← Тараджим

Тараджим · id 21493

سير السلف الصالحين - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ذِكْرُ أَبِي الْأَبْيَضِ ﵀ وَكَانَ عَابِدًا كَتَبَ كِتَابًا إِلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ لَمْ تُكَلَّفْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا نَفْسًا وَاحِدَةً، فَإِنْ أَنْتَ أَصَلَحْتَهَا لَمْ يَضُرَّكَ فَسَادُ غَيْرِهَا، وَإِنْ أَنْتَ أَفَسَدْتَهَا لَمْ يَنْفَعْكَ صَلَاحُ غَيْرِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَسْلَمَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى لَا تُبَالِي مَنْ أَكَلَهَا مِنْ أَحْمَرَ وأَسْوَدَ. ذِكْرُ أَبِي كَرِيمَةَ الْعَبْدِيِّ ﵀ كَانَ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الشَّامِ. قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ الْهُذَيْلِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا كَرِيمَةَ الْعَبْدِيَّ، يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ لَيْسَ لِمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِكَ ثَمَنٌ.

стр. 1192

ذِكْرُ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ ﵀ قَالَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو خَالِدٍ الْأَحَمَرُ، فَكَانَ فِي كِتَابِهِ إِلَيَّ: وَأعْلَمْ أَنَّ الصِّدِّيقِينَ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمُ عَلَى مَنْزِلَةِ أَمْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُحَوَّلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمُحَوَّلِيُّ: إِلَيْكَ أَشْكُو بَدَنًا غُذِّيَ بِنِعْمَتِكَ، ثُمَّ تَوَثَّبَ عَلَى مَعَاصِيكَ. ذِكْرُ أَبِي الْوَلِيدِ الصُّوفِيِّ، وَاسْمُهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ ﵀ . ذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: أَمَرَ أَبُو الْوَلِيدِ هَارُونَ بِالْمَعْرُوفِ فَحَبَسَهُ، قَالَ: أَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ: كَمْ لِلْحَزِينِ فِي الْقِيَامَةِ مِنْ فَرْحَةِ مَا يَسْتَوْعِبُ طُولُ حُزْنِهِ فِي دَارِ

стр. 1193

الدُّنْيَا، قَالَ: فَاسْتَيْقَظْتُ فَزِعًا، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ فرَّجَ اللَّهُ، وَأَخْرَجَنِي مِمَّا كُنْتُ فِيهِ فَفَرِحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا، وَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ ذَلِكَ الْآتِي أَتَانِي فَقَالَ: بَشِّرِ الْمَحْزُونِينَ بِطُولِ الْفَرَحِ غَدًا عِنْدَ مَلِيكِهِمْ، فَعَلِمْتُ وَاللَّهِ أَنَّ الْحُزْنَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى خَيْرِ الْآخِرَةِ، لَا عَلَى الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو الْوَلِيدِ إِنَّمَا هُوَ دَهْرَهُ بِاكِي الْعَيْنِ، إِمَّا يَتْبَعُ جَنَازَةً، أَوْ يَعُودُ مَرِيضًا، أَوْ يَلْزَمُ الْجَبَّانَ، وَكَانَ مَحْزُونًا جِدًا. ذِكْرُ أَبِي طَاهِرٍ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مَدِينَةِ أَصْبَهَانَ، كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، لَقِيَ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَيِّقٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَنَظَائِرَهُمَا بِالشَّامِ، وَمِصْرَ. كَانَ أَهْلُ أَصْبَهَانَ مَفْزَعَهُمْ إِلَى دُعَائِهِ عِنْدَ النَّوَائِبِ، وَالْمِحَنِ.

стр. 1194

سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَهُ دُخُولَ الْحَمَّامِ لِلتَّنْظِيفِ فَسَقَطَتْ شَعْرَتُهُ فَلَمْ تَنْبَتْ بَعْدَ دَعْوَتِهِ، وَكَانَتْ لَهُ شَجَرَةُ جَوْزٍ تَحْمِلُ كُلَّ سَنَةٍ جَوْزًا كَثِيرًا، فَسَقَطَ مِنْهَا رَجُلٌ فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَيْبِسْهَا فَيَبِسَتْ، فَلَمْ تَحْمِلْ بِعْدَ ذَلِكَ. قِيلَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ حَمَلَ عَلَمَ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَصْبَهَانَ. ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرُّوذْبَارِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ شَيْخُ الشَّامِ فِي وَقْتِهِ، كَبِيرٌ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ، وَعِلْمِ الشَّرْعِ، وَآدَابِ التَّصَوُّفِ، مَاتَ بِصُورٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرُّوذْبَارِيُّ: مَا مِنْ قَبِيحٍ إِلَّا وَأَقْبَحُ مِنْهُ، صُوفِيٌّ شَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: التَّصَوُّفُ يَنْفِي عَنْ صَاحِبِهِ الْبُخْلَ، وَكِتَابَةِ الْحَدِيثِ تَنْفِي عَنْ صَاحِبِهَا الْجَهْلِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِي شَخْصٍ فَنَاهِيكَ بِهِ نُبْلًا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: إِيشْ أَصَحُّ مَا فِي الصَّلَاةِ؟ قُلْتُ: صِحَّةُ الْقَصْدِ. فَسَمِعْتُ هَاتِفًا يَقُولُ: رُؤْيَةُ الْمَقْصُودِ بِإِسْقَاطِ رُؤْيَةِ الْقَصْدِ أَتَمُّ.

стр. 1195

وَقَالَ: مُجَالَسَةُ الْأَضْدَادِ ذَوَبَانُ الرُّوحِ، وَمُجَالَسَةُ الْأَشْكَالِ تَلْقِيحُ الْعُقُولِ. وَقَالَ: مَنْ خَدَمَ الْمُلُوكِ بِلَا عَقْلٍ أَسْلَمَهُ الْجَهْلُ إِلَى الْقَتْلِ. وَقَالَ: الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ عَلَامَةُ فَلَاحُ الْمُصَلِّي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢] . ذِكْرُ أَبِي عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيِّ ﵀ كَانَ بَقِيَّةَ الْمَشَايِخِ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: مَنْ آثَرَ صُحْبَةَ الْأَغْنِيَاءِ عَلَى مُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِمَوْتِ الْقَلْبِ. وَقَالَ: مَنْ مَدَّ يَدَهُ إِلَى طَعَامِ الْأَغْنِيَاءِ بِشَرَهٍ وَشَهْوَةٍ لَا يَفْلَحُ أَبَدًا. وَقَالَ: مَنِ اشْتَغَلَ بِأَحْوَالِ النَّاسِ ضَيَّعَ حَالَهُ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الْمُرِيدِينَ: مَا زَالُوا يَرْفِقُونَ بِي حَتَّى وَقَعْتُ، فَلَمَّا وَقَعْتُ قَالُوا لِي: اسْتَمْسِكْ، كَيْفَ أَسْتَمْسِكُ، إِنْ لَمْ يَمْسِكْنِي؟

стр. 1196

وَقَالَ: مَنْ أَعْطَى نَفْسَهُ الْأَمَانِي قَطَعَهَا بِالتَّسْوِيفِ وَالتَّوَانِي، وَقَالَ: مَنْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى الرَّجَاءِ تَعَطَّلَ، وَمَنْ حَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى الْخَوْفِ قَنِطَ، وَلَكِنْ سَاعَةً وَسَاعَةً، وَمَرَّةً وَمَرَّةً. وَقَالَ: السَّاكِتُ بِعلْمٍ أَحْمَدُ أَثَرًا مِنَ النَّاطِقِ بِجَهْلٍ. ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ فِي وَقْتِهِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خَفِيفٍ: التَّقْوَى مُجَانَبَةُ مَا يَبْعِدُكَ عَنِ اللَّهِ. قَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ أَضَرُّ بِالْمُرِيدِ مِنْ مُسَاعَدَةِ النَّفْسِ فِي رُكُوبِ الرُّخَصِ، وَقَبُولِ التَّأْوِيلَاتِ. وَقَالَ ابْنُ خَفِيفٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، فَاعَتَلَّ فَكَانَ بِهِ عِلَّةُ الْبَطْنِ، فَكُنْتُ اخْدِمُهُ، وَآخُذُ مِنَ الطِّسْتِ طُولَ اللَّيْلِ، فَغَفَوْتُ مَرَّةً، فَقَالَ: نِمْتَ، لَعَنَكَ اللَّهُ. فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ وَجَدْتَ نَفْسَكَ عِنْدَ قَوْلِهِ لَعَنَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: كَقَوْلِ رَحِمَكَ اللَّهُ.

стр. 1197

ذِكْرُ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّسَوِيُّ فِي كِتَابِ الطَّبَقَاتِ، قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ: سَافَرَ الْكَثِيرَ، وَكَتَبَ الْحَدِيثَ الْكَثَيرَ، وَلَقِيَ الْكِبَارَ مِنْ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ، سَكَنَ مَكَّةَ بَعْدَ الْكِبَرِ، وَعمَّرَ وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَالصُّوفِيَّةِ، وَصَنَّفَ كِتَابَ شَرَفُ الْفَقْرِ، وطَبَقَاتُ الصُّوفِيَّةِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَكَانَ مُتَجَرِّدًا لِمَحَبَّةِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، مُتَعَصِّبًا لَهُمْ لَهِجًا بِذِكْرِهِمْ، لَهُ لِسَانٌ عَالٍ فِي مَذْهَبِهِمْ بِحُسْنِ فَهْمِهِ وَدِرَايَتِهِ، وَحَمَلَ عَنْهُ النَّاسُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَالصُّوفِيَّةِ. مَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَثَلَثِمِائَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.

