Полный текст (1 332 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الدَّقِّيَّ، يَقُولُ: كَلَامُ اللَّهِ إِذَا أَضَاءَ عَلَى السَّرَائِرِ بِإِشْرَاقِهِ أَزَالَتِ الْبَشَرِيَّةُ بِرَعُونَاتِهَا.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الدَّقِّيَّ، يَقُولُ: مَنْ عَرِفَ رَبَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ رَجَاؤُهُ، وَمَنْ عَرِفَ نَفْسَهُ لَمْ يُعْجَبْ بِعَمَلِهِ، وَمَنْ عَرِفَ اللَّهَ لَجَأَ إِلَيْهِ، وَمَنْ نَسِيَ اللَّهَ لَجَأَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يَسْهُو حَتَّى يَغْفَلَ فَإِذَا تَفَكَّرَ حَزَنَ وَاسْتَغْفَرَ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ الْيَمَانِيُّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الزَّنْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَنْبَجِيُّ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ شِبْلًا الْبَغْدَادِيَّ، يَقُولُ: " أَهْدَانِي ابْنُ أَبِي دَلَفٍ لِلْمُعْتَضِدِ وَأَنَا صَبِيٌّ، وَكُنْتُ عَلَى رَأْسِهِ وَاقِفًا وَبَيْنَ يَدِيهِ غِلْمَانٌ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِحَاجَةٍ بِعَيْنِهَا، فَإِذَا أَرَادَ حَاجَةً أَشَارَ إِلَى الْغُلَامِ فَعَلِمَ مَا يُرِيدُ مِنْهُ فَيَجِيءُ بِهِ، وَكَانَ بَيْنَ يَدِيهِ غُلَامٌ خَادِمٌ جَمِيلُ الْوَجْهِ وَفِي رِجْلَيْهِ حَمْشَكٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَنَظَرَ الْمُعْتَضِدُ إِلَيْهِ وَالْغُلَامُ مَشْغُولٌ يَنْظُرُ إِلَى الْحَمْشَكِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ، قَالَ: فَفِي الثَّالِثَةَ قَامَ إِلَيْهِ وَفِي يَدِهِ سِكِّينَةٌ فَغَرَزَهَا فِي فُؤَادِهِ، فَمَاتَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ نُدَمَائِهِ مِمَّنْ يَأْنَسُ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ، وَأَنْتَ عَلَى الطَّعَامِ، أَحَلَلْتَ بِهِ هَذَا الْمَحَلَ! فَقَالَ: هُوَ بَيْنَ يَدِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى حَمْشَكِ نَفْسِهِ ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ الدَّقَّاقَ، يَقُولُ: «ثَمَنُ هَذَا الطَّرِيقِ رُوحُ الْإِنْسَانِ» ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «هَذَا الْأَمْرُ لِأَقْوَامٍ كَنِسُوا بِأَرْوَاحِهِمُ الْمَزَابِلَ» .
стр. 1227
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ مَعمَرٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي أَبُو زُرْعَةَ: " مَكَرَتْ بِي امَرْأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا زُرْعَةَ، ادْخُلْ فَشِلْ مَعِي هَذَا الزِّنْبِيلَ، فَلَمَّا دَخَلْتُ أَغْلَقَتِ الْبَابَ عَلَيَّ، فَلَمَّا عَلِمْتُ قَصْدَهَا قُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سَوْدَاءَ، فَإِذَا هِيَ سَوْدَاءُ، فَحَارَتْ فِي نَفْسِهَا فَفَتَحَتِ الْبَابِ، فَخَرَجَتْ فَلَمَّا صِرْتُ خَارِجَ الْبَابِ قُلْتُ: اللَّهُمَّ رُدَّهَا إِلَى حَالِهَا، فَرَجَعَتْ إِلَى حَالِهَا ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْجُرَيْرِيُّ، يَقُولُ: " كَانَ فَقِيرًا إِذَا قَامَ قَالَ: اللَّهَ، وَإِذَا قَعَدَ قَالَ: اللَّهَ، فَعَثَرَ يَوْمًا عَثْرَةً فَانْقَطَعَتْ إِصْبَعُهُ، فَانْكَتَبَ فِي الْأَرْضِ اللَّهَ، أَلِفٌ، لَامٌ، لَامٌ، هَاءٌ ".
ذِكْرُ أَبِي الْخَيْرِ الْأَقْطَعِ ﵀
سَكَنَ الْقَيْنَاتَ بِالشَّامِ، لَهُ كَرَامَاتٌ، كَانَ يَأْنَسُ بِهِ السِّبَاعُ وَالْهَوَامُّ.
قَالَ أَبُو الْخَيْرِ الْأَقْطَعُ: دَخَلْتُ مَدِينَةَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَنَا بِفَاقَةٍ فَأَقَمْتُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَا ذُقْتُ ذَوَاقًا، فَتَقَدَّمْتُ إِلَى الْقَبْرِ وَسَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ،
стр. 1228
وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄، وَقُلْتُ: أَنَا ضَيْفُكَ اللَّيْلَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَنَحَّيْتُ وَنِمْتُ خَلْفَ الْمِنْبَرِ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَعُمَرُ عَنْ شِمَالِهِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ يَدِيهِ، فَحَرَّكَنِي عَلِيُّ ﵁ وَقَالَ لِي: قُمْ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقَبَّلْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَدَفَعَ إِلَيَّ رَغِيفًا فَأَكَلْتُ نِصْفَهُ فَانْتَبَهْتُ فَإِذَا فِي يَدِي نِصْفُ رَغِيفٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَيْرِ الْأَقْطَعُ: لَنْ يَصْفُوَ قَلْبَكَ إِلَّا بِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ لِلَّهِ، وَلَنْ يَصْفُوَ بَدَنَكَ إِلَّا بِخِدْمَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ.
وَقَالَ: مَا بَلَغَ أَحَدٌ إِلَى حَالَةٍ شَرِيفَةٍ إِلَّا بِمُلَازَمَةِ الْمُوَافَقَةِ، وَمُعَانَقَةِ الْأَدَبِ، وَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ، وَخِدْمَةِ الْفُقَرَاءِ الصَّادِقِينَ.
وَقَالَ: حَرَامٌ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مَأْسُورٍ بِحُبِّ الدُّنْيَا أَنْ يَسِيحَ فِي رُوحِ الْغُيُوبِ.
وَقَالَ: الْقُلُوبُ ظُرُوفٌ، فُقَلْبٌ مَمْلُوءٌ إِيمَانًا فَعَلَامَتُهُ الشَّفَقَةُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالاهْتِمَامُ بِمَا يَهُمُّهُمْ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى مَا يَعُودُ صَلَاحُهُ إِلَيْهِمْ، وَقَلْبٌ مَمْلُوءٌ نِفَاقًا فَعَلَامَتُهُ الْحِقْدُ وَالْغِلُّ وَالْغِشُّ وَالْحَسَدُ.
стр. 1229
ذِكْرُ أَبِي نَصْرٍ الْجُهَنِيِّ مَدَنِيٌّ ﵁
أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْلَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ: " قَدِمَ عَلَيْنَا هَارُونُ الرَّشِيدُ سَنَةَ ثَلَاثٍ، فَأُخْلِيَ لَهُ الْمَسْجِدُ وَوَقَفَ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَى مِنْبَرِهِ وَفِي مَوْقَفِ جِبْرِيلَ، وَاعْتَنَقَ أُسْطُوَانَةَ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: قِفُوا بِي عَلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ حُرِّكَ أَبُو نَصْرٍ الْجُهَنِيُّ، وَقِيلَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ وَأُمَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَعِيَّتِكَ، وَبَيْنَ اللَّهِ خَلْقٌ غَيْرُكَ وَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْهُمْ، فَأَعِدَّ لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابًا، فَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لَوْ ضَاعَتْ سَخْلَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ لَخَافَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَسْأَلَهُ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا نَصْرٍ، إِنَّ رَعِيَّتِي وَدَهْرِي غَيْرُ رَعِيَّةِ عُمَرَ وَدَهْرِهِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو نَصْرٍ: هَذَا وَاللَّهِ غَيْرُ مُغْنٍ عَنْكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّكَ وَعُمَرَ تُسْأَلَانِ عَمَّا خَوَّلَكُمَا اللَّهُ، قَالَ: فَدَعَا هَارُونُ بِصُرَّةٍ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَقَالَ: ادْفَعُوهَا إِلَى أَبِي نَصْرٍ، فَقَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَادْفَعُوهَا إِلَى فُلَانٍ يُفَرِّقُهَا بَيْنَهُمْ وَيَجْعَلُنِي رَجُلًا مِنْهُمْ ".
