Полный текст (1 332 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَقَالَ: عُمَرُ كَانَ حِصْنًا حَصِينًا لِلْإِسْلَامِ، النَّاسُ يَدْخُلُونَ فِيهِ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهُ فَأَصْبَحَ الْحِصْنُ قَدِ انْهَدَمَ وَالنَّاسُ يَخْرُجُونَ مِنْهُ وَلَا يَدْخُلُونَ فِيهِ.
وَقَالَ: إِنْ كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ لَفَتْحًا وَإِنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لَنَصْرًا.
стр. 107
فَصْلٌ
أخبرنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ السِّمْسَارُ، أخبرنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَخِي نُعْمَانُ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄، أَنَّهَا قَالَتْ لِأَبِيهَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا عَلَيْكَ لَوْ لَبِسْتَ أَلْيَنَ مِنْ ثَوْبِكَ هَذَا، وَأَكَلْتَ طَعَامًا غَيْرَ هَذَا، قَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْأَرْضَ وَأَوْسَعَ الرِّزْقَ، فَقَالَ: أُخَاصِمُكِ إِلَى نَفْسِكِ، أَمَا تَعْلَمِينَ مَا كَانَ يَلْقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَبْكَاهَا، قَالَ: قُلْتُ لَكِ إِنَّهُ كَانَ لِي صَاحِبَانِ سَلَكَا طَرِيقًا، وَإِنِّي إِنْ سَلَكْتُ غَيْرَ طَرِيقِهِمَا سُلِكَ بِي غَيْرُ طَرِيقِهِمَا، فَإِنِّي وَاللَّهِ لَأُشْرِكَنَّهُمَا فِي مِثْلِ عَيْشِهِمَا الشَّدِيدِ لَعَلِّي أُدْرِكُ مَعَهُمَا عَيْشَهُمَا الرَّخِيَّ يَعْنِي بِصَاحِبَيْهِ: النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 108
وَأَبَا بَكْرٍ ﵁
أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْخِرَقِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ الْمَدِينِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا
стр. 109
الْمَجْلِسَ عُمَرُ، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَّمْتُهَا، فَقُلْتُ: مَا كُنْتَ لِتَفْعَلَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا، قَالَ: هُمَا الْمَرْآنِ أَقْتَدِي بِهِمَا
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ أَوْفَى بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ عُمَرُ خَرَجَ عَلَيْنَا عَلِيٌّ ﵁، فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ بَاكِيَةِ عُمَرَ، وَاعُمَرَاهُ قَوَّمَ الْأَوَدَ، وَأَبَرَّ الْعَمْدَ، وَاعُمَرَاهُ مَاتَ نَقِيُّ الْجَيْبِ قَلِيلُ الْعَيْبِ، وَاعُمَرَاهُ ذَهَبَ بِالسُّنَّةِ وَأَبْقَى الْفِتْنَةَ.
وَعَنْ مَعْرُوفِ بْنِ أَبِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: سُمِعَ صَوْتٌ يَوْمَ أُصِيبَ عُمَرُ ﵁:
لِيَبْكِ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ كَانَ بَاكِيًا ... فَقَدْ أَوْشَكُوا هَلْكَى وَمَا قَدُمَ الْعَهْدُ
فَأَدْبَرَتِ الدُّنْيَا وَأَدْبَرَ أهْلُهَا ... وَقَدْ مَلَّهَا مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالْوَعْدِ
стр. 110
وَعَنْ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ جِدَّتِهِ، قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ عُمَرَ ﵁ كَأَنَّ النَّاسَ يَرَوْنَ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، جَعَلَ الرَّجُلُ يُوصِي كَأَنَّهُمْ قَدْ أَتَاهُمُ الْأَمْرُ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا نَفَرَ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ فَكَوَّمَ كُومَةً مِنْ بَطْحَاءَ فَأَلْقَى عَلَيْهَا طَرَفَ ثَوْبِهِ ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَيْهِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي غَيْرَ مُضَيِّعٍ، وَلَا مُفَرِّطٍ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ فُرِضَتْ لَكُمُ الْفَرَائِضُ، وَسُنَّتْ لَكُمُ السُّنَّةُ وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ إِلَّا أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى طُعِنَ فَمَاتَ.
стр. 111
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁: تُوُفِّيَ عُمَرُ ﵁، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: قُتِلَ عُمَرُ ﵁ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ بَقَيْنَ عَنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَنِصْفًا وَأَيَّامًا، وَخِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا.
стр. 112
فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالِاقْتِدَاءِ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄
أخبرنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ السِّمْسَارُ، أخبرنا الْفَضْلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ بُنْدَارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّايِغُ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مَوْلًى لِرِبْعِيٍّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْتَدُوا بِالَّذِينَ مِنْ بَعْدِي يُشِيرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَاهْدُوا هَدْيَ عَمَّارٍ، وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ»
стр. 113
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄
رُوِيَ عَنْ شِبَاكٍ، قَالَ: بَلَغَ عَلِيًّا أَنَّ ابْنَ السَّوْدَاءِ يَنْتَقِصُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَدَعَا بِهِ، وَدَعَا لَهُ بِالسَّيْفِ، وَهَمَّ بِقَتْلِهِ فَكُلِّمَ فِيهِ، فَقَالَ لَا يُسَاكِنُنِي بِبَلْدَةٍ أَنَا فِيهَا، فَسَيَّرَهُ إِلَى الْمَدَائِنِ.
وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ، قَالَ: مَرَرْتُ بِنَفَرٍ مِنَ الشِّيعَةِ وَهُمْ يَتَنَاوَلُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي مَرَرْتُ آنِفًا بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِكَ وَهُمْ يَذْكُرُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بِغَيْرِ الَّذِي هُمَا لَهُ مِنَ الْأَمْرِ أَهْلًا، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّكَ تُضْمِرُ لَهُمَا بِمِثْلِ مَا أَعْلَنُوا مَا اجْتَرَءُوا عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أُضْمِرَ لَهُمَا، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَضْمَرَ لَهُمَا إِلَّا الْحَسَنَ الْجَمِيلَ، أَخَوَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَاهُ وَوَزِيرَاهُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا.
ثُمَّ نَهَضَ دَامِعًا عَيْنَاهُ يَبْكِي قَابِضًا عَلَى يَدَيَّ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنًا قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ يَنْظُرُ فِيهَا وَهِيَ بَيْضَاءُ حَتَّى اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ، ثُمَّ قَامَ فَتَشَهَّدَ بِخُطْبَةٍ بَلِيغَةٍ مُوجَزَةٍ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَذْكُرُونَ سَيِّدَيْ قُرَيْشٍ
стр. 114
وَأَبَوَيِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا أَنَا عَنْهُ مُتَنَزِّهٌ وَعَمَّا يَقُولُونَ بَرِيءٌ، وَعَلَى مَا يَقُولُونَ مُعَاقِبٌ، أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّهُمَا إِلَّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَلَا يَبُغِضُهُمَا إِلَّا فَاجِرٌ رَدِيٌّ، صَحِبَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْوَفَاءِ وَالصِّدْقِ يَأْمُرَانِ، وَيَنْهَيَانِ، وَيَقْضِيَانِ، وَيُعَاقِبَانِ، وَلَا يُجَاوِزَانِ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرَى مِثْلَ رَأْيِهِمَا رَأْيًا، وَلَا يُحِبُّ كَحُبِّهِمَا أَحَدًا، مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمَا رَاضٍ، وَمَضَيَا وَالْمُؤْمِنُونَ عَنْهُمَا رَاضُونَ، أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ عَلَى صَلَاةِ الْمُؤْمِنِينَ فَصَلَّى بِهِمْ تِسْعَةَ أَيَّامٍ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ ، وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ وَلَّاهُ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَعْطَوْهُ الْبَيْعَةَ طَائِعِينَ غَيْرَ كَارِهِينَ، أَنَا أَوَّلُ مَنْ سَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ لِذَلِكَ كَارِهٌ يَوَدُّ لَوْ أَنَّ أَحَدَنَا كَفَاهُ ذَلِكَ، كَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ مَنْ بَقِيَ، أَرْحَمَهُ رَحْمَةً وَأَرْأَفَهُ وَأَبْيَنَهُ وَرَعًا، وَأَقْدَمَهُ سِنًّا وَإِسْلَامًا، شَبَّهَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِيكَائِيلَ رَحْمَةً، وَبِإِبْرَاهِيمَ عَفْوًا وَوَقَارًا، فَسَارَ بِنَا سِيرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَضَى عَلَى ذَلِكَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَاسْتَأْمَرَ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَضِيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ، فَكُنْتُ فِيمَنْ رَضِيَ، فَلَمْ يُفَارِقِ الدُّنْيَا حَتَّى رَضِيَ عَنْهُ مَنْ كَانَ كَرِهَهُ، وَأَقَامَ الْأَمْرَ عَلَى مِنْهَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبِهِ يَتَّبِعُ آثَارَهُمَا كَاتِّبَاعِ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ،
стр. 115
وَكَانَ وَاللَّهِ رَفِيقًا رَحِيمًا بِالضُّعَفَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ، عَوْنًا وَنَاصِرًا لِلْمَظْلُومِينَ عَلَى الظَّالِمِينَ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ بِالْحَقِّ عَلَى لِسَانِهِ، وَجَعَلَ الصِّدْقَ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى أَنْ كُنَّا لَنَظُنُّ أَنَّ مَلَكًا يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ، أَعَزَّ اللَّهُ بِإِسْلَامِهِ الْإِسْلَامَ، وَجَعَلَ هِجْرَتَهُ لِلدِّينِ قِوَامًا، أَلْقَى اللَّهُ لَهُ فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ الرَّهْبَةَ، وَفِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَحَبَّةَ، شَبَّهَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجِبْرِيلَ فَظًّا غَلِيظًا عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَبِنُوحٍ حَنِقًا مُغْتَاظًا عَلَى الْكُفَّارِ، الضَّرَّاءُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عِنْدَهُ آثَرُ مِنَ السَّرَّاءِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، مَنْ لَكُمْ بِمِثْلَيْهِمَا؟ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَرَزَقَنَا الْمُضِيَّ عَلَى سَبِيلِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغُهُمَا إِلَّا بِاتِّبَاعِ آثَارِهِمَا وَالْحُبِّ لَهُمَا، فَمَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّهُمَا، وَمَنْ لَمْ يُحِبَّهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي أَمْرِهِمَا لَعَاقَبْتُ عَلَى هَذَا أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ، إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ أُعَاقِبَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ، أَلَا فَمَنْ أُتِيتُ بِهِ يَقُولُ هَذَا بَعْدَ الْيَوْمِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُفْتَرِي، أَلَا وَخَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ الْفَارُوقُ، ثُمَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ أَيْنَ هُوَ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَيَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ.
