم - وأما مع التثنية والجمع فيجمعان جمع تكسير للقلة على وزن (أَفْعُل) ، وهذا الجمع مع الجماعة واجب، ومع الاثنين أرجح من الإفراد، فتقول: جاء المحمدان أنفسُهما وأعينُهما (١) ، وجاء المحمدون أنفسُهم وأعينُهم، وتقول: جاءت الفاطمات أنفسُهن.

стр. 253

وأما النوع الثاني: من التوكيد المعنوي وهو ما يراد به رفع احتمال إرادة الخصوص بما ظاهره العموم فهو لفظ (كل) نحو: قرأت القرآن كلَّه، فلو لم يؤت بكلمة (كل) لكان من المحتمل أن المراد من المقروء هو الأكثر أو الأقل أو النصف، فلما أردنا رفع هذا الاحتمال زدنا كلمة (كله) . ولا يؤكد بها إلا بثلاثة شروط: الأول: أن يكون المؤكَّد بها غير مثنى، وهو المفرد والجمع. الثاني: أن يكون المؤكد بها جمعاً له أفراد، أو مفرداً يتجزأ بنفسه، أو بعامله، فالأول نحو: حضر الضيوف كلُّهم، والثاني نحو: قرأت الكتاب كلَّه، والثالث نحو: اشتريت الحصان كلَّه؛ لأن الحصان يتجزأ باعتبار الشراء، ولا يجوز: جاء الضيف كلُّه؛ لعدم الفائدة من التوكيد؛ إذ يستحيل نسبه المجيء إلى جزء منه دون الآخر. الشرط الثالث: أن يتصل بها ضمير عائد على المؤكَّد كما في الأمثلة. فإن كان المؤكد مثنى فله لفظان: (كلا) للمثنى المذكر، و (كلتا) للمثنى المؤنث، نحو: نجح الأخوان كلاهما، وفازت البنتان كلتاهما، فلولا التوكيد (كلاهما) لكان من المحتمل اعتبار التثنية غير حقيقية، وأن الذي نجح هو أحدهما، ويؤكد بهما المثنى بشروط: ١-أن يصح حلول المفرد محلهما، ليمكن توهم إرادة البعض بالكل كما في المثالين بخلاف: اختصم الزيدان كلاهما، فلا يصح لعدم صحة حلول المفرد محلهما؛ لأن الاختصام لا يكون إلا بين اثنين، ومن النحاة من يجيز ذلك محتجًا بأن التوكيد قد يأتي للتقوية أيضاً لا لرفع الاحتمال فقط. ٢-أن يتخذ معنى المسند إلى المؤكَّد، فإن اختلف المسند لم يصح نحو: مات زيد وعاش بكر كلاهما؛ لأن المسند (مات، وعاش) مختلف معناه. ٣-أن يتصل بهما ضمير عائد على المؤكَّد بهما.

стр. 254

ثم ذكر المصنف ما يتعلق بتقوية التوكيد، وأنه يؤكد بـ (أجمع) المفرد المذكر، وبـ (جمعاء) المؤنث (وجمعهما) فجَمْعُ أجمع: (أجمعون) ، وجَمْعُ جمعاء: (جُمَعُ) ولا يؤكد بها في الأكثر (١) إلا بعد (كل) ، فلهذا كانت غير مضافة لضمير المؤكَّد نحو: جاء الجيش كلُّه أجمعُ، قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) ﴾ (٢) . فـ (كلهم) توكيد معنوي لـ (الملائكة) مرفوع مثله، والهاء مضاف إليه والميم علامة الجمع. (أجمعون) توكيد معنوي ثان، مرفوع بالواو وتقول: جاءت القبيلة كلُّها جمعاءُ. وجاءت النساء كلُّهن جُمَعُ. قوله: (وَهِيَ بِخِلافِ النُّعُوتِ لا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَاطَفَ المُؤَكِّدَاتُ، وَلا أَنْ يَتْبَعْنَ نَكِرَةً، وَنَدَرَ: يَا لَيْتَ عِدَّةَ حَوْلٍ كُلِّهِ رَجَبُ) . ذكر المصنف مسألتين: المسألة الأولى: أن ألفاظ التوكيد مخالفة للنعوت المتعددة؛ في أن النعوت إذا تعددت جاز الإتيان فيها بالعطف وتركه؛ فتقول: جاء خالدٌ الفقيهُ الكاتبُ الخطيبُ. ويجوز: جاء خالد الفقيه والكاتب والخطيب. بواو العطف، لاختلاف معانيها. وأما ألفاظ التوكيد إذا اجتمعت (٣) فإنها لا تتعاطف بل تورد متتابعة بدون فصل، فلا تقول: جاء عليٌّ نفسُه وعينُه، ولا جاء القوم كلُّهم وأجمعون. وذلك لأنها بمعنى واحد، والشيء لا يعطف على نفسه.

стр. 255

المسألة الثانية: أن النعت كما يَتْبَعُ المعرفة كذلك يتبع النكرة، كما تقدم في بابه، ولا يجوز في ألفاظ التوكيد أن تتبع النكرة، لأنها معارف بالإضافة (١) فلا تقول: جاء رجل نفسه. وقد جاء في قول الشاعر: (٢) لكنَّهُ شاقه أن قيل ذا رَجَبُ ......يا ليت عدةَ حولٍ كلِّه رجبُ (٢) حيث أكد الشاعر النكرة. وهي قوله (حول) بـ (كل) ، وحَكَمَ عليه المصنف بأنه نادر. والصحيح جواز توكيد النكرة إذا اجتمع فيها أمران: الأول: أن تكون النكرة محدودة، وهي: التي تدل على زمن محدود بابتداء وانتهاء معينين، أو على شيء معلوم القدر، كشهر وحول. وأسبوع، ويوم، ودرهم، ودينار.

стр. 256

الثاني: أن يكون لفظ التوكيد من ألفاظ الإحاطة والشمول. وذلك لورود السماع عن العرب كما ذكر المصنف، ولحصول الفائدة؛ لأن التوكيد يفيد النكرة شيئًا من التحديد والتخصيص يُقَرِّبُها من التعريف، فتقول: خرجت إلى الريف يومًا كلَّه، سافرت إلى مكة أسبوعاً جميعَه، تصدقت بدينارِ كلِّه. بخلاف: عملت زمنًا كَّله، أنفقت مالاً كلَّه، لتخلف الأمر الأول. وبخلاف: عملت يومًا نفسَه؛ لتخلف الأمر الثاني. ٣- عطف البيان قوله: (وَعَطْفُ البَيَانِ، وَهُوَ تَابعٌ مُوَضِّحٌ، أَوْ مُخَصِّصٌ جَامِدٌ غَيْرُ مَؤَوَّلٍ، فَيُوَافِقُ مَتْبُوعَهُ كَأَقْسَمَ بِاللهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ، وَهذَا خَاتَمٌ حَدِيدٌ) . هذا النوع الثالث من التوابع وهو عطف البيان. وتعريفه: تابع موضِّح أو مخصِّص، جامد غير مؤول. وقوله: (تابع) . هذا جنس في التعريف يشمل التوابع الخمسة. وقوله: (موضح أو مخصص) أي موضح لمتبوعه إن كان معرفة بإزالة ما قد يطرأ عليها من الشيوع، بسبب تعدد مدلولها، أو مخصص له إن كان نكرة بتحديد مدلولها وتقليله، فـ (خالد) و (صالح) و (محمد) معارف، لكن قد يحصل لها شيء من الشيوع بسبب تعدد مدلولها. فلابد من شيء يوضح المراد. ويزيل الإبهام. و (رجل) لفظٌ مدلوله شائع كامل الشيوع فما جاء لتحديده وتقليله فهو مخصص له. وهذا القيد يخرج التوكيد كـ (جاء الأمير نفسُه) وعطف النسق نحو: قرأت التفسير والحديث، والبدل نحو: قضيت الدين نصفَه. فإنها لا توضح متبوعها ولا تخصصه. فإن وجد التوضيح في البدل والتوكيد فهو غير مقصود بهما بالذات. وقوله: (جامد) أي في الغالب، وهذا يخرج النعت فإنه يوافق عطف البيان في التوضيح والتخصيص - كما تقدم في بابه - لكنه مشتق. وقوله: (غير مؤول) أي غير مؤول بمشتق. وهذا يخرج النعت الجامد المؤول بمشتق، كاسم الإشارة نحو: مررت بعلي هذا. أي المشار إليه.

