Полный текст (1 332 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
بَابُ السِّينِ
ذِكْرُ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ ﵁
كُوفِيٌّ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا يَطْلُبُ الْحَدِيثَ بِنِيَّةٍ لَأَتَيْتُهُ فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى أُحَدِّثَهُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: طَلَبْتُ الْعِلْمَ وَلَمْ تَكُنْ لِي نِيَّةٌ، ثُمَّ رَزَقَنِي اللَّهُ النِّيَّةَ.
وَقَالَ: مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبِي شَيْئًا فَخَانَنِي.
وَقَالَ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُ فَاكْظِمُوا عَلَيْهِ وَلَا تَخْلِطُوهُ
стр. 982
بِضَحِكٍ وَلَا لَعِبٍ فَتَمُجَّهُ الْقُلُوبُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: لَيْسَ طَلَبُ الْعِلْمِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، إِنَّمَا طَلَبُ الْعِلْمِ الْخَشْيَةُ لِلَّهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: كَانَ يُقَالَ لَا تَكُنْ حَرِيصًا عَلَى الدُّنْيَا تَكُنْ حَافِظًا.
وَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ بِالْكَذِبِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ.
وَقَالَ ضَمْرَةُ: نَظَرَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مُسْجًى عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ: يَا سُفْيَانُ لَسْتُ أَغْبِطَكَ الْيَوْمَ بِكَثْرَةِ الْحَدِيثِ إِنَّمَا أَغْبِطُكَ بِعَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمْتَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: لَمَّا مَاتَ سُفْيَانُ أَخْرَجْنَاهُ بِاللَّيْلِ مِنْ أَجْلِ السُّلْطَانِ فَحَمَلْنَاهُ بِاللَّيْلِ، فَمَا أَنْكَرْنَا اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: رَأَيْتُ الثَّوْرِيَّ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فَنَظَرْتُ إِلَى صَدْرِهِ فَإِذَا فِي صَدْرِهِ مَكْتُوبٌ فِي مَوْضِعَيْنِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: لَمَّا أَنْ غَسَّلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَجَدْتُ فِي جَسَدِهِ مَكْتُوبًا: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: كَانَ رَجُلٌ لَهُ حَظٌّ مِنْ عَقْلٍ. . . سَبَقَنَا
стр. 983
النَّاسُ وَمَضَوْا أَمَامَنَا وَبَقِينَا عَلَى حُمُرٍ دَبِرَةٍ! فَقَالَ الرَّجُلُ لِسُفْيَانَ لَوْ كُنْتَ عَلَى الطَّرِيقِ فَشَأْنُكَ أَصْلَحُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَا أَحْسَنَ حَالَهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الطَّرِيقِ.
فَصْلٌ
قَالَ سُفْيَانُ لَا تُجِيبُوا دَعْوَةً إِلَّا دَعْوَةَ مَنْ تَرَوْنَ أَنَّ قُلُوبَكُمْ تَصْلُحُ عَلَى طَعَامِهِ.
وَقَالَ: إِنَّ عَامَّةَ مَنْ دَاخَلَ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا دَفَعَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْعِيَالُ وَالْحَاجَةُ.
وَقَالَ لَا تَغْتَرَّ بِصَاحِبِ عِيَالٍ فَقَلَّ صَاحِبُ عِيَالٍ إِلَّا خَلَّطَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَا تَعْبَأَنَّ بِأَبِ الْعِيَالِ وَلَا تَغْتَرَّنَّ بِهِ.
وَقَالَ: كَانَ الْمَالُ فِيمَا مَضَى يُكْرَهُ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَهُوَ تِرْسُ الْمُؤْمِنِ.
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ تُمْسِكُ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ؟ قَالَ: اسْكُتْ فَلَوْلَا هَذِهِ الدَّنَانِيرُ لَتَمَنْدَلَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: الْحَلَالُ لَا يَحْتَمِلُ السَّرَفَ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَعَرَضْتُ
стр. 984
عَلَيْهِ النَّاسَ فَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَنْ تَأْمُرُ؟ قَالَ: «عَلَيْكَ بِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ» .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: رَأَيْتُ الثَّوْرِيَّ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: أَوْصِنِي، قَالَ: أَقْلِلْ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: سَتَرِدُ فَتَعْلَمَ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ زَائِدَةَ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنِّي أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا سُفْيَانُ يَطِيرُ مِنْ شَجَرَةٍ إِلَى شَجَرَةٍ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] . .
فَصْلٌ
قَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ: كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَرَى سُفْيَانَ مُقَنَّعَ الرَّأْسِ يَشْتَدُّ فِي جِنَازَةِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ , يَقُولُ: إِذَا كَانَ النَّاسِكُ
стр. 985
جِيرَانُهُ عَنْهُ رَاضُونَ فَهُوَ مُدَاهِنٌ.
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخَفَّافُ: مَا لَقِيتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ إِلَّا بَاكِيًا، فَقُلْتُ مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ أَكُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا.
وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ: مَرَّ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِالْغَاضِرِيِّ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِبَعْضِ مَا يُضْحِكُ بِهِ النَّاسَ، فَقَالَ لَهُ: يَا شَيْخُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلَّهِ يَوْمًا يَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ، فَمَا زَالَتْ تُعْرَفُ فِي الْغَاضِرِيِّ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ .
وَقَالَ بَكْرٌ الْعَابِدُ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، دُلَّنِي عَلَى رَجُلٍ أَجْلِسُ إِلَيْهِ، قَالَ: تِلْكَ ضَالَّةٌ لَا تُوجَدُ.
وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: قَالَ لِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَنَا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ:
стр. 986
يَا يُوسُفُ، نَاوِلْنِي الْمِطْهَرَةَ أَتَوَضَّأُ، فَنَاوَلْتُهَا فَأَخَذَهَا بِيَمِينِهِ وَوَضَعَ يَسَارَهُ عَلَى خَدِّهِ، وَنِمْتُ وَاسْتَيْقَظْتُ وَقَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا الْمِطْهَرَةُ فِي يَدِهِ عَلَى حَالِهَا، فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ، قَالَ: لَمْ أَزَلْ مُنْذُ نَاوَلْتَنِي الْمِطْهَرَةَ أَتَفَكَّرُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنَّمَا الْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الصَّبْرِ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِسُفْيَانَ: أَوْصِنِي، قَالَ: اعْمَلْ لِلدُّنْيَا بِقَدْرِ بَقَائِكَ فِيهَا وَلِلْآخِرَةِ بِقَدْرِ مُقَامِكَ فِيهَا، وَالسَّلَامُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَا وَجَدْنَا شَيْئًا أَنْفَعَ فِي دِينٍ وَدُنْيَا مِنْ أَخٍ مُوَافِقٍ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: رَأَيْتُ الثَّوْرِيَّ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ صَلَّى ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَةً فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى نُودِيَ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَيَّامًا، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ: لَا أَدْرِي لَا أَدْرِي.
وَقَالَ عَارِمٌ: أَتَيْتُ أَبَا مَنْصُورٍ، هُوَ بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ السُّلَيْمِيُّ، وَكَانَ سُفْيَانُ مَاتَ فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: مَاتَ سُفْيَانُ فِي هَذَا الْبَيْتِ،
стр. 987
وَكَانَ هَاهُنَا بُلْبُلٌ لِابْنِي، فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا الطَّيْرِ مَحْبُوسًا؟ لَوْ خَلَّى عَنْهُ، فَقَالَ: هُوَ لِابْنِي وَهُوَ يَهَبُهُ لَكَ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعْطِيهِ دِينَارًا، قَالَ: فَأَخَذَهُ فَخَلَّى عَنْهُ، قَالَ: فَكَانَ يَذْهَبُ فَيَرْعَى وَيَجِيءُ بِالْعَشِيِّ فَيَكُونُ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا مَاتَ سُفْيَانُ تَبِعَ جِنَازَتَهُ فَكَانَ يَضْطَرِبُ عَلَى قَبْرِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ بَعْدَ ذَلِكَ لَيَالِيَ إِلَى قَبْرِهِ فَكَانَ رُبَّمَا بَاتَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ وَجَدُوهُ مَيِّتًا عِنْدَ قَبْرِهِ فَدُفِنَ إِلَى جَنْبِ قَبْرِهِ.
فَصْلٌ
قَالَ الْفِرْيَابِيُّ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يُصَلِّي ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَى الشَّبَابِ فَقَالَ: إِذَا لَمْ تُصَلُّوا الْيَوْمَ فَمَتَى، وَقِيلَ لِسُفْيَانَ: لَوْ دَعَوْتَ بِدَعَوَاتٍ، قَالَ: تَرْكُ الذُّنُوبِ هُوَ الدُّعَاءُ، وَكَانَ رُبَّمَا يَأْخُذُ فِي التَّفَكُّرِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ النَّاظِرُ فَيَقُولُ: مَجْنُونٌ، وَكَانَ فِي جَيْبِهِ رُقْعَةٌ يَنْظُرُ فِيهَا كَثِيرًا فَوَقَعَتْ مِنْهُ فَنَظَرُوا فِيهَا فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ: سُفْيَانُ اذْكُرْ وُقُوفَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَسَنِ الصَّرَّافُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى النَّخَعِيُّ , قَالَ " قَدِمْتُ مَعَ الثَّوْرِيِّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَإِذَا بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ بِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى الثَّوْرِيِّ , فَقَالَ: " تَعَالَ حَدِّثْنَا، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ،
стр. 988
تَبْعَثُ إِلَيْهِ بِمِثْلِ هَذَا؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَمَا أَرَدْتَ أَنْ أَنْظُرَ كَيْفَ تَوَاضُعُهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ، قَالَ: فَإِذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَدْ جَاءَهُمْ
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ سَعْدٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ , ,أَنَّهُ قَالَ: " عَجِبْتُ لِمَنْ فِيهِ الْخَيْرُ وَلَيْسَ يَفْرَحُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ فِيهِ الشَّرُّ وَهُوَ فِيهِ كَيْفَ يَغْضَبُ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ نَفْسَهُ عَنِ النَّاسِ، وَأَغْضَبَ النَّاسَ عَلَى الظُّنُونِ
ذِكْرُ سَالِمٍ الْخَوَّاصُ ﵁
قَالَ سَالِمٌ: خَرَجْتُ يَوْمًا أَدُورُ فِي الصَّحْرَاءِ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غَشِيَنِي النَّوْمُ , فَنِمْتُ بَيْنَ قَبْرَيْنِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَرِنِي فِي مَنَامِي هَذَا شَيْئًا أَتَّعِظُ بِهِ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ فِي مَنَامِي: يَا سَلَمَةُ الْقُوتُ كَثِيرٌ لِمَنْ يَمُوتُ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقُضَيْبِيُّ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي: «أَلَا لِيَقُمِ السَّابِقُونَ، فَقَامَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثُمَّ نَادَى الثَّانِيَةَ أَلَا لِيَقُمِ السَّابِقُونَ، فَقَامَ سَلَمَةُ الْخَوَّاصُ، ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ , أَلَا لِيَقُمِ
стр. 989
السَّابِقُونَ، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ» ، قَالَ الْقُضَيْبِيُّ: أَوَّلْتُ ذَلِكَ مَا حَدَثَ.
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِكُلِّ سَابِقٍ.
وَقَالَ سَالِمٌ الْخَوَّاصُ: " أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَلَا أَجِدُ لَهُ حَلَاوَةً، فَقُلْتُ لِنَفْسِي: اقْرَئِيهِ كَأَنَّكِ سَمِعْتِيهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَتْ حَلَاوَةٌ قَلِيلَةٌ، ثُمَّ قُلْتُ لِنَفْسِي: اقْرَئِيهِ كَأَنَّكِ سَمِعْتِيهِ مِنْ جِبْرِيلَ حِينَ يُخْبِرُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: فَازْدَادَتِ الْحَلَاوَةُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهَا: اقْرَئِيهِ كَأَنَّكِ سَمِعْتِيهِ مِنْهُ، يَعْنِي مِنَ اللَّهِ حِينَ كَلَّمَ بِهِ، فَجَاءَتِ الْحَلَاوَةُ كُلُّهَا ".
