← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21486

مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن

عبد الجواد خلف

Полный текст (228 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من خرجه إلا من اضطلع على كتب الحديث فيبقى من لا خبرة له بذلك حائرا، لا يعرف الصحيح من السقيم. وأضرب عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين إلا ما لا بدّ منه، وما لا غنى عنه للتبيين. واعتدت من ذلك تبيين آيات الأحكام بمسائل تفسر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها فضمنت كل آية تتضمن حكما أو حكمين فما زاد مسائل أبين فيها ما تحتوى عليه من أسباب النزول، وتفسير الغريب، والحكم. فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل». عدم التعصب: يمتاز القرطبى بميزة فريدة فهو رغم أنه «مالكى المذهب» إلا أننا لا نجد أى بادرة من بوادر العصبية المذهبية، بل كثيرا ما ينقل عن ابن العربى الذى يتناول المذاهب الأخرى خاصة الحنفية بلسانه، وربما عاب عليه القرطبى وانتقده فى ذلك. والقرطبى يحمله الإنصاف إلى حدّ الدفاع عمن يهاجمهم ابن العربى من المخالفين مع توجيه اللوم إليه أحيانا. وأيا ما كان فإن العلامة القرطبى كان مفسرا نزيها، عفّ اللسان، دفاعا عن أصحاب الآراء الأخرى بصرف النظر عن كونهم من المخالفين (١). ...

стр. 142

الباب الثانى علم نزول القرآن الكريم

стр. 143

الباب الثانى علم نزول القرآن الكريم مبحث فى: وقت نزول القرآن، ومدته، وكيفيته، وحكمة تنجيمه اختلف الباحثون فى علوم القرآن فى وقت نزول القرآن الكريم، وفى المدة التى نزل فيها. ويرجع سبب الخلاف فى وقت النزول إلى أن القرآن الكريم نفسه ذكر ثلاث آيات انتظمت وقت النزول وهى: ١ - قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ سورة الدخان- الآية ٣. ٢ - قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ سورة القدر- الآية الأولى. ٣ - قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ سورة البقرة الآية ١٨٤. ففي أى وقت نزل: أفى الليلة المباركة؟ أو فى ليلة القدر؟ أو فى شهر رمضان؟ اتفق المفسرون على أن هذه الآيات يفسر بعضها بعضا، فقد نزل فى الليلة المباركة التى هى ليلة القدر التى هى فى شهر رمضان. ولكنهم اختلفوا بعد ذلك فى مدة النزول، وكيفيته على ثلاثة أقوال: (١) قال الجمهور: نزل القرآن الكريم جملة واحدة إلى بيت العزة فى السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجّما على محمد ﷺ على مدى ثلاث وعشرين سنة. ١ - واستدلوا لذلك بما رواه البخارى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: «بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه. أمر بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة».

стр. 144

٢ - وما رواه البيهقى والحاكم عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أيضا قال: «أنزل القرآن فى ليلة القدر فى شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوما. (٢) القول الثانى: أن ابتداء نزول القرآن الكريم كان فى الليلة المباركة وهى ليلة القدر من شهر رمضان ثم تتابع نزوله بعد ذلك مفرقا على الوقائع والأحداث فى ثلاث وعشرين سنة أى أن القرآن نزل ابتداء منجما مفرقا فليس له إلا هذا النزول فقط. وهذا قول الشعبى- يرحمه الله تعالى: واستدل لقوله بقول الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ (١). (٣) القول الثالث: أن القرآن الكريم أنزل إلى السماء الدنيا فى ثلاث وعشرين ليلة قدر أو عشرين، أو خمس وعشرين، فى كل ليلة قدر منها ما يقدر الله انزاله طول السنة. ومعنى هذا الرأى أن القرآن الكريم كان ينزل إلى السماء الدنيا مفرقا على سنى الدعوة، ثم ينزل ما خصّ به السنة كلها منجما على وقائع هذه السنة على رسول الله ﷺ . وهذا مذهب بعض المفسرين منهم فخر الدين الرازى. كما اختلفوا فى عدد سنى الدعوة التى نزل فيها القرآن الكريم على ثلاثة أقوال أيضا: الأول: أنها ثلاث وعشرون سنة: ثلاث عشرة فى مكة، وعشر فى المدينة. الثانى: أنها خمس وعشرون سنة: خمس عشرة فى مكة، وعشر فى المدينة.

стр. 145

الثالث: أنها عشرون سنة: عشر فى مكة، وعشر فى المدينة. وهذا الرأى الأخير هو ما أخرجه ابن أبى حاتم، عن الضحاك عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: «نزل القرآن جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السّفرة الكرام البررة الكاتبين فى السماء الدنيا، فنجّمته السّفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجّمه جبريل على النبى ﷺ عشرين سنة». وقد حقق ابن حجر فى «فتح البارى». صحة رأى الجمهور القائل بأن القرآن نزل أولا جملة واحدة إلى السماء الأولى فى بيت العزة، ثم نزل بعد ذلك منجّما على الوقائع فى ثلاث وعشرين سنة. أولا: لصحة الأخبار الواردة فى ذلك، وضعف غيرها. ثانيا: تفخيم أمره وأمر منّ نزل عليه كما نقل ذلك السيوطى عن أبى شامة. ثالثا: بيان حظ هذه الأمة من أن الله تعالى أرسل إليهم محمدا ﷺ رحمة، وأنزل القرآن إلى بيت العزة ليدخل فى حدّ الدنيا، وجاء جبريل بالرسالة والوحى كأنه تعالى أراد أن يسلم هذه الرحمة من الله تعالى إلى هذه الدنيا، نقل ذلك السيوطى عن الحكيم الترمذى. مبحث فى: كيفية إنزال القرآن الكريم مجمل ما ذكره المحررون فى علوم القرآن كبدر الدين الزركشى، وجلال الدين السيوطى أن القرآن الكريم أنزل على محمد ﷺ بلسان عربى مبين لفظا ومعنى، منجّما مفرقا على حسب الحوادث والوقائع فيما يخص الحوادث والوقائع أو ابتداء فيما يتعلق بالأخبار والقصص وذلك لقطعية النصوص الواردة فى هذا سواء من الكتاب أم من السنّة الصحيحة.

