الباب الخامس علم معرفة المكى والمدنى لا شك أن الأمة الإسلامية معنية بأساس قيام حضارتها وهو «الوحى الإلهى». بصفة عامة سواء كان قرآنا أم سنة.
ولما كان القرآن الكريم هو «الوحى الجلى». الذى لا مرية فيه ولا مراء، لذلك أخذ من جهود العلماء أقصى عناية فى الترتيب، والرسم، والقراءة، والتفسير حتى تعددت علومه، وكثرت فنونه، وكلها لكلام الله خادم.
ومن جملة العلوم المهمة فى علوم القرآن الكريم علم معرفة «المكّى والمدنى» ولنشرع الآن فى إلقاء بعض الضوء على هذا العلم، لنتحدث فيه عن «ماهية هذا العلم، وفائدته، وطريق معرفته، وخصائص المكى والمدنى، وما قيل فى حصر ما هو مكى ومدنى، ونبذة عن كلام بعض المستشرقين.
أولا: ماهية هذا العلم: بالاستقراء، وتتبع كتابات الباحثين قدامى أو محدثين يمكن تعريف هذا العلم بأحد طريقين:
١ - هو: العلم الذى يختص بآيات القرآن الكريم من حيث الترتيب الزمانى والمكانى، والشخصى، والموضوعى فى آن واحد.
٢ - هو: علم يختص بالترتيب الزمانى، والمكانى، والشخصى، والموضوعى لآيات القرآن الكريم.
وقد كتب الباحثون قديما وحديثا:
أ- فمن أهم مصادره الأساسية قديما:
(١) كتب السنّة المشرفة التى لأصحابها سلسلة رواية فيها.
(٢) كتب التفسير بالمأثور.
ب- ومن أهم ما صنّف فى هذا العلم على سبيل الاستقلال، ومن صنّف فيه.
стр. 177
(٣) مكّى، ثم العزّ الدرينى، وإن كنا لا نعرف عن مكان مصنفاتهما شيئا.
(٤) بدر الدين الزركشى: فى كتابه «البرهان فى علوم القرآن».
(٥) جلال الدين السيوطى فى كتابه «الإتقان فى علوم القرآن».
ج- ومن الكتب الحديثة:
(٦) محمد عبد العظيم الزرقانى فى كتابه «مناهل العرفان فى علوم القرآن».
(٧) صبحى الصالح فى كتابه: «مباحث فى علوم القرآن».
(٨) منّاع القطان فى كتابه «مباحث فى علوم القرآن» وآخرون.
مبحث فى: فائدة معرفة المكى والمدنى
الأول: أنه من أشرف علوم القرآن، وعليه كان اهتمام الصحابة العلماء كعلىّ وابن مسعود، وابن عباس- رضى الله عنهم.
أخرج البخارى عن ابن مسعود- رضى الله عنه- قال: «والله الذى لا إله غيره، ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟» الحديث، ومثله مروى أيضا عن [على] كرم الله وجهه.
الثانى: أن معرفة المكى والمدنى رافد هام من روافد معرفة الناسخ والمنسوخ.
يقول الزرقانى: «تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم فى موضوع واحد، وكان الحكم فى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفا للحكم فى غيرها، ثم عرف أن بعضها مكى وبعضها مدنى، فإننا نحكم بأن المدنى منها ناسخ للمكى نظرا إلى تأخر المدنى عن المكى» (١).
للباحثين العاملين فى المجالات الآتية:
أ- المفسرون لكتاب الله تعالى: فمن لم يكن على دراية تامة بهذا العلم لا يليق له أن يتصدى للتفسير.
стр. 178
ب- الفقهاء المجتهدون.
ج- الأصوليون المستنبطون للقواعد العامة.
الثالث: التعرف على طريقة عرض الدعوة الإسلامية على الناس فى مختلف مراحل نمو المجتمعات.
ففي عرض الإسلام على مجتمع «ما» يبدأ الداعية فى التركيز على جانب العقيدة، وتصفية النفوس من الخضوع لغير الله تعالى .. وتكون مادته هى «المرحلة المكية بسورها وآياتها». ثم يبدأ فى المرحلة الثانية ببيان الأوامر، والنواهى، والحلال والحرام .. وتكون مادته هى المرحلة المدنية بسورها وآياتها.
وللمستنبط أن يعمل فكره لاستخلاص فوائد أخرى كثيرة.
مبحث فى: طرق معرفة المكى والمدنى
اعلم أن طريق معرفة أىّ علم من علوم الإسلام إنما يعتمد على واحد من الاثنين الآتيين، أو هما معا:
أ- إما على السماع: (أى الرواية والنقل) وهذا هو أصل علوم الحديث، وعلوم القرآن التى تفرعت عنهما سائر العلوم.
ب- أو على القياس (أى الاستقراء العقلى) والنظر فى الأدلة، والاجتهاد فى استخراج كنوز المعرفة.
وعلم المكى والمدنى واحد من العلوم التى تعتمد على هاتين الطريقتين.
وقد ذكر العلماء فى معرفة المكى والمدنى أنه لم يرد فيه شىء عن النبىّ ﷺ والأجدر لطالب العلم أن ننقل عن الزركشى ما نقله هو عن «أبى بكر الباقلانى» عبارته المشهورة فى ذلك من كتاب «الانتصار» فيقول:
«إنما هذا- أى طريق معرفة المكى والمدنى- يرجع لحفظ الصحابة وتابعيهم، كما أنه لا بدّ فى العادة من معرفة معظمى العالم والخطيب- وأهل الحرص على
стр. 179
حفظ كلامه، ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولا وآخرا.
وحال القرآن فى ذلك أمثل، والحرص عليه أشد غير أنه لم يكن من النبى ﷺ فى ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا، وفصّله لهم. ولو كان كذلك منه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب فى بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ ليعرف الحكم الذى تضمنهما، فقد يعرف ذلك بغير نصّ الرسول بعينه، وقوله هذا هو الأول المكى، وهذا هو الآخر المدنى. وكذا الصحابة والتابعون من بعدهم لمّا لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكى والمدنى مما لا يسوغ الجهل به لم تتوفر الدواعى على إخبارهم به، ومواصلة ذكره على أسماعهم، وأخذهم بمعرفته، وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف فى بعض القرآن هل هو مكى أو مدنى، وأن يعملوا فى القول بذلك ضربا من الرأى والاجتهاد. وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكى والمدنى، ولم يجب على منّ دخل فى الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه: مكية أو مدنية.
فيجوز أن يقف فى ذلك، أو يغلب على ظنه أحد الأمرين.
وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته فى الناس ولزوم العلم به لهم، ووجود الارتفاع فيه» انتهى كلام الباقلانى (١).