وَقَالَ سَنَدُ بْنُ مَيْمُونٍ شِعْرًا:
أَرَى الدُّنْيَا لِمِنْ دَنَا فِي يَدَيْهِ ... عَذَابًا كُلَّمَا كَثُرَتْ لَدَيْهِ
تُهِينُ الْمُكْرَمِينَ لَهَا بِصُغْرٍ ... وَتُكْرِمُ كُلَّ مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ
فَدَعْ عَنْكَ الْفُضُولَ تَعِشْ حَمِيدًا ... وَخُذْ مَا أَنْتَ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
стр. 990
ذِكْرُ سُلَيْمَانَ الْخَوَّاصُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
قَالَ مَضَاءُ بْنُ عِيسَى: مَضَى سُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ , بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ وَهُوَ عِنْدَ قَوْمٍ قَدْ أَضَافُوهُ وَأَكْرَمُوهُ، فَقَالَ: نِعْمَ الشَّيْءُ هَذَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ تُكْرِمُهُ عَلَى دِينٍ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: كَانَ سُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ أَتَى بَيْرُوتَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَالَ: مَالِي أَرَاكَ فِي الظُّلْمَةِ؟ قَالَ: ظُلْمَةُ الْقَبْرِ أَشَدُّ، قَالَ: مَالِي أَرَاكَ لَيْسَ لَكَ رَفِيقٌ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ لِي رَفِيقٌ لَا أَقْدِرُ أَنْ أَقُومَ بِحَقِّهِ، قَالَ لَهُ سَعِيدٌ: خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فَأَنَا لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: يَا سَعِيدُ إِنَّ نَفْسِي لَمْ تُجِبْنِي إِلَى هَذَا الَّذِي أَجَبْتَنِي إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ كَدٍّ، فَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَعُودَ بِهَا مِثْلَ دَرَاهِمِكَ هَذِهِ، فَمَنْ لِي بِمِثْلِهَا إِذَا أَنَا أَصْبَحْتُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا.
وَقِيلَ لِسُلَيْمَانَ الْخَوَّاصِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اتَّهَمُوكَ أَنَّكَ تَمُرُّ فَلَا تُسَلِّمُ، وَاللَّهِ مَا ذَاكَ بِقَصْدٍ أَرَاهُ عِنْدِي، وَلَكِنِّي شِبْهُ الْخَشَمِ إِذَا صَوَّرْتُهُ ثَارَ , وَإِذَا أَقْصَدْتُهُ مَعَ النَّاسِ جَاءَ مِنِّي مَا أُرِيدُ وَمَنْ لَا أُرِيدُ.
стр. 991
وَقَالَ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ: كَانَ أَشْرَطَ مِمَّنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَنْظُرُونَ فِي الْحَلَالِ النَّظَرَ السَّدِيدَ، لَا يُدْخِلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْحَلَالِ وَإِلَّا اشْتَكُوا التُّرَابَ، ثُمَّ عَدَّ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ , وَسُلَيْمَانَ الْخَوَّاصَ، وَعَلِيَّ بْنَ الْفُضَيْلِ، وَيَمَانًا أَبَا مُعَاوِيَةَ الْأَسْوَدَ، وَيُوسُفَ بْنَ أَسْبَاطٍ، وَوَهْبَ بْنَ الْوَرْدِيِّ، وَدَاوُدَ الطَّائِيَّ، وَحُذَيْفَةَ الْمَرْغَنِيَّ.
ذِكْرُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسَدِيِّ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا هَذَا الْبُكَاءُ الَّذِي يَعْرِضُ لَكَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا سُؤَالُكَ عَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: يَا عَمِّي لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: مَا قُمْتُ فِي صَلَاتِي إِلَّا مُثِّلَتْ لِي جَهَنَّمُ.
وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ رَجُلٌ لِسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ فَغَضِبَ، وَقَالَ: بَلْ عَجَّلَ اللَّهُ بِي إِلَى رَحْمَتِهِ.
стр. 992
بَابُ الشِّينِ
ذِكْرُ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ أَبِي بِسْطَامٍ ﵁
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فِي كِتَابِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الثَّقَفِيِّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ " وَهَبَ الْمَهْدِيُّ لَشُعْبَةَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَسَّمَهَا عَلَى النَّاسِ، وَأَقْطَعَهُ أَلْفَ جَرِيبٍ بِالْبَصْرَةِ فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَطِيبُ لَهُ فَتَرَكَهَا
стр. 993
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ , يَقُولُ: كَانَ شُعْبَةُ , يَقُولُ: " لَا تَكْتُبُوا الْحَدِيثَ إِلَّا عَنْ غِنًى، وَكَانَ هُوَ فَقِيرًا يَعُولُهُ بَنُو أَخِيهِ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ الْفَقِيهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ مُنِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ , يَقُولُ: قَالَ شُعْبَةُ لَا تَأْخُذُوا الْحَدِيثَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ فَإِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ لَكُمْ.
قَالَ وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَمْشَادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ، يَقُولُ: كُلَّمَا جَلَسَ غَيْرَ مَرَّةٍ: لَوْلَا حَوَائِجِي إِلَيْكُمْ مَا جَلَسْتُ بَيْنَكُمْ، قَالَ عَفَّانُ: وَكَانَتْ حَوَائِجُهُ الَّذِي يَسْأَلُ لِجِيرَانِهِ الْفُقَرَاءِ.
قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَلِيِّ بْنُ عِيسَى الْحُسَيْنِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قُتَيْبَةَ مُسْلِمَ بْنَ قُتَيْبَةَ , يَقُولُ: رُبَّمَا قَالَ شُعْبَةُ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ: يَا قَوْمُ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ كُلَّمَا
стр. 994
تَقَدَّمْتُمْ فِي الْحَدِيثِ تَأَخَّرْتُمْ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: وَرُبَّمَا ضَرَبَ بِيَدِهِ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: وَاخَسَارَكَاهُ شُعْبَةَ.
قَالَ وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَرَّاقُ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْعَقِيلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدَ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ السَّرْخَسِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ، يَقُولُ: تَعَالَوْا نَغْتَابُ فِي اللَّهِ.
