Полный текст (1 332 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فَصْلٌ
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: مَاتَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ﵁، سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَمَاتَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَائِشَةُ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ ﵁.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ فِي آخِرِ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ ﵁، وَكَانَ لَهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً، قَالَ: وَكَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ إِلَى مُعَاوِيَةَ ﵁، يُخْبِرُهُ بِمَوْتِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ انْظُرْ مَنْ تَرَكَ فَادْفَعْ إِلَى وَرَثَتِهِ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَحْسِنْ جِوَارَهُمْ وَافْعَلْ إِلَيْهِمْ مَعْرُوفًا، فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ نَصَرَ عُثْمَانَ ﵁، وَكَانَ مَعَهُ فِي الدَّارِ.
стр. 527
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَلَا تَسْأَلُنِي مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَسْأَلُنِي أَصْحَابُكَ؟» ، قُلْتُ: أَسْأَلُكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، فَنَزَعَ نَمِرَةً عَنْ ظَهْرِهِ فَبَسَطَهَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَحَدَّثَنِي حَتَّى إِذَا اسْتَوْعَبْتُ حَدِيثَهُ، قَالَ: «اجْمَعْهَا فَضُمَّهَا إِلَيْكَ» ، فَأَصْبَحْتُ لَا أُسْقِطُ حَرْفًا مِمَّا حَدَّثَنِيهِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِتَمَرَاتٍ، قُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، فَدَعَا، وَقَالَ: «خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدٍ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأَدْخِلْ يَدَكَ وَلَا تَنْثُرْ نَثْرًا» .
قَالَ: فَجَهَّزْتُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا وَسَقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُنَّا نَأْكُلُ مِنْهُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ حِقْوِي حَيْثُمَا ذَهَبْتُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ، يَوْمَ عُثْمَانَ
стр. 528
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، انْقَطَعَ وَذَهَبَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفِ مَرَّةٍ وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ دِيَتِهِ أَوْ قَالَ: دِيَتِي.
ذِكْرُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁
مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ أَنْصَارِيٌّ، عَقَبِيٌّ، بَدْرِيٌّ شَجَرِيٌّ، نَقِيبٌ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، شَهِدَ الْبَيْعَتَيْنِ، الْبَيْعَةَ الْأُولَى: حِينَ بَايَعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ
стр. 529
وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ يَقُولُوا الْحَقَّ، لَا يَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَالْبَيْعَةَ الثَّانِيَةَ: حِينَ بَايَعَهُمْ عَلَى ضَرْبِ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ، وَضَمِنَ لَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ يُعَلِّمُ أَهْلَ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ.
وَقِيلَ: بَعَثَهُ عُمَرُ ﵁، إِلَى الشَّامِ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ.
تُوُفِّيَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ بِالرَّمْلَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
стр. 530
ذِكْرُ عَبَّادِ بْنِ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ ﵁
مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ﵁، أَنْصَارِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَهُوَ الَّذِي أَضَاءَ لَهُ الْعَصَا فِي اللَّيْلِ فَمَشَى فِي ضَوْئِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِهِ، وَتَهَجَّدَ عَبَّادٌ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، هَذَا صَوْتُ عَبَّادٍ» ، قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا» .
стр. 531
ذِكْرُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ ﵁
مُهَاجِرِيٌّ أَوَّلِيٌّ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ، كَانَ مِنْ نُسَّاكِ الْمُهَاجِرِينَ، يَقُومُ اللَّيْلَ، وَيَصُومُ النَّهَارَ، امْتُحِنَ فِي اللَّهِ بِمَكَّةَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى مَنْ تَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَبَائِلِهِمْ، فَكَانَتْ فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ، وَزِلْزَالٌ شَدِيدٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنِ افْتُتِنَ، فَلَمَّا فُعِلَ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ، أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْخُرُوجِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَخَرَجُوا وَأَمِيرُهُمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ سُجُودَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِمَكَّةَ، وَسَمِعُوا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ آمَنُوا، أَقْبَلُوا إِلَى مَكَّةَ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ إِلَّا بِجِوَارٍ، فَأَجَارَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، فَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ مَا لَقِيَ أَصْحَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْرِضُ
стр. 532
لَهُ، اسْتَحَبَّ الْبَلَاءَ عَلَى الْعَافِيَةِ، فَقَالَ: أَمَّا مَنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ فَهُوَ مُبْتَلًى خَائِفٌ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي عَهْدِ الشَّيْطَانِ وَأَوْلِيَائِهِ فَهُوَ مُعَافًي.
فَأَتَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ الْوَلِيدَ فَقَالَ: يَا عَمُّ، قَدْ أَجَرْتَنِي وَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُخْرِجَنِي إِلَى عَشِيرَتِكَ، فَتَتَبَرَّأَ مِنْ ذِمَّتِي بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: لَعَلَّ أَحَدًا آذَاكَ أَوْ شَتَمَكَ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا اعْتَرَضَ لِي أَحَدٌ، فَلَمَّا أَبَى عُثْمَانُ أَخْرَجَهُ الْوَلِيدُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقُرَيْشٌ فِيهِ أَحْفَلُ مَا كَانُوا، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ يُنْشِدُهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي وَحَمَلَنِي عَلَى أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْهُ مِنْ جِوَارِهِ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي مِنْهُ بَرِئٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ.
قَالَ: صَدَقَ، أَنَا وَاللَّهِ أَكْرَهْتُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مِنِّي بَرِئٌ، ثُمَّ جَلَسْنَا وَلَبِيدُ يُنْشِدُهُمْ فَقَالَ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
فَقَالَ عُثْمَانُ: صَدَقْتَ.
ثُمَّ قَالَ: وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
فَقَالَ عُثْمَانُ: كَذِبْتَ، فَأَمْسَكَتِ الْقَوْمُ وَلَمْ يَدْرُوا مَا أَرَادَ بِكَلِمَتِهِ، ثُمَّ عَادَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مِثْلَ كَلِمَتِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا ذَكَرَ أَنّ كُلَّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ، كَذَّبَهُ لِأَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ، فَلَطَمَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَيْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَاخْضَرَّتْ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: كُنْتَ عَنِ الَّذِي لَقِيَتْ عَيْنُكَ غَنِيًّا، فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلْ كُنْتُ إِلَى الَّذِي لَقِيَتْ عَيْنِي فَقِيرًا، وَلِي فِيمَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكُمْ أُسْوَةٌ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: إِنْ شِئْتَ أَجَرْتُكَ ثَانِيًا، فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا أَرَبَ لِي فِي جِوَارِكَ.
стр. 533
وَقَالَ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ: فَقَالَ لَبِيدٌ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا كَانَ يُؤذَى جَلِيسُكُمْ فَمَتَى حُدِّثْتُ فِيكُمْ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ هَذَا سَفِيهٌ فِي سُفَهَاءَ مَعَهُ، قَدْ فَارَقُوا دِينَنَا، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عُثْمَانُ حَتَّى شَرَى أَمْرُهُمَا، فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَلَطَمَ عَيْنَهُ فَخَضَّرَهَا، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَرِيبٌ يَرَى، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا ابْنَ أَخِي، إِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ عَمَّا أَصَابَهَا لَغَنِيَّةً، وَكُنْتَ فِي ذِمَّةٍ مَنِيعَةٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ إِنَّ عَيْنِي الصَّحِيحَةَ لَفَقِيرَةٌ إِلَى مَا أَصَابَ أُخْتَهَا فِي اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ تَكُ عَيْنِي فِي رِضَى الرَّبِّ نَالَهَا ... يَدَا مُلْحِدٍ فِي الدِّينِ لَيْسَ بِمُهْتَدِي
فَقَدْ عَوَّضَ الرَّحْمَنُ مِنْهَا ثَوَابَهُ ... وَمَنْ يَرْضَهُ الرَّحْمَنُ يَا قَوْمِ يَسْعَدِ
فَإِنِّي وَإِنْ قُلْتُمْ: غَوِيٌّ مُضَلَّلُ ... سَفِيهٌ عَلَى دِينِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
أُرِيدُ بِذَاكَ اللَّهَ، وَالْحَقَّ دِينَنَا ... عَلَى رَغْمِ مَنْ يَبْغِي عَلَيْنَا وَيَعْتَدِي
وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ مَا فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْبَلَاءِ وَهُوَ يَغْدُو وَيَرُوحُ فِي أَمَانٍ مِنَ الْوَلِيدِ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ غُدُوِّي وَرَوَاحِي آمِنًا بِجِوَارِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَأَهْلُ دِينِي يَلْقَوْنَ مِنَ الْأَذَى وَالْبَلَاءِ مَا لَا يُصِيبُنِي لَنَقْصٍ كَبِيرٌ فِي نَفْسِي، فَمَشَى إِلَى الْوَلِيدِ فَرَدَّ إِلَيْهِ جِوَارَهُ.
стр. 534
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ حِينَ مَاتَ عَلَى خَدِّهِ.
وَقَالَتْ أُمُّ الْعَلَاءِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَذَلِكَ حِينَ مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ، تَعْنِي فِي النَّوْمِ، عَيْنًا تَجْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَاكَ عَمَلُهُ»
стр. 535
وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَتْ رُقَيَّةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَقِي بِسَلَفِنَا الصَّالِحِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «بِسَلَفِنَا الْخَيْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ» وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ، انْكَبَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ حَنَى الثَّانِيَةَ، ثُمَّ حَنَى الثَّالِثَةَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَلَهُ شَهِيقٌ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ عَنْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَقَدْ خَرَجْتَ مِنْهَا وَلَمْ تَلْتَمِسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا عُثْمَانُ: «مَا أَصَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا أَصَابَتْ مِنْكَ» قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ.
