انجمع علم التفسير فى باب مستقل داخل كتب الحديث ومصنفاته وأشهر من أفرد أبواب التفسير فى كتب المرويات الحديثة هم بالترتيب الزمنى:
١ - يزيد بن هارون السلمى المتوفى سنة ١١٧ هـ.
٢ - شعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هـ.
٣ - وكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧ هـ.
٤ - روح بن عبادة المتوفى سنة ٢٠٥ هـ.
٥ - عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة ٢١١ هـ.
٦ - آدم بن إياس المتوفى سنة ٢٢٠ هـ.
٧ - عبد بن حميد المتوفى سنة ٢٤٩ هـ.
٢ - دور الاستقلال عن علم الحديث: وفى هذه المرحلة استقلت الأحاديث المنجمعة فى كتب الحديث تحت عنوان «باب فى التفسير» أو تحت عنوان «كتاب التفسير» وصارت فى كتب مستقلة، ومصنفات خاصة عرفت ب «التفسير المأثور».
واستمر هذا الدور من الثلث الأخير للقرن الثالث الهجرى إلى العقد الأول من القرن الهجرى.
وعزى جمع التفسير بالمأثور فى هذا الدور إلى ثلّة من العلماء كلهم من أهل الرواية الحديثية كما كان الحال فى الدور الأول دور التبعية لعلم الحديث.
وأشهر من جمع تفاسير مستقلة فى مصنفات فى هذا الدور هم حسب الترتيب الزمنى لوفياتهم:
١ - ابن ماجة المتوفى سنة ٢٧٣ هـ.
٢ - ابن جرير الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ هـ.
٣ - أبو بكر النيسابورى المتوفى سنة ٣١٨ هـ.
٤ - ابن أبى حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.
стр. 107
٥ - ابن حبان المتوفى سنة ٣٦٩ هـ.
٦ - الحاكم النيسابورى المتوفى سنة ٤٠٥ هـ.
٧ - ابن مردويه المتوفى سنة ٤١٠ هـ.
٣ - دور اختصار الإسناد، أو حذفه نهائيا: وفى هذا الدور خلا التفسير بالمأثور من ذكر السند، وبقيت المتون دون عزو لقائل، وأصبح الإسناد موقوفا على أعلى راو فى السند دون ذكر بقية الرواة.
وهذا أدى إلى أول مدرج من مدارج الوضع فى التفسير، كما كان أول إلباس يدخله مصنفو هذه الكتب على قارئيها فى هذا الدور بحيث ظنّ ما ليس بصحيح صحيحا. بل أصبح الأمر أكثر خطورة إذ نقلت الإسرائيليات فى هذه الكتب خالية من نقلتها، فأخذت على أنها حقائق تفسيرية ثابتة ومقطوع بها. إلى جانب أن مصنفى هذا الدور لم يحرروا المسائل التى قطع بالتفسير فيها إذ المعلوم أن ما قطع بتفسيره عن الصدر الأول لا يحتاج بعد ذلك إلى من يفسره.
ومع انتقال الأمة من تحويل العملية التعليمية من مرحلة التعليم بواسطة «التلقى» إلى مرحلة التعليم بواسطة «التدوين» فإن هذه الخطوة الأخيرة أحدثت خللا خطيرا. إذ ما كاد الناس يستغنون عن «التلقى» إلى «التدوين» حتى استغنوا أيضا عن «الإسناد» إلى تصنيف الكتب فى التفسير دون عزو لقائل.
وهذا الخلل برمته فرّخ فى هذه المرحلة ثلاث ظواهر سلبية هى:
١ - ظهور الإسرائيليات بشكل كبير، وعدّها كأنها حقائق ثابتة.
٢ - ظهور الوضع والكذب فى التفسير على غرار ما كان فى الحديث.
٣ - ظهور التفسير بالرأى.
***
стр. 108
نموذج من مناهج المفسرين بالمأثور ابن جرير الطبرى وتفسيره «جامع البيان»
نتناول الآن- بحمد الله وتوفيقه- بعض المختارات والنماذج من كتب ومصنفات التفسير بالمأثور، ومناهج أصحابها فيها، وطريقة تناولهم لتفسير آيات الذكر الحكيم.
وسنعرض الآن لأولى هذه المختارات والنماذج فيما يلى:
١ - اسم المصنّف: جامع البيان فى تفسير القرآن.
اسم المصنّف: أبو جعفر: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ هـ. عدد أجزاء المصنّف: ثلاثون جزءا. إجمالى عدد صفحات المصنّف: ٨٠٠٠ ثمانية آلاف صفحة على وجه التقريب لا التحديد إذ يختلف كل جزء عن الآخر حسب الطباعة الحديثة.
* الطبرى: حياته وتلقيه العلم: المحققون من أهل العلم سلّموا لابن جرير الطبرى بالاجتهاد المطلق، لما جمعه من أدوات الاجتهاد الكاملة، ومعرفته بشتى الفنون معرفة تامة.
** ولد محمد بن جرير الطبرى سنة ٢٢٤ هـ فى آمل بطبرستان، وإليها نسب.
** رحل من بلده طلبا للعلم وهو فى الثانية عشرة من عمره، فنزل مصر، والشام، والعراق.
شيوخه: وأخذ العلم عن كبار شيوخ عصرهم فى هذه البلاد منهم:
محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب، وإسحاق بن إسرائيل، وأحمد بن منيع
стр. 109
البغوى، ومحمد بن حميد الرازى، وأبو همام الوليد بن شجاع، وأبو كريب محمد ابن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقى، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن على، وغيرهم من أقران عصرهم فى البلاد التى رحل إليهم فيها وهى: الشام، والعراق، ومصر.
منزلة الطبرى فى العلم: تكلم الخطيب البغدادى عن الإمام محمد بن جرير الطبرى فى «تاريخ بغداد» بما يعين الطالب على فهم المنزلة العلمية التى وصل إليها ابن جرير فى
عصره فقال: «كان أحد أئمة العلم، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله» وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره.
وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعانى، فقيها فى أحكام القرآن، عالما بالسنة وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخائضين فى الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم وله الكتاب المشهور فى تاريخ الأمم والملوك، وكتابه:
فى التفسير لم يصنّف أحد مثله. وكتاب سماه تهذيب الآثار لم أر سواه فى معناه إلا أنه لم يتمه. وله فى أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء. وتفرد بمسائل حفظت عنه. مكث أربعين سنة يكتب فى كل يوم منها أربعين ورقة.
قال أحمد بن أبى الطاهر الإسفرايينى: «لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل على كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا».
وقال عبيد الله بن محمد السمسار: «إن أبا جعفر الطبرى قال لأصحابه:
أتنشطون لتفسير القرآن؟ (يعنى نسخه) قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة.
стр. 110
ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟
فذكر نحوا مما ذكره فى التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم، فاختصره فى نحو ما اختصر التفسير» (١).
* عدّه العلماء من الأئمة، وسلموا له بالاجتهاد المطلق حتى صار له مذهب فقهى عرف باسم «الجريرية» انتشر، وقلده فيه كثير من الناس ثم انقرض وكان أول أمره على مذهب الإمام الشافعى- يرحمه الله تعالى.
وهذا ما ينقله لنا السبكى فى طبقات الشافعية على لسان ابن جرير الطبرى فيقول: «أظهرت فقه الشافعى، وأفتيت به فى بغداد عشر سنين، وتلقاه منى ابن بشار الأحوال أستاذ أبى العباس بن سريج» (٢).
وذكره السيوطى فى طبقات المفسرين فقال: «كان أولا شافعيا، ثم انفرد بمذهب مستقل، وأقاويل واختيارات، وله أتباع ومقلدون، وله فى الأصول والفروع كتب كثيرة (٣).
درجته فى الرواية: اختلط على بعض علماء التاريخ كأحمد بن على السليمانى حال محمد بن جرير الطبرى فنسب إليه ما لم يكن من حاله، حيث ذكر عنه أنه كان يضع للروافض. وقد ردّ العلامة ابن حجر فى «لسان الميزان» هذا الزعم فقال:
«ثقة، صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر .. وقد أقذع أحمد بن على السليمانى الحافظ فقال عنه: «كان يضع للروافض، وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندّعى عصمته من الخطأ، ولا يحل
стр. 111
لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم فى بعض ينبغى أن يتأنى فيه، ولا سيما فى مثل إمام كبير». ولعل السليمانى أراد- محمد بن جرير بن رستم الطبرى الرافضى.