وإذا أنت- أيها القارئ- فهمت هذه العبارة خلصت إلى نتيجة وهى:
لا يروعنك اختلاف الصحابة فى ترتيب السور كما حدث فى مواقف كلّ من أبىّ ابن كعب، وابن مسعود وغيرهما، إذ لم يكن خلافهما يؤدى إلى شىء من الانزعاج، ويبقى الأمر بعد ذلك على الاجتهاد والاستقراء العقلى، وهو ما جعل كثيرا من الباحثين يضعون القواعد والضوابط النظرية لتحديد المكى من المدنى، وسنذكرها فيما يلى:
стр. 180
أولا: الفرق بين المكى والمدنى
يقول السيوطى فى «الإتقان»:
«أعلم أن للناس فى المكى والمدنى اصطلاحات ثلاثة:
أشهرها: أن المكى ما نزل قبل الهجرة، والمدنى ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة عام الفتح، أم عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار.
أخرج عثمان بن سعد الرازى بسنده إلى يحيى بن سلام، قال: ما نزل بمكة، وما نزل فى طريق المدينة قبل أن يبلغ النبى ﷺ المدينة فهو من المكىّ.
وما نزل على النبى ﷺ فى أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدنى وهذا أثر لطيف يؤخذ منه أن ما نزل فى سفر الهجرة «مكىّ» اصطلاحا.
الثانى: أن المكىّ ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدنى ما نزل بالمدينة.
وعلى هذا تثبت الواسطة، فما نزل بالأسفار لا يطلق عليه مكىّ ولا مدنى.
وقد أخرج الطبرانى فى «الكبير». من طريق الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان عن ابن عامر عن أبى أمامة قال: قال رسول الله ﷺ .
«أنزل القرآن فى ثلاثة أمكنة: مكة والمدينة، والشام» قال الوليد: (يعنى: بيت المقدس، وقال الشيخ عماد الدين بن كثير: بل تفسيره: بتبوك أحسن).
قلت (أى السيوطى): ويدخل فى مكة ضواحيها كالمنزل بمنى، وعرفات، والحديبية، وفى المدينة: ضواحيها؛ كالمنزل ببدر، وأحد وسلع.
الثالث: أن المكى ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدنى ما وقع خطابا لأهل المدينة» (١).
ولذلك يحلو لبعض المعاصرين من الباحثين أن يقول: إن العلماء فى التفريق بين المكىّ، والمدنى نظروا إما إلى المخاطبين، وبعضهم نظر إلى المكان وبعضهم نظر إلى الزمان. يعنون بذلك اختلاف مصطلحهم فى تحديد المكى من المدنى.
стр. 181
ولذلك لاحظوا بدقة بعض الضوابط والخصائص نذكرها فيما يأتى:
ثانيا: ضوابط ومميزات المكىّ والمدنى
استنبط العلماء ضوابط ومميزات اجتهادية لكل من المكىّ والمدنى على النحو التالى:
أ- المكىّ: ضوابطه ومميزاته:
* كل سورة مفتتحة بحروف التهجى (وتسمى حروف التحدى) فهى مكية.
* كل سورة فيها لفظ (كلّا) فهى مكية، وهى مذكورة فى خمس عشرة سورة فى النصف الأخير من القرآن ثلاثا وثلاثين مرة.
* كل سورة فيها قصة آدم وإبليس، فهى مكية.
* كل سورة فيها قصص الأنبياء والقرون الماضية فهى مكية.
* كل سورة فيها آية سجدة فهى مكية.
* كل سورة فيها (يا أيها الناس) دون ذكر (يا أيها الذين آمنوا) فهى مكية هذا مع أن المكى لوحظ بتمعن النظر فيه أنه:
١ - أسلوبه: يعتمد على: إيجاز العبارة، وقصر الفاصلة، وجزالة اللفظ، وقوة الجرس الذى يدق القلوب.
٢ - موضوعه: يعالج قضية الإيمان من وحدانية، وبعث، وحساب، وجنة ونار، وإثبات الرسالة، وسوق الأدلة والبراهين، وضرب المثل.
فهذه المرحلة المكية- إذا- راعت ظروف: ضعف الإسلام، وقلة عدد المسلمين، فتوجهت إلى الصفح والمهادنة بغرض الوصول إلى تثبيت العقيدة، وقطع دابر الشرك فتركز اهتمام هذه المرحلة على إصلاح الجبهة الداخلية.
تنبيه هام:
ينبغى أن يعرف طالب العلم أن هذه الضوابط والمميزات ليست قطعية. وإنما
стр. 182
هى مجرد اجتهادات نظرية، وكل واحد منها «منقوض» بمثال أو أكثر، مما يدل على أن الحكم فيها ليس على الجميع، وإنما على المجموع. وانظر إلى ما يلى:
* ضابط حروف التهجى، وقع منه فى «المدنى» سورتى البقرة وآل عمران.
* ضابط آدم وإبليس فى «البقرة» وهى مدنية لا مكية.
* ضابط «يا أيها الناس» فى «النساء» وهى مدنية لا مكية وقس على ذلك.
ب- المدنى: ضوابطه ومميزاته:
* كل سورة ذكر فيها النفاق والمنافقين فهى مدنية، لأنه لم يكن بمكة نفاق أصلا، وإنما إيمان مطلق، أو كفر بواح.
* كل سورة فيها حدّ، أو أمر بفريضة فهى مدنية.
* كل سورة ذكر فيها «أمر بالجهاد والقتال» فهى مدنية.
* كل سورة فيها جدال مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهى مدنية.
* كل سورة فيها خطاب للمؤمنين غالبا.
هذا أيضا مع أنّ المدنى لوحظ بإمعان النظر والتدبر فى قراءته أن له مميزات فى:
أ- أسلوبه: يعتمد على طول العبارة، وسلاسة الجرس، ومخاطبة العقل، كما أنها ذات مقاطع طويلة.
ب- موضوعه:
١ - دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالإسلام، وتبكيت إخفائهم ما أنزل الله فى كتبهم بشأن دعوة محمد ﷺ وشخصه.
٢ - كشف حقائق النفاق والمنافقين، وتحليل ما فى داخل نفوسهم، والتحذير من خطرهم.
٣ - فرض الأحكام الشرعية: وإعلان المبادئ التى يقوم عليها الدين الجديد من عبادات، ومعاملات، وأحوال شخصية، وعلاقات دولية سلّما أو حربا، أو عهودا ومواثيق.
стр. 183
فهذه المرحلة المدنية- إذا- راعت ظروف الدعوة الإسلامية فى ناحيتين هامتين:
الأولى: إعداد الجبهة الداخلية ليشتمل هذا الإعداد كافة الأنظمة التى تقوم عليها المجتمعات المنظّمة، من تشريعات قانونية، وأنظمة اجتماعية أسرية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو حربية.
واقتلاع جذور النفاق، واستئصال شأفة المنافقين باعتبارهم فئة معوقة ومثبطة لهمة الدعوة.
الثانية: الإعداد للعمل الخارجى: وغايته تحرير الإنسان فى كل مكان من ربقة الكفر والشرك إلى نور الإيمان بالله والعبودية له وحده، وشمل فى ذلك:
أ- الدعوة بالرفق واللين بواسطة البعوث وإرسال الكتب.
ب- تجهيز الجيوش وإعداد الجند، وترتيب الأجناد.
