Полный текст (1 332 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَضْلَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَجَعَلَ يَصِفُ مَنَاقِبَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا سَيِّدُنَا بِلَالٌ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ.
قِيلَ: كَانَ يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَفَرًا، وَحَضَرًا حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قِيلَ: تُوُفِّيَ بِلَالٌ بِدِمِشْقَ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَدُفِنَ بِباب الصَّغِيرِ.
стр. 282
ذِكْرُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ ﵁
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، أَحَدُ النُّقَبَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ بَايَعَ لَيلَةَ الْعَقَبَةِ، وَأَوَّلُ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ، وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، تُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، أَنْصَارِيٌّ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ، فِي ذِكْرِ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ: وَكَانَ مِمَّنْ تَكَلَّمَ يَوْمَئِذٍ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ.
قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا، خَرَجْنَا فِي حُجَّاجِ قَوْمِنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَلَّيْنَا، وَفَقِهْنَا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ: قَدْ أُرِيتُ أَنْ لَا أَدَعَ هَذِهِ البَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، يَعْنِي الْكَعْبَةَ، وَأَنْ أُصَلِّي إِلَيْهَا، قَالَ: فَقُلْنَا:
стр. 283
وَاللَّهِ، بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ يُصَلِّي إِلَى الشَّامِ وَمَا نُرِيدُ أَنْ نُخَالِفَهُ، قَالَ: فَكُنَّا إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ صَلَّيْنَا إِلَى الشَّامِ وَصَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، وَقَدْ كُنَّا عِبْنَا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ، وَأَبَى إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَسْأَلَهُ عَمَّا صَنَعْتُ فِي سَفَرِي، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ قَدْ يَقَعُ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ لَمَّا رَأَيْتُ مِنْ خِلَافِكُمْ إِيَّايَ فِيهِ، قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكُنَّا لَا نَعْرِفُهُ لَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا الْعَبَّاسُ جَالِسٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ جَالِسٌ، فَسَلَّمْنَا وَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي خَرَجْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، وَقَدْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ فَرَأَيْتُ أَنْ لَا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ فَصَلَّيْتُ إِلَيْهَا، وَقَدْ خَالَفَنِي أَصْحَابِي فِي ذَلِكَ حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَمَاذَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَقَدْ كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا» .
قَالَ: فَرَجعَ الْبَرَاءُ إِلَى قِبْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى الْحَجِّ، فَوَاعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَقَبَةَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الْحَجِّ اجْتَمَعْنَا بِالشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ فَتَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ، فَقُلْنَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَالَ:
стр. 284
«أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نَسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ» .
فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَزْوَاجَنَا وَأَنْفُسَنَا، فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ثَمَّ تَتَابَعَ الْقَوْمُ.
قَالُوا: وَشَهِدَ ابْنُهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ الْعَقَبَةَ، وَبَدْرًا وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، سَيِّدًا، فَقَالَ: «بَلْ سَيِّدُكُمُ الجَعِدُ الْأَبْيَضُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ» ، أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَنِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ بِخَيْبَرَ، فَتُوُفِّيَ بِخَيْبَرَ.
стр. 285
ذِكْرُ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ ﵁
هُوَ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، كَانَ حَادِي النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَرْتَجِزُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي مَغَازِيهِ، وَأَسْفَارِهِ، كَانَ شُجَاعًا مِقْدَامًا، قَتَلَ مِائَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُبَارَزَةً سِوَى مَنْ شَارَكَ فِيهِ.
أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلَيِّ بْنِ خَلَفٍ، أنبأنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبَلْخِيُّ , حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلٍ، بَصْرِيٌّ، صَاحِبُ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْبَرَاءِ وَهُوَ يَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهُ: تَتَغَنَّى، فَقَالَ: «تَخْشَى أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي، وَقَدْ قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَئِيسًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، سِوَى مَا شَارَكْتُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ»
стр. 286
رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: بَيْنَمَا الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ يَرْجَزُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ قَارَبَ النِّسَاءَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «يَا بَرَاءُ، إِيَّاكَ وَالْقَوَارِيرَ، يَعْنِي النِّسَاءَ، لَا يَسْمَعْنَ صَوْتَكَ» وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ.
стр. 287
فَصْلٌ
قَالَ أَصْحَابُ التَّارِيخِ: الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ، وَكَانَ شُجَاعًا بَطَلًا.
أُمُّهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، قُتِلَ قَبْلَ عُمَرَ ﵁، وَقِيلَ: قُتِلَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: اسْتُشْهِدَ يَوْمَ تُسْتَرَ.