стр. 1230
ذِكْرُ أَبِي نَصْرٍ الْمَدَنِيِّ الْمُبْتَلَى ﵁
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الطُّرَيْثِيثِيُّ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: " أَجْدَبَتِ الْمَدِينَةُ، وَاشْتَدَّ حَالُ أَهْلِهَا، وَتَكَشَّفَ قَوْمٌ مَسْتُورُونَ، وَخَرَجُوا يَدْعُونَ، فَمَرَرْتُ يَوْمًا بِسُوقِ الطَّعَامِ وَمَا فِيهِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ وَلَا شَعِيرٍ فَإِذَا أَبُو نَصْرٍ جَالِسٌ مُنَكَّسٌ رَأْسُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا نَصْرٍ، أَمَا تَرَى مَا فِيهِ حَرَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَفَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَعَلَّهُ يُفَرِّجُ مَا هُمْ فِيهِ؟ قَالَ: بَلَى، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَقَالَ: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَانْكَبَّ فَعَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: يَا فَارِجَ الْهَمِّ، كَاشِفَ الْغَمِّ، مُجِيبَ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّينَ، رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، فَرِّجْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ حَرَمُ نَبِيَّكَ، ﵇، ثُمَّ غَابَ فَذَهَبَ، فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُ مِنَ السُّوقِ، حَتَّى رَأَيْتُ الشَّمْسَ قَدْ تَغَطَّتْ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا رِجْلُ جَرَادٍ أَرَى سَوَادَهُنَّ فِي الْهَوَاءِ، فَمَا زِلْنَ يَسْقُطْنَ وَأَنَا وَاقِفٌ أَنْظُرُ حَتَّى مُلِأَتِ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَغْنَى كُلُّ قَوْمٍ
стр. 1231
بِمَا فِي دَارِهِمْ مِنْ جَرَادٍ مَحْشُوِّ الْأَجْوَافِ، فَطَبَخُوا، وَمَلَّحُوا، وَقَلِيَ مَنْ قَدَرٍ عَلَى الزَّيْتِ وَمَلَأَ النَّاسُ الْحُبَابَ وَالْجَرَادَ وَالْقُوَاصِرَ، وَأَلْقُوهُ فِي جَوَانِبِ بُيُوتِهِمْ، ثُمَّ نَهَضَ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَانْتَشَرَ في عَرَاضِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَمَا مَرَّتْ بِنَا ثَلَاثٌ حَتَّى جَاءَتْ عَشْرُ سَفَائِنَ دَخَلَتِ الْجَارَ، فَإِذَا هِيَ دَخَلَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي دَعَا فِيهِ أَبُو نَصْرٍ فَرَجَعَ السِّعْرُ إِلَى أَرْخَصِ مَا كَانَ وَرَجَعَ حَالُ النَّاسِ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ.
قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا نَصْرٍ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا نَصْرٍ أَمَا تَرَى إِلَى بَرَكَةِ دُعَائِكَ؟ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ".
ذِكْرُ أَبِي كَعْبٍ الْحَارِثِيِّ ﵁
قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِبَةُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ: حَدَّثَكُمْ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ سِنَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ شِبْلٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ أَبِي كَعْبٍ الْحَارِثِيِّ، قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَنْهُ أَسْمَاءُ النَّجْرَانِيَّةُ، وَهوده الْإِدَاوَةَ، قَالَ: " خَرَجْتُ فِي إِبِلٍ لِي ضَوَالٍّ، قَالَ: فَتَزَوَّدْتُ لَبَنًا فِي إِدَاوَةٍ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا أَنْصَفْتُ رَبِّي ، فَأَيْنَ
стр. 1232
الْوَضُوءُ؟ قَالَ: فَأَهْرَقْتُ اللَّبَنَ وَمَلَأْتُهَا مَاءً، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا وَضُوءٌ، وَهَذَا شَرَابٌ، قَالَ: فَكُنْتُ أَرْعَى إِبِلِي، فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ صَبَبْتُ مِنَ الْإِدَاوَةِ مَاءً فَتَوَضَّأْتُ، وَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَشْرَبُ صَبَبْتُ لَبَنًا، فَشَرِبْتُ فَمَكَثْتُ بِذَلِكَ ثَلَاثًا.
فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ النَّجْرَانِيَّةُ: أَحَقِينًا كَانَ أَمْ حَلِيبًا؟ قَالَ: إِنَّكِ لَبَطَّالَةٌ، بَلْ كَانَ يَعْصِمُ مِنَ الْجُوعِ وَيَرْوِي مِنَ الظَّمَأِ، أَمَّا إِنِّي حَدَّثْتُ بِهَذَا نَفَرًا مِنْ قَوْمِي فِيهِمْ عَلِيِّ بْنِ الْحَارِثِ سَيِّدِ بَنِي قِنَانَ، قَالَ: مَا أَظُنُّ الَّذِي يَقُولُ كَمَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَبِتُّ لَيْلَتِي تِيكَ فَإِذَا أَنَا بِهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ عَلَى بَابِي، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ لِمَ تَعَنَّيْتَ إِلَيَّ الْآنَ؟ أَلَا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُكَ؟ فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِذَلِكَ أَنْ آتِيكَ، مَا بِتْنَا اللَّيْلَةَ إِلَّا أَتَانِي آتٍ أَنْ تُكَذِّبَ مَنْ يُحَدِّثُ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ".
ذِكْرُ أَبِي حَمْزَةَ الشَّيْبَانِيِّ ﵁
مِنْ عُبَّادِ الشَّامِ وَزُهَادِهِمْ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الذَّكْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ إِمْلَاءً، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُكْتَبُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَدِينِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ
стр. 1233
بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: «إِنْ صَاحِبُ الدِّينِ تَفَكَّرَ فَعَلَتْهُ السَّكْيِنَةُ، وَرِضَى فَلمْ يَهْتَمْ، وَخَلَا مِنَ الدُّنْيَا فَنَجَا مِنَ الشَّرِّ، وَانْفَرَدَ فَكَفَى، وَتَرَكَ الشَّهْوَةَ فَصَارَ حُرًّا، وَتَرَكَ الْحَسَدَ فَظَهَرَتْ لَهُ الْمَحَبَّةُ، وَسَلَبَ نَفْسَهُ عَنْ كُلِّ فَانٍ فَاسْتَعْمَلَ الْعَقْلَ» .
ذِكْرُ أَبِي يُوسُفَ الْغَسْوَلِيِّ ﵀
مِنْ زُهَّادِ الشَّامِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَّافُ، فِيمَا أَرَى، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُلْدِيُّ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ خِضْرٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ الصُّوفِيُّ الْخُرَسَانِيُّ خَادِمُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، قَالَ: مَرَرْتُ أَنَا وَأَبُو يُوسُفَ الْغَسُولِيُّ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ عِظْنِي بِمَوْعِظَةٍ أَحَفَظْهَا عَنْكَ، قَالَ: فَبَكَا، ثُمَّ قَالَ: «اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَمَرَّهُمَا لَيُسْرِعَانَ فِي هَدْمِ بَدَنِكَ، وَفَنَاءِ عُمْرِكَ، وَانْقِضَاءِ أَجَلِكَ، فَيَنْبَغِي لَكَ يَا أَخِي أَنْ لَا تَطْمَئِنَ وَلَا تَأْمَنَ حَتَّى تَعْلَمَ أَيْنَ مُسْتَقَرُّكَ وَمَصِيرُكَ، أَسَاخِطٌ عَلَيْكَ رَبُّكَ بِمَعْصِيَتِكَ وَغَفْلَتِكَ، أَوْ رَاضٍ عَنْكَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ؟» .
ابْنُ آدَمَ الضَّعِيفِ نُطْفَةٌ بِالْأَمْسِ وَجِيفَةٌ غَدًا، قَالَ: كُنْتُ تَرْضَى لِنَفْسِكَ بِهَذَا، فَسَتَرِدُ وَتَعْلَمُ وَتَنْدَمُ فِي وَقْتٍ لَا يَنْفَعُكَ النَّدَمُ، قَالَ: وَبَكَى
стр. 1234
أَبُو يُوسُفَ وَبَكَى الرَّجُلُ وَبَكَيْتُ لِبُكَائِهِمَا، وَوَقَعَا مَغْشِيًّا عَلَيْهِمَا.
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، وَأَبُو يُوسُفَ الْغَسُولِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ السَّنْجَارِيُّ نُرِيدُ فَمَرَرْنَا بِنَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الْأُرْدُنِ، فَقَعَدْنَا نَسْتَرِيحُ، وَكَانَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ كُسَيْرَاتٍ يَابِسَاتٍ، فَأَلْقَاهَا بَيْنَ أَيْدِينَا فَأَكَلْنَاهَا وَحَمِدْنَا اللَّهَ ، فَقُمْتَ أَسْعَى أَتَنَاوَلُ مَاءً لِإِبْرَاهِيمَ فَدَخَلَ النَّهْرُ حَتَّى بَلَغَ الْمَاءَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ بِكَفَّيْهِ فِي الْمَاءِ فَمَلَأَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَشَرِبَ الْمَاءَ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ مَلَأَ كَفَّيْهِ مِنَ الْمَاءِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَشَرِبَ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، يَعْنِي فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ مِنَ النَّهْرِ فَمَدَّ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ، لَوْ عَلِمَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وَالسُّرُورِ لِجَالَدُونَا بِالسُّيُوفِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ وَقِلَّةِ التَّعَبِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، طَلَبَ الْقَوْمُ الرَّاحَةَ فَأَخْطَئُوا الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الْكَلَامُ؟ .