قال ابن حجر: «ولو حلفت أن السليمانى ما أراد إلا ابن رستم هذا لبررت.
والسليمانى حافظ متيقن كان يدرى ما يخرج من رأسه، فلا أعتقد أنه يطعن فى مثل هذا الإمام بهذا الباطل» (١).
أوصافه: كان- رحمه الله تعالى- أسمر إلى الأدمة، أعين، نحيف الجسم، وريد القامة، فصيح اللسان، ولم يؤذ به أحدا (٢).
تلاميذه: حدث عنه: أحمد بن كامل القاضى، ومحمد بن عبد الله الشافعى، ومخلد بن جعفر، وخلق كثير (٣).
تفسيره: يطلق بعض الباحثين على ابن جرير أنه: «أبو التاريخ» كما يطلقون عليه أنه «أبو التفسير» وهذا الإطلاق فى الأوصاف لم يأت من فراغ.
ومعنى أنه أبو التاريخ: أنه أول مؤرخ فى الإسلام وضع تاريخا موثقا للبشرية منذ أول آدم ﵇ واستوعب تاريخ الأرض استيعابا لم يسبقه فيه أحد فى الإسلام. ونفس هذا المعنى ينسحب عليه فى علم التفسير.
فهو «أبو التفسير» وواضع أول كتاب «كامل». فى تفسير جميع آيات القرآن الكريم آية آية بكل مروياتها المأثورة بطرقه هو التى تلقاها عن المفسرين المحدثين.
стр. 112
وقد أجمع الباحثون من الإسلاميين والمستشرقين على السواء على أن فى تفسير الطبرى غنية وكفاية عن سائر التفاسير: يقول ابن تيمية فى «الفتاوى»: «وأما التفاسير التى فى أيدى الناس فأصحها تفسير ابن جرير الطبرى، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن سليمان، والكلبى» (١).
وينقل المستشرق الألمانى «جولد زيهر» عن مقال كتبه المستشرق «نولدكه». فى سنة ١٨٦٠ م بعد أن قرأ شيئا عن كتاب جامع البيان للطبرى- ولم يكن كتاب الطبرى قد ظهر طبعه بعد- فقال: «لو كان بيدنا هذا الكتاب لاستغنينا به عن كل التفاسير المتأخرة ومع الأسف فقد كان يظهر أنه مفقود تماما، وكان مثل تاريخه الكبير مرجعا لا يغيض معينه أخذ عنه المتأخرون معارفهم» (٢).
هذا والحمد لله فقد ظهر الكتاب من عهد قريب، إذ وجدت نسخة خطية فى حوزة الأمير حمود بن عبد الرشيد أمير حائل بمنطقة نجد بالسعودية فطبع عليها الكتاب، وتداولته أيدى طلاب العلم (٣).
مطلب فى: منهج ابن جرير فى تفسيره:
تنحصر جملة مناهجه التى سلكها فى كتابه «جامع البيان» فى عدة نقاط:
أولها: التزامه التام بالنقل المأثور عن الأجيال الثلاثة الأولى مع ذكر سلسلة الرواية كاملة حتى تنتهى إلى قائلها الأصلى مرفوعة إلى النبىّ ﷺ ، أو موقوفة على الصحابة، أو مقطوعة على التابعى.
стр. 113
والطبرى ينقل سلسلة الرواية بطريقه هو. وهو وإن لم يفند هذه الرواية من حيث القوة والضعف، ولم يحكم عليها إلا أنه يكون- أى بمجرد ذكر سلسلة الرواية- يكون قد خرج من العهدة العلمية. علما بأن الطبرى التزم بعدم النقل عن المشهورين بالتلفيق والكذب كمقاتل بن سليمان، ومحمد بن السائب الكلبى كما سبق أن نقلناه عن ابن تيمية.
ثانيها: يبدأ الآية التى يريد أن يفسرها بذكر معناها العام إجمالا بما يتفق له مع مأثور الرواية عنده فيقول:
«القول فى تأويل قول الله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ يقول: فإذا أمنت حين تحصر؛ إذا أمنت من كسرك، من وجعك فعليك أن تأتى البيت فيكون لك متعة فلا تحل حتى تأتى البيت. وقال آخرون معنى ذلك: فإذا أمنتم من وجع خوفكم.
ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:
فَإِذا أَمِنْتُمْ لتعلموا أن القوم كانوا خائفين يومئذ (١). ثم يعدد الروايات فى ذكر من قال بهذا المعنى إن كان فيها أكثر من طريق، أو أكثر من قائل.
ثالثها: لا يقف مكتوفا على مجرد الرواية، وإنما:
١ - يتعرض لنقدها إذا تبين له أن الرواية مخالفة لظاهر النّص القرآنى. فنراه يتعرض لمجاهد بن جبر عند ما قال فى قوله تعالى فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ قال: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا.
стр. 114
يردّ ابن جرير قول مجاهد هذا فيقول: «وهذا القول الذى قاله مجاهد قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف» (١).
والطبرى هنا يميل إلى الأخذ بالمذهب الظاهر من لفظ القرآن فحين أن الحق قد يكون مع مجاهد، فلا سبيل إلى القطع إذن بأن مراد الله تعالى فى هذا هو المسخ الحقيقى أو المسخ المجازى.
٢ - أو يرجح بين قولين فيختار أحدهما دون الآخر كما فى قوله تعالى: تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ فيها قولان، ولكل قول منها روايات:
الأول: أنا أول المؤمنين بك من قومى أن لا يراك فى الدنيا أحد إلا هلك. فيأتى الطبرى بأسانيده على ذكر من قال ذلك وهم: أبو العالية، والربيع، ومجاهد، وابن عباس.
الثانى: أنا أول المؤمنين بك من بنى إسرائيل. فيذكر أن ذلك قول عكرمة، ومجاهد فى رواية أخرى عن ابن عباس. ثم يختار الطبرى القول الثانى ويعلل هذا الاختيار بقوله: «لأنه كان قبله فى بنى إسرائيل مؤمنون وأنبياء منهم من ولد إسرائيل لصلبه، وكانوا مؤمنين وأنبياء فلذلك اخترنا القول الذى قلناه قبل» (٢).
رابعها: يحتكم الإمام الطبرى إلى اللغة، والمعروف من كلام العرب عند ما يجد أن الآراء تتعاوض مع المفهوم اللغوى، وهذا له من النماذج فى تفسير الطبرى الشيء الكثير.
ويدخل فى هذا المنهج احتكام الطبرى إلى الشعر القديم، وهذا أيضا شواهده كثيرة يلمسها الطالب عند ما يضع الكتاب عمليا بين يديه، ويقلب فى صفحاته جزءا جزءا.
стр. 115
خامسها: يعنى عناية فائقة بذكر القراءات، ويثبت منها ما صحت روايته ويرد القراءات الواردة من غير أئمتها المشهود لهم بصحة الرواية.
وابن جرير الطبرى فى هذا يصدر عن قدم راسخ فى علم القراءات، فإنه ألف فى هذا العلم كتابا ضخما فى ثمانية عشر مجلدا كما يذكر ذلك ياقوت الحموى فى ترجمة ابن جرير (١).
سادسها: يكثر الطبرى من إيراد مسائل النحويين والصرفيين حسب مدارسهم المختلفة، ويبين وجوه الإعراب إذا كان لها فى الآية أكثر من وجه.
سابعها: يتعرض كثيرا لذكر المرويات المنقولة عن مسلمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى أو ما يعرف باسم «الإسرائيليات».
وابن جرير فى ذلك متأثر بمواقف المفسرين فى عصره فى النقل عن الروايات الإسرائيلية وربما كان لاشتغاله بالتواريخ القديمة أثرها عليه فى ذلك النقل أيضا.
وتفسير الطبرى فى هذه الناحية من منهجه يحتاج إلى دقة القارئ فى تمحيص الرواية والوقوف على صحتها.