стр. 288
فَصْلٌ
قَالَ أَصْحَابُ التَّوَارِيخِ: بَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ، مَرْزُبَانَ الزَّارَةِ يَوْمَ تَسْتُرَ، وَأَخَذَ سَلْبَهُ.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، قَالَ لِلْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمَ الْيَمَامَةِ: قُمْ يَا بَرَاءُ، قَالَ: فَرَكِبَ الْبَرَاءُ فَرَسَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، لَا مَدِينَةَ لَكُمْ، إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ وَالْجَنَّةُ، ثُمَّ حَمَلَ، وَحَمَلَ النَّاسُ مَعَهُ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الْيَمَامَةِ، فَلَقِيَ الْبَرَاءُ محلم الْيَمَامَةِ، فَضَرَبَهُ، وَصَرَعَهُ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ تُسْتَرَ انْكَشَفَ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا بَرَاءُ، أَقْسِمْ عَلَى رَبِّكَ، فَقَالَ: أُقْسِمُ عَلَيْكَ، أَيْ رَبِّ لَمَا مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ، وَأَلْحَقْتَنِي بِنَبِيِّكَ ﷺ ، فَانْهَزَمُوا، وَاسْتُشْهِدَ الْبَرَاءُ.
стр. 289
قَالَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي: دَخَلَ أَصْحَابُ مُسَيْلَمَةَ حَدِيقَةَ الْمَوْتِ، فَأَغْلَقُوهَا عَلَيْهِمْ، وَأَحَاطَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا، فَصَرَخَ الْبَرَاءُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، احْمِلُونِي عَلَى الْجِدَارِ حَتَّى تَطْرَحُونِي عَلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا، فَنَادَى: أَنْزِلُونِي، ثُمَّ قَالَ: احْمِلُونِي، فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، ثُمَّ اقْتَحَمَ عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى فَتَحَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ عَلَى الْباب مِنْ خَارِجٍ فَدَخَلُوا، فَأَغْلَقَ الْباب عَلَيْهِمْ، ثُمَّ رَمَى بِالْمِفْتَاحِ مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَتَلَ اللَّهُ مُسَيلِمَةَ، وَقُتِلَ مَنْ فِي الْحَدِيقَةِ.
أخبرنا سُلَيْمَانُ، فِي كِتَابِهِ، أخبرنا عَلِيُّ بْنُ مَاشَاذَةَ، فِي كِتَابِهِ، حدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَسَّالُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الزُّبَيْدِيُّ , حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَمْ مِنْ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ»
إِنَّ الْبَرَاءَ لَقِيَ زَحْفًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَوْجَعُوا فِي الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا بَرَاءُ إِنَّكَ لَوْ أَقْسَمْتَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّكَ، فَاقْسِمْ عَلَى رَبِّكَ ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَبُّ أَلَا مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ، وَأَلْحَقْتَنِي بِنَبِيِّكَ ﷺ ، فَمُنِحُوا أَكْتَافَهُمْ، وَأَلْحَقَهُ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ ﷺ ، فَاسْتُشْهِدَ ﵁.
стр. 290
باب التَّاءِ
ذِكْرُ تَمِيمِ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ ﵁
كَانَ رَاهِبُ الْأُمَّةِ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ ﵁، فِي الْقَصَصِ فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ يَقُصَّ قَائِمًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَرَّجَ السِّرَاجَ فِي الْمَسْجِدِ.
وَرَوَى مَسْرُوقٌ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ تَمِيمًا الدَّارِيَّ ذَاتَ لَيْلَةِ حَتَّى أَصْبَحَ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] . . . الْآيَةُ.
قِيلَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ قَصَّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: عَابِدُ فَلَسْطِينَ.
стр. 291
باب الثَّاءِ
ذِكْرُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵁
سَكَنَ حِمْصَ، وَلَهُ بِهَا دَارُ ضِيَافَةٍ، وَلَهُ أَيْضًا بِالرَّمْلَةِ وَمِصْرَ دَارٌ.
رُوِيَ عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَضْمَنُ لِي خَصْلَةً فَأَضْمَنُ لَهُ الْجَنَّةَ» ، فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، قَالَ: «لَا تَسْأَلْ أَحَدًا شَيْئًا» .
قَالَ: فَكَانَ ثَوْبَانُ يَسْقُطُ سَوْطُهُ فَيَذْهَبُ الرَّجُلُ يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ فَمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ حَتَّى يُنِيخَ بَعِيرَهُ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَأْخُذُهُ.
