← Тараджим

Тараджим · id 21493

سير السلف الصالحين - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

بْنُ عِيَاضٍ عَنِ التَّوَاضُعِ فَقَالَ: تَخْضَعُ لِلْحَقِّ وَتَنْقَادُ لَهُ، وَتَقْبَلُ الْحَقَّ بِكُلِّ مَنْ تَسْمَعُهُ مِنْهُ ". قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمَرْوَذِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ , يَقُولُ: قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: «أَشْتَهِي مَرَضًا بِلَا عُوَّادٍ» . قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الشَّيْبَانِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ زَنْجَوِيَّةَ بْنَ الْحَسَنِ اللَّبَّادُ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهِلَالِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ , يَقُولُ: " إِنَّ فِيكُمْ خَصْلَتَيْنِ هُمَا مِنَ الْجَهْلِ: الضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَالتَّصَبُّحُ مِنْ غَيْرِ سَهَرٍ ". قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: مَنْ أَظْهَرَ لِأَخِيهِ الْوُدَّ وَالصَّفَاءَ بِلِسَانِهِ وَأَضْمَرَ لَهُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَأَصَمَّهُ وَأَعْمَى بَصَرَ قَلْبِهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] . قَالَ: الَّذِينَ يُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.

стр. 1017

قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: كَانَ يُقَالُ: جُعِلَ الشَّرُّ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا، وَجُعِلَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: مَنْ كَفَّ شَرَّهُ مَا ضَيَّعَ مَا سَرَّهُ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: ثَلَاثُ خِصَالٍ يُقَسِّينَ الْقَلْبَ: كَثْرَةُ الْأَكْلِ، وَكَثْرَةُ النَّوْمِ، وَكَثْرَةُ الْكَلَامِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: خَيْرُ الْعَمَلِ أَخْفَاهُ، وَأَمْنَعُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَبْعَدُهُ مِنَ الرِّيَاءِ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ أَنْ تُحَدِّثَ بِهَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: أَبَا اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ أَرْزَاقَ الْعِبَادِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: لَا عَمَلَ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَلَا أَجْرَ لِمَنْ لَا خَشْيَةَ لَهُ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: طُوبَى لِمَنِ اسْتَوْحَشَ مِنَ النَّاسِ وَأَنِسَ بِرَبِّهِ وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ.

стр. 1018

قَالَ الْفُضَيْلُ: أَصْلُ الزُّهْدِ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ وَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْتَقِدُ أَخَا الرَّجُلِ فِي الرِّضَا، وَلَكِنْ أَعْتَقِدُ أَخَاهُ فِي الْغَضَبِ إِذَا أَغْضَبْتَهُ. وَقَالَ: مَنْ عَرَفَ النَّاسَ اسْتَرَاحَ. بَابُ الْمِيمِ ذِكْرُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ كُوفِيٌّ ﵁ كَانَ مِنْ أَعْبَدِ أَهْلِ زَمَانِهِ، قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ مِنْ أَعْبَدِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَرْمَانِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ , فَقُلْتُ لَهُ: كَأَنَّكَ تَكْرَهُ مُجَالَسَةَ النَّاسِ، قَالَ: أَجَلْ، قُلْتُ:

стр. 1019

أَمَا تَسْتَوْحِشُ، قَالَ: كَيْفَ أَسْتَوْحِشُ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي» ! . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ بِي فَافْرَحُوا، وَبِذِكْرِي فَتَنَعَّمُوا. وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ , عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ الْمُبَادَرَةُ. وَقَالَ شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ: صَحِبْتُ مُحَمَّدَ بْنَ النَّضْرِ إِلَى عَبَّادَانَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِثَلَاثٍ إِحْدَاهُنَّ قَالَ لِرَجُلٍ: أَحْسِنْ صَلَاتَكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ: شَغَلَ الْمَوْتُ قُلُوبَ الْمُتَّقِينَ عَنِ الدُّنْيَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ اضْطَرَبَتْ مَفَاصِلُهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ الرَّعْدَةُ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو زُبَيْدٍ: اخْتَفَى عِنْدِي مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ فِي هَذِهِ الْعَلِيَّةِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَمَا رَأَيْتُهُ نَائِمًا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا.

стр. 1020

وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: شَهِدْتُ غُسْلَهُ حِينَ مَاتَ فَلَوْ سُلِخَ كُلُّ لَحْمٍ كَانَ عَلَيْهِ مَا كَانَ رَطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ، وَكَانَ يُمْسِي صَائِمًا ويَجِئُ إِلَى الْقُلَّةِ وَقَدْ بَرَدَتْ لَهُ، فَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: تَشْتَهِيهَا لَا تَذُوقِيهَا. وَكَتَبَ إِلَى أَخٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ فِي دَارِ تَمْهِيدٍ وَأَمَامَكَ مَنْزِلَانِ لَابُدَّ لَكَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَأْتِكَ أَمَانٌ فَتَطْمَئِنَّ، وَلَا بَرَاءَةٌ فَتُقَصِّرَ وَالسَّلَامُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ: مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَلَهُ مَنْ يَعْمَلُ فِي الدَّرَجَاتِ، فَإِذَا أَمْسَكَ أَمْسَكُوا، فَيُقَالُ: مَا لَكُمْ قَصَّرْتُمْ فَيَقُولُونَ: صَاحِبُنَا لَاهٍ.

стр. 1021

ذِكْرُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَرُوسُ الزُّهَّادِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيِّ. وَقِيلَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: تَقَدَّمَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَلَى سُفْيَانَ، قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ رَأَيْتَ كَأَنَّهُ قَدْ عَايَنَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَا أَبَا سَعِيدٍ , وَلَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، فَقَالَ: سُفْيَانُ كَانَ شَيْئًا وَمُحَمَّدٌ شيئًا، فَقَالَ أَحْمَدُ لِيَحْيَى: يَا أَبَا سَعِيدٍ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي تُكْثِرُ ذِكْرَهُ عِلْمًا أَوْ فَضْلًا؟ قَالَ: عِلْمًا وَفَضْلًا. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَلَبِيُّ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ يَخْتَلِفُ إِلَيَّ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ أَعْرِفْهُ يَجِيءُ إِلَى الْبَابِ فَيَقُولُ: رَجُلٌ غَرِيبٌ

стр. 1022

يَسْأَلُ ثُمَّ يَخْرُجُ، حَتَّى رَأَيْتُهُ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ , فَقُلْتُ: هَذَا يَخْتَلِفُ إِلَيَّ مُنْذُ عِشْرِينَ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ قُلْتُ لِابْنِ إِدْرِيسَ أُرِيدُ الثَّغْرَ فَدُلَّنِي عَلَى أَفْضَلِ رَجُلٍ بِهَا، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيِّ , قُلْتُ: فَأَيْنَ يَسْكُنُ؟ قَالَ: الْمِصِّيصَةَ، وَيَأْتِي السَّوَاحِلَ فقدم عبد الله بن المبارك المصيصة، فسأل عنه فلم يعرف فقال عبد الله بن المبارك من فضلك لَا تُعْرَفُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ يَدْفِنُ كُتُبَهُ وَيَقُولُ: هَبْ أَنَّكَ قَاضٍ فَكَانَ مَاذَا؟ هَبْ أَنَّكَ مُفْتٍ فَكَانَ مَاذَا؟ هَبْ أَنَّكَ مُحَدِّثٌ فَكَانَ مَاذَا؟ وَقِيلَ: خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ فِي جِنَازَةٍ بِالْمِصِّيصَةِ فَنَظَرَ إِلَى قَبْرِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ وَمَخْلَدِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَبَيْنَهُمَا مَوْضِعُ قَبْرٍ، فَقَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ فَدُفِنَ بَيْنَهُمَا، فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوِهَا حَتَّى دُفِنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا أَحْسَنَ مَوْضِعَ هَذَا الْقَبْرِ لِمُؤْمِنٍ , فَمَا بَاتَ لَيْلَتَهُ إِلَّا مَحْمُومًا. وَقَالَ الصَّلْتُ بْنُ يَحْيَى: كُنْتُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فِي طَرِيقِ