ثامنها: وقوفه كثيرا عند الآيات التى تتناول الحلال والحرام، وتعنى بالمسائل الفقهية، فيذكر عندها آراء الفقهاء. وتظهر فى العرض لهذه المسائل ملكة الاجتهاد عنده، فيختار الرأى الراجح، أو يخلص هو إلى رأى بنفسه، ويسوق الأدلة العلمية عليه (٢).
هذا إلى جانب تعرضه لمسائل تخص علم الكلام والجدل، كما أنه يقف فى وجه من يتصدى لتفسير الآيات بالرأى المجرد، ويصفه بالخلوّ عن العلم (٣).
стр. 116
هذا وقد عكف الطبرى على تفسير كتابه «جامع البيان» زهاء سبع سنوات يمليه على أصحابه إملاء.
وكانت أهم مروياته المأثورة فى هذا التفسير ما ذكره ياقوت فى معجم البلدان ونقلها الشيخ محمد حسين الذهبى فقال: «ذكر فيه من كتب التفاسير المصنفة عن ابن عباس خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير طريقين، وعن مجاهد بن جبر ثلاثة، وعن عكرمة ثلاثة طرق، وعن الضحاك بن مزاحم طريقين، وعن عبد الله بن مسعود طريقا.
وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتفسير ابن جريج، وتفسير مقاتل بن حبّان. سوى ما فيه من مشهور الحديث عن المفسرين وغيرهم، وفيه من المسند حسب حاجته إليه.
ولم يتعرض لتفسير غير موثوق به، فإنه لم يدخل فى كتابه شيئا عن كتاب محمد بن السائب الكلبى، ولا مقاتل بن سليمان، ولا محمد بن عمر الواقدى لأنهم عنده أظنّاء» (١).
...
стр. 117
مبحث فى: التفسير فى بداية عصر التدوين
من المعروف علميا أن عمر بن عبد العزيز خامس الراشدين- يرحمه الله تعالى- هو أول من اتخذ خطوة عملية نحو نقل الأمة الإسلامية كلها من عصر تلقى العلم رواية ومشافهة إلى مرحلة تسجيل العلم واستعمال القراطيس، وتدوين العلوم.
وأحسب أن ذلك القرار- فى ذلك الوقت- كان يعد انقلابا هائلا فى الحركة العلمية. ذلك أنه قد مرّ قرن كامل وحركة التعليم كلها قائمة على المشافهة وتلقى الرواية وذلك للمنع الصادر من رسول الله ﷺ ، ونهيه عن كتابة شىء سوى القرآن الكريم.
ولقد أشبع الباحثون هذه المسألة بحثا، وعزوها إلى أن التحذير الوارد فيها كان لخوف إلباس كتاب الله ما ليس منه، فلما أمن اللبس ظهر الأمر، والإذن بالكتابة فى قوله ﷺ : «قيّدوا العلم بالكتاب». وقوله: «اكتبوا فو الله ما صدر منى إلا حقا».
مما حدا ببعض الباحثين إلى محاولة التأكيد على أن الكتابة ظهرت فى عصر مبكر قبل عمر بن عبد العزيز (١).
وأيا ما كانت الآراء فإن الكلّ مجمع على أن «عصر التدوين» لم يأخذ السمة البارزة له والتى تستحق تطابق هذه التسمية إلا فى أواخر عهد الدولة الأموية، وأول قيام دولة العباسيين أى قبيل منتصف القرن الثانى الهجرى.
وفى هذا الوقت بدأت المرحلة الثالثة للتفسير بعد المرحلة الأولى فى عصر الصحابة، والمرحلة الثانية فى عصر التابعين وظهور مدارس التفسير فى مكة، والمدينة، والعراق، وبعض الباحثين ينظر إلى هذه المرحلة الثالثة نظرة ثنائية:
стр. 118
١ - فيعتبر جيل الصحابة وجيل التابعين خطوة أولى فى التفسير تعتمد على تلقى العلم رواية.
٢ - ومرحلة ما بعد التابعين خطوة ثانية لتلقى العلم عن طريق التدوين والكتابة، وهذا التقسيم لا مشاحة فيه لأنه من قبيل اصطلاح العلماء (١).
مطلب فى التدوين:
أ- فى بداية مرحلة التدوين: لم يكن هناك ثمة علم غير علم «الحديث» وجلّ اهتمام المدونين كان مقتصرا على الحديث النبوى الشريف، مع تنوع أبواب الحديث فى كافة العلوم كالفقه، والتاريخ وغيرهما.
ولا شك أن علم التفسير كان أحد الأبواب الهامة التى أفرد لها المحدثون مكانا رحبا فى كتبهم، فأفردوا تحت هذا الباب مرويات الصحابة والتابعين فى تفسير آيات القرآن الكريم سواء ما كان منها مرفوعا إلى النبى ﷺ ، أو موقوفا على الصحابة، أو مقطوعا على التابعين.
وكان الطابع المميز لهذه الفترة فى بداية التدوين ما يلى:
١ - لم يفرد للتفسير تأليف خاص به منفصل عن علم الحديث ومستقل بنفسه.
٢ - لم يعرف أن أحدا قام بتفسير كل آيات القرآن الكريم سورة وآية.
وإن كان «ما جمع ودوّن هو ما روي من الآثار فى آيات وسور متفرقة».
وأشهر من تصدّى لتدوين التفسير وأفرده كباب من أبواب الحديث منهم:
١ - يزيد بن هارون السلمى المتوفى سنة ١١٧ هـ.
стр. 119
٢ - شعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هـ.
٣ - وكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧ هـ.
٤ - روح بن عبادة المتوفى سنة ٢٠٥ هـ.
٥ - عبد الرزّاق بن همّام المتوفى سنة ٢١١ هـ.
٦ - آدم بن إياس المتوفى سنة ٢٢٠ هـ.
٧ - عبد بن حميد المتوفى سنة ٢٤٩ هـ.
ولعلك تلاحظ أن هذه الأسماء لأشخاص برزوا فى علم الحديث، فلم يكن شأنا مستغربا أن يكون التفسير عندهم من أبواب علم الحديث.
ولم يكن مستغربا أيضا أن يكون ما جاء فى هذه الأبواب إنما هى مروياتهم هم بأنفسهم تلقوها عمن سبقهم. بفارق واحد فقط هو أنهم قيدوها ودوّنوها فى الكتب. ومن قبلهم، كانت من محفوظات الصدور لا من مكتوبات السطور.
ب- المرحلة الثانية فى عصر التدوين: هى «مرحلة الاستقلال عن الحديث».
فى أول القرن الرابع الهجرى أخذت تبرز شخصية «علم التفسير» كعلم مستقل بذاته له مصنفاته الكاملة فى تفسير آيات القرآن آية آية، وعزى ذلك إلى طائفة من العلماء نذكر أشهرهم فيما يلى حسب ترتيب وفياتهم.
١ - ابن ماجة صاحب السنن المتوفى سنة ٢٧٣ هـ.
٢ - ابن جرير الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ هـ.
٣ - أبو بكر بن المنذر النيسابورى المتوفى سنة ٣١٨ هـ.
٤ - ابن أبى حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.
٥ - أبو الشيخ بن حبان المتوفى سنة ٣٦٩ هـ.
٦ - الحاكم النيسابورى المتوفى سنة ٤٠٥ هـ.
стр. 120
٧ - وأبو بكر بن مردويه المتوفى سنة ٤١٠ هـ.
ويلاحظ على التفسير فى تلك الفترة الخصائص التالية:
* الاستقلال التام فى مؤلفات خاصة.
* لا يوجد فيها من آراء المفسر الشخصية شىء يذكر إلا ما عند ابن جرير الطبرى من توجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، وإعراب بعض الآيات أحيانا، واستنباط بعض الأحكام أحيانا أخرى- وسنعرض لذلك إن شاء الله تعالى.
* ما يوجد فى هذه التفاسير- رغم استقلالها بمصنفات- أنها مرويات صاحب الكتاب المفسر عمن سبقه من مفسرى أتباع التابعين، ثم التابعين، ثم الصحابة- رضى الله عن الجميع- بسلسلة روايته هو شخصيا عن هؤلاء. وبهذه الخاصية الأخيرة تكون الخصائص متصلة منذ عهد الصحابة إلى وقت المرحلة الثانية من عصر التدوين.