стр. 292
وَعَنْ ثَوْبَانَ، ﵁، قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَهُ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ أَنْ يُصْرَعَ مِنْهَا، فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ قُلْتُ: أَفَلَا تَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي» ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَنْفَعُكَ شَيْئًا إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» ، قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، فَنَكَتَ بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: «سَلْ» ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ» ، قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ
стр. 293
إِجَازَةً؟ قَالَ: «فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ» ، قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «زِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ» ، قَالَ: مَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا؟ قَالَ: «يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ، الَّذِي يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا» ، قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «مِنْ عَيْنٍ تسُمَّى سَلْسَبِيلا» ، قَالَ: وَجِئْتُكَ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ رَجُلٌ، أَوْ رَجُلَانِ، قَالَ: «يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟» ، قَالَ: أَسْمَعُ بَأُذُنَيَّ، قَالَ: جِئْتُكَ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ؟ قَالَ: «مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا» ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: صَدَقْتَ، وَإِنَّكَ نَبِيٌّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَذَهَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ، وَمَا لِي بِشَيْءٍ مِنْهُ عِلْمٌ، حَتَّى آتَانِيَ اللَّهُ بِهِ» .
стр. 294
ذِكْرُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ﵁
قَالَ أَصْحَابُ التَّوَارِيخِ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ خَطِيبَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ جَهِيرَ الصَّوْتِ، شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَمَّرَهُ عَلَى الْأَنْصَارِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ جَاءَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَقَدْ تَحَنَّطَ، وَلَبِسَ أَكْفَانَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ، وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، فَقُتِلَ وَكَانَتْ لَهُ دِرْعٌ، فَسُرِقَتْ فَرَآهُ رَجُلٌ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَقَالَ: إِنَّ دِرْعِي فِي قِدْرٍ تَحْتَ الْكَانُونِ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا،
стр. 295
وَأَوْصَانِي بِوَصَايَا، فَطَلَبُوا الدِّرْعَ فَوَجَدُوهَا، وَأَنْفَذُوا الْوَصَايَا.
وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ هَلَكْتُ، قَالَ: «وَلِمَ؟» ، قَالَ: يَنْهَانَا اللَّهُ عَنِ الْحَمْدِ بِمَا لَمْ نَفْعَلْ، وَأَنَا رَجُلٌ أُحِبُّ الْحَمْدَ، وَيَنْهَانَا عَنِ الْخُيَلَاءِ، وَأَنَا أُحِبُّ الْخُيَلَاءَ، وَيَنْهَانَا أَنْ نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فَوْقَ صَوْتِكَ، وَأَنَا رَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا ثَابِتُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وَتَمُوتَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ»
أخبرنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ السِّمْسَارُ، فِي كِتَابِهِ، أخبرنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَاشَاذَةَ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَسَّالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، أخبرنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مِزْيدَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سمعت ابْنَ جَابِرٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ الْخُرَسَانِيُّ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدَينَةَ، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقُلْتُ حَدَّثَنِي بِحَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَقَالَ: قُمْ مَعِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى دُفِعْنَا إِلَى دَارٍ، فَأَجْلَسَنِي عَلَى بَابِهَا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ دَعَانِي لِيُعَرِّفَنِي عَلَى امْرَأَةٍ، فَقَالَ لِيَ الرَّجُلُ: هَذِهِ بِنْتُ ثَابِتٍ فَاسْأَلْهَا عَمَّا بَدَا لَكَ، فَقُلْتُ: حَدِّثِينَا عَنْهُ رَحِمَكِ اللَّهُ، قَالَتْ: " لَمَّا كَانَ يَومُ الْيَمَامَةِ خَرَجَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، فَلَمَّا لَقِيَ أَصْحَابَ
стр. 296
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَانْكَشَفُوا، فَقَالَ ثَابِتٌ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حَفَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ حُفَيْرَةً وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَثَبَتَ، وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَعَلَى ثَابِتٍ يَوْمَئِذٍ دِرْعٌ نَفِيسٌ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَخَذَهَا، فَبَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَائِمٌ، فَأَتَاهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي هَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: أُوصِيكَ بِوَصِيَّةٍ إِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ هَذَا حُلْمٌ فَتُضَيِّعُهُ، إِنِّي لَمَّا قُتِلْتُ أَمْسَ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَخَذَ دِرْعِي، وَمَنْزِلُهُ فِي أَقْصَى النَّاسِ، وَعِنْدَهُ خِبَاءٌ وَفَرَسٌ مُسْتَنُّ فِي طُولِهِ، وَقَدْ كَفِئَ عَلَى دِرْعِي بُرْمَةً، وجَعَلَ عَلَى الْبُرْمَةِ رَحْلًا، فَأْتِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بَأَنْ يَبْحَثَ إِلَى دِرْعِي فَيَأْخُذَهَا، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا، وَفُلَانٌ مِنْ رَقِيقِي عَتِيقٌ، وَفُلَانٌ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ هَذَا حُلْمٌ فَتُضَيِّعَهُ، فَأَتَى الرَّجُلُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَأَخْبَرَهُ، فَبَعَثَ إِلَى الدِّرْعِ، فَنَظَرَ إِلَى خِبَاءٍ فِي أَقْصَى النَّاسِ، فَإِذَا عِنْدَهُ فَرَسٌ يَسْتَنُّ فِي طُولِهِ، فَنَظَرَ فِي الْخِبَاءِ فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَدَخَلُوا فَرَفَعُوا الرَّحْلَ فَإِذَا تَحْتَهُ بُرْمَةٌ، ثُمَّ أَفْرَغُوا الْبُرْمَةَ، فَإِذَا الدِّرْعُ تَحْتَهَا، فَأَتَوا بِهَا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ حَدَّثَ الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ بِرُؤْيَاهُ، فَأَجَازَ وَصِيَّتَهُ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أُجِيزَتْ وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ غَيْرَ ثَابِتٍ
стр. 297
ذِكْرُ ثَابِتِ بْنِ الدَّحْدَاحِ
وَقِيلَ: ابْنُ الدَّحْدَاحَةِ الْأَنْصَارِيُّ ﵁.
تُوُفِّيَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.
قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْجِنَازَةِ أَتَى بِفَرَسٍ عَرِيٍّ، فَرَكِبَ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ، وَنَحْنُ نَسْعَى خَلْفَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَمْ مِنْ عَذَقِ النَّخْلِ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ مُدَلًّى فِي الْجَنَّةِ» .
وَقِيلَ: كُنْيَتُهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ
стр. 298
باب الْجِيمِ
ذِكْرُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
اسْتُشْهِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِمُؤْتَةَ.
قَالَ أَصْحَابُ التَّوَارِيخِ: خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَخَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَامَ خَيْبَرَ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَمَا فُتِنَ أَصْحَابُهُ بِمَكَّةَ أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَخَرَجْنَا أَرْسَالًا، فَلَمَّا قَدِمْنَاهَا أَصَبْنَا دَارًا وَقَرَارًا، وَجَاوَرْنَا بِهَا رَجُلًا حَسَنَ الْجِوَارِ، فَأْتَمَرَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يُهْدُوا لَهُ مِنْ طَرَائِفِ بِلَادِهِمْ مِنَ الْآدَمَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ الْآدَمُ
стр. 299
يُعْجِبُ النَّجَاشِيَّ إِذَا أُهْدِيَ لَهُ، فَفَعَلُوا وَبَعَثُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، ﵂: فَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا حِينَ قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فَلَمَّا قَدَّمَا إِلَى الْبَطَارِقَةِ الْهَدَايَا، وَوَضَعَا عِنْدَهُمْ حَاجَاتِهِمْ، ثُمَّ دَخَلَا عَلَى النَّجَاشِيِّ وَقَدَّمَا الْهَدَايَا فَقَبِلَهَا، فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ شَبَابًا مِنَّا خَرَجُوا بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَابْتَدَعُوا دِينًا لَيْسَ بِدِينِكَ وَلَا دِينِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، فَارَقُوا أَشْرَافَهُمْ، وَخِيَارَهُمْ، وَأَهْلَ الرَّأْيِ، فَانْقَطَعُوا بِأَمْرِهِمْ مِنْهُمْ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَيْكَ لِتَمْنَعَهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ، وَهُمْ كَانُوا أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، فَادْفَعْهُمْ إِلَيْنَا لِنَرُدَّهُمْ إِلَى آبَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ، فَقَالَ بَطَارِقَتُهُ: صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ، فَارْدُدْهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ، فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَفْعَلُ.
قَوْمٌ نَزَلُوا بِلَادِي وَلَجَأُوا إِلَى جِوَارِي فَمَا كُنْتُ أَدْفَعُهُمْ إِلَيْكُمْ حَتَّى أَسْمَعَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَأَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مَا قَالَ هَذَانِ حَقًّا أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَأَنَا أَعْرِفُ مَا أَصْنَعُ، وإِنْ كَانَ أَمْرُهُمْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ أُخَلِّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، ﵂: فَأَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ إِلَيْنَا فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَا تُكَلِّمُونَ الرَّجُلَ؟ فَأَجْمَعُوا أَنْ يُكَلِّمُوهُ بِالَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وَبِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا كَانَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَدَعَا أَسَاقِفَتَهُ وَبَطَارِقَتَهُ، فَأَمَرَهُمْ، فَنَشَرُوا الْمَصَاحِفَ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا دِينُكُمْ هَذَا الَّذِي فَارَقْتُمْ بِهِ قَوْمَكُمْ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِدِينِهِمْ، وَلَا دِينِنَا، وَلَا دِينِ الْيَهُودِ؟ فَكَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَقَالَ: كُنَّا عَلَى دِينِهِمْ
стр. 300
وَأَمْرِهِمْ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ فِينَا رَسُولًا نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَخْلَعَ مَا يَعْبُدُ قَوْمُنَا مِنْ دُونِهِ، وَأَمَرَنَا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَكُلِّ مَا يُعْرَفُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ، وَتَلَا عَلَيْنَا تَنْزِيلا جَاءَهُ مِنَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ، فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ، وَعَرَفْنَا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَفَارَقْنَا عِنْدَ ذَلِكَ قَوْمَنَا، فَآذَوْنَا، وَفَتَنُونَا، فَلَمَّا بَلَغَ مِنَّا مَا نَكْرَهُ وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ، أَمَرَنَا نَبِيُّنَا بِالْخُرُوجِ إِلَى بِلَادِكَ اخْتِيَارًا لَكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ لِتَمْنَعَنَا مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكُمْ مِمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ تَقْرَءُونَهُ؟ فَقَالَ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فَقَرَأَ كهيعص فَلَمَّا قَرَأَ بَكَى النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ، وَقَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَالْكَلامَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجَانِ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، لَا وَاللَّهِ، لَا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْكُمْ، وَلَا أُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ.