стр. 1023

الْأَهْوَازِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا قَصْرَ دَشْبَاذَجَزْدَ , قَالَ: لِي فِي السَّحَرِ قُلْ لِلْمُكَارِيِّ يُوكِفْ، فَأَتَيْتُ الْمُكَارِيَّ , فَقُلْتُ لَهُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ لَدَغَتْهُ الْعَقْرَبُ وَهُوَ يَصِيحُ وَيَتَمَرَّغُ فِي التُّرَابِ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ , فَقُلْتُ: إِنَّهُ قَدْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، قَالَ: قُلْ لَهُ: يَجِيءُ، قُلْتُ: لَا يُمْكِنُهُ، فَقَالَ لَهُ: تَحَامَلْ وَتَعَالَ، فَتَحَامَلَ وَهُوَ يَجُرُّ رِجْلَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُحَمَّدٍ , فَقَالَ لَهُ: ضَعْ يَدَكَ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَدَغَتْكَ، قَالَ: فَوَضَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئًا فَسَكَنَ وَجَعُهُ، قَالَ: فَقَامَ وَأَكَفَّ وَتَحَمَّلْنَا، فقلت له يا أبا عبد الله أي شيء الذي قَرَأْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَمُّ الْكِتَابِ، قَالَ الصَّلْتُ: وَهُوَ ذَا نَحْنُ نَقْرَأُ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ قَوْمٍ أَسْمَعَ. ذِكْرُ مَضَّاءِ بْنِ عِيسَى السَّاجِيِّ ﵁ قَالَ مَضَاءُ بْنُ عِيسَى: خَفِ اللَّهَ يُلْهِمْكَ، وَاعْمَلْ لَهُ لَا يُلْجِئُكَ إِلَى ذَلِيلٍ. وَقَالَ: مَنْ أَحَبَّ رَجُلًا لِلَّهِ وَقَصَّرَ فِي حَقِّهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي حُبِّهِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالشَّابِّ خَيْرًا وَفَّقَ لَهُ رَجُلًا صَالِحًا.

стр. 1024

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ عُثْمَانَ: اتَّفَقَ أَبُو سُلَيْمَانَ , وَمَضَاءُ بْنُ عِيسَى , وَعَبْدُ الْجَبَّارِ , وَمُسْلِمُ بْنُ زِيَادٍ الْوَاسِطِيُّ، عَلَى أَنَّ تَرْكَ لُقْمَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ. ذِكْرُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِمَامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ﵁. قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دَيْنٌ فَانُظُروا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ، لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ مِمَّنْ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَمَا أَخَذْتُ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَوِ ائْتُمِنَ عَلَى بَيْتِ مَالٍ لَكَانَ أَمِينًا إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ.

стр. 1025

قَالَ مَالِكٌ: لَقِيتُ ابْنَ شِهَابٍ يَوْمًا فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ فَحدثني بِهِ، فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَأَخَذْتُ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَعِدْهُ عَلَيَّ، فَأَبَى، فَقُلْتُ: أَمَا كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ يُعَادَ عَلَيْكَ فَأَعَادَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ بِبِضْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا، ثُمّ قَالَ: إِيهًا أَعِدْ عَلَيَّ فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا وَأَسْقَطْتُ الْبِضْعَةَ فِيهِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ: فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ بَقِيَ أَحَدٌ يَحْفَظُ هَذَا غَيْرِي. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ: كُنَّا عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فَجَاءَهُ نَعْيُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَسَالَتْ دُمُوعُهُ فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَقَدْ كَانَ مِنَ الدِّينِ بِمَكَانٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ، وَمَا أَحَدٌ أَمَنُّ عَلَيَّ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَنْقَذَنِي بِمَالِكٍ , وَاللَّيْثِ لَضَلَلْتُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْقَلَ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ الْبُنَانِيُّ: أُمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى عِلْمِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْقَطَّانُ.

стр. 1026

قَالَ: وَمَا أَحَدٌ عِنْدِي بَعْدَ التَّابِعِينَ أَنْبَلُ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَلَا أَحَدَ آمَنُ عَلَى الْحَدِيثِ مِنْهُ. وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَجْوَدَ حَدِيثًا مِنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: كَلَّمَنِي رَجُلٌ فِي الْقَدَرِ فَبَلَغَ الْوَالِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْهُ أَفَأَشْهَدُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى: انْصَرَفَ مَالِكٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَوْمًا وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى يَدَيَّ فَلَحِقَهُ رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ أَبُو الْجُوَيْرِيَّةِ كَانَ يُتَّهَمُ بِالْإِرْجَاءِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اسْمَعْ مِنِّي شَيْئًا أُكَلِّمُكَ بِهِ، وَأَحَاجُّكَ وَأُخْبِرُكَ بِرَأْيِي، قَالَ: فَإِنْ غَلَبْتَنِي؟ قَالَ: اتَّبِعْنِي، قَالَ: فَإِنْ غَلَبْتُكَ؟ قَالَ اتَّبَعْتُكَ، قَالَ: فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ فَكَلَّمْنَاهُ فَغَلَبَنَا؟ قَالَ: اتَّبَعْنَاهُ، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِدِينٍ وَاحِدٍ وَأَرَاكَ تَتَنَقَّلُ. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ فَقَدْ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ. قَالَ مَالِكٌ مَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَشَدُّ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ

стр. 1027

أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الْآيَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَا أَبْيَنَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَأَشَّدُّهَا عَلَيْهِمْ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] الْآيَةَ. فَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَيْسَ الْجِدَالُ فِي الدِّينِ بِشَيْءٍ. وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى مَالِكٍ , فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَجْعَلُكَ حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ، قَالَ مَالِكٌ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، سَلْ. قَالَ: مَنْ أَهْلُ السُّنَّةِ؟ قَالَ: أَهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ لَقَبٌ يُعْرَفُونَ بِهِ، لَا جَهْمِيٌّ، وَلَا قَدَرِيٌّ , وَلَا رَافِضِيٌّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ مُنْذُ أَكْثَرِ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مَالِكًا , وَاللَّيْثَ يَخْتَلِفَانِ فَبِأَيِّهِمَا نَأْخُذُ قَالَ: «مَالِكٌ مَالِكٌ» . وَقَالَ الدَّرَاوَرْدِيُّ: رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنِّي دَخَلْتُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَافَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، إِذْ أَقْبَلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ

стр. 1028

فَدَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا أَبْصَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِلَيَّ إِلَيَّ» ، فَأَقْبَلَ مَالِكٌ حَتَّى دَنَا مِنْهُ فَسَلَّ خَاتَمَهُ مِنْ خِنْصَرِهِ فَوَضَعَهُ فِي خِنْصَرِ مَالِكٍ. وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيُّكُمْ مَالِكٌ؟ فَقَالَ: هَذَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَارِحَةَ جَالِسًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ: " هَاتُوا بِمَالِكٍ، فأُتِيَ بِكَ تَرْعَدُ فَرَائِصُكَ فَقَالَ: «لَيْسَ بِكَ بَأْسٌ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ» وَكَنَّاكَ وَقَالَ: «اجْلِسْ فَجَلَسْتُ» ، فَقَالَ: «افْتَحْ حِجْرَكَ فَفَتَحْتُهُ فَمَلَأَهُ مِسْكًا مَنْثُورًا» وَقَالَ: «ضُمَّهُ إِلَيْكَ وَبُثَّهُ فِي أُمَّتِي» ، قَالَ: فَبَكَى مَالِكٌ , وَقَالَ: الرُّؤْيَا تَسُرُّ وَلَا تَغُرُّ، وَإِنْ صَدَقْتَ رُؤْيَاكَ فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي أَوْدَعَنِي اللَّهُ تَعَالَى. فَصْلٌ قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عُرْوَةَ: قَدِمَ الْمَهْدِيُّ الْمَدِينَةَ فَبَعَثَ إِلَى مَالِكٍ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ أَوْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ، ثُمَّ أَتَاهُ الرَّبِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَجِبُ أَنْ تُعَادِلَهُ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» وَالْمَالُ عِنْدِي عَلَى حَالِهِ