стр. 536
ذِكْرُ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄
كَانَ دَلِيلَهُ وَدَلِيلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَاجَرَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ.
قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: رَأَيْتُهُ لَمَّا قُتِلَ رُفِعَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ مِنْ دُونِهِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمُشْرِكِينَ الْتَمَسُوا جَسَدَهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَيَرَوْنَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ دَفَنَتْهُ، أَوْ قَالَ: رَفَعَتْهُ.
стр. 537
ذِكْرُ أَبِي الدَّرْدَاءِ عُوَيْمِرِ بْنِ عَامِرٍ ﵁
وَقِيلَ: عُوَيْمِرُ بْنُ قَيْسِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُمَيْرَةَ الزُّبَيْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الْمَوْتُ قِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَوْصِنَا، قَالَ: أَجْلِسُونِي، إِنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ مَكَانَهُمَا مَنِ ابْتَغَاهُمَا وَجَدَهُمَا، فَالْتَمِسُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَرَبْعَةِ رَهْطٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعِنْدَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵃.
وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنَ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [الإسراء: ١٠٧] وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَشْفُونَ مِنَ الدَّاءِ.
стр. 538
وَقَالَ سُفْيَانُ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَجْتَهِدُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابِي سَبَقُونِي، وَلَمْ يَكُنْ شَهِدَ بَدْرًا.
وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، إِذَا حَدَّثَ بِالْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَزِعَ قَلْبُهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِلَّا هَكَذَا فَكَشَكْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ مِنْ كَلَامِهِ وَمَوَاعِظِهِ
رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: إِنَّمَا أَخْشَى مِنْ رَبِّي أَنْ يَدْعُونِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ فيَقُولُ: يَا عُوَيْمِرُ، فَأَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، فيَقُولُ: مَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁: أَوْصِنِي، فَقَالَ: اذْكُرِ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ يَذْكُرُكَ فِي الضَّرَّاءِ، وَإِذَا أَشْرَفَتْ نَفْسُكَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَانْظُرْ إِلَى مَا يَصِيرُ.
стр. 539
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁، تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ.
وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ قُبَّةً مِنْ آدَمَ، وَمَرْجًا أَخْضَرَ، وَحَوْلَ الْقُبَّةِ غَنَمٌ رَبُوضٌ، تَجْتَرُّ وَتَرْعَى الْعَجْوَةَ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذِهِ الْقُبَّةُ؟ قِيلَ: لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَانْتَظَرْنَا حَتَّى خَرَجَ فَقَالَ: يَا عَوْفُ، هَذَا الَّذِي أَعْطَانَا اللَّهُ بِالْقُرْآنِ، وَلَوْ أَشْرَفْتَ عَلَى هَذِهِ الْبَنِيَّةِ لَرَأَيْتَ مَا لَمْ تَرَ عَيْنُكَ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِكَ، أَعَدَّهُ اللَّهُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ لِأَنَّهُ كَانَ يَدْفَعُ الدُّنْيَا بِالرَّاحَتَيْنِ وَالنَّحْرِ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: إِنَّكَ لَا تَفْقَهُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى تَمْقُتَ النَّاسَ فِي جَنْبِ اللَّهِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى نَفْسِكَ، فَتَكُونَ لَهَا أَشَدُّ مَقْتًا مِنْكَ لِلنَّاسِ.
وَقَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَعَلَّمَهُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ يَعْلَمُ وَلَا يَعْمَلُ، سَبْعَ مَرَّاتٍ.
وَقَالَ: ابْنَ آدَمَ عَلَيْكَ نَفْسَكَ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعْ مَا يُرَى فِي النَّاسِ يَطُلْ حُزْنُهُ وَلَا يُشْفَ غَيْظُهُ.
стр. 540
وَقَالَ: لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا أَحْبَبْتُمْ خِيَارَكُمْ.
وَقَالَ: اعْبُدُوا اللَّهَ كَأَنَّكُمْ تَرَوْنَهُ، وَعُدُّوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْمَوْتَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ قَلِيلًا يُغْنِيكُمْ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُلْهِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِرَّ لَا يَبْلَى وَالْإِثْمَ لَا يُنْسَى.
وَقَالَ: حَبَّذَا الْمَكْرُوهَانِ: الْفَقْرُ وَالْمَوْتُ.