стр. 1198

قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: شَغَلَنِي عَنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ الاشْتِغَالُ بِالتَّصَوُّفِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ النِّيَّةُ، أَدْرَكْتُ جَهَابِذَةَ الْحَدِيثِ وَنُقَّادَهُ، فَأَلْحَقُوا بِي جَمِيعَ مَا فَاتَنِي مِنْ قَبْلُ. قَالَ النَّسَوِيُّ: هَذَا أَيْضًا مِنْ بَرَكَةِ التَّصَوُّفِ حَتَّى لَحِقَ بِهِ مَا فَاقَ بِهِ عَلَى أَقْرَانِهِ، وَرُزِقَ مَا لَمْ يُرْزَقُ غَيْرُهُ مِنَ الْعِلْمِ. قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ: خَرَجْتُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ أُرِيدُ الْعِرَاقَ مِنْ مَكَّةَ، وَمَعِي جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ، فَجِئْنَا إِلَى بِئْرٍ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ وَلَيْسَ مَعَنَا مَا نَسْتَقِي بِهِ، فَقَطَعْنَا مَا مَعَنَا مِنَ الْعَبَاءِ وَغَيْرِهِ، وَشَدَدْنَاهَا فِي رَكْوَةٍ وَاسْتَقَيْتُ، فَسَقَيْتُ أَصْحَابِي فَشَرِبُوا، ثُمَّ دَلَّيْتُهُ لِأَشْرَبَ فَانْقَطَعَتِ الرَّكْوَةِ وَالْحَبْلِ، يَعْنِي فَارْتَفَعَ الْمَاءُ حَتَّى شَرِبْتُ، فَتَعَجَّبَ أَصْحَابِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: مِمَّا تَعْجَبُونَ؟ هَذَا يَسِيرٌ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ ، قَالَ: وَدَخَلْنَا الْكُوفَةَ، فَاجْتَمَعَ لِي طَرَفٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ فَجَلَسُوا يَسِيرًا ثُمَّ قَامُوا، وَعَهْدِي بِهِمْ أَنَّهُمْ يُطِيلُونَ عِنْدِي، فَقَالُوا: أَخَوَيْنِ تَوَاخَيَا، أَحَدُهُمَا عَلِيلٌ، فَقُلْتُ: فَأَنَا مَعَكُمْ، فَدَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ طَرِيحٍ، وَآخَرَ يَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا قَامَ وَجَلَسَ نَاحِيَةً، فَجَلَسَ أَصْحَابِي عَنِ الْعَلِيلِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا عَلَى الرَّجُلِ الْجَالِسِ فَكُلَّمَا أَنَّ الْعَلِيلُ أَنَّ هَذَا، يَعْنِي الْجَالِسَ مِثْلِهِ، حَتَّى قَالَ أَصْحَابِي: قَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا، فَقَالَ لِي: هَكَذَا، فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: هَاهِ، وَخَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَاشْتَغَلَ أَصْحَابِي بِهِ وَاشْتَغَلْتُ أَنَا بِهَذَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ ابْنُ الْأَعَرَابِيِّ: أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِيمَانًا، وَتَصْدِيقًا، وَاعْتِقَادًا،

стр. 1199

لِأَنَّهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَأَمَرَ بِحُبِّهِ، وَحُبِّي لِلَّهِ فِيهِ الشُّغْلُ بِدَوَامِ ذِكْرِهِ، وَمُنَاجَاتِهِ، وَالتَّلَذُّذِ بِتِلَاوَةِ كَلَامِهِ، وَذَلِكَ عَلَى دَوَامِ الْأَوْقَاتِ، وَمَحَبَّةِ الرَّسُولِ لِلَّهِ لَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعَ عَقْدِ الْإِيمَانِ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ نَظَرًا فِي الْقَلْبِ مَعَ ذِكْرِ نِعَمِهِ مَحَبَّةٌ مُتَزَايِدَةٌ. ذِكْرُ أَبِي الْعَبَّاسِ الدِّينَوَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، مُسْتَقِيمَ الْحَالِ، دَخَلَ تِرْمِذَ، فَاسْتَقْبَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ الزَّاهِدُ التِّرْمِذِيُّ، فَلَمَّا رَآهُ قَبَّلَ رِكَابَهُ، فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ حَسَنُ الْوَصْفِ لِآلَاءِ رَبِّي وَنِعْمَائِهِ وَأَنْشَدَ أَبُو الْعَبَّاسِ: رَأَيْتُكَ يُدْنِينِيِ إِلَيْكَ تَبَاعُدِي ... فَبَاعَدْتُ نَفْسِي لِابْتِغَاءِ التَّقَرُّبِ

стр. 1200

ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ التِّيمَاسِتَانِيِّ الْفَارِسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ حَسَنَ الْحَالِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خَفِيفٍ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ: كَانَ أَوَّلُ بِدَايَتِي حَتَّى وَقَعَتْ لِي هَذِهِ الْقِصَّةُ، أَنِّي جَلَسْتُ تَحْتَ شَجَرَةٍ فِي عَرَاءٍ أَرْبَعَ سِنِينَ أَنْظُرُ إِلَى تِلْكَ الصَّحْرَاءِ، وَكَانَتِ امْرَأَتِي تَرْعَى الْبَقَرَةِ تَحْمِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ رَغِيفَيْنِ نَأْكُلُهُمَا بَيْنَنَا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ: خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فِي بَعْضِ نَاحِيَةِ الْبَلَدِ فَوَقَعَ عَلَى قَوْمٍ صَعَالِيكَ لَيْلًا جُلُوسًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَعِنْدَهُمْ عِبْدَانَ، وَغِنَاءٌ، وَعِنْدَهُمْ نَارٌ عَظِيمَةٌ فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَسْمَعُ غِنَاءَهُمْ، فَقَالُوا: إِنْسَانٌ عَاشِقٌ، فَقَالُوا: تَقَدَّمْ إِلَيْنَا وَاجْلِسْ مَعَنَا وَاشْرَبْ. فَقَامَ وَجَلَسَ عِنْدَهُمْ، فَنَاوَلُوهُ قَدَحًا، فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ وَقَامَ قَائِمًا وَهُوَ يَبْكِي، وَيَقُولُ: هَذَا شَاذِي لِمَنْ لَا يَعْصِي حَبِيبَهُ، هَذَا شَاذِي لِمَنْ نَخَافُ مَعَادَهُ، هَذَا شَاذِي لِمَنْ قَدَّمَ زَادَهُ، هَذَا شَاذٌّ لِمَنْ طَلَبَ مِنْ حَبِيبِهِ مُرَادَهُ. وَيَبْكِي حَتَّى بَكَوْا كُلُّهُمْ وَتَابُوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ رَمَى بِالْقِدْحِ مِنْ يَدِهِ وَذَهَبَ.

стр. 1201

ذِكْرُ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ ﵀ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي تَبَعِ الْأَتْبَاعِ فِي بَابِ الْعَيْنِ، اسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ. قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ: مَا رَأَى أَبُو زُرْعَةَ بِعَيْنِهِ مِثْلَ نَفْسِهِ أَحَدًا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ: لَا يَزَالُ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ مَا أَبْقَى اللَّهُ لَهُمْ مِثْلَ أَبِي زُرْعَةَ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ إِمَامَا خُرَاسَانَ وَدَعَا لَهُمَا، وَقَالَ: بَقَاؤُهُمَا صَلَاحُ الْمِسْلِمِينَ.

стр. 1202

وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنِّي فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَأَنِّي أَمْسَحُ بِيَدِي عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَوْضَعِ الْمِقْعَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ أَمْسَكْتُهُ، فَاقْتَصَصْتُهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ سِجِسْتَانَ كَانَ بِعَبَّادَانَ، فَقَالَ: هَذَا أَنْتَ تُعْنَى بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُ أَبَا زُرْعَةَ ﵀، فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: قرَّبَنِي وَأَدْنَانِي، وَقَرَّبَنِي وَأَدْنَانِي، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُبَيْدَ اللَّهِ تَزَرَّعْتَ فِي الْكَلَامِ، قُلْتُ: لِأَنَّهُمْ جَادَلُوا دِينَكَ، قَالَ: أَلْحِقُوهُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي فِي النَّوْمِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قِيلَ: مَاتَ أَبُو زُرْعَةَ مَبْطُونًا يَعْرِقُ جَبِينَهُ فِي النَّزْعِ. قَالَ ابْنُ عَمِّ أَبِي زُرْعَةَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي اشْتَقْتُ إِلَى رُؤْيَتِكَ، فَإِنْ قَالَ: بِأَيِّ عَمَلٍ اشْتَقْتُ إِلَيَّ؟ قُلْتُ: بِرَحْمَتِكَ يَا رَبُّ.