стр. 1029

قَالَ ابْنُ أَبِي أَوْسٍ: اشْتَكَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَهْلِنَا عَمَّا قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ، قَالَ: تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ. ذِكْرُ مَخْلَدِ بْنِ الْحُسَيْنِ ﵁ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: أَفْضَلُ مَنْ بَقِيَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ: أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، وَمَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسُ. وَذُكِرَ عِنْدَ مَخْلَدِ بْنِ الْحُسَيْنِ أَخْلَاقُ مِنْ أَخْلَاقِ الصَّالِحِينَ فَقَالَ: لَا تَعْرِضَنَّ لِذِكْرِنَا فِي ذِكْرِهِمْ لَيْسَ الصَّحِيحُ إِذَا مَشَى كَالْمُقْعَدِ وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: مَا نَدَبَ اللَّهُ الْعِبَادَ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا اعْتَرَضَ فِيهِ إِبْلِيسُ بِأَمْرَيْنِ، مَا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا ظَفِرَ: إِمَّا غُلُوٌّ فِيهِ , وَإِمَّا تَقْصِيرٌ عَنْهُ.

стр. 1030

بَابُ الْيَاءِ ذِكْرُ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ شَامِيٌّ ﵁ قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: عَجِبْتُ كَيْفَ تَنَامُ عَيْنٌ مَعَ الْمَخَافَةِ، أَوْ يَغْفَلُ قَلْبٌ مَعَ الْيَقِينِ بِالْمُحَاسَبَةِ، مَنْ عَرَفَ وَجَرَّبَ حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ لَمْ تَسْتَحِلَّ عَيْنَاهُ أَحَدًا إِلَّا بِإِعْطَاءِ الْمَجْهُودِ مِنْ نَفْسِهِ، خَلَقَ اللَّهُ الْقُلُوبَ مَسَاكِنَ لِلذِّكْرِ فَصَارَتْ مَسَاكِنَ لِلشَّهَوَاتِ، الشَّهَوَاتُ مَفْسَدَةٌ لِلْقُلُوبِ، وَتَلَفٌ لِلْأَمْوَالِ , إِخْلَاقُ الْوُجُوهِ، لَا يَمْحُو الشَّهَوَاتِ مِنَ الْقُلُوبِ إِلَّا خَوْفٌ مُزْعِجٌ أَوْ شَوْقٌ مُقْلِقٌ. قَالَ يُوسُفُ: الزُّهْدُ فِي الرِّيَاسَةِ أَشَدُّ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ: يُرْزَقُ الصَّادِقُ ثَلَاثَ خِصَالٍ: الْحَلَاوَةَ , وَالْمَلَاحَةَ , وَالْمَهَابَةَ.

стр. 1031

وَقَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ: قَدِمَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى يُوسُفَ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَقُلْتُ لَهُ: مَالَكَ لَا تَأْذَنُ لَهُ؟ قَالَ: إِنِّي إِنْ أَذِنْتُ لَهُ أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ بِحَقِّهِ وَلَا أَفِي بِهِ. وَقَالَ يُوسُفُ: إِنِّي أَنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ النَّاسَ بِذُنُوبِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ يُوسُفُ لِي أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا مَلَكْتُ قَمِيصَيْنِ. وَقَالَ يُوسُفُ: مَكَثَ الْحَسَنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَمْ يَضْحَكْ، وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَمْزَحْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا مَا أَنَا عِنْدَهُمْ إِلَّا لِصٌّ. وَقَالَ يُوسُفُ: مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهَ.

стр. 1032

تَبَعُ الْأتْبَاعِ

стр. 1033

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذِكْرُ تَبَعِ الْأَتْبَاعِ بَابُ الْأَلِفِ ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالٍ الشَّيْبَانِيُّ ﵁ مَاتَ وَلَهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ. قَالَ أَحْمَدُ: وُلِدْتُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَطَلَبْتُ الْحَدِيثَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ هُشَيْمٌ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً.

стр. 1034

وَرُوِيَ عَنْهُ , ,أَنَّهُ قَالَ: طَلَبْتُ الْحَدِيثَ وأَنَا ابْنُ سِتِّ عَشْرَةَ سَنَةٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَرِيعٍ: كُنَّا نَتَوَهَّمُ أَنَّهُ أَسَنُّ مِنَ الشَّافِعِيِّ، فَإِذَا الشَّافِعِيُّ أَكْبَرُ مِنْهُ بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ. قَالَ أَحْمَدُ: وَسُئِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ ﵎ بِهِ، لَقَدْ كُنَّا تَعَلَّمْنَا كَلَامَ الْقَوْمِ، وَكَتَبْنَا كُتَبَهُمْ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا الشَّافِعِيُّ، فَلَمَّا أَنْ سَمِعْنَا كَلَامَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ جَالَسْنَاهُ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِي فَمَا رَأَيْنَا مِنْهُ إِلَّا كُلَّ خَيْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ عَمِّي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ﵀، يَقُولُ: وَذَكَرَ الْمَحَبَّةَ فَقَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ عَلِيَّ بْنَ عَاصِمٍ، فَأَوَّلْتُ عَلِيًّا عُلُوًّا، وَعَاصِمًا عِصْمَةً مِنَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ الْبَلْخِيُّ: كُنْتُ أَتَنَاوَلُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَوَجَدْتُ فِي لِسَانِي أَلَمًا فَاغْتَمَمْتُ، ثُمَّ وَضَعْتُ رَأْسِي فَنِمْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فَقَالَ: هَذَا الَّذِي وَجَدْتَ فِي لِسَانِكَ بِتَنَاوُلِكَ الرَّجُلَ الصَّالِحَ، قَالَ: فَانْتَهَيْتُ فَجَعَلْتُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، وَلَا أَعُودُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، قَالَ: فَذَهَبَ ذَلِكَ الْأَلَمُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: كُنْتُ أَنَا وَأَحْمَدُ بِالْيَمَنِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَكُنْتُ أَنَا فَوْقَ فِي الْغُرْفَةِ وَهُوَ أَسْفَلُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ فَوْقَ، قَالَ: ذَاكَ أَرْفَقُ بِكَ، قَالَ: وَفَنِيَتْ نَفَقَتُهُ يَوْمًا

стр. 1035

فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ فَأَبَى، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنْ شِئْتَ قَرْضًا، وَإِنْ شِئْتَ صِلَةً، فَأَبَى فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ يَنْسُجُ التِّكَكَ وَيَبِيعُ وَيُنْفِقُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي لَا يَفْتُرُ مِنَ الرَّكَعَاتِ بَيْنَ الْعِشَائَيْنِ وَلَا بَعْدَهَا مِنْ وِرْدِهِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَسُئِلَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ , عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , بَعْدَ الْمِحْنَةِ فَقَالَ: ابْنُ حَنْبَلٍ أُدْخِلَ الْكِيرَ فَخَرَجَ ذَهَبًا أَحْمَرَ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي الْوَفَاةُ جَلَسْتَ عِنْدَهُ وَالْخِرْقَةُ بِيَدِي أَشُدُّ بِهَا لَحْيَيْهِ، قَالَ: يَعْرَقُ ثُمَّ يُفِيقُ وَيَفْتَحُ عَيْنَهُ وَيَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا: لَا بَعْدُ، لَا بَعْدُ، يَفْعَلُ هَذَا مَرَّةً وَثَانِيَةً وَثَالِثَةً، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قُلْتُ: يَا أَبَهْ إِيشْ هَذَا الَّذِي لَهَجْتَ بِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ تَقُولُهُ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ مَا تَدْرِي؟ فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ قَائِمٌ بِحِذَائِي عَاضُّ عَلَى أَنَامِلِهِ يَقُولُ: يَا أَحْمَدُ فُتَّنِي، فَأَقُولُ: لَا حَتَّى أَمُوتَ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ: كُنَّا عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِذْ جَاءَهُ شَيْخٌ مَعَهُ عُكَّازُهُ فَسَلَّمَ وَجَلَسَ، فَقَالَ: مَنْ مِنْكُمْ أَحْمَدُ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: أَنَا، مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: ضَرَبْتُ إِلَيْكَ مِنْ أَرْبَعِ مِائَةِ فَرْسَخٍ، أُرِيتُ الْخَضِرَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي: قُمْ فَصِلْ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: سَاكِنُ السَّمَاءِ وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ رَاضُونَ عَنْكَ بِمَا صَبَرْتَ نَفْسَكَ