وَقَالَ: لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، وَلَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ وَيَكْثُرَ عِلْمُكَ، وَأَنْ تُبَارِي النَّاسَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ، إِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللَّهَ، وَإِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ.
فَصْلٌ
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ فَقِيهًا، عَابِدًا قَارِئًا، أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ أَوْصَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْخُذُوا الْعِلْمَ عَنْهُمْ.
قِيلَ: كَانَ أَقْنَى أَشْهَلَ، مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ تَاجِرًا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ أَرَادَ الْعِبَادَةَ وَالتِّجَارَةَ، فَلَمْ يَجْتَمِعَا لَهُ، ثُمَّ تَرَكَ التِّجَارَةَ وَآثَرَ الْعِبَادَةَ، وَقَالَ: لَا أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ الْبَيْعَ، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ
стр. 541
أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] .
قِيلَ: فَاتَهُ بَدْرٌ، فَاجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ، فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابِي سَبَقُونِي.
آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَلْمَانَ.
تُوُفِّيَ بِدِمِشْقَ قَبْلَ قَتْلِ عُثْمَانَ ﵁، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ.
فَصْلٌ مِنْ كَلَامِهِ
أَيْضًا رُوِيَ عَنِ الدَّرْدَاءِ ﵁، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَالَكَ لَا تُشْعِرُ وَلَيْسَ رَجُلٌ لَهُ بَيْتٌ فِي الْأَنْصَارِ إِلَّا وَقَدْ قَالَ الشِّعْرَ؟ قَالَ: وَأَنَا قَدْ قُلْتُ فَاسْمَعُوا:
يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا أَرَادَا
يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي ... وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا
رُوِيَ عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ إِذَا كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ ﵁، أَوْ كَتَبَ سَلْمَانُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ كَتَبَ إِلَيْهِ بَآيَةِ
стр. 542
الصُّحْفَةِ، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ بَيْنَا هُمَا يَأْكُلَانِ مِنَ الصُّحْفَةِ فَسَبَّحَتِ الصُّحْفَةُ وَمَا فِيهَا، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَلْعَنَنِي قُلُوبُ الْعُلَمَاءِ، قِيلَ: وَكَيْفَ تَلْعَنُكَ قُلُوبُهُمْ؟ قَالَ: تَكْرَهُنِي.
وَعَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، أَنَّ أَصْحَابًا لِأَبِي الدَّرْدَاءِ يُضَيِّفُوهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ بَاتَ عَلَى لَبَدِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَاتَ عَلَى ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَيْهِمْ، فَعَرَفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ لَنَا دَارًا لَهَا نَجْمَعُ وَإِلَيْهَا نَرْجِعُ.
وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: مَالَكَ لَا تَطْلُبُ لِأَضْيَافِكَ كَمَا يَطْلُبُ غَيْرُكَ لِأَضْيَافِهِمْ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُودًا لَا يُجَاوِزُهَا الْمُثْقَلُونَ» ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: بَيْنَمَا أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁، يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ وَسَلْمَانُ عِنْدَهُ إِذْ سَمِعَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي الْقِدْرِ صَوْتًا، ثُمَّ ارْتَفَعَ الصَّوْتُ بِتَسْبِيحٍ كَهَيْئَةِ صَوْتِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَدَرَتْ فَانْكَفَأَتْ، ثُمَّ
стр. 543
رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا لَمْ يَنْصَبُّ مِنْهَا شَيْءٌ، فَجَعَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُنَادِي: يَا سَلْمَانُ، انْظُرْ إِلَى الْعَجَبِ، انْظُرْ إِلَى مَا لَمْ تَنْظُرْ إِلَى مِثْلِهِ أَنْتَ وَلَا أَبُوكَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ لَسمعت مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْكُبْرَى.
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ شُرَحْبِيلَ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ، ﵁ كَانَ إِذَا رَأَى جِنَازَةً قَالَ: اغْدُوا فَإِنَّا رَائِحُونَ، أَوْ رُوحُوا فَإِنَّا غَادُونَ، مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ، وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ، كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، يَذْهَبُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَيَبْقَى الْآخِرُ لَا حِلْمَ لَهُ.
وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَمَّا احْتُضِرَ جَعَلَ يَقُولُ: مَنْ يَعْمَلْ لِمِثْلِ يَوْمِي هَذَا؟ مَنْ يَعْمَلْ لِمِثْلِ سَاعَتِي هَذِهِ؟ مَنْ يَعْمَلْ لِمِثْلِ مَضْجَعِي هَذَا؟ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] .
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أُحِبُّ الْمَوْتَ اشْتِيَاقًا إِلَى رَبِّي، وَأُحِبُّ الْفَقْرَ تَوَاضُعًا لِرَبِّي، وَأُحِبُّ الْمَرَضَ تَكْفِيرًا لِخَطِيئَتِي.