стр. 1203

وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: قَالَ لِي السَّرِيُّ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ أَحَدَ الْوُلَاةِ: لَوْ أَنِّي قَبِلْتَ لِأَعْطَيْتُ مِائَةَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَبْلَ اللَّيْلِ فِيكَ، وَفِي ابْنِ مُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَحْبِسَكُمْ وَلَا أَضُرُّ بِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ أَمْنَعَكُمْ مِنَ التَّحْدِيثِ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كُنْتُ فِيمَا مَضَى وَأَنَا صَحِيحٌ رُبَّمَا أَخَذَتْنِي الْحُمَّى، فَأَضْعُفُ وَأَجِدُ لِذَلِكَ أَلَمًا، وَأَنَا الْيَوْمَ رُبَّمَا حُمِمْتُ فَلَا أَجِدُ لَهُ أَلَمًا أَظُنُّ فِي نَفْسِي كَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ. وَقَالَ: إِنِّي لَأَلْبَسُ الثِّيَابَ لِكَيْ إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيَّ لَا يَقُولُونَ تَرَكَ أَبُو زُرْعَةَ الدُّنْيَا وَلَبِسَ الثِّيَابَ الدُّونَ، وَإِنِّي لَآكُلُ مَا يُقَدَّمُ إِلَيَّ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَالْحَلْوَى لِكَيْ لَا يَقُولُ النَّاسُ: إِنَّ أَبَا زُرْعَةَ لَا يَأْكُلُ الطَّيِّبَاتِ لِزُهْدِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ لِبْسِ الثِّيَابِ يَلْبَسُهُ لِسَتْرِ عَوْرَتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا نَوَى هَذَا وَلَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ سَلِمَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ اللَّيْثُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: بِالرَّيِّ شَابٌّ يُقَالُ لَهُ: أَبُو زُرْعَةَ، فَغَضِبَ أَحْمَدُ، وَقَالَ: تَقُولُ شَابٌّ كَالْمُنْكَرِ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَدْعُو اللَّهَ لِأَبِي زُرْعَةَ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ انْصُرْهُ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ادْفَعْ عَنْهُ الْبَلَاءَ اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ فِي دُعَاءٍ كَثِيرٍ، قَالَ الْحَسَنُ: فَلَمَّا قدِمْتُ حَكَيْتُ ذَلِكَ لِأَبِي زُرْعَةَ وَحَمَلْتُ إِلَيِهِ دُعَاءَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَكُنْتُ كَتَبْتُهُ فَكَتَبَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَقَالَ لِي أَبُو زُرْعَةَ: مَا وَقَعْتُ فِي بَلِيَّةِ فَذَكَرْتُ دُعَاءَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِلَا ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ يُفَرَّجُ عَلَيَّ بِدُعَائِهِ.

стр. 1204

وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: ذَهَبَ أَبِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِدٍ الدِّشْتَكِيِّ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ هِبْتُهُ فَجَعَلْتُ أَدْنُو مِنْهُ، فَقَالَ لِأَبِي: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنِي، قَالَ: ادْعُهُ. فَدَعَانِي، فَجِئْتُ حَتَّى دَنَوْتُ مِنْ أَبِي، فَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ادْنُ مِنِّي، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: ادْنُ مِنِّي وَقَالَ لِي: أَخْرِجْ يَدَكَ، فَأَخْرَجْتُ يَدِي فَنَظَرَ إِلَى شُقُوقٍ فِي بَاطِنِ أَصَابِعِي فَتَفَرَّسَ فِيَّ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا سَيَكُونُ لَهُ شَأْنٌ، وَيَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَالْعِلْمَ، وَذَكَرَ أَشْيَاءً. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ خَرَجْتُ مِنَ الرَّيِّ، الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَرَجَعْتُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَإِنِّي حَجَجْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى مِصْرَ، فَأَقَمْتُ بِهَا خَمْسَةَ عَشْرَ شَهْرًا، وَكُنْتُ عَزَمْتُ فِي بَدْءِ قُدُومِي مِصْرَ، أَنْ أَقِلَّ الْمَقَامَ بِهَا، وَلَمَّا رَأَيْتَ كَثْرَةَ الْعَلِمِ رُمْتُ عَلَى الْمَقَامِ، وَلَمْ أَكُنْ عَزَمْتُ عَلَى سَمَاعِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ، فَلَمَّا عَزَمْتُ عَلَى الْمَقَامِ، وَجَّهْتُ إِلَى أَعْرَفِ رَجُلٍ بِمِصْرَ يَكْتُبُ لِلشَّافِعِيِّ، وَسَلَّمْتُ إِلَيْهِ ثَمَانِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَكْتُبَهَا لِي، وَأَعْطَيْتُهُ الْكَاغِدَ وَكُنْتُ حَمَلْتُ مَعِي ثَوْبَيْنِ دَقِيقَيْنِ لِأَقْطَعْهُمَا لِنَفْسِي، فَلَمَّا عَزَمْتُ عَلَى كِتَابَتِهَا أَمَرْتُ بِبَيْعِهَا، فَبِيعَا بِسِتِّينَ دِرْهَمًا وَاشْتَرَيْتُ مِائَةَ وَرَقَةِ كَاغِدِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمٍ، فَكَتَبْتُ فِيهَا كُتُبِ الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ، فَأَقَمْتُ بِهَا مَا أَقَمْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَأَقَمْتُ مَا أَقَمْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ

стр. 1205

إِلَى بَغْدَادَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ فِي آخِرِهَا، وَرَجَعْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَقَمْتُ بِهَا مَا أَقَمْتُ، وَقَدِمْتُ الْبَصْرَةِ فَكَتَبْتُ فِيهَا عَنْ شَيْبَانَ وَعَبْدِ الْأَعْلَى. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كَتَبَ إِلَيَّ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: لَا يُهَوِّلَنَّكَ الْبَاطِلُ فَإِنَّ لِلْبَاطِلِ جَوْلَةً ثُمَّ يَتَلَاشَى. ذِكْرُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَحْصَيْتُ مَا مَشَيْتُ عَلَى قَدَمِي فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ زِيَادَةً عَلَى أَلْفِ فَرْسَخٍ، سِرْتُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَّاتٍ، وَمِنَ الْبَحْرَيْنِ إِلَى مِصْرَ، وَمِنْ مِصْرَ إِلَى الرَّمْلَةِ، وَمِنَ الرَّمْلَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَطَبَرِيَّةَ، وَمِنْ طَبَرِيَّةَ إِلَى دِمَشْقٍ، وَمِنْ دِمَشْقٍ إِلَى حِمْصٍ، وَمِنْ حِمْصَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَمِنْ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى طَرَسُوسَ، ثُمَّ رَجَعْتُ مِنْ طَرَسُوسَ إِلَى حِمْصٍ، فَكَانَ بَقِيَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيَمَانِ، فَسَمِعْتُ ثُمَّ

стр. 1206

خَرَجْتُ مِنْ حِمْصٍ إِلَى بيِسَانَ، وَمِنْ بِيسَانَ إِلَى الرَّقَّةِ، وَمِنَ الرَّقَّةِ رَكِبْتُ الْفُرَاتِ إِلَى بَغْدَادَ، وَخَرَجْتُ قَبْلَ خُرُوجِي إِلَى الشَّامِ مِنْ وَاسِطٍ، وَمِنْ وَاسِطٍ إِلَى الْكُوفَةَ، كُلُّ ذَلِكَ أَمْشِي، هَذَا فِي السَّفَرِ الْأَوَّلِ، وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً أَجُولُ سَبْعَ سِنيِنَ، خَرَجْتُ مِنَ الرَّيِّ سَنَةَ ثَلَاثِ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَخَرَجْتُ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَرَجَعْتُ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَحَجَجْتُ الْحَجَّةَ الْأُولَى سَنَةَ خَمْسِ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَالْحَجَّةُ الثَّانِيَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَالثَّالِثَةُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَالرَّابِعَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَفِيهَا حَجَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنِي، وَقَالَ: بَقِيتُ بِالْبَصْرَةَ سَنَةَ أَرْبَعِ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ فِي نَفْسِي أَنْ أُقِيمَ سَنَةً، فَانْقَطَعَتْ نَفَقَتِي، فَجَعَلْتُ أَبِيعُ ثِيَابَ بَدَنِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، حَتَّى بَقِيتُ بِلَا نَفَقَةٍ، وَمَضَيْتُ أَطُوفُ مَعَ صَدِيقٍ لِي عَلَى الْمَشْيَخَةِ، وَأَسْمَعُ مِنْهُمْ إِلَى الْمَسَاءِ، فَانْصَرَفَ رَفِيقِي، وَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتٍ خَالٍ، فَجَعَلْتُ أَشْرَبُ الْمَاءَ مِنَ الْجُوعِ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ مِنَ الْغَدِ وَغَدَا عَلَيَّ رَفِيقِي، فَجَعَلْتُ أَطُوفُ مَعَهُ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ عَلَى جُوعٍ شَدِيدٍ فَانْصَرَفَ عَنِّي وَانْصَرَفْتُ جَائِعًا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيَّ. فَقَالَ: سِرْ بِنَا إِلَى الْمَشَايخِ، فَقُلْتُ: أَنَا ضَعِيفٌ لَا يُمْكِنُنِي، قَالَ: مَا ضَعْفُكَ؟ قُلْتُ: لَا أَكْتُمُكَ أَمْرِي، قَدْ مَضَى كَذَا وَكَذَا مَا طَعُمْتُ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: قَدْ بَقِيَ