стр. 146

فأما الكتاب فمنه: ١ - قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١). ٢ - قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢). وأما السنة فمنها: ١ - ما رواه البيهقى فى شعب الإيمان عن واثلة بن الأسقع أن النبى ﷺ قال: «أنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والانجيل لثلاث عشرة، خلت منه، والزبور لثمانى عشرة خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت منه». ٢ - ما رواه البخارى عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: «إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شىء: «لا تشربوا الخمر» لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: «لا تزنوا» لقالوا: لا ندع الزنا أبدا». ٣ - ما أخرجه ابن عساكر- عن أبى نضرة- قال: «كان أبو سعيد الخدرى- رضى الله عنه- يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة، وخمس آيات بالعشى، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات. ٤ - ما أخرجه ابن أشتة فى كتاب «المصاحف». عن عكرمة فى قوله تعالى: بِمَواقِعِ النُّجُومِ: قال: «أنزل الله القرآن نجوما ثلاث آيات، وأربع آيات، وخمس آيات». مبحث فى: حكمة تنجيم القرآن الكريم لإنزال القرآن الكريم منجما مفرقا على سنى الدعوة على مدى ثلاث وعشرين سنة حكما كثيرة، وأسبابا متعددة، وبواعث هامة أفاض فيها علماء الأمة الأول

стр. 147

المتكلمون فى القرآن وعلومه: كابن أبى حاتم، وابن أشتة، وأبى شامة، والسبكى، والزركشى، والسيوطى. ومن الباحثين المعاصرين: صبحى الصالح، ومناع القطان وكثيرون غيرهما أجملوا هذه الحكم- كما لك أنت- أن تستنبط غيرها وأهمها ما يلى: (١) تثبيت فؤاد النبى ﷺ . وهو ما ذكره الله تعالى فى قوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ. أى كذلك أنزلناه منجما وليس جملة واحدة بغرض تثبيت فؤادك. قال ابن شامة فى «الوجيز إلى علوم تتعلق بالقرآن العزيز»: أى: لنقوى به قلبك، فإن الوحى إذا كان يتجدد فى كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به، وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبادة، ولهذا كان أجود ما يكون فى رمضان لكثرة لقياه جبريل». (٢) التحدى والإعجاز: ذلك أن لكل نبىّ معجزة، وكانت معجزات الأنبياء السابقين مسوقة بحسب مهارة أقوامهم فى فنّ يعجز عنه فيه سواهم، فتأتى المعجزة على يد نبيهم المرسل إليهم لتدحض مهارتهم، وتعجز فنهم. فأعطى موسى- ﵇ قوة فوق مهارة السحرة التى كانت مفخرة علماء فرعون وأعطى عيسى قوة فوق مهارة الطب التى كانت مفخرة بنى إسرائيل .... هكذا. فلما بعث محمد ﷺ فى قوم جلّ فخرهم الفصاحة والبلاغة أعطى القرآن الكريم تحديا لبلاغتهم وإعجازا لهم أن يأتوا بمثله، أو بنصفه، أو بعشر سور منه، أو بآية واحدة.

стр. 148

والقصد من الإعجاز ليس فى مجرد الألفاظ ودقة ترتيبها، وبراعة نظمها، ولكن فيما وراء كل حرف من حروف القرآن من الدلالة على معان خفية لا يحيط بها إلا الخالق فيضع الحرف للدلالة على هذا المعنى الخفى الذى لا يعرفه المخلوق. يقول الله جل شأنه وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١). ولا شك أن نزوله منجما مفرقا بضع آيات، أو حتى جزء آية على مدى هذا الزمن الذى امتد ثلاثا وعشرين سنة أبلغ فى التحدى، وأوقع لثبوت الإعجاز خاصة فيما كان مشركو مكة، ويهود المدينة يسوقونه للنبى ﷺ من أسئلة التحدى بين الحين والآخر ظنا منهم توقيفه وقطعه عن الجواب، فيأتى التنجيم هنا فى مكانه المناسب فى وقته المناسب. يقول الله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٢). (٣) التدرج فى التشريع: ذلك أن النبى ﷺ بعث على رأس أمة استفحلت فيها عادات مرذولة متمكنة فى نفوسهم، ملوثة لعقولهم، راسخة فى وجدانهم، ممتزجة بدمائهم كالاعتقاد الجازم بألوهية الأوثان، وعقرهم للخمر بحيث صارت جل دمائهم التى تسيّر قلوبهم وعقولهم منها. فلا يعقل فى تدبير الحكماء أن تنزل هذه الأشياء وأمثالها دفعة واحدة. بل تحتاج إلى التدرج بالعلاج شيئا فشيئا. وهذا معنى كلام أم المؤمنين عائشة- رضى الله عنها- الذى أوردناه سابقا: «إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب

стр. 149

الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شىء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا» أخرجه البخارى. هذه الثلاثة أهم أسباب تنجيم القرآن الكريم، وللطالب أن يستنبط من ذلك الشيء الكثير مثل: تيسير الحفظ والفهم، والاستفادة منه فى أصول التربية وذكر تواريخ الأمم ومجاهدة الأنبياء، وقصصهم مع أقوامهم، ومناسبة كل منها لحوادث مشابهة لنبينا محمد ﷺ ، وللدلالة على أن القرآن الكريم مع طول زمن تنزيله لا ينفك عن حقيقة جزئية، ولا يتفلت من حكمة، ولا يقع فيه خلط ولا اختلاف. ١ - وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (١). ٢ - قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٢).

стр. 150

الباب الثالث علم أسباب النزول

стр. 151

الباب الثالث علم أسباب النزول نزل القرآن الكريم على رسول الله ﷺ منذ أخبره الوحى أن «اقرأ» وكانت هذه أول الآيات حتى ختمت بقوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. وما بين أول الآيات وآخرها نزولا توالى القرآن على مدى ثلاث وعشرين سنة يتنزل به الوحى وكان بشأن نزوله لا يخرج عن قسمين: الأول: قسم أنزله الله ابتداء غير مرتبط بسبب من الأسباب الخاصة، وإنما كما يقول الزرقانى فى «مناهل العرفان». إنما هو لمحض هداية الخلق إلى الحق (١). وهذا القسم هو غالب آيات القرآن الكريم. الثانى: قسم أنزله الله تعالى لسبب من الأسباب الخاصة كحادثة الإفك، وظهار أوس بن الصامت من زوجته خولة بنت ثعلبة ومجادلتها للنبى ﷺ وكأخذ النبى ﷺ للأسرى وعتاب الله تعالى له ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (٢) وغيرها. وهذا القسم هو المعنى بهذه المحاضرة، وفيه كتب العلماء بحوثهم، وألفوا الكتب لبيان أسباب النزول، وحصر الآيات التى نزل القرآن بسببها، وبيان فائدته، وطريق معرفته، ومصادره، وصيغه الواردة به، والعمل به عند تعارض الروايات، وهذا ما سنلقى عليه ضوءا كافيا فيما يلى: مبحث فى: التعريف بعلم أسباب النزول وفوائد معرفته يمكن حصر ماهية هذا العلم بالقول أنه: «العلم الذى يختص بمعرفة ما لبعض آى القرآن الكريم من سبب نزلت بشأنه، أو سؤال وقعت الآية جوابا عنه فى زمن نزول الوحى».