وَاشْتَكَى أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: أَشْتَكِي ذُنُوبِي، قَالُوا: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: أَشْتَهِي الْجَنَّةَ، قَالُوا: أَفَلَا نَدْعُوا لَكَ طَبِيبًا؟ قَالَ: هُوَ
стр. 544
الَّذِي أَضْجَعَنِي.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁: إِنَّ الَّذِينَ أَلْسِنَتُهُمْ رَطْبَةً بِذِكْرِ اللَّهِ يَدْخُلُ أَحَدُهُمُ الْجَنَّةَ وَهُوَ يَضْحَكُ.
وَقَالَ: هَذِهِ عَادٌ وَقَدْ مَلَأَتْ مَا بَيْنَ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، فَمَنْ يَشْتَرِي مِنِّي تَرِكَةَ آلِ عَادٍ بِدِرْهَمَيْنِ؟ .
وَقَالَ: تُجَدِّدُونَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ خَرَابَهَا، وَهُوَ تَعَالَى غَالِبٌ عَلَى مَا أَرَادَ.
وَقَالَ: مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ قَلَّ فَرَحُهُ وَقَلَّ حَسَدُهُ.
وَقَالَ: مَا بِتُّ لَيْلَةً فَأَصْبَحْتُ لَمْ يَرْمِنِي النَّاسُ فِيهَا بِدَاهِيَةٍ إِلَّا رَأَيْتُ أَنَّ للَّهِ عَلَيَّ فِيهَا نِعْمَةً.
وَقَالَ: إِيَّاكُمْ وَدَعْوَةَ الْيَتِيمِ، وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُمَا تَسْرِيَانِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَظْلِمَهُ مَنْ لَا يَسْتَعِينُ عَلَيَّ إِلَّا بِاللَّهِ .
وَقَالَ: لَوْلَا ثَلَاثُ خِلَالٍ لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَبْقَى فِي الدُّنْيَا، قِيلَ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: لَوْلَا وَضُوعُ وَجْهِي لِلسُّجُودِ لِخَالِقِي فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَظَمَأُ الْهَوَاجِرِ، وَمُقَاعَدَةُ أَقْوَامٍ يَنْتَقُونَ الْكَلَامَ كَمَا تُنْتَقَى الْفَاكِهَةُ.
стр. 545
وَقَالَ: مَا فِي الْمُؤْمِنِ بَضْعَةٌ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ لِسَانِهِ، بِهِ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، وَمَا فِي الْكَافِرِ بَضْعَةٌ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ مِنْ لِسَانِهِ، بِهِ يُدْخِلُهُ النَّارَ.
وَقَالَ: لَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الشَّرَّ أَنْ تَتَّقِيَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ أَنْ تَفْعَلَهُ، قَالَ اللَّهُ : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾ ﴾ [الزلزلة: ٧-٨] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَاشَاذَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُسَرِّحُ بْنُ فِضَالَةَ، عَنْ لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مُعَاتَبَةُ الْأَخِ خَيْرٌ مِنْ فَقْدِهِ، وَمَنْ لَكَ بِأَخِيكَ كُلِّهِ، اعْطِ أَخَاكَ وَكُنْ لَهُ، وَلَا تُطِعْ فِيهِ حَاسِدًا، فَتَكُونُ مِثْلَهُ، غدًا يَأْتِيكَ الْمَوْتُ فَيَكْفِيكَ فَقْدَهُ، كَيْفَ تَبْكِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَفِي الْحَيَاةِ مَا قَدْ تَرَكْتَ فَضْلَهُ» .
стр. 546
ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ السَّلَمِيِّ ﵁
قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَقِيتُهُ بِعُكَاظَ مُسْتَخْفِيًا مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَوَّلِ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا رُبُعُ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ حَتَّى مَضَى بَدْرٌ، وَأُحُدٌ، وَالْخَنْدَقُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَهَا، وَكَانَ قَبْلَ أَنْ أَسْلَمَ يَعْتَزِلُ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَيَرَاهَا ضَلَالَةً.
قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: مَنْ تَبِعَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: «حُرٌّ وَعَبْدٌ» ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَبِلَالًا، ﵄ وَكَانَ يَقُولُ: رَأَيْتُنِي وَأَنَا رُبُعُ الْإِسْلَامِ.
стр. 547
قَالَ: كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَرَى النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَا أَرَى الْأَوْثَانَ شَيْئًا، ثُمَّ سمعت الرِّجَالَ يُخْبِرُونَ أَخْبَارًا بِمَكَّةَ، فَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفٍ وَإِذَا قَوْمُهُ عَلَيْهِ شِدَادٌ، فَتَلَطَّفْتُ لَهُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا أَنْتَ؟ فَقَالَ: «نَبِيٌّ» ، قُلْتُ: مَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللَّهِ» ، قُلْتُ: اللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْئًا، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ» ، قُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ، قَالَ: «إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ يَوْمَكَ هَذَا، وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ، فَإِذَا سمعت بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَالْحَقْ بِي» ، فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي وَقَدْ أَسْلَمْتُ.
ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁
مُهَاجِرِيٌّ، سَهْمِيٌّ، مَكِّيٌّ، خَرَجَ إِلَى الْحَبَشَةِ، فَأَسْلَمَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَعَمُّوهُ، يَعْنِي وَضَعُوا عَلَى فَمِهِ ثَوْبًا لِيَمُوتَ، فَأَفْلَتَ مِنْهُمْ مُجَرَّدًا لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرُهُ، أَيْ: ثَوْبُهُ، فَأَخَذُوا كُلَّ
стр. 548
شَيْءٍ لَهُ، فَاسْتَرْجَعَ النَّجَاشِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمِيعَ مَا أَخَذُوهُ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ.
خَرَجَ هُوَ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ﵃، مُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعَ عَمْرٌو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْهِجَّرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا» .
بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ يَلِي مِصْرَ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ، تُوُفِّيَ بِمِصْرَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ، وَدُفِنَ يَوْمَ الْفِطْرِ.
стр. 549
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ» وَقَالَ: «ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ عَمْرٌو، وَهِشَامٌ» وَقَالَ ﷺ : «نِعْمَ أَهْلُ الْبَيْتِ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ» .
стр. 550
ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ الْأَنْصَارِيِّ ﵁
مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَدُفِنَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «سَيِّدُكُمُ الْجَعْدُ الْأَبْيَضُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ» وَكَانَ أَعْرَجَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَمْشِي بِرِجْلِهِ هَذِهِ صَحِيحَةٍ فِي الْجَنَّةِ»
стр. 551
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ يُولِمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَزَوَّجَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ لَهُ بَنُونَ أَرْبَعَةٌ، يَشْهَدُونَ مَع رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَشَاهِدَ، أَمْثَالُ الْأَسَدِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَرَادُوا حَبْسَهُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَنِيَّ حَبَسُونِي عَنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْخُرُوجِ مَعَكَ فِيهِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ لَا جِهَادَ عَلَيْكَ» ، وَقَالَ لِبَنِيهِ: «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَمْنَعُوهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ» ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ لِبَنِيهِ: مَنَعْتُمُونِيَ الْجَنَّةَ بِبَدْرٍ، وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ﵁، فَلَقِيَهُ فَقَالَ: أَنْتَ الْقَائِلُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا لَقِيَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ عُمَرُ ﵁: لَمْ يَكُنْ لِي هَمٌّ غَيْرَهُ فَطَلَبْتُهُ، فَإِذَا هُوَ فِي الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، يَعْنِي فِي مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ الَّذِينَ لَقَوْا الْكُفَّارَ.
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: أَتَى عَمْرُو بْنُ الَجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 552
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ أَتُرَانِي أَمْشِي بِرِجْلِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ؟ وَكَانَتْ عَرْجَاءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ» ، فَقُتِلَ هُوَ وَابْنُ أُخْتِهِ، يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «كَأَنِّي أَرَاكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةٍ فِي الْجَنَّةِ» قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: جُعِلَ هُوَ وَابْنُ أُخْتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ
أُصَيْرِمُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: حَدِّثُونِي عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةً قَطُّ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ النَّاسُ، فَسَأَلُوهُ مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أُصَيْرِمُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ عَمْرُو
стр. 553
بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ.
قَالَ الْحُصَيْنُ: قُلْتُ لِمَحْمُودٍ: كَيْفَ كَانَ شَأْنُ الْأُصَيْرِمِ؟ قَالَ: كَانَ يَأْبَى الْإِسْلَامَ عَلَى قَوْمِهِ فَأَسْلَمَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدَا لَهُ الْإِسْلَامُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَغَدَا حَتَّى أَتَى الْقَوْمَ، فَرَحَلَ فِي عَرَضِ النَّاسِ فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحُ، فَبَيْنَا رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَلْتَمِسُونَ قَتْلَاهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ إِذَا هُمْ بِهِ، فَقَالُوا: هَذَا أُصَيْرَمٌ مَا جَاءَ بِهِ؟ لَقَدْ تَرَكْنَاهُ وَإِنَّهُ لَمُنْكِرٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ، فَسَأَلُوهُ مَا جَاءَ بِهِ؟ فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكَ يَا عَمْرُو، أَحَدْبًا عَلَى قَوْمِكَ أَمْ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: بَلْ رَغْبَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَخَذْتُ سَيْفِي فَقَاتَلْتُ حَتَّى أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ فِي أَيْدِيهِمْ، فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
стр. 554
ذِكْرُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁
مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللَّهِ.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا ابْنُ مُؤْمِنَيْنِ غَيْرُهُ.