وما ينبغى أن يعرفه طالب العلم أن هذا لم يكن أبدا أول ما دوّن من الكتب على سبيل الاستقلال على وجه الإطلاق، فلا يعدم أن يكون لأحد العلماء ممن سبقهم كتاب مجموع فى تفسير كل القرآن أو غالبه، وما ذكرناهم مقطوع بهم، وأما من قبلهم فاجتهادات باحثين، واستقراءات منقبين، ومن هؤلاء المجتهدين المنقبين من يقول بأن الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ هو أول من دون تفسيرا جامعا لكل آيات القرآن مرتبا على وفق ترتيب المصحف، أو سعيد بن جبير المتوفى سنة ٩٥ هـ، أو عبد العزيز بن جريج المتوفى سنة ١٥٠ هـ. والذى نعرفه الآن أن تفسير الفراء المعنون ب «معانى القرآن». مطبوع بين أيدينا فى ثلاثة أجزاء وهو وإن كان لكل سور القرآن إلا أنه يبقى خاصا بمعانى القرآن فقط دون استقصاء لأحكامه وسائر فنون التفسير الأخرى، فهو وإن استوعب السور إلا أنه لم يستوعب كل
стр. 121
آيات السور آية آية. فيبقى تقرير المسألة على ما ذكرناه من أن حصر الكتب المصنّفة فى التفسير بالمعنى العام فى هذه الكتب السبعة من سنة ٢٧٣ هـ إلى ٤١٠ هـ.
ح- المرحلة الثالثة: ويعرّفها الباحثون بأنها مرحلة اختصار الأسانيد، أو حذفها نهائيا من التفسير. واشتراك هذه المرحلة مع ما سبقها من مراحل إنما هو فى استمرار التفسير بالمأثور والجديد فى هذا «المأثور» أنه خلا من السند، وبقيت المتون دون إسناد، أو على أقل تقدير أوقف النقل على أعلى رجل فى الإسناد، واختصرت السلسلة كلها.
وهذا أدى إلى أول مدرج من مدارج الوضع فى التفسير، كما كان أول إلباس يدخله مصنفو هذه الكتب على قارئيها فيظنون ما ليس بصحيح صحيحا.
كما أصبح الأمر أكثر خطورة من ذلك إذ نقلت الإسرائيليات فى هذه الكتب على أنها حقائق ثابتة ومقطوع بها. إلى جانب أن مصنفيها لم يحرروا المسائل التى قطع بالتفسير فيها، ومعلوم أن المقطوع بتفسيره بالنّص لا يحتاج بعده إلى تفسير.
فإذا عرفنا من تفسير النبى ﷺ أن «الكوثر». فى قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ نهر فى الجنة أعطاه الله لنبيه، والخطاب موجه إلى النبى ﷺ ، فليس لأحد من المفسرين بعد ذلك أن يفسر الكوثر بغير ما فسره النبىّ ﷺ .
والذى حدث فى هذه المرحلة «الخطيرة» أنه مع انتقال الأمة من تحويل العملية التعليمية من مرحلة التعليم بواسطة «التلقى» .. إلى مرحلة التعليم بواسطة «التدوين» والكتابة، فإن هذه الخطوة الأخيرة أحدثت خللا بالغ الخطورة! إذ ما كاد الناس يستغنون عن «التلقى» إلى «التدوين» حتى استغنوا أيضا عن «الإسناد». إلى تصنيف الكتب فى التفسير دون عزو لقائل، كما كان الحال طوال عصور الصحابة،
стр. 122
والتابعين وأتباع التابعين.
هذا الخلل برمته فرّخ فى هذه المرحلة ثلاث ظواهر سلبية خطيرة هى:
١ - ظهور الإسرائيليات وتفشيها فى التفسير، واعتبارها حقائق مسلّمة.
٢ - ظهور الوضع والكذب فى التفسير على غرار ما كان فى علم الحديث.
٣ - ظهور عصر التفسير العقلى.
مبحث فى: التفسير بالرأى
التفسير بالرأى هو أحد قسمى التفسير الرئيسين وهما التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأى، ويقال له أيضا بالاجتهاد.
والتفسير بالرأى (الاجتهاد) نوعان:
الأول: التفسير بالرأى الجائز. الثانى: التفسير بالرأى الممنوع (المذموم).
وقد ظهر التفسير بالمأثور فى أول الخلافة العباسية مع بداية ظهور العصر العباسى الأول عند ما كثرت الفرق والمذاهب، وبرزت على الساحة الحركات الفكرية والعقلية كالمعتزلة وغيرهم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن التفسير الاجتهادى ليس معناه طرح التفسير بالمأثور المنقول عن سلف الأمة، ولكن معناه الاجتهاد فى تفسير ما لم يثبت فيه منقول صحيح، ولا أثر مروى. وأيا ما كان فإن العلماء اختلفوا فى جواز التفسير الاجتهادى. فذهب قوم إلى منعه تماما، وقالوا لا يجوز لأحد بعد الأجيال الثلاثة الأولى أن يفسر القرآن مهما بلغت مرتبته من العلم، وأقاموا على ذلك أدلة كثيرة.
وذهب آخرون إلى نقيض ما ذهب إليه الأولون فأجازوا لمن كان ذا علم وبصر، وتكاملت فيه أدوات علمية معينة أن يجتهد فى التفسير.
стр. 123
وهؤلاء نقضوا أدلة المانعين، وحددوا شروطا للمفسّر المجتهد إذا توفرت فى أحد جاز له أن يخوض فى بيان مراد الله- تعالى- من آياته.
أدلة الفريقين
أدلة المانعين للتفسير بالرأى:
استدل المانعون للتفسير بالرأى بأدلة كثيرة نذكر أهمها فيما يلى، ونعقبها بنقض المجوزين للتفسير بالمأثور وهى:
الدليل الأول: قالوا: إن التفسير بالرأى قول على الله بغير علم «صغرى»، والقول على الله بغير علم منهى عنه «كبرى». فالتفسير بالرأى منهى عنه «نتيجة».
دليل الصغرى: أن المفسر بالرأى ليس على يقين بأنه أصاب ما أراد الله تعالى ولا يمكنه أن يقطع بما يقول، وغاية الأمر أنه يقول بالظن، والقول بالظن قول على الله بغير علم.
ودليل الكبرى: أن الله تعالى جعل القول بغير علم من المحرمات الأربع المذكورة فى قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١).
وردّ المجوّزون للتفسير بالرأى هذا الدليل فقالوا: نمنع الصغرى: لأن الظن نوع من العلم إذ هو إدراك الطرف الراجح وعلى فرض التسليم بالصغرى فإنّا نمنع الكبرى لأن الظن منهى عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقينى.
أما إذا لم يوجد العلم اليقينى فالظن كاف لاستناده إلى دليل شرعى مقطوع به،
стр. 124
وهو قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (١).
وقوله ﷺ : «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر».
وكذلك قوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فقال له: «بم تحكم يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى ولا آلو». فضرب رسول الله ﷺ صدر معاذ وقال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله» (٢).
الدليل الثانى: أن المبين عن الله تعالى والمفسر لآياته هو النبىّ ﷺ لقول الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (٣). فليس لغيره أن يفسر آيات الله تعالى.
ورد المجوزون هذا الدليل فقالوا: نعم النبىّ ﷺ مأمور بالبيان، وقد بيّن ما احتاج الناس إلى تفسيره فى عصره، وقبض ولم يرد عنه تفسير القرآن آية آية. وما لم يرد عنه فيه شىء من التفسير فللمجتهدين من أهل التفسير فيه فكر ونظر دعاهم الله تعالى إليه فى آيات كثيرة منها: لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤). أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٥). وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (٦).
الدليل الثالث: ما ورد من السّنة المشرفة من تحريم القول فى القرآن بالرأى ومنه:
стр. 125
أ- قوله ﷺ : «من قال فى القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» رواه الترمذى عن ابن عباس- رضى الله عنهما.