стр. 116
وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ وَلَّاهُ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ، وَفَوَّضُوا إِلَيْهِ الزَّكَاةَ لِأَنَّهُمَا مَقْرُونَتَانِ، ثُمَّ أَعْطَوْهُ الْبَيْعَةَ.
وَعَنْ صِلَةَ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: مَا اسْتَبَقْنَا إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلَّا سَبَقَنَا إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ.
وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِصَحِيفَتِهِ مِنْ هَذَا الْمَسْجِيِّ عَلَيْهِ - يَعْنِي عُمَرَ ﵁.
стр. 117
فَصْلٌ
أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْخِرَقِيُّ، أخبرنا الْفَضْلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّايِغُ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُمَرَ ثَوْبًا غَسِيلًا، فَقَالَ: «الْبِسْ جَدِيدًا، وَعِشْ حَمِيدًا، وَمُتْ شَهِيدًا، وَيُعْطِيكَ اللَّهُ قُرَّةَ عَيْنٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»
стр. 118
قَالَ: وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ تَلَقَّاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَخَاضَ إِلَيْهِ عُمَرُ الْمَاءَ فِي خُفَّيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَزَّنَا بِالْإِسْلَامِ، قَالَ: وَقَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَدَهُ، ثُمَّ خَلَوْا فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ
стр. 119
قَالَ وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ، وَوُضِعَ عِلْمُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى رَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ الْحَارِثِيِّ، أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَعْجَبَتْهُ هَيْئَتَهُ وَنَحْوَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِطَعَامٍ لَيِّنٍ وَمَرْكَبٍ لَيِّنٍ وَمَلْبَسٍ لَيِّنٍ لَأَنْتَ، وَكَانَ أَكَلَ طَعَامًا غَلِيظًا، فَرَفَعَ عُمَرُ جِرِيدَةً كَانَتْ مَعَهُ، فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَرَدْتَ بِهَا اللَّهَ، مَا أَرَدْتَ بِهَا إِلَّا مُقَارَبَتِي، إِنْ كُنْتُ لَأَحْسَبُ أَنْ يَكُونَ فِيكَ خَيْرٌ، وَيْحَكَ، هَلْ تَدْرِي مَا مَثَلِي وَمَثَلَ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: وَمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُهُمْ؟ قَالَ: مِثْلُ قَوْمٍ سَافَرُوا فَدَفَعُوا نَفَقَاتِهِمْ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: أَنْفِقْ عَلَيْنَا.
فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْتَأْثِرَ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ؟ قَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَذَاكَ مَثَلِي وَمَثَلُهُمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنِّي لَمْ أَسْتَعْمِلْهُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ يَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ وَلِيَشْتِمُوا أَعْرَاضَكُمْ وَلِيَأْكُلُوا
стр. 120
أَمْوَالَكُمْ، وَلَكِنِ اسْتَعْمَلْتُهُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ كِتَابَ رَبِّكُمْ، وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ ، فَمَنْ ظَلَمَهُ عَامِلُهُ بِمَظْلَمَةٍ فَلْيَرْفَعْهَا إِلَيَّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَدَّبَ أَمِيرٌ رَجُلًا أَتَقُصُّهُ مِنْهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَمَالِي لَا أَقُصُّهُ مِنْهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُصُّ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: «لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلَا تَحْرِمُوهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ، وَلَا تُجَمِّرُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهُمُ الْغِيَاضَ فَتُضَيِّعُوهُمْ» وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، خَطَبَ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ: إِنِّي وَاللَّهِ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تُؤْنِسُونَ مِنِّي شِدَّةً وَغِلَظًا، وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكُنْتُ عَبْدَهُ وَخَادِمَهُ وَجِلْوَازَهُ، وَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وَكُنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ إِلَّا أَنْ يَغْمِدَنِي أَوْ يَنْهَانِي عَنْ أَمْرٍ فَأَكُفُّ عَنْهُ، وَإِلَّا أَقْدَمْتُ عَلَى النَّاسِ لِمَكَانِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ أَزَلْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ رَاضٍ عَنِّي، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى
стр. 121
ذَلِكَ كَثِيرًا وَأَنَا بِهِ أَسْعَدُ، ثُمَّ قُمْتُ ذَلِكَ الْعَامَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَانَ مَنْ عَلِمْتُمْ فِي كَرَمِهِ وَدِعَتِهِ وَلِينِهِ، وَكُنْتُ خَادِمَهُ وَجِلْوَازَهُ، وَكُنْتُ كَالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى النَّاسِ، أَخْلِطُ شِدَّتِي بِلِينِهِ، إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَيَّ فَأَكُفُّ وَإِلَّا أَقْدَمْتُ، فَلَمْ أَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ﵁ وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَأَنَا أَسْعَدُ بِهِ ثُمَّ جَاءَ أَمْرُكُمْ إِلَيَّ الْيَوْمَ، فَأَنَا أَعْلَمُ أَنْ سَيَقُولُ قَائِلٌ: قَدْ كَانَ مُتَشَدِّدًا عَلَيْنَا وَالْأَمْرُ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ.
أَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونَ عَنِّي أَحَدًا، قَدْ عَرَفْتُمُونِي، وَجَرَّبْتُمُونِي، وَقَدْ عَرَفْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ مَا عَرَفْتُ وَمَا أَصْبَحْتُ نَادِمًا عَلَى شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَقَدْ سَأَلْتُهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِدَّتِي الَّتِي كُنْتُمْ تَرَوْنَ تَزْدَادُ أَضْعَافًا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى الظَّالِمِ وَالْمُعْتَدِي، وَالْأَخْذُ لِلْمُسْلِمِينَ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ قَوِيِّهِمْ، وَإِنِّي بَعْدَ شِدَّتِي ذَلِكَ وَاضِعٌ خَدَّيَّ بِالْأَرْضِ لِأَهْلِ الْعَفَافِ وَأَهْلِ الْكَفِّ فِيكُمْ وَالتَّسْلِيمِ، وَإِنِّي لَسْتُ آلِي إِنْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ فِي أَحْكَامِكُمْ أَنْ أَمْشِيَ مَعَهُ إِلَى مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ، فَيَنْظُرُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَأَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِكَفِّهَا وَأَعِينُونِي عَلَى نَفْسِي بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِحْضَارِي النَّصِيحَةَ فِيمَا وَلَّانِيَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِكُمْ.
قَالَ سَعِيدٌ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ وَفَى لِلَّهِ بِمَا قَالَ.
وَزَادَ فِي مَوْضِعِ الشِّدَّةِ عَلَى أَهْلِ الرَّيْبِ وَالظُّلْمِ، وَالرِّفْقِ بِأَهْلِ الْحَقِّ مَنْ كَانُوا.
стр. 122
فَصْلٌ
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ السِّمْسَارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ بِالْحَدِيثِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَصْلٌ
أخبرنا طَرَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ، بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، وَحَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ الْفَضْلِ الْعَنْزِيُّ، أخبرني إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدٍ الْعِجْلِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَمَّارُ أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَقُلْتُ لَهُ: يَا جِبْرِيلُ، حَدِّثْنِي بِفَضَائِلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَوْ حَدَّثْتُكَ بِفَضَائِلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي السَّمَاءِ مِثْلَ مَا لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ
стр. 123
أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا مَا نَفِدَتْ فَضَائِلُ عُمَرَ ﵁، وَإِنَّ عُمَرَ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ " ﵄
أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أخبرنا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، /أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَيْلَانَ الْخَزَّازُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ وَعُمَرُ عَنْ شِمَالِهِ آخِذًا بِأَيْدِيهِمَا، قَالَ: «هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَأخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أخبرنا هِبَةُ اللَّهِ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ،
стр. 124
أخبرنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا رَبَاحٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جَبُيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمَا بِمَثَلِكُمَا فِي الْمَلَائِكَةِ، وَمَثَلِكُمَا فِي الْأَنْبِيَاءِ؟ أَمَّا مَثَلُكَ أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ فِي الْمَلَائِكَةِ كَمَثَلِ مِيكَائِيلَ يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ، وَمَثَلُكَ أَيْضًا فِي الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ وَصَنَعُوا بِهِ مَا صَنَعُوا، قَالَ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وَمَثَلُكَ يَا عُمَرُ فِي الْمَلَائِكَةِ مَثَلُ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالْبَأْسِ وَالشِّدَّةِ وَالنِّقْمَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَفِي الْأَنْبِيَاءِ مَثَلُ نُوحٍ، إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]
стр. 125
فَصْلٌ آخَرُ نَحْذِفُ الْأَسَانِيدَ
رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَقَدْ لانَ قَلْبِي فِي اللَّهِ حَتَّى لَهُوَ أَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، وَاشْتَدَّ قَلْبِي فِي اللَّهِ حَتَّى لَهُوَ أَشَدُّ مِنَ الْحَجَرِ.
وَرُوِيَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي وَجْهِ عُمَرَ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِنَ الْبُكَاءِ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَكَانَ عُمَرُ يَمُرُّ بِالْآيَةِ فِي وِرْدِهِ، فَتَخْنِقُهُ، فَيَبْكِي حَتَّى يَسْقُطَ، ثُمَّ يَلْزَمُ بَيْتَهُ
стр. 126
حَتَّى يُعَادَ يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: بَكَتِ الْجِنُّ عَلَى عُمَرَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ بِثَلَاثٍ:
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
فَمَنْ يَسْعَ أوْ يَرْكَبْ جَنَاحَيْ نَعَامَةٍ ... لِيُدْرِكَ مَا أَسْدَيْتَ بِالْأَمْسِ يُسْبَقِ
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ ﵁ سَمِعُوا:
стр. 127
عَلَيْكَ سَلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا ... بِوَاضِحَ فِي أكَمَامِهَا لَمْ تُغْلَقِ
فَمَنْ يَسْعَ أَوْ يَرْكَبْ جَنَاحَيْ نَعَامَةٍ ... لِيُدْرِكَ مَا قَدَّمْتَ فِي الْخَيْرِ يُسْبَقِ
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَنُعِتَ بَعْدَهُ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ عَلَيَّ رَجُلَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ قَدِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا عُمَرُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَقْرَأَنِيهَا أُبَيُّ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﵁: اقْرَأْ كَمَا أَقْرَأَكَهَا عُمَرُ، ثُمَّ هَمَلَتْ عَيْنَاهُ حَتَّى بَلَّ الْحَصَا وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ حَائِطًا كَثِيفًا، فَمَاتَ عُمَرُ فَانْثَلَمَ الْحَائِطُ، فَهُمْ يَخْرُجُونَ وَلَا يَدْخُلُونَ، وَلَوْ أَنَّ كَلْبًا أَحَبَّ عُمَرَ لَأَحَبَبْتُهُ، وَمَا أَحْبَبْتُ أَحَدًا حُبِّي لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ بَعْدَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ .
стр. 128
وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، مَا مِنْ بَيْتٍ حَاضِرٍ وَلَا بَادٍ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَهُ مِنْ مَوْتِ عُمَرَ نَقْصٌ.
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُدْعَى سَارِيَةُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمًا، فَجَعَلَ يَصِيحُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَا سَارِيَ الْجَبَلَ، يَا سَارِيَ الْجَبَلَ، يَا سَارِيَ الْجَبَلَ، فَقِدَمَ رَسُولُ الْجَيْشِ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقِينَا عَدُوَّنَا فَإِذَا صَائِحٌ يَصِيحُ يَا سَارِيَ الْجَبَلَ، فَأَسْنَدْنَا ظُهُورَنَا إِلَى الْجَبَلِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، فَقِيلَ لِعُمَرَ ﵁: إِنَّكَ كُنْتَ تَصِيحُ بِذَلِكَ.
стр. 129
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَلْخٍ، قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَاعِدًا عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ يَخْطُبُ النَّاسَ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي خُطْبَتِهِ، قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا سَارِيَ الْجَبَلَ، يَا سَارِيَ الْجَبَلَ، ثُمَّ أَخَذَ فِي خُطْبَتِهِ فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا نَزَلَ وَصَلَّى قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قِيلَ: قُلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرُوا مَا نَادَى بِهِ، فَقَالَ: مَا كَانَ شَيْئًا مِنْ هَذَا، قَالُوا: بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ ذَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ فَاثْبُتُوا مِنْ هَذَا الْوَنِيمِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ، ثُمَّ أَبْصِرُوا، وَكَانَ بَعَثَ سَارِيَةَ فِي بَعْثٍ فَظَفَرَ الْعَدُوُّ فَلَجَأُوا إِلَى الْجَبَلِ، فَقَالَ: يَا سَارِيَةُ لَمَّا انْصَرَفَ بَيْنَا نَحْنُ نُقَاتِلُ الْعَدُوَّ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتًا لَا نَدْرِي مَا هُوَ: يَا سَارِيَةَ الْجَبَلَ ثَلَاثًا، فَدَفَعَ اللَّهُ عَنَّا بِهِ فَنَظَرُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قَالَ فِيهِ عُمَرُ مَا قَالَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادٍ لَهُ: مَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إِلَّا حُجَّةً عَلَى النَّاسِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ بِمِثْلِ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ فَكَانَا حُجَّةً عَلَى النَّاسِ.
стр. 130
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: جَاءَ صَبِيغٌ التَّمِيمِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أخبرني عَنِ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] قَالَ «هِيَ الرِّيَاحُ» ، وَلَوْلَا أَنِّي سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولَهُ مَا قُلْتُهُ، قَالَ: أخبرني عَنِ الْحَامِلَاتِ وِقْرًا قَالَ: «هِيَ السَّحَابُ» ، وَلَوْلَا أَنِّي سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ مَا قُلْتُهُ، قَالَ: فَأخبرني عَنِ ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] قَالَ: «هِيَ الْمَلَائِكَةُ» ، وَلَوْلَا أَنِّي سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ مَا قُلْتُهُ.
قَالَ: فَأخبرني عَنِ ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات: ٣] قَالَ هِيَ: «السُّفُنُ» وَلَوْلَا أَنِّي سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ مَا قُلْتُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ مِائَةٌ، وَجَعَلَهُ فِي بَيْتٍ، فَلَمَّا بَرَأَ عَادَ فَضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرَى، وَحَمَلَهُ عَلَى قَتَبٍ وَبَعَثَ إِلَى أَبِي مُوسَى، وَقَالَ: امْنَعِ النَّاسَ مِنْ مُجَالَسَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى أَتَى أَبَا مُوسَى فَحَلَفَ لَهُ بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ مَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا كَانَ يَجِدُ شَيْئًا، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ: إِنْ كَانَ صَادِقًا فَمُرِ النَّاسَ يُجَالِسُوهُ.