أَسْلَمَ أَبُوهُ يَاسِرٌ وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَكَانَتْ سُمَيَّةُ أَوَّلُ شَهِيدَةٍ فِي الْإِسْلَامِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمَّارٍ: «مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ» وَقَالَ: «مُلِئَ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ» ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ خَاصِرَتَهُ، وَقَالَ: «هَذِهِ خَاصِرَةٌ مُؤْمِنَةٌ» .
стр. 555
فَصْلٌ
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ آدمَ طِوَالًا، بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَمِيرًا إِلَى الْكُوفَةِ، قُتِلَ بِصِفِّينَ، وَهُوَ ابْنُ نَيْفٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ﵁، قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ فَأَخَذَ بِيَدَيَّ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَمَرَّ بِعَمَّارٍ وَأُمِّ عَمَّارٍ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ، فَقَالَ: «صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ»
стр. 556
وَرُوِيَ أَنَّ عَمَّارًا، ﵁، دَعَى بِشَرَابٍ يَوْمَ صِفِّينَ، فَأُتِي بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، الْيَوْمَ أَلْقَى الْأَحِبَّةَ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ آخِرَ شَيْءٍ تَزَوَّدَهُ مِنَ
стр. 557
الدُّنْيَا صُبْحَةُ لَبَنٍ» وَعَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ، قَالَ: كَانَ عَمَّارٌ طَوِيلَ الصَّمْتِ، طَوِيلَ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ، وَكَانَ عَامَّةُ كَلَامِهِ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتْنَةِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، قَالَ: لَمَّا بَنَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ دَارَهُ قَالَ لِعَمَّارٍ: هَلُمَّ انْظُرْ إِلَى مَا بَنَيْتُ، فَانْطَلَقَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: بَنَيْتَ شَدِيدًا، وَأَمَّلْتَ بَعِيدًا، وَتَمُوتُ قَرِيبًا.
стр. 558
ذِكْرُ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁
نَزَلَ الْكُوفَةَ، قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: يُقَالُ لَهُ: الْبَدْرِيُّ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو تُشَبَّهُ تُجَالِيدُهُ بِتَجَالِيدِ عُمَرَ ﵁، تَجَالِيدُهُ: جِسْمُهُ وَشَخْصُهُ.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْغَرِ مَنْ شَهِدَهَا.
стр. 559
ذِكْرُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ الْأَنْصَارِيِّ ﵁
رُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ، وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةَ، وَمَخْلَدَ بْنَ بَكِيرٍ، وَخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ، وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ، إِلَى بَنِي لَحْيَانَ بِالرَّجِيعِ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى اسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا، فَلَمْ يُطِيقُوا قِتَالَهُمْ، فَأَخَذُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَمَانًا إِلَّا عَاصِمًا فَإِنَّهُ أَبَى، وَقَالَ: لَا أَقْبَلُ عَهْدًا مِنْ مُشْرِكٍ، وَدَعَا عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمِي لَكَ الْيَوْمَ دِينَكَ فَاحْمِ لِي لَحْمِي، فَجَعَلَ يُقَاتِلُ وَهُوَ يَقُولُ:
مَا عِلَّتِي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ ... وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عَنَابِلُ
إِنْ لَمْ أُقَاتِلْكُمْ فَأُمِّي هَابِلُ ... الْمَوْتُ حَقٌّ وَالْحَيَاةُ بَاطِلُ
وَكُلُّ مَا حَكَمَ الْإِلَهِ نَازِلُ ... بِالْمَرْءِ وَالْمَرْءُ إِلَيْهِ آيِلُ
стр. 560
فَلَمَّا قَتَلُوهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَذَا الَّذِي آلَتْ فِيهِ الْمَكِّيَّةُ سُلَافَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ، كَانَ عَاصِمٌ قَتَلَ لَهَا يَوْمَ أُحُدٍ ثَلَاثَةَ بَنِينَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ كُلَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ لِوَاءِ قُرَيْشٍ، فَجَعَلَ يَرْمِي وَيَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَقْلَحِ، وَقَالَتْ: لَئِنْ قَدِرَتْ عَلَى رَأْسِهِ لَتَشْرَبَنَّ فِي قُحْفِهِ الْخَمْرَ، فَأَرَادُوا أَنْ يَحْتَزُّوا رَأْسَهُ لَيَذْهَبُوا بِهِ إِلَيْهَا وَيَبِيعُوهُ مِنْهَا، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ رَجْلًا مِنْ دَبْرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَجْتَزُّوا رَأْسَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ ﵀: النَّابِلُ: صَاحِبُ النَّبْلِ، وَالْعُنَابِلُ: الْغَلِيظُ، وَالْهَابِلُ: الَّتِي مَاتَ وَلَدُهَا، وَالْآيِلُ: الرَّاجِعُ، وَآلَتْ: حَلِفَتْ، وَالرَّجْلُ: الْجَمَاعَةُ، وَالدَّبْرُ: الزَّنَابِيرُ.
وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ، قَالُوا: كَانُوا سِتَّةً، فَلَمَّا قَتَلُوا عَاصِمًا وَحَالَ الدَّبْرُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، قَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِي، فَيَذْهَبَ عَنْهُ ثُمَّ
стр. 561
نَأْخُذَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِي يَعْنِي أَرْسَلَ السَّيْلَ، فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا فَانْطَلَقَ بِهِ، وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّ مُشْرِكًا وَلَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ تَنَجُّسًا مِنْهُمْ.
ذِكْرُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ ﵁
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: هُوَ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ قُرَيْشٍ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ فَأَقَامَ مَعَهُ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا.
стр. 562
قَالُوا: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَصَّرَ الْبَصْرَةَ.
كَتَبَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ إِلَى عُمَرَ ﵁: إِنِّي نَزَلْتُ أَرْضَ بَصْرَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي، فَاثْبُتْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي، فَبَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ مُعَلِّمًا وَأَمِيرًا، فَغَزَا الْأُبُلَّةَ.
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ عُمَيْرٍ: وَشُوَيْشُ الْعَدُوِّ بِأَنْ قَالَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا إِلَى أَقْصَى أَرْضِ الْعَرَبِ، وَأَدْنَى أَرْضِ الْعَجَمِ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْمِرْبَدَ وَلَا مِرْبَدَ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا هِيَ الْحِجَارَةُ الْبِيضُ الْكِذَانُ، قَالَ: هَاهُنَا أُمِرْتُمْ.
قَالَ: وَجَاءَ صَاحِبُ الْفُرَاتِ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفٍ فَقَالَ: مَا هُمْ إِلَّا مَا أَرَى، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا غَيْرُ صَاحِبِ الْفُرَاتِ، وَرُفِعَ لِعُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ مِنْبَرٌ، فَقَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَذِنَتْ بِصَرْمٍ وَوَلَّتْ حَذَّاءً، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صَبَابَةٌ كَصَبَابَةِ الْإِنَاءِ، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ قَرَارٍ، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَهُوَ
стр. 563
كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَخْرَةً لَوْ هَوَتْ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ هَوَتْ سَبْعِينَ خَرِيفًا، أَفَعَجِبْتُمْ لتملأن، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَإِنِّي لَسَابِعُ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرَحَتْ أَشْدَاقُنَا، وَأَصَبْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَمَا مِنْ أُولَئِكَ السَّبْعَةِ إِلَّا أَمِيرٌ عَلَى مِصْرٍ، أَلَا وَإِنَّكُمْ سَتُجَرِّبُونَ الْأُمَرَاءَ بَعْدِي.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا، وَفِي أَنْفُسِ النَّاسِ صَغِيرًا، وَسَتُجَرِّبُونَ الْأُمَرَاءَ بَعْدِي.
قَالَ الْحَسَنُ: فَجَرَّبْنَاهُمْ فَوَجَدْنَاهُمْ أَنْتَانًا.
قَالَ الشَّيْخُ ﵀: الْحَذَّاءُ: السَّرِيعَةُ، وَالصَّبَابَةُ: الْبَقِيَّةُ، وَالْمَصْرَعَانِ: زَوْجَانِ مِنَ الْباب، وَالْكَظِيظُ: الْمُمْتَلِئُ، وَهَوَتْ: سَقَطَتْ، وَالْكَذَّانُ: الْحِجَارَةُ الرِّخْوَةُ.
стр. 564
ذِكْرُ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ ﵁
نَزَلَ الشَّامَ، قَالَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ: اسْتَكْسَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَسَانِي خَيْشَتَيْنِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَلْبِسُهُمَا وَأَنَا أَكَسَى أَصْحَابِي.
قَالَ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ: كَانَ عُتْبَةُ يَقُولُ: عِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ خَيْرٌ مِنِّي، وَيَقُولُ عِرْبَاضُ: عُتْبَةُ خَيْرٌ مِنِّي، سَبَقَنِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَةٍ.
стр. 565
ذِكْرُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُطَّلِبِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ ﵁
رُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: قِيلَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ﵁: أَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي، وَوُلِدْتُ أَنَا قَبْلَهُ.
وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ وَأَسْلَمَ الْعَبَّاسُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَهَابُ قَوْمَهُ، فَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ
следующие страницы →