كذب) وسكت عن الثالث وهو أنهم سبعة والثامن كلبهم، فدل على صحته لأنه لو كان باطلا لرده كما ردهما.
إذا فلقد عرف كبار الصحابة منزلة ابن عباس وقيمته فى التفسير لآيات الكتاب الحكيم وفى الفتيا رغم حداثة سنه بالنسبة لهم.
وهذا وحده يبين لك أن ابن عباس- ﵁ هو أساس علم تفسير القرآن الكريم بلا مراء،﵁ وعن أبيه ونفعنا الله بعلمه.
أسباب نبوغ ابن عباس رضى الله عنه:
لعل من أهم الأسباب التى ساعدت على بروز العلم فى شخص ابن عباس رضى الله عنه واحتلاله لمنزلة العالم الذى تتجه إليه الأنظار، وترشحه العقول للفتيا، وبيان آيات الله العزيز ترجع فى مجملها إلى مجموعة من العوامل أهمها:
أولا: بركة دعاء النبى ﷺ (١). وتفصيلها بعد الإجمال الذى ذكرناه على النحو التالى:
* اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل.
* اللهم علمه الحكمة.
* اللهم آته الحكمة.
* اللهم بارك فيه وانشر منه.
* أخرج أبو نعيم فى «الحلية» عن ابن عباس قال: انتهيت إلى النبى ﷺ وعنده جبريل، فقال جبريل: إنه كائن حبر هذه الأمة فاستوصى به خيرا (٢).
* وأخرج عنه أيضا أن النبى ﷺ قال لى: نعم ترجمان القرآن أنت.
ثانيا: نشأته فى بيت النبوة منذ عهد التمييز ووعيه للشيء الكثير فى وقت مبكر من حياته عن حياة النبى ﷺ بين أهله، وشهوده كثيرا من أحوال الوحى وهو ينزل بالقرآن.
стр. 72
ثالثا: حرصه الشديد على ملازمة كبار الصحابة للأخذ عنهم ما فاته خاصة الأنصار، يقول ابن عباس- ﵁: «وجدت عامة حديث رسول الله ﷺ عند الأنصار فإنى كنت لآتى الرجل فأجده نائما، لو شئت أن يوقظ لى لأوقظ، فأجلس على بابه تسفى على وجهى الريح حتى يستيقظ متى ما استيقظ، وأسأله عما أريد ثم أنصرف» (١).
رابعا: بلوغه مرتبة الاجتهاد، وعدم تحرجه منه، وشجاعته فى بيان ما يعتقد أنه الحق، وما ذلك إلا عن علم أوتيه.
خامسا: عنايته الفائقة، واهتمامه البالغ بلغة القرآن، يبحث عنها فى ألسنة العرب ولهجاتهم خاصة فى دواوين الشعر القديم، ويرى أن الشعر هو ديوان العرب وأصل لغتهم، فلا يمنعه مانع من أن يسافر فى سبيل كلمة من كتاب الله تعالى غاب فهم معناها عنه. يقول: «ما كنت أعرف معنى «يحور» فى قوله تعالى:
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (٢) حتى كنت فى البادية فسمعت أعرابية تقول لابنتها وقد تركت غنمهما، لماذا تركت الغنم؟ حورى. أى ارجعى».
أدوات التفسير عند ابن عباس ومصادره
من هذا العرض السريع تعرف قيمة ابن عباس ومنزلته فى التفسير كما يمكن استخلاص أهم مصادر التفسير عند ابن عباس وأدواته فى النقاط التالية:
١ - رسول الله ﷺ هو المصدر الأول لدى ابن عباس بطبيعة الحال، بحكم التربية والملازمة له فى صغره.
٢ - الصحابة- رضوان الله عليهم- خاصة كبارهم والسابقين منهم إلى الإسلام وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة، وأبىّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومتقدمو الأنصار.
стр. 73
٣ - الملكة العلمية لدى ابن عباس، والحاسة التفسيرية، التى أدت به إلى النظر والتأمل ثم الاجتهاد وخوض غماره غير هيّاب.
٤ - تحصنه بلغة العرب وحفظه لشعرهم ودواوينهم ساعده كل المساعدة وملّكه أهم أداة من أدوات التفسير لكتاب الله العزيز.
حتى أن نافع بن الأزرق قال لنجدة بن عويمر- رضى الله عنهما- قم بنا إلى هذا الذى يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به فقاما إليه فقال: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب، فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين، فقال ابن عباس: سلانى عما بدا لكما:
١ - فقال نافع: أخبرنى عن قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (١).
قال ابن عباس: العزون: الحلق الرقاق، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول عبيد بن الأبرص.
فجاءوا يهرعون إليه حتى ... يكونوا حول منبره عزينا
٢ - قال أخبرنى عن قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (٢) قال: الوسيلة:
الحاجة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول عنترة:
إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلى وتخضبي
وقد جمع السيوطى هذه الأسئلة فى حوالى مائة وتسعين سؤالا من طريق الطبرانى شيئا، ومن طريق أبى بكر بن الأنبارى وغيره شيئا آخر (٣).
стр. 74
طرق الرواية عن ابن عباس رضى الله عنه:
يعتبر ما أثر عن ابن عباس- رضى الله عنه- فى التفسير، كما هائلا ليس له مثيل عند مفسرى الصحابة، إذ لا نكاد نجد آية من كتاب الله تعالى ليس لابن عباس فيها تفسير، مما جعل علماء الأثر يقفون موقف الارتياب من هذه المرويات ويتتبعون طرقها بالنقد، وقد لخص الدكتور محمد حسين الذهبى أهم هذه المرويات فيما يأتى باختصار:
١ - طريق: معاوية بن صالح، عن علىّ بن أبى طلحة، عن ابن عباس وهذه أجود الطرق عنها.
قال الإمام أحمد- يرحمه الله تعالى: «إن بمصر صحيفة فى التفسير رواها علىّ بن أبى طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا» (١).
٢ - طريق: قيس بن مسلم الكوفى، عن عطاء بن السائب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس.
وهذه الطريقة صحيحة على شرط الشيخين، ويخرج منها الفريابى كثيرا والحاكم فى مستدركه.
٣ - طريق: ابن إسحاق- صاحب السير- عن محمد بن أبى محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة- أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس.
وهى طريقة جيدة وإسنادها حسن، خرج منها ابن جرير، وابن أبى حاتم والطبرانى فى المعجم الكبير.
٤ - طريق: إسماعيل بن عبد الرحمن (السّدى الكبير) تارة عن أبى مالك،
стр. 75
وتارة عن أبى صالح عن ابن عباس.
والسّدى: مختلف فيه، وفيه تشيع لم يخرج منه ابن أبى حاتم وخرج له ابن جرير.
٥ - طريق عبد الملك بن جريج، عن ابن عباس.
وهذه الطريقة فيها الصحيح والسقيم، وتحتاج إلى دراية وحنكة فى معرفة الجرح والتعديل لمن يأخذ منها (١).
٦ - طريق: الضحاك بن مزاحم الهلالى، عن ابن عباس رضى الله عنه، وهى طريقة منقطعة لأن الضحاك روى عن ابن عباس ولم يلقه، وهى مرضية فى إجمالها، ومن أى طرقها.
٧ - طريق: عطية العوفى، عن ابن عباس رضى الله عنه.
وهى غير مرضية أيضا لضعف عطية، وإن خرج منها ابن جرير، وابن أبى حاتم كثيرا.
٨ - طريق: مقاتل بن أبى سليمان الأزدى الخراسانى.
وهو الذى قال فيه الشافعى: «الناس عيال على مقاتل فى التفسير».
ومع ذلك ضعفه علماء الفن، وكذبه غير واحد، واشتهر عنه التجسيم والتشبيه.
٩ - طريق: محمد بن السائب الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس- رضى الله عنه- وهذه أوهى طرق الرواية عن ابن عباس رضى الله عنه.
وإن كان تفسير ابن السائب أطول وأشيع التفاسير، ويروى عنه محمد ابن
стр. 76
مروان (السّدى الصغير)، فإذا انضم هذا إلى ابن السائب فإن هذه سلسلة الكذابين.
المطاعن
لم يسلم ابن عباس- رضى الله عنه- من نقد اجتهاده لا فى حياته، ولا بعد وفاته؛ أما فى حياته فقد كان عبد الله بن عمر يلوم جرأته فى التفسير، وأما بعد مماته فإن كثيرا من المحدثين سواء كانوا من الغربيين أو المستغربين، ما زلنا نجد لهم نقدا عليه.
وهذا بطبيعة الحال قدر المجتهدين، ونصيب المجدين، وحظ النابهين أما نقد ابن عمر فقد كان نقدا شريفا عفيفا طابعه الورع وعدم التقول على الله والخوف على ابن عباس منه، فلما عرف ابن عمر أن ابن عباس لا يتجرأ على التفسير إلا عن علم صدع له بالحق.