الْحَقَا بِشَأْنِكُمَا، وَأَمَرَ بِالْهَدَايَا فَرُدَّتْ عَلَيْهِمَا، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: فَخَرَجَا مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا أَمْرُهُمَا، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَمَا وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا بِقَوْلٍ أُبِيدُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لِلْقَوْمِ أَرْحَامًا وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ.
فَدَخَلا عَلَيهِ الْغَدَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ فِي عِيسَى وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ عَبْدٌ فَسلْهُمْ عَنْهُ، قَالَتْ أُمُّ
стр. 301
سَلَمَةَ: فَلَمْ يَنْزَلْ بِنَا مِثْلُهَا قَطُّ، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، فَقَالُوا: قَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ عِيسَى إِلَهُهُ الَّذِي يَعْبُدُ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ قَدْ جَاءَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ، وَأَنَّ مَا يَقُولُونَ فِيهِ بَاطِلٌ، فَمَاذَا تَقُولُونَ؟ فَأَجْمَعُوا أَنْ يَقُولُوا فِيهِ بِقَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا كَانَ، فَدَعَاهُمُ النَّجَاشِيُّ، فَقَالَ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ قَالَ جَعْفَرٌ: نَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، فَأَخَذَ النَّجَاشِيُّ عُودًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَدَا عِيسَى مَا يَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا الْعُودِ، فَنَخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَولَهُ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ، وَاللَّهِ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بَأَرْضِي، يَقُولُ: آمِنُونَ، مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثَلَاثًا، مَا أُحِبُّ أَنْ آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ، وَإِنَّ لِي دَبْرًا مِنْ ذَهَبٍ، وَالدَّبْرُ بِلِسَانِهِمُ الْجَبَلُ، فَوَاللَّهِ، مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي رِشْوَةً حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، وَمَا أَطَاعَ فِيَّ النَّاسَ فَأَطَعْتُهُمْ فِيهِ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: فَجَعَلْنَا نَتَعَرَّضُ لِعَمْرٍو وَصَاحِبِهِ رَجَاءَ أَنْ يَسُبَّانَا، فَنَغْمُرَ مَعَهُمَا فَرَجَعَا خَائِبَيْنِ، فَأَقَمْنَا بِخَيْرِ دَارٍ، وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، قَدْ أَمِنَّا وَاطْمَأْنَنَّا، إِذْ شَغِبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَنَازَعَهُ فِي مُلْكِهِ، فَمَا عَلِمْنَا أَصَابَنَا حُزْنٌ أَشَدُّ مِنْ حُزْنٍ أَصَابَنَا عِنْدَ ذَلِكَ، فَرَقًا مِنْ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَيَنْبُوَ بِنَا مَنْزِلُنَا وَيَأْتِيَنَا رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مِثْلَ الَّذِي عَرَفَ النَّجَاشِيُّ، فَكُنَّا نَدْعُو لَيْلًا وَنَهَارًا أَنْ يُعِزَّهُ اللَّهُ وَيُظْهِرَهُ، فَخَرَجَ النَّجَاشِيُّ سَائِرًا إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ،
стр. 302
فَقُلْنَا: مَنْ رَجُلٌ يَحْضُرُ الْقَوْمَ، فَيَنْظُرُ مَا يَفْعَلُونَ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا، وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَاتَّخَذَ قِرْبَةً فَنَفَخَهَا، ثُمَّ رَبَطَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي النِّيلِ، وَهُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَالْتَقَى الْقَوْمُ بِنَاحِيَتِهِ الْقُصْوَى، فَهُزِمَ جُنْدُ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَقَتَلَهُ اللَّهُ، فَأَقْبَلَ الزُّبَيْرُ حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ أَلَاحَ بِثَوْبِهِ وَصَرَخَ: أَبْشِرُوا، فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ النَّجَاشِيَّ، وَأَظْهَرَهُ، قَالَتْ أُمَّ سَلَمَةَ، ﵂: فَمَا أَذْكُرُ أَنَّا فَرِحْنَا فَرَحًا قَطُّ مِثْلَهُ، حَتَّى بَدَا لَنَا أَنْ يَقْدَمَ مَنْ قَدِمَ مِنَّا مَكَّةَ غَيْرَ مُكْرَهٍ.