стр. 257

مثال توضيح المتبوع: أكرمت محمداً أخاك. فكلمة (أخاك) جاءت لتوضيح المراد بـ (محمد) ، إذ لولا هذا التابع لبقيت كلمة (محمد) - برغم أنها معرفة بالعلمية - بحاجة إلى مزيد من الإيضاح والتبيين كما تقدم. ومنه: أقسم بالله أبو حفص عمر. فـ (عمر) عطف بيان لـ (أبو حفص) وهو علم، وقد قصد به الإيضاح. ومثال تخصيص النكرة: سمعت كلمةً خطبةً كثيرة المعاني قليلة الألفاظ. فكلمة (خطبة) عطف بيان، جاءت لتخصيص النكرة وهو (كلمة) ؛ لأن مدلولاتها متعددة من شعر ونثر ... ومن خطبة ومقالة.. ولولا هذا التابع لبقيت هذه الكلمة على شيوعها وتعدد مدلولها. ومنه: هذا خاتمٌ حديدٌ. فـ (حديد) عطف بيان لـ (خاتم) ذكر لتخصيصه؛ لأن الخاتم قد يكون حديدًا أو ذهبًا أو غيرهما. وقول ابن هشام ﵀: إن عطف البيان يأتي للتوضيح أو التخصيص. هذا هو الأصل، وإلا فقد يأتي للمدح - على قول بعض المفسرين - كقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (١) فـ (البيت الحرام) عطف بيان. ومجيء عطف البيان معرفة تابعًا لمعرفة لا خلاف فيه.

стр. 258

وأما مجيئه نكرة فمنعه قوم، محتجين بأن البيان كاسمه، والنكرة مجهولة، والمجهولا لا يبين المجهول، وأوجبوا البدلية فيما استند إليه المجيز، وأجازه آخرون وهو الحق؛ لوروده في آيات من القرآن، يتضح فيها عطف البيان، كقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) ﴾ (١) فـ (صديد) نكرة. وهو عطف بيان لـ (ماء) وهو نكرة، وذلك أنه لما أبهم الماء بَيَّنَهُ بقوله: (صديد) ، وهو ما يخرج من أجواف أهل النار من قيح ودم وعرق. وكقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ (٢) فـ (زيتونه) عطف بيان لـ (شجرة) . وما احتج به المانعون مردود بأن بعض النكرات قد يكون أخص من بعض، والأخص يعين غيره. وعطف البيان يوافق متبوعه في إعرابه. وفي الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير، على ما تقدم بيانه في باب النعت. وسمي بعطف البيان؛ لأنه بمنزلة التفسير والبيان للأول باسم آخر مرادف له يكون أشهر منه. قوله: (وَيُعْرَبُ بَدَلَ كُلٍ مِنْ كُلٍ إِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ إِحْلالُهُ مَحَلَّ الأَوَّلِ كَقَوْلِهِ: (أَنَا ابْنُ التَّارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ) وَقَوْلِهِ: (أَيَا أَخَوَيْنَا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلا)) . القاعدة أن كل عطف بيان يصح أن يعرب بدل كل من كل؛ لما في البدل من تقرير معنى الكلام وتوكيده بكونه على نية تكرار العامل، إلا إذا امتنع إحلاله محل الأول فإنه يتعين كونه عطف بيان ولا يعرب بدلاً، كقول الشاعر: (١) أنا ابنُ التاركِ البكريِّ بشرٍ ......عليه الطيرُ تَرْقُبُهُ وقوعا (٣)

стр. 259

فـ (بشر) عطف بيان على قوله: (البكري) ، ولا يجوز أن يكون بدلاً منه؛ لأن البدل على نية تكرار العامل، فترفع المبدل منه وتضع البدل مكانه، فتقول التاركِ بشرٍ. ويلزم على هذا إضافة الوصف المفرد المقترن بـ (ال) إلى الخالي منها، وهذا لا يجوز، كما تقدم في باب الإضافة. وكقول الشاعر أيضًا: (٢) أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ......أعيذكما بالله أن تحدثا حربا (١) فقوله: (عبد شمس) عطف بيان على قوله: (أخوينا) ، ولا يجوز أن يكون بدلاً منه؛ إذ لو كان بدلاً منه لكان على تقدير حرف النداء، فيلزم ضمُّ (نوفلاً) بدل فَتْحِهِ، لأنه مفرد معرفة. والرواية وردت بنصبه، فدل على أن قوله: (عبد شمس) ليس بدلاً. لأن الشاعر عطف عليه اسماً آخر بالنصب، مع كون ذلك المعطوف علمًا مفردًا. والصحيح جواز إعراب عطف البيان بدلاً في هذين البيتين، ولا داعي للضابط المذكور، فإن المعنى واضح على البدلية كوضوحه على عطف البيان. وهذا يتمشى مع ما ذكره ابن هشام في المغني (٢) وذكره غيره من أنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل (٣) ؛ أي: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع. وكون العامل (وهو المضاف وحرف النداء كما في البيتين) لا يصح وقوعه قبل التابع لا يؤثر. إنما الضرر في عدم صحة وقوعه قبل المتبوع.

стр. 260

وقولهم: إن البدل على نية تكرار العامل لا يلزم، فإن العرب أصحاب اللغة لا تدري من أمر هذه القاعدة شيئاً، ولن يترتب على إهمالها وعدم التمسك بها فساد في المعنى ولا في التركيب. وقد نقل الصبان في حاشيته على الأشموني عن المحقق الرضى قوله: (أنا إلى الآن لم يظهر لي فرق جلي بين بدل الكل من الكل وبين عطف البيان، بل لا أرى عطف البيان إلا البدل كما هو ظاهر كلام سيبويه ... ) . (١) ٤- عطف النسق قوله: (وَعَطْفُ النَّسَق بِالْوَاوِ، وهِيَ لِمُطْلَق الْجَمْعِ) . هذا النوع الرابع من التوابع. وهو عطف النسق. وتعريفه: هو تابع يتوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف الآتي ذكرها، والنَّسَقُ - بفتح السين - مصدر نسقت الكلام أنسُقه؛ أي: واليت أجزاءه، وربطت بعضها ببعض. والنَّسَقُ بمعنى المنسوق؛ أي الكلام المنسوق بعضه على بعض. وحروف العطف هي: ١-الواو: وهي لمطلق الجمع والاشتراك في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه. ولا تفيد الترتيب ولا المعية إلا بقرينة. فقد يكون المعطوف متأخرًا عن المعطوف عليه، نحو: تولي الخلافة أبو بكر وعمر ﵄. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) . وقد يكون المعطوف سابقًا للمعطوف عليه، نحو: تولى الخلافة عمر وأبو بكر. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٣) . وقد يكون المعطوف مصاحباً للمعطوف عليه فلا تفيد ترتيباً، نحو: جاء خالد وعليٌّ معه. قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ (٤) . قوله: (وَ (الْفَاءِ) لِلتَرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ) .

