Полный текст (1 332 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
نَأْخُذَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِي يَعْنِي أَرْسَلَ السَّيْلَ، فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا فَانْطَلَقَ بِهِ، وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّ مُشْرِكًا وَلَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ تَنَجُّسًا مِنْهُمْ.
ذِكْرُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ ﵁
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: هُوَ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ قُرَيْشٍ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ فَأَقَامَ مَعَهُ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا.
стр. 562
قَالُوا: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَصَّرَ الْبَصْرَةَ.
كَتَبَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ إِلَى عُمَرَ ﵁: إِنِّي نَزَلْتُ أَرْضَ بَصْرَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي، فَاثْبُتْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي، فَبَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ مُعَلِّمًا وَأَمِيرًا، فَغَزَا الْأُبُلَّةَ.
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ عُمَيْرٍ: وَشُوَيْشُ الْعَدُوِّ بِأَنْ قَالَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا إِلَى أَقْصَى أَرْضِ الْعَرَبِ، وَأَدْنَى أَرْضِ الْعَجَمِ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْمِرْبَدَ وَلَا مِرْبَدَ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا هِيَ الْحِجَارَةُ الْبِيضُ الْكِذَانُ، قَالَ: هَاهُنَا أُمِرْتُمْ.
قَالَ: وَجَاءَ صَاحِبُ الْفُرَاتِ فِي أَرْبَعَةِ أَلْفٍ فَقَالَ: مَا هُمْ إِلَّا مَا أَرَى، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا غَيْرُ صَاحِبِ الْفُرَاتِ، وَرُفِعَ لِعُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ مِنْبَرٌ، فَقَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَذِنَتْ بِصَرْمٍ وَوَلَّتْ حَذَّاءً، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صَبَابَةٌ كَصَبَابَةِ الْإِنَاءِ، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ قَرَارٍ، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَهُوَ
стр. 563
كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَخْرَةً لَوْ هَوَتْ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ هَوَتْ سَبْعِينَ خَرِيفًا، أَفَعَجِبْتُمْ لتملأن، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَإِنِّي لَسَابِعُ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرَحَتْ أَشْدَاقُنَا، وَأَصَبْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَمَا مِنْ أُولَئِكَ السَّبْعَةِ إِلَّا أَمِيرٌ عَلَى مِصْرٍ، أَلَا وَإِنَّكُمْ سَتُجَرِّبُونَ الْأُمَرَاءَ بَعْدِي.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا، وَفِي أَنْفُسِ النَّاسِ صَغِيرًا، وَسَتُجَرِّبُونَ الْأُمَرَاءَ بَعْدِي.
قَالَ الْحَسَنُ: فَجَرَّبْنَاهُمْ فَوَجَدْنَاهُمْ أَنْتَانًا.
قَالَ الشَّيْخُ ﵀: الْحَذَّاءُ: السَّرِيعَةُ، وَالصَّبَابَةُ: الْبَقِيَّةُ، وَالْمَصْرَعَانِ: زَوْجَانِ مِنَ الْباب، وَالْكَظِيظُ: الْمُمْتَلِئُ، وَهَوَتْ: سَقَطَتْ، وَالْكَذَّانُ: الْحِجَارَةُ الرِّخْوَةُ.
стр. 564
ذِكْرُ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ ﵁
نَزَلَ الشَّامَ، قَالَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ: اسْتَكْسَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَسَانِي خَيْشَتَيْنِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَلْبِسُهُمَا وَأَنَا أَكَسَى أَصْحَابِي.
قَالَ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ: كَانَ عُتْبَةُ يَقُولُ: عِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ خَيْرٌ مِنِّي، وَيَقُولُ عِرْبَاضُ: عُتْبَةُ خَيْرٌ مِنِّي، سَبَقَنِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَةٍ.
стр. 565
ذِكْرُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُطَّلِبِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ ﵁
رُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: قِيلَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ﵁: أَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي، وَوُلِدْتُ أَنَا قَبْلَهُ.
وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ وَأَسْلَمَ الْعَبَّاسُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَهَابُ قَوْمَهُ، فَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ
стр. 566
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵁، أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: «مَنْ لَقِيَ مِنْكُمُ الْعَبَّاسَ فَلْيَكُفَّ عَنْهُ فَإِنَّهُ أُخْرِجَ مُسَتْكَرَهًا» وَعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، كَانَ إِذَا قَحَطُوا يَسْتَسْقِي بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بَنَبِيِّنَا، فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، مَرَّ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا دَمٌ يَسِيلُ مِنْ مِثْعَبٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: فِرَاخٌ ذُبِحَتْ
стр. 567
لِلْعَبَّاسِ، فَقَلَعَ الْمِثْعَبَ، فَأَتَاهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: عَمَدْتَ إِلَى مِثْعَبٍ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فَقَلَعْتَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ وَاللَّهِ لَا يَكُونُ لَكَ إِلَى إِصْلَاحِهِ سُلَّمٌ غَيْرِي، قَالَ: فَانْحَنَى عُمَرُ لِلْعَبَّاسِ حَتَّى أَصْلَحَهُ.