стр. 152

علم أسباب النزول يتصل اتصالا وثيقا بعلم التفسير حتى قال ابن تيمية فيما نقله السيوطى عنه فى «الإتقان»: معرفة سبب النزول تعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» (١). كما نقل عن ابن دقيق العيد: «بيان سبب النزول طريق قوى فى فهم معانى القرآن» (٢). فها هو ذا جلال الدين السيوطى يورد هذه المزاعم، ويرد عليها مبينا فوائد هذا العلم. ومن المستحسن أن ننقل فوائد علم أسباب النزول عن السيوطى باعتباره مصدرا أصليا قديما، يقول السيوطى (٣). «زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن لجريانه مجرى التاريخ، وأخطأ فى ذلك بل له فوائد: ١ - منها: معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. ٢ - ومنها: تخصيص الحكم بسبب النزول عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب. ٣ - ومنها: أن اللفظ قد يكون عاما، ويقوم الدليل على تخصصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعى وإخراجها بالاجتهاد ممنوع، كما حكى الإجماع عليه، ولا عبرة بمن شذ فجوّز ذلك. ٤ - ومنها: الوقوف على المعنى، وإزالة الإشكال، قال الواحدى: «لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها» (٤).

стр. 153

مثاله: ما أشكل على مروان بن الحكم فى قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ فقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتى، وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون، فبين له ابن عباس أن الآية إنما نزلت فى أهل الكتاب- خاصة- حين سألهم النبى ﷺ عن شىء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وأروه أنهم بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، فأنزل الله فيهم وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا الآية. ٥ - ومنها: دفع توهم الحصر، قال الشافعى ما معناه فى قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية. إن الكفار لما أحلوا ما حرّم الله، وحرموا ما أحل الله، وكانوا على المضادة والمحادة، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة فتقول: لا أكل اليوم إلا الحلاوة، والغرض المضادة لا النفى والإثبات على الحقيقة فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل» (١). ٦ - ومنها: معرفة اسم النازل فيه الآية، وتغيير المبهم فيها لأن بيان المبهم وزوال إبهامه مفيد لردة الفضل إلى أهله كما فى قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ نزلت فى الصحابى الجليل صهيب ابن سنان الرومى. وللمتمعن أن يستنبط ما يشاء من الفوائد.

стр. 154

مبحث فى: طرق معرفة أسباب النزول، ومصادره، وصيغته إن مصادر علم أسباب النزول وطريق معرفته تتمثل فى: النقل الصحيح عن مشاهدى الوحى، ومعاينى التنزيل، وهذا النقل له مصدران: (أ) أن يكون الراوى صحابيا، فإذا كان كذلك كان سبب النزول مقبولا لأن رواية الصحابى المعاين للتنزيل له حكم المرفوع إلى النبى ﷺ . (ب) إذا جاءت الرواية مرسلة عن الصحابى (أى سقط منها الصحابى) فلا تقبل هذه الرواية إلا إذا قويت واعتضدت برواية أخرى ولو مرسلة. وعلى هذا الأساس فلا مجال للأخذ بالاجتهاد والنظر فى هذا العلم وإنما مصدره الأساسى هو النقل المحرر عن الصحابة والتابعين. صيغ أسباب النزول للتعبير عن سبب النزول صيغتان: الأول: أن يقول الصحابى: ١ - سبب نزول هذه الآية كذا. ٢ - حدث كذا- أو سئل ﵊ عن كذا فنزلت آية كذا فهذه الصيغة بشقيها نص صريح واضح فى سبب النزول. الثانية: أن يقول الصحابى: «نزلت الآية فى كذا» فمعناه أن الآية هذه تتضمن هذا الحكم وليس هذا سبب نزولها. والمعول عليه فى هذه الصيغة هو القرائن الدالة على السبب. مبحث فى: تعارض الروايات فى سبب النزول يرجع تعارض الروايات فى سبب النزول إلى تعددها وهو نوعان: الأول: تعدد الروايات فى سبب نزول آية واحدة. الثانى: تعدد الآيات فى سبب نزول واحد.

стр. 155

أما الأول: وهو تعدد الروايات فى سبب نزول آية واحدة؛ وهذه لها ثلاث صور: (١) الصورة الأولى: أن تكون الروايات الواردة فى سبب نزول الآية الواحدة كلها بصيغ غير صريحة فى سبب النزول كأن يقول كل راو: «نزلت هذه الآية فى كذا» أو «أحسبها نزلت فى كذا». فهذه الصورة لا تعارض فيها، لأن المراد بها التفسير وليس ذكر سبب النزول. إلا فى حالة واحدة: وهى ما إذا قامت قرينة على أحد هذه الأسباب بأنه فى سبب النزول فحينئذ تتعين هذه الرواية من بين أخواتها لأن تتقدم على الأخريات. (٢) الصورة الثانية: أن تكون الروايات المتعددة فى سبب نزول آية واحدة بعضها صريح الصيغة فى الدلالة على سبب النزول، وبعضها غير صريح، فحينئذ يتعين تقديم الرواية المصرحة بسبب النزول على غيرها. ومثال ذلك قول الله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (١). فقد تعددت الروايات فى سبب نزولها بعضها مصرح بسببه كحديث جابر- رضى الله عنه- قال: «كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها فى قبلها جاء الولد أحول، فنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (٢). وبعضها غير مصرح به كما جاء عن نافع قال: «قرأت ذات يوم نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فقال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت فى إتيان النساء فى أدبارهن». فهذه الصيغة من ابن عمر غير صريحة فى السببية، فتقدم رواية جابر لصراحتها بأسباب النزول.