стр. 261

٢-الفاء: وتفيد التشريك في الحكم مع الترتيب والتعقيب. ومعنى الترتيب: مجيء المعطوف بعد المعطوف عليه (١) . ومعنى التعقيب: وقوع المعطوف عقب المعطوف عليه بلا مهلة. وهو في كل شيء بحسبه، تقول: دخل الخطيب فأنصت الناس، دخلت مكة فالمدينة. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ﴾ (٢) . قوله: (وَ (ثُمَّ) للتَّرْتِيبِ والتَرَاخِي) . ٣-ثم: وتفيد التشريك في الحكم مع الترتيب والتراخي. ومعنى التراخي: انقضاء مدة زمنية طويلة بين وقوع المعنى على المعطوف عليه ووقوعه على المعطوف. ومرجع تقدير المدة للعرف، نحو تولى الخلافة عمر ثم عثمان ﵄. قال تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) ﴾ (٣) . ...قوله: (وَ (حَتَّى) لِلْغَايَةِ والتَدْرِيجِ لا للتَرتيبِ) . ٤-حتى: وتفيد الاشتراك في الحكم مع الغاية والتدريج. ومعنى الغاية: النهاية. أي أن ما بعدها غاية لما قبلها ينتهي الحكم عنده. ومعنى التدريج: أن ينقضي ما قبلها شيئًا فشيئًا إلى أن يبلغ الغاية. ولهذا يشترط في المعطوف بها أن يكون بعضًا مما قبله، نحو: فَرَّ الجنود حتى القائد. ولا تفيد الترتيب، بل هي كالواو للجمع والاشتراك في الحكم، كما تقدم، لأنك تقول: حفظت القرآن حتى سورة البقرة. وإن كانت أول ما حفظت. قوله: (و (أو) لأَحَدِ الشَّيئينِ أو الأَشياءِ مُفيدةً بَعْدَ الطَّلبِ التَخييرَ أو الإباحة، وبَعدَ الخبرِ الشَّكَّ أو التَشْكِيكَ) .

стр. 262

٥-أو: وهي لأحد الشيئين أو الأشياء. فإن كانت مسبوقة بأمر فهي للتخيير، أو الإباحة، فمثال التخيير: تزوج حفصة أو أختها. ومثال الإباحة: اقرأ النحو أو البلاغة. والفرق بينهما جواز الجمع بين المتعاطفين في الإباحة دون التخيير. وإن كانت مسبوقة بخبر فهي للشك أو التشكيك. فالشك من المتكلم في الحكم نحو: حضر صالح أو عليٌّ. إذا كنت لا تعلم من حضر منهما، ومنه قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (١) والتشكيك: إيقاع السامع في الشك. ويعبر عنه بالإبهام - كما في المثال السابق - إذا كنت تعلم الحاضر منهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) وتفيد أيضًا التقسيم نحو: الاسم: نكرة أو معرفة. قوله: (وَ (أَمْ) لِطَلَبِ التَّعْيينِ بَعْدَ هَمْزَةٍ دَاخِلَةٍ عَلَى أَحَدِ المُسْتَوِيَيْنِ) . ٦-أم: وهي نوعان: الأول: متصلة. وهي التي تصل ما قبلها بما بعدها بحيث لا يستغني أحدهما عن الآخر. وتقع بعد: (أ) همزة التسوية الداخلة على جملة مؤولة بمصدر. والغالب أن تكون مسبوقة بكلمة (سواء) ، كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (٣) ، فـ (سواء) خبر مقدم، والمصدر المؤول من همزة التسوية وما بعدها مبتدأ مؤخر. والتقدير: إنذارك وعدمه سواء. (ب) همزة الاستفهام يطلب بها وبـ (أم) التعيين، نحو: أخالد عندك أم خليل؟ فيكون الجواب: خالد - مثلاً - وتعرب (أم) المتصلة حرف عطف مبني على السكون لا محل له من الإعراب. الثاني: منقطعة. وهي التي لا تتقدم عليها همزة التسوية ولا همزة يطلب بها وبـ (أم) التعيين. وسميت منقطعة؛ لأنها تقع غالبًا بين جملتين مستقلتين لكل منهما معنى يخالف معنى الأخرى.

стр. 263

ويكون معناها في الغالب الإضراب الإبطالي، وهو إبطال الحكم السابق ونفي مضمونه، والانتقال عنه إلى ما بعده. كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (١) . أي: بل يقولون افتراه. فقد وقعت (أم) بين جملتين هما: (هذا سحر مبين) و (يقولون افتراه) وكل واحدة منهما مستقلة بمعناها عن الأخرى. والراجح أن (أم) المنقطعة ليست من حروف العطف، وإنما هي حرف ابتداء مبني على السكون يفيد الإضراب، ولا تدخل إلا على الجمل. قوله: (وَلِلرَدِّ عَنْ الْخَطَأِ في الْحُكْمِ (لا) بَعْدَ إِيجَاب. و (لَكِنْ) و (بَلْ) بَعْدَ نَفْي، ولِصَرْفِ الْحُكْمِ إلى مَا بَعْدَهَا (بَلْ) بَعْدَ إِيجَابٍ) . ذكر بقية الحروف وهي: لا، لكن، بل. فأما (لا) فهي لرد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب فيه. فتفيد نفي الحكم عن المعطوف. وقصره على المعطوف عليه. ويشترط لها أن يكون الكلام قبلها موجبًا لا منفيًا نحو: قرأت النحو لا البلاغة، يقال: ردًا على من اعتقد أن المتكلم قرأهما معاً أو أنه قرأ البلاغة فقط. وأما (لكن) فهي للاستدراك المتضمن رد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب فيه (٢) . ويشترط لها أن تكون مسبوقة بنفي أو نهي، نحو: ما جاء الضيف لكن ابْنُهُ. ردًا على من اعتقد أن الجائي الضيف لا ابنه.

стр. 264

وأما (بل) فيشترط دخولها على مفرد، ثم إن تقدم عليها نفي أفادت إقرار الحكم السابق وإثبات نقيضه لما بعدها نحو: ما جاء الضيف بل ابنه. فقد أثبتت نفي المجيء للضيف، وجعلت ضد هذا النفي وهو المجيء ثابتاً لابنه، وإن تقدم عليها كلام موجب - أي مثبت - أفادت الإضراب عن الحكم السابق وتركه وصرف الحكم إلى ما بعدها نحو: اشتريت كتابًا بل قلماً. ٥- البدل قوله: (وَالْبَدَلُ، وَهُوَ تَابعٌ مَقْصُودٌ بِالحكْمِ بِلا وَاسِطَةٍ وَهُوَ سِتَّةٌ: بَدَلُ كُلٍّ نَحْوُ: ﴿مَفَازًا حَدَائِقَ﴾ (١) وَبَعْضٍ نَحْوُ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ (٢) وَاشْتِمَالٍ نَحْوُ: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ (٣) وَإِضْرَابٍ وَغَلَطٍ وَنِسْيَانٍ نَحْوُ: تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ دِينَارٍ بِحَسَبِ قَصْدِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي، أَوِ الثَّانِي وَسَبْقِ اللِّسَانِ، أَوِ الأوَّلِ وَتَبَيُّنِ الخَطَإِ) . هذا النوع الخامس من التوابع. وهو البدل. وتعريفه: تابع مقصود بالحكم بلا واسطة بينه وبين متبوعه. نحو: حضر أخوك خالد، فـ (خالد) بدل من (أخوك) . وهو المقصود بالحكم وهو (الحضور) ليتضح المراد. وأن الأخ الذي حضر هو (خالد) دون بقية الإخوة. وكلمة الأخ لم يكن ذكرها مقصودًا لذاته، وإنما ذكرت تمهيدًا لما بعدها. وليكون الكلام أقوى في نفس السامع؛ لأنك تنسب فيه الحضور إلى (خالد) مرتين. مرة باعتبار أنه أخ، ومرة بذكر اسمه. وقوله: (تابع) جنس يشمل جميع التوابع.