فَصْلٌ
أخبرنا الْمُطَهَّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيِّعُ، فِي كِتَابِهِ، أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ فِي أَبٍ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَطَمَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَاءَ قَوْمَهُ فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَلْطِمَنَّهُ كَمَا لَطَمَكَ، فَلَبِسُوا السِّلَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ؟» ، قَالُوا: أَنْتَ، قَالَ: «فَإِنَّ الْعَبَّاسَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، لَا تَسُبُّوا أَمْوَاتَنَا فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا» ، قَالَ: فَجَاءَ الْقَوْمُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا
стр. 568
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حدثنا أخبرنا مَعْمَرٌ، قَالَ: سمعت ثَابِتًا يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: " لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ قَالَ حَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالًا، وَلِي بِهَا أَهْلٌ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَهُمْ، فَأَنَا فِي حِلٍّ إِنْ أَنَا نِلْتُ مِنْكَ أَوْ قُلْتُ شَيْئًا، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ، قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ حِينَ قَدِمَ، فَقَالَ: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ غَنَائِمِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا وَأُوصِيَتْ أَمْوَالُهُمْ، فَفَشَا ذَلِكَ بِمَكَّةَ فَانْقَمَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ فَرَحًا وَسُرُورًا، فَبَلَغَ الْخَبَرَ عَبَّاسًا ﵁، فَعَقَرَ وَجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ "، قَالَ مَعْمَرٌ: فَأخبرني عُثْمَانُ الْجَزَرِيُّ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: فَأَخَذَ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: قُثَمُ فَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
حُبِّي قَثَمْ شَبِيهٌ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَمْ
نَبِيُّ ذِي النِّعَمِ بِرَغْمِ مَنْ زَعَمْ
قَالَ ثَابِتٌ: قَالَ أَنَسٌ: ثُمَّ أَرْسَلَ غُلَامًا إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ، فَقَالَ: وَيْلَكَ مَاذَا جِئْتَ بِهِ؟ وَمَا تَقُولُ؟ وَمَا وَعَدَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ، فَقَالَ
стр. 569
الْحَجَّاجُ: اقْرَأْ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: فَلْيُخْلِ لِي بَعْضَ بُيُوتِهِ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يُسُرُّهُ، فَجَاءَ غُلَامُهُ، فَلَمَّا أَنْ بَلَغَ الدَّارِ، قَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا الْفَضْلِ، قَالَ: فَوَثَبَ الْعَبَّاسُ حَتَّى قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَأَخْبَرَهُ، بِمَا قَالَ الْحَجَّاجُ فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَهُ فَرَدَّ اللَّهُ الْكَآبَةَ الَّتِي كَانَتْ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ وَمَنْ كَانَ دَخَلَ بَيْتَهُ كَئِيبًا
ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِهِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: «مَنْ لَقِيَ مِنْكُمُ الْعَبَّاسَ فَلْيَكُفَّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مُسْتَكْرَهًا»
ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: ابْنَ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ، وَكُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ وَأَسْلَمَ الْعَبَّاسُ، فَذَكَرَ قِصَّتَهُ وَذُكِرَ فِيهِ، قَالَ: فَدَفَعَ أَبُو لَهَبٍ.
قَالَ الشَّيْخُ:
стр. 570
هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مُسْتَوْفًا، ذَكَرْنَاهُ بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ
عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " احْفَظُونِي فِي الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ عَمِّي وَصَفْوَتِي
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبْدَةَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ لَا يَعْرِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَقِينَا رَجُلًا بِالْأَبْطَحِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْهُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: وَكَانَ الْعَبَّاسُ يَخْتَلِفُ إِلَيْنَا بِالتِّجَارَةِ، وَكُنَّا نَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُنَا، فَقَالَ: هُوَ الرَّجُلُ الْجَالِسُ مَعَهُ الْآنَ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلْنَا فَإِذَا الْعَبَّاسُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ، فَسَلَّمْنَا وَجَلَسْنَا، فَسَأَلْنَا الْعَبَّاسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ هَذَانِ يَا عَبَّاسُ؟» ، فَقَالَ: هَذَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَهَذَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّاعِرُ» .
ثُمَّ وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَقَبَةَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَاجْتَمَعْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ
стр. 571
سَبْعُونَ رَجُلًا، وَامْرَأَتَانِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْعَبَّاسُ مَعَهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، حَتَّى جَلَسْنَا، فَبَدَأَ الْعَبَّاسُ بِالْكَلَامِ، فَقَالَ: يَا بَنِي الْخَزْرَجِ إِنَّ مُحَمَّدًا هَذَا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَإِنَّهُ فِي حِرْزٍ وَمَنَعَةٍ فِي دَارِهِ وَقَوْمِهِ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِمَّنْ رَابَهُ فَلَا يَخْلُصْ إِلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَقَدْ أَبَى إِلَّا الِانْقِطَاعَ إِلَيْكُمْ لَمَّا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُحِسُّونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَهْنًا، أَوْ ضَعْفًا، أَوْ خُذْلَانًا فَالآنَ، فَدَعُوهُ فِي قَوْمِهِ فَإِنَّهُ فِي مَنَعَةٍ "
ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشُّعَيْثِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بَدَلٍ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ أَجْمَعُونَ إِلَّا الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ «فَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمُ بِقَبْضَةٍ مِنَ الْأَرْضِ» .
فَانْهَزَمْنَا، فَمَا يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّا نَمُرُّ بِشَجَرَةٍ، وَلَا حَجَرٍ، إِلَّا وَهُوَ فِي آثَارِنَا
стр. 572
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ انْتَهَى إِلَى الْمَدِينَةِ: «يَا عَبَّاسُ، افْدِ نَفْسَكَ، وَابْنَيْ أَخِيكَ عَقِيلِ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ، وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو فَإِنَّكَ ذُو مَالٍ» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا وَلَكِنَّ الْقَوْمَ اسْتَكْرَهُونِي، فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ، إِنْ يَكُنْ مَا تَذْكُرُ حَقًّا فَاللَّهُ يَجْزِيكَ بِهِ، فَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا فَافْدِ نَفْسَكَ» ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ عِشْرِينَ أَوْقِيَةً مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْسِبْهَا لِي فِي فِدَايَ، قَالَ: «لَا، ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَاهُ اللَّهُ مِنْكَ» ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ لِي مَالٌ.