فَصْلٌ
قَالَ أَبُو بَحْرٍ الْبَكْرَاوِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَعْبَدَ لِلَّهِ مِنْ شُعْبَةَ، لَقَدْ عَبْدَ اللَّهَ حَتَّى جَفَّ جِلْدُهُ عَلَى عَظْمِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ.
وَقَالَ أَبُو قُطْنٍ: مَا رَأَيْتُ شُعْبَةَ رَكَعَ قَطُّ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ نَسِيَ، وَلَا قَعَدَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ نَسِيَ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: إِذَا كَانَ عِنْدِي دَقِيقٌ وَقَصَبٌ، فَمَا أُبَالِي مَا فَاتَنِي مِنَ الدُّنْيَا.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: كَانَ شُعْبَةُ مِنْ أَرَقِّ النَّاسِ، كَانَ رُبَّمَا مَرَّ بِهِ
стр. 995
السَّائِلُ فَيَدْخُلُ بَيْتَهُ فَيُعْطِيهِ مَا أَمْكَنَهُ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: كُنْتُ أَكُونُ عِنْدَ شُعْبَةَ فَيَجِيءُ السَّائِلُ فَلَا يَكُونُ مَعَهُ شَيْءٌ فَيَقُولُ: يَا يَحْيَى مَعَكَ شَيْءٌ؟ فَأَقُولُ: نَعَمْ، فَأُعْطِيهِ فَيُعْطِي السَّائِلَ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ فَأَقُولُ: يَا أَبَا بِسْطَامٍ إِيشْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: خُذْهَا.
وَقَالَ أَبُو قُطْنٍ: كَانَ ثِيَابُ شُعْبَةَ لَوْنُهَا لَوْنُ التُّرَابِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، كَثِيرَ الصِّيَامِ سَخِيَّ النَّفْسِ.
وَقَالَ عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي، قَالَ: قَوَّمْنَا حِمَارَ شُعْبَةَ وَسَرْجَهُ وَلِجَامَهُ بِضْعَ عَشْرَةَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ شُعْبَةُ إِذَا وَقَفَ فِي مَجْلِسِهِ سَائِلٌ لَا يُحَدِّثُ حَتَّى يُعْطِي.
وَقَالَ حَجَّاجٌ: رَكِبَ شُعْبَةُ حِمَارًا لَهُ فَلَقِيَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَشَكَى إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ شُعْبَةُ: وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ إِلَّا هَذَا الْحِمَارَ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ قُرَادٌ أَبُو نُوحٍ: رَأَى عَلَيَّ شُعْبَةُ قَمِيصًا فَقَالَ: بِكَمِ اشْتَرَيْتَ؟ فَقُلْتُ بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ أمَا تَتَّقِي اللَّهَ، تَلْبَسُ قَمِيصًا
стр. 996
بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، أَلَا اشْتَرَيْتَ قَمِيصًا بِأَربْعَةٍ وَتَصَدَّقْتَ بِأَرْبَعَةٍ كَانَ خَيْرًا لَكَ.
وَذُكِرَ شُعْبَةُ عِنْدَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , فَقَالَ: ذَاكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الصَّغِيرُ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: شُعْبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: اخْتَلَفْتُ إِلَى عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ خَمْسَ مِائَةِ مَرَّةٍ وَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ إِلَّا مِائَةَ حَدِيثٍ فِي كُلِّ خَمْسِ مَجَالِسَ حَدِيثًا.
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: سَأَلْتُ شُعْبَةَ عَنْ حَدِيثٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا حَدَّثْتُكَ بِهِ، لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً.
ذِكْرُ شَيْبَانَ الرَّاعِي ﵁
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ الرَّبَعِيُّ: كَانَ شَيْبَانُ الرَّاعِي إِذَا خَرَجَ إِلَى الْجُمُعَةِ خَطَّ عَلَى غَنَمِهِ بِعَصَاةٍ ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْخَطِّ شَيْءٌ حَتَّى يَرْجِعَ.
قَالَ: وَأَصَابَتْ شَيْبَانَ جَنَابَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ
стр. 997
فَأَمْطَرَتْ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَتْ.
وَحُبِسَ شَيْبَانُ فِي بَيْتٍ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَلَمَّا فُتِحَ الْبَابُ لَمْ يَجِدُوهُ فِي الْبَيْتِ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: خَرَجْتُ حَاجًّا أَنَا وَشَيْبَانُ الرَّاعِي فَلَمَّا صِرْنَا بِبَعْضِ الطُّرُقِ إِذَا نَحْنُ بَأَسَدٍ قَدْ عَارَضَنَا، فَقُلْتُ لِشَيْبَانَ: أَمَا تَرَى هَذَا الْكَلْبَ قَدْ عَرَضَ لَنَا فَقَالَ لِي: لَا تَخَفْ يَا سُفْيَانُ، ثُمَّ صَاحَ بِالْأَسَدِ فَبَصْبَصَ وَضَرَبَ بِذَنَبِهِ مِثْلَ الْكَلْبِ، فَأَخَذَ شَيْبَانُ بِأُذُنِهِ فَعَرَكَهَا فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ الشُّهْرَةُ؟ لِي: وَأَيُّ شُهْرَةٍ تَرَى يَا ثَوْرِيُّ، لَوْلَا كَرَاهِيَةُ الشُّهْرَةِ مَا حَمَلْتُ زَادِي إِلَى مَكَّةَ إِلَّا عَلَى ظَهْرِهِ.
بَابُ الصَّادِ
ذِكْرُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، كَانَ مُؤَذِّنًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَرْوِي عَنِ الزُّهَيْرِيِّ، مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ , لَهُ السِّيرَةُ الْحَسَنَةُ.
стр. 998
ذِكْرُ صَدَقَةَ بْنِ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
شَامِيٌّ، ﵁.
ذِكْرُ صَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، يَرْوِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , وَنَافِعٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا.
стр. 999
بَابُ الضَّادِ
ذِكْرُ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ﵀
مَدَنِيٌّ، يَرْوِي عَنْ نَافِعٍ ﵁.
ذِكْرُ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ بَصْرِيٌّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
شَيْخُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ﵀، لَهُ الْفَضَائِلُ الْكَثِيرَةُ، ﵁.