وما سبق أن ذكرناه فى «تنبيه الطالب». حول خصائص ومميزات المكى نعود لنذكره به أيضا هنا. وهو أن هذه الضوابط والمميزات إنما هى أمور استقرائية تختلف فى كل مسألة، فالحكم فيها على «المجموع». لا على الجميع.
مبحث فى: حصر المكى والمدنى وكلها (مائة وأربع عشرة سورة)
أسهب كل من الزركشى والسيوطى فى حصر وتحديد المكى والمدنى وتوابعهما، وسأذكر لك ذلك إجمالا، وأحيلك على هذين الكتابين إن أحببت الإسهاب وزيادة المعلومة (١).
стр. 184
(١) السور المدنية: أصح ما قيل فيها أنها عشرون سورة:
(١) البقرة.
(٢) آل عمران.
(٣) النساء.
(٤) المائدة.
(٥) الأنفال.
(٦) التوبة.
(٧) النور.
(٨) الأحزاب.
(٩) محمد.
(١٠) الفتح.
(١١) الحجرات.
(١٢) الحديد.
(١٣) المجادلة.
(١٤) الحشر.
(١٥) الممتحنة.
(١٦) الجمعة.
(١٧) المنافقون.
(١٨) الطلاق.
(١٩) التحريم.
(٢٠) النصر.
(٢) السّور المختلف فيها: اثنتا عشرة سورة هى:
(١) الفاتحة.
(٢) الرعد.
(٣) الرحمن.
(٤) الصف.
(٥) التغابن.
(٦) المطففين.
(٧) القدر.
(٨) البينة.
(٩) الزلزلة.
(١٠) الإخلاص.
(١١) الفلق.
(١٢) النّاس.
(٣) السّور المكية: ثنتان وثمانون سورة، وهى باقى سور القرآن الكريم على حسب ترتيب مصحف عثمان الذى بين أيدينا.
(٤) الآيات المكية فى السّور المدنية (١).
١ - الأنفال: ٣٣ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ الآية.
٢ - التوبة: ١٢٨ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة.
٣ - الرعد: ٣١ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً إلى هنا.
стр. 185
٤ - الحج: أربع آيات ٥٢ - ٥٥ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى إلى قوله تعالى أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ.
(٥) الآيات المدنية فى السّور المكية:
١ - الأنعام: كلها مكية ما عدا ست آيات هى:
* آية ٩١ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى آخر الآية نزلت فى مالك بن الصيف (١).
* آية ٩٢ - ٩٣ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ (٢). نزلت فى مسيلمة الكذاب، وعبد الله بن أبى سرح أخى عثمان من الرضاعة،
الأول فيه (أو قال أوحى إلىّ) والثانى فيه (سأنزل مثل ما أنزل الله).
* الآيات من ١٥١ - ١٥٣ قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ إلى آخر السورة.
٢ - الأعراف: مكية إلا تسع آيات مدنية ١٦٣ - ١٧١ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إلى قوله تعالى: وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
٣ - إبراهيم: مكية غير آيتين نزلتا فى قتلى بدر أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً. ٢٨، ٢٩.
٤ - النحل: مكية ما عدا الآيات من ٤١ إلى آخر السورة فمدنية وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ٨٨ آية.
٥ - الإسراء: مكية ما عدا الآية ٧٣ وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعنى ثقيفا فقد نزلت فى وفدهم.
стр. 186
٦ - الكهف: مكية: غير الآية ٢٨ فمدنية وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ نزلت فى سلمان الفارسى.
٧ - القصص: مكية غير الآية ٥٢ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكتاب- يعنى الإنجيل- مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ- يعنى القرآن، نزلت فى أربعين رجلا من أهل الكتاب قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبى طالب فأسلموا.
٨ - الزمر مكية، غير الآية ٥٣ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.
٩ - سور الحواميم كلها مكية غير الآية ١٠ فى سورة الأحقاف، فمدنية قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ نزلت فى عبد الله بن سلام.
١٠ - الماعون: مكية إلا أربع آيات ٤ - ٧ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ إلى آخر السورة فمدنى.
(٦) ما نزل بمكة وحكمه مدنى:
١ - منها: قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا (١) نزلت بعد الهجرة فى مكة يوم فتحها.
٢ - ومنها فى المائدة: الآية ٣ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ إلى قوله تعالى الْخاسِرِينَ فى الآية ٥ نزلت يوم الجمعة، والناس وقوف بعرفات فبركت ناقة النبى ﷺ من هيبة القرآن، وهى مدنية لنزولها بعد الهجرة.
(٧) ما نزل بالمدينة وحكمه مكىّ:
١ - الممتحنة كلها، وهى فى حاطب بن أبى بلتعة.
٢ - النحل: الآيات ٤١ إلى آخر السورة وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
стр. 187
كلها مدنية والخطاب لأهل مكة.
٣ - سورة الرعد: مدنية، وخطابها موجه إلى أهل مكة.
٤ - سورة التوبة من أولها إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ الخطاب لمشركى مكة، وهى مدنية.
(٨) ما يشبه تنزيل المدنية فى السور المكية:
١ - النجم: الآية ٣٢ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ يعنى كل ذنب عاقرته، (الفواحش) يعنى كل ذنب فيه حد (إلّا اللّمم). وهو بين الحدين من الذنوب.
***
стр. 188
الباب السادس علم معرفة الناسخ والمنسوخ
стр. 189
الباب السادس علم الناسخ والمنسوخ علم الناسخ والمنسوخ هو أيضا من العلوم الجليلة التى وضعت لخدمة الفقه والأصول فيما يتعلق بترتيب الأحكام، ورفع تعارض أحكامها.
وقد اهتم بالكلام فى هذا العلم والتصنيف فيه جماعة من السلف والخلف على السواء.
وقد ذكر بدر الدين الزركشى فى «البرهان». أسماء طائفة من العلماء ممن أفرد هذا العلم بالتصنيف منهم.
قتادة بن دعامة السدوسى، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو داود السجستانى صاحب السنن، وأبو جعفر النحاس، وابن العربى، وابن الجوزى، وابن الأنبارى وغيره (١).
تمهيد: تعريف النسخ:
النسخ لغة: يطلق على معان منها:
١ - الإزالة: تقول: نسخت الشمس الظّل، أى أزالته. ومنه قوله تعالى فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ (٢).
٢ - التبديل: ومنه قوله تعالى وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ (٣).
٣ - التحويل: ومنه «تناسخ المواريث». يعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد.
стр. 190
٤ - النقل: من موضع إلى موضع، ومنه «نسخت الكتاب» إذا نقلت ما فيه حاكيا لخطّه ولفظه.
نقل الزركشى عن «مكّى». وهذا الوجه لا يصح أن يكون فى القرآن، وأنكر على «النحاس» إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتى بلفظ المنسوخ، وإنما يأتى بلفظ آخر.
وانتصر الإمام أبو عبد الله محمد بن بركات السعدى لما قاله النحاس بشهادة الآية الكريمة إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١).