стр. 1036

لِلَّهِ، قُلْتُ: لَا أَعْرِفُهُ، قَالَ: تَأْتِي بَغْدَادَ فَتَسْأَلُ عَنْهُ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَامَ وَخَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقُلْنَا لِلرَّجُلِ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: لَا، كَانَتْ أَمَانَةً فَأَدَّيْتُهَا. قَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: وَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْوَاثِقِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ نَحْنُ، وَقَدْ خَرَجَ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ وَكَانَ لَهُ لَبَدٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ كَثِيرَةٌ حَتَّى بَلِيَ فَإِذَا تَحْتَهُ كِتَابُ كَاغِدٍ وَإِذَا فِيهِ: بَلَغَنِي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الضِّيقِ وَمَا عَلَيْكَ مِنَ الدَّيْنِ وَقَدْ وُجِّهْتُ إِلَيْكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ عَلَى يَدَيْ فُلَانٍ لِتَقْضِيَ بِهَا دَيْنَكَ وَتُوَسِّعَ عَلَى عِيَالِكَ وَمَا هِيَ مِنْ صَدَقَةٍ وَلَا زَكَاةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ وَرِثْتُهُ عَنْ أَبِي، فَقَرَأْتُ الْكِتَابَ وَوَضَعْتُهُ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَهْ هَذَا الْكِتَابُ فَاحْمَرَّ وَجْهُهُ وَقَالَ: رَفَعْتُهُ مِنْكَ، ثُمَّ قَالَ: تَذْهَبُ بِجَوَابِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: وَصَلَ كِتَابُكَ وَنَحْنُ فِي عَافِيَةٍ، وَأَمَّا الدَّيْنُ فَإِنَّهُ لَرَجُلٌ لَا يُرْهِقُنَا، وَأَمَّا عِيَالُنَا فَهُمْ فِي نِعْمَةٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَذَهَبْتُ بِالْكِتَابِ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ أَوْصَلَ كِتَابَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ لَوْ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَبِلَ هَذَا الشَّيْءَ وَرُمِيَ بِهِ بِدِجْلَةَ كَانَ مَأْجُورًا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ حِينٍ وَرَدَّ كِتَابَ الرَّجُلِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الْجَوَابَ بِمِثْلِ مَا رَدَّ، فَلَمَّا مَضَتْ سَنَةٌ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: لَوْ كُنَّا قَبِلْنَاهَا كَانَتْ قَدْ ذَهَبَتْ.

стр. 1037

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ: كَانَتْ مُجَالَسَةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مُجَالَسَةُ الْآخِرَةِ، لَا يَذْكُرُ فِيهَا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ذَكَرَ الدُّنْيَا قَطُّ. فَصْلٌ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ ﵀ . قَالَ أَحْمَدُ: وَجَدْتُ الْخَلْوَةَ أَصْلَحَ لِقَلْبِي. وَقَالَ الْمَرْوَذِيُّ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ صَبِيٌّ فَقَالَ: يَا أَبَهْ هَبْ لِي قِطْعَةً فَسَكَتَ، فَجَعَلَ يُرَدِّدُهَا عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا أَبَهْ هَبْ لِي قِطْعَةً، فَقَالَ: أَبُوكَ لَا يَمْلِكُ قِطْعَةً، وَيَوْمَ لَا يَمْلِكُ قِطْعَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ يَوْمِ يَمْلِكُ قِطْعَةً. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدَّثْتُ عُثْمَانَ بْنَ زَائِدَةَ وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ فَقَالَ: الْعَافِيَةُ عَشْرَةُ أَجْزَاءَ، تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ. وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْوَرَعِ فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ فِي الْوَرَعِ، أَنَا آكُلُ مِنْ بَغْدَادَ، لَوْ كَانَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ لَصَلَحَ أَنْ يُجِيبَكَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ غَلَّةِ بَغْدَادَ وَلَا مِنْ طَعَامِ السَّوَادِ يَصْلُحُ يَتَكَلَّمُ فِي الْوَرَعِ.

стр. 1038

فَصْلٌ فِي سِيرَتِهِ قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَزُرُّ ثِيَابَهُ عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْتُ عِمَامَتَهُ قَطُّ إِلَّا تَحْتَ ذَقْنِهِ، وَرَأَيْتُهُ يَكْرَهُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَالَ الْمَرْوَذِيُّ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَنَحْنُ بِالْمُعَسْكَرِ فِي يَوْمٍ: ثَمَانٍ مُذْ لَمْ آكُلْ شَيْئًا، وَلَمْ أَشْرَبْ إِلَّا أقَلَّ مِنْ رُبْعِ سَوِيقٍ، وَكَانَ يَمْكُثُ ثَلَاثًا لَا يَطْعَمُ وَأَنَا مَعَهُ، فَإِذَا كَانَ لَيْلَةَ الرَّابِعَةِ أَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْرَ نِصْفِ رُبْعِ سَوِيقٍ فَرُبَّمَا شَرِبَهُ وَرُبَّمَا تَرَكَ بَعْضَهُ، وَكَانَ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَغُمُّهُ لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يُفْطِرْ إِلَّا عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَوَاصَلَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هُوَ الْبُوشَنْجِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ حَضَرَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ إِخْوَانِهِ فَاشْتَرَى لَهُمْ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ وَأَطْعَمَهُمْ، وَإِنَّهُ صَبَرَ عَلَى مِقْدَارِ رُبْعِ سَوِيقٍ وَهُوَ الْكَيْلَجَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ بِمُعَسْكَرِ الْمُتَوَكِّلِ يَعْتَصِمُ بِذَلِكَ حَتَّى أَتَتْهُ النَّفَقَةُ مِنْ بَغْدَادَ وَلَا يَذُوقُ مِنْ مَائِدَةِ الْمُتَوَكِّلِ. وَقَالَ إِدْرِيسُ الْحَدَّادُ: مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ قَطُّ إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ أَوْ يَقْرَأُ فِي كِتَابٍ، مَا رَأَيْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: رُبَّمَا اشْتَدَّ بِهِ فَبَقِيَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ لَا يَأْكُلُ فَإِذَا رَأَى أَهْلَهُ شَرِبَ الْمَاءَ يُوهِمُهُمْ أَنَّهُ شَبْعَانُ.

стр. 1039

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَذِيُّ: لَمَّا حَبَسُوا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي السِّجْنِ جَاءَهُ السَّجَّانُ , فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ فِي الظَّلَمَةِ وَأَعْوَانِهِمْ صَحِيحٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ السَّجَّانُ: فَأَنَا مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ؟ قَالَ لَهُ: أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ مَنْ يَأْخُذُ شَعْرَكَ وَيَغْسِلُ ثَوْبَكَ وَيُصْلِحُ طَعَامَكَ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي مِنْكَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَمِنْ أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ إِدْرِيسُ الْحَدَّادُ: لَمَّا كَانَ الْمِحْنَةَ وَصُرِفَ أَحْمَدُ إِلَى بَيْتِهِ حُمِلَ إِلَيْهِ مَالٌ جَلِيلٌ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى رَغِيفٍ يَأْكُلُهُ، فَرَدَّ جَمِيعَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، قَالَ: فَجَعَلَ عَمَّهُ إِسْحَاقَ يَحْسِبُ مَا رَدَّ فَإِذَا هُوَ خَمْسُ مِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ أَرَاكَ مَشْغُولًا بِحِسَابٍ، فَقَالَ: قَدْ رَدَدْتَ الْيَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَى حَبَّةٍ، فَقَالَ: يَا عَمُّ لَوْ طَلَبْنَا لَمْ يَأْتِنَا وَإِنَّمَا أَتَانَا لَمَّا تَرَكْنَا. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، صَحِبْنَاهُ خَمْسِينَ سَنَةً فَمَا افْتَخَرَ عَلَيْنَا بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ.