ب- قوله ﷺ : «من قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» رواه أبو داود عن جندب بن جنادة. وأجاب المجوزون عن هذين الحديثين بما يأتى:
١ - أن الحديثين محمولان على من قال فى القرآن برأيه فيما هو ممنوع من تفسيره أصلا كمتشابه القرآن، ومشكله مما لا يعلم إلا بالنقل الصحيح عن المعصوم ﷺ .
٢ - أنهما محمولان فيمن قال فى القرآن برأيه وهو يعلم أن الحق بخلافه كأصحاب المذاهب الفاسدة.
٣ - أنهما محمولان على قول من يفسر بغير مستند من نقل، أو لغة صريحة دالة على البيان.
الدليل الرابع: ورد المنع عن الصحابة والتابعين أن يفسر أحد القرآن برأيه، بل كانوا يهابون تفسير القرآن ويعظمونه، ويتحرجون أن يقولوا فيه باجتهادهم.
١ - سئل أبو بكر- رضى الله عنه- فى تفسير حرف من القرآن فقال: «أى سماء تظلنى، وأى أرض تقلنى، وأين أذهب، وكيف أصنع إذا قلت فى حرف من كتاب الله بغير ما أراد ﵎».
٢ - وما ورد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع شيئا».
стр. 126
٣ - وهذا رجل يقابل مجاهد بن جبر فيقول لمجاهد: «أنت الذى تفسّر القرآن برأيك؟ فبكى مجاهد، ثم قال: إنى إذا لجرىء، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلا من أصحاب النبى ﷺ ورضى عنهم» (١).
وأجاب المجوزون عن هذه الأقوال الواردة فى الدليل بما يأتى:
أ- أن قول هؤلاء إنما كان منهم ورعا واحتياطيا، وتواضعا أولا، مخافة ألا يبلغوا ما يعتقدونه أنه مراد الله- تعالى- لأنهم كانوا يرون التفسير بمثابة الشهادة على الله- تعالى- أنه عنى هذا فأمسكوا وأحجموا خوف ألا يبلغوا هذه الغاية.
ب- أن إحجامهم عن التفسير كان فيما لم يعرفوا وجه الصواب فيه.
ج- أن امتناع أحدهم إنما كان لوجود من يعتقد أنه أفضل منه فى هذا الباب يكفيه مؤنة التفسير، وإلا فما كان ليتردد أبدا إذا سئل (٢).
ومع ردّ المجوزون على أدلة المانعين وإبطالها إلا أنهم مع ذلك أثبتوا صحة ما ذهبوا إليه من جواز التفسير بالرأى أى بالاجتهاد فى الآيات التى لم يرد فيها عن الأجيال الثلاثة نقلا صحيحا بأدلة كثيرة أهمها ما يلى:
الأول: أن الله- تعالى- حث على تدبر القرآن، وعلى أن فى القرآن الكريم ما ينبغى للعلماء وأولى الألباب أن يتدبروه ويستنبطوه، ويصلوا إليه بعقولهم فى آيات كثيرة منها:
أ- قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٣).
ب- وقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٤).
стр. 127
ج- وقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (١).
ولا يعقل أن يكون تفسير لم يستأثر الله- تعالى- بعلمه محظورا على الناظر المتدبر مع أنه طريق العلم وسبيل المعرفة.
الثانى: ثبت عن الصحابة الكرام- خاصة الذين كانت لهم عناية بالتفسير منهم- أنهم قرءوا القرآن، واختلفوا فى تفسيره فيما لم يسمعوه من النبىّ ﷺ ولو لم يكن التفسير بالرأى جائزا لم اختلفوا وأبان كل منهم عن وجهة نظره واجتهاده فى الآيات.
الثالث: لو كان التفسير بالرأى غير جائز لما كان الاجتهاد جائزا ولتتوقف الأحكام، وهذا بيّن البطلان.
الرابع: ثبت أن النبىّ ﷺ دعا لابن عباس- رضى الله عنهما- قائلا فى دعائه:
«اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل».
ولو كان التفسير مقصورا على السماع والنقل لما كانت هناك فائدة لتخصيص رسول الله ﷺ ابن عباس بالدعاء.
هذا ولو دققت النظر فى هذين القولين، وفى أدلتهما: لوجدت أن كلا منهما يحاول أن يتمسك برأيه ويطير به فرحا، ويتحفك بالأدلة كأنه أقنعك، وأبطل حجّة الخصم مع العلم بأن الخلاف لا يعدو أن يكون خلافا لفظيا لا حقيقيا.
ومع ذلك فلا يجوز- عند من يقول بعلم التفسير- أن يقدم على كتاب الله ليفسره عن الله- تعالى- ما لم يستجمع شروط المفسر وأدواته وهى كما يلى:
стр. 128
أولا: شروط المفسر:
ينبغى ألا يتصدى للتفسير من لم يحط بمجمل الشروط التى حددها العلماء لمن يتصدى للبيان عن مراد الله- تعالى- وأهمها:
١ - أن يكون المفسّر صحيح الاعتقاد بالله تعالى، فإن صحة العقيدة تقى المفسّر من تحريف النصوص، وخيانة الآيات، والوقاية من الزلل فيها.
٢ - التخلى عن الأهواء المذهبية، والتحلى بالحق لوجه الحق دون لىّ أعناق الآيات لمذهب يروج له، أو عقيدة خاصة ينحرف بالقرآن إليها.
٣ - ألا يخوض فى التفسير الاجتهادى حتى يتم له النظر والإثبات فى التفسير بالمأثور على النحو التالى:
أ- أن يطلب التفسير من القرآن نفسه، فإن القرآن يشرح بعضه بعضا فى آيات مختلفة.
ب- ثم إن لم يجد: طلب التفسير من السنّة فإن النبى ﷺ هو المبين الحقيقى عن الله- تعالى- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١).
ج- ثم إن لم يجد: طلب التفسير فى أقوال الصحابة، فهم أقرب الناس جميعا إلى رؤية الوحى، ومعرفة الوقائع، وأقرب إلى التقوى وسمت النبى ﷺ ، وأقرب الأجيال جميعا إلى الملكة اللغوية التى نزل بها القرآن الكريم.
د- ثم إن لم يجد: اجتهد فى تفسير آيات الذكر الحكيم بما حصّل من الأدوات الضرورية واللازمة لكل مفسر وهى تحصيل العلوم المعينة على التفسير والبيان وأهمها:
стр. 129
١ - العلم باللغة العربية. ٢ - العلم بالنحو. ٣ - العلم بالاشتقاق.
٤ - علم الأبنية. ٥ - علوم البلاغة الثلاثة: المعانى، والبيان، والبديع.
٦ - علم القراءات. ٧ - علم الكلام. ٨ - علم أصول الفقه.
٩ - علم أصول الدين. ١٠ - علم السيرة والقصص.
١١ - علم الناسخ والمنسوخ. ١٢ - علم الحديث. ١٣ - علم الموهبة.
ثانيا: آداب المفسّر:
١ - حسن النية، وسلامة القصد لله تعالى.
٢ - حسن الخلق. ٣ - الورع والتقوى.
٤ - تحرى الصدق والضبط فى النقل. ٥ - عزّة النفس.
٦ - التواضع ولين الجانب. ٧ - الجهر بالحق.
٨ - التروى والأناة فى سرّد التفسير. ٩ - حسن الإعداد وطريقة الأداء.
١٠ - تقديم من هو فى العلم أولى منه.
والله أعلم***
стр. 130
نموذج من مناهج المفسرين بالرأى المحمود فخر الدين الرازى: وكتابه: مفاتيح الغيب
التعريف به:
هو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن على. تنحدر أصوله إلى الأصل العربى فهو: بكرى من بنى تميم.
مولده:
ولد أبو عبد الله فخر الدين: فى مرو من كور طبرستان فى سنة ٥٤٤ هـ.
ونسب إليه واشتهر بهذه النسبة: فخر الدين الرازى وتوفى بها سنة ٦٠٦ هـ.
تلقيه العلم:
أخذ أكثر علومه عن أبيه خطيب الرّى فى زمانه: ضياء الدين عمر، كما أخذ عن الكمال السمعانى، والمجد الجيلى، وكثير من علماء عصره. حتى أصبح فريد عصره، ومتكلم زمانه.
كان إماما فى علم الكلام، والعلوم الطبيعية، كما كان إماما فى العلوم العقلية وعلوم اللغة، وشدّت الرحال إليه لتلقى العلم على يديه من مختلف الأقطار.