стр. 265

وقوله: (مقصود بالحكم) يخرج النعت والتوكيد وعطف البيان. لأنها مكملة للمتبوع المقصود بالحكم، لا لأنها هي المقصودة بالحكم، ويخرج به المعطوف بالواو ونحوها مثل: جاء صالح وعاصم، فإنه مقصود بالحكم وليس هو المقصود وحده، كما يخرج المعطوف بـ (لا) نحو: جاء صالح لا عاصم، فإن ما بعد (لا) ليس مقصودًا بالحكم. وكذا المعطوف بـ (بل) بعد النفي نحو: ما جاء صالح بل عاصم؛ لأن المقصود نفي المجيء عن الأول. وقوله: (بلا واسطة) يخرج المعطوف بـ (بل) بعد الإثبات نحو: جاء صالح بل عاصم. فإن الثاني وإن كان هو المقصود بالحكم لكنه بواسطة، فلا يكون بدلاً. وأقسام البدل ستة: ١-بدل كل من كل (١) وهو أن يكون الثاني مساوياً للأول في المعنى نحو: عاملت التاجر خليلاً. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) ﴾ (٢) فـ (حدائق) بدل من (مفازًا) . وهو بدل كل من كل. (٣)

стр. 266

٢-بدل بعض من كل وهو أن يكون الثاني بعضًا من الأول. نحو: قضيت الدين ثلثه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) فـ (من استطاع) بدل من (الناس) وهو بدل بعض من كل؛ لأن المستطيع بعض الناس لا كلهم، ولابد فيه من ضمير يعود على المبدل منه. وهو مقدر في الآية. ٣-بدل اشتمال وهو أن يكون المبدل منه مشتملاً على البدل بأن يكون دالاً عليه. بحيث إذا ذكر المبدل منه تشوفت النفس إلى ذكر البدل. نحو: نفعني خالد علمُه. فـ (علمُه) بدل اشتمال من (خالد) وهو منطوٍ تحته، وليس جزءاً منه. ولو قلت: نفعني خالد ... لم يتضح المراد، وهل نفعك علمه أو ماله أو جاهه؟ فإذا ذكر البدل اتضح المقصود. ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (٢) فـ (قتالٍ فيه) بدل اشتمال من (الشهر الحرام) وبينهما تعلق وارتباط بوقوع القتال فيه. وبدل الاشتمال كبدل البعض، لابد فيه من ضمير يعود على المبدل منه كما في الأمثلة. (٣)

стр. 267

٤-بدل إضراب، وهو ما يذكر فيه المبدل منه قصدًا. ولكن يضرب عنه المتكلم ويتركه دون أن يتعرض له بنفي أو إثبات، ويتجه إلى البدل. ٥-بدل غلط، وهو ما يذكر فيه المبدل منه غلطاً، ثم يذكر البدل لإزالة ذلك الغلط، فهو بدل من اللفظ الذي ذكر غلطاً، لا أنه هو الغلط. ٦-بدل نسيان، وهو: ما يذكر فيه المبدل منه قصدًا. ثم يتبين للمتكلم فساد قصده. فيذكر البدل الذي هو الصواب، فهو بدل من اللفظ الذي ذكر نسيانًا، لا أن البدل ذكر نسيانًا، والفرق بين هذا وسابقه أن الغلط متعلق باللسان، والنسيان متعلق بالجنان. فالمبدل منه في الأول ذكر غلطًا، وفي الثاني ذكر نسيانًا، وهذه الأنواع الثلاثة لا تحتاج إلى ضمير يربط البدل بالمبدل منه. ومثالها: تصدقت بدرهم دينار. فهذا المثال يصلح للثلاثة، فإن كان المتكلم قصد الإخبار بالتصدق بالدرهم ثم أضرب عنه وتركه إلى الإخبار بالتصدق بالدينار. وجعل الأول في حكم المتروك فهو بدل إضراب، وهذا معنى قول المصنف: (بحسب قصد الأول والثاني) . وإن كان المتكلم أراد الإخبار بالتصدق بالدينار فسبق لسانه إلى الدرهم، فهو بدل غلط. وهذا معنى قوله: (أو الثاني وسَبْقِ اللسان) أي: أو قَصْدِ الثاني وَسَبْقِ اللسان إلى الأول. وإن كان قصد الإخبار بالتصدق بالدرهم فلما نطق به تبين له أن الصواب الإخبار بالتصدق بالدينار بظهور الخطأ في القصد الأول فهو بدل نسيان، وهذا معنى قوله: (أو الأول وتَبَيُّنِ الخطأ) أي: أو قَصْدِ الأول وتَبَيُّنِ الخطأ في قصده. باب في حكم العدد تذكيرًا وتأنيثًا

стр. 268

قوله: (العَدَدُ مِنْ ثَلاثَةٍ إلَى تِسْعَةٍ يُؤنَّثُ مَعَ المُذَّكَرِ وَيُذَكَّرُ مَعَ المُؤَنَّثِ دَائِمًا نحْوُ: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (١) . وَكَذَلِكَ العَشْرَةُ إِنْ لم تُرَكَّبْ، وَمَا دُونَ الثَّلاثَةِ، وَفَاعِلٌ كَثَالِثٍ وَرَابعٍ عَلَى القِيَاس دَائمًا، وَيُفْرَدُ فَاعِلٌ أَوْ يُضَافُ لِمَا اشْتُقَّ مِنْهُ أَوْ لمَا دُونَهُ أَوْ يَنْصِبُ مَا دُونَهُ) . ألفاظ العدد من حيث التذكير والتأنيث ثلاثة أقسام: ما يخالف المعدود في التذكير والتأنيث. فيذكر مع المؤنث ويؤنث مع المذكر، وهو من ثلاثة إلى تسعة، مفردًا كان نحو: عندي ثلاثة رجال، وأكرمت تسع نسوة، ومنه قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ (٢) أو مركباً مع العشرة، نحو نجح ثلاثة عشر طالبًا. أقمت في مكة تسع عشرة ليلةً. أو معطوفاً عليه نحو: في الفصل سبعة وعشرون طالباً. في المزرعة سبع وثمانون نخلة. ٢-ما يوافق المعدود في التذكير والتأنيث، فيذكر مع المذكر، ويؤنث مع المؤنث. وهما العددان: واحد واثنان، مفردين نحو: في القرية مسجد واحد، ومدرسة واحدة، اشتريت كتابين اثنين وكراستين اثنتين، أو مركبين نحو: رأى يوسف ﵇ أحد عشر كوكبًا. كتبت إحدى عشرة ورقة، عندي اثنا عشر كتابًا، واثنتا عشرة كراسة، أو معطوفًا عليهما نحو: حضر الوليمة واحد وعشرون رجلاً، وإحدى وعشرون امرأة. وكذا ما يصاغ من العدد على وزن (فاعل) مفرداً نحو: أزورك - إن شاء الله - في اليوم الثالث من الشهر في الساعة الرابعة عصراً، أو مركبًا، نحو: قرأت الحديث الرابعَ عشرَ، وفي الفقه المسألة السادسة عشرةَ. أو معطوفًا عليه نحو: جلست في المقعد الرابع والعشرين، يكثر تحري المسلمين ليلة القدر في رمضان في الليلة السابعة والعشرين.

стр. 269

وهذا معنى قوله: (وما دون الثلاثة وفاعل كثالث ورابع على القياس دائمًا) أي: ما دون الثلاثة وهو: واحد واثنان، وفاعل: مثل العدد ثالث ورابع (على القياس دائماً) فيذكران مع المذكر، ويؤنثان مع المؤنث، مفردًا كان العدد أو مركبًا أو معطوفًا. ٣-ما له حالتان وهو العشرة، فإن كانت مفردة فهي عكس المعدود نحو: عندي عشرة رجال، وعشر نساء، وإن كانت مركبة فهي موافقة للمعدود تذكيرًا وتأنيثًا. كما تقدم في أمثلة القسم الأول. وأما الأعداد: مائة وألف وألفاظ العقود - من عشرين إلى تسعين - فإنها تلزم صورة واحدة سواء كان المعدود مذكراً أم مؤنثاً نحو: في الفصل خمسون طالبًا، في المزرعة أربعون نخلة، قَلَّ من يعيش مائة سنة، على فضل العلم مائةُ برهانٍ وبرهانٍ. (١) ويصاغ من الأعداد على وزن (فاعل) من اثنين إلى عشرة؛ ليصف ما قبله ويدل على ترتيبه، وقد ذكر المصنف له أربع حالات: الأولى: الإفراد عن الإضافة، فيفيد حينئذ الاتصاف بمعناه مجردًا نحو: جاء الطالبُ الثالثُ في فصله. فـ (الثالثُ) صفة للطالب. الثانية: أن يضاف لما اشتق منه، فيفيد حينئذ أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة فتقول: جئت إلى المسجد يوم الجمعة وأنا ثالثُ ثلاثةٍ. أي: واحد من ثلاثة. قال تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٣) .