النسخ اصطلاحا: يعرف النسخ فى اصطلاح العلماء بأنه:
«رفع حكم شرعى، بخطاب شرعى، متراخ فى النزول، وصالح للنسخ» ويستفاد من التعريف ما يأتى:
١ - أن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، فإن لم يكن كذلك كعادات الجاهلية مثلا فلا نسخ.
٢ - أن يكون الدليل على الناسخ خطابا شرعيا، فلا يكون قاعدة وضعية مثلا.
٣ - أن يكون الدليل الناسخ متراخيا فى الزمن عن الخطاب المنسوخ.
٤ - ألا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت معين، فإن كان كذلك لم يكن نسخا، بل تأجيلا لأجل كقوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (٢).
стр. 191
٥ - أن يكون بين هذين الدليلين تعارض حقيقى لا سبيل إلى الجمع بينهما بأى وجه من الوجوه.
مبحث فى: ما يقع فيه النسخ، وأهميته، وطرق معرفته
حكى الزركشى قول الجمهور: على أنه لا يقع النسخ إلا فى: الأمر، والنهى (١).
وزاد بعضهم: الأخبار، وأطلق ذلك فى كل الأخبار، وقيدها الآخرون بالتى يراد بها الأمر والنهى.
فلا يقع فى الاعتقادات التى تتعلق بذات الله تعالى، وصفاته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، أو الآداب الخلقية، أو أصول العبادات والمعاملات (٢).
أهمية النسخ
يقدم علم النسخ خدمات جليلة لكل من: المفسرين، والفقهاء والأصوليين حتى لا تختلط الأحكام يتبلبل الناس.
ولقد عرف سلفنا الصالح- رضى الله عنهم- أهمية هذا العلم خاصة فى مسائل الفتيا والقضاء «فقد نقل عن علىّ- كرم الله وجهه- أنه مرّ على قاض فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال: هلكت وأهلكت» (٣).
طرق معرفة النسخ
(١) يعرف الناسخ والمنسوخ بالنقل الصريح عن النبى ﷺ ، أو عن صحابى يقول آية كذا نسخت آية كذا. هكذا نقله السيوطى عن ابن الحصّار.
(٢) أو بإجماع الأمة.
стр. 192
(٣) أو بمعرفة المتقدم والمتأخر.
قال السيوطى:
ولا يعتمد فى النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بينة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر فى عهده ﷺ .
مبحث فى: أقسام النسخ
نظر الباحثون فى علوم القرآن فوجدوا أن النسخ لا يخلو عن أربع حالات هى:
الأول: نسخ القرآن بالقرآن: وهذا القسم متفق على جوازه ووقوعه عند من يقول بالنسخ ومثاله، قوله تعالى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ (١)، منسوخة بآية أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً (٢).
الثانى: نسخ القرآن بالسنة: وهى نوعان:
(أ) نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وقد أجازه الجمهور على أنهما وحى صريح.
(ب) نسخ القرآن بالسنة الآحادية، ومنعه الجمهور لأن القرآن متواتر، والآحاد ظنى فلا نسخ.
الثالث: نسخ السنة بالقرآن: وأجازه الجمهور وقالوا: كالتوجه إلى بيت
стр. 193
المقدس فقد كان التوجه إلى بيت المقدس ثابتا بالسنّة، ونسخ بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (١).
الرابع: نسخ السنة بالسنة: وهو على أربعة أنواع:
١ - نسخ متواترة بمتواترة، وهذه جائزة.
٢ - نسخ آحاد بآحاد، وهذه جائزة.
٣ - نسخ آحاد بمتواترة، وهذه جائزة.
٤ - نسخ متواترة بآحاد، وفيها الخلاف بين العلماء على نفس الخلاف الذى بينهم فى نسخ القرآن بالسنة الآحادية، والجمهور على عدم جوازهما.
مبحث فى: أوجه النسخ فى القرآن، والحكمة من وقوعه، والتعرف على بعض مصطلحاته
هو على ثلاثة أوجه ننقلها عن الزركشى فيما يأتى:
الأول: ما نسخ تلاوته، وبقى حكمه، فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول.
ومثاله: ما روى عن عائشة، وأبىّ بن كعب رضى الله عنهما:
«كان مما يتلى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله».
قال عمر رضى الله عنه: «لولا أن يقول الناس: زاد عمر فى كتاب الله، لكتبتها بيدىّ» رواه البخارى فى صحيحه معلقا (٢).
وقد يقال: ما الحكمة فى رفع التلاوة وبقاء الحكم؟ وهلّا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟
стр. 194
والجواب: إنما كان ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة فى المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير طلب أو إلحاح لطريق مقطوع به، فيسرعون إلى الاستجابة بأيسر شىء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحى (١).
وبعض أهل العلم ينكر هذا النوع من النسخ، لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد.
وقد يقال: كيف يقع النسخ إلى غير بدل، والله تعالى يقول ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها. وهذا وجه ليس له بدل من مثله؟
ويجاب عن ذلك: بأن كل ما ثبت الآن فى القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته، وكل ما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن، فقد أبدله بما علمناه، وتواتر إلينا لفظه ومعناه (٢).
الثانى: نسخ الحكم وبقاء التلاوة:
ومثاله: نسخ حكم آية العدة بالحول مع بقاء تلاوة الناسخ والمنسوخ وهذا النوع هو الذى ألفت فيه الكتب، وذكر المؤلفون فيه الآيات المتعددة، وإن حقق العلماء أنها معدودة، بل ومحصورة فى زهاء عشرين آية.
وقد يقال: ما الحكمة فى رفع الحكم وبقاء التلاوة؟
والجواب من وجهين: أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فإنه يتلى كذلك لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت تلاوته لذلك.
стр. 195
وثانيهما: بقاء المنسوخ تذكيرا بالنعمة فى رفع المشقة (١).
الثالث: نسخ التلاوة والحكم معا.
ومثاله: ما رواه مسلم وغيره من أصحاب السنن عن عائشة رضى الله عنها.
قالت: «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات». فتوفى رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن» (٢).
فإن قيل: ظاهر «وهن مما يقرأ من القرآن» بقاء التلاوة، وليس كذلك فإنه غير موجود فى مصحف عثمان.
والجواب: أن التلاوة نسخت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة الرسول ﷺ ، فتوفى وبعض الناس يقرؤها.
وقد أنكر بعض العلماء هذا القسم لأن الأخبار فيه أيضا أخبار آحاد لا يحتج بها على النسخ.
وأجيب عن ذلك: بأن ثبوت النسخ شىء، وثبوت نزول القرآن شىء آخر.
فثبوت النسخ يكفى فيه الدليل الظنى بخبر الآحاد، أما ثبوت نزول القرآن فهو الذى يشترط فيه الدليل القطعى (٣).
مطلب فى: الحكمة من وقوع النسخ:
ذكر الشيخ مناع القطان خلاصة الحكمة فى وقوع النسخ فى ما يأتى:
стр. 196
(١) مراعاة مصالح العباد.