وصار فلتة زمانه فى الوعظ باللسانين العربى، والفارسى القديم، وربما لحقه الوجد وهو يعظ فيكثر البكاء.
مؤلفاته:
خلّف الرازى مجموعة من المصنفات كتب لها القبول وتناولتها أيدى الطلاب بالبحث والدراسة إلى يومنا هذا فى مختلف الفنون وأهمها:
١ - البيان والبرهان فى الرد على أهل الزيغ والطغيان.
٢ - المطالب العالية فى علم الكلام.
٣ - المحصول فى أصول الفقه.
٤ - الملخص فى الحكمة.
стр. 131
٥ - السر المكنون فى الطلسمات.
٦ - شرح الإشارات لابن سينا.
٧ - شرح الحكمة لابن سينا.
٨ - شرح الوجيز فى الفقه للغزالى.
٩ - شرح المفصل فى النحو للزمخشرى.
ثم: مفاتيح الغيب فى التفسير ويسمى أيضا «التفسير الكبير».
منهج الفخر الرازى فى تفسيره
يقع «مفاتيح الغيب» فى ثمانية عشر مجلدا. وهناك خلاف على أن الفخر الرازى أتم تفسير القرآن كله أو أن الذى أكمله هو: نجم الدين القمولى المتوفى سنة ٨٢٨ هـ، أو شهاب الدين الخويّيّ المتوفى سنة ٦٣٩ هـ.
وأيا ما كان فإن الفخر الرازى ترك لنا ذخيرة فى تفسير كتاب الله العزيز على منهج المفسرين بالرأى المحمود حظى بشهرة واسعة بين العلماء، لأن الكتاب يمتاز عن غيره بالأبحاث الكثيرة فى نواح شتى من العلوم حتى قال ابن خلكان فى وفيات الأعيان»: «جمع فيه كل غريب وغريبة».
وأهم ما نلاحظه على الإمام فخر الدين الرازى فى منهجه التفسيرى ما يلى:
١ - المناسبات: يعتبر كتابه أهم تفسير لذكر مناسبات السّور بعضها لبعض، بل لذكر الآيات بعضها لبعض، وفى كثير من الأحيان يذكر مناسبة آخر الآية والسورة وختمها لأولها، وربما لا يكتفى بذكر مناسبة واحدة بل يعددها. وهو فى هذا أثبت بأن كلام الله- تعالى- على غاية من الترابط والدقة والإحكام وهو ما لا نجده فى تفسير آخر.
٢ - الاهتمام بالعلوم الرياضية والكلامية: الفخر الرازى ينتهز فرصة تفسير الآيات التى يلمح فيها أية إشارة إلى العلوم الطبيعية والكونية كالفلك، والهيئة، والطب، فيتعرض لمباحثها، ويستطرد فيها بشكل ملفت.
стр. 132
٣ - اهتمامه بالرد على المعتزلة والفرق الكلامية: والرازى كسنّى يعتقد ما يعتقده أهل السّنة لا يترك فرصة من آية قرآنية تتعرض لها المذاهب الكلامية خاصة المعتزلة حتى يفند أقوالهم فيها، ويرد عليها.
أما ذكر أقوالهم فإنه يستطرد فيها استطرادا يأخذ بالألباب حتى أن صاحب المذهب نفسه لا يستطيع أن يقرره مثله.
أما تفنيد أقوالهم والرد عليها فلا يكاد يصل إلى المرتبة السابقة من التقرير ولذلك ظن بعض العلماء فى الفخر الرازى أنه ربما يميل إلى هذه المذاهب لقصوره فى الرد بالنسبة لما برز فيه من التقرير.
لكن الطوفى يرد على ذلك بقوله: «لعل سببه أنه كان يستفرغ قواه فى تقرير دليل الخصم، فإذا انتهى إلى تقرير دليل نفسه لا يبقى عنده شىء من القوى».
٤ - إبرازه ووقوفه عند آيات الأحكام: وأيضا فالفخر الرازى كان شافعى المذهب متمكنا من الدراسات الفقهية، فكان إذا وقف عند آية من آيات الأحكام فنّدها تفنيدا جيدا وانتصر لمذهب الشافعى انتصارا ظاهرا.
٥ - ترتيب المسائل: وأبرز ما فى منهج الرازى أيضا أنه كان يورد الآية الكريمة ثم يذكر عدد ما يمكن أن يكون فيها من مسائل فيقول هذه الآية فيها سبع مسائل:
الأولى: كذا وكذا، والثانية: كذا وكذا.
ولعل القرطبى تأثر بهذه الطريقة الجيدة فى الترتيب والتنسيق.
٦ - ذكر اللغة والقراءات وأسباب النزول: ولا شك أن الرازى لم يفته فى منهجه الاعتماد على ما اعتمد عليه غالب المفسرين فى مناهجهم كالاهتمام بذكر أسباب النزول، والقراءات، واللغة، والاستدلال بالشعر على مفردات القرآن الكريم.
ولك الآن أن تنظر فى «مفاتيح الغيب». لتكتشف بنفسك ما عرضناه عليك إجمالا من بعض مناهجه، ولتبحث أنت بنفسك أيضا عما عساه نكون قد غفلنا عنه.
стр. 133
نموذج من التفسير بالرأى المذموم الزمخشرى وكتابه «الكشاف»
توطئة: ابتليت الأمة الإسلامية بالفرقة والاختلاف منذ استشهاد الخليفة الثالث عثمان بن عفان- رضى الله عنه- فألبسها الله شيعا، وجعلها فرقا، وأذاق هذه الفرق بعضها بأس بعض، فكانت كما أخبر المصطفى ﷺ : «وستفترق هذه الأمة ثلاثا وسبعين فرقة كلها فى النار إلا ما كان عليه أنا وأصحابى».
هذا: وقد تناولت كل فرقة من هذه الفرق كتاب الله- تفسره بما ارتضته لنفسها من اعتدال أو تطرف، فظهرت كتب تفاسير الفرق العقائدية كأنها المرايا التى تنعكس عليها صور المفسرين لها على اختلاف مذاهبهم وتباين منازعهم، ولا غرو فكل إناء ينضح بما فيه (١).
والذى اشتهر من هذه الفرق وعظم أمره خمس فرق وهم:
١ - أهل السنة. ٢ - المعتزلة. ٣ - المرجئة. ٤ - الشيعة. ٥ - الخوارج.
وقد تناولنا نماذج من تفاسير أهل السنة سواء كان بالمأثور أو بالرأى الراجح فيما سبق أن قدمناه بين يديك وهى تفاسير ابن جرير الطبرى، والفخر الرازى والقرطبى. وهذه كلها من تفاسير أهل السنة وإن كانت فى ألوان مختلفة.
أما الآن فنعرض لتفاسير «الفرق العقائدية» وقد اخترنا فرقة «المعتزلة»، واخترنا كتاب «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل» لجاد الله الزمخشرى.
стр. 134
أما المعتزلة: فكان أول ظهورهم ونشأتهم فى الدولة الأموية على يد «واصل بن عطاء» المتوفى سنة ١٣١ هـ، وكان أول أمره تلميذا للحسن البصرى، وهو الذى سمّاه معتزليا عند ما بدأ يجيب عن الحسن البصرى فى مسائل يتكلم منها بالعقل المجرد الذى ترفضه الناس عن مرتكب الكبيرة أنه «فى منزلة بين المنزلتين».
ومن هنا قال الحسن البصرى لواصل: «اعتزلنا واصل» فصارت علما على هذا المذهب، وبدءوا يتكلمون فى مسائل كثيرة كالقضاء والقدر وغيرهما ثم ما لبث أن استقر مذهبهم على أصول خمسة هى:
١ - التوحيد: وهو لبّ مذهبهم، تأثروا فيه بالإباضية، وهم أول من قالوا به، وبنوا عليه رأيهم القائل: باستحالة رؤية الله- يوم القيامة، وأن الصفات ليست شيئا غير الذات.
٢ - العدل: وهو قائم عندهم على أساس أن الله تعالى لم ينشأ جميع الكائنات ولا خلقها ولا هو قادر عليها، لأن أفعال العباد لم يخلقها الله تعالى. لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أراد الله به شرعا، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته.