وَالِدِي ﵀، سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ , حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيرَةَ، وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لِشِبَعِ بَطْنِي لَا آكُلُ الْخَمِيرَ، وَلَا أَلْبَسَ الْحَرِيرَ، وَلَا يَخْدِمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةٌ، وَكُنْتُ أَلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصَاءِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآَيَةَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي، وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ يَنْقَلِبُ
стр. 303
بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ ليُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعَكَّةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَيَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا "
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، ﵁، قَالَ: إِنَّ ابْنَةَ حَمْزَةَ اتَّبَعَتْنَا حِينَ خَرَجْنَا مِنْ مَكَّةَ، تُنَادِي يَا عَمِّ، فَتَنَاوَلْتُهَا، ثُمَّ نَاوَلْتُهَا فَاطِمَةُ، فَحَمَلَتْهَا حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدَينَةَ، وَاخْتَصَمْتُ فِيهَا أَنَا، وَزَيْدٌ، وَجَعْفَرٌ، فقلت أَنَا أَخَذْتُهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: بِنْتُ أَخِي، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ» ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي» ، وَقَالَ لِزَيْدٍ: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا» ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَزَوَّجْهَا، قَالَ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ» وَعَنْ عَلِيٍّ، ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " النَّاسُ مِنْ شَجَرٍ شَتَّى، وَأَنَا وَجَعْفَرٌ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ.
стр. 304
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَنَظَرْتُ فِيهَا فَإِذَا جَعْفَرٌ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَإِذَا حَمْزَةُ مُتَّكِئٌ عَلَى سَرِيرٍ»
стр. 305
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَرَّ بِي جَعْفَرٌ اللَّيْلَةَ فِي مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ جَنَاحَانِ مُضَرَّجٌ بِالدِّمَاءِ بِيضُ الْقَوَادِمِ» وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، قَالَ: مَا انْتَطَقَتِ امْرَأَةٌ بِنِطَاقٍ كَانَ أَحَبَّ إِليَّ أَنْ يَكُونَ وَلَدَتْهُ أُمِّي مِنْ جَعْفَرٍ، كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا.
وَعَنْ أُمِّ عَوْنٍ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ، غَدَوْتُ عَلَى دَبِيغٍ لَنَا، فَدَبَغْتُ أَرْبَعِينَ مَنِيًّا، ثُمَّ عَجَنْتُ عَجِينِي، ثُمَّ قَدِمْتُ إِلَى بَنِيَّ، فَغَسَلْتُ
стр. 306
وُجُوهَهُمْ، وَدَهَنْتُهُمْ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «يَا أَسْمَاءُ ائْتِنِي بِبَنِي جَعْفَرٍ، فَجِئْتُهُ بِهِمْ» ، فَأَخَذَهُمْ فَشَمَّهُمْ، وَضَمَّهُمْ إِلَيْهِ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَعَلَّكَ بَلَغَكَ عَنْ جَعْفَرٍ شَيْءٌ، قَالَ: «نَعَمْ، قُتِلَ الْيَومَ وَأَصْحَابُهُ» ، فَقُمْتُ أَصِيحُ، فَاجْتَمَعَ إِليَّ نَاسٌ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَى أَهْلَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: " لَا تَغْفُلُوا عَنْ أَهْلِ جَعْفَرٍ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا، فَإِنَّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِشَأْنِ صَاحِبِهِمْ.
стр. 307
فَصْلٌ
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، صَاحِبُ الْهِجْرَتَيْنِ، يُقَالُ لَهُ: الطَّيَّارُ، ذُو الْجَنَاحَيْنِ، اسْتُشْهِدَ بِمُؤْتَةَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ يُسَمَّى أَبَا الْمَسَاكِينِ.
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، ﵁، قَالَ: لَمَا قَدِمَ جَعْفَرٌ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، تَلَقَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا نَظَرَ جَعْفَرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، خَجِلَ إِعْظَامًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَقَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قَالَ: كُنْتُ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَوَجَدْنَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَسَبْعِينَ مِنْ بَيْنِ طَعْنَةٍ وَرَمِيَةٍ.