стр. 1207

دِينَارٌ فَأَنَا أُقَاسِمُكَ بِنِصْفِهِ وَتَحْفَظُ النِّصْفَ الْآخَرَ فِي الْكَرَى، فَخَرَجْنَا مِنَ الْبَصْرَةِ وَكُنَّا فِي الْبَحْرِ فَاحْتَلَمْتُ فَأَخْبَرْتُ أَصْحَابِي بِهِ فَقَالُوا: اغْمُرْ نَفْسَكَ فِي الْبَحْرِ قُلْتُ: إِنِّي لَا أُحْسِنُ أَسْبَحُ، فَقَالُوا: إِنَّا نَشُدُّ فِيكَ حَبْلًا وَنُعَلِّقُكَ فِي الْمَاءِ، فَشَدُّوا فِيَّ حَبْلًا وَأَرْسَلُونِي، فِي الْمَاءِ وَأَنَا فِي الْهَوَاءِ هُوَ ذَا أَسْرَعُ الْوُضُوءِ، فَلَمَّا تَوَضَّأْتُ قُلْتُ: أَرْسِلُونِي قَلِيلًا، فَأَرْسَلُونِي، فَغَمَسْتُ نَفْسِي فِي الْمَاءِ، قُلْتُ: ارْفَعُونِي، فَرَفَعُونِي، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ صِرْنَا إِلَى الْجَارِ، وَرَكِبْنَا الْبَحْرَ وَكُنَّا ثَلَاثَةَ أَنْفُسٍ وَكَانَتِ الرِّيحُ فِي وُجُوهِنَا، فَبَقِينَا فِي الْبَحْرِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَضَاقَتْ صُدُورُنَا وَفَنِيَ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الزَّادِ، فَخَرَجْنَا إِلَى الْبَرِّ، فَجَعَلْنَا نَمْشِي أَيَّامًا عَلَى الْبَرِّ فَفَنِيَ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ، فَمَشَيْنَا يَوْمًا لَمْ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنَّا شَيْئًا وَلَا شَرِبْنَا، وَيَوْمَ الثَّانِي كَمِثْلِهِ وَيَوْمَ الثَّالِثِ، كُلُّ يَوْمٍ نَمْشِي إِلَى اللَّيْلِ فَإِذَا جَاءَ الْمَسْيُ صَلَّيْنَا وَأَبْقَيْنَا بِأَنْفُسِنَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا يَوْمَ الرَّابِعِ، جَعَلْنَا نَمْشِي عَلَى قَدْرِ طَاقَتِنَا، فَسَقَطَ الشَّيْخُ الَّذِي كَانَ مَعَنَا، مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَتَرَكْنَاهُ، فَمَشَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي قَدْرَ فَرْسَخٍ أَوْ فَرْسَخَيْنِ، فَضَعُفْتُ وَسَقَطْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ وَمَضَى صَاحِبِي وَتَرَكَنِي فَلَمْ يَزَلْ يَمْشِي إِذْ أَبْصَرَ مِنْ بَعِيدٍ قَوْمًا قَدْ قَرَّبُوا سَفِينَتَهُمْ إِلَى الْبَرِّ، وَنَزَلُوا عَلَى بِئْرِ مُوسَى ﵇، فَلَمَّا عَايَنَهُمْ لَوَّحَ بِثَوْبِهِ إِلَيْهِمْ، فَجَاءُوا وَمَعَهُمُ الْمَاءَ فِي إِدَاوَةٍ فَسَقَوْهُ وَأَخَذُوا بِيَدِهِ فَقَالَ: الْحَقُوا رَفِيقَيْنِ

стр. 1208

لِي قَدْ أَلْقَيَا بِأَنْفُسِهِمَا مَغْشِيًّا عَلَيْهِمَا، فَمَا شَعَرْتُ إِلَّا بِرَجُلٍ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِي فَفَتَحْتُ عَيْنِي، فَقُلْتُ: اسْقِنِي فَصَبَّ الْمَاءَ مِنْ رَكْوَتِهِ شَيْئًا يَسِيرًا فَشَرِبْتُ وَرَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَقُلْتُ: اسْقِنِي فَسَقَانِي شَيْئًا يَسِيرًا، وَأَخَذَ بِيَدِي فَقُلْتُ: وَرَائِي شَيْخٌ مُلْقَى، قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا أَمْشِي أَجُرُّ رِجْلِي يَسْقِينِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ إِلَى سَفِينَتِهِمْ وَأَتُوا بِرَفِيقِي الشَّيْخِ وَأَحْسَنُوا إِلَيْنَا فَبَقِينَا أَيَّامًا حَتَّى رَجَعَتْ إِلَيْنَا أَنْفُسُنَا، ثُمَّ كَتَبُوا لَنَا كِتَابًا إِلَى مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا رَايَةُ، إِلَى وَالِيهِمْ وَزَوَّدُوَنَا مِنَ الْكَعْكِ وَالسَّوِيقِ وَالْمَاءِ، فَلَمْ نَزَلْ نَمْشِي حَتَّى نَفَدَ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الْمَاءِ وَالسَّوِيقِ وَالْكَعْكِ، فَجَعَلْنَا نَمْشِي جِيَاعًا عِطَاشًا عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَدُفِعْنَا إِلَى سُلْحِفَاةٍ قَدْ رَمَى بِهَا الْبَحْرِ مِثْلَ التِّرْسِ، فَعَمَدْنَا إِلَى حَجَرٍ كَبِيرٍ، فَضَرَبْنَا عَلَى ظَهْرِ السُّلْحِفَاةِ، فَانْفَلَقَ ظَهْرُهَا وَإِذَا فِيهَا مِثْلَ صُفْرَةِ الْبَيْضِ، فَأَخَذْنَا مِنْ بَعْضِ الْأَصْدَافِ الْمُلْقَاةِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، فَجَعَلْنَا نَغْتَرِفُ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْفَرُ فَنَتَحَسَّاهُ حَتَّى سَكَنَ عَنَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ حَتَّى دَخَلْنَا مَدِينَةِ الرَّايَةِ، وَأَوْصَلْنَا الْكِتَابَ إِلَى عَامِلِهِمْ، فَأَنْزَلَنَا فِي دَارِهِ وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَكَانَ يُقَدِّمُ إِلَيْنَا كُلَّ يَوْمٍ الْقَرْعَ، وَيَقُولُ لِخَادِمِهِ: هَاتِي لَهُمْ بِالْيَقْطِينَ الْمَارِكِ، فَقَالَ وَاحِدٌ

стр. 1209

مِنَّا بِالْفَارِسِيَّةِ: أَلَا نَدْعُو بِاللَّحْمِ: فَقَالَ صَاحِبُ الدَّارِ: أَنَا أُحْسِنُ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَإِنَّ جِدَّتِي كَانَتْ هَرَوِيَّةَ، فَأَتَانَا بَعْدَ ذَلِكَ بِاللَّحْمِ ثُمَّ خَرَجْنَا مِنْ هُنَاكَ فَزَوَّدَنَا إِلَى أَنْ بَلَغْنَا مِصْرَ. ذِكْرُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ فِي بَابِ الْعَيْنِ. أَخْبَرَنَا أَبُو ثَابِتٍ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلَمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطِيبُ الرَّازِيُّ الْمُجَاوِرُ بِمَكَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيَّ، بِالرَّيِّ، فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَكَانَ رَحَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْعِرَاقِ وَسَمِعَ مِنْهُ يَقُولُ: قُلُنْسُوَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنَ السَّمَاءِ، وَمَا هُوَ بِعَجَبٍ، رَجُلٌ مُنْذُ ثَمَانِينَ سَنَةً عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ مَا انْحَرَفَ عَنِ الطَّرِيقِ سَاعَةً وَاحِدَةً.

стр. 1210

قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَطِيبُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الْفَرَضِيَّ، يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِمَّنْ عَرِفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ذَكَرَ عَنْهُ جَهَالَةً قَطُّ، وَكُنْتُ مُلَازِمًا لَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَمَا رَأَيْتَهُ إِلَّا عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مَا أَنْكَرْتُهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، بَلْ رَأَيْتُهُ صَائِنًا لِنَفْسِهِ وَدِينِهِ وَمُرُوءَتِهِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ أَحْمَدَ الْكَيْلِينِيَّ، يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا حَاتِمٍ، قَالَ: وَمَنْ يَقْوَى عَلَى عِبَادَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ ! لَا أَعْرِفُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ذَنْبًا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، يَقُولُ: لَمْ يَدَعْنِي أَبِي أَشْتَغِلُ بِالْحَدِيثِ حَتَّى قَرَأْتَ الْقُرْآنَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، ثُمَّ كَتَبْتَ الْحَدِيثِ. وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ وَيُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِنَفْسِهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ الدِّينَوَرِيَّ، يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُ مَشَايخَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ شَيْبَةً مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مُقْبِلًا عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ صِغَرِهِ، وَالسَّهَرِ بِاللَّيْلِ، وَالذِّكْرِ وَلُزُومِ الطَّهَارَةِ، فَكَسَاهُ اللَّهُ بَهَاءً وَنُورًا، فَكَانَ يُسَرُّ بِهِ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 1211

الْبَغْدَادِيَّ، بِمَكَّةَ يَقُولُ: كَانَ مِنْ مِنَةِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ وُلِدَ بَيْنَ قَمَاطِرِ الْعِلْمِ وَالرِّوَايَاتِ، وَتَرَبَّى بِالْمُذَكِّرَاتِ بَيْنَ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ، فَكَانَا يَزُقَّانَهُ كَمَا يُزَقُّ الْفَرْخُ الصَّغِيرُ، وَيعْنَيَانَ بِهِ فَاجْتَمَعَ لَهُ مَعَ جَوْهَرِ نَفْسِهِ كَثْرَةُ عِنَايَتِهِمَا، ثُمَّ تَمَّتِ النِّعْمَةُ بِرِحْلَتِهِ مَعَ أَبِيهِ، فَأَدْرَكَ الْإِسْنَادَ وَثِقَاتَ الشُّيُوخِ بِالْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَالشَّامِ، وَالثُّغُورِ، وَسَمَعَ بِأَنْبِجَانَةَ، حَتَّى عَرِفَ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ وَتَرَعْرَعَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ كَانَتْ رِحْلَتُهُ الثَّانِيَةُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ تَمَكُّنِ مَعْرِفَتِهِ، يُعْرَفُ لَهُ ذَلِكَ وَيُقَدَّمُ لِحُسْنِ فِهْمِهِ وَدِيَانَتِهِ وَقَدِيمِ سَلَفِهِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَحْمَدَ الدَّرَسْتِينِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، يَقُولُ: سَاعَدَنِي الدَّوْلَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى أَخْرَجَنِي أَبِي سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمَا احْتَلَمْتُ بَعْدُ، فَلَمَّا أَنْ بَلَغْنَا اللَّيْلَةَ الَّتِي خَرَجْنَا فِيهَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ ذَا الْحَلِيفَةِ، احْتَلَمْتُ فَحَكَيْتُ ذَلِكَ لِأَبِي فَسُرَّ بِذَلِكَ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ أَدْرَكْتُ حُجَّةَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنِ ابْنِ الْمُقْرِئِ حَدِيثَهُ عَنْ سُفْيَانَ، وَمِنْ مَشَايخِ مَكَّةَ وَالْوَارِدِينَ إِلَيْهَا، وَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمَاتَ ابْنُ الْمُقْرِئِ مِنْ قَابِلِ سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي انْصِرَافِهِ مِنَ الْحَجِّ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ مِنِ ابْنِ سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَمَشَايخِ الْكُوفِيِّينَ مَعَ أَبِيهِ، وَمَشَايِخِ الْوَاسِطِيِّينَ، أَحْمَدَ بْنَ