ذِكْرُ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْأَسْوَدِ ﵀
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ عُثْمَانَ بْنَ السُّكَّرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُؤَذِّنَ غَزَّةَ وَقَدْ ذَهَبَ
стр. 1235
عَلَيَّ اسْمُهُ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، قَالَ: " قَدِمْتُ طَرَسُوسَ، فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ الْأَسْوَدِ وَهُوَ مَكْفُوفُ الْبَصَرِ، وَفِي مَنْزِلِهِ مُصْحَفٌ مُعَلَّقٌ فَقُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ مُصْحَفٌ وَأَنْتَ لَا تُبْصِرُ، قَالَ: تَكَتَّمَ عَلَيَّ يَا أَخِي حَتَّى أَمُوتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: إِنِّي إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقْرَأَ فُتِحَ لِي بَصَرِي ".
стр. 1236
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ خَادِمٍ لِأَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُعَاوِيَةَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرَهُ فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ فَنَشَرَ الْمُصْحَفَ، رَجَعَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، فَإِذَا أَطْبَقَ الْمُصْحَفَ ذَهَبَ بَصَرُهُ.
ذِكْرُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيِّ ﵁
مِنْ عُلَمَاءِ مَشَايخِ الصُّوفِيَّةِ، أُقْعِدَ بَعْدَ الْجُنَيْدِ فِي مَجْلِسِهِ لِتَمَامِ حَالِهِ وَصِحَّةِ عِلْمِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيُّ: مَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ النَّفْسُ صَارَ أَسِيرًا فِي حُكْمِ الشَّهَوَاتِ مَحْصُورًا فِي سِجْنِ الْهَوَى وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ الْفَوَائِدَ، فَلَا يَسْتَلِذُّ بِكَلَامِهِ، وَلَا يَسْتَحْلِيهِ، وَإِنْ كَثُرَ تِرْدَادُهُ عَلَى لِسَانِهِ.
قَالَ اللَّهُ : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] .
لَا يَفْهَمُونَهُ وَلَا يَجِدُونَ لَهُ لَذَّةٌ، صَرَفَ اللَّهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَهْمَ مُخَاطَبَاتِهِ، وَأَغْلَقَ عَلَيْهِمْ سَبِيلَ فَهْمِ كِتَابِهِ وَسَلَبَهُمُ الانْتِفَاعَ بِالْمَوَاعِظِ، فَلَا يَعْرِفُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَلَا يَسْلُكُونَ سَبِيلِهِ.
وَقَالَ الْجُرَيْرِيُّ: الرَّجَاءُ طَرِيقُ الزُّهَّادِ، وَالْخَوْفُ سُلُوكُ الْأَبْطَالِ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيُّ: كُنْتُ عَلَى بِسَاطِ الْأُنْسِ وَفُتِحَ لِي
стр. 1237
طَرِيقُ الْبَسْطِ، فَزَلَلْتُ زَلَّةً فَحُجِبْتُ عَنْ مَقَامِي فَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ؟ دُلَّنِي عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَبَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَالَ: يَا أَخِي، الْكُلُّ فِي قَهْرٍ هَذِهِ الْخُطَّةِ، لَكِنِّي أُنْشِدُكَ أَبْيَاتًا لِبَعْضِهِمْ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
قِفْ بِالدِّيَارِ فَهَذِهِ آثَارُهُمْ ... تَبْكِي الْأَحِبَّةَ حَسْرَةً وتَشَوُّقًا
كَمْ قَدْ وَقَفْتُ بِهَا أُسَائِلُ مُخْبِرًا ... عَنْ أهْلِهَا أَوْ صَادِقًا أَوْ مُشفِقًا
فَأَجَابَنِي دَاعِي الْهَوَى فِي رَسْمِهَا ... فَارَقْتَ مَنْ تَهْوَى فَعَزَّ الْمُلْتَقَى
ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَلَانِسِيِّ ﵀
كَانَ مِنْ كِبَارِ الْقَوْمِ، قِيلَ: رَكِبَ الْبَحْرَ فِي بَعْضِ سِيَاحَتِهِ، فَعَصَفَتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ فِي مَرْكَبِهِمْ، فَدَعَا أَهْلُ الْمَرْكَبِ وَتَضَرَّعُوا وَنَذَرُوا النُّذُورِ، فَقَالُوا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: كُلُّنَا قَدْ عَاهَدْنَا اللَّهَ وَنَذَرْنَا إِنْ نَجَّانَا اللَّهُ، فَأَنْذِرْ أَيْضًا أَنْتَ وَعَاهَدِ اللَّهَ عَهْدًا، قَالَ: أَنَا مُتَجَرِّدٌ مِنَ الدُّنْيَا، مَالِي وَالنَّذْرِ، قَالَ: فَأَلَحُّوا عَلَيَّ فَقُلْتُ: لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ خَلَّصَنِي اللَّهُ مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنْ لَا آكُلَ لَحْمَ الْفِيلِ.
فَقَالُوا: إِيشِ هَذَا النَّذْرُ؟ وَهَلْ يَأْكُلُ لَحْمَ الْفِيلِ أَحَدٌ؟ فَقُلْتُ: كَذَا وَقَعَ فِي سِرِيِّ وَأَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِي.
وَانْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ، وَوَقَعَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهَا إِلَى السَّاحِلِ فَبَقَيْنَا أَيَّامًا لَمْ نَذُقْ ذَوَاقًا، فَبَيْنَمَا
стр. 1238
نَحْنُ قُعُودٌ إِذَا نَحْنُ بِوَلَدِ فِيلٍ فَأَخَذُوهَا فَذَبَحُوهَا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا وَعَرَضُوا عَلَيَّ أَكْلَهُ، فَقُلْتُ: أَنَا نَذَرْتُ وَعَاهَدْتُ اللَّهَ أَنْ لَا آكُلَ لَحْمَ الْفِيلِ، فَاعْتَلُّوا عَلَيَّ بِأَنِّي مُضْطَرٌّ وَلِي فَسْخُ الْعَهْدِ لِاضْطِرَارِي فَأَبَيْتُ عَلَيْهِمْ وَثَبَتُّ عَلَى الْعَهْدِ.
فَأَكَلُوا وَامْتَلَئُوا وَنَامُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ نِيَامٌ إِذْ جَاءَتِ الْفِيلَةُ تَطْلُبُ وَلَدَهَا وَتَتْبَعُ أَثَرَهَا، فَلَمْ تَزَلْ تَشْتَمُّ الرَّائِحَةَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى عِظَامِ وَلَدِهَا فَشَمَّتْهُ، ثُمَّ جَاءَتْ وَأَنَا أَنْظُرُ فَلَمْ تَزَلْ تَشُمُّ وَاحِدًا وَاحِدًا، فَكُلَّمَا شَمَّتْ مِنْ وَاحِدٍ رَائِحَةَ اللَّحْمِ دَاسَتْهُ بِرِجْلِهَا أَوْ بِيَدِهَا، فَقَتَلَتْهُ حَتَّى قَتَلَتْ كُلَّهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَيَّ فَلَمْ تَزَلْ تَشُمُّنِي، فَلَمْ تَجِدْ مِنِّي رَائِحَةَ اللَّحْمِ فَأَدَارَتْ مُؤَخِّرَهَا وَأَوْمَأَتْ إِلَيَّ بِخُرْطُومِهَا أَنِ ارْكَبَ، فَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا أَوْمَأَتْ، فَرَفَعْتُ ذَنْبَهَا وَرِجْلَهَا، فَعَلِمْتُ أَنَّهَا تُرِيدُ مِنِّي رُكُوبَهَا فَرَكِبْتُهَا، فَاسْتَوَيْتُ عَلَيْهَا وَأَوْمَأَتْ إِلَيَّ أَنِ اسْتَوِي فَاسْتَوَيْتُ عَلَى شَيْءٍ وَطِيءٍ فَسَارَتْ بِي سَيْرًا عَنِيفًا إِلَى أَنْ جَاءَتْ بِي فِي لَيْلَتِي إِلَى مَوْضِعِ زَرْعٍ وَسَوَادٍ فَأَوْمَأَتْ إِلَيَّ أَنِ انْزِلَ، فَنَزَلَتْ بِرِجْلِهَا حَتَّى نَزَلْتُ عَنْهَا، فَسَارَتْ سَيْرًا أَشَدُّ مِنْ سَيْرِهَا بِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَأَيْتُ زَرْعًا وَسَوَادًا وَنَاسًا فَحَمَلُونِي إِلَى مَلِكِهِمْ وَسَأَلَنِي تُرْجُمَانُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالْقِصَّةِ وَمَا جَرَى عَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لِي: تَدْرِي كَمِ الْمَسِيرُ الَّذِي سَارَتْ بِكَ الْفِيلَةُ؟ فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، سَارَتْ بِكَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَبِثْتُ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنْ حَملتُ وَرَجَعْتُ.