стр. 308
وَفِي رِوَايَةٍ: وَوَجَدْنَا ذَلِكَ فِيمَا قَبُلَ مِنْ جَسَدِهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ، يَجْلِسُ إِلَيْهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّيهِ أَبَا الْمَسَاكِينِ " وَعَنْ جَعْفَرٍ ﵁، قَالَ: لَمَا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، تَلَقَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَاعْتَنَقنِي، ثُمَّ قَالَ: «مَا أَدْرِي أَنَا بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَفْرَحُ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ» .
وَوَافَقَ ذَلِكَ فَتْحَ خَيْبَرَ
стр. 309
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، ﵄، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيهِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ، أَوِ اسْتُشْهِدَ، فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ، أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» .
فَانْطَلَقُوا حَتَّى لَقَوُا الْعَدُوَّ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، أَوِ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، أَوِ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، أَوِ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَأَتَى خَبَرُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ إِخَوَانَكُمْ لَقَوُا الْعَدُوَّ، وَإِنَّ زَيْدًا أَخَذَ الرَّايَةَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، أَوِ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ بَعْدَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، أَوِ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، أَوِ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ، ثُمَّ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: «لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي جَعْفَرٍ بَعْدَ الْيَوْمِ، ادْعُوا لِيَ
стр. 310
بَنِي أَخِي» ، فَجِئَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: «ادْعُوا لِيَ الْحَلَّاقَ» ، فَجَاءَ الْحَلَّاقُ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا، فَقَالَ: «أَمَّا مُحَمَّدٌ فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا عَوْنٌ، فَشَبِيهُ خَلْقِي وَخُلُقِي» ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَأَشَالَهَا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللَّهِ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ» ، فَجَاءَتْ أُمُّنَا فَذَكَرَتْ يُتْمَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعَيْلَةَ تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ؟ وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» .
стр. 311
ذِكْرُ أَبِي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادَةَ الْغِفَارِيِّ ﵁
وَقِيلَ: جُنْدُبُ بْنُ السَّكَنِ.
أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّابُونِيُّ، أخبرنا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ , حَدَّثَنَا هُدْبَهُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا، وَأَخِي أُنَيْسٌ، وَأُمُّنَا، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى
стр. 312
مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ، فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا بِثَوْبِهِ فَجَعَلَ يَبْكِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا، قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: للَّهِ، قُلْتُ: فَأَيْنَ تُوَجِّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ، فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ، فَاكْفِنِي، فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ علَيَّ، ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ، يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ كَاهِنٌ سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشُّعَرَاءِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ أَنَّهُ
стр. 313
شِعْرٌ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئُ، فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ، فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، مَا كَانَ لِيَ طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ: فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ أَضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَانِ مَنْهُمْ تَدْعُوَانِ
стр. 314
إِسَافًا وَنَائِلَةَ، قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى؟ قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا، قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أُكَنِّي، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ، وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَابِطَتَانِ، قَالَ: «» مَالَكُمَا؟ «» ، قَالَتَا: الْصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا.
قَالَ: «» مَا قَالَ لَكُمَا؟ «» ، قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: «» وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ «» ، ثُمَّ قَالَ: «» مَنْ أَنْتَ؟ «» ، قَالَ: قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ، قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ، فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ
стр. 315
فَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «» مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا؟ «» ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، قَالَ: «» فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ «» ، قُلْتُ: مَا كَانَ لِيَ طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، قَالَ: «» إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ «» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ الْلَيْلَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ، وَكَانَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا، ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ وُجِّهْتُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ لَا أَرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؟ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِمْ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ «» .
فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ، قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَأَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحْضَةَ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 316
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسلْمُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «» غِفَارٌ، غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ «» ..
وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: يَا ابْنَ أَخِي صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَفِي رِوَايَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «» ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي «» .
فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَثَارَ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسَ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارَتِكُمْ إِلَى الشَّامِ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِثْلِهَا وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ مَنْهُمْ.