يروى أن رجلا جاء إلى ابن عمر وسأله عن قول الله ﵎: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما (١). فقال: «اذهب إلى ابن عباس، ثم تعال أخبرنى: فذهب، فسأله، قال ابن عباس- رضى الله عنه:
«كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات».
فرجع الرجل إلى ابن عمر، فأخبره، فقال: «قد كنت أقول: ما يعجبنى جرأة ابن
стр. 77
عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتى علما» (١).
أما نقد غير ابن عمر، فلن نقف عنده طويلا، ونحيل الطالب إلى مظانه حتى لا يطول الكلام عن المنهج المحدد (٢).
(٢) عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه -
التعريف به:
* هو: عبد الله بن مسعود بن غافل: أبو عبد الرحمن المضرى، الشهير ب «ابن أم عبد» نسبة إلى أمه: أم عبد بنت عبد ود الهذلية.
* كان- رضى الله عنه- قصيرا، نحيفا، خفيف اللحم، شديد الأدمة.
* سادس من أسلم، وأول من جهر بالقرآن بمكة وأسمعه قريشا بعد رسول الله ﷺ .
* كان فى خدمة رسول الله ﷺ فى أكثر شئونه: فهو صاحب طهوره وسواكه، ونعله، يلبسه إياه إذا قام، ويخلعه ويحمله فى يده إذا جلس، ويمشى أمامه إذا سار، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، ويلج عليه داره بغير حجاب، حتى ظن من رآه لأول مرة، أنه من أهل بيت رسول الله ﷺ .
* هاجر الهجرتين، وصلى القبلتين، وشهد مع رسول الله ﷺ سائر المشاهد بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، كما شهد اليرموك بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وهو الذى أجهز على أبى جهل يوم بدر.
стр. 78
* شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وشهد له بالفضل.
أخرج أحمد فى مسنده عن علىّ- كرم الله وجهه- قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كنت مؤمرا أحدا دون مشورة المؤمنين لأمّرت ابن أم عبد».
* ولى بيت مال الكوفة لعمر، وعثمان رضى الله عنهما.
* مات بالمدينة ودفن فى البقيع سنة (٣٢ هـ) وعمره بضع وستون سنة (١).
منزلته فى العلم:
* كان ابن مسعود- رضى الله عنه- من أحفظ الصحابة لكتاب الله تعالى.
* وكان رسول الله ﷺ يحب أن يسمع القرآن منه.
يقول ابن مسعود: قال لى رسول الله ﷺ : «اقرأ علىّ سورة النساء» قال: قلت أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إنى أحب أن أسمعه من غيرى، فقرأت عليه، حتى بلغت:
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٢). فاضت عيناه ﷺ .
* كان ابن مسعود يعرف لنفسه حقها، ويعتز بعلمه حتى إنه كان يرى أنه أحق من زيد بن ثابت فى نسخ المصاحف فى عهد عثمان وأنه أولى بالقيام بهذا الشأن منه وله فى ذلك تلك الصيحة المجلجلة فى الناس: «يا معشر المسلمين .. أعزل عن نسخ المصاحف ويتولاه رجل والله لقد أسلمت وإنه لفى صلب رجل كافر»؟!
يريد زيد بن ثابت.
* قيل لحذيفة أخبرنا برجل قريب السمت، والدّلّ، والهدى من رسول الله ﷺ ،
стр. 79
نأخذ عنه، فقال: «لا نعلم أحدا أقرب سمتا ولا هديا برسول الله ﷺ من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة» (١).
* كتب أمير المؤمنين عمر كتابا إلى أهل الكوفة يقول لهم فيه: «إنى قد بعثت عمار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما، وأطيعوا واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسى».
* وقال مسروق رضى الله عنه: «انتهى علم أصحاب رسول الله ﷺ إلى ستة:
عمر، وعلىّ، وعبد الله بن مسعود، وأبىّ بن كعب، وأبى الدرداء، وزيد بن ثابت، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى رجلين: علىّ، وعبد الله» (٢).
* لمّا دخل علىّ الكوفة حضر عنده ناس من أهلها، وذكروا بين يديه عبد الله بن مسعود وقالوا: «يا أمير المؤمنين ما رأينا رجلا أحسن خلقا، ولا أرفق تعليما، ولا أحسن مجالسة، ولا أشد ورعا من ابن مسعود»، قال علىّ: أنشدكم الله، أو الصدق من قلوبكم؟ قالوا: نعم. قال: اللهم أشهد أنى أقول مثل ما قالوا وأفضل» (٣).
* أقام ابن مسعود فى الكوفة ما يشاء الله له أن يقيم يعلّم أهلها الحديث، والتفسير، والفقه، وأسس فى الكوفة علم أهل الرأى حيث كان لا يتردد فى أن يبدى رأيه فى الوقائع النازلة عند ما لا يجد نصابين يديه، ولقد نشأت مدرسة الرأى على يديه وامتدت حتى ذاع صيتها فى متصف القرن الثانى الهجرى على
стр. 80
يد أبى حنيفة وأصحابه ويعد عبد الله بن مسعود أساس هذا المذهب.
منزلة ابن مسعود فى التفسير:
* تظهر منزلة ابن مسعود التفسيرية فى تقديمه لنفسه، وفى ثناء أصحاب رسول الله ﷺ على مكانته ومنزلته فى العلم، وفى تقديم هذه الشهادات سواء كانت على لسان ابن مسعود نفسه باعتباره كلاما حقيقيا بعيدا عن الفخر والخيلاء، أو كانت على لسان بعض أصحاب رسول الله ﷺ .
أ- يقول ابن مسعود- رضى الله عنه- عن نفسه لما بلغه تحريق عثمان- رضى الله عنه- للمصاحف: «لقد علم أصحاب محمد أنى أعلمهم بكتاب الله- وما أنا بخيرهم- ولو أنى أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله منى تبلغه الإبل لأتيته».
قال أبو وائل: «فقمت إلى الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت أحدا من أصحاب محمد ينكر ذلك عليه».
* ويقول ابن مسعود- رضى الله عنه: «أخذت من فىّ رسول الله ﷺ سبعين سورة». ويقول: «والذى لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته» (١).
هذه شهادة ابن مسعود على نفسه وهى شهادة ما قصد بها التباهى والتعالى، وإنما قصد بها البيان، والإيضاح أن ما عنده من علم رسول الله ﷺ أحق
وأسرع أن يحمل عنه، حتى لا يضيع بذهابه.
ب- أما شهادة أصحاب رسول الله ﷺ ، وتلاميذه فمنها:
стр. 81
* روى أبو نعيم فى «حلية العلماء» عن أبى البحترى قال: قالوا لعلىّ أخبرنا عن ابن مسعود، قال: «علم القرآن والسنّة ثمّ انتهى، وكفى بذلك علما» (١).
* وقال عقبة بن عامر- رضى الله عنه: «ما أدرى أحدا أعلم منه بما نزل على محمد بن عبد الله، فقال أبو موسى: إن تقل ذلك، فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل».
* وقال تلميذه مسروق: «كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النّهار».
مرويات ابن مسعود ومبلغها من الصحة (٢):
إن الحكم على مرويات ابن مسعود بالصحة والسلامة، أو بالضعف والسقم ليس بالنظر إلى ابن مسعود نفسه، وإنما بالنظر إلى من روى عنه بطبيعة الحال.
ولقد حصر الدكتور/ محمد حسين الذهبى مرويات ابن مسعود فى خمسة طرق سلم منها أربعة طرق كاملة، فكان حظه فى تلاميذه، ونقلة علمه أكثر من ابن عباس- رضى الله عنه- وقد سبق أن عرفنا أن مرويات ابن عباس لا يكاد يسلم منها أكثر من طريقين، والضعف فى أكثر مرويات ابن عباس فى التفسير كانت فى نقلة علمه كما عرفت.
ونقدم بين يديك طرق الرواية عن ابن مسعود فيما يأتى:
١ - طريق الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود.
стр. 82
٢ - طريق مجاهد، عن أبى معمر، عن ابن مسعود.
٣ - طريق الأعمش، عن أبى وائل، عن ابن مسعود.
٤ - طريق السّدّى الكبير، عن مرة الهمدانى، عن ابن مسعود.
٥ - طريق أبى روق عن الضحاك، عن ابن مسعود.
أما الطرق الثلاثة الأولى فقد اعتمدها البخارى فى صحيحه.
وأما طريق السّدّى الكبير (إسماعيل بن عبد الرحمن) فحديثه عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة، وقد جمع من الأئمة فيهم: شعبة، الثورى (١).