قَالَ: " فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي وَضَعْتَهُ بِمَكَّةَ حَيْثُ خَرَجْتَ عِنْدَ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ لَيْسَ مَعَكُمَا أَحَدٌ؟ ثُمَّ قُلْتَ لَهَا: إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي هَذَا فَلِلْفَضْلِ كَذَا وَكَذَا، وَلِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا، وَلِقُثَمَ كَذَا وَكَذَا، وَلِعُبَيْدِ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا "، قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عَلِمَ هَذَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهَا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَفَدَى الْعَبَّاسُ نَفْسَهُ، وَابْنَيْ أَخِيهِ، وَحَلِيفَهُ
وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ﵁، قَالَ: لَمَّا أَمْسَى الْقَوْمُ مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ وَالأُسَارَى مَحْبُوسِينَ فِي الْوِثَاقِ، بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاهِرًا أَوَّلَ
стр. 573
لَيْلَةٍ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالَكَ لَا تَنَامُ؟ قَالَ: «تَضَوَّرَ الْعَبَّاسِ فِي وَثَاقِهِ» .
فَقَامُوا إِلَى الْعَبَّاسِ فَأَطْلَقُوهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كُنْتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ دَخَلْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ وَأَسْلَمْتُ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ يَهَابُ قَوْمَهُ وَيَكْرَهُ أَنْ يُخَالِفَ، وَكَانَ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرِّقٍ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ مُصَابِ أَصْحَابِ بَدْرٍ كَبَتَهُ اللَّهُ وَأَخْذَاهُ، وَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا قُوَّةً وَعِزًّا، وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، وَكُنْتُ أَعْمَلُ الْقِدَاحَ أَنْحَتُهَا فِي حُجْرَةِ زَمْزَمَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَجَالِسٌ فِيهَا أَنْحَتُ الْقِدَاحَ، وَعِنْدِي أُمُّ الْفَضْلِ جَالِسَةٌ وَقَدْ سَرَّنَا مَا جَاءَنَا مِنَ الْخَبَرِ،
стр. 574
إِذْ أَقْبَلَ الْفَاسِقُ أَبُو لَهَبٍ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ بِشَرٍّ حَتَّى جَلَسَ عَلَى طُنُبِ الْحُجْرَةِ، وَكَانَ ظَهْرُهُ إِلَى ظَهْرِي، فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ إِذْ قَالَ النَّاسُ: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ قَدْ قَدِمَ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ أَخِي مَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَالنَّاسُ قِيَامٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، أخبرني كَيْفَ كَانَ أَمْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ، وَاللَّهِ إنْ كَانَ إِلَّا أَنْ لَقِينَاهُمْ، فَمَنَحْنَاهُمْ أَكْتَافَنَا يَقْتُلُونَنَا وَيَأْسِرُونَ كَيْفَ شَاءُوا، وَايْمُ اللَّهِ مَعَ ذَلِكَ مَا لُمْتُ النَّاسَ، لَقِينَا رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلُقٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا تُلِيقُ شَيْئًا وَلَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَرَفَعْتُ طُنُبَ الْحُجْرَةِ بِيَدَيَّ ثُمَّ قُلْتُ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ، قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو لَهَبٍ يَدَهُ، فَضَرَبَ وَجْهِي ضَرْبَةً شَدِيدَةً، قَالَ: فَثَاوَرْتُهُ فَاحْتَمَلَنِي فَضَرَبَ بِيَ الْأَرْضَ، ثُمَّ بَرَكَ عَلَيَّ يَضْرِبُنِي، وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، فَقَامَتْ أُمُّ الْفَضْلِ إِلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِ الْحُجْرَةِ فَأَخَذَتْهُ فَضَرَبَتْهُ ضَرْبَةً، فَفَلَقَتْ رَأْسَهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، وَقَالَتْ: تَسْتَضْعِفُهُ أَنْ غَابَ عَنْهُ سَيِّدُهُ، فَقَامَ مُوَلِّيًا ذَلِيلا فَوَاللَّهِ مَا عَاشَ إِلَّا سَبْعَ لَيَالٍ حَتَّى رَمَاهُ بِالْعَدَسَةِ فَقَتَلَتْهُ، فَلَقَدْ تَرَكَهُ ابْنَاهُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مَا يَدْفِنَانِهِ حَتَّى أَنْتَنَ فِي بَيْتِهِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَتَّقِي الْعَدَسَةَ وَعَدْوَاهَا كَمَا يَتَّقِي النَّاسُ
стр. 575
الطَّاعُونَ، حَتَّى قَالَ لَهُمَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: وَيْحَكُمَا أَلَا تَسْتَحْيَانِ إِنَّ أَبَاكُمَا قَدْ أَنْتَنَ فِي بَيْتِهِ لَا تُغَيِّبَانِهِ؟ فَقَالَا: إِنَّا نَخْشَى هَذِهِ الْقُرْحَةَ.
قَالَ: فَانْطَلِقَا فَأَنَا مَعَكُمَا، فَمَا غَسَّلُوهُ إِلَّا قَذْفًا بِالْمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ مَا يَمَسُّونَهُ، ثُمَّ احْتَمَلُوهُ، فَدَفَنُوهُ بِأَعْلَى مَكَّةَ إِلَى جِدَارٍ، وَقَذَفُوا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ حَتَّى وَارَوْهُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ: «إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ أُخْرِجُوا كَرْهًا فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ فَلَا يَقْتُلْهُ، فَإِنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا» .
فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَقْتُلُ آبَاءَنَا، وَأَبْنَاءَنَا، وَإِخْوَانَنَا، وَعَشِيرَتَنَا، وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ؟ وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِينَاهُ لِأُلْحِمَنَّهُ السَّيْفَ، فَبَلَغَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: " يَا أَبَا حَفْصٍ، أَمَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ أَبِي حُذَيْفَةَ يَقُولُ: أَضْرِبُ وَجْهَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ "، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلأَضْرِبُ عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ نَافَقَ، قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَوَّلُ يَوْمٍ كَنَانِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي حَفْصٍ، قَالَ: فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ، يَقُولُ: مَا أَنَا بِآمِنٍ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قُلْتُ يَوْمَئِذٍ، وَأَنَا لَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا إِلَّا أَنْ تُكَفِّرَهَا عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا
стр. 576
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: وَإِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ أَكَفَّ الْقَوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ، كَانَ لَا يُؤْذِيهِ، وَلَا يَبْلُغُهُ عَنْهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَكَانَ مِمَّنْ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: مَاتَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَجَلَسَ عُثْمَانُ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى دُفِنَ.
ذِكْرُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيِّ ﵁
أُصِيبَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ، النَّبِيُّ يَجِئُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا الرَّجُلُ، وَيَجِئُ الْآخَرُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا الرَّجُلَانِ، وَيَجِئُ الْآخَرُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا النَّفَرُ
стр. 577
الْيَسِيرُ، قَالَ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي فَلَمَّا دَنَوْا إِذَا هُمْ قَوْمُ مُوسَى، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ سَوَادًا كَبِيرًا قَدْ كَادُوا أَنْ يَمْلَئُوا أُفُقَ السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، قَالَ: فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرْتُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ فَإِذَا بِسَوَادٍ كَثِيرٍ أَيْضًا، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ أَيْضًا، فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرْتُ، ثُمَّ قِيلَ: مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابٍ "، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «مَنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ أَلْفًا؟» ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ وَثَبُتَ فِيهِ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الشِّرْكِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
قَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ» .
أَوْ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ» ، فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَتَانِي رَجُلَانِ يَتَفَاخَرَانِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَالْعَامِرِيُّ آخِذٌ بَيَدِ الْأَسَدِيِّ، وَيَقُولُ الْأَسَدِيُّ: دَعْنِي، وَهُوَ يَقُولُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَدَعُكَ، قُلْتُ: يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ دَعْهُ،
стр. 578
فَقُلْتُ لِلْأَسَدِيِّ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ لَكُمْ سِتُّ خِصَالٍ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ: كَانَتْ مِنْكُمُ امْرَأَةٌ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَهَا اللَّهُ إِيَّاهُ، وَكَانَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا جِبْرِيلُ، زَيْنَبُ، فَكَانَتْ هَذِهِ لِقَوْمِكَ، وَكَانَ مِنْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَمْشِي فِي الْأَرْضِ مُعْتَقًا عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَكَانَتْ هَذِهِ لِقَوْمِكَ، وَكَانَ أَوَّلُ لِوَاءٍ عُقِدَ فِي الْإِسْلَامِ لِرَجُلٍ مِنْكُمْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَكَانَتْ هَذِهِ لِقَوْمِكَ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِكَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «ابْسُطْ يَدَيْكَ أُبَايِعُكَ» ، قَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قَالَ: «عَلَى مَا فِي نَفْسِكَ» ، قَالَ: وَمَا فِي نَفْسِي؟ قَالَ: «الْفَتْحُ أَوِ الشَّهَادَةُ» ، فَبَايَعَهُ أَبُو سِنَانٍ، فَكَانَ النَّاسُ يَجِيئُونَ فيَقُولُونَ: نُبَايِعُ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي سِنَانٍ
стр. 579
ذِكْرُ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ﵁
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: فَرَّ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ، أُمُّ حَكِيمِ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَّنَهُ.
رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ، ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ آمَنَ النَّاسَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَرْبَعَةً قَالَ: «اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ» .
عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطْلٍ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطْلٍ، فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ، وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ
стр. 580
الْبَحْرَ فَأَصَابَهُمْ عَاصِفٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ لِأَهْلِ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا، هَا هُنَا قَالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي فِي الْبَحْرِ إِلَّا الْإِخْلَاصُ، فَمَا يُنَجِّيَنِّي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنْ آتِي مُحَمَّدًا حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ فَلَأَجِدَنَّهُ عُفُوًّا كَرِيمًا، قَالَ: فَجَاءَ فَأَسْلَمَ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ، فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايَعَ عَبْدُ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ» ، فَقَالُوا: وَمَا يُدْرِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ، هَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ، قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، ﵁، أَنَّ
стр. 581
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ أَبَا جَهْلٍ أَتَانِي فَبَايَعَنِي» ، فَلَمَّا أَسْلَمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قِيلَ: صَدَّقَ اللَّهُ رُؤْيَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَيَكُونَنَّ غَيْرُهُ» ، ثُمَّ أَسْلَمَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، فَكَانَ ذَلِكَ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ وَعَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، ﵁، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ جِئْتُهُ قَالَ: «مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ» ، قُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَدَعُ نَفَقَةً أَنْفَقْتُهَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْفَقْتُ مِثْلَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
стр. 582
وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، قَالَ: تَرَجَّلَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ أَجْنَادِينَ، فَقَالَ لَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ قَتْلَكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَدِيدٌ، فَقَالَ: خَلِّ عَنِّي يَا خَالِدُ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لَكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَابِقَةٌ، وَإِنِّي وَأَبِي كُنَّا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى ثُمَّ قُتِلَ.
أخبرنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَقِيهِ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَقِيهِ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَفْخَرَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " خَرَجَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَأَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ الْبَحْرَ، فَوَجَدَ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ لَوْحًا فِيهِ مَكْتُوبٌ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] فَأَتَى مِنْهُ فَرَجَعَ فَأَسْلَمَ "
стр. 583
ذِكْرُ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ ﵁
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَأَقَامَ مَعَهُ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ:، اتَّعَدْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، حِينَ أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الْمَدِينَةِ التَّنَاضُبَ مِنْ إِضَاءَةِ بَنِي غِفَارٍ، وَقُلْنَا: أَيُّكُمْ مَا تَخَلَّفَ عَنِ الصُّبْحِ، فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَنْطَلِقْ مَنْ أَصْبَحَ عِنْدَهُنَّ، فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَهُنَّ، وَحُبِسَ هِشَامٌ وَفُتِنَ فَافْتُتِنَ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فَنَزَلْنَا بِقُبَاءَ، فَلَمَّا اطْمَأْنَنَّا قَدِمَ عَلَى عَيَّاشٍ أَخَوَاهُ لِأُمِّهِ، أَبُو جَهْلٍ، وَالْحَارِثُ، فَقَالَا لَهُ: إِنَّ أُمَّكَ قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لَا يُظِلَّهَا ظِلٌّ وَلَا يَمَسَّ رَأْسَهَا غُسْلٌ حَتَّى
стр. 584
تَرَاكَ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، إِنْ يُرِيدَانِ إِلَّا أَنْ يَفْتِنَاكَ عَنْ دِينِكَ، وَلَوْ قَدْ وَجَدَتْ أُمُّكَ حَرَّ مَكَّةَ لَقَدِ اسْتَظَلَّتْ، وَلَوْ قَدْ آذَاهَا الْقَمْلُ لَقَدِ امْتَشَطَتْ، فَقَالَ عَيَّاشٌ: إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالًا فَلَعَلِّي آخُذُهُ، قُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِ قَوْمِي مَالًا فَلَكَ نِصْفَ مَالِي فَلَا تَرْجِعْ مَعَهُمَا، فَلَمَّا أَبَى إِلَّا الرَّجْعَةَ، قُلْتُ لَهُ: هَذِهِ نَاقَتِي فَخُذْهَا فَإِنَّهَا ذَلُولٌ نَاجِيَةٌ، فَالْزَمْ ظَهْرَهَا، فَإِنْ رَابَكَ مِنَ الرَّجُلِ شَيْءٌ فَانْجُ عَلَيْهَا، فَخَرَجَا بِهِ فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ مَكَّةَ، قَالَ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَبُو جَهْلٍ: يَا أَخِي لَقَدِ اسْتَغْلَظَتْ بَعِيرِي هَذَا، فَلَوْ أَعْقَبْتَنِي عَلَى نَاقَتِكَ فَإِنَّهَا أَلْيَنُ مِنْهُ فَنَزَلَ، فَلَمَّا وَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ أَوْثَقَاهُ وَضَرَبَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ قَالَا: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، هَكَذَا فَافْعَلُوا بِسُفَهَائِكُمْ ثُمَّ فَتَنُوهُ فَافْتُتِنَ " قَالَ عُمَرُ ﵁: كُنَّا نَقُولُ: مَا لِمَنِ افْتُتِنَ مِنْ تَوْبَةٍ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: مَا اللَّهُ بِقَابِلٍ مِنَّا شَيْئًا قَدْ تَرَكْنَا الْإِسْلَامَ لِبَلَاءٍ يَسِيرَ أَصَابَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] ، قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا ثُمَّ بَعَثْتُ بِهَا إِلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ، قَالَ هِشَامٌ: لَمَّا أَتَتْنِي جَعَلْتُ أَقْرَؤُهَا فَلَا أَفْهَمُهَا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا، فَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ لَمَّا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا وَيُقَالُ فِينَا، فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي ثُمَّ لَحِقْتُ بِالْمَدِينَةِ.
стр. 585
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَأَصْحَابِهِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، اللَّهُمّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»
стр. 586
ذِكْرُ مَنِ اسْمُهُ عُمَيْرٌ.
ذِكْرُ عُمَيْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ مَبْدُولٍ الْأَنْصَارِيِّ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيِّ
مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، شَهِدَ بَدْرًا، ﵁.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيُّ: إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَضْرِبَهُ إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرِفْتُ أَنْ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي.
стр. 587
ذِكْرُ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁
يُقَالُ: إِنَّهُ نَسِيجُ وَحْدَهُ، اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى حِمْصَ.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: هُوَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ النُّعْمَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ أَبُوهُ سَعْدٌ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ سَعْدٌ الْقَارِئُ الَّذِي جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: سَعْدٌ هُوَ أَبُو زَيْدٍ، وَقِيلَ: عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ هُوَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، ابْنُ زَيْدٍ، نَزَلَ فِلَسْطِينَ وَمَاتَ بِهَا، كَانَ مِنْ زُهَّادِ الْعُمَّالِ.
стр. 588
قِيلَ: وَلِيَ لِعُمَرَ عَلَى حِمْصَ سَنَةً، ثُمَّ أَشْخَصَهُ فَقَدِمَ عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ، فَجَدَّدَ عَهْدَهُ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ وَأَبَى أَنْ يَلِيَ لَهُ أَوْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ.
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنْ لِي رَجُلًا مِثْلَ عُمَيْرٍ أَسْتَعِينُ بِهِ فِي أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ.
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، ﵁ بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَامِلًا عَلَى حِمْصَ، فَمَكَثَ حَوْلًا لَا يَأْتِيهِ خَبَرُهُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِكَاتِبِهِ: اكْتُبْ إِلَى عُمَيْرٍ، فَوَاللَّهِ مَا أَرَاهُ إِلَّا خَانَنَا: إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَأَقْبِلْ، وَأَقْبِلْ بِمَا جَبَيْتَ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ تَنْظُرُ فِي كِتَابِي هَذَا، قَالَ: فَأَخَذَ عُمَيْرٌ جِرَابَهُ فَجَعَلَ فِيهِ رِدَاءَهُ وَقَصْعَةً، وَأَخَذَ عَنَزَتَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَمْشِي مِنْ حِمْصَ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَقَدِمَ وَقَدْ شَحُبَ لَوْنُهُ، وَاغْبَرَّ وَجْهُهُ، وَطَالَتْ شَعْرَتُهُ، فَدَخَلَ عَلَى عُمَرَ ﵁، وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ عُمَيْرٌ: مَا تَرَى مِنْ شَأْنِي، أَلَسْتَ تَرَانِي صَحِيحَ الْبَدَنِ، ظَاهِرَ الدَّمِ، مَعِي الدُّنْيَا أَجُرُّهَا بِقَرْنِهَا؟ قَالَ: وَمَا مَعَكَ؟ فَظَنَّ عُمَرُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِمَالٍ،
стр. 589
فَقَالَ: مَعِي جِرَابِي أَجْعَلُ فِيهِ زَادِي، وَقَصْعَتِي آكُلُ فِيهَا وَأَغْسِلُ فِيهَا رَأْسِي وَثِيَابِي، وَإِدَاوَتِي أَحْمِلُ فِيهَا وَضُوئِي وَشَرَابِي، وَعَنَزَتِي أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأُجَاهِدُ بِهَا عَدُوًّا إِنْ عَرَضَ لِي، فَوَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا إِلَّا تَبَعٌ لِمَتَاعِي.