стр. 317
وَفِي رِوَايَةٍ فَانْطَلَقَ بِهِ عَلِيٌّ ﵁، حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ
قَالَ الشَّيْخُ ﵀: إِنَّ الصِّرْمَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَقَوْلُهُ: نَافَرَ أَيْ رَاهَنَ، وَالْخِفَاءُ: الْكِسَاءُ، وَأَقْرَاءُ الشِّعْرِ: طُرُقُهُمْ فِي الشِّعْرِ، فَمَا يَلْتَئِمُ: فَمَا يَتَّفِقُ، فَتَضَعَّفْتُ: فَاسْتَضْعَفْتُ، نُصُبٌ أَحْمَرُ: أَيْ حَجَرٌ يُذْبَحُ عَلَيهِ الْقُرْبَانُ، عِكَنُ بَطْنِي: جَمْعُ عِكْنَةٍ، وَهِيَ مَا يَنْثَنِي مِنَ السَّمْنِ، سُخْفَةُ جُوعٍ: شِدَّةُ الْجُوعِ، ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ: أَيْ نَامُوا، أَسَافُ ونَائِلَةُ: صَنَمَانِ، تُوَلْوِلَانِ: تَصِيحَانِ، مِنْ أَنْفَارِنَا: أَيْ مِنْ قَوْمِنَا، نَثَا عَلَيْنَا: أَيْ: أَفْشَى، رَاثَ: أَيْ أَبْطَأَ، أَضْحَيَانِ: مُضِيئَةٌ، الهَنُ: كِنَايَةٌ عَنِ الذَّكَرِ، قَدَعَنِي: كَفَّنِي.
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، ﵁، وَهُوَ بِالرَّبْذَةِ، وَعِنْدَهُ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ شَعْثَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا الْمَحَاشِدُ وَالْخَلُوقُ، فَقَالَ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَا تَأْمُرَنِي بِهِ هَذِهِ السَّوْدَاءُ، تَأْمُرُنِي أَنْ آتِي الْعِرَاقَ،
стр. 318
فَإِذَا أَتَيْتُ الْعِرَاقَ مَالُوا عَلَيَّ بِدُنْيَاهُمْ، وَإِنَّ خَلِيلِي عَهِدَ إِلَيَّ «أَنَّ دُونَ جِسْرِ جَهَنَّمَ طَرِيقًا ذَا دَحْضٍ وَمَزَلَّةٍ، وَإِنَّا إِنْ نَأْتِ عَلَيْهِ وَفِي أَحْمَالِنَا اقْتِدَارٌ أَحْرَى مِنْ أَنْ نَأْتِيَ عَلَيْهِ وَنَحْنُ مَوَاقِيرُ» وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: بَلَغَ الْحَارِثَ رَجُلًا كَانَ بِالشَّامِ مِنْ قُرَيْشٍ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ بِهِ عَوَزٌ، فَبَعَثَ إلَيْهِ بِثَلَاثِ مِائَةِ دِينَارٍ، فَقَالَ: مَا وَجَدَ عَبْدًا للَّهِ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنِّي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ فَقَدْ أَلْحَفَ» .
وَلِأَبِي ذَرٍّ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعُونَ شَاةً، وَمَاهِنَانِ.
стр. 319
فَصْلٌ مِنْ كَلَامِ أَبِي ذَرٍّ ﵁
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁، يَقُولُ: إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ، إِنِّي عَلَيْكُمْ شَفِيقٌ، صَلُّوا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِوَحْشَةِ الْقُبُورِ، صُومُوا لِحَرِّ يَوْمِ النُّشُورِ، تَصَدَّقُوا مَخَافَةَ يَوْمٍ عَسِيرٍ، وَقَالَ: يَكْفِي الدُّعَاءُ مَعَ الْبِرِّ مَا يَكْفِي الْمِلْحُ مِنَ الطَّعَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِرَاشٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ فيِ ظُلَّةٍ لَهُ سَوْدَاءَ بِالرَّبْذَةِ، وَتَحْتَهُ امْرَأَةٌ لَهُ سَحْمَاءُ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى قِطْعَةِ جَوَالِقَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ مَا يَبْقَى لَكَ وَلَدٌ، قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي يَأْخُذُهُمْ فِي دَارِ الْفَنَاءِ، وَيَدَّخِرُهُمْ فِي دَارِ الْبَقَاءِ، قَالُوا: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوِ اتَّخَذْتَ امْرَأَةً غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: لَأَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَضَعُنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَرْفَعُنِي، فَقَالُوا: لَوِ اتَّخَذْتَ بِسَاطًا ألْيَنَ مِنْ هَذَا، قَالَ: اللَّهُمَّ غُفْرًا خُذْ مِمَّا خَوَّلْتَ مَا بَدَا لَكَ، وَقِيلَ لَهُ: لَوِ اتَّخَذْتَ ضَيْعَةً كَمَا اتَّخَذَ فُلَانٌ
стр. 320
وَفُلَانٌ، قَالَ: مَا أَصْنَعُ بَأَنْ أَكُونَ أَمِيرًا، وَإِنَّمَا يَكْفِينِي كُلَّ يَوْمٍ شَرْبَةٌ مِنْ مَاءٍ أَوْ لَبَنٍ، وَفِي الْجُمُعَةِ كَفَّانِ مِنْ قَمْحٍ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى تَوَاضُعِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ» وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَبِي ذَرٍّ «أَشْبَهُ النَّاسِ بِعِيسَى نُسُكًا وَزُهْدًا»
следующие страницы →