٣ - الوعد والوعيد: فمعناه أن الله يجازى من أحسن بالإحسان، ومن أساء بالسوء لا يغفر لمرتكب الكبيرة ما لم يتب ولا يقبل فى أهل الكبائر شفاعة ولا يخرج أحدا منهم من النار.
٤ - المنزلة بين المنزلتين: وهو أن مرتكب الكبيرة لا هو مؤمن مطلقا ولا كافر مطلقا.
٥ - وأما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقد قالوا: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يكون بالقلب إن كفى، وباللسان إن لم يكف القلب، وباليد إن لم يغنيا، وبالسيف إن لم تكف اليد.
стр. 135
ومعلوم أن مذهب أهل السنة والجماعة لا يتفق مع مذهب المعتزلة فى القول بهذه الأصول. والمعتزلة ينكرون الأحاديث الصحيحة إذا عارضت مذهبهم.
يقولون بأن كل محاولاتهم فى التفسير مرادة لله تعالى. كما يعتمدون اعتمادا قويا على اللّغة فى إثبات ما يذهبون إليه من هذه الأصول.
كما يتذرعون بالفروض المجازية إذا بدا لهم ظاهر القرآن غريبا.
الزمخشرى وكتابه:
كان الزمخشرى عالما عبقريا فذا فى علوم النحو، واللغة، والأدب، والتفسير، ويشهد لآرائه فى العربية علماء الأندلس. والزمخشرى معتزلى الاعتقاد، حنفى المذهب، ألف كتابه الكشاف فى التفسير ليدعم به حقيقته ومذهبه. واعتزاليات الزمخشرى فى تفسيره دليل على حذقه ومهارته.
قيمة الكشاف العلمية:
بصرف النظر عما فى الكشاف من الاعتزال، فإن هذا الكتاب يعد بحق قيمة علمية فريدة لم يسبق مؤلفه إليه لما أبان فيه عن وجوه الإعجاز فى غير ما آية من القرآن، ولما أظهر فيه من جمال النظم القرآنى وبلاغته، وليس مثل الزمخشرى من يستطيع أن يكشف لنا عن جمال القرآن وسحر لغته لما برع فيه من المعرفة بكثير من العلوم، لا سيما لغة العرب، وأشعارهم والإحاطة بعلوم البلاغة والبيان، والإعراب، والأدب ولقد أضفى هذا النبوغ العلمى والأدبى على تفسير الكشاف ثوبا جميلا لفت إليه أنظار العلماء (١).
ومهما قيل فى وصف الكشاف وإطرائه من ناحية إثباته لإعجاز القرآن فإن ما فى الكتاب من اعتزال جعل كثيرا من أقلام العلماء تنال منه وتضعه فى هذا
стр. 136
الموضع الذى هو فيه وهو أنه منضو تحت مسمى «تفسير الفرق المبتدعة» أو التفسير بالرأى المذموم.
ويمتاز كتاب الزمخشرى «الكشاف» بأمور منها:
* خلوه من الحشو والتطويل.
* سلامته من القصص والإسرائيليات.
* عنايته بعلوم البلاغة.
* اعتماده على لغة العرب.
* بجعل مسائله على طريقة السؤال والجواب.
***
стр. 137
مبحث فى: التفسير الفقهى «الجامع لأحكام القرآن للقرطبى»
توطئة: كما كان التفسير نطفة فى ظهر علم الحديث لم تشب عن الطوق إلا بعد معرفة الأمة للتدوين.
ولقد سبق أن قلنا بأنه لما عرف الناس التدوين عرفوا التبويب فاستقل علم التفسير عن علم الحديث وبدا يستقل بنفسه فى كتب ودواوين كان من أهمها كتب التفسير بالمأثور المنقول عن الأجيال الثلاثة الأولى، فاستقر علم «التفسير العام» وكان تفسيرا «موسوعيا» يشمل جميع أنواع التفسير وألوانه التى يعرفها المعاصرون فى زماننا على سبيل الاستقلال: كتفسير المبهمات، وتفسير المتشابهات، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، أو ما أطلق عليها: «التفاسير المتخصصة».
فإن هذه التفاسير المتخصصة كانت هى الأخرى «أجنة» فى ظهر علم «التفسير العام» فما لبث الباحثون أن نقبوا على هذه التفاسير فى فنونها المختلفة حتى أخرجوها عن التفسير العام وأفردوا لها مؤلفات على سبيل الاستقلال. من هذه الألوان المختلفة يبرز لنا: التفسير الفقهى. أو: تفسير آيات الأحكام.
لمحة تاريخية سريعة: ولا شك أن النبى ﷺ كان معنيا بطبيعة الحال حين كانت تنزل آية من آيات الأحكام أن يبينها للناس ويشرح ما فيها من أحكام شرعية. ثم جاء جيل الصحابة- رضى الله عنهم- بعد ما قبض رسول الله ﷺ ولحق بالرفيق الأعلى، فكانوا يقرءون القرآن، فما فهموه بسليقتهم بحسب معطيات لغتهم التى يملكونها وميراثهم من النبى ﷺ كانوا يفسرونه ويشيعونه للناس. وربما استجدت وقائع وأحداث على الأمة الإسلامية فتكلموا فيها واستنبطوا لها من آيات القرآن الكريم أدلة يستندون إليها.
стр. 138
ومن هنا كان الخلاف طبيعيا حول تفسير الآية التى تحتمل ألفاظها هذا الخلاف.
وإن بدت فى ذلك الوقت نادرة الحدوث من ناحية، ومن ناحية أخرى لم تكن خلافا بالمعنى الفنى الذى يفسد للصحبة ودا، بل كثيرا ما كان أحدهما يتنازل للآخر عما فهمه ويرجع إلى قول صاحبه.
حتى خلف من بعدهم أجيال برزت فيها حركة فقهية نشطة نتيجة سياحة المسلمين من السلف فى بلاد المسلمين ورؤيتهم لوقائع لم يعتادوها، فظهر الأئمة المجتهدون كأبى حنيفة، ومالك، والشافعى، وأحمد بن حنبل- يرحم الله الجميع.
وما لبث أن وضع كل إمام قواعد كلية يستند عليها فى صحة استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية فى الكتاب والسنة. وبدت تظهر الكتب التفسيرية لآيات الله- تعالى- طبقا للحلال والحرام، أو ما عرف بآيات الأحكام، فظهرت طبقا لظهور هذه المذاهب تاريخيا. ولعل أقدم كتاب فى تفسير آيات الأحكام هو:
١ - «الدراية وكنز العناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية فى تفسير خمسمائة آية» فى تفسير آيات الأحكام على مذهب الإباضية. والكتاب لأبى الحوارى: محمد بن الحوارى العمانى الإباضى، توفى أول القرن الرابع الهجرى.
٢ - ثم فى فقه الحنفية: «أحكام القرآن» للجصاص.
٣ - ثم فى فقه الشافعية:
أ- كتاب: «أحكام القرآن للإمام الشافعى».
ب- كتاب: «أحكام القرآن: للكيا الهراسى.
٤ - وفى فقه المالكية:
أ- كتاب أحكام القرآن لابن العربى.
стр. 139
ب- كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبى.
٥ - ثم فى فقه الشيعة الإمامية:
كتاب: العرفان فى فقه القرآن: لمقداد السيورى من الإمامية الاثنا عشرية.
٦ - وفى فقه الزيدية: الثمرات اليانعة، والأحكام الواضحة القاطعة: ليوسف الثالثى الزيدى».
القرطبى وكتابه الجامع لأحكام القرآن الكريم
التعريف به: هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر بن فرح. أيضا أصوله عربية كالفخر الرازى: فهو من خزرج الأنصار. ظهر جدوده فى الأندلس، وفى قرطبة على وجه التحديد فنسب إليها واشتهر بها فقيل: القرطبى.
كان رحمه الله تعالى: من عباد الله الصالحين، والعلماء العاملين العارفين بالله تعالى، الزاهدين فى الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة. وبلغ من زهده أن ترك التكلف، وصار يمشى بثوب، وعلى رأسه طاقية. وكانت أوقاته كلها بين العبادة، والتصنيف حتى أخرج للناس كتبا انتفعوا بها واستفادوا منها، وأهمها ما يلى:
مصنفاته:
١ - كتاب قمع الحرص بالزهد والقناعة، ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة.