стр. 1000
بَابُ الطَّاءِ
ذِكْرُ طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
كُوفِيٌّ كَبِيرٌ ﵁.
بَابُ الظَّاءِ
بَابُ الْعَيْنِ
ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، كَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ فَضْلًا وَنُسُكًا وَدِينًا، يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ، ﵄.
стр. 1001
ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنِ بْنِ أَرْطَبَانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، يَرْوِي عَنِ الْحَسَنِ.
قِيلَ: رَأَى أَنَسًا ﵁، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ أَهْلِ زَمَانِهِ عِبَادَةً وَفَضْلًا وَوَرَعًا وَنُسُكًا وَصَلَابَةً فِي السُّنَّةِ وَغِلْظَةً عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ ﵁.
стр. 1002
ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ﵁
مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، يَرْوِي عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، مَاتَ بِهِيتَ، مَدِينَةٌ عَلَى الْفُرَاتِ، وَقَبْرُهُ بِهَا.
كَانَ فِيهِ خِصَالٌ مُجْتَمِعَةٌ لِمَ تَجْتَمِعْ فِي أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي زَمَانِهِ، كَانَ فَقِيهًا عَالِمًا وَرِعًا حَافِظًا يَعْرِفُ السُّنَنَ، رَحَّالًا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، شُجَاعًا يُنَازِلُ الْأَبْطَالَ، أَدِيبًا يَقُولُ الشِّعْرَ، سَخِيًّا بِمَا يَمْلِكُ، وَكَانَ إِذَا سَافَرَ يَحْمِلُ سُفْرَتَهُ عَلَى جَمَلِهِ مِنْ كِبَرِهَا، فَإِذَا نَزَلَ طَرَحَهَا فَوَرَدَهَا مَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْلَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ مَا اتَّجَرْتُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ بَخِلَ بِالْعِلْمِ ابَتُلِيَ بِثَلَاثٍ: إِمَّا بِمَوْتٍ فَيَذْهَبُ عِلْمُهُ، أَوْ بِالنِّسْيَانِ، أَوْ يُبْتَلَى بِالسُّلْطَانِ.
стр. 1003
وَسُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ التَّوَاضُعِ فَقَالَ: التَّكَبُّرُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ.
وَسُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنِ النَّاسُ؟ قَالَ: الْعُلَمَاءُ.
قِيلَ: فَمَنِ الْمُلُوكُ؟ قَالَ: الزُّهَّادُ.
وَسُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَإِلَى جَنْبِهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فَأَشَارَ ابْنُ الْمُبَارَكِ إِلَى السَّائِلِ وَهُوَ خُرَسَانِيٌّ أَنْ يَسْأَلَ أَبَا إِسْحَاقَ، فَسَأَلَهُ فَأَجَابَهُ، ثُمَّ قَالَ الْخُرَسَانِيُّ , لِابْنِ الْمُبَارَكِ بِالْفَارِسِيَّةِ «توجه مي كوهي» فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «مَا بِمَجْلِسِ مهنران سخن تكويم» .
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَوَّلُ مَا يُوضَعُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا يُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ مِنَ الْحَلَالِ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَاحِمٍ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ كَانَ ذَهَبَ بَصَرُهُ، قَالَ ابْنُ الْمُزَاحِمِ: فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيرًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ طَابَ أَصْلُهُ حَسُنَ مَحْضَرُهُ.
стр. 1004
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْأَقَارِبُ عَقَارِبٌ خَيْرُهَا أَبْعَدُهَا وَشَرُّهَا أَقْرَبُهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْعُجْبُ: أَنْ تَرَى أَنَّ عِنْدَكَ شَيْئًا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكَ، وَالْكِبْرُ: أَنْ تَزْدَرِي النَّاسَ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: دَخَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْحَمَّامَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ غُلَامٌ صَبِيحٌ فَقَالَ: أَخْرِجُوهُ أَخْرِجُوهُ، فَإِنِّي أَرَى مَعَ كُلِّ امْرَأَةٍ شَيْطَانًا وَمَعَ كُلِّ غُلَامٍ بِضْعَةَ عَشَرَ شَيْطَانًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَمْ مِنْ مَرْكُوبٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبٍ وَأَطْوَعُ للَّهِ وَأَكْثَرُ ذِكْرًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْكَسْبُ أَحَبُّ لِي مِنْ ضَرْبِ السَّيْفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ: قُلْتُ لِأَبِي: يَا لِأبَهْ مَنْ فَقِيهُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، فَلَمَّا مَاتَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَهْ مَنْ فَقِيهُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فَقِيهُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: قَالَ أَبِي لَئِنْ وَجَدْتُ كُتُبَكَ لَأَحْرَقْتُهَا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا عَلَيَّ مِنْ هَذَا وَهُوَ فِي صَدْرِي.
стр. 1005
وَقِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: إِلَى مَتَى تَطْلُبُ الْعِلْمَ؟ قَالَ: إِلَى أَنْ أَمُوتَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى مَتَى تَطْلُبُ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ فِي لَيْلَةٍ شِتْوِيَّةٍ بَارِدَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُمْنَا لِنَخْرُجَ، فَلَمَّا كُنَّا عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ذَاكَرَنِي بِحَدِيثٍ أَوْ ذَاكَرْتُهُ فَمَا زَالَ يُذَاكِرُنِي وَأُذَاكِرُهُ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَأَذَّنَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ.
وَقَالَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ: مَا خَلَفَ ابْنَ الْمُبَارَكِ بِالْمَشْرِقِ مِثْلُهُ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: مَا قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ نَاحِيَةٍ مِثْلُهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ لِيَسْمَعَ مِنْهُ فَأَبَى أَنْ يُحَدِّثَهُ، فَقَالَ الْهَاشِمِيُّ لِغُلَامِهِ: قُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يَرَى أَنْ يُحَدِّثَنَا، فَلَمَّا قَامَ الْهَاشِمِيُّ لِيَرْكَبَ جَاءَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لِيُمْسِكَ بِرِكَابِهِ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا تَرَى أَنْ تُحَدِّثَنِي وَتَرَى أَنْ تُمْسِكَ بِرِكَابِي، فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: رَأَيْتُ أَنْ أُذِلَّ لَكَ بَدَنِي وَلَا أُذِلَّ لَكَ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 1006
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَذُكِرَ عِنْدَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ , فَقَالَ: سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنِّي لَأَجْهَدُ سَنَةَ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ ابْنِ الْمُبَارَكِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: رَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَخَبَرْتُهُ، وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ وَخَبَرْتُهُ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَجْمَعُ فِي الشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَنَحْوِهِ.
وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: مَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَلَا أَكْثَرَ اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ مِنْهُ.
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ.
فَصْلٌ
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا بَأْسَ بِالْمُعَلَّى بْنِ هِلَالٍ مَا لَمْ يَجِئْ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَغْتَابُ الصَّالِحِينَ فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ , وَقَالَ: اسْكُتْ، إِذَا لَمْ نُبَيِّنِ الْحَقَّ فَمَنْ يُبَيِّنُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي رُزْمَةَ: لَمْ تَكُنْ خِصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْبِرِّ إِلَّا جُمِعَتْ فِي
стр. 1007
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ حَيَاءً وَتَكَرُّمًا، وَحُسْنَ خُلُقٍ، وَحُسْنَ صُحْبَةٍ، وَحُسْنَ مُجَالَسَةٍ، وَالزُّهْدَ وَالْوَرَعَ وَكُلَّ شَيْءٍ.
ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁
كَانَ مِنْ أَزْهَدِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَكْثَرِهِمْ تَخَلِّيًا لِلْعِبَادَةِ، وَأَكْثَرِهِمْ مُوَاظَبَةً عَلَيْهَا، وَكَانَ لَهُ أَخٌ فَوَلِيَ الْمَدِينَةَ، فَهَجَرَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ إِلَى أَنْ مَاتَ.
كَتَبَ مَالِكٌ إِلَى الْعُمَرِيِّ: إِنَّكَ بَدَوْتَ فَلَوْ كُنْتَ عِنْدَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي أَكْرَهُ مُجَاوَرَةَ مِثْلِكَ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَكَ مُتَغَيِّرَ
стр. 1008
الْوَجْهِ فِيهِ سَاعَةً قَطُّ.
وَكَانَ الْعُمَرِيُّ يَلْزَمُ الْجَبَّانَ كَثِيرًا، وَكَانَ لَا يَخْلُو مِنْ كِتَابٍ يَكُونُ مَعَهُ يَنْظُرُ فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَوْعَظُ مِنْ قَبْرٍ، وَلَا أَسْلَمُ مِنْ وَحْدَةٍ، وَلَا آنَسُ مِنْ كِتَابٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْمَكِّيُّ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، وَأَتَاهُ وُجُوهُ أَهْلِ مَكَّةَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْقُصُورِ الْمُحْدِقَةِ بِالْكَعْبَةِ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَصْحَابَ الْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ، اذْكُرُوا ظُلْمَةَ الْقُبُورِ الْمُوحِشَةِ، يَا أَهْلَ التَّنَعُّمِ وَالتَّلَذُّذِ اذْكُرُوا الدُّودَ وَبَلَاءَ الْأَجْسَادُ فِي التُّرَابِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَقَامَ.
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: عِظْنِي، فَأَخَذَ حَصَاةً مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: مِثْلُ هَذَا مِنَ الْوَرَعِ يَدْخُلُ قَلْبَكَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ كَذَا صَلَاةٍ، قَالَ لَهُ: زِدْنِي، قَالَ: كَمَا تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَكَ غَدًا فَكُنْ أَنْتَ لَهُ الْيَوْمَ.
стр. 1009
ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَطِيَّةَ الْعَنْسِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
هُوَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ، وَدَارِيَّا، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ ﵁.
وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: تَسَمَّعُوا لَيْلًا عَلَى أَبِي مُوسَى الدَّارَانِيِّ فَسَمِعُوهُ يَقُولُ: يَارَبِّ إِنْ طَالَبْتَنِي بَسَرِيرَتِي طَالَبْتُكَ بِتَوْحِيدِكَ، وَإِنْ طَالَبْتَنِي بِذُنُوبِي طَالَبْتُكَ بِكَرَمِكَ، وَإِنْ جَعَلْتَنِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَخْبَرْتُ أَهْلَ النَّارِ بِحُبِّي إِيَّاكَ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي نَهَارِهِ كُفِيَ فِي لَيْلِهِ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِي لَيْلِهِ كُفِيَ فِي نَهَارِهِ، وَمَنْ صَدَقَ فِي تَرْكِ شَهْوَةٍ كُفِيَ مُؤْنَتَهَا، وَكَانَ اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَ قَلْبًا بِشَهْوَةٍ تُرِكَتْ لَهُ.
стр. 1010
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ لَوْ تَوَكَّلْنَا عَلَى اللَّهِ مَا بَنَيْنَا الْحَائِطَ، وَلَا جَعَلْنَا لِبَابِ الدَّارِ غَلْقًا مَخَافَةَ اللُّصُوصِ.
وَسَأَلَ رَجُلٌ أَبَا سُلَيْمَانَ عَنْ أَقْرَبِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ , فَبَكَى وَقَالَ: مِثْلُكَ يَسْأَلُ عَنْ هَذَا! أَفْضَلُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى قَلْبِكَ، وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ غَيْرَهُ.
وَقَالَ: إِذَا اسْتَحَى الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْخَيْرَ.