стр. 270

الثالثة: أن يضاف إلى ما تحته من العدد، فيفيد حينئذ معنى التصيير نحو: دخلت المسجد وأنا رابعُ ثلاثةٍ أي: جاعل الثلاثة بنفسه أربعة. قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ (١) . الرابعة: أن ينصب ما تحته لكونه اسم فاعل. واسم الفاعل ينصب المفعول، بشرط اعتماده، وكونه للحال أو الاستقبال - كما تقدم في بابه - وعلى هذا فيلحقه التنوين، لعدم الإضافة، فتقول: سأسافر غدًا - إن شاء الله - وأنا رابعٌ ثلاثةً، كما تقول: هذا كاتبٌ الواجبَ. فـ (ثلاثةً) مفعول به منصوب لاسم الفاعل (رابع) . باب في ذكر موانع الصرف قوله: (مَوَانِعُ صَرْفِ الاسْمِ تِسْعَةٌ يَجْمَعُهَا: وَزْنُ المُرَكبِ عُجْمَةٌ تَعْرِيفُهَا ......عَدْلٌ وَوَصْفُ الجَمْعِ زِدْ تَأْنِيثَا كَأَحْمَدَ وَأَحْمَرَ وَبَعْلَبَكَّ وَإِبْرَاهِيمَ وَعُمَرَ وَأُخَرَ وأُحَادَ وَمَوْحِدَ إِلى الأَرْبَعَةِ، وَمَسَاجِدَ وَدَنَانِيرَ وَسَلَّمَانَ وَسَكْرَانَ وَفَاطِمَةَ وَطَلْحَةَ وَزَيْنَبَ وَسَلْمى وَصَحْرَاءَ، فأَلِفُ التَّأْنِيثِ وَالجَمْعُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ في الآحادِ كُلِّ مِنْهُما يَسْتَأثِرُ بِالَمْنعِ، وَالبَوَاقِي لابُدَّ مِنْ مُجَامَعَةِ كُلِّ عِلَّةٍ مِنْهُنَّ لِلصِّفَةِ أَوِ العَلَمِيَّةِ) .

стр. 271

الأصل في الأسماء أن تكون منصرفة - أي منونة - وتمنع من الصرف - أي التنوين - إذا وجد فيها مانع من الموانع التي وضعها النحاة، للتمييز بين الاسم الممنوع من الصرف والاسم المنصرف، وقد تقدم في أول الكتاب تعريف الاسم الممنوع من الصرف. وعلامة الاسم الذي لا ينصرف وجودية، وعلامة المنصرف عدمية. وقد جمع بعضهم هذه العلامات في بيت من العشر كما ذكر المصنف ﵀ وهذه العلامات هي: ١-وزن الفعل. ٢-التركيب. ٣-العجمة. ٤-التعريف (والمراد به هنا العلمية دون غيرها من أقسام المعارف) . ٥-العدل. ٦-الوصف. ٧-الجمع. ٨-زيادة الألف والنون. ٩-التأنيث. وقد أشار المصنف إلى أمثلتها على الترتيب المذكور في البيت الذي أورده (كأحمد) فيه الوزن والعلمية، (وأحمر) فيه الوزن والوصفية (بعلبك) فيه التركيب والعلمية (وإبراهيم) فيه العجمة والعلمية (وعمر) فيه العدل والعلمية (وأُخَر) بضم أوله وفتح ثانيه، فيه العدل والوصفية (ومساجد ودنانير) فيه الجمع أي: صيغة منتهى الجموع (وسلمان) فيه العلمية وزيادة الألف والنون. (وسكران) فيه الوصفية والزيادة، (وفاطمة) فيه التأنيث بالتاء والعلمية، ومثله: (طلحة) وفائدة ذكره، لبيان أنه لا فرق بين علم المؤنث وعلم المذكر (وزينب) فيه العلمية والتأنيث المعنوي (وسلمى) فيه التأنيث بالألف المقصورة (وصحراء) فيه التأنيث بالألف الممدودة. والعلامة الدالة على منع الاسم من الصرف قد تكون واحدة، وقد تكون اثنتين معًا - كما تبين من هذا العرض الموجز - لهذا كانت الأسماء الممنوعة من الصرف نوعين: الأول: ما يمنع صرفه لوجود علامة واحدة تستقل بالمنع دون مجامعة علامة أخرى، وذلك في موضعين:

стр. 272

١-إذا ختم الاسم بألف التأنيث المقصورة أو الممدودة (١) فالمقصورة ألف تجيء في نهاية الاسم المعرب لتدل على تأنيثه، ومثلها الممدودة إلا أن الممدودة لابد أن تسبقها - مباشرة - ألف زائدة للمد، فتنقلب ألف التأنيث همزة، فمثال المقصورة: للمؤمن في آخر الزمان الدرجاتُ العُلى، ما رأيت ملهى، قدمت إليك ببشرى، فـ (العُلى) صفة لـ (الدرجات) وصفة المرفوع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، و (ملهى) مفعول به منصوب بفتحة مقدرة للتعذر و (بشرى) اسم مجرور بفتحة مقدرة على الألف للتعذر نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف. ومثال الممدودة: جلست في روضة فيحاءَ، فـ (فيحاءَ) صفة لـ (روضة) مجرورة بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف. ولا فرق بين أن تكون الألف بنوعيها في اسم معرفة مثل: أروى وحواء، أو نكرة مثل: ذكرى وصحراء، أو في مفرد كما مُثِّل، أو جمع كجرحى وأصدقاء. ٢-إذا كان الاسم على صيغة منتهى الجموع. والمراد بها: كلُّ جمع تكسيرٍ أولهُ مفتوح وبعد ألف تكسيره حرفان، أو ثلاثة أوسطها ساكن: نحو: لا تذهب إلى مجالسَ سيئةٍ فتسمعَ أحاديثَ لا خير فيها. وسميت بصيغة منتهى الجموع لانتهاء الجمع إليها، فلا يجوز أن يجمع بعدها مرة أخرى، بخلاف غيرها من الجموع فإنها قد تجمع، مثل: كلب، وأكلب وأكالب. ونَعْم وأنعام وأناعم. أما مثل: مساجد ومصابيح ومجالس ونحوها فلا جمع لها بعد ذلك.

стр. 273

وقول المصنف: (والجمع الذي لا نظير له في الآحاد) أي أن صيغة منتهى الجموع لا نظير لها في الآحاد العربية. أي: لا مفرد على وزنه بل هو خاص بالجمع (١) وهذا فيه إشارة إلى علة المنع. وهي أنه لما كان هذا الوزن - كدراهم ودنانير - لا نظير له في الآحاد، منعوه من الصرف، والحق أن التعليل السليم هو نطق العرب ليس غير. قوله: (وَالبَوَاقِي لا بُدَّ مِنْ مُجَامَعَةِ كُلِّ عِلَةٍ مِنْهُنَّ لِلصِّفَةِ أًوِ العَلَمِيَّةِ وَتَتَعَيَّنُ العَلَمِيَّةُِ مَعَ التًَّرْكِيبِ وَالتَّأنِيثِ وَالعُجْمَةِ، وَشَرْطُ العُجْمَةِ عَلِمِيَّةٌ فِي العَجَمِيَّةِ وَزِيادَةٌ عَلى الثَّلاثَةِ، والصِّفَةِ أَصَالَتُهَا وَعَدَمُ قَبُولِهَا التَّاءَ، فَعُرْيَانٌ وَأَرْمَلٌ وَصَفْوَانٌ وَأَرْنَبٌ بِمَعْنَى قَاسٍ وَذَلِيلٍ مُنْصَرفَةٌ، وَيَجُوزُ في نَحْوِ هِنْدٍ وَجْهَانِ بِخِلاَفِ زَيْنَبَ وَسَقَرَ وَبَلْخَ، وَكَعُمَرَ عِنْدَ تَمِيم بَابُ حَذَامِ إِنْ لَمْ يُخْتَمْ بِرَاءٍ كَسَفَارِ وَأَمْسٍ لِمُعَيَّنٍ إِنْ كَانَ مَرْفُوعًا وَبَعْضَهُمْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيْهِما، وَسَحَرَ عِنْدَ الجَمِيعِ إِنْ كَانَ ظَرْفًا مُعَيَّنًا) . ذكر النوع الثاني مما يمنع من الصرف وهو الذي يُمْنَعُ صرفه لوجود علامتين معًا: علامة معنوية، والأخرى اللفظية (٢) ، فالمعنوية: الصفة أو العلمية، واللفظية (زيادة الألف والنون، وزن الفعل، العدل، التركيب، التأنيث، العجمة) وقد فُهِمَ من كلامه أن الصفة والعلمية لا يجتمعان وهو كذلك. فيمنع العلم من الصرف فيما يأتي:

стр. 274

١-إذا كان مركبًا تركيبًا مزجيًا (وهو كل كلمتين امتزجتا حتى صارتا كالكلمة الواحدة) غير مختوم بـ (ويه) (١) نحو: هذا حضر موتُ ورأيت حضر موتَ، ومررت بحضر موتَ، والأفصح فيه أن يعرب ثاني جزءيه إعراب ما لا ينصرف، ويبني الأول على الفتح كما مُثِّل، ما لم يكن آخره ياء فيسكن (٢) ، نحو: هذه قالىْ قلا (اسم مدينة) (٣) رأيت قالىْ قلا، قرأت عن قالىْ قلا. ٢-مع التأنيث، والمراد بغير الألف، لاستقلالها بالمنع كما مر، ويتحتم منعه من الصرف إن كان بالتاء مطلقًا: أي سواء كان علمًا لمؤنث، مثل: روى عدد من الرجال الحديث عن عائشةَ ﵂، أو لمذكر نحو: اشتهر معاويةُ بن أبي سفيان بالحلم، أو خاليًا منها وكان زائداً على ثلاثة كزينب وسعاد، أو محرك الوسط كـ: أَمَل - علم لمؤنث - أو أعجمياً كـ: بَلْخ وحِمْص، وهذا معنى قوله: (بخلاف زينبَ وسَقَرَ وبَلْخَ) أي: فإنها ممنوعة من الصرف حتمًا، وأما ساكن الوسط مثل: هِنْدَ، فيجوز فيه الصرف والمنع، كما ذكر المصنف ﵀ تبعًا للفصيح المأثور، والمنع من الصرف أولى لوجود العلامتين التأنيث والعلمية. ٣- مع العجمة. وهي أن تكون الكلمة غير عربية (٤)

стр. 275

ولها شرطان: الأول: أن تكون الكلمة علمًا في لغة العجم، كإبراهيم وإسماعيل فلو كان عندهم غير علم، نحو: ديباج، ثم جعلناه علمًا وجب صرفه. (١) الثاني: أن يكون زائدًا على ثلاثة أحرف - كما مُثِّل - فإن كان ثلاثيًا لم يُمنع من الصرف، سواء كان ساكن الوسط مثل: نوح ولوط وهود (٢) ، أو كان محرك الوسط مثل: شَتَر - علم على حصن -. وهذه الثلاثة (التركيب، التأنيث، العجمة) لا تؤثر في المنع من الصرف إلا مع العلمية. وأما الثلاثة الأخرى (الزيادة، والعدل، ووزن الفعل) فتكون مع العلمية والوصفية. ١-فيُمنع العلم من الصرف مع الألف والنون الزائدتين، مثل: عثمان، ورمضان، وعَمَّان. فإن كانتا أصليتين لم يُمنع من الصرف مثل: خان (٣) ، ضمان. ٢-ويمنع العلم من الصرف مع العدل، وهو تحويل الاسم من حالة إلى حالة أخرى مع بقاء المعنى الأصلي. (٤) والواقع منه في المعارف يأتي على صور أهمها: أ-ما كان على وزن فُعَل علم لمذكر نحو: اقتد بعُمَرَ في عدله.

стр. 276

ب-ما كان علماً لمؤنث على وزن (فَعَالِ) (١) نحو: ضُرب المثل بحذامَ في سداد الرأي، وهذا عند بني تميم. بشرط ألا يكون مختومًا بالراء كـ (ظفار) - بلد في اليمن - و (سفار) - اسم بئر - فإن ختم بها فأكثرهم يبنيه على الكسر، وهذا معنى قوله: (وكعُمَرَ عند تميم بابُ حذامِ) وقد تقدم ذلك في أول الكتاب. ج- لفظ (أمس) - مراداً به اليوم الذي قبل يومك مباشرة - فأكثر بني تميم يمنعه من الصرف في حالة الرفع، فيقول: مضى أمسُ ولم استفد شيئًا. بالرفع من غير تنوين، ويبنيه على الكسر في حالتي النصب والجر، ومنهم من يمنعه من الصرف مطلقًا. كما تقدم في أول الكتاب. وهذا معنى قوله: (وأمسِ لمعيَّن..) فهو معطوف على قوله (حذامِ) لأنه معدول عما فيه (ال) وهو الأمس. (٢) وقول المصنف: (وبعضهم لم يشترط فيهما) أي: وبعض بني تميم لم يشترط ما اشترطه الجمهور منهم في باب (حذام) وفي (أمس) بل ذهب إلى إعرابهما إعراب ما لا ينصرف مطلقًا. د- لفظ (سَحَر) - إذا أريد به سَحَرُ يوم بعينه - نحو: جئت يوم الجمعة سحرَ، لأنه معدول عن السحر (٣) ، فإن كان مبهماً أي: لا يدل على سحر معين صُرف كقوله تعالى: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (٤) . ٣-ويمنع العلم من الصرف مع وزن الفعل، والمراد به أن يكون الاسم على وزن خاص بالفعل، أو يكون في أوله زيادة كزيادة الفعل، وهو مساو له في وزنه، فالأول كأن تسمي رجلاً بـ (عَلَّم) فإن هذا الوزن خاص بالفعل، والثاني مثل: أحمد ويزيد ونحوهما. وتمنع الصفة [وهي: ما دل على معنى وذات] من الصرف فيما يأتي: ١-مع زيادة الألف والنون، إذا كانت على وزن (فعلان) بشرطين:

стр. 277

الأول: أن تكون الوصفية أصيلة (أي: غير طارئة) ، مثل: عطشان، غضبان، سكران، ونحوها. الثاني: عدم قبولها التاء (١) ، إما لأنه لا مؤنث لها، لاختصاصها بالذكور مثل: لحيان لكبير اللحية. أولها مؤنث بغير التاء مثل: عطشان، فإن مؤنثه: عطشى، تقول: لا تبخل على عطشانَ ولا عطشى. فإن كانت الصفة ليست أصيلة، بل هي عارضة، أو كانت قابلة للتاء فإنه لا أثر لها في المنع. فالأول نحو: صفوان، بمعنى: قاسٍ، نحو: هذا رجل صفوانٌ قلبُه - بالتنوين - فهو منصرف، لأن وصفيته عارضة، إذ صفوانٌ في الأصل اسم للحجر الأملس ثم نُقل إلى الوصفية. والثاني: وهو ما يقبل التاء مثل: عريان، نحو: كسوت فقيرًا عريانًا، بالتنوين، لأن مؤنثه عريانة، بالتاء. ٢-الصفة مع وزن الفعل، بالشرطين السابقين وهما: ألا تكون وصفيته طارئة، وألا يكون مؤنثة بالتاء، نحو: رُدَّ التحية بأحسنَ منها. فإن كانت وصفيته طارئة نحو: أرنبٍ، في قولنا: مررت برجلٍ أرنبٍ، لأن (أرنباً) اسم لدابة معروفة، أو كان مؤنثه بالتاء نحو: أرملٍ، في قولك: عطفت على رجلٍ أرملٍ، أي: فقير، لأن مؤنثه: أرملة. ٣-الصفة مع العدل. وذلك إذا صيغت الصفة من الواحد إلى الأربعة، عل وزن (فُعَال ومَفْعل) نحو: جاء الضيوف ثُناءَ ومثنى، تريد أنهم جاءوا اثنين اثنين (٢) فعدلت عن التكرار إلى مثنى، والغالب أن هذه الأعداد المعدولة تكون حالاً أو صفة أو خبراً.