стр. 131
فَصْلٌ
أخبرنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ السِّمْسَارُ، أخبرنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الطَّبَرَانِيُّ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ زَغَبَهُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَيْرَ بْنَ سَلَمَةَ الدُّؤَلِيَّ، يَقُولُ: إِنَّهُ خَرَجَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَوْ أَخْبَرَ عُمَيْرُ مَنْ كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَأَتَيْنَا عُمَرَ نِصْفَ النَّهَارِ وَهُوَ قَائِلٌ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، إِذْ جَاءَتْ أَعْرَابِيَّةٌ، فَتَوَسَّمَتِ النَّاسَ، فَجَاءَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ مِسْكِينَةٌ وَلِي بَنُونَ، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ سَاعِيًا فَلَمْ يُعْطِنَا، فَلَعَلَّكَ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَنْ تَشْفَعَ لَنَا إِلَيْهِ، قَالَ: فَصَاحَ: يَا يَرْفَأُ، ادْعُ لِي مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَنْجَحُ لِحَاجَتِي أَنْ تَقُومَ مَعِيَ إِلَيْهِ، قَالَ: إِنَّهُ سَيَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَجَاءَهُ يَرْفَأُ، فَقَالَ: أَجِبْ، فَجَاءَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاسْتَحْيَتِ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَاللَّهِ مَا آلُو أَنْ أَخْتَارَ خِيَارَكُمْ، كَيْفَ أَنْتَ قَائِلٌ إِذَا سَأَلَكَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ؟ فَدَمِعَتْ عَيْنَا مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا نَبِيَّهُ ﷺ فَصَدَّقْنَاهُ وَاتَّبَعْنَاهُ فَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَجَعَلَ الصَّدَقَةَ لِأَهْلِهَا مِنَ الْمَسَاكِينَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ فَعَمِلَ بِسُنَّتِهِ
стр. 132
حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اسْتَخْلَفَنِي فَلَمْ آلُ أَنْ أَخْتَارَ خِيَارَكُمْ، فَأَدِّ إِلَيْهَا صَدَقَةَ الْعَامِ وَعَامِ الْأَوَّلِ، وَمَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَبْعَثُكَ، ثُمَّ دَعَا لَهَا بِجَمَلٍ، وَأَعْطَاهَا دَقِيقًا وَزَيْتًا، وَقَالَ: خُذِي هَذَا حَتَّى تَلْحَقِينَا بِخَيْبَرَ فَإِنَّا نُرِيدُهَا، فَأَتَتْهُ بِخَيْبَرَ، فَدَعَا بِجَمَلَيْنِ آخَرَيْنِ، وَقَالَ: خُذِي هَذَا فَإِنَّ فِيهِ بَلَاغًا حَتَّى يَأْتِيَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ يُعْطِيَكِ حَقَّكِ الْعَامَ وَعَامَ الْأَوَّلِ
فَصْلٌ
أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّابُونِيُّ، أخبرنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْخَلَوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنِ حُمَيْدٍ، أخبرني يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أخبرني عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ محمّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ سَعْدًا، قَالَ: اسْتَأَذَنَ عُمَرُ ﵁ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسَاءُ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةٌ أَصْوَاتُهُنَّ فَلَمَّا اسْتَأَذَنَ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَكَ اللَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «» عَجِبْتُ مِنْ
стр. 133
هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ «» ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَيُّ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي، وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَغْلَظُ وَأَفَظُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «» وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ «»
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وَسَأَزِيدُ عَنْ سَبْعِينَ " فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وَفِي رِوَايَةٍ: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ.
стр. 134
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَعَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا أَوْ قَصْرًا، فُقلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ، فَذَكَرْتُ غِيرَتَكَ "، فَبَكَى عُمَرُ ﵁، وَقَالَ: أَيْ رَسُولِ اللَّهِ أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ؟
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ قَبُولِهِ الْحَقَّ مِنَ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ
رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَإِذَا هُوَ بِضَوْءِ نَارٍ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: فَاتَّبَعَ الضَّوْءَ حَتَّى دَخَلَ دَارًا فَإِذَا سِرَاجٌ فِي بَيْتٍ فَدَخَلَ - وَذَلِكَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، إِذَا شَيْخٌ جَالِسٌ وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَرَابٌ وَقِينَةٌ تُغْنِيهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ مَنْظَرًا أَقْبَحَ مِنْ شَيْخٍ يَنْتَظِرُ أَجَلَهُ، قَالَ: فَرَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا صَنَعْتَ أَنْتَ أَقْبَحُ، إِنَّكَ تَجَسَّسْتَ، وَقَدْ
стр. 135
نَهَى اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ، وَدَخَلْتَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: صَدَقْتَ.