وأما الطريق الخامس: عن الضحاك، عن ابن مسعود، فقد حكم عليه العلماء بالانقطاع لأن الضحاك لم يلق ابن مسعود يرحمهما الله تعالى.
وهكذا بعد أن قدمنا بين يديك ثانى أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ممن علموا الكتاب والحكمة، وعكفوا على تفسير آيات الله، وكانوا أقرب إلى تأدية مراد الله تعالى ممن جاء بعدهم، فنهلت الأجيال من فيض معينهم، وغزير ما أعطوا من فقه الوحى فبنوا هذا العلم- علم التفسير- وأقاموه على أعمدة صحيحة راسخة، أشهر بناتها ابن مسعود فحق لنا أن نحفر اسمه فى ذاكرتنا وذاكرة التاريخ لعلم التفسير، وأن نقول بحق ما قاله المغبطون لعلمه وقربه من المعصوم- صلوات الله وسلامه عليه: «كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل».
стр. 83
(٣) علىّ بن أبى طالب «كرّم الله وجهه»
مكانته فى العلم بصفة عامة:
لا يستطيع أحد أن ينكر على آخر الراشدين علىّ بن أبى طالب، ابن عمّ رسول الله ﷺ ، وصهره، وأول من أسلم من الأحداث، وشهد المشاهد كلها، ومن آخاه رسول الله ﷺ فى الدنيا والآخرة. لا أحد ينكر سعة علمه، وقوة حجته، وسلامة استنباطه، ونضج عقله، ورجاحة قضائه. فكما كان ابن عباس- رضى الله عنه- مرجع الصحابة فى التفسير، كان علىّ- كرم الله وجهه- مرجعهم فى القضايا المعضلة.
وكما كان تفسير ابن عباس بركة دعوة رسول رب العالمين، كان «قضاء علىّ» وهدى قلبه فيه دعوة رسول رب العالمين كذلك. قال النبى ﷺ فيه: «اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه». «أنت أخى فى الدنيا والآخرة». «لأعطيّن الراية رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. ثم أعطاها عليا». ولّاه رسول الله ﷺ قضاء اليمن، فأوفى وأجاد، ورجع إليه الصحابة فى معضلات أمور القضاء حتى صار يضرب به المثل فيقال: «قضية ولا أبا حسن لها» (١).
مكانته فى التفسير بصفة خاصة:
قدمنا أن مفسرى الصحابة كانوا لا يزيدون على ستة عشر صحابيا من بينهم أم المؤمنين عائشة- رضى الله عنها- وأن المشهورين منهم عشرة، والمكثرون من العشرة أربعة.
стр. 84
فاعلم أن عليا- كرم الله وجهه- ثالث الأربعة فى ترتيب المكثرين. وقد جمع- كرم الله وجهه- إلى جانب مهارتى القضاء والفتيا العلم بالقرآن بشهادته عن نفسه، وشهادة علماء الصحابة- خاصة المفسرين منهم- عنه. أما شهادته عن نفسه فيقول: «سلونى، فو الله لا تسألوننى عن شىء إلا أخبرتكم، وسلونى عن كتاب الله فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم فى سهل أم فى جبل».
وأخرج أبو نعيم فى «الحلية» عنه: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وإن ربي وهب لى قلبا عقولا، ولسانا سئولا» (١).
وأما شهادة علماء الصحابة له: قال فيه عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، وإن علىّ بن أبى طالب عنده منه الظاهر والباطن» (٢).
مرويات علىّ- كرم الله وجهه- ومدى صحتها:
لو أننا نظرنا بمنظار غير منظار التثبت من العلم لوضعنا «عليا» - كرم الله وجهه- قبل ابن عباس فى كثرة ما روى عنهما من تفسير. فقد بلغ ما روى عن علىّ- كرم الله وجهه- حدا من الكثرة لا تليق بوضعه فى المرتبة الثالثة بين المكثرين، ولكن النظرة الموضوعية العلمية التى جعلت الباحثين يضعون الإمام عليا فى المرتبة الثالثة هى النظر فقط إلى ما صحّ من الروايات عنه، وإلا فإن المغالين الذين أسرفوا فى حبّهم له، هم السبب فى اختلاق أكثر الروايات التى نسبت إليه فى التفسير مما جعل القيمة العلمية لهذه الروايات لا ترتقى إلى مرتبة الوثوق بها.
ولذلك يقول الدكتور محمد حسين الذهبى: «لم يعتمد أصحاب الصحيح فيما
стр. 85
يروونه عنه إلا على ما كان من طرق الإثبات من أهل بيته، أو من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلمانى، وشريح وغيرهما.
وأهم هذه الطرق هى:
١ - طريق: هشام، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلمانى، عن علىّ- كرم الله وجهه- طريق صحيح يخرج منه البخارى وغيره.
٢ - طريق: ابن أبى الحسين، عن أبى الطفيل، عن علىّ- كرم الله وجهه- وهذا الطريق غالب ما عند سفيان بن عيينة فى تفسيره، وهو صحيح أيضا.
٣ - طريق الزهرى، عن على زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن جده علىّ.
وهذه أصح الطرق، بل عدّها البعض أصح الأسانيد مطلقا.
(٤) أبىّ بن كعب- رضى الله عنه -
تعريفه: هو أبىّ بن كعب بن قيس الأنصارى، الخزرجى. كناه النبى ﷺ ب «أبى المنذر» وكناه عمر- رضى الله عنه- ب «أبى الطفيل» أحد السابقين من بنى النجار إلى الإسلام، المسارعين لقبوله: قبله الله ورضى عنه، وتقبل منه. شهد بدرا، والعقبة. أول من كتب لرسول الله ﷺ مقدمة المدينة. مات فى خلافة عمر- رضى الله عنه- وعنه. قال فيه عمر: «أبىّ سيّد المسلمين».
مكانته فى العلم بصفة عامة:
كان- رضى الله عنه- أحد كتّاب الوحى، وأحد الحفاظ لكتاب الله العزيز،
стр. 86
وأحد المشهورين من القرّاء فى الإسلام. سماه الله لنبيّه وطلب من نبيّه ﷺ أن يقرأ عليه القرآن.
فقد أخرج الترمذى عن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: «إن النبى ﷺ قال لأبيّ بن كعب: «إن الله أمرنى أن أقرأ عليك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا. قال أبىّ: آلله سمانى لك؟ قال: نعم، فجعل أبىّ يبكى. فقيل له: وفرحت بذلك؟ قال: وما يمنعنى وهو القائل قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١).
ونقل ابن الأثير من رواية الشعبى عن مسروق قال: «كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله ﷺ ستة: عمر، علىّ، عبد الله، أبىّ، زيد، وأبو موسى».
مكانة أبىّ- رضى الله عنه- فى التفسير خاصة:
سبق أن علمت فى ما قدمناه أن أبىّ بن كعب أنه رابع الأربعة المكثرين من صحابة رسول الله ﷺ ، ولا غرابة فى ذلك، فهو كاتب الوحى بيده، وأكثر الصحابة علما بجودة قراءته، ومن الحفظة المعدودين. وهذه الأدوات الهامة جعلته أهلا للعلم بالتفسير وروايته. وأخذ التفسير على يديه جمهرة من الصحابة من أمثال ابن عباس، وابن عمر- رضى الله عنهما- كما أنه يعتبر مرجعا هاما للصحابة .. لذلك فإن ما يصل إلى يديك من تفسير أبىّ إذا صحت الرواية عنه له قيمة علمية على جانب عظيم من الأهمية.
أشهر طرق الرواية عنه:
١ - طريق: أبى جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس، عن أبى العالية، عن أبىّ-
стр. 87
رضى الله عنه. وهذا طريق صحيح، أخرج ابن جرير، وابن أبى حاتم، والحاكم، والإمام أحمد عنه الكثير (١).
٢ - طريق: وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبىّ بن كعب عن أبيه. وهذا الطريق على شرط الحسن، يخرج منه الإمام أحمد فى مسنده. وإن كان فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، صدوق تكلم فيه البعض.
مطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن الصحابة رضى الله عنهم
لا شك أن الصحابة العشرة الذين اشتهروا بتفسير القرآن الكريم هم الذين أرسوا قواعد علم التفسير، وأقاموا دعائمه باعتبار أنهم المصدر الأول الذى شاهد الوحى، وعاصر التنزيل، هم بهذا أصل هذا العلم وحملته، وكلامهم فيه مرده إلى المعصوم ﷺ .