وَقَالَ: كُلَّمَا ارْتَفَعَتْ مَنْزِلَةُ الْقَلْبِ كَانَتِ الْعُقُوبَةُ إِلَيْهِ أَسْرَعَ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ لَا تَجِيءُ الْوَسَاوِسُ إِلَّا إِلَى كُلِّ قَلْبٍ عَامِرٍ، رَأَيْتُ لِصًّا قَدْ يَأْتِي الْخَرَابَةَ يَنْقُبُهَا وَهُوَ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّ الْأَبْوَابِ شَاءَ، إِنَّمَا يَجِيءُ إِلَى بَيْتٍ فِيهِ رِزَمٌ وَقَدْ أُقفِلَ يَنْقُبُهُ لِيَسْتَلَّ الرِّزْمَةَ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: قَدْ أَسْكَنَهُمُ الْغُرَفَ قَبْلَ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ قبل أَنْ يَعْصُوهُ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْمِلُ الطَّعَامَ إِلَى الْأَصْنَامِ وَاللَّهُ يُحِبُّهُ، مَا ضَرَّهُ ذَاكَ عِنْدَ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: جُوعٌ قَلِيلٌ وَسَهَرٌ قَلِيلٌ وَبَرْدٌ قَلِيلٌ يَقْطَعُ عَنْكَ الدُّنْيَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي قُلْتُ لِأَبِي سُلَيْمَانَ: لَمْ أُوتِرِ الْبَارِحَةَ وَلَمْ
стр. 1011
أُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَلَمْ أُصَلِّ الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، قَالَ: بِمَا كَسَبَتْ يَدَاكَ: وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
شَهْوَةٌ أَصَبْتَهَا.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: الدُّنْيَا تَطْلُبُ الْهَارِبَ مِنْهَا، وَتَهْرُبُ مِنَ الطَّالِبِ لَهَا، فَإِنْ أَدْرَكَتِ الْهَارِبَ مِنْهَا جَرَحَتْهُ، وَإِنْ أَدْرَكَهَا الطَّالِبُ لَهَا قَتَلَتْهُ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: مِفْتَاحُ الْآخِرَةِ الْجُوعُ، وَمِفْتَاحُ الدُّنْيَا الشِّبَعُ، وَأَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: كُنْتُ لَيْلَةً بَارِدَةً فِي الْمِحْرَابِ فَأَقْلَقَنِيَ الْبَرْدُ فَخَبَّأْتُ إِحْدَى يَدَيَّ مِنَ الْبَرْدِ، وَبَقِيَتِ الْأُخْرَى مَمْدُودَةً فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ قَدْ وَضَعْنَا فِي هَذِهِ مَا أَصَابَهَا وَلَوْ كَانَتِ الْأُخْرَى لَوَضَعْنَا فِيهَا، فَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أَدْعُوا إِلَّا وَيَدَايَ خَارِجَتَانِ حَرًّا كَانَ أَوْ بَرْدًا.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: الْعِيَالُ يُضْعِفْنَ يَقِينَ الرَّجُلِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ فَجَاعَ فَرِحَ، وَإِذَا كَانَ لَهُ عِيَالٌ طَلَبَ لَهُمْ، وَإِذَا جَاعَ الطَّالِبُ فَقَدْ ضَعُفَ الْيَقِينُ.
стр. 1012
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ لِي سُلَيْمَانُ: يَا أَحْمَدُ إِنِّي أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ، فَلَا تُحَدِّثْ بِهِ حَتَّى أَمُوتَ: نِمْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَنْ وِرْدِي فَإِذَا بِحَوْرَاءَ تُنَبِّهُنِي وَتَقُولُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ تَنَامُ وَأَنَا أُرَبَّى لَكَ فِي الْخُدُورِ مُنْذُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: إِذَا جَاءَتِ الدُّنْيَا إِلَى الْقَلْبِ تَرَحَّلَتِ الْآخِرَةُ، وَإِذَا كَانَتِ الدُّنْيَا فِي الْقَلْبِ لَمْ تَجِئِ الْآخِرَةُ تَزْحَمُهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْآخِرَةُ فِي الْقَلْبِ جَاءَتِ الدُّنْيَا تَزْحَمُهَا، لأَنَّ الدُّنْيَا لَئِيمَةٌ وَالْآخِرَةُ عَزِيزَةٌ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: إِذَا لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ شَيْءٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَدَرَّعَ عَبَاءَةً وَيَلْزَمَ الطَّرِيقَ، لأن العباءة علم من أعلام الزهد، ولو أَنَّهُ سَتَرَ زُهْدَهُ بِثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ يَخْلِطُهُ بِالنَّاسِ كَانَ أَسْلَمَ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: كَيْفَ يَتْرُكُ الدُّنْيَا مَنْ تَأْمُرُونَهُ بِتَرْكِ الدُّنْيَا وَالدِّرْهَمِ، وَهُمْ إِذَا أَلْقَوْهَا أَخَذْتُمُوهَا أَنْتُمْ.
وَقَالَ: كُلُّ مَا شَغَلَكَ عَنِ اللَّهِ مِنْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ فَهُوَ عَلَيْكَ مَشْئُومٌ.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: إِذَا ذَكَرْتُ الْخَطِيئَةَ لَمْ أَشْتَهِ أَنْ أَمُوتَ، قُلْتُ: أَبْقَى لَعَلِّي أَتُوبُ.
стр. 1013
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا غِنًى كَغِنَى النَّفْسِ، وَلَا نِعْمَةَ كَالْعَافِيَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَا عَافِيَةَ كَمُسَاعَدَةِ التَّوْفِيقِ.
ذِكْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
مَكِّيٌّ كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَقُرَّائِهِمْ وَمُفْتِيهِمْ ﵁.
ذِكْرُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، يَرْوِي عَنِ الزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ فَقِيهًا وَرِعًا مُتَابِعًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ.
стр. 1014
بَابُ الْفَاءِ
ذِكْرُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ﵁
قِيلَ: وُلِدَ بِسَمَرْقَنْدَ وَنَشَأَ بَأَبْيُوَرْدَ.
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: يَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ يَكُونُونَ إِخْوَانَ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءَ السَّرِيرَةِ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
стр. 1015
الرَّازِيُّ , سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ نَصْرِ بْنِ مَنْصُورٍ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا مَرْدَوَيْهِ الصَّائِغُ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ , يَقُولُ: " مَنْ جَلَسَ إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ لَمْ يُعْطَ الْحِكْمَةَ قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: لَمْ يُدْرَكْ عِنْدَنَا مَنْ أَدْرَكَ بِكَثْرَةِ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ إِنَّمَا أَدْرَكَ بِسَخَاءِ الْأَنْفُسِ، وَسَلَامَةِ الصُّدُورِ، وَالنُّصْحِ لِلْأُمَّةِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: لَمْ يَتَزَيَّنِ النَّاسُ بِأَفْضَلَ مِنَ الصِّدْقِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَكْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ الدَّاجِيَانِ، حَدَّثَنَا فَتْحُ بْنُ شَخْرَفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُبَيْقٍ , قَالَ: قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ «تَبَاعَدْ مِنَ الْقُرَّاءِ فَإِنَّهُمْ إِنْ أَحَبُّوكَ مَدَحُوكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ، وَإِنْ غَضِبُوا شَهِدُوا عَلَيْكَ وَقُبِلَ مِنْهُمْ» .