ثُمَّ خَرَجَ عَاضًّا عَلَى ثَوْبِهِ وَقَالَ: ثَكَلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ إِنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ رَبُّهُ، هَذَا كَانَ يَسْتَخْفِي بِهَذَا مِنْ أَهْلِهِ، فَيَقُولُ الْآنَ رَأَى عُمَرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَتَتَابَعُ فِيهِ، قَالَ: وَهَجَرَ الشَّيْخُ مَجَالِسَ عُمَرَ حِينًا، فَبَيْنَمَا عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ جَالِسٌ إِذَا هُوَ بِهِ قَدْ جَاءَ شَبِيهُ الْمُسْتَخْفِي حَتَّى جَلَسَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ فَرَآهُ عُمَرُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهَذَا الشَّيْخِ فأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَجِبْ، فَقَامَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ عُمَرَ سَيُؤَنِّبُهُ بِمَا رَأَى مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ادْنُ مِنِّي فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى جَلَسَ بِجَنْبِهِ، فَقَالَ: أَدْنِ مِنِّي أُذُنَكَ، فَالْتَقَمَ أُذُنَهُ، فَقَالَ: أَمَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ رَسُولًا مَا أَخْبَرْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بِمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مَعِيَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْنِ مِنِّي أُذُنَكَ، فَالْتَقَمَ أُذُنَهُ، فَقَالَ: وَلَا أَنَا، وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ رَسُولًا مَا عُدْتُ إِلَيْهِ حَتَّى جَلَسْتُ مَجْلِسِي هَذَا فَرَفَعَ عُمَرُ صَوْتَهُ فَكَبَّرَ، فَمَا يَدْرِي النَّاسُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يُكَبِّرُ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ تَلَقَّتْهُ الْجُنُودُ
стр. 136
وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَخُفَّانِ وَعِمَامَةٌ، وَهُوَ آخِذٌ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ يَخُوضُ الْمَاءَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يَلْقَاكَ الْجُنُودُ وَالْبَطَارِقَةُ، وَأَنْتَ عَلَى حَالِكَ هَذِهِ، فَقَالَ: إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَنْ نَلْتَمِسَ الْعِزَّ بِغَيْرِهِ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: نَادَى عُمَرُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَمَا تَكَلَّمَ حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لَقَدْ رَأَيْتَنِي أُؤَاجِرُ نَفْسِي بِطَعَامِ بَطْنِي، ثُمَّ أَصْبَحْتُ عَلَى مَا تَرَوْنَ، فَقِيلَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: إِظْهَارُ الشُّكْرِ.
وَعَنْ أَشْيَاخٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالُوا: أَتَانَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِقُبَاءَ، فَأَتَى بِشَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِشَرْبَةٍ هِيَ أَهْوَنُ عَلَيَّ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ هَذِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَوْصَانِي عُمَرُ ﵁، قَالَ: إِذَا وَضَعْتَنِي فِي لَحْدِي فَافْضِ بِخَدِّي إِلَى الْأَرْضِ.
قِيلَ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عُمَرَ ﵁ كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا.
стр. 137
فَصْلٌ فِي خُطَبِهِ وَمَوَاعِظِهِ وَكَلَامِهِ
رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ: حَاسِبُوا أنفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَزِنُوا أنفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا وتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] .
وَمِنْ كَلَامِهِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ: أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ بَعْضَ الطَّمَعِ فَقْرٌ، وَبَعْضَ الْيَأْسِ غِنًى، وَإِنَّكُمْ تَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ،
стр. 138
وَتَأْمَلُونَ مَا لَا تُدْرِكُونَ، إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَنْ أَسَرَّ أُخِذَ بِسَرِيرَتِهِ وَمَنْ أَعْلَنَ أُخِذَ بِعَلَانِيَتِهِ، فَأَرُونَا أَحْسَنَ أَعْمَالِكُمْ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَغِيبُ عَنَّا مِنْكُمْ، أَرُونَا عَلَانِيَةً حَسَنَةً، فَإِنَّهُ مَنْ يُحَدِّثُنَا مِنْكُمْ أَنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ لَمْ نُصَدِّقْهُ إِنْ كَانَتْ عَلَانِيَتُهُ غَيْرَ حَسَنَةٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ بَعْضَ الشُّحِّ شُعْبَةٌ مِنَ النِّفَاقِ ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] .
وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِذَا رَأَيْتَ مِنَ الرَّجُلِ خَصْلَةً تَسُوءُكَ فَاعْلَمْ أَنَّ لَهَا أَخَوَاتٌ، وَإِذَا رَأَيْتَ مِنَ الرَّجُلِ خَصْلَةٌ تَسُرُّكَ فَاعْلَمْ أَنَّ لَهَا أَخَوَاتٌ وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ بِالرَّجُلِ الَّذِي إِذَا وَقَعَ فِي الْأَمْرِ يَخْلَصُ مِنْهُ، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يَتَوَقَّى الْأَمْرَ حَتَّى لَا يَقَعَ فِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَأْسَ غِنًى، وَأَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ حَاضِرٌ، وَأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا يَئِسَ مِنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ.
стр. 139
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ يَحْيَى الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَنَا وَأَهْلِي، فَانْطَلَقْتُ إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ فَلَقِيَتْنِي الْمَرْأَةُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَقُمْتُ مَعَهَا أَسْأَلُهَا عَنْ بَعْضِ الْأَمْرِ، فَبَيْنَا أَنَا أُكَلِّمُهَا إِذَا ضَرْبَةٌ عَلَى رَأْسِي مِنْ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ظَلَمْتَنِي هِيَ وَاللَّهِ امْرَأَتِي، قَالَ: أَفَلَا كَلَّمْتَهَا خَلْفَ بَابٍ أَوْ سِتْرٍ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَلَقَّتْنِي فَسَأَلْتُهَا عَنْ بَعْضِ الْأَمْرِ، فَأَلْقَى إِلَيَّ الدِّرَّةَ، فَقَالَ: اقْتَصَّ.
قُلْتُ: لَا.
قَالَ: فَاعْفُ. . قُلْتُ: لَا، فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى مَنْزِلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَاسْتَأْذَنَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ ابْنُهُ فَقَالَ: حَاجَتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: قُلْ لِأَبِيكَ يَخْرُجُ.
قَالَ: فَخَرَجَ أُبَيُّ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: اقْرَأْ عَلَيَّ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: فِي عُمَرَ نَزَلَتْ.