وعلى هذا الأساس فقد اهتم العلماء اهتماما كبيرا «بمأثورات» الصحابة المفسرين خاصة المكثرين منهم فى الرواية عن النبى ﷺ ، أو باجتهادهم باعتبار أن من عنى منهم بتفسير القرآن الكريم هم من اهتموا بجمعه، وحفظه، ومعرفة أسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، وحلاله وحرامه وأوجه قراءاته ممن تناولناهم بالدراسة السابقة وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلى بن أبى طالب، وأبىّ بن كعب- رضى الله عنهم جميعا.
ونظرا إلى أن تفسير هؤلاء الأئمة الكبار منه ما يعود إلى أسباب النزول ومنه ما يعود إلى اجتهاد مفسرى الصحابة لذلك نرى أن العلماء انقسمت نظرتهم إلى قيمة التفسير المنقول عن الصحابة على ما يأتى:
١ - يرى الحاكم النيسابورى أن تفسير الصحابى الذى شاهد الوحى، وعاصر التنزيل له حكم الحديث المرفوع إلى النبى ﷺ ، وهو بهذا ينقل عن البخارى ومسلم ما ذكراه.
стр. 88
يقول الحاكم: «ليعلم طالب الحديث أن تفسير الصحابى الذى شاهد الوحى والتنزيل- عند الشيخين- حديث مسند» (١).
أما اعتبار الحاكم بأن تفسير الصحابى له حكم الحديث المرفوع فهو اعتبار «مطلق وعام». إذ لا يخلو تفسير الصحابى من الاجتهاد برأيه- وإن قل- فى زمانهم، لكنه كان موجودا وبارزا خاصة فى ما نقله الرواة من تفسير ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهما.
ولهذا نرى ابن الصلاح صاحب المقدمة المشهورة فى علم الحديث يقيد هذا العموم والإطلاق بما إذا كان المأثور عن الصحابة متعلقا بسبب نزول، أو برواية يسندها الصحابى إلى المعصوم ﷺ .
يقول ابن الصلاح: «ما قيل من أن تفسير الصحابى حديث مسند، فإنما ذلك فى تفسير يتعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابى، أو نحو ذلك لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبى،، ولا مدخل للرأى فيه كقول جابر- رضى الله عنه: كانت اليهود تقول:
من أتى امرأته من دبرها فى قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله- نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (٢) فأما سائر تفاسير الصحابة التى لا تشتمل على إضافة شىء إلى الرسول ﷺ فمعدودة فى الموقوفات (٣) ومن هنا نرى أن تفسير الصحابى نوعان:
١ - نوع موقوف على الصحابى، وهو ما يتعلق باجتهاده فى تفسير النص القرآنى.
٢ - ونوع مرفوع إلى النبى ﷺ يسنده الصحابى، أو له حكم المرفوع كذكر سبب النزول.
стр. 89
أما النوع الأول: فقد اختلف العلماء فى حكم الأخذ به، والرجوع إليه وعدم العدول عنه إلى غيره إلى رأيين:
أ- ذهب فريق إلى أن الموقوف على الصحابى لا يجب الأخذ به، ويمكن العدول عنه إلى رأى مجتهد آخر، لأن الصحابى فى قوله الخاص غير المسند إلى رسول الله ﷺ مجتهد كسائر المجتهدين فلنا أن نأخذ به، أو بقول مجتهد آخر غيره، لأن كليهما يخطئ ويصيب.
ب- وذهب آخرون إلى أن «موقوف الصحابى» لا يعدل عنه إلى غيره، ويجب الأخذ به لظن سماعهم له من رسول الله ﷺ ، ولأنهم حتى وإن فسروا القرآن بآرائهم واجتهاداتهم الشخصية فآراؤهم أقرب إلى الصواب ممن بعدهم، فهم أدرى الناس وأعلم بكتاب الله- تعالى- باعتبارات كثيرة منها أنهم: أهل اللسان، وصحبتهم لرسول الله ﷺ وتخلقهم بأخلاقه، ولما لهم من العلم الصحيح والفهم الدقيق لا سيما علماؤهم وقراؤهم، ومنها أنهم شاهدوا نزول القرآن ووعوا أسبابه فيم نزل، وفى أى شىء، ومتى.
حتى قال السيوطى فى الإتقان: «اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد.
والأول: إما أن يرد عن النبىّ ﷺ ، أو الصحابة، أو رءوس التابعين. فالأول:
يبحث فيه عن صحة السند، والثانى: ينظر فى تفسير الصحابى، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك فى اعتماده، أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه» (١).
ولقد وضّح العلامة ابن كثير فى مقدمة «تفسير القرآن العظيم» هذا المعنى
стр. 90
بجلاء ووضح وبين أهمية تفسير الصحابى، وقيمته العلمية فقال وهو يعدد أوليات هذه الأهمية:
من حيث ترتيب مصادر هذه الأقوال: «إذا لم نجد التفسير فى القرآن ولا فى السنة رجعنا فى ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التى اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم».
وأما النوع الثانى: فمجمع على وجوب الأخذ به وعدم العدول عنه إلى اجتهاد من بعده.
مطلب فى: خصائص تفسير الصحابة، ومميزاته
١ - لم يكن التفسير فى هذا العهد تفسيرا مكتوبا، ولا مدونا، وإنما كان شأنه شأن علم الحديث. والسبب فى ذلك أن الأمة كلها فى هذه الفترة اعتمدت على نقل علمها رواية ومشافهة، لا تدوينا ولا كتابة لوجود النهى الصارم عن تدوين غير القرآن خوف إلباسه بما ليس منه لقوله ﷺ : «لا تكتبوا عنى شيئا ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه» اللهم إلا ما كان ينقله البعض من الحفاظ والمفسرين على هوامش مصاحفهم من أوجه القرآن ولغاته فظنها المتأخرون عنهم أنها من تفاسيرهم.
٢ - لم يأخذ التفسير شكلا منتظما يتماشى مع ترتيب السور، أو حتى ترتيب آيات السورة الواحدة.
٣ - لم يستقص أى مفسر من كبار مفسرى الصحابة ومكثريهم جميع آيات القرآن الكريم، وإنما فسروا فقط ما غمض فهمه على الناس، أو ما عرفوا له أسبابا
стр. 91
للنزول، أو ما كان جوابا نزل به الوحى لسؤال سائل.
٤ - اتفاق جيلهم على الفهم العام لمعظم آيات القرآن باعتبار معايشتهم لنزوله، وعدم اختلاف مفسريهم إلا فى النادر القليل.
٥ - قلة الاستنباط الفقهى لقلة الحوادث والواقعات والمستجدات.
٦ - الاقتصار على التفسير لغريب الألفاظ التى كانت تغيب على معرفة البعض منهم لكونه على لغات قبيلة دون أخرى مثلا.
تلكم هى المرحلة الأساسية فى بيان مراد كلام الله- تعالى- وهى مرحلة كريمة لها طابع نورانى لم تشبها شوائب عقلية، ولا إحن مذهبية .. لك أن تسميها باسم المرحلة الأولى فى التفسير، ولك أن تسميها باسم الصحابة رضوان الله عليهم ...
المهم عندنا أن مصدرها نبع صاف .. وموردها صاحب كريم.
مبحث فى: التفسير فى عصر التابعين ومدارسه
تمهيد: بدأت الفتوحات الإسلامية فى أواخر عهد النبى ﷺ ، ثم بدأت تتسع شرقا، وشمالا، وغربا، حتى أتت على مملكة كسرى، والروم، ومصر، وما لبث الجهاد أن حمل الصحابة- رضوان الله عليهم- إلى كل هذه البلدان واستقر العديد منهم فيها، والتف الناس حولهم متشوقين إلى هؤلاء النفر الكرام البررة الذين رأوا النبىّ ﷺ ، وعاصروا الوحى، ونالوا شرف القتال فى الغزوات الكبرى.
ومع ذلك فقد تفرغ منهم للعلم فى موطن الوحى عبد الله بن عباس فى مكة، وأبىّ بن كعب فى المدينة فلم يشأ كل منهما أن يغادر موطنه الذى ولد فيه فنشأت على أكتافهما مدارس التفسير فى الحرمين الشريفين. بينما استقر علىّ ومن قبله ابن مسعود فى العراق فقامت بهما مدارس التفسير فيه.
стр. 92
مطلب تمهيدى فى: مدارس التفسير فى عصر التابعين
وبذلك شاءت إرادة الله- إلا أن تقوم على عاتق المشاهير الأربعة أهم مدارس التفسير، وأن يكون حظ التابعين من علمهم الحظ الموفور، وأن تمتد بهم فى أشخاص تلاميذهم السمة الأساسية لتفسير كتاب الله العزيز.
ومما تجدر الإشارة إليه أن كلمة «مدرسة هنا» لا تعنى بناء خاصا لتلقى علم التفسير كما هو الحال فى زماننا، ولكنه تعبير تجاوزى عن بداية الاستقرار لتلقى العلم فى مكان ما .. ليكن المسجد، وليكن السؤال فى الطريق العام من التلميذ للأستاذ أيا ما كان فقد أصبح لابن عباس تلاميذه من التابعين فى مكة.