стр. 156

(٣) الصورة الثالثة: أن تكون جميع الروايات الواردة فى سبب نزول الآية الواحدة كلها صريحة فى الدلالة على سبب نزول هذه الآية. وهذه الصورة يتفرع عنها عدة صور منها: ١ - أن تكون هذه الروايات المصرح بسبب نزولها أحدها صحيح دون الآخر وفى هذه الحالة يقدم الصحيح دونه. ويمثل السيوطى بحديث جندب البجلى يرويه البخارى عنه قال: أ- «اشتكى النبى ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم يقربك ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (١). ب- وأخرجه الطبرانى بسنده: «أن جروا دخل بيت النبى ﷺ فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبى ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحى، فقال: يا خولة، ما حدث فى بيت رسول الله ﷺ ؟ جبريل لا يأتينى فقلت فى نفسى: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبى ﷺ ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله وَالضُّحى إلى قوله فَتَرْضى). * قال ابن حجر فى شرح البخارى: «قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفى إسناده من لا يعرف، فالمعتمد ما فى الصحيحين (٢). ٢ - أن تتساوى الروايات فى الصحة، أ- وفى هذه الحالة يرجح أحد الروايات بكون راويها حاضر القصة مثلا. ومثاله: ما ذكره السيوطى أيضا عن ابن مسعود- رضى الله عنه- قال: «كنت

стр. 157

أمشى مع النبى ﷺ بالمدينة وهو يتوكأ على حسيب فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، فقالوا: حدثنا عن الروح، فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحى، ثم قال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (١). وأخرج الترمذى- وصححه ابن عباس- قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية- فهذا يقتضى أنها نزلت بمكة، والأول خلافه. وقد رجح بأن ما رواه البخارى أصح من غيره، وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة (٢): ب- وقد يحمل الترجيح على أن الآية قد نزلت عقب سببين أو أكثر على أزمان متقاربة. ومثاله: ما أخرجه البخارى عن عكرمة عن ابن عباس قال: «إن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبى ﷺ : البينة أو حد فى ظهرك، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البيّنة؟! فأنزل وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ حتى بلغ إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣). وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدى فقال: اسأل رسول الله ﷺ : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله ﷺ ، فغاب السائل، فأخبر عاصم عويمرا، فقال: والله لآتين رسول الله ﷺ ، فلأسألنه، فأتاه، فقال: إنه قد أنزل فيك وفى صاحبتك قرآنا ... ) الحديث (٤).

стр. 158

فهذا مما يجمع بينهما: بأن أول ما وقع له ذلك هلال بن أميّة، وصادف مجيء عويمر أيضا. فنزلت الآية بشأنهما. وإلى هذا مال الخطيب فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك فى وقت واحد»، وقال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب (١). ج- فإن لم يمكن الجمع لتباعد الزمن، فإن الترجيح يحمل على تعدد نزول الآية، وتكرره. ومثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال: «لمّا حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية، فقال: أى عمّ قل: لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل، وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب. فقال النبى ﷺ : «لأستغفرن لك ما لم أنه عنه» فنزلت ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية (٢). وأخرج الترمذى- وحسّنه- عن على- كرم الله وجهه-، قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان، فقال استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فنزلت. وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود، قال: خرج النبى ﷺ يوما إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا، ثم بكى، فقال: إن القبر الذى جلست عنده قبر أمى، وإنى استأذنت ربى فى الدعاء لها فلم يأذن لى، فأنزل علىّ ما كان للنبى والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين. وفى هذه الأمثلة، وما هو على حالتها يجمع بين نصوصها بتعدد نزول الآية فيها (٣).

стр. 159

وأما الثانى: فهو تعدد نزول آيات فى سبب واحد. فقد ينزل فى الحادثة الواحدة آيات متعددة فى سور شتى. مثاله: موضوع النساء وذكر الرجال فى القرآن دون ذكرهن. هذا الموضوع المعين كان سببا فى نزول آيات عديدة منها: ١ - ما أخرجه ابن جرير وغيره عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: «يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء فى الهجرة بشيء، فأنزل الله فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (١). ٢ - ما أخرجه ابن جرير أيضا عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: «قلت يا رسول الله: ما لنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعنى منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول (إن المسلمين والمسلمات) إلى آخر الآية. ٣ - ما أخرجه الحاكم عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث؟ فأنزل الله وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ (٢). من مفردات هذا العلم الجليل معرفة بعض الجزئيات الآتية التى نذكرها إجمالا ونحيل تفصيلها إليك فى «البرهان للزركشى ١/ ٢٢ - ٣٥، الإتقان ١/ ٨٢ - ٩٩» وهى:- قد يتصل بأسباب النزول ومعرفته معرفة ما يسمى ب «تقدم نزول الآية على الحكم، وقد مثل لها البغوى بقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ثم ظهر أثر الحلّ يوم فتح مكة حين قال ﷺ : «أحلت لى ساعة من نهار».

стр. 160

قد يتعدد نزول آيات مختلفات فى شأن صحابى واحد لتعدد الوقائع بشأنه: كسعد ابن أبى وقاص نزلت فيه أربع منها اثنتان متفرقتان فى البقرة، وواحدة فى لقمان، وواحدة فى الأنفال» (١). خصوص السبب وعموم الصيغة، أو يقال: عموم اللفظ وخصوص السبب. فقد يكون السبب خاصا وتنزل الصيغة عامة، لينبه على أن العبرة بعموم اللفظ. وقد قال الزمخشرى مثلا فى تفسير سورة الهمزة: «يجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه، فإن ذلك أزجر له، وأنكى فيه (٢). ...

стр. 161

الباب الرابع علم معرفة أول وآخر ما نزل

стр. 162

الباب الرابع علم معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل هذا علم جليل من علوم القرآن الكريم له أهميته الخاصة التى تتركز أساسا فيما يلى: ١ - معرفة تاريخ التشريع الإلهى الذى نزل به الوحى الكريم على رسول الله ﷺ . ٢ - التدرج فى أحكام الله- تعالى- من خلال معرفة هذا العلم بقدر الطاقة ومناسبة كل حكم لما نزل فيه دون تعارض بين ما نزل أولا، وما نزل متأخرا عن الأول. وقد اهتم الباحثون المتقدمون بإبراز شخصية هذا العلم، وعدوّه علما من علوم القرآن. عدّه السيوطى (١) - فى الإتقان- النوع السابع من علوم القرآن، بينما عدّه الزركشى (٢) النوع العاشر، وهذا بحسب اصطلاح كل منهما فى تقسيم العلوم، ولا مشاحة فى الاصطلاح كما قال العلماء. هذا وقد اختلف العلماء فى تحديد أول ما نزل من القرآن الكريم، كما اختلفوا فى تحديد آخر ما نزل منه. سبب الخلاف: ويرجع سبب هذا الخلاف إلى اختلاف النصوص الواردة فى بيان أول ما نزل وبيان آخر ما نزل. ذلك أن معرفة هذا الفن لا تتأتى إلا بالنّص. وقد اجتهد كثير من الباحثين المعاصرين اجتهادا مشكورا مأجورا إن شاء الله تعالى من أمثال: مناع القطان، وصبحى الصالح، وغيرهما فى توضيح غرض هذا العلم.