(٢) تطور التشريع بتطور أحوال المكلفين.
(٣) ابتلاء المكلفين واختبار مدى قدراتهم على الامتثال من عدمه.
(٤) إرادة الخير للأمة والتيسير عليها لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة ثواب، وإن كان إلى أخف ففيه السهولة واليسر (١).
مطلب فى: التفريق بين بعض المصطلحات:
التبس على بعض علماء الأمة- أو غيرهم- بعض المصطلحات التى تشكك فى النسخ فأنكروا وقوعه إما جملة وتفصيلا، أو بالإيهام بهذه المصطلحات.
ولعل أهم هذه المصطلحات التى التبست بالنسخ مصطلحان هما:
(١) البداء. (٢) التخصيص.
وسنفرق بين كل مصطلح منهما وبين النسخ.
(١) البداء والنّسخ:
معنى البداء: للبداء معنيان:
الأول: الظهور بعد الخفاء، ومنه قوله تعالى: بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ.
الثانى: نشأة رأى جديد لم يكن موجودا من قبل، ومنه قوله تعالى فى شأن عزيز مصر مع يوسف ﵇ ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ.
стр. 197
والتداخل الذى التبس على بعض الناس هنا، أن النسخ لا يجوز لأنه يؤدى إلى البداء وهو أن يكون ثمة حكم ظهر لله تعالى بعد أن كان خافيا عليه، أو أنه أنشأ حكما جديدا كان يجهله- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
والنسخ ليس كما ظن هؤلاء- وإنما هذا زعم اليهود ابتداء- إنما النسخ والمنسوخ أصلا فى علم الله ابتداء ظاهرة لديه لم يخف عليه منهما شىء، غاية ما هناك بالنسبة للمكلفين أن الله أظهر ما علمه لعباده- وهو عليم به- لا ظهور ذلك له، لحكمة يعلمها وهو أن الحكم المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهى فى وقت معلوم، كما علم- جل شأنه- أن الناسخ يجئ فى هذا الوقت المعلوم منوطا بحكمة ومصلحة معينة أخرى لتدرج أحوال المكلفين من الضعف إلى القوة، ومن السقم إلى الصحة.
(٢) النسخ والتخصيص:
معنى التخصيص: هو أن تقصر الحكم على بعض الأفراد دون الجميع، أو هو:
قصر العام على بعض أفراده.
والتداخل هنا أن الذين توهموا أن النسخ يؤدى إلى البداء- بزعمهم- اخترعوا القول بالتخصيص للتخلص بدلا من القول بالنسخ، أى أن ما وقع فى القرآن من الآيات الناسخة إنما هى مخصصة للعموم فى ما ظنّ أنه منسوخ.
وهذا خلط تماما بين النسخ والتخصيص، والتخصيص أبدا لا يقوم مقام النسخ ولا يسد مسده لاعتبارات أهمها:
أولا: أن النسخ يجئ لإبطال حجية المنسوخ إمّا لجميع أفراده فيكون مبطلا للعام، أو مبطلا لبعض أفراده حسب الحكم الذى جاء به الناسخ.
стр. 198
أما التخصص فلا يبطل حجية العام (أى المنسوخ) أبدا، بل تظل حجية العام قائمة والمخصّص إنما هو بعض الأفراد فقط.
ثانيا: أن النسخ لا يقع إلا بالكتاب أو السنّة، والتخصيص يمكن أن يقع بالعقل والحسّ.
ثالثا: أن النسخ لا يكون إلا فى الأوامر والنواهى، بينما التخصيص يكون فى الأخبار.
رابعا: أن العام الذى يراد تخصيصه يشمل حكمه جميع الأفراد، وإخراج البعض منهم يكون على سبيل المجاز الذى لا بدّ له من قرينة لتخصيصه بينما النسخ على سبيل الحقيقة القاطعة.
من أجل هذا التوهم والالتباس وقع خلاف العلماء فى موضوع النسخ على أربعة آراء:
أصحاب الرأى الأول: ينكرون تماما النسخ فى الشرائع، ويعتبرون أنه «بداءة» أى ظهور مسألة عند الله كانت خافية عليه، وهو يؤدى إلى وقوع الجهالة على الله تعالى.
وهذه المسألة رغم أنها لبعض علماء المسلمين لكنها فى الأصل فكرة يهودية شاعت بين علمائهم وأحبارهم بغرض إثبات عدم إمكانية نسخ «التوراة» بعد نزولها. مع أنهم يقرون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها كتحريم كثير من الحيوان على بنى إسرائيل بعد حلّه، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم فى قوله تعالى:
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ (١).
стр. 199
أصحاب الرأى الثانى: يثبتون النسخ على أنه وإن كان «بداء» فالبداء عندهم جائز على الله تعالى. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهم الروافض، وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ (١)، على أساس أن الآية تظهر لله المحو والإثبات، وهذا تحريف للمعنى الموجود فى الآية: إذ المعنى البين من الآية هو: ينسخ الله ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما يرى فيه المصلحة فى إثباته: وهذا المعنى ثابت فى حالات كثيرة من القرآن كقوله تعالى:
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ (٢). ومحو الكفر والمعاصى بالتوبة.
أصحاب الرأى الثالث: يجيزون النسخ عقلا، ويمنعون وقوعه شرعا.
وهذا رأى أبى مسلم الأصفهانى: محمد بن بحر المعتزلى المتوفى سنة ٣٢٢ هـ، وهو أول من قال بفكرة التخصيص بدلا من النسخ، واحتج بقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٣).
ووجه استدلاله بها أنه جعلها على معنى أن أحكامه لا تبطل أبدا، مع أن المفهوم من الآية أن القرآن لم يتقدمه ما يبطله من الكتب، ولن يجئ بعده ما يبطله.
أصحاب الرأى الرابع: قالوا بجواز النسخ عقلا، ووقوعه شرعا.
أما الشرع: أ- فقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤).
ب- ما ورد فى الصحيح عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن عمر-
стр. 200
رضى الله عنه قال: «أقرؤنا أبىّ، وأقضانا علىّ، وإنا لندع من قول أبىّ. وذاك أن أبيّا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله ﷺ ، وقد قال الله ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها.
وأما العقل: فلأن أفعال الله تعالى لا تعلل بالأغراض، فله أن يأمر بالشيء فى وقت، وينسخه بالنهى عنه فى وقت لمصلحة تقتضيها مشيئته تعالى.
وهذا رأى جمهور علماء المسلمين، وهو المعتد به.
مبحث فى: قضية النسخ بين الإغراق والغلو
ويتبين من هذه الآراء الأربعة أن قضية النسخ أخذت هذه الأبعاد الأربعة فى الفكر الإسلامى، وبعضها دخيل عليه، وهى تتركز كلها ما بين مغال فى إنكار النسخ، وما بين مفرط فيه إلى حدّ الإغراق حتى عدوا جميع السور ناسخة ومنسوخة ما عدا ثلاثا وأربعين سورة فقط ليس فيها ناسخ ولا منسوخ (١).