стр. 1212

سِنَانَ، وَعُدَّةٍ مِنْ مَشَايخِ أَهْلِ وَاسِطٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ بِبَغْدَادَ وَسَامُرَّاءَ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَرَفَةَ، يَقُولُ: أَنَا ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٍ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَكَانَ أَبُو زُرْعَةَ أَبُوهُ خَالُ أَبِي حَاتِمٍ وَكَانَا كَالْأَخَوَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَلَا شَحْنَاءَ وَلَا بَغْضَاءَ، كَمَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو حَاتِمٍ أَسَنَّ مِنْ أَبِي زُرْعَةَ عَلَى مَا بَلَغَنِي بِخَمْسِ سِنِينَ، وَأَبُو زُرْعَةَ مَاتَ قَبْلَ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَتَيْنِ، وَكَانَ مَسْكَنُهُمَا وَمَسْجِدُهُمَا فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي سِكَّةِ حَنْظَلَةَ. سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُوَارَزْمِيَّ، يَقُولُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ إِمَامٌ ابْنُ إِمَامٍ، قَدْ وَلِيَ بَيْنَ إِمَامَيْنِ، أَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي زُرْعَةَ إِمَامَيْ هُدَى.

стр. 1213

فَصْلٌ فِي ذِكْرِ حِرْصِهِ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ الرَّقَّامَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ الْحُسَيْنِ الدَّرَسْتِينِيَّ، يَقُولُ:، سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي أَبُو زُرْعَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحْرَصَ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ مِنْكَ يَا أَبَا حَاتِمٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَحَرِيصٌ، قَالَ: مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ، قَالَ الرَّقَّامُ: سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنِ اتْفَاقِ كَثْرَةِ السَّمَاعِ لَهُ وَسُؤَالَاتِهِ مِنْ أَبِيهِ فَقَالَ: رُبَّمَا كَانَ يَأْكُلُ وَأَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَيَمْشِي وَأَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَيَدْخُلُ الْخَلَاءَ وَأَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَيَدْخُلُ الْبَيْتَ فِي طَلَبِ شَيْءٍ وَأَقْرَأُ عَلَيْهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ أَبَاهُ أَبَا حَاتِمٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ عَنْ أَشْيَاءٍ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ إِلَى وَقْتِ ذَهَبَ لِسَانُهُ فَكَانَ يُشِيرُ إِلَيْهِ بِطَرَفِهِ نَعَمْ وَلَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَوْمًا يَقُولُ: لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ.

стр. 1214

وَقَالَ: كُنَّا بِمِصْرَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، فَلَمْ نَأْكُلْ فِيهَا مَرَقَةَ، وَذَلِكَ أَنَّا كُنَّا نَغْدُو بِالْغَدَوَاتِ إِلَى مَجْلِسِ بَعْضِ الشُّيُوخِ، وَوَقْتِ الظُّهْرِ إِلَى مَجْلِسٍ آخَرَ، وَوَقْتِ الْعَصْرِ إِلَى مَجْلِسٍ آخَرَ، ثُمَّ بِاللَّيْلِ لِلنَّسْخِ وَالْمُعَارَضَةِ، فَلَمْ نَتَفَرَّغْ نُصْلِحَ شَيْئًا، وَكَانَ مَعِي رَفِيقٌ خُرَاسَانِيُّ أَسْمَعُ فِي كِتَابِهِ وَيَسْمَعُ فِي كِتَابِي، فَمَا أَكْتُبُ لَا يَكْتُبُ، وَمَا يَكُتُبُ لَا أَكْتُبُ، فَغَدَوْنَا يَوْمًا إِلَى مَجْلِسِ بَعْضِ الشُّيُوخِ فَقَالَ: هوِّنْ عَلَيْكَ فَرَجَعْنَا فَرَأَيْنَا فِي طَرِيقِنَا حُوتًا يَكُونُ بِمِصْرَ، يُشَقُّ جَوْفُهُ فَيَخْرُجُ أَصْفَرُ، فَأَعْجِبْنَاهُ فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى الْمَنْزِلِ حَضَرَ وَقْتُ مَجْلِسِ بَعْضِ الشُّيُوخِ فَلَمْ يُمْكِنَّا إِصْلَاحَهُ، وَمَضَيْنَا إِلَى الْمَجْلِسِ، فَلَمْ نَزَلْ حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ كَادَ أَنْ يَتَغَيَّرُ، فَأَكَلْنَاهُ نَيًّا، فَقِيلَ لَهُ: كُنْتُمْ تُعْطُونَ لِمَنْ يَشْوِيهِ وَيُصْلِحُهُ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ كَانَ لَنَا الْفَرَاغُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَكَانَ هَذَا فِي الرِّحْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ اسْتَأْذَنَ أَبَاهُ وَتَشَفَّعَ إِلَيْهِ بِأَبِي زُرْعَةَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الرِّحْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ حَتَّى أَلَحَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِي حَاتِمٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلَدٌ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ قَبْلَهُ فَمَاتُوا فَلَمْ تَطُبْ نَفْسُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، ثُمَّ أَذَنَ لَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ إِلَى وَقْتِ كَذَا وَيَنْصَرِفُ إِلَيْهِ فِي وَقْتِ كَذَا فَرَحَلَ وَدَخَلَ مِصْرَ، وَمَشَايخُ مِصْرَ مُتَوَافِرُونَ، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ كَانَ فِي ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ مِثْلَ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَبَحْرِ بْنِ نَصْرٍ، وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالْمُزْنِيِّ، وَالرَّبِيعِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَشَايخُ إِسْكَنْدَرِيَّةَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونَ وَغَيْرِهِ، فَأَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي السَّمَاعِ لِيَلْحَقَ وَعْدَ أَبِيهِ لَا يَخْلِفُ، فَرُزِقَ السَّمَاعَ الْكَثِيرَ مِثْلَ كُتُبِ ابْنِ وَهْبٍ بِأَسْرِهَا، وَكُتُبِ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَحِدِيثِ سَائِرِ الْمَشَايخِ وَفَوَائِدِهِمْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ.

стр. 1215

سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْبَغْدَادِيَّ يَقُولُ: لَقَدِ اتَّفَقَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي رِحْلَتِهِ مِنَ السَّمَاعِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ مَا يَعْجَزُ عَنْ جَمْعِهِ غَيْرُهُ أَنْ يَكْتُبَ فِي سِنِينَ، وَدَخَلَ بَيْرُوتَ السَّوَاحِلَ وَدِمَشْقَ وَالثُّغُورَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ثَلَاثُ رِحْلَاتٍ، رِحْلَةٍ مَعَ أَبِيهِ فِي سَنَةِ حَجِّهِ سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَسِتٍّ وَخَمْسِينَ فِي رُجُوعِهِ مِنَ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ حَجَّةً ثَانِيةً بِنَفْسِهِ مَعَ مَشَايخِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الرَّيِّ، مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ الطَّهْرَانِيِّ، وَغَيْرِهِ فِي السِّتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَالرِّحْلَةُ الثَّانِيَةُ بِنَفْسِهِ إِلَى مِصْرَ وَنَوَاحِيهَا وَالشَّامِ وَنَوَاحِيهَا فِي الثِّنْتَيْنِ وَالسِّتِّينَ، وَالرِّحْلَةُ الثَّالِثَّةُ إِلَى أَصْبَهَانَ إِلَى يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ، وَأُسَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، وَغَيْرِهِمَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ فَصْلٌ فِي ذِكْرِ حُسْنِ صَلَاتِهِ وَخُشُوعِهِ فِيهَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ الزَّنْجَانِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ التِّرْمِذِيُّ، يَقُولُ: كُنْتُ مَعَ أَبِي حَاتِمٍ إِذْ خَرَجَ مِنَ السِّكَّةِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ عَلَى رَأْسِ سِكَّتِهِ، فَوَقَفَ

стр. 1216

فَقَالَ: خَفِّفْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَتَهَيَّأُ لِي أَنْ أَعْمَلَ مَا يَعْمَلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقَزْوِينِيَّ الْوَاعِظَ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ السَّاجِيِّ، وَكَانَ مِنَ الْمَذْكُورِينَ، يَقُولُ: وَقَالَ لَهُ بَعْضُ إِخْوَانِهِ: إِيشْ خَبَرُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَعَ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ لَهُ: إِذَا دَخَلْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الصَّلَاةِ فَسَلِّمَ نَفْسَكَ إِلَيْهِ يَعْمَلُ بِهَا مَا يَشَاءُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الرَّازِيَّ بَعْدَ وَفَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ لِلتَّعْزِيَةِ، وَالْمَسْجِدُ غَاصٌ بِأَهْلِهِ، قَامَ فَقَرَأَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢] إِلَى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] الْآيَةَ. فَضَجَّ الْمَسْجِدُ بِالْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ، وَقَالُوا: نَرْجُو أَنْ يَكُونَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَاتِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ كَانَتْ كُلَّهَا فِيهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: دَخَلْنَا يَوْمًا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِغَلِسٍ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَكَانَ عَلَى الْفِرَاشِ قَائِمًا يُصَلِّي وَكُنَّا جَمَاعَةً، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الدَّرَسْتِينِيُّ فِي الْجَمَاعَةِ فَرَكَعَ وَأَطَالَ الرُّكُوعَ، فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: هُوَ عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا فِي صِحَّتِهِ.