стр. 278

وكذا كلمة (أُخَر) مؤنث (آخر) بمعنى مغاير. نحو: سجل التاريخ لعائشة أمِّ المؤمنين ولنساءٍ أُخرَ من أمهات المؤمنين أثرهن في حفظ السنة، وكان الأصل أن يقال: آخر بمد الهمزة، وفتح الخاء لأنه اسم تفضيل مجردٌ من أل والإضافة، فيلزم الإفراد والتذكير ولكن عدلوا عنه وقالوا: نساءٍ أُخَر، بضم الهمزة وفتح الخاء بلفظ الجمع، فمنع من الصرف للوصفية والعدل. والخلاصة أن الأسماء الممنوعة من الصرف ثلاثة أنواع: ١-ما يُمنع صرفه لعلامة واحدة وهو صيغة منتهى الجموع، وما فيه ألف التأنيث المقصورة أو الممدودة. ٢-ما يُمنع صرفه للعلمية، ومعها علامة أخرى، وهي التركيب أو التأنيث أو العجمة. ٣-ما يُمنع صرفه للعلمية أو الصفة، ومعهما الزيادة أو العدل أو وزن الفعل. والله أعلم. باب في التعجب وما يبنى منه فعلا التعجب واسم التفضيل قوله: (التَّعَجُّبُ لَهُ صِيغَتَانِ: مَا أَفْعَلَ زَيْدًا، وَإِعْرَابُهُ: مَا مُبْتَدَأٌ بِمَعْنَى شَيءٌ عَظِيمٌ، وَأَفْعَلَ فِعْلٌ مَاضٍِ فَاعِلُهُ ضَمِيرُ مَا، وَزَيْدًا مَفْعُولٌ بِهِ وَالجُمْلَةُ خَبَرُ ما. وَأَفْعِلْ بِهِ وَهُوَ بِمَعْنى: مَا أَفْعَلَهُ، وَأَصْلُهُ أَفْعَلَ، أَيْ صَارَ ذَا كَذَا كَأَغَدَّ الْبَعِيرُ أَيْ صَارَ ذَا غُدَّةٍ، فَغُيِّرَ اللَّفْظُ وُزِيدَتِ الْبَاءُ فِي الفَاعِلِ لإِصْلاحِ اللَّفْظِ، فَمِنْ ثَمَّ لَزِمَتْ هُنَا، بِخِلافِهَا فِي فَاعِلِ كَفَى) . التعجب: انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر يُجهلُ سببه، والمراد بالانفعال: تأثر النفس عند الشعور بالأمر المذكور. وقول النحاة: إن التعجب مستحيل في حقه تعالى، لأنه لا يخفى عليه شيء، وأنه ينبغي صرف التعجب في نصوص القرآن والسنة للمخاطب، هذا فيه نظر، والصواب إثبات التعجب لله تعالى على ما يليق بجلاله، فإن التعجب نوعان:

стр. 279

١-أن يكون صادراً عن خفاء الأسباب على المتعجِّب فيندهش له ويستعظمه ويتعجب منه، وهذا مستحيل على الله تعالى؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء. ٢-أن يكون سببه خروج الشيء عن نظائره أو عما ينبغي أن يكون عليه مع علم المتعجب، وهذا هو الثابت لله تعالى (١) . وقد دلت النصوص على ثبوته، قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ (٢) بضم التاء للفاعل، وهي قراءة حمزة والكسائي. وعلى هذه القراءة فالآية من آيات الصفات، وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (٥) ، قال ابن أبي عاصم (٦) في كتابه (السنة) : (بابٌ في تعجب ربنا من بعض ما يصنع عباده مما يُتقرب به إليه) وذكر حديث: (عَجِبَ ربنا ﵎ من رجلين: رجل قام من فراشه ولحافه.... الحديث) وهو حديث حسن، وحديث: (عَجِبَ ربك من راعي الغنم في رأس الشَّظِية من الجبل يؤذن ويقيم الصلاة) . إسناده جيد. وعلى هذا فتعريف النحاة للتعجب خاص بالنوع الأول المتعلق بالآدميين، كما نص على هذا الزجاج (٧) وأما اعتبار القاعدة النحوية هي الأصل ثم تؤول النصوص بما يتمشى معها من اعتبار التعجب مصروفاً للمخاطبين فهذا غير صحيح. والله أعلم. والتعجب نوعان:

стр. 280

١-نوع لا ضابط له، وإنما يعرف بالقرينة. نحو: قول الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وقوله ﷺ : "سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس" متفق عليه، وقولهم: لله دره فارسًا. ٢-نوع قياسي، وله صيغتان وضعتا لإنشائه وهما: ما أَفْعلَهُ، وأَفْعِلْ به. فالأولى نحو: ما أوسع الحديقة لِلَّهِ فـ (ما) تعجبية، اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وهي نكرة تامة، ومعنى نكرة: أنها بمعنى (شيء) أيِّ شيء، ومعنى (تامة) : أي أنها لا تحتاج إلا للخبر، فلا تحتاج لنعت أو غيره من القيود، وسوغ الابتداء بها تضمنها معنى التعجب، فصارت بمعنى: (شيء عظيم) . و (أوسع) : فعل ماض مبني على الفتح، بدليل لزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية، نحو: ما أفقرني إلى عفو الله. وهو غير متصرف بسبب استعماله في التعجب، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (هو) يعود على (ما) و (الحديقة) مفعول به منصوب، والجملة خبر المبتدأ (ما) . والثانية نحو: أَقبِحْ بالبخل لِلَّهِ وهي بمعنى: ما أقبحه. فمدلول الصيغتين من حيث التعجب واحد، فـ (أقبح) فعل ماض جاء على صورة الأمر، مبني على فتح مقدر لمجيئه على هذه الصورة، وأصله (أَفْعَلَ) بصيغة الماضي، وهمزته للصيرورة، أي: أَقْبَحَ البخل بمعنى: صار ذا قبح، كقولهم: أبقلت الأرض، أي: صارت ذات بقل، وهو النبات، وأثمرت الشجرة، أي: صارت ذات ثمرة، فَغُيِّر اللفظ من صورة الماضي إلى الأمر لقصد التعجب، فَقَبُحَ إسناد صيغة الأمر إلى الاسم الظاهر، فزيدت الباء في الفعل فـ (الباء) زائدة. و (البخل) فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والباء هنا لازمة لا يجوز حذفها، بشرط أن يكون المجرور بها اسماً صريحاً، فإن كان مصدرًا مؤولاً من (أنْ أو أنَّ) وصلتهما جاز حذفها. كقول القائل:

стр. 281

وقال نبي المسلمين تقدموا ......وأَحْبِبْ إلينا أن تكون المقدما (١) أي: وأحبب إلينا بكونك المقدمَ. وهذا بخلاف الباء في فاعل (كفى) فإنه يجوز تركها، فمثال ذكرها قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٢) فـ (الباء) حرف جر زائدًا إعرابًا مؤكد معنى، ولفظ الجلالة فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و (شهيدًا) تمييز منصوب. وقد مضى ذلك في أول باب الفاعل. ومثال تركها أن تقول: كفى الإيمانُ زاجرًا عن المعاصي. وهذا الإعراب والتخريج الذي ذكر المصنف ﵀ في هذه الصيغة هو المشهور، وذهب جماعة من النحاة إلى الإعراب الأتي: أقبح: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً، تقديره: أنت، يعود على مصدر الفعل المذكور وهو (القبح) . (بالبخل) جار ومجرور متعلقان بالفعل، ويكون المعنى الملحوظ: يا قبح أقبح بالبخل، أي: لازمه ولا تفارقه. وهذا الإعراب أيسر من الأول، فالأخذ به حسن، ولا سيما للمبتدئين. قوله: (وَإِنَّمَا يُبْنَى فِعْلاَ التَّعَجُبِ وَاسْمُ التَّفْضِيلِ مِنْ فِعْلٍ ثُلاثِي مُثْبَتٍ مُتَفَاوِتٍ تَامٍّ مَبْنِيٍّ لِلْفَاعِلِ اسْمُ فَاعِلِهِ أَفْعَلَ) . ذكر المصنف شروط ما يبنى منه فعلا التعجب، وذلك بأن يُتعجب منه مباشرة، ولما شارك اسم التفضيل فعلى التعجب في هذه الشروط ضمه المصنف إليهما لقصد الاختصار، وهذه الشروط: ١-أن يكون فعلاً، فلا يبنيان من غير فعل. فلا يقال: ما أجلفه لِلَّهِ، من الجِلْفِ (وهو الرجل الغليظ الجافي) ولا ما أحمره!، من الحمار. ٢-أن يكون ثلاثيًا، فلا يبنيان مما زاد على ثلاثة، مثل: دحرج وانطلق واستخرج.