وكذلك لأبيّ تلاميذه من التابعين فى المدينة، ولعلىّ وابن مسعود تلاميذهما فى العراق.
ولنلق ضوءا بسيطا على كل مدرسة وأشهر تلاميذها باختصار شديد.
١. المدرسة المكية فى التفسير وأشهر تلاميذها:
شيخها: عبد الله بن عباس- رضى الله عنه- وقد سبق لك أن عرفت قيمته ومنزلته العلمية، وأدواته ومصادره فى التفسير.
تلاميذها: وقد أخذ عن ابن عباس علمه فى مكة ثلّة من التابعين أشهرهم:
١ - سعيد بن جبير بن هشام الأسدي: أبو محمد، حبشى الأصل، أسود اللون، أبيض الخصال، أخذ عن ابن عباس- رضى الله عنهما- القراءة والتفسير، وهو ثقة حجة.
٢ - مجاهد بن جبير: أبو الحجاج المخزومى، أوثق تلاميذ ابن عباس- رضى الله عنهما- من القراء المشهورين، توفى بمكة سنة ١٠٤ هـ وهو ساجد.
стр. 93
٣ - عكرمة (مولى ابن عباس) أبو عبد الله البربرى المدنى، أصله من البرير بالمغرب. كان جريئا على العلم، ولذلك توقف بعض العلماء عن توثيقه، ومع ذلك فعكرمة- يرحمه الله- لم يثبت عليه شىء يلام عليه، وقد فند مطاعن الطاعنين عليه الشيخ محمد حسين الذهبى فلتراجعه هناك (١). وتوفى- ﵀ سنة ١٠٤ هـ.
٤ - طاوس بن كيسان اليمانى الحميرى. أبو عبد الرحمن. كان على جانب عظيم من الورع والتقوى حتى صار شيخ اليمن، جالس أكثر من خمسين صحابيا، وكان خبيرا متقنا لمعانى كتاب الله تعالى، توفى سنة ١٠٦ هـ بمكة المكرمة أثناء حجه إليها من اليمن.
٥ - عطاء بن أبى رباح المكىّ القرشى: أبو محمد، توفى سنة ١١٤ هـ. كان من سادات التابعين فقها وعلما، وورعا، وفضلا زيّنه الله بالعلم ونوّره بالورع، وأفاض عليه من نوره مع أنه كان- يرحمه الله- أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمى بعد ذلك، فأنّا يدانيه منّا أحد؟
٢. المدرسة المدنية فى التفسير، وأشهر تلاميذها:
شيخها: أبىّ بن كعب بن قيس الأنصارى من السابقين للإسلام من بنى النجار، ومن السابقين فى خدمة رسول الله ﷺ وخدمة القرآن، كتابة، وحفظا، وعلما بقراءاته.
تلاميذها: حمل علم أبىّ- رضى الله عنه- فى المدينة أناس كثيرون من التابعين كان من أشهرهم:
стр. 94
١ - أبو العالية: رفيع بن مهران الرياحى. أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبى ﷺ بسنتين وهو من ثقات التابعين المشهورين فى التفسير، ونسخة كبيرة من تفسير أبىّ بن كعب- رضى الله عنه- يرويها أبو العالية، وأخرج منها الأئمة فى تفاسيرهم، مات- يرحمه الله تعالى- سنة ٩٠ هـ.
٢ - محمد بن كعب بن سليم القرظى، المدنى: أبو حمزة من حلفاء الأوس.
روايته عن أبىّ بن كعب بالواسطة، لكنه اشتهر بالثقة، والعدالة، والورع وكان من أفاضل أهل المدينة علما بالقرآن، توفى سنة ١١٨ هـ.
٢ - زيد بن أسلم العدوى المدنى: أبو أسامة. اشتهر عنه التفسير بالرأى دون تحرج، ولكنه كان ثقة، لم ينسبه أحد إلى مذهب من المذاهب المبتدعة، وكان من أشهر من تلقى علم زيد بن أسلم: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وابنه عبد الرحمن بن زيد، توفى- يرحمه الله تعالى- سنة ١٣٦ هـ تقريبا.
٣. المدرسة العراقية وأشهر تلاميذها:
شيخها: عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه. والواقع: أن عليا- كرم الله وجهه- وكذلك كثير من الصحابة يعدون من شيوخ هذه المدرسة حيث تلقى أهل العراق العلم عنهم جميعا. غير أن أحدا منهم لا ينازع عبد الله بن مسعود فى مشيخة هذه المدرسة لاعتبارات أهمها:
١ - شهرة ابن مسعود فى القراءات والتفسير.
٢ - تعيينه رسميا من قبل الخليفة الثانى عمر- رضى الله عنه- ليكون معلم أهل الكوفة ووزير أميرها عمار بن ياسر مما جعل الكوفيين يجلسون إليه ويأخذون عنه أكثر من غيره من الصحابة- رضوان الله عليهم. حتى أن العلماء يقولون بأن ابن مسعود هو الذى أسس «الرأى» فى مسائل الخلاف وهو الذى وضع الأساس لهذه
стр. 95
الطريقة فى الاستدلال، والتى اشتهر بها أهل العراق فيما بعد. ومن المرجح أن تؤثر هذه الطريقة فى ظهور تفسير القرآن الكريم بالاجتهاد والرأى خاصة فى استنباط المسائل الشرعية للواقعات المستجدة فى عصورهم كنتيجة طبيعية من نتائج إعمال الرأى فى فهم النصوص الشرعية من القرآن والسنة.
تلاميذها: تتلمذ على ابن مسعود- رضى الله عنه- عدد كبير من التابعين- من أهل العراق فحملوا عنه علما كثيرا، كان من أشهرهم:
١ - علقمة بن قيس بن عبد الله النخعى الكوفى. أشهر من روى عن ابن مسعود، وأعلمهم بعلمه على الإطلاق، كان ثقة، مأمونا، حتى قال فيه مرة الهمدانى: «كان علقمة من الربانيين». مات وعمره تسعون سنة فى «٦١ هـ».
٢ - مسروق بن الأجدع بن مالك الهمدانى الكوفى: أبو عائشة. قيل: سمّى مسروق، لأنه سرق فى صغره ثم وجد. كان من أعلم تلاميذ ابن مسعود، وكان شريح القاضى يستشيره فى معضلات المسائل، امتاز بورعه، وعلمه، وعدالته، وكانت وفاته سنة «٦٣ هـ».
٣ - الأسود بن يزيد بن قيس النخعى: أبو عبد الرحمن، المتوفى سنة «٧٤ هـ» بالكوفة. كان من كبار التابعين، وثقاتهم، على جانب عظيم من فهم كتاب الله وكان من صوّام الدهر معدود فى أصحاب ابن مسعود بالافتاء.
٤ - مرّة بن شراحيل الهمدانى، الكوفى العابد، الملقب ب «مرة الخير». و «مرة الطيب» لكثرة صلاحه، وشدة روعه. سجد «مرة» حتى أكل التراب وجهه، وكان يصلى كل يوم ستمائة ركعة. توفى سنة «٧٦ هـ» (١).
стр. 96
٥ - عامر الشعبى: عامر بن شراحيل الشعبى، الحميرى، الكوفى، التابعى الجليل، قاضى الكوفة، سمع من ثمانية وأربعين صحابيا. يقول عنه ابن سيرين:
«قدمت الكوفة وللشعبى حلقة، وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذ كثير». كان فقيها، شاعرا، ثقة، وكان يقال عنه: «ابن عباس فى زمانه».
٦ - الحسن البصرى: الحسن بن أبى الحسن يسار البصرى، مولى الأنصار كان غزير العلم بكتاب الله، جامعا، عالما، فقيها، ثقة، مأمونا، قال فيه أبو جعفر الباقر:
«ذلك الذى يشبه كلامه كلام الأنبياء (١).
٧ - قتادة بن دعامة السدوسى: أبو الخطاب الأكمه، عربى الأصل، سكن البر.
كان واسع الاطلاع فى الشعر العربى، بصيرا بأيام العرب، عليما بأنسابهم وكان ثقة، مأمونا، وكان من علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حفاظ زمانه.
مطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن التابعين
اختلف علماء الأمة فى قبول «رأى» التابعى فى التفسير، ومدى الالتزام به، إذا كان هذا قولا مستقلا له موقوفا عليه غير مسند إلى صحابى، أو غير مرفوع إلى النبىّ ﷺ . وهم فى ذلك على رأيين:
الأول: أن قول التابعى ورأيه الشخصى فى التفسير، هو كقول آحاد الناس غير ملزم بقبوله وللأمة أن تأخذ به أو تأخذ برأى مجتهد سواه فى عصره أو بعد عصره وذلك للأسباب الآتية:
١ - أن التابعى (فى رأيه الشخصى) ليس له سماع من النبىّ ﷺ ، ولا من الصحابى حتى تلتزم الأمة رأيه.