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ خَالِدٍ الْبَغْدَادِيُّ , بِنَيْسَابُورَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ " سُئِلَ الْفُضَيْلُ
стр. 1016
بْنُ عِيَاضٍ عَنِ التَّوَاضُعِ فَقَالَ: تَخْضَعُ لِلْحَقِّ وَتَنْقَادُ لَهُ، وَتَقْبَلُ الْحَقَّ بِكُلِّ مَنْ تَسْمَعُهُ مِنْهُ ".
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ , يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمَرْوَذِيَّ , يَقُولُ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ , يَقُولُ: قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: «أَشْتَهِي مَرَضًا بِلَا عُوَّادٍ» .
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الشَّيْبَانِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ زَنْجَوِيَّةَ بْنَ الْحَسَنِ اللَّبَّادُ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهِلَالِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ , يَقُولُ: " إِنَّ فِيكُمْ خَصْلَتَيْنِ هُمَا مِنَ الْجَهْلِ: الضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَالتَّصَبُّحُ مِنْ غَيْرِ سَهَرٍ ".
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: مَنْ أَظْهَرَ لِأَخِيهِ الْوُدَّ وَالصَّفَاءَ بِلِسَانِهِ وَأَضْمَرَ لَهُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَأَصَمَّهُ وَأَعْمَى بَصَرَ قَلْبِهِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] .
قَالَ: الَّذِينَ يُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
стр. 1017
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: كَانَ يُقَالُ: جُعِلَ الشَّرُّ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا، وَجُعِلَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: مَنْ كَفَّ شَرَّهُ مَا ضَيَّعَ مَا سَرَّهُ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: ثَلَاثُ خِصَالٍ يُقَسِّينَ الْقَلْبَ: كَثْرَةُ الْأَكْلِ، وَكَثْرَةُ النَّوْمِ، وَكَثْرَةُ الْكَلَامِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: خَيْرُ الْعَمَلِ أَخْفَاهُ، وَأَمْنَعُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَبْعَدُهُ مِنَ الرِّيَاءِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ أَنْ تُحَدِّثَ بِهَا.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: أَبَا اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ أَرْزَاقَ الْعِبَادِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: لَا عَمَلَ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَلَا أَجْرَ لِمَنْ لَا خَشْيَةَ لَهُ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ , يَقُولُ: طُوبَى لِمَنِ اسْتَوْحَشَ مِنَ النَّاسِ وَأَنِسَ بِرَبِّهِ وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ.
стр. 1018
قَالَ الْفُضَيْلُ: أَصْلُ الزُّهْدِ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ وَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْتَقِدُ أَخَا الرَّجُلِ فِي الرِّضَا، وَلَكِنْ أَعْتَقِدُ أَخَاهُ فِي الْغَضَبِ إِذَا أَغْضَبْتَهُ.
وَقَالَ: مَنْ عَرَفَ النَّاسَ اسْتَرَاحَ.
بَابُ الْمِيمِ
ذِكْرُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ كُوفِيٌّ ﵁
كَانَ مِنْ أَعْبَدِ أَهْلِ زَمَانِهِ، قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ مِنْ أَعْبَدِ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَرْمَانِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ , فَقُلْتُ لَهُ: كَأَنَّكَ تَكْرَهُ مُجَالَسَةَ النَّاسِ، قَالَ: أَجَلْ، قُلْتُ:
стр. 1019
أَمَا تَسْتَوْحِشُ، قَالَ: كَيْفَ أَسْتَوْحِشُ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي» ! .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ بِي فَافْرَحُوا، وَبِذِكْرِي فَتَنَعَّمُوا.
وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ , عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ الْمُبَادَرَةُ.
وَقَالَ شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ: صَحِبْتُ مُحَمَّدَ بْنَ النَّضْرِ إِلَى عَبَّادَانَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا بِثَلَاثٍ إِحْدَاهُنَّ قَالَ لِرَجُلٍ: أَحْسِنْ صَلَاتَكَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ: شَغَلَ الْمَوْتُ قُلُوبَ الْمُتَّقِينَ عَنِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ اضْطَرَبَتْ مَفَاصِلُهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ الرَّعْدَةُ فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو زُبَيْدٍ: اخْتَفَى عِنْدِي مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ فِي هَذِهِ الْعَلِيَّةِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَمَا رَأَيْتُهُ نَائِمًا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا.
стр. 1020
وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: شَهِدْتُ غُسْلَهُ حِينَ مَاتَ فَلَوْ سُلِخَ كُلُّ لَحْمٍ كَانَ عَلَيْهِ مَا كَانَ رَطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ، وَكَانَ يُمْسِي صَائِمًا ويَجِئُ إِلَى الْقُلَّةِ وَقَدْ بَرَدَتْ لَهُ، فَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: تَشْتَهِيهَا لَا تَذُوقِيهَا.
وَكَتَبَ إِلَى أَخٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ فِي دَارِ تَمْهِيدٍ وَأَمَامَكَ مَنْزِلَانِ لَابُدَّ لَكَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَأْتِكَ أَمَانٌ فَتَطْمَئِنَّ، وَلَا بَرَاءَةٌ فَتُقَصِّرَ وَالسَّلَامُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ: مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَلَهُ مَنْ يَعْمَلُ فِي الدَّرَجَاتِ، فَإِذَا أَمْسَكَ أَمْسَكُوا، فَيُقَالُ: مَا لَكُمْ قَصَّرْتُمْ فَيَقُولُونَ: صَاحِبُنَا لَاهٍ.
следующие страницы →