стр. 163

ولكننا سنسلك هنا طريقا آخر للبحث حول هذا الموضوع. وإن كانت الطرق كلها تؤدى إلى الغاية المطلوبة التى هى «معرفة هذا الفن». حيث نسوق النصوص الواردة، والدالة على بيان أول النزول أو آخر النزول بحسب رواية أصحابها ممن شهدوا التنزيل، وعاصروا واقع الوحى من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم نفند هذه الروايات لنخرج منها على أصح فهم إن شاء الله- تعالى- على النحو التالى: عرض الروايات الدالة على أول ما نزل القول الأول: ١ - أخرج الشيخان فى صحيحيهما عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يأتى حراء فيتحنث فى الليالى ذوات العدد، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة- رضى الله عنها- فتزوده لمثلها، حتى فاجأه الحق وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول الله ﷺ : فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد. ثم أرسلنى، فقال اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطنى الثالثة، حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ (ما لم يعلم)، فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره». ٢ - وأخرج الحاكم فى «المستدرك»، والبيهقى فى «دلائل النبوة». عن عائشة- رضى الله عنها قالت: «أول سورة نزلت من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وصححاه. ٣ - وأخرج الطبرانى فى «المعجم الكبير». بسند على شرط الصحيح عن أبى رجاء العطاردى قال: «كان أبو موسى يقرئنا فيجلسنا حلقا، عليه ثوبان أبيضان، فإذا تلا هذه السورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ قال: هذه أول سورة أنزلت على محمد ﷺ .

стр. 164

٤ - وأخرج سعيد بن منصور فى «السنن». عن عبيد بن عمير، قال: جاء جبريل إلى النبى ﷺ ، فقال له: اقرأ، قال: وما اقرأ، فو الله ما أنا بقارئ، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، فكان يقول: هو أول ما نزل». ٥ - روى أبو عبيد فى «فضائل القرآن» عن مجاهد قال: إن أول ما نزل من القرآن «اقرأ باسم ربك» و «ن والقلم». ٦ - وروى عن الزهرى أن النبىّ ﷺ كان بحراء إذ أتى ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى: (ما لم يعلم). فهذه ست روايات كلها صحيحة تدل على أن أول ما نزل هو قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. القول الثانى: ١ - روى الشيخان عن سلمة بن عبد الرحمن، قال: سألت جابر بن عبد الله: أىّ القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أيها المدثر، قلت: أو اقرأ باسم ربك؟ قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ : إنى جاورت بحراء فلما قضيت جوارى نزلت فاستبطنت الوادى فنظرت أمامى وخلفى، وعن يمينى وشمالى، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو- يعنى جبريل- فأخذتنى رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثرونى، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ. وهذا الحديث صحيح الرواية، ودليل قوى لمن يقول أن أول ما نزل: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. القول الثالث: ١ - أخرج البيهقى فى «دلائل النبوة»، والواحدى بطرقهما عن عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة" «إنى إذا خلوت وحدى سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا». فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدى الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث.

стр. 165

فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له، وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة، فانطلقا فقص عليه، فقال: إذا خلوت وحدى سمعت نداء خلفى: يا محمد .. يا محمد .. ، فأنطلق هاربا فى الأفق»: فقال: لا تفعل إذا أتاك فأثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتنى فأخبرنى، فلما خلا ناداه: يا محمد: قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى بلغ (ولا الضالين) وهذا حديث مرسل، ورجاله ثقات (١). القول الرابع: ١ - نقله السيوطى فى «الإتقان» حكاية النقيب فى مقدمة تفسيره، أن أول ما نزل (بسم الله الرحمن الرحيم). ٢ - أخرج الواحدى بإسناده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن (بسم الله الرحمن)، وأول سورة (اقرأ باسم ربك). «أول ما نزل جبريل على النبى ﷺ قال: يا محمد استعذ، ثم قل: (بسم الله الرحمن الرحيم). وهذه أيضا أدلة ثلاثة للقول الرابع على أن أول ما نزل من القرآن الكريم هو: (بسم الله الرحمن الرحيم). تحقيق هذه الأقوال: بعد استعراض نصوص الأقوال الأربعة نجد أن ظاهرها التعارض والتضارب فى إثبات أول ما نزل من القرآن الكريم. والحقيقة أنه ليس ثمة تعارض على الإطلاق بين هذه الأقوال جميعا، وتحقيق ذلك على ما يأتى: ١ - أن أول ما نزل على الإطلاق هو قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.

стр. 166

أولا: كثرة الروايات والطرق المروية عن أول ما نزل وأنه على التعيين (اقرأ باسم ربك) مع صحة هذه الروايات كلها. ثانيا: أن الاستعاذة والبسملة داخلتان فى هذه السورة، وفى كل سورة فى القرآن الكريم على ما حققه العلماء ما خلا سورة «براءة» فإنها خلت من البسملة. وبذلك يكون القول الرابع مندرج فى القول الأول تأصيلا. ثالثا: لا تعارض بين حديث عائشة- رضى الله عنها- وبين حديث جابر- رضى الله عنه- لأنه بالتأمل والنظر يجاب بما أجاب به السيوطى فى الإتقان عن إزالة هذا التعارض، وألخص هذه الأجوبة فيما يأتى: (١) أول ما نزل هو «اقرأ» والسؤال لجابر- رضى الله عنه- كان عن أول سورة نزلت كاملة. و (اقرأ) نزلت فقط إلى (علم الإنسان ما لم يعلم). (٢) أن أول ما نزل من الوحى الكريم هو (اقرأ) ثم فتر الوحى بعد ذلك مدة على ما هو معلوم من كتب السيرة، فكان أول ما نزل بعد فتور الوحى هو (يا أيها المدثر قم فأنذر)، فالمراد هنا أولوية مخصوصة لا أولوية مطلقة. (٣) أن جابرا- رضى الله عنه- أجاب عن سؤال السائل مجتهدا، وليس هو من الرواة عن رسول الله ﷺ ، فيقدم عليه رواية عائشة- رضى الله عنها. (٤) أن الأولوية لآية (يا أيها المدثر)، (أولوية خاصة بالأمر بالإنذار، أى أنها أول آية نزلت فى «الإنذار». (٥) أنها أولوية بسبب متقدم وهو ما وقع من تدثر النبى بسبب الخوف والرعب مما رآه أول مرة من صورة الملك. وأن (اقرأ) نزلت بغير سبب متقدم. رابعا: أما عن القول «الثالث» بأن أول ما نزل هو (الحمد لله رب العالمين). فقد نقل عن أبى بكر القاضى، فى كتاب «الانتصار». أن الخبر منقطع (١).