стр. 1217

فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مِحْنَتِهِ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ الْعَبَّاسَ بْنَ أَحْمَدَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: قُلْتُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْرِجْ إِلَيَّ مِحْنَةَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لِأَكْتُبْهَا، فَتَغَافَلَ، فَسَأَلْتُهُ ثَانِيَةً فَقَالَ: اكْتُبْ مِحْنَتِي فَإِنَّهَا أَعْجَبُ مِنْ مِحْنَةِ أَحْمَدَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ الْفَرْضِيُّ: مِحْنَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ أَشَدُّ مِنْ مِحْنَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مِحْنَةَ أَحْمَدَ كَانَتْ مَعَ الْخَاصِّ، وَكَانَتْ مُدَّتُهَا قَلِيلَةً، وَبَقِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي مِحْنَتِهِ مَعَ أَصْحَابِ الزَّعْفَرَانِيِّ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ قَارِنِ بْنِ الْعَبَّاسِ، يَقُولُ: امْتُحِنَ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

стр. 1218

قِيلَ: صَبَرَ فِي مِحْنَتِهِ وَلَمْ يَبْرَحْ مِنْ مَسْجِدِهِ وَمَجْلِسِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ جُمْعَةً وَلَا جَمَاعَةً، وَلَا تَسَتَّرَ الْعِلْمَ وَالتَّصْنِيفَ، وَتَعْلِيمَ الْخَيْرِ حَتَّى مَحَقَهُمُ اللَّهُ. قِيلَ: مَاتَ مِنْ رُؤَسَاءِ أَعْدَائِهِ الْمَذْكُورِينَ أَرْبَعِ مِائَةٍ فِي حَيَاتِهِ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ وَقْتَ الْمِحْنَةِ بِالْخُرُوجِ، فَقَالَ: هَا هُنَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ تَنْكَسِرُ قُلُوبُهُمْ وَيُسْتَوْحَشُونَ وَلَكِنْ نَصْبُرُ. وَقَالَ: كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذَّهْلِيُّ إِلَى أَبِي زُرْعَةَ: اصْبِرْ فَإِنَّ لِلْبَاطِلِ جَوْلَةً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: كُنَّا جَمَاعَةٌ يَوْمًا فِي مَسْجِدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَهُ فَتَذَكَّرُوا شِدَّةَ مِحْنَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْمَ كَذَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَقْتَ كَذَا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كُنْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ إِذْ جَاءَنِي إِنْسَانٌ، فَقَالَ لِي: خُذْ حَذَرَكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ جَلَسُوا لَكَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعٍ، فَأَخَذُوا عَلَيْكَ الطَّرِيقَ يُرِيدُونَ نَفْسَكَ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَالْجَامِعُ نَاءٍ عَنِ الْبَلَدِ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ فَرَسًا أَيَّامَ الزَّعْفَرَانِيِّ وَأَصْحَابِهِ يَكُونُ أَسْرَعَ لِنَجَاتِهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي أَيُّ طَرِيقٌ آخُذُ؟ وَكَانَ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ، وَذَكَرْتُ خَبَرًا يَرْويِهِ الْحَسَنُ يَرْفَعُهُ، أَنَّ مَنْ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ إِذَا سَلَّمَ وَهُوَ ثَانٍ إِحْدَى رَجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَعْطِفَهُمَا أَوْ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ سَبْعًا وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ سَبْعًا وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ

стр. 1219

النَّاسِ سَبْعًا حَفِظَهُ اللَّهُ إِلَى مِثْلِهَا. ثُمَّ خَرَجْتُ وَرَكَبْتُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ بَابٍ يُسَمَّى بَابَ الْجِهَادِ، بَابَ قَزْوِينَ وَتَبِعَنِي غُلَامِي سِيَّمَا، وَجَمَاعَةٌ نَحْوَ خَمْسَةِ أَنْفُسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ بَابَ الْجِيلَانِيِّ إِذَا الْجَمَاعَةُ قَدْ خَرَجُوا عَلَيَّ مِنْ مَوَاضِعٍ كَانُوا مُتَكَمِّنِينَ فِيهَا بِالسِّلَاحِ يُرِيدُونَنِي، فَاشْتَغَلَ بِهُمْ بَعْضُ مَا كَانَ مَعِي، وَحَرَّكْتُ الدَّابَةَ، وَبَقِيَ مَعِي غُلَامِي، سِيَّمَا، وَآخَرُ حَتَّى بَلَغْتُ دَرْبَ الْمَصْلَى، فَخَرَجَ مِنْ وَرَاءِ الدَّرْبِ جَمَاعَةٌ بِالسَّكَاكِينِ وَالسِّلَاحِ يُرِيدُونَنِي، فَحَرَّكْتُ الدَّابَةَ وَخَرَجُوا خَلْفِي. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ الْعَطَّارُ وَكَانَ مَعَ الشَّيْخِ يَوْمَئِذٍ أَنَّ أَحَدَهُمْ لَقِيَ الشَّيْخَ، وَأَشَارَ بِالسِّكِّينَ قَاصِدًا إِلَيْهِ فَضَرَبَ السِّرْجَ وَلَمْ يُصِبِ الشَّيْخَ وَلَا الدَّابَّةَ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَنَجَوْتُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا صِرْتُ فِي وَسَطِ الْخَنْدَقِ، وَفِيهِ مَسْجِدٌ صَغِيرٌ خَرَجَ عَلَيَّ مِنَ الْمَسْجِدِ نَحْوَ ثَلَاثِينَ نَفَسًا بِالسِّلَاحِ يُرِيدُونَنِي وَأَنَا وَحْدِي فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَجَاءَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ فَتَعَلَّقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِرِجْلِي الْيُسْرَى وَآخَرُ بِرِجْلِي الْيُمْنَى وَآخَرُ بِلِجَامِ الدَّابَّةِ، فَضَرَبْتُ الْمُتَعَلِّقَ بِرِجْلِي الْيُسْرَى بِالْمِقْرَعَةِ، فَتَنَكَّسَ فِي الْخَنْدَقِ، وَقَرَعْتُ الْمُتَعَلِّقُ بِلِجَامِ الدَّابَّةِ بِالْمِقْرَعَةِ، وَحَرَّكْتُ الدَّابَّةَ، فَانْفَرَجُوا عَنِّي، فَأَخَذْتُ طَرِيقَ الطَّبَرِيِّينَ إِلَى الْمَنْزِلِ فَلَمَّا قَرُبْتُ مِنَ الْمَنْزِلِ رَآنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الزَّعْفَرَانِيِّ، فَقَالَ لِي: يَا كَافِرُ أَنْتَ بَعْدُ تَعِيشُ، حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى قُرْبِ مَنْزِلِي، وَقَدِ اتَّصَلَ الْخَبَرُ

стр. 1220

بِالْجِيرَانِ وَالْأَهْلِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلَنِي جَمَاعَةٌ يَبْكُونَ، فَقُلْتُ: أَنَا فِي عَافِيَةٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَصِرْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَلِمِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اكْتُبْ مِحْنَتِي فَإِنَّهَا أَعْجَبُ مِنْ مِحْنَةِ أَحْمَدَ. وَقِيلَ: إِنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَتْ فَمَضَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِلتَّعْزِيَةِ، وَكَانَتْ فِي مَسْجِدٍ يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ الْمَرْزِيِّ فِي سِكَّةِ الْبَاغِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا وَافَى أَصْحَابُ الزَّعْفَرَانِيِّ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ هُنَاكَ وَمَعَهُمْ خَلْقٌ عَظِيمٌ، فَأَخَذُوا بِبَابِ الْمَسْجِدِ يُرِيدُونَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ بَابٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ فِيهِ شُبَّاكٌ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ إِلَى الطَّرِيقِ، وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أَخَذُوا الْبَابَ، وَثَبُوا إِلَى الشُّبَّاكِ فَانْتَزَعُوهُ وَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ مَوْضِعِ الشُّبَّاكِ وَنَجَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: وَأَغَارُوا عَلَى دَارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَحَمَلُوا مِنْ دَارِهِ الْأَثَاثَ وَالْآلَاتَ، فَخَرَجَ إِلَى السَّرْبَانِ، مَحَلَّةٌ بِالرَّيِّ، فَأَقَامَ بِهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى دَارِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، خَرَجَ مِنْ دَارِ النِّسَاءِ إِلَى دَارِ الرِّجَالِ يَتَمَسَّحُ لِلصَّلَاةِ فَسَمِعَ الصِّيَاحَ، فَقَالَ: إِيشْ هَذَا؟ قَالُوا: مَاتَ