قَالَ عُمَرُ ﵁: فَجِئْتَ تَمْشِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا كَانَ لَكَ أَحَدٌ يَتَبَرَّعُ لَكَ بِدَابَّةٍ تَرْكَبُهَا؟ قَالَ: مَا فَعَلُوا وَمَا سَأَلْتُهُمْ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: بِئْسَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُمَرُ، قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ عَنِ الْغَيْبَةِ، وَقَدْ رَأَيْتُهُمْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، قَالَ عُمَرُ ﵁: وَلَئِنْ بَعَثْتُكَ، وَأَيُّ شَيْءٍ صَنَعْتَ؟ قَالَ: وَمَا سُؤَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ أَغُمَّكَ مَا أَخْبَرْتُكَ، بَعَثْتَنِي حَتَّى أَتَيْتُ الْبَلَدَ، فَجَمَعْتُ صُلَحَاءَ أَهْلِهَا فَوَلَّيْتُهُمْ جِبَايَةَ فَيْئِهمْ حَتَّى إِذَا جَمَعُوهُ وَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ، وَلَوْ نَالَكَ مِنْهُ شَيْءٌ لَآتَيْتُكَ بِهِ، قَالَ: فَمَا جِئْتَنَا بِشَيْءٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: جَدِّدُوا لِعُمَيْرٍ عَهْدًا، فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَشَيْءٌ مَا عَمِلْتُ لَكَ، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدَكَ، وَاللَّهِ مَا سَلِمْتُ بَلْ لَمْ أَسْلَمْ، لَقَدْ قُلْتُ لِنَصْرَانِيٍّ: أَخْزَاكَ اللَّهُ! ! فَهَذَا مَا عَرَّضْتَنِي لَهُ يَا عُمَرُ، وَإِنَّ أَشْقَى أَيَّامِي يَوْمَ خُلِّفْتُ مَعَكَ يَا عُمَرُ، وَاسْتَأْذَنَهُ فَأَذِنَ لَهُ، فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَمْيَالٌ، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ انْصَرَفَ عُمَيْرٌ: مَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ خَانَنَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ، وَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ، وَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى عُمَيْرٍ حَتَّى تَنْزِلَ بِهِ كَأَنَّكَ ضَيْفٌ فَإِنْ رَأَيْتَ أَثَرَ شَيْءٍ فَأَقْبِلْ، وَإِنْ رَأَيْتَ حَالًا شَدِيدًا فَادْفَعْ هَذِهِ الْمِائَةِ الدِّينَارِ إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ الْحَارِثُ، فَإِذَا هُوَ بِعُمَيْرٍ جَالِسٌ يُفْلِّي قَمِيصَهُ إِلَى جَنْبِ الْحَائِطِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ،
стр. 590
فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: انْزِلْ رَحِمَكَ اللَّهُ فَنَزَلَ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَرَكْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: صَالِحًا، قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: صَالِحِينَ، قَالَ: أَلَيْسَ يُقِيمُ الْحَدَّ؟ قَالَ: بَلَى، ضَرَبَ ابْنًا لَهُ أَتَى فَاحِشَةً فَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: اللَّهُمَّ أَعِنْهُ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا شَدِيدًا حُبُّهُ لَكَ، قَالَ: فَنَزَلَ بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا قُرَاضَةٌ مِنْ شَعِيرٍ كَانُوا يَخُصُّونَهُ بِهَا وَيَطْوُونَ حَتَّى أَتَاهُمُ الْجَهْدُ، فَقَالَ لَهُ عُمَيْرُ: إِنَّكَ قَدْ أَجَعْتَنَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَتَحَوَّلَ عَنَّا فَافْعَلْ، قَالَ: فَأَخْرَجَ الدَّنَانِيرَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: بَعَثَ بِهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْكَ، فَاسْتَعِنْ بِهَا، فَصَاحَ وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا رُدَّهَا، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهَا وَإِلَّا فَضَعْهَا مَوَاضِعَهَا، فَقَالَ لَهَا عُمَيْرٌ: وَاللَّهِ، مَالِي شَيْءٌ أَجْعَلُهَا فِيهِ، فَشَقَّتِ امْرَأَتُهُ أَسْفَلَ دِرْعِهَا فَأَعْطَتْهُ خَرَقَةً فَجَعَلَهَا فِيهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَبْنَاءِ الشُّهَدَاءِ، وَالْفُقَرَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ وَالرَّسُولُ يَظُنُّ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: أَقْرِأْ مِنِّي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ السَّلَامَ، فَرَجَعَ الْحَارِثُ إِلَى عُمَرَ ﵁، فَقَالَ: مَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَالًا شَدِيدًا، قَالَ: فَمَا صَنَعَ بِالدَّنَانِيرِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَضَعْهُ مِنْ يَدِكَ حَتَّى تُقْبِلَ، قَالَ: فَأَقْبَلَ إِلَى عُمَرَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا صَنَعْتَ بِالدَّنَانِيرِ؟ قَالَ: صَنَعْتُ مَا صَنَعْتُ وَمَا سُؤَالُكَ عَنْهَا؟
стр. 591
قَالَ: أُشْهِدُ عَلَيْكَ لِتُخْبِرَنِي مَا صَنَعْتَ بِهَا.