والتحقيق هو وقوع النسخ فى بعض الآيات فقط، فالنسخ موجود ولكنه محصور فى آيات معينة ننقلها عن السيوطى بإجمالها وهى:
(١) من سورة البقرة:
١ - كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ (٢) منسوخة: قيل بآية الميراث، وقيل بحديث (لا وصية لوارث) (٣)، وقيل: بالإجماع.
стр. 201
٢ - وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ (١)، قيل: منسوخة بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (٢)، وقيل: محكمة، و (لا) مقدرة: أى (لا يطيقونه).
٣ - كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٣) منسوخة بقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ (٤) لأن مقتضاها الموافقة فيما كانوا عليه من تحريم الأكل والوطء بعد النوم. وقيل نسخ لما كان بالسّنة.
٤ - يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ (٥) منسوخة بقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً (٦) أخرجه ابن جرير عن عطاء.
٥ - وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ (٧) منسوخة بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً (٨) والوصية فى الآية منسوخة بآية الميراث (٩).
٦ - إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ (١٠) منسوخة بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (١١).
(٢) من سورة آل عمران:
٧ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ (١٢) قيل منسوخ بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (١٣)، وقيل: محكمة.
стр. 202
قال السيوطى: وليس فيها آية يصح فيها دعوى النسخ غير هذه (أى فى آل عمران)
(٣) ومن النساء:
٨ - وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ (١) منسوخة بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (٢).
٩ - وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ (٣)، قيل: منسوخة، وقيل: محكمة ولكن الناس تهاونوا فى العمل بها.
١٠ - وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً (٤).
منسوخة بقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ (٥).
(٤) ومن المائدة:
١١ - وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ (٦) منسوخة بإباحة القتال فيه.
١٢ - فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (٧)، منسوخة بقوله:
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ (٨).
١٣ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ (٩)، منسوخة بقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (١٠).
стр. 203
(٥) ومن الأنفال:
١٤ - إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ (١). منسوخة بقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ (٢).
(٦) ومن التوبة:
١٥ - انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا (٣)، منسوخة بآيات العذر، وهى:-
* لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ (٤).
* وقوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى (٥).
* وقوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً (٦).
(٧) ومن النور:
١٦ - الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً (٧)، منسوخة بقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ (٨).
١٧ - لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (٩). قيل: منسوخة: وقيل محكمة ولكن الناس تهاونوا فى العمل بها.
(٨) ومن الأحزاب:
١٨ - لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ (١٠)، منسوخة بقوله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ (١١).
стр. 204
(٩) ومن المجادلة:
١٩ - إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ (١)، منسوخة بما بعدها أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ (٢).
(١٠) ومن الممتحنة:
٢٠ - فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا (٣)، قيل: منسوخة بآية السيف، وقيل: بآية الغنيمة، وقيل: محكمة.
(١١) ومن المزمل:
٢١ - قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٤)، قيل: منسوخ بآخر السورة، ثم نسخ الآخر بالصلوات الخمس.
قال السيوطى: «فهذه إحدى وعشرون آية منسوخة- على خلاف فى بعضها- لا يصح دعوى النسخ فى غيرها».
والأصح فى آية: الاستئذان، والقسمة: الإحكام، فصارت تسعة عشر، ويضم إليها قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (٥)، منسوخة بقوله:
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. (٦) على رأى ابن عباس رضى الله عنهما فتمت عشرون.
стр. 205
وقد نظمتها فى أبيات فقلت:
قد أكثر الناس فى المنسوخ من عدد ... وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر
وهاك تحرير آى لا مزيد لها ... عشرين حررها الحذاق والكبر
آى التوجه حيث المرء كان وأن ... يوصى لأهليه عند الموت محتضر
وحرمت الأكل بعد النوم من رفث ... وفدية لمطيق الصوم مشتهر
وحق تقواه فيما صح من أثر ... وفى الحرام قتال للأولى كفروا
والاعتداد بحول مع وصيتها ... وأن يدان حديث النفس والفكر
والحلف والحبس للزانى وترك أولى ... كفروا شهادتهم والصبر والنفر
ومنع عقد لزان أو لزانية ... وما على المصطفى فى العقد محتظر
ودفع مهر لمن جاءت وآية نج ... واه كذاك قيام الليل مستطر
وزيد آية الاستئذان من ملكت ... وآية القسمة الفضلى لمن حضروا
مبحث فى: النسخ إلى بدل وإلى غير بدل
وقد نظر العلماء فى هذه الآيات العشرين فوجدوها لا تخرج عن أن يكون النسخ فيها على وجهين: (٢) أو نسخ بغير بدل.
وهو ثلاثة أنواع:
أ- نسخ ببدل مماثل ومثاله: نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة.
ب- نسخ ببدل إلى أخف من المنسوخ، ومثاله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ وقد كان محرما عليهم ذلك إذا صلوا العشاء،
стр. 206
وناموا إلى اليوم التالى.
ج- نسخ ببدل أثقل من المنسوخ، ومثاله: نسخ الحبس فى البيوت بالجلد ثمانين جلدة، أو الرجم حتى الموت فى حال الإحصان.
(٢) وأما النسخ بغير بدل: فمثاله: نسخ الصدقة بين يدى نجوى رسول الله ﷺ . وأنكر ذلك بعض المعتزلة، والظاهرية.
كما نظر إلى هذه الآيات أيضا بتقسيم آخر فقالوا:
* فرض نسخ فرضا، ولا يجوز العمل بالأول، ومثاله: نسخ الحبس للزوانى بالحد.
* فرض نسخ فرضا، ويجوز العمل بالأول، ومثاله: آية المصابرة.
* فرض نسخ ندبا، ثم صار فرضا: ومثاله: القتال كان ندبا ثم صار فرضا،* ندب نسخ فرضا، كقيام الليل، نسخ بالقراءة (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ (١).
стр. 207
الباب السابع علم معرفة القراءات والقراء
стр. 208
الباب السابع فى معرفة علم القراءات والقراء (١)
وهو: العلم الذى يعرف به أوجه القراءات المختلفة لبعض مفردات النّص القرآنى على حسب ما روى من الأحاديث والآثار.
فهو أيضا من علوم التلقى والرواية، وليس من العلوم المبنية على النظر والاجتهاد.
فائدته:
الوقوف على أوجه القراءات المختلفة للقرآن لتكون دليلا على حسب المدلول عليه، أو مرجحا، كما نقل الزركشى فى البرهان عن الكواشى.
مبحث فى: أنواع القراءات
١ - متواترة: وهى القراءات السبع.
٢ - آحاد: وهى القراءات الثلاث المتممة للعشر، وقيل: العشر متواترة.
٣ - شاذة: وهى ما بقى من القراءة.
ومن العلماء من استخلص من هذه الأنواع أنواعا أخرى فجعل القراءات ستة هى:
١ - المتواتر: وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه- وهذا هو الغالب فى القراءات.