стр. 97
٢ - أن التابعى (فى رأيه الشخصى) شأنه شأن غيره من جيله ومن بعده لم يرث القرائن التى نزل عليها الوحى، فيجوز عليه الخطأ- كما يجوز على غيره- فى فهم المراد، وظن ما ليس بدليل دليلا.
٣ - أن التابعى لم تنصّ على عدالته، كما نص عليها بالنسبة للصحابة.
٤ - أن جميع مجتهدى الأمة (من التابعين وأتباعهم) نصّوا على ذلك، ولكل من الأئمة الأربعة مقالة مشهورة عنه تصلح كدليل لهذا الرأى.
أ- يقول أبو حنيفة- يرحمه الله تعالى: «ما جاء عن النبىّ ﷺ فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة تخيرنا. وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال».
ب- ويقول مالك- يرحمه الله تعالى: «كل منا يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر» مشيرا إلى قبر النبى ﷺ .
ج- ويقول الشافعى- يرحمه الله تعالى: «إذا رأيت قولى يخالف قول رسول الله ﷺ فاضرب بقولى عرض الحائط».
د- ويقول أحمد بن حنبل- يرحمه الله تعالى: «إذا صح الحديث فهو مذهبى» فقد قال هؤلاء الأئمة كلمة الفصل فى هذه المسألة وهى أن قول التابعى «الخاص» غير واجب الأخذ به فى ما يفسره من آيات الله تعالى، وشأنه فى ذلك شأن غيره من المفسرين.
الثانى: أن قول التابعى «الشخصى». غير المسند إلى صحابى، وغير المرفوع إلى النبى ﷺ قول يؤخذ بالقبول، ويعتد به. وحجتهم فى ذلك: أن التابعين تلقوا غالب
стр. 98
تفسيراتهم عن الصحابة (١) فمجاهد مثلا يقول: «عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها».
وقتادة يقول: «ما فى القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا» (٢). وهذا رأى أكثر المفسرين.
تحقيق المسألة: لابن تيمية- يرحمه الله تعالى- كلمة جيدة فى هذه المسألة ننقلها عنه فى كتابه «مقدمة فى أصول التفسير» فيما يلى: «قال شعبة بن الحجاج وغيره:
أقوال التابعين ليست حجة، فكيف تكون حجة فى التفسير؟، يعنى أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم- وهذا صحيح- أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب فى كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع فى ذلك إلى لغة القرآن، أو السنّة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة فى ذلك (٣).
وهذا أيضا ما استقر عليه بعض الباحثين المعاصرين كالدكتور/ محمد حسين الذهبى فى كتابه «التفسير والمفسرون» حيث يقول: «والذى تميل إليه النفس هو أن قول التابعى فى التفسير لا يجب الأخذ به إلا إذا كان مما لا مجال للرأى فيه فإنه يؤخذ به حينئذ عند عدم الريبة، فإن ارتبنا فيه، بأن كان يأخذ من أهل الكتاب، فلنا أن نترك قوله ولا نعتمد عليه. أما إذا أجمع التابعون على رأى فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه إلى غيره (٤).
مطلب فى: خصائص ومميزات التفسير فى عصر التابعين
يعتبر عصر التابعين- بالنسبة لعلم التفسير- مرحلة تالية لعصر الصحابة- رضوان الله عليهم- وامتدادا لخصائصه خاصة فى ناحيتين اثنتين:
الأولى: أن خاصية التلقى والرواية، وعدم التدوين التى كانت الطابع المميز
стр. 99
للتفسير فى عصر الصحابة ظلت كما هى فى عصر التابعين، بفارق بسيط وهو أن التلقى والرواية لم تكن مجموعة فى إقليم واحد كما كان الشأن فى المدينة المنورة فى التفاف الصحابة حول رسول الله ﷺ ، وإنما أصبح لكل إقليم تلاميذ يلتفون حول صحابى أو أصحاب نزحوا إلى هذا الإقليم والتف أهل الإقليم للأخذ عنه أو عنهم.
الثانية: النقل عن بعض الروايات الإسرائيلية فى التفسير، انتقلت هذه الخاصية أيضا من جيل الصحابة إلى جيل التابعين، ولكن أيضا بفارق أكبر. ذلك أن النقل عن أهل الكتاب فى عصر الصحابة كان محصورا للغاية، خاصة عند أبىّ بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود- رضى الله عنهم- ولكن فيما لا يتعدى ما هو جاد فى ديننا من مسائل، أما عصر التابعين فقد كثرت الإسرائيليات بكثرة من أسلم منهم.
هاتان الخاصتان انتقلتا إلى عصر التابعين بالنسبة لمسائل التفسير. أما الخصائص المميزة لهذه «المرحلة الثانية» (عصر التابعين) فأهمها ما يلى:
١ - بداية ظهور المذاهب والفرق، والكلام حول بعض الآيات التى حملها بعض المفسرين من التابعين آراءه الخاصة. وذلك كمسائل الكلام حول القضاء والقدر الذى نسب إلى كل من الحسن البصرى، وقتادة بن دعامة السدوسى- يرحمها الله تعالى.
٢ - اتساع الخلاف بين التابعين فى مسائل التفسير بصورة واضحة ومتباعدة بينما لم يكن الخلاف بين الصحابة فى تفسير آيات كتاب الله تعالى شيئا ملموسا، أو محسوسا.
ومع هذا فإن هذه المسألة- أعنى مسألة الخلاف بين التابعين- لم تأخذ الفجوة العميقة التى سنراها فيما بعد، وإنما يمكن أن يقال «إنه خلاف» أى بالنسبة لما سبقهم من عصر الصحابة.
стр. 100
وإلا فما كان خلافهم ذا شأن كبير كما صار الحال عليه فيمن بعدهم، كما لم يكن خلافهم فى التفسير «كتفسير» وإنما كان خلافهم على حسب اختلاف رؤاهم فى مستجدات الوقائع التى لم تسبق من قبل فى عصر الصحابة، مع اختلاف البيئات التى انتقلوا إليها ووجدوا أنفسهم بإزائها، مما لم يألفوه فى جزيرة العرب- من عادات وتقاليد وطبائع كان ينبغى عليهم مواجهتها لما طلبت آراؤهم فيها.
فى حين أن اختلاف الصحابة لم يكن يتعدى ما عند واحد منهم من أسباب النزول، أو العلم بمفردات اللغة ما ليس عند الآخر، أو علم أحدهم بقراءة لا يعرفها غيره. كما لم يتعد خلافهم غير اختلاف العبادات حول مسمى متحد، أو أن يكون للفظ واحد عدة معان، فيحمله أحدهم على معنى، ويحمله الآخر على أحد المعانى الأخرى، أو أن يكون تعبيرهم عن المعانى بألفاظ متقاربة، وليست مترادفة- إلى غير ذلك من الأسباب التى تبدو اختلافا وهى ليست كذلك فى حقيقة الأمر .. غير أن الباحثين وضعوا لنا ما يشبه التقنين فى ما لو وقع خلاف صريح بين قولين من أقوال الصحابة يتعذر الجمع بينهما فى مسائل التفسير بإحدى الوسيلتين الآتيتين:
الأولى: إن تعارضت الأدلة تماما بحيث لا يمكن الجمع بينها فإن موقفنا من هذا التعارض أن نؤمن بمراد الله- ولا نلجأ إلى الميل لأحد القولين المتعارضين.
وتصبح المسألة بالنسبة لنا بمنزلة المجمل قبل أن يفصل، والمبهم قبل أن يبين، والعام قبل أن يخصص، والمتشابه قبل أن يفسر.
الثانية: يقدم قول ابن عباس- إن كان له فيها قول- على آراء غيره (وهذا رأى الزركشى) لبشارة النبى ﷺ له.
стр. 101
مبحث فى: التفسير بالمأثور
التفسير بالمأثور هو التفسير المنقول عن الرسول ﷺ ، أو الصحابة، أو التابعين، فهو يشمل تفسير هذه الأجيال الثلاثة من حملة العلم ونقلته.
فهو إذا جزء من علم رواية الحديث سواء كان مرفوعا إلى النبى ﷺ ، أو موقوفا على الصحابى، أو مقطوعا على التابعى.
ويشترط فيه ما يشترط فى علم الحديث من ضوابط النقل وصحته.