قَالَ: قَدَّمْتُهَا لِنَفْسِي، قَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِوَسَقٍ مِنْ طَعَامٍ وَثَوْبَيْنِ، فَقَالَ: أَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِي الْمَنْزِلِ صَاعَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ إِلَى أَنْ آكُلَ ذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالرِّزْقِ، وَلَمْ يَأْخُذِ الطَّعَامَ، وَأَمَّا الثَّوْبَانِ، فَقَالَ: إِنَّ أُمَّ فُلَانٍ عَارِيَةً فَأَخَذَهُمَا وَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ هَلَكَ، ﵀، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَشَقَّ عَلَيْهِ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ يَمْشِي، وَمَعَهُ الْمَشَّاءُونَ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَقَالَ لِأَصَحَابِهِ: لِيَتَمَنَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أُمْنِيَةً.
فَقَالَ رَجُلٌ: وَدِدْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ عِنْدِي مَالًا، فَأَعْتِقُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ آخَرُ: وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَالًا فَأُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ آخَرُ: وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ لِي قُوَّةً فَأَمْتَحُ بِدَلْوِ زَمْزَمَ لِحُجَّاجِ بَيْتِ اللَّهِ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَدِدْتُ أَنَّ لِي رَجُلًا مِثْلَ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ أَسْتَعِينُ بِهِ فِي أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 592
ذِكْرُ عُمَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ الْخَطْمِيِّ ﵁
أَنْصَارِيٌّ، مِنْ بَنِي خَطْمَةَ، قِيلَ: هُوَ عُمَيْرُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ خِمَاشَةَ، بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ .
أَوْصَى بَنِيهِ، فَقَالَ: يَا بَنِيَّ، إِيَّاكُمْ وَمُجَالَسَةَ السُّفَهَاءِ فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ دَاءٌ، وَإِنَّهُ مَنْ يَحْلُمْ عَنِ السَّفِيهِ يُسَرُّ بِحِلْمِهِ، وَمَنْ يُجِبْ يَنْدَمْ، وَمَنْ لَا يُقِرُّ بِقَلِيلِ مَا يَأْتِي بِهِ السَّفِيهُ يُقِرُّ بِالْكَثِيرِ، وَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْمُرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ، فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى الْأَذَى، وَلْيُوقِنْ بِالثَّوَابِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُوقِنُ بِالثَّوَابِ لَا يَجِدُ مَسَّ الْأَذَى.
стр. 593
ذِكْرُ عُمَيْرِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيِّ ﵁
هُوَ أَخُو سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، مُهَاجِرِيٌّ، أَوَّلِيٌّ، اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَدْرٍ، اسْتَصْغَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ فَبَكَى، ثُمَّ أَجَازَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ حَمَائِلَ سَيْفِهِ، فَاسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ.
стр. 594
ذِكْرُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ الْجُمَحِيِّ
قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ بَدْرٍ لِيَفْتِكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَهَدَاهُ اللَّهُ فَأَسْلَمَ وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ مُسْلِمًا.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمَّا رَجَعَ فَلُّ الْمُشْرِكِينَ إِلَى مَكَّةَ، وَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ، أَقْبَلَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ حَتَّى جَلَسَ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيِّ فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: قَبَّحَ اللَّهُ الْعَيْشَ بَعْدَ قَتْلَى بَدْرٍ، فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ بَعْدَهُمْ، وَلَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ لَا أَجِدُ قَضَاهُ، وَعِيَالٌ لَا أَرْعَ لَهُمْ شَيْئًا لَخَرَجْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَتَلْتُهُ إِنْ مَلَأْتُ عَيْنِي مِنْهُ، فَإِنَّ لِي عِنْدَهُ عِلَّةً أَعْتَلُّ بِهَا، أَقُولُ: قَدِمْتُ فِي فِدَاءِ ابْنِي، وَكَانَ ابْنُهُ أَسِيرًا، فَفَرِحَ صَفْوَانُ بِقَوْلِهِ، فَقَالَ: عَلَيَّ دَيْنُكَ، وَعِيَالُكَ أُسْوَةَ عِيَالِي فِي النَّفَقَةِ، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجَزُ عَنْهُمْ، فَحَمَلَهُ صَفْوَانُ وَجَهَّزَهُ وَأَمَرَ بِسَيْفِ عُمَيْرٍ فَصُقِلَ وَسُمَّ، فَقَالَ عُمَيْرٌ لِصَفْوَانَ: اكْتُمْنِي أَيَّامًا، فَأَقْبَلَ عُمَيْرٌ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ باب الْمَسْجِدِ وَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ وَأَخَذَ السَّيْفَ، فَعَمَدَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنَ
стр. 595
الْأَنْصَارِ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَيَذْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ فِيهَا، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ ﵁، وَمَعَهُ السَّيْفُ فَزِعَ، وَقَالَ: عِنْدَكُمُ الْكَلْبُ، فَهَذَا عَدُوُّ اللَّهِ الَّذِي حَرَّشَ بَيْنَنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَحَزَّرَنَا لِلْقَوْمِ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ ﵁، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَذَا عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، وَهُوَ الْغَادِرُ الْفَاجِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ لَا تَأْمَنْهُ عَلَى شَيْءٍ، قَالَ: «أَدْخِلْهُ عَلَيَّ» ، فَخَرَجَ عُمَرُ ﵁، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنِ ادْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ احْتَرِسُوا مِنْ عُمَيْرٍ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ، وَعُمَيْرٌ فَدَخَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ عُمَيْرٍ سَيْفَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ: «تَأَخَّرْ عَنْهُ» ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ عُمَيرٌ قَالَ: أَنْعِمُوا صَبَاحًا، وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ عَنْ تَحِيَّتِكَ وَجَعَلَ تَحِيَّتَنَا تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهِيَ السَّلَامُ» ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: إِنَّ عَهْدَكَ بِهَا لَحَدِيثٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَبْدَلَنَا اللَّهُ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَمَا أَقْدَمَكَ يَا عُمَيْرُ؟» ، قَالَ: قَدِمْتُ فِي أَسِيرِي عِنْدَكُمْ فَفَادُونَا فِي أَسِيرِكُمْ، فَإِنَّكُمُ الْعَشِيرَةُ وَالْأَصْلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَالُ السَّيْفِ فِي رَقَبَتِكَ؟» ، قَالَ عُمَيْرٌ: قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ فَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ؟ إِنَّمَا نَسِيتُهُ فِي رَقَبَتِي حِينَ نَزَلْتُ وَلَعَمْرِي إِنَّ لِي لَسَهْمًا غَيْرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اصْدُقْنِي مَا أَقْدَمَكَ؟» ، قَالَ: قَدِمْتُ فِي أَسِيرِي، قَالَ: «فَمَا الَّذِي شَرَطْتَ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ؟» ، فَفَزِعَ عُمَيْرٌ، وَقَالَ: مَا شَرَطْتُ لَهُ شَيْئًا، قَالَ: «تَحَمَّلْتَ لَهُ بِقَتْلِي عَلَى أَنْ يَعُولَ