٢ - المشهور: وهو ما صح سنده ولم يبلغ درجة المتواتر، ووافق العربية والرسم، واشتهر عند القرّاء فلم يعدوه من الغلط، ولا من الشذوذ- وذكر العلماء فى هذا النوع أنه يقرأ به.
стр. 209
٣ - الآحاد: وهو ما صح سنده، وخالف الرسم، أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور. وهذا لا يقرأ به، ومن أمثلته ما روى عن أبى بكرة: «أن النبى ص قرأ: «متكئين على رفارف خضر وعباقرى حسان» (١).
وما روى عن ابن عباس أنه قرأ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (٢).
- بفتح الفاء.
٤ - الشاذ: وهو ما لم يصح سنده. كقراءة «ملك يوم الدين» (٣) بصيغة الماضى. ونصب «يوم».
٥ - الموضوع: وهو ما لا أصل له.
٦ - المدرج: وهو ما زيد فى القراءات على وجه التفسير- كقراءة ابن عباس: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فقوله: «فى مواسم الحج» تفسير مدرج فى الآية (٤).
القرّاء المعتمدون فى أخذ القراءة عنهم هم:
١ - أبو عمرو بن العلاء شيخ الرواة: وهو زيان بن العلاء بن عمار المازنى البصرى، وقيل اسمه يحيى، وقيل اسمه كنيته، وتوفى بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة (١٥٤ هـ).
وراوياه: الدورى، والسوسى، فأما الدورى: فهو أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدورى النحوى، والدور: موضع ببغداد، توفى سنة ست وأربعين ومائتين وأما السوسى: فهو أبو شعيب صالح بن زياد بن عبد الله السوسى، توفى سنة إحدى وستين ومائتين (٢٦١ هـ).
стр. 210
٢ - ابن كثير: هو عبد الله بن كثير المكى، وهو من التابعين، وتوفى بمكة سنة عشرين ومائة (١٢٠ هـ)
وراوياه: البزى، وقنبل، أما البزى: فهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبى بزة المؤذن المكى، ويكنى أبا الحسن، وتوفى بمكة سنة خمسين ومائتين (٢٥٠ هـ).
وأما قنبل: فهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد المكى المخزومى، ويكنى أبا عمرو، ويلقب قنبلا، ويقال: هم أهل البيت بمكة، يعرفون بالقنابلة، وتوفى بمكة سنة إحدى وتسعين ومائتين (٢٩١ هـ).
٣ - نافع المدنى: هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم اللّيثى، أصله من أصفهان، وتوفى بالمدينة سنة تسع وستين ومائة (١٦٩ هـ).
وراوياه: قالون، وورش، أما قالون: فهو عيسى بن منيا «بالمد والقصر» المدنى معلم العربية، ويكنى أبا موسى، وقالون لقب له أيضا، يروى أن نافعا لقّبه به لجودة قراءته، لأن «قالون» بلسان الروم «جيد». وتوفى بالمدينة سنة عشرين ومائتين (٢٢٠ هـ).
وأما ورش: فهو عثمان بن سعيد المصرى، ويكنى أبا سعيد، وورش لقب له، لقب به فيما يقال لشدة بياضه، وتوفى بمصر سنة سبع وتسعين ومائة (١٩٧ هـ).
٤ - ابن عامر الشامى: هو عبد الله بن عامر اليحصبى قاضى دمشق فى خلافة الوليد بن عبد الملك، ويكنى أبا عمران، وهو من التابعين، وتوفى بدمشق سنة ثمان عشرة ومائة (١١٨ هـ).
وراوياه: هشام، وابن ذكوان، فأما هشام: فهو هشام بن عمار بن نصير القاضى الدمشقى، ويكنى أبا الوليد، وتوفى بها سنة خمس وأربعين ومائتين (٢٤٥ هـ).
وأما ابن ذكوان: فهو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القرشى الدمشقى، ويكنى أبا عمرو، ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة (١٧٣ هـ) وتوفى بدمشق سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٢٤٠ هـ).
стр. 211
٥ - عاصم الكوفى: هو عاصم بن أبى النجود، ويقال له ابن بهدلة، أبو بكر، وهو من التابعين، وتوفى بالكوفة سنة ثمان وعشرين ومائة (١٢٨ هـ).
وراوياه: شعبة، وحفص، فأما شعبة: فهو أبو بكر شعبة بن عباس بن سالم الكوفى. وتوفى بالكوفة سنة ثلاث وتسعين ومائة (١٩٣ هـ).
وأما حفص: فهو حفص بن سليمان بن المغيرة البزاز الكوفى، ويكنى أبا عمرو، وكان ثقة، قال ابن معين: هو أقرأ من أبى بكر، وتوفى سنة ثمانين ومائة (١٨٠ هـ).
٦ - حمزة الكوفى: هو حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الفرضى التيمى، ويكنى أبا عمارة وتوفى بحلوان فى خلافة أبى جعفر المنصور سنة ست وخمسين ومائة (١٥٦ هـ).
وراوياه: خلف، وخلاد، فأما خلف: فهو خلف بن هشام البزاز، ويكنى أبا محمد توفى ببغداد سنة تسع وعشرين ومائتين (٢٢٩ هـ).
وأما خلاد، فهو خلاد بن خالد، ويقال ابن خليد، الصيرفى الكوفى، ويكنى أبا عيسى، وتوفى بها سنة عشرين ومائتين (٢٢٠ هـ).
٧ - الكسائى الكوفى: هو علىّ بن حمزة إمام النحاة الكوفيين، ويكنى أبا الحسن، وقيل له «الكسائى» من أجل أنه أحرم فى كساء- توفى ب «رنبويه» قرية من قرى الرى حين توجه إلى خراسان مع الرشيد سنة تسع وثمانين ومائة (١٨٩ هـ).
وراوياه: أبو الحارث، وحفص الدورى: فأما أبو الحارث فهو اللّيث بن خالد البغدادى، توفى سنة أربعين ومائتين (٢٤٠ هـ).
وأما حفص الدورى: فهو الراوى عن أبى عمرو، وقد سبق ذكره.
أما الثلاثة تكملة العشرة فهم:
стр. 212
٨ - أبو جعفر المدنى: هو يزيد بن القعقاع، وتوفى بالمدينة سنة ثمان وعشرين ومائة (١٢٨ هـ) - وقيل (١٣٢ هـ).
وراوياه: ابن وردان، وابن جماز: فأما ابن وردان: فهو أبو الحارث عيسى ابن وردان المدنى، وتوفى بالمدينة فى حدود الستين ومائة (١٦٠ هـ).
وأما ابن جماز: فهو أبو الربيع سليمان بن مسلم بن جماز المدنى، توفى بها بعد السبعين ومائة (١٧٠ هـ).
٩ - يعقوب البصرى: هو أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمى، وتوفى بالبصرة سنة خمس ومائتين (٢٠٥ هـ) - وقيل (١٨٥ هـ).