стр. 1040

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ: صِرْنَا مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِلَى بَابِ الْمُتَوَكِّلِ فَلَمَّا أَدْخَلُوهُ مِنْ بَابِ الْخَاصَّةِ قَالَ لَنَا أَحْمَدُ: انْصَرِفُوا عَافَاكُمُ اللَّهُ، فَمَا مَرِضَ مِنَّا أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَالَ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ: أَرْبَعَةٌ لَهُمْ مِنَّةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَيْثُ ثَبَتَ فِي الْمِحْنَةِ، فَلَمْ يَقُلْ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , حَيْثُ بَنَى الْفِقْهَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ ابْنِ سَلَّامٍ , حَيْثُ فَسَّرَ غَرَائِبَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ , حَيْثُ بَيَّنَ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: حُمِلَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِيرَاثُهُ مِنْ مِصْرَ فَحَمَلَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَلَاثَةَ أَكْيَاسٍ فِي كُلِّ كِيسٍ أَلْفُ دِينَارٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذِهِ مِنْ مِيرَاثٍ حَلَالٍ فَخُذْهَا فَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى عَيْلَتِكَ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا. أَنَا فِي كِفَايَةٍ فَرَدَّهَا وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهَا شَيْئًا. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّسْتُرِيِّ: كَانَ غُلَامٌ مِنَ الصَّيَارِفَةِ يَخْتَلِفُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَنَاوَلَهُ يَوْمًا دِرْهَمَيْنِ، فَقَالَ: اشْتَرِي بِهِمَا كَاغِدًا، فَخَرَجَ الْغُلَامُ وَاشْتَرَى لَهُ، وَجَعَلَ فِي جَوْفِ الْكَاغِدِ خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ وَشَدَّهُ وَأَوْصَلَهُ إِلَى بَيْتِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَسَأَلَ وَقَالَ أَحْمَدُ: شَيْءٌ مِنَ الْبَيَاضِ، فَقَالُوا: بَلَى، فَوَضَعَ يَدَهُ فَلَمَّا أَنْ فَتَحَهُ تَنَاثَرَ الدَّنَانِيرُ

стр. 1041

فَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا وَسَأَلَ عَنِ الْغُلَامِ حَتَّى دَلَّ عَلَيْهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَبِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: الْكَاغِدُ اشْتَرَيْتُهُ بِدَرَاهِمِكَ خُذْهُ فَإِنِّي لَنْ آخُذَ الْكَاغِدَ أَيْضًا. وَقَالَ الْأَنْمَاطِيُّ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ , وَأَبُو خَيْثَمَةَ , وَجَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَيَذْكُرُونَ فَضَائِلَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَا تُكْثِرُوا، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: وَكَثْرَةُ الثَّنَاءِ عَلَى أَحْمَدَ تُسْتَنْكَرُ! لَوْ جَلَسْنَا مَجَالِسَنَا بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا فَضَائِلَهُ بِكَمَالِهَا. فَصْلٌ آخَرُ فِي سِيرَتِهِ وَأَخْلَاقِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي ﵀، يَقْرَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعًا مِنَ الْقُرْآنِ وَيَخْتِمُ كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَكَانَتْ لَهُ خَتْمَةٌ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ، وَكَانَ يُصَلِّي عِشَاءَ الْآخِرَةِ وَيَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الصَّبَاحِ يُصَلِّي وَيَدْعُو، وَكَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مِائَةِ رَكْعَةٍ، فَلَمَّا ضُرِبَ الْأَسْوَاطَ أَضْعَفَتْهُ فَكَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَكْعَةً.

стр. 1042

وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: مَا رَأَيْتُ مُصَلِّيًا قَطُّ أَحْسَنَ صَلَاةً مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ تَكْبِيرُهُ وَرَفْعُ رَأْسِهِ وَسُجُودُهُ وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَتَشَهَّدُهُ وَتَسْلِيمُهُ. فَصْلٌ قَالَ أَحْمَدُ: أَكْذَبُ النَّاسِ الْقَصَّاصُ وَالسَّوَّالُ. وَقَالَ: إِنَّ الْقَلَنْسُوَةَ تَقَعُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى رَأْسِ مَنْ لَا يُحِبُّهَا. وَقَالَ ابْنُ هَانِئٍ: كُنْتُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدِ اغْتَبْتُكَ فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ قَالَ: أَنْتَ فِي حِلٍّ إِنْ لَمْ تَعُدْ، فَقُلْتُ لَهُ: تَجْعَلُهُ فِي حِلٍّ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَدِ اغْتَابَكَ، قَالَ: أَلَمْ تَرَ اشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ؟ وَقَالَ صَالِحٌ: جَاءَ رَجُلٌ يَعْنِي فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبِي , فَقَالَ: تَلَطَّفْ بِي فِي الْإِذْنِ، فَإِنِّي حَضَرْتُ ضَرْبَهُ يَوْمَ الدَّارِ فَأُرِيدُ أَنِ اسْتَحِلَّهُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَأَمْسِكْ، فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ: أَدْخِلْهُ، فَأَدْخَلْتُهُ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَبْكِي وَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنَا كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ ضَرْبَكَ يَوْمَ الدَّارِ وَقَدْ أَتَيْتُكَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ الْقِصَاصَ فَأَنَا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تُحِلَّنِي فَعَلْتَ، فَقَالَ: عَلَى أَنْ لَا تَعُودَ لِمِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قَدْ جَعَلْتُكَ فِي حِلٍّ، فَخَرَجَ يَبْكِي وَبَكَى مَنْ حَضَرَ مِنَ النَّاسِ.

стр. 1043

فَصْلٌ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبٍ , قَالَ: كُنْتُ مُؤَدِّبًا لِلْمُتَوَكِّلِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَنْزَلَنِي حُجْرَةً مِنْ حُجَرِ الْخَاصَّةِ فَرُبَّمَا كَانَتْ تَعْرِضُ فِي فِكْرَتِهِ مَسْأَلَةٌ فِي الدِّينِ فَيُوَجِّهُ إِلَيَّ فَيَسْأَلُنِي عَنْهَا فَأُجِيبُهُ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ، وَكَانَ إِذَا جَلَسَ لِلْخَاصَّةِ أَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا افْتَقَدَنِي دَعَانِي حَتَّى أَقِفَ مَوْقِفِي لَا يُخَلِّينِي مِنْهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا إِلَّا فِي وَقْتِ خَلْوَتِهِ، وَأَنَّهُ دَخَلَ يَوْمًا بَيْتًا لَهُ مِنْ قَوَارِيرَ سَقْفُهُ وَحِيطَانُهُ وَأَرْضُهُ وَقَدْ أَجْرَى لَهُ الْمَاءَ فِيهِ، وَالْمَاءُ يَعْلُو عَلَى الْبَيْتِ وَأَسْفَلُهُ وَقَدْ فُرِشَ قَبَاطِيُّ مِصْرَ وَوَسَائِدُهَا، وَمَخَدُّهَا الْأُرْجُوَانُ، يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ الْفَتْحُ بْنُ خَاقَانَ , وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ , وَعَنْ يَسَارِهِ بَغَاءُ الْكَبِيرُ , وَوَصِيفٌ، وَأَنَا , وَاقِفٌ فِي زَاوِيَةِ الْبَيْتِ، الْيَمِينِ مِمَّا يَلِيهِ، وَخَادِمٌ آخِذٌ بَعَضَادَةِ الْبَابِ وَاقِفٌ، إِذْ ضَحِكَ الْمُتَوَكِّلُ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ وَسَكَتُوا فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّا ضَحِكْتُ؟ فَقَالُوا: مِمَّا ضَحِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّهُ فَقَالَ: أَضْحَكَنِي أَنِّي ذَاتَ يَوْمٍ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ الْوَاثِقِ وَقَدْ قَعَدَ لِلْخَاصَّةِ فِي مَجْلِسِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ جَالِسًا وَأَنَا وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِهِ إِذْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى جَاءَ هَذَا الْبَابُ الَّذِي دَخَلْتُهُ فَجَلَسَ فِي مَجْلِسِي هَذَا وَرُمْتُ الدُّخُولَ فَمُنِعْتُ وَوَقَفْتُ حَيْثُ الْخَادِمُ وَاقِفٌ، وَجَلَسَ ابْنُ أَبِي