стр. 167

كما نقل عن السيوطى أن فيه إرسالا مع ثقات رجاله أو هو خبر عن نزولها بعد (اقرأ) والمدثر وبهذا يتبين من عرض هذه الروايات أنه لا تعارض بينها، وأنه ثبت أن أصحها هو رواية عائشة- رضى الله عنها- فى أن أول ما نزل هو (اقرأ باسم ربك). مبحث فى: ما نزل من القرآن أولا فى موضوعات مختلفة ذكر السيوطى فى «الإتقان». جملة من الآيات الكريمة نزلت أوائل ما نزلت ولكنه رتبها على موضوعات أفرد لكل موضوع أوائله، وننقله عنه بترتيب، مع التصرف فى النقل للعودة إلى مصادر أخرى على النحو التالى (١): موضوع القتال: ١ - روى الحاكم فى «المستدرك»، عن ابن عباس- رضى الله عنهما-: «أن أول أية نزلت فى القتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا (٢). ٢ - روى الحاكم فى «الإكليل». قال: «إن أول ما نزل فى القتال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ (٣). موضوع القتل: ١ - أخرج ابن جرير عن الضحاك، أول ما نزل فى شأن القتل وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً (٤). موضوع الخمر: ١ - روى الطيالسى عن ابن عمر، قال: نزل فى الخمر ثلاث آيات: فأول شىء: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (٥) الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها- كما قال الله- فسكت عنهم.

стр. 168

٢ - ثم نزلت هذه الآية: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى (١) فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم. ٣ - ثم نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ (٢) فقال رسول الله ﷺ : حرمت الخمر. موضوع الأطعمة: ١ - أول آية نزلت فى الأطعمة بمكة آية الأنعام: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً (٣). ٢ - ثم آية النحل: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً (٤) إلى أخرها. ٣ - وبالمدينة، آية البقرة إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ (٥) الآية. ٤ - ثم آية المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الآية، قاله ابن الحصار (٦). موضوع السجدات: ١ - روى البخارى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة «سورة النجم». موضوع أول ما أنزل من آيات سورة «براءة»: ١ - أخرج الفريابى عن مجاهد قال: أول ما أنزل الله تعالى من سورة براءة لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ (٧). ٢ - أخرج أيضا عن أبى الضحى قال: أول ما نزل من «براءة» انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا (٨). ٣ - أخرج ابن أشتة فى كتاب «المصاحف» عن أبى مالك، قال: كان أول براءة انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا.

стр. 169

ثم أنزلت «براءة أول السورة، فألفت بها أربعين آية». ٤ - وأخرج ابن أشتة فى «المصاحف». أيضا من طريق داود، عن عامر فى قوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا قال: هى أول آية نزلت فى غزوة تبوك، فلما رجع من تبوك نزلت «براءة». إلا ثمان وثلاثين آية من أولها. موضوع أول ما نزل من آيات سورة «آل عمران»: ١ - أخرج ابن أشتة فى «المصاحف» عن سعيد بن جبير، قال: أول ما نزل من آل عمران: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١). مبحث فى: آخر ما نزل من القرآن الكريم كما اختلف الرواة فى أول ما نزل اختلفوا كذلك فى آخر ما نزل. وهذه الاختلافات كلها سواء فى أول أو فى آخر ما نزل خلافات شكلية مردها إلى: (١) اختلاف الرواة بحسب اجتهاداتهم الشخصية. (٢) يحتمل أن كل راو منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبى ﷺ فى اليوم الذى مات فيه، أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو. (٣) ويحتمل أيضا أن تنزل هذه الآية التى هى آخر أية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك فيظن أنه آخر ما نزل فى الترتيب (٢). ولذلك نقل الزركشى فى «البرهان» عن القاضى أبى بكر فى الانتصار قال: «وهذه الأقوال ليس فى شىء منها ما رفع إلى النبى ﷺ ، ويجوز أن يكون قاله

стр. 170

قائله بضرب من الاجتهاد، وتغليب الظن، وليس العلم بذلك من فرائض الدين، حتى يلزم ما طعن به الطاعنون من عدم الضبط» (١). وقد نقل كل من الزركشى فى «البرهان» والسيوطى فى «الإتقان». بعض ما روى فى آخر ما نزل ننقله عنهما بعبارة «السيوطى» لأنه أكثر استقصاء: أخر آية فى سورة النساء يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. ١ - رواه الشيخان عن البراء بن عازب- رضى الله عنه. * آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا (٢). ١ - روى البخارى عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أنها آخر ما نزل. ٢ - روى البيهقى عن عمر- رضى الله عنه- مثله. ٣ - روى ابن مردوية عن أبى سعيد الخدرى، قال: خطبنا عمر، فقال: إن من آخر القرآن نزولا آية الربا (٣). * آية: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ (٤) الآية. ١ - أخرج النسائى من طريق عكرمة عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: آخر شىء نزل من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ. ٢ - وأخرج ابن مردوية من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس- رضى الله عنهما- بلفظ «آخر آية نزلت». ٣ - وهى آية رواية ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، ٤ - وقال الفريابى فى «تفسيره». من طريق ابن صالح عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: آخر آية نزلت وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ الآية. وكان بين نزولها وبين موت النبى ﷺ واحد وثمانون يوما.