مراحل التفسير بالمأثور:
يعتبر التفسير بالمأثور أهم أنواع التفاسير على الإطلاق إذا صحت روايته ونقله، وسلمت ضوابطه من عدالة الناقل، وصحة النقل متنا وسندا.
ولا يعدل عن هذا التفسير إلى سواه مع وجوده، وسلامة نقله إلى غيره من أنواع التفسير الأخرى.
هذا وقد مرّ التفسير بالمأثور بعدة مراحل:
أ- المرحلة الأولى: هى مرحلة الرواية والتلقى مشافهة من صدور الشيوخ إلى عقول التلاميذ وهذه المرحلة هى المرحلة الطبيعية فى حياة الأمة الإسلامية الأولى، إذ كان علم التفسير ناشئا فى أحضان علم الحديث حيث لم يكن ثمة علم يومئذ غير علم الحديث.
ومعلوم للباحثين أن الأمة الإسلامية ظلت مأمورة بعدم التدوين والكتابة إلا للقرآن الكريم وحده. فظل تدوين «ما عدا القرآن» محصورا فى نطاق ضيق جدا يقتصر على بعض الأفراد الذين كانوا يسجلون ما يتلقونه من صدور الرجال فى نطاقه المحدود هذا ومع التحرج والتأثم للنهى الوارد عن المعصوم ﷺ حيث قال:
стр. 102
١ - «لا تكتبوا عنى شيئا ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه».
٢ - وما نقل عن أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه- وقد سأله سائل أن يكتب له شيئا من الحديث: «لا نكتبكم ولا نجعلها مصاحف، احفظوا كما كنا نحفظ على عهد رسول الله ﷺ ».
وقد كان هذا هو حال الأمة الإسلامية فى شأن «التدوين» وهو المنع بصورة «رسمية» من تدوين غير القرآن حيث كان التدوين مقصورا على القرآن الكريم وحده.
واستمر الحال على ذلك حتى مع وجود بعض النصوص المجيزة للكتابة من مثل قوله ﷺ :
١ - قيدوا العلم بالكتابة.
٢ - قيد العلم الكتاب.
٣ - اكتبوا فو الله ما صدر منى إلا حقا.
إذا هذه النصوص أخذها بعض الصحابة والتابعين على محمل خاص ومحدود للغاية، وأن الإذن بها كان لضرورة خاصة كالمعاهدات، والكتب إلى الملوك، أو الإذن لكاتب معين معروف بالتنسيق وحسن الترتيب وجودة الخط كعبد الله بن عمرو بن العاص.
واستمر الامتناع عن الكتابة طبع الورعين الوجلين من الوقوع فى محظور النهى عن الكتابة واكتفى حملة العلم بنقله مشافهة من الصدور إلى الصدور حتى زمن الخليفة الأموى الراشد عمر بن عبد العزيز- يرحمه الله تعالى- (٩٩ هـ- ١٠١ هـ).
خشى عمر بن عبد العزيز- يرحمه الله- ضياع العلم بموت الصحابة وكبار
стр. 103
التابعين، كما بدأت بوادر الكذب على رسول الله ﷺ تظهر بعد ما انساح العرب فى بلاد الأعاجم نتيجة الفتوحات ودخول بعض رؤساء الأديان فى الإسلام دغلا وحقدا لا إيمانا وتصديقا وهؤلاء بدأت أحقادهم على الإسلام تفرخ بيضتها.
فما كان من عمر بن عبد العزيز- يرحمه الله- إلا أن كلف ابن شهاب الزهرى بجمع الحديث وتدوينه وكان هذا أول أمر «رسمى» بتدوين العلم وكتابته.
فانصاع ابن شهاب الزهرى لهذا الأمر مع تحرجه واعتذاره بقوله: «والله لولا أن عمر بن عبد العزيز أمرنا بالكتابة ما كتبت».
وقد استمرت مرحلة الرواية هذه حتى طالت ثلاثة أجيال هى:
١ - جيل الصحابة.
٢ - جيل التابعين.
٣ - جيل تابعى التابعين.
غير أن بداية «الإذن الرسمى» الذى أصدره عمر بن عبد العزيز كان فى بداية أواسط جيل التابعين حيث استمر الغالب فى نقل العلم على المشافهة- مع وجود الإذن بالكتابة- وقد كانت المشافهة هى السمة الغالبة فشملت جيل أواسط التابعين ثم صغار التابعين- ثم بداية تابعى التابعين فى أول العصر العباسى. وفى هذه المرحلة المباركة كانت مصادر التفسير هى:
١ - تفسير القرآن بالقرآن.
٢ - الحديث النبوى الشريف.
٣ - اجتهاد الصحابة: وكان هذا الاجتهاد مبنيا على:
أ- اللغة. ب- قوة الاستنباط من النّص القرآنى والقدرة عليه بما كان يملكه علماء الصحابة فى التفسير من الملكة الشخصية، ورؤية التنزيل.
٤ - كما كان هناك مصدر رابع لا يستهان به وإن لم يكن أساسيا إلا وهو:
стр. 104
الرجوع إلى «مسلمة أهل الكتاب» من اليهود والنصارى.
ب- المرحلة الثانية: وهى مرحلة التدوين والكتابة: وهذه المرحلة بدأت منذ أن أصدر عمر بن عبد العزيز أوامره بالتدوين فى أول القرن الثانى الهجرى وظلت ممتدة إلى عصرنا الحاضر، فهى إذا مرحلة عظيمة وهامة إذ تميزت بظاهرتين هامتين:
الأولى: استقرار التفسير بالمأثور فى بطون المدونات التفسيرية، مما حفظ لنا هذا التفسير بأسانيده، وطرقه، ومروياته، ورواته فى هذه المدونات العظيمة فبقيت إلى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة إن شاء الله تعالى.
وأصبح فى متناول كل باحث أن يطلع على ما فسّره النبى ﷺ من آى القرآن وما فسره الصحابة الذين كانوا على علم بالتفسير وأهمهم الأربعة المكثرون من التفسير وهم: ابن عباس، وابن مسعود، وعلى بن أبى طالب، وأبىّ بن كعب، وهم الذين قامت على أكتافهم فيما بعد مدارس التفسير المشهورة فى الأقاليم الإسلامية وهى: مكة، والمدينة، والعراق.
الثانية: اكتشاف أى دخيل على هذا اللون من ألوان التفسير بمجرد قراءة «المروية التفسيرية» والنظر فى رجالها، ونصّها، وذلك بالرجوع إلى السجلات الضابطة لتواريخ الرجال ومعرفة أحوالهم من صحة الرواية جرحا أو تعديلا.
وأهم المدونات التفسيرية التى سجلت لنا المرويات التفسيرية عن الأجيال الثلاثة المباركة هى:
١ - جامع البيان فى تفسير القرآن لابن جرير الطبرى.
٢ - معالم التنزيل لأبى محمد بن الحسين البغوى.
٣ - بحر العلوم لأبى الليث السمرقندى.
стр. 105
٤ - تفسير القرآن العظيم لأبى الفداء الحافظ ابن كثير.
٥ - الدر المنثور فى التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطى.
وهناك مدونات أخرى غير هذه أيضا، كما أن منها ما جمع التفسير بالمأثور وحده فنقل التفسير بالرواية والأسانيد على ترتيب المصحف دون أن يدخل فيه شيئا من الاجتهاد أو اللغة، أو النحو أو الأحكام كتفسير السيوطى، ومنها ما كان جامعا للمأثور والاجتهاد المحمود معا كتفسير الطبرى، ومنها ما حذف أسانيد الرواية، وأوقفها فقط على من صدرت عنه مباشرة.
غير أن ما ينبغى الإشارة إليه أن مرحلة التدوين للمأثور مرت «داخليا» هى الأخرى بأدوار أهمها ما يلى:
١ - دور التبعية لعلم الحديث: حيث بدأ التدوين لعلم الحديث إذ سبق أن قلنا بأنه حتى بداية العصر العباسى لم يكن ثمة علم يومئذ غير علم الحديث، حتى أن لفظ «العلم» فى هذه الفترة التاريخية لم يكن يعرف إلا أنه علم الحديث. فبدأ جمع الحديث من صدور الحفظة إلى سطور الكراريس. ولما انتهت مرحلة الجمع من الصدور إلى السطور وفيها أحاديث ذات موضوعات شتى فمنها أحاديث تتعلق بالأحكام من طهارة، وصلاة، وآذان، وحج، وزكاة، وصوم، وبيع، وسلم، وصرف، ومزارعة، ومصانعة، وزواج، وطلاق، وحرب، وسلم، وأسرى، وتقاض.
ومنها ما يتعلق بالتفسير وبيان مراد الله- تعالى- من كلامه المنزل على رسوله الكريم كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ وغيرها. وهكذا جمعت الدواوين ما حفظته الصدور.