قَالَ: لَا، قَالَ: إِنِّي أَضْرِبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَضْرِبُونِي، وَأَشْتِمُهُمْ وَلَا يَشْتِمُونِي، وَأُؤْذِيهُمْ، وَلَا يُؤْذُونِي، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ أُحَدِّثْهُ أَحَدًا قَبْلَكَ، وَلَا
стр. 140
أُحَدِّثُهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَلَا لَا يَرْفَعَنَّ أَحَدٌ كِتَابَهُ حَتَّى يَرْفَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَيُجَاءُ بِكَ مُبْيَضًّا وَجْهُكَ تُزَفُّ إِلَى رَبِّكَ، كِتَابُكَ بِيَمِينِكَ "
فَصْلٌ
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ كَانَ أَعْلَمَنَا بِاللَّهِ، وَأَقْرَأَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَتْقَانَا لِلَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ حُزْنٌ عَلَى عُمَرَ حِينَ أُصِيبَ، لَأَهْلُ بَيْتِ سُوءٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنِّي لَأَحْسَبُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْعِلْمِ ذَهَبَ يَوْمَ ذَهَبَ عُمَرُ.
стр. 141
وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: أكْثِرُوا ذِكْرَ عُمَرَ فَإِنَّ عُمَرَ إِذَا ذُكِرَ، ذُكِرَ الْعَدْلُ، وَإِذَا ذُكِرَ الْعَدْلُ ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: ذِكْرُ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ عِبَادَةٌ.
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: كُسِرَ رِجْلُ بَعِيرٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَبَعَثَ مِنْهُ عُمَرُ ﵁ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ صَنَعَ مِمَّا بَقِيَ مِنْهُ طَعَامًا، فَجَمَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ .
فَقَالَ الْعَبَّاسُ ﵁: لَوْ صَنَعْتَ لَنَا كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ هَذَا، فَتَحَدَّثْنَا عِنْدَكَ، وَأَكَلْنَا، فَقَالَ: لَا أَعُودُ لِمِثْلِهَا أَبَدًا، إِنَّهُ مَضَى صَاحِبَانِ لِي عَمِلَا عَمَلًا وَسَلَكَا طَرِيقًا وَإِنِّي إِنْ عَمِلْتُ بِغَيْرِ عَمَلِهِمَا سُلِكَ بِي غَيْرُ طَرِيقِهِمَا.
стр. 142
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَكَانَ عَامَ قَحْطٍ، فَتَقَرْقَرَ بَطْنُهُ، فَقَالَ لِبَطْنِهِ: اسْكُنْ فَوَاللَّهِ مَالَكَ عِنْدَنَا غَيْرُ هَذَا حَتَّى يَحْيَى النَّاسُ، وَكَانَ يَأْكُلُ الزَّيْتَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: كَانَ لِعُمَرَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لَحْمٍ.
وَعَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنْ مَنْ ذَكَرَهُ، قَالَ: مَرَّ عُمَرُ ﵁ عَلَى مَزْبَلَةٍ فَاحْتُبِسَ عِنْدَهَا، فَكَأَنَّ أَصْحَابَهُ تَأَذَّوْا، فَقَالَ: هَذِهِ دُنْيَاكُمُ الَّتِي تَحْرِصُونَ عَلَيْهَا، وَتَبْكُونَ عَلَيْهَا.
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ أَبِي تَمِيلَةَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاضِحٍ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ ﵁ سُمِعَ صَوْتٌ مِنَ الْجِنِّ يَقُولُ: يَبْكِيكَ نِسَاءُ الْجِنِّ يَبْكِينَ شَجِيَّاتِ
стр. 143
ويَخْمِشْنَ وُجُوهًا كَالدَّنَانِيرِ نَقيَّاتِ وَيَلْبَسْنَ ثِيَابَ السُّودِ بَعْدَ الْقُصَيْبَاتِ وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَظْلَمَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَأْتِي أُمَّهُ، فَيَقُولُ: يَا أُمَّهُ أَقَامَتِ الْقِيَامَةُ؟ فَتَقُولُ: لَا يَا بُنَيَّ، وَلَكِنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قُتِلَ.
وَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ ﵄، لَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁: الْيَوْمَ وَهِيَ الْإِسْلَامُ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ، قَالَ: أُصِيبَ عُمَرُ يَوْمَ أُصِيبَ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ أَصْفَرُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ حِينَ وَجَدَ مَسَّ الْحَدِيدِ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]
стр. 144
ذِكْرُ أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ ذِي النُّورَيْنِ ﵁ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي عَبْدِ مَنَافٍ.
أخبرنا وَالِدِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَلِيٍّ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ الْوَرِعِينَ، ﵀، أخبرنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الشَّبْوَنِي، حَدَّثّنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا
стр. 145
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا، وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ بَابِ الْحَائِطِ فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» فَإِذَا عُمَرُ، فَجَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ فَسَكَتَ هُنَيْهَةً، ثُمَّ قَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ» فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ
قَالَ حَمَّادٌ: وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ، سَمِعَا أَبَا عُثْمَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي مُوسَى بِنَحْوِهِ وَزَادَ فِيهِ عَاصِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَاعِدًا فِي مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ، قَدِ انْكَشَفَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ أَوْ رُكْبَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ غَطَّاهَا
٣١ قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عُرْوَةٌ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ
следующие страницы →