стр. 171

٥ - وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير، قال: آخر ما نزل من القرآن كله وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ الآية. وعاش النبى ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. ٦ - وأخرج ابن جرير مثله عن ابن جريج. ٧ - وأخرج من طريق عطية عن أبى سعيد قال: كان آخر أية وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ. قال السيوطى معلقا على آية الربا، وآية الدين المتقدمتين: «ولا منافاة عندى بين هذه الروايات فى آية الربا وَاتَّقُوا يَوْماً وآية الدين، لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها فى المصحف، ولأنها قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح، وقول «البراء» آخر ما نزل (يستفتونك) أى فى شأن الفرائض. * آية: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (١). ١ - روى الحاكم فى «المستدرك» عن أبىّ بن كعب، قال: آخر آية نزلت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة. ٢ - روى عبد الله بن أحمد فى «زوائد المسند» وابن مردوية عن أبىّ بن كعب أنهم جمعوا القرآن فى خلافة أبى بكر، وكان رجال يكتبون، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة «براءة» ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٢). ظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم «أبىّ بن كعب» إن رسول الله ﷺ أقرأنى بعدها آيتين لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى قوله وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وقال هذا آخر ما نزل من القرآن.

стр. 172

قال: فحتم بما فتح به: بالله الذى لا إله إلا هو، وهو قوله وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (١). ٣ - وأخرج ابن مردوية عن أبىّ أيضا: آخر القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ. ٤ - أخرجه ابن الأنبارى بلفظ «أقرب القرآن بالسماء عهدا». ٥ - وأخرج أبو الشيخ فى «تفسيره عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: آخر آية نزلت لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ. * آية: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١ - أخرج مسلم عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: آخر سورة نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. * سورة المائدة: ١ - أخرج الترمذى، والحاكم عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: آخر سورة نزلت «المائدة» فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه. الحديث. * سورة «براءة» ١ - روى عثمان- رضى الله عنه- قال: براءة من آخر القرآن نزولا» (٢). قال البيهقى: «يجمع بين هذه الاختلافات- إن صحت- بأن كل واحد أجاب بما عنده. * آية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ ... (٣). ١ - أخرج ابن جرير عن معاوية أنه تلا هذه الآية، وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.

стр. 173

قال ابن كثير: هذا أثر مشكل، ولعله أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها، ولا تغير حكمها، بل هى محكمة. قلت: ومثله ما أخرجه البخارى وغيره عن ابن عباس- رضى الله عنهما. قال: آية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ (١) هى آخر ما نزل، وما نسخها شىء. * آية: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ (٢). قالت أم سلمة- رضى الله عنها-: هى آخر آية نزلت .. إلى آخرها. قال السيوطى معلقا: قلت وذلك أنها قالت: يا رسول الله أرى الله تعالى يذكر الرجال، ولا يذكر النساء فنزلت. ١ - وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ (٣). ٢ - ونزلت: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ (٤). ٣ - ونزلت هذه الآية، فهى آخر الثلاثة نزولا، أو آخر ما نزل بعد ما كان ينزل فى الرجال خاصة (٥). * آية فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ (٦). ١ - قال أنس- رضى الله عنه- إنها آخر ما نزل. * آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي (٧). قال السيوطى فى «الإتقان». هذا من المشكل، لأن الله أنزلها بعرفة عام حجة الوداع، وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها، وقد صرح بذلك جماعة منهم السدّى فقال: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام، مع أنه وارد فى آية الربا، والدين، والكلالة أنها نزلت بعد ذلك، وقد استشكل ذلك ابن جرير، وقال: الأولى

стр. 174

أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم بإفرادهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون لا يخالطهم المشركون، ثم أيده بما أخرجه من طريق ابن أبى طلحة عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا، فلما نزلت براءة نفى المشركون عن البيت، وحج المسلمون لا يشاركهم فى البيت الحرام أحد من المشركين، فكان ذلك من تمام النعمة: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي (١). ...

стр. 175

الباب الخامس علم معرفة المكى والمدنى

стр. 176

الباب الخامس علم معرفة المكى والمدنى لا شك أن الأمة الإسلامية معنية بأساس قيام حضارتها وهو «الوحى الإلهى». بصفة عامة سواء كان قرآنا أم سنة. ولما كان القرآن الكريم هو «الوحى الجلى». الذى لا مرية فيه ولا مراء، لذلك أخذ من جهود العلماء أقصى عناية فى الترتيب، والرسم، والقراءة، والتفسير حتى تعددت علومه، وكثرت فنونه، وكلها لكلام الله خادم. ومن جملة العلوم المهمة فى علوم القرآن الكريم علم معرفة «المكّى والمدنى» ولنشرع الآن فى إلقاء بعض الضوء على هذا العلم، لنتحدث فيه عن «ماهية هذا العلم، وفائدته، وطريق معرفته، وخصائص المكى والمدنى، وما قيل فى حصر ما هو مكى ومدنى، ونبذة عن كلام بعض المستشرقين. أولا: ماهية هذا العلم: بالاستقراء، وتتبع كتابات الباحثين قدامى أو محدثين يمكن تعريف هذا العلم بأحد طريقين: ١ - هو: العلم الذى يختص بآيات القرآن الكريم من حيث الترتيب الزمانى والمكانى، والشخصى، والموضوعى فى آن واحد. ٢ - هو: علم يختص بالترتيب الزمانى، والمكانى، والشخصى، والموضوعى لآيات القرآن الكريم. وقد كتب الباحثون قديما وحديثا: أ- فمن أهم مصادره الأساسية قديما: (١) كتب السنّة المشرفة التى لأصحابها سلسلة رواية فيها. (٢) كتب التفسير بالمأثور. ب- ومن أهم ما صنّف فى هذا العلم على سبيل الاستقلال، ومن صنّف فيه.

стр. 177

(٣) مكّى، ثم العزّ الدرينى، وإن كنا لا نعرف عن مكان مصنفاتهما شيئا. (٤) بدر الدين الزركشى: فى كتابه «البرهان فى علوم القرآن». (٥) جلال الدين السيوطى فى كتابه «الإتقان فى علوم القرآن». ج- ومن الكتب الحديثة: (٦) محمد عبد العظيم الزرقانى فى كتابه «مناهل العرفان فى علوم القرآن». (٧) صبحى الصالح فى كتابه: «مباحث فى علوم القرآن». (٨) منّاع القطان فى كتابه «مباحث فى علوم القرآن» وآخرون. مبحث فى: فائدة معرفة المكى والمدنى الأول: أنه من أشرف علوم القرآن، وعليه كان اهتمام الصحابة العلماء كعلىّ وابن مسعود، وابن عباس- رضى الله عنهم. أخرج البخارى عن ابن مسعود- رضى الله عنه- قال: «والله الذى لا إله غيره، ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟» الحديث، ومثله مروى أيضا عن [على] كرم الله وجهه. الثانى: أن معرفة المكى والمدنى رافد هام من روافد معرفة الناسخ والمنسوخ. يقول الزرقانى: «تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم فى موضوع واحد، وكان الحكم فى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفا للحكم فى غيرها، ثم عرف أن بعضها مكى وبعضها مدنى، فإننا نحكم بأن المدنى منها ناسخ للمكى نظرا إلى تأخر المدنى عن المكى» (١). للباحثين العاملين فى المجالات الآتية: أ- المفسرون لكتاب الله تعالى: فمن لم يكن على دراية تامة بهذا العلم لا يليق له أن يتصدى للتفسير.