وراوياه: رويس. وروح، فأما رويس: فهو أبو عبد الله محمد بن المتوكل اللؤلؤى البصرى، ورويس لقب له، وتوفى بالبصرة سنة ثمان وثلاثين ومائتين (٢٣٨ هـ).
وأما روح: فهو أبو الحسن روح بن عبد المؤمن البصرى النحوى، وتوفى سنة أربع أو خمس وثلاثين ومائتين (٢٣٤ هـ) - أو (٢٣٥ هـ).
١٠ - خلف: هو أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب البزار البغدادى، وتوفى سنة تسع وعشرين ومائتين (٢٢٩ هـ) - وقيل: لم يوقف على تاريخ وفاته.
وراوياه: إسحاق، وإدريس، أما إسحاق: فهو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عثمان الوراق المروزى ثم البغدادى، توفى سنة ست وثمانين ومائتين (٢٨٦ هـ).
وأما إدريس: فهو أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم البغدادى الحداد، توفى يوم الأضحى سنة اثنتين وتسعين ومائتين (٢٩٢ هـ).
ويزيد بعضهم أربع قراءات على هاتيك العشر، وهن:
стр. 213
١ - قراءة الحسن البصرى، مولى الأنصار، أحد كبار التابعين المشهورين بالزهد، توفى سنة (١١٠) هجرية.
٢ - وقراءة محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن محيصن، توفى سنة ١٢٣ هجرية، وكان شيخا لأبى عمرو.
٣ - وقراءة يحيى بن المبارك اليزيدى النحوى، من بغداد، أخذ عن أبى عمرو وحمزة، وكان شيخا للدورى والسوسى، توفى سنة ٢٠٢ هجرية.
٤ - وقراءة أبى الفرج محمد بن أحمد الشنبوذى، توفى سنة ٣٨٨ هجرية.
مطلب فى: حكم هذه القراءات وضوابطها:
يعرف إجمالا أن القراءات أربع عشر قراءة، سبع متواترة، وثلاث أحادية، وأربعة شاذة.
وهذا التقسيم هو ما عليه جمهور علماء الأمة.
وما عدا المتواتر لا تجوز القراءة به فى الصلاة، ولا فى غيرها لأنها- والحالة هذه- ليست قرآنا، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والقراءة الشاذة ليست متواترة، كما نص عليه الإمام النووى فى «شرح المهذب» ونقله غير واحد من العلماء عنه.
مبحث فى: أهم ضوابط القراءة الصحيحة
تتلخص أهم ضوابط القراءة الصحيحة فيما يأتى:
١ - موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه: سواء أكان أفصح أم فصيحا، لأن القراءة سنّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها بالإسناد لا بالرأى.
٢ - وأن توافق القراءة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا: لأن الصحابة فى كتابة المصاحف العثمانية اجتهدوا في الرسم على حسب ما عرفوا من لغات القراءة، فكتبوا (الصّراط) مثلا فى قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ
стр. 214
الْمُسْتَقِيمَ. «بالصاد» المبدّلة بالسين- وعدلوا عن «السين» التى هى الأصل، لتكون قراءة (السين) «السراط» وإن خالفت الرسم من وجه، فقد أتت على الأصل اللّغوى المعروف، فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة لذلك.
والمراد بالموافقة الاحتمالية ما يكون من نحو هذا، كقراءة: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فإن لفظة «مالك» كتبت فى جميع المصاحف بحذف الألف فتقرأ «ملك» وهى توافق الرسم تحقيقا، وتقرأ «مالك» وهى توافقه احتمالا، وهكذا. فى غير ذلك من الأمثلة.
ومثال ما يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا: تَعْلَمُونَ بالتاء والياء ويَغْفِرْ لَكُمْ بالياء والنون، ونحو ذلك، مما يدل تجرده عن النقط والشكل فى حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة رضى الله عنهم فى علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب فى تحقيق كل علم.
ولا يشترط فى القراءة الصحيحة أن تكون موافقة لجميع المصاحف، ويكفى الموافقة لما ثبت فى بعضها، وذلك كقراءة ابن عامر: وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ (١) باثبات الباء فيهما، فإن ذلك ثابت فى المصحف الشامى.
٣ - وأن تكون القراءة مع ذلك صحيحة الإسناد: لأن القراءة سنّة متّبعة يعتمد فيها على سلامة النقل وصحة الرواية، وكثيرا ما ينكر أهل العربية قراءة من القراءات لخروجها عن القياس، أو لضعفها فى اللّغة، ولا يحل أئمة القرّاء بإنكارهم شيئا.
تلك هى ضوابط القراءة الصحيحة، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة:
١ - موافقة العربية.
٢ - ورسم المصحف
стр. 215
٣ - وصحة السند. فهى القراءة الصحيحة، ومتى اختل ركن منها أو أكثر أطلق عليها أنها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة.
مطلب فى: أهم الكتب المؤلفة فى علم القراءات:
١ - كتاب الحجة لأبى على الفارس.
٢ - كتاب الكشف عن وجوه القراءات وعللها لمكىّ.
٣ - كتاب الهداية لأبى العباس أحمد بن عمار المهدوى (ت ٤٣٠ هـ).
٤ - كتاب النشر فى القراءات العشر لابن الجزرى.
فوائد:
(١) ينبغى على كل مسلم ومسلمة أن يكثر من قراءة القرآن فهو كلام الله رب العالمين، الخالق، العليم بالنفس، الرحيم بها عند الزلل والمحق، الآخذ بالنواحى إلى طريق الصواب، والمنجي لها من المهلكات.
ففي قراءته شفاء النفس، وطمأنينة الفؤاد، وشرح الصدر، والعصمة من المعاصى.
وهو فرض الصلاة، ومستحبات الذكر.
(٢) يحسن قراءة القرآن الكريم بالطريقة الصحيحة، والآداب السليمة التى أورثنا إياها رسول هذه الأمة ص، وعلمنا إياها الصّالحون الأوائل من مشاهير الحفاظ والقراء.
وأهم هذه الآداب ما يلى:
١ - أن يكون على طهارة، فى نفسه، وثوبه، ومكانه.
٢ - أن يقرأ فى سكينة وخشوع، ويتهيأ لله تعالى فى قلبه وجوارحه لأنه يسمعه.
٣ - أن يتعوذ فى ابتداء القراءة.
٤ - أن يقرأ مرتلا، ويجوّد كل حرف بحسب مخارجه اللغوية.
٥ - أن يتفهم ويتدبر ما يقرأ، ويتأثر بمعانى القرآن إن كان وعيدا فيظهر عليه الخوف والحزن، وإن كان وعدا فيظهر عليه الفرح والسرور.
وإن مرّ بآية فيها سجدة سجد لها، وإن مرّ بقصة فهم العبرة منها.
٦ - الأفضل أن يجهر بالقراءة، وأن يقرأ فى المصحف.
(٣) لا بأس بتعليم وتحفيظ القرآن الكريم، وأخذ الأجرة عليه.
وإن كان الأفضل تعليم القرآن وتحفيظه حسبة لله تعالى لمن أغناه الله تعالى عن الأجرة.