٢ - كتاب التذكار فى أفضل الأذكار.
٣ - شرح أسماء الله الحسنى.
٤ - شرح التقصى.
стр. 140
٥ - كتاب التذكرة بأمور الآخرة.
٦ - الجامع لأحكام القرآن.
شيوخه:
رحل القرطبى إلى مصر، واستقر بمدينة «منية ابن خصيب محافظة المنيا حاليا فى صعيد مصر، ومات بها سنة ٦٧١ هـ. سمع من الشيخ أبى العباس بن عمر القرطبى مؤلف: «المفهم فى شرح صحيح مسلم».
منهج القرطبى فى تفسيره
كتاب «الجامع لأحكام القرآن» كتاب جامع لأحكام القرآن الكريم حقيقة، حيث استوعب الكتاب جميع أنواع آيات الأحكام فى الحلال والحرام. ويقع الكتاب فى عشرين مجلدا شمل تفسير كل القرآن الكريم بصفة عامة ووقف على آيات الأحكام بصفة خاصة. يهتم الإمام القرطبى- رحمه الله تعالى- فى منهجه فى هذا الكتاب بما يلى:
يعلق تعليقات وجيزة تتناول نكات من التفسير فى:
١ - اللغة. ٢ - والإعراب. ٣ - القراءات.
يرد على أهل البدع والريب والزيغ والضلالات. ويستدل بأحاديث كثيرة تشهد لما يذكره من الأحكام، ونزول الآيات جامعا بين معانيها، ومبينا ما أشكل منها بأقاويل السلف ومن تبعهم من الخلف.
يقول الإمام القرطبى فى تحديد منهجه هذا: «وشرطى فى هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله». وكثيرا ما يجيء الحديث فى كتب الفقه والتفسير مبهما لا يعرف
стр. 141
من خرجه إلا من اضطلع على كتب الحديث فيبقى من لا خبرة له بذلك حائرا، لا يعرف الصحيح من السقيم. وأضرب عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين إلا ما لا بدّ منه، وما لا غنى عنه للتبيين. واعتدت من ذلك تبيين آيات الأحكام بمسائل تفسر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها فضمنت كل آية تتضمن حكما أو حكمين فما زاد مسائل أبين فيها ما تحتوى عليه من أسباب النزول، وتفسير الغريب، والحكم. فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل».
عدم التعصب: يمتاز القرطبى بميزة فريدة فهو رغم أنه «مالكى المذهب» إلا أننا لا نجد أى بادرة من بوادر العصبية المذهبية، بل كثيرا ما ينقل عن ابن العربى الذى يتناول المذاهب الأخرى خاصة الحنفية بلسانه، وربما عاب عليه القرطبى وانتقده فى ذلك. والقرطبى يحمله الإنصاف إلى حدّ الدفاع عمن يهاجمهم ابن العربى من المخالفين مع توجيه اللوم إليه أحيانا.
وأيا ما كان فإن العلامة القرطبى كان مفسرا نزيها، عفّ اللسان، دفاعا عن أصحاب الآراء الأخرى بصرف النظر عن كونهم من المخالفين (١).
...
стр. 142
الباب الثانى علم نزول القرآن الكريم
стр. 143
الباب الثانى علم نزول القرآن الكريم
مبحث فى: وقت نزول القرآن، ومدته، وكيفيته، وحكمة تنجيمه
اختلف الباحثون فى علوم القرآن فى وقت نزول القرآن الكريم، وفى المدة التى نزل فيها.
ويرجع سبب الخلاف فى وقت النزول إلى أن القرآن الكريم نفسه ذكر ثلاث آيات انتظمت وقت النزول وهى:
١ - قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ سورة الدخان- الآية ٣.
٢ - قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ سورة القدر- الآية الأولى.
٣ - قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ سورة البقرة الآية ١٨٤.
ففي أى وقت نزل: أفى الليلة المباركة؟
أو فى ليلة القدر؟
أو فى شهر رمضان؟
اتفق المفسرون على أن هذه الآيات يفسر بعضها بعضا، فقد نزل فى الليلة المباركة التى هى ليلة القدر التى هى فى شهر رمضان.
ولكنهم اختلفوا بعد ذلك فى مدة النزول، وكيفيته على ثلاثة أقوال:
(١) قال الجمهور: نزل القرآن الكريم جملة واحدة إلى بيت العزة فى السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجّما على محمد ﷺ على مدى ثلاث وعشرين سنة.
١ - واستدلوا لذلك بما رواه البخارى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال:
«بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه.
أمر بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة».
стр. 144
٢ - وما رواه البيهقى والحاكم عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أيضا قال:
«أنزل القرآن فى ليلة القدر فى شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوما.
(٢) القول الثانى: أن ابتداء نزول القرآن الكريم كان فى الليلة المباركة وهى ليلة القدر من شهر رمضان ثم تتابع نزوله بعد ذلك مفرقا على الوقائع والأحداث فى ثلاث وعشرين سنة أى أن القرآن نزل ابتداء منجما مفرقا فليس له إلا هذا النزول فقط.
وهذا قول الشعبى- يرحمه الله تعالى:
واستدل لقوله بقول الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ (١).
(٣) القول الثالث: أن القرآن الكريم أنزل إلى السماء الدنيا فى ثلاث وعشرين ليلة قدر أو عشرين، أو خمس وعشرين، فى كل ليلة قدر منها ما يقدر الله انزاله طول السنة.
ومعنى هذا الرأى أن القرآن الكريم كان ينزل إلى السماء الدنيا مفرقا على سنى الدعوة، ثم ينزل ما خصّ به السنة كلها منجما على وقائع هذه السنة على رسول الله ﷺ .
وهذا مذهب بعض المفسرين منهم فخر الدين الرازى.
كما اختلفوا فى عدد سنى الدعوة التى نزل فيها القرآن الكريم على ثلاثة أقوال أيضا:
الأول: أنها ثلاث وعشرون سنة: ثلاث عشرة فى مكة، وعشر فى المدينة.
الثانى: أنها خمس وعشرون سنة: خمس عشرة فى مكة، وعشر فى المدينة.
стр. 145
الثالث: أنها عشرون سنة: عشر فى مكة، وعشر فى المدينة.
وهذا الرأى الأخير هو ما أخرجه ابن أبى حاتم، عن الضحاك عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال:
«نزل القرآن جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السّفرة الكرام البررة الكاتبين فى السماء الدنيا، فنجّمته السّفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجّمه جبريل على النبى ﷺ عشرين سنة».
وقد حقق ابن حجر فى «فتح البارى». صحة رأى الجمهور القائل بأن القرآن نزل أولا جملة واحدة إلى السماء الأولى فى بيت العزة، ثم نزل بعد ذلك منجّما على الوقائع فى ثلاث وعشرين سنة.
أولا: لصحة الأخبار الواردة فى ذلك، وضعف غيرها.
ثانيا: تفخيم أمره وأمر منّ نزل عليه كما نقل ذلك السيوطى عن أبى شامة.
ثالثا: بيان حظ هذه الأمة من أن الله تعالى أرسل إليهم محمدا ﷺ رحمة، وأنزل القرآن إلى بيت العزة ليدخل فى حدّ الدنيا، وجاء جبريل بالرسالة والوحى كأنه تعالى أراد أن يسلم هذه الرحمة من الله تعالى إلى هذه الدنيا، نقل ذلك السيوطى عن الحكيم الترمذى.
مبحث فى: كيفية إنزال القرآن الكريم
مجمل ما ذكره المحررون فى علوم القرآن كبدر الدين الزركشى، وجلال الدين السيوطى أن القرآن الكريم أنزل على محمد ﷺ بلسان عربى مبين لفظا ومعنى، منجّما مفرقا على حسب الحوادث والوقائع فيما يخص الحوادث والوقائع أو ابتداء فيما يتعلق بالأخبار والقصص وذلك لقطعية النصوص الواردة فى هذا سواء من الكتاب أم من السنّة الصحيحة.