стр. 178

ب- الفقهاء المجتهدون. ج- الأصوليون المستنبطون للقواعد العامة. الثالث: التعرف على طريقة عرض الدعوة الإسلامية على الناس فى مختلف مراحل نمو المجتمعات. ففي عرض الإسلام على مجتمع «ما» يبدأ الداعية فى التركيز على جانب العقيدة، وتصفية النفوس من الخضوع لغير الله تعالى .. وتكون مادته هى «المرحلة المكية بسورها وآياتها». ثم يبدأ فى المرحلة الثانية ببيان الأوامر، والنواهى، والحلال والحرام .. وتكون مادته هى المرحلة المدنية بسورها وآياتها. وللمستنبط أن يعمل فكره لاستخلاص فوائد أخرى كثيرة. مبحث فى: طرق معرفة المكى والمدنى اعلم أن طريق معرفة أىّ علم من علوم الإسلام إنما يعتمد على واحد من الاثنين الآتيين، أو هما معا: أ- إما على السماع: (أى الرواية والنقل) وهذا هو أصل علوم الحديث، وعلوم القرآن التى تفرعت عنهما سائر العلوم. ب- أو على القياس (أى الاستقراء العقلى) والنظر فى الأدلة، والاجتهاد فى استخراج كنوز المعرفة. وعلم المكى والمدنى واحد من العلوم التى تعتمد على هاتين الطريقتين. وقد ذكر العلماء فى معرفة المكى والمدنى أنه لم يرد فيه شىء عن النبىّ ﷺ والأجدر لطالب العلم أن ننقل عن الزركشى ما نقله هو عن «أبى بكر الباقلانى» عبارته المشهورة فى ذلك من كتاب «الانتصار» فيقول: «إنما هذا- أى طريق معرفة المكى والمدنى- يرجع لحفظ الصحابة وتابعيهم، كما أنه لا بدّ فى العادة من معرفة معظمى العالم والخطيب- وأهل الحرص على

стр. 179

حفظ كلامه، ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولا وآخرا. وحال القرآن فى ذلك أمثل، والحرص عليه أشد غير أنه لم يكن من النبى ﷺ فى ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا، وفصّله لهم. ولو كان كذلك منه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب فى بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ ليعرف الحكم الذى تضمنهما، فقد يعرف ذلك بغير نصّ الرسول بعينه، وقوله هذا هو الأول المكى، وهذا هو الآخر المدنى. وكذا الصحابة والتابعون من بعدهم لمّا لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكى والمدنى مما لا يسوغ الجهل به لم تتوفر الدواعى على إخبارهم به، ومواصلة ذكره على أسماعهم، وأخذهم بمعرفته، وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف فى بعض القرآن هل هو مكى أو مدنى، وأن يعملوا فى القول بذلك ضربا من الرأى والاجتهاد. وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكى والمدنى، ولم يجب على منّ دخل فى الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه: مكية أو مدنية. فيجوز أن يقف فى ذلك، أو يغلب على ظنه أحد الأمرين. وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته فى الناس ولزوم العلم به لهم، ووجود الارتفاع فيه» انتهى كلام الباقلانى (١). وإذا أنت- أيها القارئ- فهمت هذه العبارة خلصت إلى نتيجة وهى: لا يروعنك اختلاف الصحابة فى ترتيب السور كما حدث فى مواقف كلّ من أبىّ ابن كعب، وابن مسعود وغيرهما، إذ لم يكن خلافهما يؤدى إلى شىء من الانزعاج، ويبقى الأمر بعد ذلك على الاجتهاد والاستقراء العقلى، وهو ما جعل كثيرا من الباحثين يضعون القواعد والضوابط النظرية لتحديد المكى من المدنى، وسنذكرها فيما يلى:

стр. 180

أولا: الفرق بين المكى والمدنى يقول السيوطى فى «الإتقان»: «أعلم أن للناس فى المكى والمدنى اصطلاحات ثلاثة: أشهرها: أن المكى ما نزل قبل الهجرة، والمدنى ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة عام الفتح، أم عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار. أخرج عثمان بن سعد الرازى بسنده إلى يحيى بن سلام، قال: ما نزل بمكة، وما نزل فى طريق المدينة قبل أن يبلغ النبى ﷺ المدينة فهو من المكىّ. وما نزل على النبى ﷺ فى أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدنى وهذا أثر لطيف يؤخذ منه أن ما نزل فى سفر الهجرة «مكىّ» اصطلاحا. الثانى: أن المكىّ ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدنى ما نزل بالمدينة. وعلى هذا تثبت الواسطة، فما نزل بالأسفار لا يطلق عليه مكىّ ولا مدنى. وقد أخرج الطبرانى فى «الكبير». من طريق الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن ابن عامر عن أبى أمامة قال: قال رسول الله ﷺ . «أنزل القرآن فى ثلاثة أمكنة: مكة والمدينة، والشام» قال الوليد: (يعنى: بيت المقدس، وقال الشيخ عماد الدين بن كثير: بل تفسيره: بتبوك أحسن). قلت (أى السيوطى): ويدخل فى مكة ضواحيها كالمنزل بمنى، وعرفات، والحديبية، وفى المدينة: ضواحيها؛ كالمنزل ببدر، وأحد وسلع. الثالث: أن المكى ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدنى ما وقع خطابا لأهل المدينة» (١). ولذلك يحلو لبعض المعاصرين من الباحثين أن يقول: إن العلماء فى التفريق بين المكىّ، والمدنى نظروا إما إلى المخاطبين، وبعضهم نظر إلى المكان وبعضهم نظر إلى الزمان. يعنون بذلك اختلاف مصطلحهم فى تحديد المكى من المدنى.
следующие страницы →