стр. 1044

دُؤَادَ فِي مَجْلِسِكَ يَا فَتْحُ، وَجَلَسَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ فِي مَجْلِسِكَ يَا عُبَيْدَ اللَّهِ، وَجَلَسَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي مَجْلِسِكَ يَا بَغَاءُ، وَجَلَسَ نَجَاحٌ فِي مَجْلِسِكَ يَا وَصِيفُ، إِذْ قَالَ الْوَاثِقُ: وَاللَّهِ لَقَدْ فَكَّرْتُ فِيمَا دَعَوْتُ إِلَيْهِ النَّاسَ مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ , وَسُرْعَةِ إِجَابَةِ مَنْ أَجَابَنَا وَشِدَّةِ خِلَافِ مَنْ خَالَفَنَا، حَتَّى حَمَلْنَا مَنْ خَالَفَنَا عَلَى السَّوْطِ وَالسَّيْفِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ وَالْحَبْسِ الطَّوِيلِ، فَلَا يُردُّ عَنْ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِنَا، فَوَجَدْتُ مَنْ أَجَابَنَا رَغِبَ فِيمَا فِي أَيْدِينَا، فَأَسْرَعَ فِي إِجَابَتِنَا رَغْبَةً مِنْهُ فِيمَا عِنْدَنَا، وَوَجَدْتُ مَنْ خَالَفَنَا مَنَعَهُ دِينٌ وَوَرَعٌ عَنْ إِجَابَتِنَا، فَصَبَرَ عَلَى مَا يَنَالُهُ مِنَ الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ دَخَلَ قَلْبِيَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ شَكَكْتُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَفِي مِحْنَةِ مَنْ نَمْتَحِنُهُ، وَعَذَابِ مَنْ نُعَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى هَمَمْتُ بِتَرْكِ ذَلِكَ وَالْخَوْضِ فِيهِ، فَبَدَا ابْنُ أَبِي دُؤَادَ , فَقَالَ: اللَّهَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ تُمِيتَ سُنَّةً قَدْ أَحْيَيْتَهَا، وَأَنْ تُبْطِلَ دِينًا قَدْ أَقَمْتَهُ، فَلَقَدْ جَهِدَ الْأَسْلَافُ فَمَا بَلَغُوا فِيهِ مَا بَلَغْتَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ خَيْرَ مَا جَزَى وَلِيًّا عَنْ أَوْلِيَائِهِ، ثُمَّ أَطْرَقُوا رُءُوسَهُمْ سَاعَةً يُفَكِّرُونَ فِي ذَلِكَ إِذْ بَدَأَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ وَخَافَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْوَاثِقِ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَنْقُضُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ مَذْهَبَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ وَنَدْعُوا النَّاسَ إِلَيْهِ لَهُوَ الدِّينُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَبَعَثَ بِهِ نَبِيُّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ، وَلَكِنَّ النَّاسَ عَمُوا عَنْ قَبُولِهِ، فَقَالَ

стр. 1045

الْوَاثِقُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُبَاهِلُونِي عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي دؤاد: ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْفَالِجِ فِي دَارِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًا مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتُ: وَهُوَ فَسَمَّرَ اللَّهُ يَدَيْهِ بِمَسَامِيرَ مِنْ حَدِيدٍ فِي دَارِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًا مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَأَنْتَنَ اللَّهُ رِيحَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ حَتَّى يَهْرُبَ مِنْهُ حَمِيمٌ وَغَرِيبٌ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًا مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. وَقَالَ نَجَاحٌ: وَهُوَ فَقَتَلَهُ اللَّهُ فِي أَضْيَقِ مَجْلِسٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًا مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ إِيتَاخٌ , وَهُمْ فِي ذَلِكَ فَأَخُذوهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ وَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: فَغَرَّقَهُ اللَّهُ فِي الْبَحْرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًا مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. فَقَالَ الْوَاثِقُ: وَهُوَ فَأَحْرَقَ اللَّهُ بَدَنَهُ بِالنَّارِ فِي دَارِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًا مِنْ أَنَّ الْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، فَأَضْحَكُ أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ بِدَعْوَةٍ عَلَى نَفْسِهِ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، أَمَّا ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ فَقَدْ رَأَيْتُ مَا نَزَلَ بِهِ وَمَا ضَرَبَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَالِجِ، وَأَمَّا ابْنُ الزَّيَّاتِ فَأَنَا أَقْعَدْتُهُ فِي تَنُّورٍ مِنْ حَدِيدٍ وَسَمَّرْتُ يَدَيْهِ بِمَسَامِيرَ مِنْ حَدِيدٍ، وَأَمَّا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَأَقْبَلَ يَعْرَقُ عَرَقًا مُنْتِنًا

стр. 1046

حَتَّى هَرَبَ مِنْهُ الْحَمِيمُ وَالْغَرِيبُ، وَكَانَ يُلْقَى عَلَيْهِ عِشْرُونَ غِلَالَةً فَتُؤْخَذُ مِنْهُ وَهِيَ مِثْلُ الْجِيفَةِ فَيَرْمِي بِهَا فِي دِجْلَةَ، لَا يَنْتَفِعُ بِهَا فَتَقَطَّعُ مِنْ شِدَّةِ النَّتَنِ وَالْعَرَقِ، وَأمَّا نَجَاحٌ فَأَنَا بَنَيْتُ عَلَيْهِ بَيْتًا ذِرَاعًا فِي ذِرَاعَيْنِ حَتَّى مَاتَ فِيهِ، وَأَمَّا إِيتَاخُ، فَأَنَا كَتَبْتُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ رَجَعَ مِنَ الْحَجِّ، فَكَبَّلَهُ بِالْحَدِيدِ وَغَرَّقَهُ. وَأَمَّا الْوَاثِقُ فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ النِّسَاءَ وَكَثْرَةَ الْجِمَاعِ، فَوَجَّهَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى مِيخَائِيلَ الطَّبِيبُ، فَدَعَى لَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَشْرَبِهِ وَعَلَيْهِ قَطِيفَةُ خَزٍّ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: يَا مِيخَائِيلُ أَبْغِنِي دَوَاءً لِلْبَاهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَدَنُكَ فَلَا تَهُدَّهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْجِمَاعِ تَهُدُّ الْبَدَنَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَكَلَّفَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي بَدَنِكَ فَإِنَّ لَهُ حَقٌّ عَلَيْكَ، فَلَيْسَ لَكَ مِنْ بَدَنِكَ عِوَضٌ، فَقَالَ لَهُ: لَابُدَّ مِنْهُ، ثِمَّ دَفَعَ الْقَطِيفَةَ عَنْهُ فَإِذَا وَصِيفَةٌ ضَمَّهَا إِلَيْهِ، ذَكَرَ مِنْ جَمَالِهَا وَهَيْئَتِهَا أَمْرًا عَجَبًا، فَقَالَ: مَنْ يَصْبِرُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ؟ قَالَ: فَإِنْ كَانَ لَابُدَّ فَعَلَيْكَ بِلَحْمِ السَّبْعِ فَأْمُرْ أَنْ يُؤْخَذَ لَكَ مِنْهُ رِطْلٌ فَيَغْلِي سَبْعَ غَلْيَاتٍ بِخَلٍّ خَمِرَةٍ، فَإِذَا جَلَسْتَ عَلَى شُرْبِكَ أَمَرْتَ فَوُزِنَ لَكَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَانْتَفَلْتَ عَلَى شَرَابِكَ فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَإِنَّكَ تَجِدُ فِيهِ بُغْيَتَكَ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ وَلَا تُسْرِفْ فِيهَا وَلَا تُجَاوِزْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ، فَلَهَى عَنْهُ أَيَّامًا، فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَالِسٌ

стр. 1047

عَلَى شَرَابِهِ إِذْ ذَكَرَهُ فَقَالَ: عَلَيَّ بِلَحْمِ السَّبْعِ السَّاعَةَ، فَأُخْرِجَ لَهُ سَبْعٌ مِنَ الْجُبِّ وَذُبِحَ مِنْ سَاعَتِهِ وَكُبِّبَ لَهُ مِنْهُ وَأُغْلِيَ بِالْخَلِّ، ثُمَّ قُدِّدَ لَهُ مِنْهُ، فَأَخَذَ يَنْتَفِلُ بِهِ عَلَى شَرَابِهِ، وَأَتَتْ عَلَيْهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ فَاسْتَسْقَى بَطْنَهُ، فَجُمِعَ لَهُ الْأَطِّبَّاءُ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ إِلَّا أَنْ يُسَجَّرَ لَهُ تَنُّورٌ بِحَطَبِ الزَّيْتُونِ وَيُسَجَّرَ حَتَّى يَمْتَلِئَ جَمْرًا، فَإِذَا امْتَلَأَ كَسَحَ مَا فِي جَوْفِهِ فَأُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِهِ وَحُشِيَ جَوْفُهُ بِالرَّطْبَةِ، وَيَقْعُدُ فِيهِ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، فَإِنِ اسْتَسْقَى مَاءً لَمْ يُسْقَ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَوَامِلُ أُخْرِجَ مِنْهَا وَأُجْلِسَ جِلْسَةً مِنْتَصِبَةً، فَإِذَا أَصَابَهُ الرَّوْحُ وَجَدَ لِذَلِكَ وَجَعًا شَدِيدًا يَطْلُبُ أَنْ يُرَدَّ إِلَى التَّنُّورِ فَيُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ، وَلَا يُرَدُّ إِلَى التَّنُّورِ حَتَّى تَمْضِي سَاعَتَانِ مِنَ النَّهَارِ، فَإِذَا مَضَتْ سَاعَتَانِ مِنَ النَّهَارِ جَرَى ذَلِكَ الْمَاءُ وَخَرَجَ مِنْ مَخَارِجِ الْبَوْلِ، وَإِنْ سُقِيَ مَاءً أَوْ رُدَّ إِلَى التَّنوُّرِ كَانَ تَلَفُهُ فِيهِ فَأَمَرَ بِتَنُّورٍ فَاتُّخِذَ لَهُ وَسُجِّرَ بِحَطَبِ الزَّيْتُونِ حَتَّى إِذَا امْتُلِئَ جَمْرًا أَخْرَجَ مَا فِيهِ وَجُعِلَ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ حُشِيَ بِالرَّطْبَةِ وَعُرِّيَ وَجَلَسَ فِيهِ وَأَقْبَلَ يَصِيحُ وَيَسْتَغِيثُ وَيَقُولُ: أَحْرِقُونِي اسْقُونِي مَاءً، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنَ الْمَاءِ وَلَا يَدَعُهُ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي أُقْعِدَ فِيهِ وَلَا يَتَحَرَّكُ، فَتَنَفَّطَ بَدُنُهُ كُلُّهُ فَصَارَتْ فِيهِ نَفَّاخَاتٌ مِثْلَ الْبِطِّيخِ وَأَعْظَمَ، فَتُرِكَ عَلَى حَالَتِهِ حَتَّى مَضَتْ لَهُ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ أُخْرِجَ وَقَدْ كَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ أَوْ يَقُولُ الْقَائِلُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ: قَدِ احْتَرَقَ، فَأَجْلَسَهُ الْمُطَبِّبُّونَ فَلَمَّا وَجَدَ رَوْحَ الْهَوَى اشْتَدَّ الْوَجَعُ

стр. 1048

وَالْأَلَمُ، فَأَقْبَلَ يَصِيحُ وَيَخُورُ خَوَرَانَ الثَّوْرِ , وَيَقُولُ: رُدُّونِي إِلَى التَّنُّورِ فَاجْتَمَعَ نِسَاءُهُ وَخَوَاصُّهُ لِمَا رَأَوْا بِهِ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ وَالْوَجَعِ وَكَثْرَةِ الصِّيَاحِ، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَ فَرَجًا فِي أَنْ يُرَدَّ إِلَى التَّنُّورِ ثَانِيَةً، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ النَّارِ سَكَنَ صِيَاحُهُ، وَتَفَطَّرَتِ النَّفَّاخَاتُ الَّتِي كَانَتْ خَرَجَتْ مِنْ بَدَنِهِ، فَأُخْرِجَ مِنَ التَّنُّورِ وَقَدِ احْتَرَقَ وَصَارَ أَسْوَدَ كَالْفَحْمِ , فَلَمْ تَمْضِي بِهِ سَاعَاتٌ حَتَّى قَضَى، فَأَضْحَكُ أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِدُعَاءٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِي نَفْسِهِ. فَصْلٌ فِي ذِكْرِ نَسَبِهِ وَمَوْلِدِهِ وَوَفَاتِهِ . هُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدِ بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، وَقِيلَ: ابْنُ إِدْرِيسَ بْنِ عَوْفِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ مَازِنِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَقِيلَ: ابْنُ مَازِنِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَصْلُهُ مَرْوَذِيٌّ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حُمِلْتُ مِنْ مَرْوَ إِلَى بَغْدَادَ وَأُمِّي بِي حُبْلَى. قَالَ صَالِحٌ: قَالَ أَبِي: كَانَ ثُقْبُ أُذُنِي فَصَيَّرَتْ فِيهَا أُمِّي حَبَّتَيْنِ مِنْ لُؤْلُؤٍ، فَلَمَّا تَرَعْرَعَتْ نَزَعَتْهُمَا فَكَانَتَا عِنْدَهَا، فَدَفَعَتْهُمَا إِلَيَّ فَبِعْتُهُمَا بِنَحْوٍ مِنْ

стр. 1049

ثَلَاثِينَ دِرْهَمٍ. وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: لِابْنِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ. قَالَ صَالِحٌ: لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ كَثُرَ النَّاسُ فِي الْمَحِلَّةِ، وَعَلَى الْبَابِ لِلْعِيَادَةِ فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ قَدْ كَثُرَ النَّاسُ، قَالَ: فَمَا تَرَى؟ قُلْتُ: تَأْذَنُ لِي فَيُدْعَوْنَ، قَالَ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا حَتَّى تَمْتَلِئَ الدَّارُ فَيَسْأَلُونَ بِهِ وَيَدْعُونَ لَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ وَيَدْخُلُ قَوْمٌ آخَرُونَ فَكَثُرَ النَّاسُ وَامْتَلَأَ الشَّارِعُ وَأْغَلْقَنَا بَابَ الرِّقَاقِ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ جِيرَانِنَا قَدْ خَضَّبَ، يَعْنِي لِحْيَتَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي لَأَرَى الرَّجُلَ يُحْيِي شَيْئًا مِنَ السُّنَّةِ فَأَفْرَحَ بِهِ، وَدَخَلَ رَجُلٌ يَدْعُو لَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ أَبِي: وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، قَالُوا: وَدَخَلَ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ، وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ جَاءَتْكَ الْبُشْرَى، هَذَا الْخَلْقُ يَشْهَدُ لَكَ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ يَدَهُ وَيَبْكِي، وَجَعَلَ يَقُولُ: أَوْصِنِي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ. قِيلَ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَدُفِنَ بَعْدَ الْعَصْرِ.