стр. 1239
ذِكْرُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ﵁
قَالَ أَبُو حَمْزَةَ: قُلْتُ لِابْنِ دِينَارٍ الْجُعْفِيِّ: أَوْصِنِي، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ فِي خَلَوَاتِكَ، وَحَافِظْ عَلَى أَوْقَاتِ صَلَوَاتِكَ، وَغُضَّ طَرَفَكَ عَنْ لَحَظَاتِكَ تَكُنْ عِنْدَ اللَّهِ مُقَرَّبًا فِي حَالَاتِكَ.
ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرَّانِيِّ ﵁
مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ الْمَشْهُورِينَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرَّانِيُّ: لَنْ يَرِدَ الْقِيَامَةَ أَرْفَعُ دَرَجَةٍ مِنَ الرَّاضِينَ عَنِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ وَهَبَ لَهُ الرِّضَا، فَقَدْ بَلَغَ أَفْضَلَ الدَّرَجَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ عَلَى حَقِيقَةٍ كَانَتْ مَئُونَتُهُ خَفِيفَةً، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ثَوَابَ الْأَعْمَالِ، ثَقُلَتْ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.
стр. 1240
ذِكْرُ أَبِي الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ ﵁
قَالَ ابْنُ مَسْرُوقٍ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ وَهُوَ عَلِيلٌ، وَكَانَ ذَا عِيَالٍ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ سَبَبًا، قَالَ: فَلَمَّا قُمْتُ قُلْتُ فِي نَفْسِي: مِنْ أَيْنَ يَأْكُلُ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَصَاحَ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ: رُدَّ هَذِهِ الْهِمَّةَ الرَّدِيَّةَ فَإِنَّ لِلَّهِ أَلْطَافًا.
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالزُّهَّادِ لَمْ نَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنِّي لِلَيْلَةٍ مُوَاجِهًا هَذَا الْمِنْبَرِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أَدْعُو، إِذَا إِنْسَانٌ عِنْدَ أسْطُوَانَةٍ مُقَنَّعٌ رَأْسَهُ , فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ إِنَّ الْقَحْطَ اشْتَدَّ عَلَى عِبَادِكَ وَإِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ يَا رَبُّ إِلَّا أَسْقَيْتَهُمْ، فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَةً إِذَا سَحَابَةٌ قَدْ أَقْبَلَتْ ثُمَّ أُرْسِلَ الْمَطَرُ.
وَكَانَ عَزِيزًا عَلَى ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنْ
стр. 1241
يَخْفَى عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، فَقَالَ: هَذَا بِالْمَدِينَةِ وَأَنَا لَا أَعْرِفُهُ فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ تَقَنَّعَ وَانْصَرَفَ، فَاتَّبَعَهُ وَلَمْ يَجْلِسْ لِلْقَاصِّ حَتَّى أَتَى دَارَ أَنَسٍ فَدَخَلَ مَوْضِعًا وَأَخْرَجَ مِفْتَاحًا فَفَتَحَ ثُمَّ دَخَلَ، قَالَ: وَرَجَعْتُ فَلَمَّا سَبَّحْتُ أَتَيْتُهُ فَإِذَا أَنَا أَسْمَعُ نَجْرًا فِي بَيْتِهِ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قُلْتُ: أَدْخُلُ؟ فَقَالَ: ادْخُلْ فَإِذَا هُوَ يَنْجُرُ أَقْدَاحًا يَعْمَلُهَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟ فَأَعْظَمَهَا مِنِّي فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، قُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ إِقْسَامَكَ الْبَارِحَةَ عَلَى اللَّهِ يَا أَخِي، هَلْ لَكَ فِي نَفَقَةٍ تُغْنِيكَ عَنْ هَذَا وَتُفْرِغَكَ لِمَا تُرِيدُ مِنَ الْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ غَيْرَ ذَلِكَ لَا تَذْكُرُنِي لِأَحَدٍ، وَلَا تَذْكُرُ هَذَا لِأَحَدٍ حَتَّى أَمُوتَ وَلَا تَأْتِنِي يَا ابْنَ الْمُنْكَدِرِ فَإِنَّكَ إِنْ تَأْتِنِي شَهَرْتَنِي لِلنَّاسِ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَلْقَاكَ، قَالَ: الْقِنِي فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ فَارِسِيًّا، قَالَ: فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ حَتَّى مَاتَ الرَّجُلُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: بَلَغَنِي أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ فَلَمْ يُرَ وَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ ذَهَبَ فَقَالَ أَهْلُ الدَّارِ: اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَخْرَجَ عَنَّا الرَّجُلَ الصَّالِحِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي مِنْ قَرْيَةٍ نُرِيدُ قَرْيَةً فَضَلَلْنَا الطَّرِيقَ فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ يُصَلِّي، فَدَنَوْنَا مِنْهُ فَإِذَا حَوْضٌ يَابِسٌ وَقُرْبَةٌ يَابِسَةٌ، وَقَدِ انْتَظَرْنَاهُ لَيَنْفَتِلَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلَمْ يَنْفَتِلْ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبِي، فَقَالَ: يَا هَذَا قَدْ ضَلَلْنَا الطَّرِيقَ وَأَوْمَأَ بَيِدِهِ نَحْوَ
стр. 1242
الطَّرِيقِ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَلَا تَجْعَلُ فِي قِرْبَتِكَ مَاءً؟ فَأَوْمَأَ بَيَدِهِ أَنْ لَا، فَمَا بَرِحْنَا أَنْ جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ، فَإِذَا ذَلِكَ الْحَوْضُ مَلْآنٌ، فَمَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْقَرْيَةَ فَذَكَرْنَا لَهُمْ شَأْنَ الرَّجُلِ فَقَالُوا: ذَلِكَ فُلَانٌ لَا يَكُونُ بِأَرْضٍ إِلَّا سُقُوا.
فَقَالَ أَبِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ، كَمْ مِنْ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ لَا نَعْرِفُهُ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَزَّازُ الْمُقْرِئُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَزَّارَ يُعْرَفُ بِوَكِيعٍ لِفَهْمِهِ الْحَدِيثِ جِدًا، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى الْجَلَاءَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: " كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ مَعْرُوفٍ يَوْمًا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا مَحْفُوظٍ، رَأَيْتُ أَمْسِ عَجَبًا، قَالَ: مَاذَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: اشْتَهَى أَهْلِي سَمَكًا، فَخَرَجْتُ إِلَى بَابِ الْكَرْخِ، فَأَخَذْتُ سَمَكَةً فَشَوَيْتُهَا، فَبَيْنَمَا أَنَا أَطْلُبُ مَنْ يَحْمِلُهَا إِذَا أَنَا بَصَبِيٍّ حَمَاسِيٍّ مُلْتَفٍ بِعَبَاءَةٍ، وَمَعَهُ طَبَقٌ، فَقَالَ: يَا عَمِّ تَحْمِلُ عَلَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَوَضَعْتُ السَّمَكَةَ عَلَى رَأْسِهِ وَمَشَى بَيْنَ يَدِي، فَكَانَ لَا يَرْفَعُ قَدَمًا وَلَا يَضَعُهَا إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ، فَمَرَرْنَا بِمَسْجِدٍ يُؤَذَّنُ فِيهِ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ: يَا عمِّ هَلْ لَكَ فِي أَنْ تُصَلِّيَ؟ فَقُلْتُ: صَبِيٌّ يَدْعُونِي إِلَى الصَّلَاةِ وَلَا أُجِيبُهُ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَوَضَعَ الطَّبَقَ وَالسَّمَكَةَ
стр. 1243
عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَدَخَلَ الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَزَلْ يَرْكَعُ وَأَنَا أَحْفَظُ السَّمَكَةَ فَلَمَّا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ قُلْتُ: صَبِيٌّ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فِي طَبَقِهِ أَلَا أَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ فِي سَمَكَتِي، فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ وَخَرَجْتُ فَإِذَا هِيَ بِحَالِهَا، فَأَخَذَهَا عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ عَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ إِلَى أَنْ وَصَلْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَأَخْبَرْتُ أَهْلِي خَبَرَهُ، فَقَالُوا لِي: قُلْ لَهُ يَأْكُلُ مَعَنَا، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تَفْطُرَ عِنْدَهُمْ، قَالَ: نَعَمْ، فَأَيْنَ طَرِيقُ الْمَسْجِدِ فَدَلَلْتُهُ عَلَى الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَزَلْ رَاكِعًا وَسَاجِدًا إِلَى الْعَصْرِ، فَلَمَّا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ، جَعَلَ رَأْسُهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا صَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ، قُلْتُ: هَلْ لَكَ فِي الْإِفْطَارِ؟ قَالَ: عَادَةٌ قَدْ جَرَتْ لِي إِنْ حَمَلْتَنِي عَلَيْهَا فَأَنَا أُجِيبُكَ.