стр. 282

٣-أن يكون مثبتًا، فلا يصاغان من فعل منفي، سواء كان النفي ملازمًا له نحو ما عاج (١) الدواء أي: ما نفع، أو كان غير ملازم نحو: ما حضر الغائب. ٤-أن يكون معناه قابلاً للتفاوت أي: التفاضل والزيادة، ليتحقق معنى التعجب. فلا يصاغان مما لا تفاوت فيه، نحو: فني ومات. (٢) ٥-أن يكون الفعل تامًا (أي ليس ناقصًا) ، فلا يبنيان من (كان وكاد) وأخواتهما. ٦-أن يكون مبنيًا للفاعل (أي للمعلوم) فلا يصاغان من فعل مبني للمجهول مثل: عُرِف، عُلِم، خوف الالتباس بالمبني للفاعل. وهو المبني للمعلوم، فإن أمن اللبس بأن كان الفعل ملازمًا للبناء للمجهول جاز ذلك، وقد سمع من كلامهم: ما أشغله، وما أعناه بحاجتك، فيصح: ما أزهى الطاووس، وما أهزل المريض، من شُغل وعُنى وزُهى (٣) وهُزل. ٧-ألا يكون اسم فاعله على أفعل، وموضع ذلك ما دل على عيب أو لون أو حلية أو شيء فطري نحو: عَرِج. فهو أعرج. وخَضِر فهو أخضر، وحَوِر فهو أحور (٤) ، فلا يتعجب من ذلك. والصحيح ما قاله بعض الكوفيين من صحة مجيء التعجب مما يدل على الألوان والعيوب، لورود السماع عن العرب في باب أفعل التفضيل، من قولهم: أسودُ من حَلَكِ الغراب، وأبيضُ من اللبن، والحكم على ذلك بالشذوذ والمنع من القياس عليه غير مقبول. ٨- وبقي شرط ثامن لم يذكره ابن هشام، وهو: ألا يكون الفعل جامدًا، مثل: نعم وبئس وعسى ونحوها.

стр. 283

فإن كان الفعل ثلاثي أو ناقصًا أو كان الوصف منه على أفعل فإننا نتوصل إلى التعجب منه أو التفضيل بواسطة (ما أشد أو اشدد) ونحوهما، ونأتي بعد ذلك بمصدر ذلك الفعل صريحًا أو مؤولاً، ويكون منصوبًا على المفعولية بعد (أشد) ونحوه، ومجرورًا بعد (اشدد) ونحوه. وأما بعد أفعال التفضيل فهو منصوب على التمييز نحو: ما أشدَّ انطلاقَ خالد، واشدد بانطلاقه، ما أصعب أن يكون الدواء مراً، ما أشد خضرة الزرع. فـ (ما) مبتدأ و (انطلاق) مفعول به منصوب و (خالد) مضاف إليه، والجملة خبر المبتدأ. و (انطلاق) مصدر صريح. و (أن يكون) مصدر مؤول. و (اشدد) فعل ماض جاء على صورة الأمر، أو فعل أمر (بانطلاقه) الباء حرف جر زائد و (انطلاق) فاعل، أو الفاعل ضمير مستتر على ما تقدم في إعراب الصيغة. وتقول في التفضيل: خالد أكثرُ إعانةً من أخيه، فـ (خالد) مبتدأ و (أكثر) خبر و (إعانةً) تمييز (من أخيه) متعلق باسم التفضيل. وإن كان الفعل مبنياً للمجهول أو منفياً فنتوصل إلى التعجب منه بالواسطة المذكورة، ونأتي بمصدر الفعل مؤولاً نحو: ما أحسن أن يبذل المال في الخير. ما أضرَّ ألاَّ يصدق البائع. فـ (أن يبذل) في تأويل مصدر مفعول (أحسن) ، والتقدير: ما أحسنَ بذلَ المال. و (ألا يصدق) في تأويل مصدر منفي بـ (لا) ، والتقدير: ما أضرَّ عدمَ صدقِ البائع. ولا يتعجب من الفعل الجامد، ولا من الذي لا يتفاوت معناه مطلقًا لا بواسطة ولا مباشرة؛ لأن الجامد لا مصدر له فَيُنْصَبَ أو يُجَرَّ، والذي لا يتفاوت معناه ليس قابلاً للتفاضل، فلا يتحقق معنى التعجب. والله أعلم. باب في الوقف (١) وبعض مسائل الخط

стр. 284

قوله: (الوَقْفُ في الأَفْصَحِ عَلَى نَحْوِ: رَحْمَةٍ بِالهَاءِ، وَعَلَى نَحْوِ: مُسْلِمَاتٍ بِالتَّاءِ) . الوقف: قطع النطق عند آخر الكلمة، ويتعلق به الأحكام الآتية: ١-إذا وقف على كلمة منتهية بتاء التأنيث التي قبلها متحرك قلبت التاء هاء، في أفصح اللغتين نحو: ما أشبه الليلة بالبارحهْ، ويجوز إبقاؤها - كما سيذكر المصنف - وكذا إن كان ما قبل التاء ساكناً معتلاً نحو: قد قامت الصلاه، فإن كان ما قبل التاء ساكنًا صحيحاً كأُخْتٍ وبِنْت، وقف عليها بالتاء من غير إبدال. وأما إذا كان جمعاً بالألف والتاء فالأفصح الوقف بالتاء، نحو: رُبَّ أكلةٍ منعت أكلاتْ، وبعضهم يقف بالهاء (١) - كما سيأتي - فقد سمع من كلامهم: كيف الأخوةُ والأخواه؟ قوله: (وَعَلَى نَحْو: قَاضٍ رَفْعًا وَجَرًّا بِالحَذْفِ، وَنَحْوُ: القَاضِي فِيهمَا بِالإِثْبَاتِ، وَقَدْ يُعْكَسُ فِيهِنَّ، وَلَيْسَ في نَصْبِ قَاضٍ وَالقَاضِي إِلا اليَاءُ) . ٢-إذا وقف على الاسم المنقوص وهو ما آخره ياء مكسور ما قبلها، فإما أن يكون معرفة، وهو: المحلى بأل، أو نكرة، وهو: المنون، فإن كان منونًا فالأفصح الوقف عليه رفعًا وجرًا بحذف الياء نحو: جاء داعٍ، سلمت على داعٍ.

стр. 285

ويجوز الوقف عليه بإثبات الياء فتقول: جاء داعي، وسلمت على داعي. وقد قرأ ابن كثير - من السبعة - في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (٣) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٤) قرأ ابن كثير بياء في الوقف في الألفاظ الأربعة حيث وقعت، وقرأ الباقون بالحذف. (٥) وإن كان غير منون فالأفصح الوقف عليه رفعًا وجرًا بالإثبات نحو: شر القلوب القلبُ القاسي، تدور الدوائر على الباغي، ويجوز الوقف عليه بحذفها، ومنه قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ (٧) فقد قرأ الجمهور بالحذف، وقرأ ابن كثير بإثبات الياء. (٨) فإن كان المنقوص منصوبًا ثبتت ياؤه مطلقًا محلى بأل، أو منونًا، فإن كان منونًا أُبدل من تنوينه ألف، نحو: كفى برسول الله - ﷺ - إماماً وهاديا، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ (٩) ، وإن كان غير منون وقف على الياء نحو: اشمل بمعروفك الدانيَ والقاصيْ. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ (١٠) .
следующие страницы →