стр. 1221

الزَّعْفَرَانِيُّ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَشَى خُطْوَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. قَالَ: وَكَانَ أَقَلُّ مَا يَشْتَغِلُ بِذِكْرِ الزَّعْفَرَانِيِّ وَذِكْرِ أَصْحَابِهِ مَعَ مَا نَالَ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَمْ يَدَعْنَا نَشْتَغِلُ بِذِكْرِهِ، وَقَالَ: اشْتَغِلُوا بِذِكْرِ اللَّهِ يَكُونُ خَيْرًا لَكُمْ وَأَفْضَلُ. قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: وَقَعَ الدُّودُ فِي لِسَانِ الزَّعْفَرَانِيِّ قَبْلَ مَوْتِهِ. وَقِيلَ: مَاتَ بِوَرَمِ الرَّأْسِ، وَوَقَعَ فِي لِسَانِهِ الدُّودُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبَزَّازُ: كُنْتُ حَاجًّا سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَثِمِائَةٍ، فَكُنْتُ عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَالْخَلْقُ فِي الطَّوَافِ، إِذْ قَامَ مُنَادٌى عَلَى الْحَجَرِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ الْعَنُوا الزَّعْفَرَانِيَّ وَأَصْحَابَهُ، وَنَادَى لَعَنَ اللَّهُ الزَّعْفَرَانِيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ، فَلَعَنَهُ النَّاسُ مَعَهُ، قَالَ: وَرَجَعْتُ إِلَى بَغْدَادَ، فَسَمِعْتُ فِي دَارِ الْقُطْنِ رَجُلًا يَسْقِي النَّاسَ الْمَاءَ وَهُوَ يُنَادِي وَيَقُولُ: اشْرَبُوا مَجَّانًا مَاءً بَارِدًا وَالْعَنُوا الزَّعْفَرَانِيَّ، فَكَانُوا يَشْرَبُونَ وَيَلْعَنُونَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ: رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي الْحَسَنِ الْقَصَّارَ، وَكَانَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ يُرِيدُ دُخُولَ الْحَمَّامِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي

стр. 1222

حَاتِمٍ، يَقُولُ: رَأَيْتُ هَاتِفًا يَقُولُ لِي: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: يَكْذِبُ. فَقَالُوا لَهُ: لَا تَقُلْ. فَقَالَ: إِنْ كَانَ صَادِقًا خَرَسَ اللَّهُ لِسَانِي، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا خَرَسَهُ اللَّهُ، فَدَخَلَ الْحَمَّامُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ، فَأَخْرَسَ اللَّهُ لِسَانُهُ مِنْ سَاعَتِهِ فَخَرَجَ وَهُوَ أَخْرَسٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَأَقَامَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِالْإِشَارَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ أَنْفَةً وَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ذِكْرُ أَبِي عُبَيْدٍ الْبُسْرِيِّ شَامِيِّ ﵁ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ الْيَمَانِيُّ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَّائِيُّ الشَّيْخُ الصَّالِحُ بِدِمَشْقٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنْبِجِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنِ مَعْمَرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانٍ يَقُولُ: جَاءَ ابْنُ عُبَيْدٍ الْبُسْرِيُّ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ بَجُرَّةٍ فِيهَا سَمْنٌ، فَوَقَعَتْ، فَانْكَسَرَتْ، فَذَهَبَ رَأْسُ مَالِي، فَقَالَ: " يَا بُنَيَّ اجْعَلْ رَأْسَ مَالِكَ، رَأْسُ مَالِ أَبِيكَ، فَوَاللَّهِ مَا لِأَبِيكَ رَأْسُ مَالٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا حَسَّانٍ، يَقُولُ: رَأَيْتُ أَخِي أَبَا عُبَيْدٍ فِي النَّوْمِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزُورُونَنِي وَيَأْخُذُونَ مِنْ قَبْرِي التُّرَابَ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ لَوْ جَاءُوا وَسَأَلُوا اللَّهَ مَا سَأَلُوا لَأَعْطَاهُمْ.

стр. 1223

ذِكْرُ أَبِي سَعِيدٍ الْخَرَّازِ ﵁ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ الْيَمَانِيُّ، أَخْبَرَنَا سَعْدٌ الزَّنْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَّائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُمَرَ الْمَنْبَجِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الدِّينَوَرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخَرَّازَ، يَقُولُ: " نَزَلَ عَلَيَّ شَخْصَانِ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَالَا: مَا حَقِيقَةُ الصِّدْقِ؟ فَقُلْتُ: حَقِيقَةُ الْوَفَاءِ، فَقَالَا: صَدَقْتَ، وَعَرَجَا ". قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ بَغْدَادِيٌّ، اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، صَحِبَ ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ، وَأَبَا عُبَيْدٍ الْبُسْرِيَّ، كَانَ مِنْ جِلَّةِ مَشَايِخِ الْقَوْمِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ: مَثَلُ النَّفْسِ مَثَلُ مَاءٍ وَاقِفٍ طَاهِرٍ صَافٍ، فَإِنْ حَرَّكْتَهُ ظَهَرَ مَا تَحْتَهُ مِنَ الْحَمْأَةِ، فَكَذَا النَّفْسُ تَظْهَرُ عِنْدَ الْمِحَنِ وَالْفَاقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا فِي نَفْسِهِ كَيْفَ يَعْرِفُ رَبَّهُ؟ ! . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كُلُّ بَاطِنٍ يُخَالِفُهُ ظَاهرٌ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَوْلَا أَنْ أَدْخَلَ مُوسَى ﵇ فِي كَنَفِهِ لَأَصَابَهُ مِثْلُ مَا أَصَابَ الْجَبَلَ.

стр. 1224

وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: رَأَيْتُ إِبْلِيسَ فِي النَّوْمِ وَهُوَ يَمُرُّ عَنِّي نَاحِيَةً، فَقُلْتُ: تَعَالَ. فَقَالَ: إِيشْ أَعْمَلُ بِكُمْ طَرَحْتُمْ عَنْ أَنْفُسِكُمْ مَا أُخَادُعُ بِهِ النَّاسَ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: الدُّنْيَا، فَلَمَّا وَلَّى عَنِّي، الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: غَيْرَ أَنَّ لِي فِيكُمْ لَطِيفَةً، قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: صُحْبَةُ الْأَحْدَاثِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَقَلَّ مَنْ يَتَخَلَّصُ مِنْ هَذِهِ الصُّوفِيَّةِ، وَأَنْشَدَ أَبُو سَعِيدٍ: أُسَائِلُكُمْ عَنْهَا فَهَلْ مِنْ مُخَبِّرٍ ... فَمَا لِي بِنُعْمَ بَعْدَ مَكَّةَ لِي عِلْمُ فَلَوْ كُنْتُ أَدْرِي أَيْنَ خَيَّمَ أَهْلُهَا ... وَأَيُّ بِلَادُ اللَّهِ إِذْ ظُعُنُوا أَمُّوا إِذَنْ لَسَلَكْنَا مَسْلَكَ الرِّيحِ خَلْفَهَا ... وَلَوْ أَصْبَحَتْ نُعْمَ وَمَنْ دُونَهَا النَّجْمُ. ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ الدُّقِّيِّ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الدِّينَوَرِيُّ أَقَامَ بِالشَّامِ وَعَمَّرَ فَوْقَ مِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِ أَبِي عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيِّ، صَحِبَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ الْجَلَاءِ، وَأَبَا بَكْرٍ الدَّقَّاقَ الْكَبِيرَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الدُّقِّيُّ: سَمِعْتُ الدَّقَّاقَ، يَقُولُ: لِي سَبْعِينَ سَنَةً أَرِبُّ

стр. 1225

هَذَا الْفَقْرُ، مَنْ لَمْ يَصْحَبْ فِيهِ التَّقِيَّةَ أَكَلَ الْحَرَامَ النَّصَّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ ابْنَ الْجَلَاءِ، وَقِيلَ لَهُ: أَكَانَ أَبُوكَ يَجْلُو الْمَرَايَا وَالسُّيُوفَ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ جَلَاهَا. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ الْيَمَانِيُّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الزَّنْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَّائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الدَّقِّيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مَنْصُورٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ السَّوُسِيَّ يَقُولُ: " غَسَّلْتُ مُرِيدًا فَأَمْسَكَ إِبْهَامِي وَهُوَ عَلَى الْمُغْتَسَلِ، فَقُلْتُ: يَا بُنَيَّ خَلِّ يَدِي، أَنَا أَدْرِي أَنَّكَ لَسْتَ بِمَيِّتٍ، وَإِنَّمَا هِيَ نَقْلَةٌ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ فَخَلَّاهَا ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا الدَّقِّيُّ، قَالَ: قِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: " مَا بَالُ كُلِّ صَغِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَحْبُوبٌ، فَقَالَ: لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنْ كُنْ ". أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الدَّقِّيَّ، يَقُولُ: كَمْ مِنْ مَسْرُورٍ سُرُورُهُ بَلَاؤُهُ، وَكَمْ مِنْ مَغْمُومٍ غَمُّهُ نَجَاتُهُ. قَالَ: وَقَالَ الدَّقِّيُّ: الْمَعِدَةُ مَوْضِعٌ يَجْمَعُ الْأَطْعِمَةَ، فَإِذَا طَرَحْتَ فِيهَا الْحَلَالَ صَدَرْتَ الْأَعْضَاءَ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَإِذَا طَرَحْتَ فِيهَا الشُّبْهَةَ اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الطَّرِيقُ إِلَى اللَّهِ، وَإِذَا طَرَحْتَ فِيهَا التَّبَعَاتَ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَمْرِ اللَّهِ حِجَابٌ.