стр. 596
بَيْتَكَ وَيَقْضِي دَيْنَكَ، وَاللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ» ، قَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُكَذِّبُكَ بِالْوَحْيِ وَبِمَا يَأْتِيكَ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَفْوَانَ فِي الْحِجْرِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، فَأَخْبَرَكَ اللَّهُ بِهِ فَآمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي سَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ هَدَاهُ اللَّهُ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخِنْزِيرٌ كَانَ أَحَبَّ إليَّ مَنْ عُمَيْرٍ حِينَ طَلَعَ، وَلَهُوَ الْيَوْمَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ بَعْضِ بَنِيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اجْلِسْ يَا عُمَيْرُ نُوَاسِكَ» ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «عَلِّمُوا أَخَاكُمُ الْقُرْآنَ» ، وَأَطْلَقَ لَهُ أَسِيرَهُ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنْتُ جَاهِدًا مَا اسْتَطَعْتُ فِي إِطْفَاءِ نُورَ اللَّهِ، فَالْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي سَاقَنِي وَهَدَانِي مِنَ الْهَلَكَةِ، فَائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَلْحَقُ بِقُرَيْشٍ، فَأَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ وَيَسْتَنْقِذَهُمْ مِنَ الْهَلَكَةِ، فأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ وَجَعَلَ صَفْوَانُ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ: أَبْشِرُوا بِفَتْحٍ يُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ، وَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ كُلِّ رَاكِبٍ يَقْدَمُ مِنَ الْمَدِينَةِ: هَلْ كَانَ بِهَا مِنْ حَدَثٍ؟ وَكَانَ يَرْجُو مَا قَالَ لَهُ عُمَيْرٌ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ صَفْوَانُ عَنْهُ، فَقَالَ: قَدْ أَسْلَمَ، فَلَعَنَهُ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُوا: صَبَأَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: للَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَنْفَعَهُ بِنَفْعٍ أَبَدًا وَلَا أُكَلِّمَهُ مِنْ رَأْسِي كَلِمَةً أَبَدًا، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ عُمَيْرٌ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ
стр. 597
وَنَصَحَهُمْ جَهْدَهُ فَأَسْلَمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَكَانَ عُمَيْرٌ شَيْطَانًا مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، وَكَانَ ابْنُهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي أُسَارَى بَدْرٍ.
стр. 598
ذِكْرُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيِّ ﵁ يُكْنَى أَبَا نُجَيْدٍ
تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ.
قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَاضِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: لَمْ يَكُنْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ يُقَدَّمُ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: شَكَا بَطْنُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ثَلَاثِينَ سَنَةً، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتَوِيَ فَيَأْبَى، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَنَتَيْنِ.
стр. 599
قَالَ مُطَرِّفٌ: إِنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَلَمَّا كُوِيَ فَقَدَ التَّسْلِيمَ.
قَالَ: وَاشْتَكَى عِمْرَانُ بَطْنَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَأُمِرَ بِالْكَيِّ، فَجَعَلَ يَأْبَى فَاكْتَوَى بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِينَ سَنَةً، فَلَمَّا كُوِيَ فَقَدَ التَّسْلِيمَ حَتَّى ذَهَبَ أَثَرُ النَّارِ، قَالَ: ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ لِي: قَدْ عَاوَدَنِي الَّذِي كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ، قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ يُسلِّمُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: أَسْمَعُ التَّسْلِيمَ عَنْ يَمِينِي وَيَسَارِي، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ سُلِّمَ عَلَيْكَ مِنْ عِنْدِ رَأْسِكَ كَانَ عِنْدَ مَوْتِكَ، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ سَلَّمَ مِنْ عِنْدِ رَأْسِي، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّمَا قُلْتُهُ بِرَأْيٍ، قَالَ: فَوَافَقَ مَوْتَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَمْ يَنْزِلْ كِتَابٌ يُحَرِّمُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَإِنَّهُ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ، فَلَمَّا اكْتَوَيْتُ رُفِعَ ذَلِكَ عَنِّي، فَلَمَّا تَرَكْتُ ذَلِكَ عَادَ إِلَيَّ تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ.
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا، فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا» .
стр. 600
ذِكْرُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ ﵁
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ وَفْدَ ثَقِيفَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ مِنْ سَنَةَ عَشْرٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ سِتَّةُ رَهْطٍ.
قَالَ: وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا وَأَحْرَصِهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ، فَكَانَ يَلْزَمُ أَبَا بَكْرٍ وَيَسْتَقْرِئُوهُ، وَيَسْأَلُهُ، وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَرَادَ التَّأْمِيرَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُ هَذَا الْفَتَى أَحْرَصَ مِنْهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَعَلى عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالتَّفَقُّهِ «فَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »
следующие страницы →