стр. 1050

ذِكْرُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ شَامِيٌّ ﵀ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ حَرْبٍ , يَقُولُ لِرَجُلٍ: إِنْ دَخَلْتَ الْقَبْرَ وَمَعَكَ الْإِسْلَامُ فَأَبْشِرْ. وَقَالَ أَحْمَدُ سَمِعْتُ الْوَاهِبِيَّ أَبِي , يَقُولُ: مَنْ أَدْخَلَ فُضُولًا مِنْ طَعَامٍ أَخْرَجَ فُضُولًا مِنْ كَلَامٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: شَكَوْتُ إِلَى أَبِي سُلَيْمَانَ قَسَاوَةَ قَلْبِي وَإِنِّي قَدْ نِمْتُ عَنْ جُزْئِي، فَقَالَ: بِمَا كَسَبَتَ يَدَاكَ، وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ شَهْوَةٌ أَصَبْتُهَا. وَرَمَى ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ بِكُتُبِهِ فِي الْبَحْرِ، وَقَالَ: نِعْمَ الدَّلِيلُ كُنْتَ، وَالِاشْتِغَالُ بِالدَّليِلِ بَعْدَ الْوُصُولِ مُحَالٌ.

стр. 1051

وَفِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ الْحُسَيْنِ: طَلَبَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ الْعِلْمَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَلَمَّا بَلَغَ مِنْهُ الْغَايَةَ حَمَلَ كُتُبَهُ إِلَى الْبَحْرِ فَغَرَّقَهَا، وَقَالَ: يَا عِلْمُ لَمْ أَفْعَلْ بِكَ هَذَا تَهَاوُنًا بِكَ، وَلَا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّكَ وَلَكِنِّي كُنْتُ أَطْلُبُ لِأَهْتَدِي بِكَ إِلَى رَبِّي، فَلَمَّا اهْتَدَيْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي اسْتَغْنَيْتُ عَنْكَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنَ الْقَلَّاءِ , يَقُولُ: إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ خَلَطَ، ثُمَّ عَادَ يَقْرَأُ يَقُولُ اللَّهُ لَهُ: مَالَكَ وَلِكَلَامِي. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ سَمِعْتُ مَحْمُودًا , يَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَمْنَعُهُ عِظَمُ سُلْطَانِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي صِغَرِ سُلْطَانِهِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: أَظُنُّ أَهْلَ الْأَرْضِ يَسْقِيهِمُ اللَّهُ الْغَيْثَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ: وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: مَا أَظُنُّ بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلُهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: كُنْتُ أَسْمَعُ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ يَبْتَدِئُ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَ فَيَقُولُ: مَا هُنَالِكَ إِلَّا عَفْوُهُ وَلَا نَعِيشُ إِلَّا فِي سِتْرِهِ، وَلَوْ كَشَفَ الْغَطَاءَ لَكَشَفَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ.

стр. 1052

وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَأَنْ أَتْرُكَ مِنْ عَشَائِي لُقْمَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آكُلَهَا، وَأَقُومَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُوَفَقِ الْأُرْدُنِيِّ , قَالَ: قَالَ اللَّهُ " لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَرْجُ غَيْرِي مَا وَكَلْتُهُ إِلَى غَيْرِي، وَلَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَخَفْ غَيْرِي مَا أَخَفْتُهُ مِنْ غَيْرِي. ذِكْرُ أَحْمَدَ بْنِ عَاصِمٍ الأنْطَاكِيِّ ﵀ مِنْ أَقْرَانِ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَالسَّرِيِّ السَّقَطِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ حَمْزَةَ الزَّاهِدُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِيَّ، يَقُولُ: «هَذِهِ غَنِيمَةٌ بَارِدَةٌ، أَصْلِحْ مَا بَقِيَ يُغْفَرْ لَكَ مَا قَدْ مَضَى» .

стр. 1053

حَدَّثَنَا قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ، يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] . وَنَحْنُ نَسْتَزِيدُ مِنَ الْفِتْنَةِ قَالَ وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيَّ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزَّاهِدُ , يَقُولُ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ " أَنْفَعُ الْعَقْلِ مَا عَرَّفَكَ نِعْمَ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَأَعَانَكَ عَلَى شُكْرِهَا وَقَامَ بِخِلَافِ الْهَوَى. وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ عَنِ الْإِخْلَاصِ , قَالَ: إِذَا عَمِلْتَ عَمَلًا صَالِحًا فَلَمْ تُحِبَّ أَنْ تُذْكَرَ بِهِ وَتُعَظَّمَ مِنْ أَجْلِ عَمَلِكَ، وَلَا تَطْلُبْ ثَوَابَ عَمَلِكَ مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ، فَذَلِكَ إِخْلَاصُ عَمَلِكَ ". وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ: الْيَقُينُ نُورٌ، يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ حَتَّى يُشَاهِدَ بِهِ أُمُورَ آخِرَتِهِ، وَيَخْرِقَ بِقُوَّتِهِ كُلَّ حِجَابٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الْآخِرَةِ، حَتَّى يُطَالِعَ أُمُورَ الْآخِرَةِ كَالْمُشَاهِدِ لَهَا. وَقَالَ: اعْمَلْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ غَيْرُكَ، وَلَا فِي السَّمَاءِ أَحَدٌ غَيْرُهُ. وَقَالَ: إِذَا طَلَبْتَ صَلَاحَ قَلْبِكَ فَاسْتعِنْ عَلَيْهِ بِحِفْظِ لِسَانِكَ.

стр. 1054

مَنِ اسْمُهُ إِسْحَاقُ. ذِكْرُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَطَرٍ الْحَنْظَلِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِمَامُ عَصْرِهِ بِخُرَاسَانَ فِي الْحِفْظِ وَالْفَتْوَى، مَرْوَذِيُّ الْوِلَادَةِ، سَكَنَ نَيْسَابُورَ وَمَاتَ بِهَا. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ الْأَمِيرُ: لِمَ قِيلَ لَكَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ؟ وَمَا مَعْنَى هَذَا؟ وَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ: اعْلَمْ أَيُّهَا الَأْمِيرُ أَنَّ أَبِي وُلِدَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمَرَاوِذَةُ: رَاهَوَيْهِ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي الطَّرِيقِ، وَكَانَ أَبِي يَكْرَهُ هَذَا، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَكْرَهُهُ.

стр. 1055

قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: أَحْفَظُ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ مِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ يَوْمًا فَقَالَ لِي: يَا أَبَا يَعْقُوبَ بَلَغَنِي أَنَّكَ شَرِبْتَ الْبَلَاذِرَ لِلْحِفْظِ، قُلْتُ: مَا شَرِبْتُهُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ وَلَا هَمَمْتُ بِشُرْبِهِ، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَنْبَأَنِي عُثْمَانُ بْنُ سَاجٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «خُذْ مِثْقَالًا مِنْ كُنْدُرٍ , وَمِثْقَالًا مِنْ سُكَّرٍ , فَدُقَّهُمَا ثُمَّ اقْتَحِمْهِمَا عَلَى الرِّيقِ فَإِنَّهُ جَيِّدٌ لِلنِّسْيَانِ وَالْبَوْلِ» فَصْلٌ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فِي كِتَابِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ بَشَّارٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ الْفَقِيهَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَسْلَمَ الطُّوسِيَّ الزَّاهِدَ حِينَ مَاتَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ , يَقُولُ: " مَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَخْشَى لِلَّهِ مِنْ إِسْحَاقَ
следующие страницы →