فلما عرف الناس التدوين عرفوا التبويب والتهذيب. فبدءوا يضمون الأحاديث ذوات الموضوع الواحد تحت باب واحد، والأبواب المتشابهة فى علم واحد تحت كتاب واحد، فهذا كتاب فى الطهارة يحتوى على أبوابها، وهذا كتاب فى التفسير يحتوى على سور القرآن وما قيل فى كل سورة من مأثور القول. وفى هذه المرحلة
стр. 106
انجمع علم التفسير فى باب مستقل داخل كتب الحديث ومصنفاته وأشهر من أفرد أبواب التفسير فى كتب المرويات الحديثة هم بالترتيب الزمنى:
١ - يزيد بن هارون السلمى المتوفى سنة ١١٧ هـ.
٢ - شعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هـ.
٣ - وكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧ هـ.
٤ - روح بن عبادة المتوفى سنة ٢٠٥ هـ.
٥ - عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة ٢١١ هـ.
٦ - آدم بن إياس المتوفى سنة ٢٢٠ هـ.
٧ - عبد بن حميد المتوفى سنة ٢٤٩ هـ.
٢ - دور الاستقلال عن علم الحديث: وفى هذه المرحلة استقلت الأحاديث المنجمعة فى كتب الحديث تحت عنوان «باب فى التفسير» أو تحت عنوان «كتاب التفسير» وصارت فى كتب مستقلة، ومصنفات خاصة عرفت ب «التفسير المأثور».
واستمر هذا الدور من الثلث الأخير للقرن الثالث الهجرى إلى العقد الأول من القرن الهجرى.
وعزى جمع التفسير بالمأثور فى هذا الدور إلى ثلّة من العلماء كلهم من أهل الرواية الحديثية كما كان الحال فى الدور الأول دور التبعية لعلم الحديث.
وأشهر من جمع تفاسير مستقلة فى مصنفات فى هذا الدور هم حسب الترتيب الزمنى لوفياتهم:
١ - ابن ماجة المتوفى سنة ٢٧٣ هـ.
٢ - ابن جرير الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ هـ.
٣ - أبو بكر النيسابورى المتوفى سنة ٣١٨ هـ.
٤ - ابن أبى حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.
стр. 107
٥ - ابن حبان المتوفى سنة ٣٦٩ هـ.
٦ - الحاكم النيسابورى المتوفى سنة ٤٠٥ هـ.
٧ - ابن مردويه المتوفى سنة ٤١٠ هـ.
٣ - دور اختصار الإسناد، أو حذفه نهائيا: وفى هذا الدور خلا التفسير بالمأثور من ذكر السند، وبقيت المتون دون عزو لقائل، وأصبح الإسناد موقوفا على أعلى راو فى السند دون ذكر بقية الرواة.
وهذا أدى إلى أول مدرج من مدارج الوضع فى التفسير، كما كان أول إلباس يدخله مصنفو هذه الكتب على قارئيها فى هذا الدور بحيث ظنّ ما ليس بصحيح صحيحا. بل أصبح الأمر أكثر خطورة إذ نقلت الإسرائيليات فى هذه الكتب خالية من نقلتها، فأخذت على أنها حقائق تفسيرية ثابتة ومقطوع بها. إلى جانب أن مصنفى هذا الدور لم يحرروا المسائل التى قطع بالتفسير فيها إذ المعلوم أن ما قطع بتفسيره عن الصدر الأول لا يحتاج بعد ذلك إلى من يفسره.
ومع انتقال الأمة من تحويل العملية التعليمية من مرحلة التعليم بواسطة «التلقى» إلى مرحلة التعليم بواسطة «التدوين» فإن هذه الخطوة الأخيرة أحدثت خللا خطيرا. إذ ما كاد الناس يستغنون عن «التلقى» إلى «التدوين» حتى استغنوا أيضا عن «الإسناد» إلى تصنيف الكتب فى التفسير دون عزو لقائل.
وهذا الخلل برمته فرّخ فى هذه المرحلة ثلاث ظواهر سلبية هى:
١ - ظهور الإسرائيليات بشكل كبير، وعدّها كأنها حقائق ثابتة.
٢ - ظهور الوضع والكذب فى التفسير على غرار ما كان فى الحديث.
٣ - ظهور التفسير بالرأى.
***
стр. 108
نموذج من مناهج المفسرين بالمأثور ابن جرير الطبرى وتفسيره «جامع البيان»
نتناول الآن- بحمد الله وتوفيقه- بعض المختارات والنماذج من كتب ومصنفات التفسير بالمأثور، ومناهج أصحابها فيها، وطريقة تناولهم لتفسير آيات الذكر الحكيم.
وسنعرض الآن لأولى هذه المختارات والنماذج فيما يلى:
١ - اسم المصنّف: جامع البيان فى تفسير القرآن.
اسم المصنّف: أبو جعفر: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبرى المتوفى سنة ٣١٠ هـ. عدد أجزاء المصنّف: ثلاثون جزءا. إجمالى عدد صفحات المصنّف: ٨٠٠٠ ثمانية آلاف صفحة على وجه التقريب لا التحديد إذ يختلف كل جزء عن الآخر حسب الطباعة الحديثة.
* الطبرى: حياته وتلقيه العلم: المحققون من أهل العلم سلّموا لابن جرير الطبرى بالاجتهاد المطلق، لما جمعه من أدوات الاجتهاد الكاملة، ومعرفته بشتى الفنون معرفة تامة.
** ولد محمد بن جرير الطبرى سنة ٢٢٤ هـ فى آمل بطبرستان، وإليها نسب.
** رحل من بلده طلبا للعلم وهو فى الثانية عشرة من عمره، فنزل مصر، والشام، والعراق.
شيوخه: وأخذ العلم عن كبار شيوخ عصرهم فى هذه البلاد منهم:
محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب، وإسحاق بن إسرائيل، وأحمد بن منيع
стр. 109
البغوى، ومحمد بن حميد الرازى، وأبو همام الوليد بن شجاع، وأبو كريب محمد ابن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقى، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن على، وغيرهم من أقران عصرهم فى البلاد التى رحل إليهم فيها وهى: الشام، والعراق، ومصر.
منزلة الطبرى فى العلم: تكلم الخطيب البغدادى عن الإمام محمد بن جرير الطبرى فى «تاريخ بغداد» بما يعين الطالب على فهم المنزلة العلمية التى وصل إليها ابن جرير فى
عصره فقال: «كان أحد أئمة العلم، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله» وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره.
وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعانى، فقيها فى أحكام القرآن، عالما بالسنة وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخائضين فى الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم وله الكتاب المشهور فى تاريخ الأمم والملوك، وكتابه:
فى التفسير لم يصنّف أحد مثله. وكتاب سماه تهذيب الآثار لم أر سواه فى معناه إلا أنه لم يتمه. وله فى أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء. وتفرد بمسائل حفظت عنه. مكث أربعين سنة يكتب فى كل يوم منها أربعين ورقة.
قال أحمد بن أبى الطاهر الإسفرايينى: «لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل على كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا».
وقال عبيد الله بن محمد السمسار: «إن أبا جعفر الطبرى قال لأصحابه:
أتنشطون لتفسير القرآن؟ (يعنى نسخه) قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة.
стр. 110
ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟
فذكر نحوا مما ذكره فى التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم، فاختصره فى نحو ما اختصر التفسير» (١).
* عدّه العلماء من الأئمة، وسلموا له بالاجتهاد المطلق حتى صار له مذهب فقهى عرف باسم «الجريرية» انتشر، وقلده فيه كثير من الناس ثم انقرض وكان أول أمره على مذهب الإمام الشافعى- يرحمه الله تعالى.
وهذا ما ينقله لنا السبكى فى طبقات الشافعية على لسان ابن جرير الطبرى فيقول: «أظهرت فقه الشافعى، وأفتيت به فى بغداد عشر سنين، وتلقاه منى ابن بشار الأحوال أستاذ أبى العباس بن سريج» (٢).
وذكره السيوطى فى طبقات المفسرين فقال: «كان أولا شافعيا، ثم انفرد بمذهب مستقل، وأقاويل واختيارات، وله أتباع ومقلدون، وله فى الأصول والفروع كتب كثيرة (٣).
درجته فى الرواية: اختلط على بعض علماء التاريخ كأحمد بن على السليمانى حال محمد بن جرير الطبرى فنسب إليه ما لم يكن من حاله، حيث ذكر عنه أنه كان يضع للروافض. وقد ردّ العلامة ابن حجر فى «لسان الميزان» هذا الزعم فقال:
«ثقة، صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر .. وقد أقذع أحمد بن على السليمانى الحافظ فقال عنه: «كان يضع للروافض، وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندّعى عصمته من الخطأ، ولا يحل