قُلْتُ مَا هِيَ؟ قَالَ: عَادَةٌ قَدْ جَرَتْ لِي أَنْ أَفْطُرَ بَعْدَ عِشَاءِ الْآخَرَةِ، فَصَبَرْتُ لَهُ وَكُنْتُ أَعْدَدْتُ فِي بَيْتِي مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَلَمَّا صَلَّى أَخَذْتُهُ إِلَى الْبَيْتِ وزَرْفَنْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ، وَكَانَتْ لِي ابْنَةٌ لَا تَبْطِشُ بَيَدَيْهَا وَلَا تَمْشِي بِرِجْلَيْهَا، عَمْيَاءُ كَقِطْعَةِ لَحْمٍ، قَدْ أَتَى عَلَيْهَا عِشْرُونَ سَنَةً، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نِيَامٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَإِذَا بِدَاقٍّ يَدُقُّ عَلَيْنَا بَابَ الْبَيْتِ فَقُلْنَا مَنْ
стр. 1244
هَذَا؟ قَالَتْ: فُلَانَةٌ، فَبَادَرْنَاهَا هِيَ تَمْشِي وَتَبْطِشُ وَتُبْصِرُ، فَقُلْنَا مِنْ هَذَا: مَا شَأْنُكِ؟ فَقَالَتْ: مَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي سَهِرْتُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي سَلِي اللَّهَ بِحَقِّ ضَيْفِكُمْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ بِحَقِّ ضَيْفِنَا إِلَّا أَطْلَقْتَنِي، فَأَنَا كَمَا تَرَوْنَ، قَالَ: فَبَادَرْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَإِذَا الْغُلَامُ لَيْسَ ثَمَّ.
فَبَكَى مَعْرُوفٌ، وَقَالَ: نَعَمْ مِنْهُمْ صِغَارٌ وَكِبَارٌ ".
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا دُحَيْمُ بْنُ مُوسَى النَّخَعِيُّ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْبَصْرِيِّينَ يَأْخُذُ الشَّيْءَ عَلَى اللَّهِ فَيُعْطِيهِ الْمَسَاكِينَ فَيَقْضِي عَنْهُ» .
قَالَ دُحَيْمٌ: فَجِئْتُ إِلَى عَطَّارٍ بِبَابِ التِّبْنِ فَأَخَذْتُ مِنْهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ قَرْضًا عَلَى اللَّهِ فَكَسَوْتُ مِنْهُ ثِيَابًا، يَعْنِي لِلْمَسَاكِينِ، فَأَخَذْتُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَشْتَرِي ثَوْبًا لِنَفْسِي، فَمَرِضْتُ وَمَرَرْتُ بِالْعَطَّارِ بَعْدُ، فَقَالَ لِي: تَعَالَ، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَرَّ بِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي مِائَةَ دِرْهَمٍ مِمَّا عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: لِي عَشْرٌ وَمِائَةٌ، فَقَالَ لِي: الْعَشَرَةُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ.
стр. 1245
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ هُوَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الضَّبِّيُّ: قَالَ: " حَدَّثَنِي رَجُلٌ صَدُوقٌ وَحَلَفَ أَيْضًا عَلَى مَا حَدَّثَ بِهِ أَنَّهُ رَأَى فِي طَرِيقِ مَكَّةَ هِمْيَانًا، قَالَ: فَنَزَلْتُ لِآخُذَهُ، فَانْقَلَبَ حَجَرًا، فَصَعَدْتُ إِلَى مَحْمَلِي، فَاطَّلَعْتُ مِنْ فَوْقِ الْمَحْمَلِ فَإِذَا بِهِمْيَانٍ حَقِيقَةً فَنَزَلْتُ مِنَ الرَّأْسِ، فَانْقَلَبَ حَجَرًا، فَرَآنِي عَدِيدٌ وَأَنَا مَبْهُوتٌ لَمَّا صَعَدْتُ الْمَحْمَلَ، فَقَالَ: مَالَكَ فَحَدَّثْتُهُ بِذَلِكَ، فَاطَّلَعَ فَرَأَى هِمْيَانًا وَنَزَلَ لِيَأْخُذَهُ، فَانْقَلَبَ حَجَرًا فَتَرَكْنَاهُ فَإِذَا بَرَجُلٍ خُرَاسَانِيٍّ يَعْدُو وَيَلْهَثُ فَلَمْ يَكُنْ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ رَأَى هِمْيَانَهُ فَأَخَذَهُ، وَقَالَ: مَالٌ مُزَكَّى حَفِظَهُ اللَّهُ ".
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، قَالَ لِي: أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ شَاذَانَ، يَقُولُ: كَانَ ابْنُ حُبَيْشٍ نَاقِدًا فِي التَّمَّارِينَ ثِقَةً، فَحَكَى لَنَا أَنَّهُ اقْتَضَى فِي يَوْمِ خَمِيسٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ مِائَةِ دِينَارٍ وَأَنَّهُ شَاهَدَ سِكِّينًا جَيِّدًا فِي طَرِيقِهِ فَاشْتَرَاهُ، قَالَ: فَقَضَى أَبِي فِي الْفُرْصَةِ صَادَفْتُ مَسْجِدًا تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ، فَدَخَلْتُ، فَتَرَكْتُ السِّكِّينَ وَالْكِيسَ جَمِيعًا، فَلَمَّا حَصَّلْتُ بَيْنَ يَدَيْ أُسْتَاذِي مَدَدْتُ يَدِي إِلَى كُمِّي فَلَمْ
стр. 1246
أَجِدِ الْكِيسَ، وَذَكَرْتُ تَرْكِي لَهُ مَعَ السِّكِّينِ فِي الْقِبْلَةِ، فَرَجَعْتُ مُسْرِعًا فَإِذَا بِتِلْكَ السِّكِّينُ فِي يَدِ رَجُلٍ فَعَلَقْتُ بِهِ وَقُلْتُ: هُوَ لِي فَأَيْنَ الْكِيسُ، فَحَلِفَ مَا رَأَى كِيسًا فَاسْتَصْحَبْتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ عَلَى كَثْرَتِهِمْ، وَالْكِيسُ مَوْضُوعٌ، فَحَلِفَ صَاحِبِي مَا كَانَ إِلَّا السِّكِّينُ، فَأَخَذْتُ الْجَمِيعَ.
فَصْلٌ
رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: كُنْتُ بِمَكَّةَ فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ، فَخَرَجُوا إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَسْتَسْقُونَ، فَلَمْ يُسْقَوْا، وَإِلَى جَانِبِي أَسْوَدُ مَنْهُوكٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ دَعَوْكَ فَلَمْ تُجِبْهُمْ وَإِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ تَسْقِينَا، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا أَنْ سُقِينَا فَانْصَرَفَ الْأَسْوَدُ وَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ دَارًا فِي الْحَنَّاطِينِ فَعَلِمْتُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخَذْتُ دَنَانِيرَ وَأَتَيْتُ الدَّارَ فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى بَابِ الدَّارِ فَقُلْتُ: أَرَدْتُ رَبَّ هَذِهِ الدَّارِ، قَالَ: أَنَا هُوَ، قُلْتُ: مَمْلُوكٌ لَكَ أَرَدْتُ شِرَاءَهُ، فَقَالَ: لِي أَرْبَعَةُ عَشَرَ مَمْلُوكًا أُخْرِجُهُمْ إِلَيْكَ، فَأَخْرَجَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ فِِيهِمْ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا بَقِيَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لِي غُلَامٌ مَرِيضٌ، فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا هُوَ الْأَسْوَدُ، فَقُلْتُ: بِعْنِيهِ، قَالَ: هُوَ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَيْتُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَأَخَذْتُ الْمَمْلُوكَ، فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ: يَا مَوْلَاي إِيشْ تَصْنَعُ بِي وَأَنَا مَرِيضٌ؟ فَقُلْتُ: لِمَا رَأَيْتُ عَشِيَّةَ أَمْسِ، قَالَ: فَاتَّكَأَ عَلَى الْحَائِطِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ شَهَرْتَنِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ، قَالَ: فَخَرَّ مَيِّتًا، قَالَ: فَانْحَشَرَ عَلَيْهِ أَهْلُ مَكَّةَ.
стр. 1247
ذِكْرُ أَبِي شُعَيْبٍ الْمُقَفَّعِ ﵁
رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي شُعَيْبٍ صَالِحِ بْنِ يُونُسَ الْمُقَفَّعِ، وَقَدِ انْصَرَفْنَا مِنَ الْعَتْمَةِ وَمَعَنَا ضَوْءٌ نَسْتَضِيءُ بِهِ، فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَأَطْفَأَتْ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الضَّوْءِ، فَسَمِعْتُ أَبَا شُعَيْبٍ، يَقُولُ: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] فَعَادَ الضَّوْءُ لِوَقْتِهِ كَمَا كَانَ.
ذِكْرُ أَبِي حَفْصٍ يَزِيدَ بْنِ الْقَعْقَاعِ الْمُقْرِئِ مَدَنِيٌّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّرَيْثِيثِيُّ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَيْرَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا
стр. 1248
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيِّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نَعِيمٍ، قَالَ: «لَمَّا غُسِّلَ أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ الْقَارِئُ بَعْدَ وَفَاتِهِ نَظَرُوا مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى فُؤَادِهِ مِثْلَ وَرَقَةِ الْمُصْحَفِ، فَمَا شَكَّ مَنْ حَضَرَهُ أَنَّهُ نَورُ الْقُرْآنِ» .
ذِكْرُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ﵁
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسْنُونٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، يَقُولُ: «أَتَيْتُ زَمْزَمَ فَاسْتُقِيتُ مِنْهَا عَسَلًا، وَأَتْيِتُهَا فَاسْتُقِيتُ مِنْهَا لَبَنًا، وَأَتَيْتُهَا فَاسُتِقيتُ مِنْهَا مَاءً» .
стр. 1249
ذِكْرُ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ﵁
أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَاشَاذَةَ فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغَسَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الصَّيْفِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ: عُرِجَ بِرُوحِ امْرَأَةٍ بِالْبَصْرَةِ، فَمَكَثَتْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَفَاقَتْ فَقِيلَ: مَاذَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: " رَأَيْتُ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَسْتَبْشِرُونَ وَيَقُولُونَ: لَبِسْنَا ثَوْبَيْنِ ثَوْبَيْنِ بِقُدُومِ رُوحِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَلَيْنَا ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَمَّادٍ الْحَفَّارَ، وَكَانَ ثِقَةً وَرِعًا، قَالَ: «دَخَلْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْمَقْبَرَةَ نَصِفَ النَّهَارِ فَمَا مَرَرْتُ بِقَبْرٍ إِلَّا سَمِعْتُ مِنْهُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ» .
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمُعْتَمِرِ الْأَعْرَابِيَّ، قَالَ: " سَكَنْتُ الْبَصْرَةَ وَكَانَ لِي بِهَا جَارٌ،
стр. 1250
فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الْبَادِيَةِ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ، فَجَعَلَ يُعَالِجُهَا فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: تَقَدَّمُوا.
فَلَمَّا تَقَدَّمُوا إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ تَمَثَّلَ لَهُ، قَالَ: أَنَا عَقَلْتُ نَاقَتَكَ، قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لِحَاجَةٍ لِي إِلَيْكَ، إِنْ قَضَيْتَهَا أَطْلَقْتُ نَاقَتَكَ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: جَارُكَ فُلَانٌ بِالْبَصْرَةِ لَهُ دِيكٌ أَفْرَقُ إِذَا قَدِمْتَ فَسَلْهُ أَنْ يَهِبَهُ لَكَ فَتَذْبَحَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ عَنْ رَاحِلَتِكَ.
قَالَ: أَفعَلُ، فَأَطْلَقَ نَاقَتَهُ، فَحَجَّ ثُمَّ رَجَعَ فَلَمَّا صَارَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ فَقَالَ لِأَصْحَابَهُ: انْطَلِقُوا حَتَّى أُعَالِجَهَا، فَلَمَّا مَضَى إِذَا هُوَ بِصَاحِبِهِ، قَالَ: أَنْتَ عَلَى مَا قُلْتَ؟ قَالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ.
قَالَ: بِمَ أَعْتَصِمُ مِنْكُمْ؟ قَالَ: يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] قَالَ: فَقَدِمَ الرَّجُلُ وَتَلَقَّاهُ الْجِيرَانُ، فَتَلَقَّاهُ جَارَهُ فِيمَنْ تَلَقَّاهُ، قَالَ: يَا فُلَانُ دِيكُكُ الْأَفْرَقُ تَهِبُهُ لِي أَذْبَحُهُ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ عَنْ رَاحِلَتِي، قَالَ: قَدْ هَيَّأْتُ لَكَ مِنَ الْخِرَافُ وَالْهَدَايَا كَذَا وَكَذَا، قَالَ: دِيكُكَ أُرِيدُ، فَأَخْرَجَ الدِّيكُ فَذَبَحَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ، فَلَمَّا أَنْ أَسْحَرَ إِذَا هُوَ بِالْوَاعِيَةِ، قَالَ: مَالَهُمْ، قَالُوا: فُلَانٌ جَارُكَ انْتَسَفَتِ ابْنَتُهُ الْبَارُحَةَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] أَنَا صَاحِبُهَا، فَلَمَّا كَانَ فِي قَابِلٍ حَجَّ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، قَفَا الْأَثَرَ الَّذِي رَأَى الْجِنِّيَ أَقْبَلَ مِنْهُ، قَالَ: فَانْتَهَى إِلَى مَوْضِعِهِ، فَإِذَا هُوَ بِالْجَارِيَةِ وَقَدْ كَانَ رَآهَا فِي صِغَرِهَا، قَالَ: فُلَانَةُ؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ، قَالَ: فَمَا حَالُكِ؟ قَالَتْ: عَارِيَةً كَمَا تَرَانِي، جَائِعَةً ذَاهِبَةَ اللَّوْنِ، قَالَ: قَدْ أَرَاكِ.
مَا قِصَّتِكِ؟ قَالَتْ: هَذَا مَارِدٌ مِنَ الْمَرَدَةِ انْتَسَفَنِي لَيْلَةَ
стр. 1251
قَدِمْتَ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَتْ: هُوَ مِمَّنْ يَسْتَرِقُ السَّمَعَ، قَالَ: فَكَمْ يَغِيبُ؟ قَالَتْ: الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، قَالَ: فَمَتَى يَغِيبُ أَيْضًا؟ قَالَتْ: أَرَاهُ فِي وَقْتِ رُجُوعِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَفَا الْأَثَرَ فَرَآهَا فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: قَدْ خَرَجَ يَسْتَرِقُ السَّمَعَ، قَالَ: فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبَهُ وَجَاءَ بِهَا إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَفْشَى لِأَصْحَابِهِ قِصَّتَهَا فَلَمْ يَلْبَثْ إِذَا هُوَ بِالْجِنِّيِّ قَدْ أَقْبَلَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] وَسَلَّ سَيْفَهُ، قَالَ الْجِنِّيُّ: أَفَعَلْتَهَا؟ قَالَ: قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّكَ غَدَرْتَ بِي، فَجَعَلَ يُسَايِرَهُ لَا يَصِلُ إِلَى أَخْذِهَا حَتَّى قَدِمَ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا ".
ذِكْرُ أَبِي حَفْصٍ، عُمَرَ الزَّاهِدِ، النَّيْسَابُورِيِّ ﵁
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْبَنْدَبِيجِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَنَّاطُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَمْكَانَ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي أَبَا عُثْمَانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَفْصٍ عُمَرَ الزَّاهِدِ النَّيْسَابُورِيَّ، يَقُولُ: " لَوْ أَنَّ رَجُلًا
стр. 1252
ارْتَكَبَ كُلَّ خَطِيئَةٍ مَا خَلَا الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا سَلِيمُ الْقَلْبِ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، غُفِرَ لَهُ، قِيلَ لِأَبِي حَفْصٍ: هَلْ لِهَذَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ دَلِيلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَاتِّبَاعُهُ مَحَبَّةَ أَصْحَابِهِ لِأَجْلِهِ ".
قَالَ: أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ أَبِيِ: كُنْتُ بِفَارِسَ فَسَأَلْتُ عَنْ هَذِهِ الْحِكَايَةِ فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْإِمْلَاءِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْإِعَادَةِ أَلْفَ مَرَّةً فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ
ذِكْرُ أَبِي نَصْرٍ الْمُحِبِّ الزَّاهِدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مَسْرُوقٍ: كُنْتُ حَدَثًا فَتَعَلَّقَ بِي رَجُلَانِ مِنَ الْفِتْيَانِ فَأَخَذَ هَذَا بِكُمِّي وَهَذَا بِكُمِّي الْآخَرِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هَذَا غُلَامِي، وَقَالَ الْآخَرُ: هَذَا غُلَامِي، فَمَرَّ بِي أَبُو نَصْرٍ الزَّاهِدُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا نَصْرٍ: اللَّهَ اللَّهَ فِيَّ، فَأَخَذَ أَبُو نَصْرٍ بِتَلَابِيبِي وَقَالَ: غُلَامُ مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: غُلَامُكَ، فَقَالَ: خَلُّوا عَنْهُ، فَخَلَّوا عَنِّي فَأَخَذَ بِيَدِي وَمَضَيْتُ مَعَهُ وَكَانَ سَبَبَ ابْتَدَائِي فَتَعَلَّمْتُ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمِ بِبَرَكَتِهِ.
стр. 1253
ذِكْرُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ
شَامِيٌّ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السَّكُونِيُّ: كَانَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ فِي خَدَّيْهِ مَسْلَكَانِ مِنَ الدُّمُوعِ.
وَقَالَ بَقِّيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَخَذْتُ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَصَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، فَسَمِعَ مِنْهُمَا فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لِي: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ تَمَسَّكَ بِشَيْخِكَ.
ذِكْرُ أَبِي حَمْزَةَ الْبَغْدَادِيِّ ﵁
صَحِبَ السَّرِيَّ السَّقَطِيَّ، كَانَ يَتَكَلَّمُ بِبَغْدَادَ فِي جَامِعِ الرُّصَافَةَ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْقِرَاءَاتِ، فَتَكَلَّمَ يَوْمًا فِي جَامِعِ الْمَدِينَةِ، فَتَغَيَّرَ عَلَيْهِ حَالُهُ وَسَقَطَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَمَاتَ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَانَ مِنْ رِفَاقِ أَبِي تُرَابٍ
стр. 1254
النَّخْشَبِيِّ فِي أَسْفَارِهِ وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا جَرَى فِي مَجْلِسِهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْقَوْمِ يَقُولُ لِأَبِي حَمْزَةَ: مَا تَقُولُ فِيهَا يَا صُوفِيُّ؟ دَخَلَ الْبَصْرَةَ مِرَارًا وَصَحِبَ أَيْضًا بِشْرًا الْحَافِي، تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ.