стр. 1226

قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الدَّقِّيَّ، يَقُولُ: كَلَامُ اللَّهِ إِذَا أَضَاءَ عَلَى السَّرَائِرِ بِإِشْرَاقِهِ أَزَالَتِ الْبَشَرِيَّةُ بِرَعُونَاتِهَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ الدَّقِّيَّ، يَقُولُ: مَنْ عَرِفَ رَبَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ رَجَاؤُهُ، وَمَنْ عَرِفَ نَفْسَهُ لَمْ يُعْجَبْ بِعَمَلِهِ، وَمَنْ عَرِفَ اللَّهَ لَجَأَ إِلَيْهِ، وَمَنْ نَسِيَ اللَّهَ لَجَأَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يَسْهُو حَتَّى يَغْفَلَ فَإِذَا تَفَكَّرَ حَزَنَ وَاسْتَغْفَرَ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ الْيَمَانِيُّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الزَّنْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَنْبَجِيُّ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ شِبْلًا الْبَغْدَادِيَّ، يَقُولُ: " أَهْدَانِي ابْنُ أَبِي دَلَفٍ لِلْمُعْتَضِدِ وَأَنَا صَبِيٌّ، وَكُنْتُ عَلَى رَأْسِهِ وَاقِفًا وَبَيْنَ يَدِيهِ غِلْمَانٌ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِحَاجَةٍ بِعَيْنِهَا، فَإِذَا أَرَادَ حَاجَةً أَشَارَ إِلَى الْغُلَامِ فَعَلِمَ مَا يُرِيدُ مِنْهُ فَيَجِيءُ بِهِ، وَكَانَ بَيْنَ يَدِيهِ غُلَامٌ خَادِمٌ جَمِيلُ الْوَجْهِ وَفِي رِجْلَيْهِ حَمْشَكٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَنَظَرَ الْمُعْتَضِدُ إِلَيْهِ وَالْغُلَامُ مَشْغُولٌ يَنْظُرُ إِلَى الْحَمْشَكِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ، قَالَ: فَفِي الثَّالِثَةَ قَامَ إِلَيْهِ وَفِي يَدِهِ سِكِّينَةٌ فَغَرَزَهَا فِي فُؤَادِهِ، فَمَاتَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ نُدَمَائِهِ مِمَّنْ يَأْنَسُ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ، وَأَنْتَ عَلَى الطَّعَامِ، أَحَلَلْتَ بِهِ هَذَا الْمَحَلَ! فَقَالَ: هُوَ بَيْنَ يَدِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى حَمْشَكِ نَفْسِهِ ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ الدَّقَّاقَ، يَقُولُ: «ثَمَنُ هَذَا الطَّرِيقِ رُوحُ الْإِنْسَانِ» ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «هَذَا الْأَمْرُ لِأَقْوَامٍ كَنِسُوا بِأَرْوَاحِهِمُ الْمَزَابِلَ» .

стр. 1227

قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ مَعمَرٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي أَبُو زُرْعَةَ: " مَكَرَتْ بِي امَرْأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا زُرْعَةَ، ادْخُلْ فَشِلْ مَعِي هَذَا الزِّنْبِيلَ، فَلَمَّا دَخَلْتُ أَغْلَقَتِ الْبَابَ عَلَيَّ، فَلَمَّا عَلِمْتُ قَصْدَهَا قُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سَوْدَاءَ، فَإِذَا هِيَ سَوْدَاءُ، فَحَارَتْ فِي نَفْسِهَا فَفَتَحَتِ الْبَابِ، فَخَرَجَتْ فَلَمَّا صِرْتُ خَارِجَ الْبَابِ قُلْتُ: اللَّهُمَّ رُدَّهَا إِلَى حَالِهَا، فَرَجَعَتْ إِلَى حَالِهَا ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْجُرَيْرِيُّ، يَقُولُ: " كَانَ فَقِيرًا إِذَا قَامَ قَالَ: اللَّهَ، وَإِذَا قَعَدَ قَالَ: اللَّهَ، فَعَثَرَ يَوْمًا عَثْرَةً فَانْقَطَعَتْ إِصْبَعُهُ، فَانْكَتَبَ فِي الْأَرْضِ اللَّهَ، أَلِفٌ، لَامٌ، لَامٌ، هَاءٌ ". ذِكْرُ أَبِي الْخَيْرِ الْأَقْطَعِ ﵀ سَكَنَ الْقَيْنَاتَ بِالشَّامِ، لَهُ كَرَامَاتٌ، كَانَ يَأْنَسُ بِهِ السِّبَاعُ وَالْهَوَامُّ. قَالَ أَبُو الْخَيْرِ الْأَقْطَعُ: دَخَلْتُ مَدِينَةَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَنَا بِفَاقَةٍ فَأَقَمْتُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَا ذُقْتُ ذَوَاقًا، فَتَقَدَّمْتُ إِلَى الْقَبْرِ وَسَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 1228

وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄، وَقُلْتُ: أَنَا ضَيْفُكَ اللَّيْلَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَنَحَّيْتُ وَنِمْتُ خَلْفَ الْمِنْبَرِ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَعُمَرُ عَنْ شِمَالِهِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ يَدِيهِ، فَحَرَّكَنِي عَلِيُّ ﵁ وَقَالَ لِي: قُمْ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقَبَّلْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَدَفَعَ إِلَيَّ رَغِيفًا فَأَكَلْتُ نِصْفَهُ فَانْتَبَهْتُ فَإِذَا فِي يَدِي نِصْفُ رَغِيفٍ. وَقَالَ أَبُو الْخَيْرِ الْأَقْطَعُ: لَنْ يَصْفُوَ قَلْبَكَ إِلَّا بِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ لِلَّهِ، وَلَنْ يَصْفُوَ بَدَنَكَ إِلَّا بِخِدْمَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ. وَقَالَ: مَا بَلَغَ أَحَدٌ إِلَى حَالَةٍ شَرِيفَةٍ إِلَّا بِمُلَازَمَةِ الْمُوَافَقَةِ، وَمُعَانَقَةِ الْأَدَبِ، وَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ، وَخِدْمَةِ الْفُقَرَاءِ الصَّادِقِينَ. وَقَالَ: حَرَامٌ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مَأْسُورٍ بِحُبِّ الدُّنْيَا أَنْ يَسِيحَ فِي رُوحِ الْغُيُوبِ. وَقَالَ: الْقُلُوبُ ظُرُوفٌ، فُقَلْبٌ مَمْلُوءٌ إِيمَانًا فَعَلَامَتُهُ الشَّفَقَةُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالاهْتِمَامُ بِمَا يَهُمُّهُمْ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى مَا يَعُودُ صَلَاحُهُ إِلَيْهِمْ، وَقَلْبٌ مَمْلُوءٌ نِفَاقًا فَعَلَامَتُهُ الْحِقْدُ وَالْغِلُّ وَالْغِشُّ وَالْحَسَدُ.

стр. 1229

ذِكْرُ أَبِي نَصْرٍ الْجُهَنِيِّ مَدَنِيٌّ ﵁ أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْلَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ: " قَدِمَ عَلَيْنَا هَارُونُ الرَّشِيدُ سَنَةَ ثَلَاثٍ، فَأُخْلِيَ لَهُ الْمَسْجِدُ وَوَقَفَ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَى مِنْبَرِهِ وَفِي مَوْقَفِ جِبْرِيلَ، وَاعْتَنَقَ أُسْطُوَانَةَ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: قِفُوا بِي عَلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ حُرِّكَ أَبُو نَصْرٍ الْجُهَنِيُّ، وَقِيلَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ وَأُمَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَعِيَّتِكَ، وَبَيْنَ اللَّهِ خَلْقٌ غَيْرُكَ وَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْهُمْ، فَأَعِدَّ لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابًا، فَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لَوْ ضَاعَتْ سَخْلَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ لَخَافَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَسْأَلَهُ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا نَصْرٍ، إِنَّ رَعِيَّتِي وَدَهْرِي غَيْرُ رَعِيَّةِ عُمَرَ وَدَهْرِهِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو نَصْرٍ: هَذَا وَاللَّهِ غَيْرُ مُغْنٍ عَنْكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّكَ وَعُمَرَ تُسْأَلَانِ عَمَّا خَوَّلَكُمَا اللَّهُ، قَالَ: فَدَعَا هَارُونُ بِصُرَّةٍ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَقَالَ: ادْفَعُوهَا إِلَى أَبِي نَصْرٍ، فَقَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَادْفَعُوهَا إِلَى فُلَانٍ يُفَرِّقُهَا بَيْنَهُمْ وَيَجْعَلُنِي رَجُلًا مِنْهُمْ ".

стр. 1230

ذِكْرُ أَبِي نَصْرٍ الْمَدَنِيِّ الْمُبْتَلَى ﵁ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الطُّرَيْثِيثِيُّ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: " أَجْدَبَتِ الْمَدِينَةُ، وَاشْتَدَّ حَالُ أَهْلِهَا، وَتَكَشَّفَ قَوْمٌ مَسْتُورُونَ، وَخَرَجُوا يَدْعُونَ، فَمَرَرْتُ يَوْمًا بِسُوقِ الطَّعَامِ وَمَا فِيهِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ وَلَا شَعِيرٍ فَإِذَا أَبُو نَصْرٍ جَالِسٌ مُنَكَّسٌ رَأْسُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا نَصْرٍ، أَمَا تَرَى مَا فِيهِ حَرَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَفَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَعَلَّهُ يُفَرِّجُ مَا هُمْ فِيهِ؟ قَالَ: بَلَى، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَقَالَ: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَانْكَبَّ فَعَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: يَا فَارِجَ الْهَمِّ، كَاشِفَ الْغَمِّ، مُجِيبَ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّينَ، رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، فَرِّجْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ حَرَمُ نَبِيَّكَ، ﵇، ثُمَّ غَابَ فَذَهَبَ، فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ مِنَ السُّوقِ، حَتَّى رَأَيْتُ الشَّمْسَ قَدْ تَغَطَّتْ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا رِجْلُ جَرَادٍ أَرَى سَوَادَهُنَّ فِي الْهَوَاءِ، فَمَا زِلْنَ يَسْقُطْنَ وَأَنَا وَاقِفٌ أَنْظُرُ حَتَّى مُلِأَتِ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَغْنَى كُلُّ قَوْمٍ
следующие страницы →