قَالَ أَبُو حَمْزَةَ: مِنَ الْمُحَالِ أَنْ تُحِبَّهُ ثُمَّ لَا تَذْكُرُهُ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ تَذْكُرَهُ ثُمَّ لَا يُوجِدُكَ طَعْمُ ذِكْرِهِ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُوجِدَكَ طَعْمُ ذِكْرِهِ ثُمَّ يَشْغَلُكَ بِغَيْرِهِ.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ خَيْرًا النَّسَّاجَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ، يَقُولُ: خَرَجْتُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ فَوَقَفْتُ عَلَى رَاهِبٍ، فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ خَبَرِ مَنْ مَضَى؟ قَالَ: نَعَمْ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] .
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ نَصْرًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ، يَقُولُ: " وَافَى أَبُو حَمْزَةَ مِنْ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ وَعْثَاءُ السَّفَرِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَشَهَّيْتُهُ، فَقَالَ: سَكْبَاجَةُ
стр. 1255
وَعَصِيدَةٌ تَخَلِّينِي بِهِمَا، فَأَخَذْتُ مَكُوكَ دَقِيقٍ، وَعَشَرَةَ أَرْطَالِ لَحْمٍ، وَبَاذِنْجَانَ وَخَلًّا، وَأَخَذْتُ عَشَرَةَ أَرْطَالِ دِبْسٍ، وَعَمِلْتُ لَهُ عَصِيدَةً وَسَكْبَاجَةً وَوَضَعْنَاهَا فِي حَيْرِيٍّ لَنَا وَأَدْخَلْتُهُ الدَّارَ وَأَسْبَلْتُ السِّتْرَ فَدَخَلَ وَأَكَلَ كُلَّهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَكْلِهِ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَقَدْ أَتَى عَلَى كُلِّهِ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا الْقَاسِمِ لَا تَعْجَبْ فَمَا هَذَا مِنْ مَكَّةَ إِلَّا الْأَكْلَةُ الثَّالِثَةُ ".
وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: مَنْ رُزِقَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءٍ فَقَدْ نَجَا مِنَ الْآفَاتِ: بَطْنٌ خَالٌ، مَعَ قَلْبٌ قَانِعٌ، وَفَقْرٌ دَائِمٌ، مَعَهُ زُهْدٌ حَاضِرٌ، وَصَبْرٌ كَامِلٌ، مَعَهْ ذِكْرٌ دَائِمٌ.
стр. 1256
ذِكْرُ أَبِي حَمْزَةَ الْخُرَسَانِيُّ ﵁
أَصْلُهُ مِنْ نَيْسَابُورَ، صَحِبَ مَشَايِخَ بَغْدَادَ، وَسَافَرَ مَعَ أَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخَزَّازُ وَهُوَ مِنْ أَفْتَى الْمَشَايِخِ وَأَوْرَعِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: مَنِ اسْتَشْعَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ حُبِّبَ إِلَيْهِ كُلُّ بَاقٍ، وَبُغِّضَ إِلَيْهِ كُلُّ فَانٍ.
وَقَالَ: الْعَارِفُ يَخَافُ زَوَالَ مَا أُعْطِيَ، وَالْخَائِفُ يَخَافُ نَزُولَ مَا وُعِدَ، وَالْعَارِفُ يُدَافِعُ عَيْشَهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ وَيَأْخُذُهُ عَيْشُهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ.
وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: أَوْصِنِي، فَقَالَ لَهُ: هَيِّئْ زَادَكَ لِلسَّفَرِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ فَكَأَنِّي بِكَ وَأَنْتَ فِي جُمْلَةِ الرَّاحِلِينَ عَنْ مَنْزِلِكَ، وهَيِّئْ لِنَفْسِكَ مَنْزِلًا تَنْزِلُ فِيهِ إِذَا نَزَلَ أَهْلُ الصَّفْوَةِ مَنَازِلَهُمْ لِئَلَا تَبْقَى مُتَحَسِّرًا.
стр. 1257
ذِكْرُ أَبِي الْقَاسِمِ الْحَكِيمِ السَّمَرْقَنْدِيِّ ﵁
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّسَوِيُّ: لَهُ كَلَامٌ فِي آفَاتِ النُّفُوسِ وَالْأَعْمَالِ يَرْجِعُ إِلَى عُلُومٍ شَتَّى، عِلْمِ الْمُعَامَلَاتِ وَعِلْمِ الظَّاهِرِ حَتَّى اسْتُقْضِيَّ فِي آخِرِ عُمْرِهِ.
سُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمِ عَنْ عَلَامَةِ الاسْتِدْرَاجِ، فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُزِيدُكَ نِعَمًا، وَرَأَيْتَ نَفْسَكَ تَزْدَادُ عِصْيَانًا فَاعْلَمْ أَنَّكَ مُسْتَدْرَجٌ، ثُمَّ قَالَ: كَمْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ! وَكَمْ مِنْ مُغْتَرٍّ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ! وَكَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ! وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ: رَأَيْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الْحَكِيمَ فِي النَّوْمِ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿٢٦﴾ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٦-٢٧] .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ: لَيْسَ الْأَعْمَى مَنْ يَعْمَى بَصَرُهُ إِنَّمَا الْأَعْمَى مَنْ تَعْمَى بَصِيرَتُهُ، قَالَ اللَّهُ : ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .
стр. 1258
ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَلَاءِ ﵁
بَغْدَادِيُّ الْأَصْلِ، صَحِبَ أَبَا تُرَابٍ النَّخْشَبِيَّ، وَلَقِيَ أَبَا عُبَيْدٍ الْبُسْرِيَّ وَكَانَ مَذْهَبُهُ فِي سَفَرِهِ التَّوَكُّلَ وَالتَّجْرِيدَ، وَكَانَ عَالِمًا وَرِعًا.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّسَوِيُّ: كَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، يَقُولُ: ثَلَاثَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ لَا رَابِعَ لَهُمْ: الْجُنَيْدُ بِبَغْدَادَ، وَأَبُو عُثْمَانَ بِنَيْسَابُورَ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْجَلَاءِ بِالشَّامِ.
وَكَانَ جَاوَرَ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَسْفَارِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ وَسَكَنَ دِمَشْقَ وَبِهَا تُوُفِّيَ.
وَقَالَ الدَّقِّيُّ: لَقِيتُ نَيِّفًا وَثَلاثَ مِائَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفَضْلِ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ أَهْيَبَ مِنِ ابْنِ الْجَلَاءِ.
قَالَ جَعْفَرُ الْمَرَاغِيُّ: وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: خَرَجْتُ مِنْ عِنْدَ ابْنِ جَوْصَاءَ، فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَلَاءِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ وَإِلَى مَحْبَرَتِي، فَقَالَ: إِيشْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، قَالَ: فَلِمَ جَئْتَنِي؟ قُلْتُ: أَحْبَبْتُ أَنْ أَكْتُبَ عَنْكَ، قَالَ لِي: اقْعُدْ، فَأَخْرَجَ
стр. 1259
إِلَيَّ خُبْزًا وَأُدْمًا، وَقَالَ لِي: كُلْ أَوَّلًا.
ثُمَّ أَعْطَانِي دِرْهَمَيْنِ وَقَالَ: إِنْ أَرَدْتَ الْحَدِيثَ فَعَلَيْكَ بِابْنِ جَوْصَاءَ، وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَأْكُلَ شَيْئًا أَوِ احْتَجْتَ إِلَى قِطْعَةٍ، فَارْجِعْ إِلَيَّ.
وَقَالَ حَمْدَانُ بْنُ بَكْرٍ: لَقِيتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَلَاءِ فِي الطَّوَافِ فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ أَحْرَمْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
فَقَالَ: عَلَى أَيِّ طَرِيقٍ جِئْتَ؟ قُلْتُ: عَلَى طَرِيقِ تَبُوكَ، قَالَ: عَلَى التَّوَكُّلِ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَنَا أَعْرِفُ مَنْ حَجَّ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ حَجَّةً عَلَى التَّوَكُّلِ وَهُوَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ بِحَقِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ وَبَكَى.
ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرُّوذْبَارِيِّ ﵁
وَرُوذْبَارُ، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى بَغْدَادَ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ أَبِيِ عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيِّ، وَكَانَ أَهْلُ بَيْتِهِ وُزَرَاءَ، كَتَبَ الْحَدِيثَ، يَعْرِفُ الْفِقْهَ وَاللُّغَةَ وَالنَّحْوَ، وَكَانَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ أَزْهَدَ خَلْقِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ مُتَبَذِّلًا فِي لِبَاسِهِ
стр. 1260
وَأَكْلِهِ، مَا كَانَ يُبَالِي مَا يَلْبَسُ وَمَا يَأْكُلُ، كَانَ يَقُولُ: مَا أَكَلْتُ لَحْمًا بِشَهْوَةٍ قَطُّ، كَانَ لَهُ حَلَقَةُ الْقُرْآنِ وَمَجْلِسُ الْإِمْلَاءِ سَكَنَ صُورَ بِسَاحِلِ بَحْرِ الشَّامِ. . سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] فَقَالَ: اسْتَقَامُوا بِالرِّضَا عَلَى مُرِّ الْقَضَاءِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ وَالشُّكْرِ فِي النَّعْمَاءِ. . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كُنْتُ رَاكِبًا عَلَى جَمَلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ رِجْلُ الْجَمَلِ فِي الرَّمْلِ، فَقُلْتُ: جَلَّ اللَّهُ، فَقَالَ الْجَمَلُ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ: جَلَّ اللَّهُ.
ذِكْرُ أَبِي عُمَرَ الدِّمَشْقِيِّ ﵁
أَحَدُ مَشَايِخِ الشَّامِ، صَاحِبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَلَاءِ وَرَدَّ عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ فِي قِدَمِ الْأَرْوَاحِ وَالشَّوَاهِدِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ الدِّمَشْقِيُّ: كَمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إِظْهَارَ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ كَذَلِكَ فَرَضَ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ كِتْمَانَهَا حَتَّى لَا يُفْتَتَنَ بِهَا الْخَلْقُ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الدِّمَشْقِيُّ: حَقِيقَةُ الْخَوْفِ أَلَّا تَخَافَ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا.
стр. 1261
ذِكْرُ أَبِي عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيِّ ﵁
مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ، سَكَنَ مِصْرَ وَصَارَ شَيْخَهَا، وَمَاتَ بِهَا، صَحِبَ الْجُنَيْدَ وَالنُّورِيَّ وَالْمَسُوحِيَّ بِبَغْدَادَ، وَصَحِبَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ الْجَلَاءِ بِالشَّامِ، كَانَ عَالِمًا حَافِظًا لِلْحَدِيثِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ: فَضْلُ الْمَقَالِ عَلَى الْفِعَالِ مَنْقَصَةٌ، وَفَضْلُ الْفِعَالِ عَلَى الْمَقَالِ مَكْرَمَةٌ.
وَسُئِلَ عَنِ التَّصَوُّفِ فَقَالَ: هَذَا مَذْهَبٌ كُلُّهُ جَدٌّ، فَلَا تَخْلِطُوهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْهَزْلِ، وَقَالَ: لَوْ تَكَلَّمَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ بِلِسَانِ التَّجْرِيدِ لَمَا بَقِيَ مُحِبٌّ إِلَّا مَاتَ.
وَقَالَ: مَا أَظْهَرَ مِنْ نِعَمِهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا بَطُنَ مِنْ كَرَمِهِ.
وَقَالَ: لَا رِضَى لِمَنْ لَا يَصْبِرُ، وَلَا كَمَالَ لِمَنْ لَا يَشْكُرُ، وَبِاللَّهِ وَصَلَ
стр. 1262
الْعَارِفُونَ إِلَى مَحَبَّتِهِ وَشَكَرُوهُ عَلَى نِعْمَتِهِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ:
رُوْحِي إِلَيْكَ بِكُلِّهَا قَدْ أَجْمَعَتْ ... لَوْ أَنَّ فِيكَ هَلَاكَهَا مَا أَقْلَعَتْ
تَبْكِي عَلَيْكَ بِكُلِّهَا عَنْ كُلِّهَا ... حَتَّى يُقَالُ: مِنَ الْبُكَاءِ تَقَطَّعَتْ
فَانْظُرْ إِلَيْهَا نَظْرَةً بِتَعَطُّفٍ ... فَلَطَالَ مَا مَتَّعْتَهَا فَتَمَتَّعَتْ
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَالَأهُمْ قَبْلُ أَفعَالِهِمْ، وَعَادَاهُمْ قَبْلُ أَفْعَالِهِمْ، ثُمَّ جَازَاهُمْ بِأَفْعَالِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ: كَانَ أُسْتَاذِي فِي التَّصَوُّفِ الْجُنَيْدُ، وَأُسْتَاذِي فِي الْفِقْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَأُسْتَاذِي فِي الْأَدَبِ ثَعْلَبٌ، وَأُسْتَاذِي فِي الْحَدِيثِ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ.
стр. 1263
ذِكْرُ أَبِي طَالِبٍ النَّسَائِيِّ ﵁
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ الضَّرِيرِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبَّاسَ الدُّورِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا طَالِبٍ النَّسَائِيَّ، قَالَ: أَصْبَحْتُ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ وَأَنَا فِي دَارٍ قَوْرَاءَ وَاسِعَةٍ، فَقُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ تَرْزُقُ الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، فَقَالَ لِي قَائِلٌ مِنْ خَلْفِي: دَرَاهِمُ تُرِيدُ أَوْ دَقِيقٌ؟ قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: دَقِيقٌ إِيشْ أَعْمَلُ بِهِ لَيْسَ لِي حَطَبٌ.
قَالَ: فَوَقَعَ إِلَيَّ صُرَّةٌ فِيهَا خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ.
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ جَمَاعَةٍ مِنْ صَالِحِي أَصْبَهَانَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى
مِنْهُمْ:
أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ﵁
كَانَ مِنَ الْأَخْيَارِ، صَحِبَ أَحْمَدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ هَانِئٍ، وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحَانِيَّ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ يُحْيِي اللَّيْلَ بِالصَّلَاةِ، وَكَانَ لَهُ فِي الْمِحْرَابِ حَالٌ عَجِيبٌ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْفَهْمِ فِيهِ.
стр. 1264
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ مَعْمَرٌ: بَلَغَنِي عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ اللَّهَ ، حَالًا جَلِيلًا، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ هَاتِفًا يَقُولُ لِي: يَا أَبَا جَعْفَرٍ سَلِ اللَّهَ الْحَالَ عَلَى قَدْرِ الزَّمَانِ وَالْوَقْتِ.
ذِكْرُ أَبِي سَعِيدٍ الرَّارَانِيِّ ﵁
مِنْ قَرْيَةِ رَارَانَ كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْوَرِعِينَ.
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ مَعْمَرٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَنَمْ بِاللَّيْلِ سِنِينَ مَعَ بَذْلِهِ وَإِطْعَامِ طَعَامَهُ، وَمَوَاسَاتِهِ الْفُقَرَاءَ.
صَحِبَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبَرَوَيْهِ، وَأَبَا جَعْفَرِ بْنَ الْحَسَنِ، وَأَنْفَقَ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَلَدِ جُمْلَةً، وَكَانَ يَتَّخِذُ الدَّعَوَاتِ فَيَجْتَمِعُ فِي دَارِهِ مُتَصَوِّفَةُ الْبَلَدِ وَالْمَدِينَةِ، مِقْدَارَ ثَلَثِمِائَةِ نَفْسٍ وَأَكْثَرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبَرَوَيْهِ يَنْبَسِطُ إِلَيْهِ وَيَبِيتُ فِي دَارِهِ.
стр. 1265
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ مَعْمَرٌ: كَانَ لَا يَأْتِيهِ فَقِيرٌ وَلَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ إِلَّا بَدَأَهُ فَقَدَّمَ الطَّعَامَ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ خَبَرِهِ، وَرُبَّمَا مَضَيْنَا مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ السَّقَّا وَجُمْلَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى زِيَارَتِهِ فَحِينَ دَخَلْنَا، قَالَ: هَاتُوا الطَّعَامَ، قَالَ: وَقَالَ: بِهَذَا أَوْصَانِي أُسْتَاذِي أَنْ لَا أُكَلِّمَ الْفَقِيرَ حَتَّى أُطْعِمَهُ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبَرَوَيْهِ، وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَصْحَابِهِ لَيْلَةً فِي دَارِي فَلَمَّا أَكَلُوا الطَّعَامَ أَخَذُوا فِي السَّمَاعِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبَرَوَيْهِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَفْرِدْ لِي مَوْضِعًا أَنَامُ فِيهِ، فَأَفْرَدْتُ لَهُ بَيْتًا وَطَرَحْتُ لَهُ مِضْرَبَةً، فَنَامَ عَلَيْهَا وَأَلْقَيْتُ عَلَيْهَا الدَّوَاجَ وَجِئْتُ إِلَى عِنْدِ أَصْحَابِنَا، فَلَمَّا فَرَغَ أَصْحَابُنَا مِنَ السَّمَاعِ قَامَ بَعْضُهُمْ وَتَطَهَّرَ بَعْضُهُمْ وَصَلَّوْا، ثُمَّ نَامُوا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَذَّنَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْحَسَنِ، فَمَضَيْتُ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبَرَوَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى الْمِضْرَبَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: تَطَهَّرْ.
فَقَامَ وَتَقَدَّمَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ الْغَدَاةَ وَكَانَ عَلَى طَهَارَةِ الْعَتْمَةِ، فَبَعْدُ ذَلِكَ سَأَلْتُهُ، فَقَالَ: خَتَمْتُ خَتْمَةً عَلَى تِلْكَ الْحَالِ.
следующие страницы →