← Тараджим

Тараджим · id 21493

سير السلف الصالحين - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بَيْتَكَ وَيَقْضِي دَيْنَكَ، وَاللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ» ، قَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُكَذِّبُكَ بِالْوَحْيِ وَبِمَا يَأْتِيكَ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَفْوَانَ فِي الْحِجْرِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، فَأَخْبَرَكَ اللَّهُ بِهِ فَآمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي سَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ هَدَاهُ اللَّهُ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخِنْزِيرٌ كَانَ أَحَبَّ إليَّ مَنْ عُمَيْرٍ حِينَ طَلَعَ، وَلَهُوَ الْيَوْمَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ بَعْضِ بَنِيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اجْلِسْ يَا عُمَيْرُ نُوَاسِكَ» ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «عَلِّمُوا أَخَاكُمُ الْقُرْآنَ» ، وَأَطْلَقَ لَهُ أَسِيرَهُ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنْتُ جَاهِدًا مَا اسْتَطَعْتُ فِي إِطْفَاءِ نُورَ اللَّهِ، فَالْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي سَاقَنِي وَهَدَانِي مِنَ الْهَلَكَةِ، فَائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَلْحَقُ بِقُرَيْشٍ، فَأَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ وَيَسْتَنْقِذَهُمْ مِنَ الْهَلَكَةِ، فأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ وَجَعَلَ صَفْوَانُ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ: أَبْشِرُوا بِفَتْحٍ يُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ، وَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ كُلِّ رَاكِبٍ يَقْدَمُ مِنَ الْمَدِينَةِ: هَلْ كَانَ بِهَا مِنْ حَدَثٍ؟ وَكَانَ يَرْجُو مَا قَالَ لَهُ عُمَيْرٌ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ صَفْوَانُ عَنْهُ، فَقَالَ: قَدْ أَسْلَمَ، فَلَعَنَهُ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُوا: صَبَأَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: للَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَنْفَعَهُ بِنَفْعٍ أَبَدًا وَلَا أُكَلِّمَهُ مِنْ رَأْسِي كَلِمَةً أَبَدًا، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ عُمَيْرٌ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ

стр. 597

وَنَصَحَهُمْ جَهْدَهُ فَأَسْلَمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَكَانَ عُمَيْرٌ شَيْطَانًا مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، وَكَانَ ابْنُهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي أُسَارَى بَدْرٍ.

стр. 598

ذِكْرُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيِّ ﵁ يُكْنَى أَبَا نُجَيْدٍ تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَاضِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: لَمْ يَكُنْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ يُقَدَّمُ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: شَكَا بَطْنُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ثَلَاثِينَ سَنَةً، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتَوِيَ فَيَأْبَى، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَنَتَيْنِ.

стр. 599

قَالَ مُطَرِّفٌ: إِنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَلَمَّا كُوِيَ فَقَدَ التَّسْلِيمَ. قَالَ: وَاشْتَكَى عِمْرَانُ بَطْنَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَأُمِرَ بِالْكَيِّ، فَجَعَلَ يَأْبَى فَاكْتَوَى بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِينَ سَنَةً، فَلَمَّا كُوِيَ فَقَدَ التَّسْلِيمَ حَتَّى ذَهَبَ أَثَرُ النَّارِ، قَالَ: ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ لِي: قَدْ عَاوَدَنِي الَّذِي كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ، قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ يُسلِّمُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: أَسْمَعُ التَّسْلِيمَ عَنْ يَمِينِي وَيَسَارِي، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ سُلِّمَ عَلَيْكَ مِنْ عِنْدِ رَأْسِكَ كَانَ عِنْدَ مَوْتِكَ، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ سَلَّمَ مِنْ عِنْدِ رَأْسِي، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّمَا قُلْتُهُ بِرَأْيٍ، قَالَ: فَوَافَقَ مَوْتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَمْ يَنْزِلْ كِتَابٌ يُحَرِّمُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَإِنَّهُ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ حَتَّى اكْتَوَيْتُ، فَلَمَّا اكْتَوَيْتُ رُفِعَ ذَلِكَ عَنِّي، فَلَمَّا تَرَكْتُ ذَلِكَ عَادَ إِلَيَّ تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ. وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا، فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا» .

стр. 600

ذِكْرُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ وَفْدَ ثَقِيفَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ مِنْ سَنَةَ عَشْرٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ سِتَّةُ رَهْطٍ. قَالَ: وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا وَأَحْرَصِهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ، فَكَانَ يَلْزَمُ أَبَا بَكْرٍ وَيَسْتَقْرِئُوهُ، وَيَسْأَلُهُ، وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَرَادَ التَّأْمِيرَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُ هَذَا الْفَتَى أَحْرَصَ مِنْهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَعَلى عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالتَّفَقُّهِ «فَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »

стр. 601

وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمَّ قَوْمَكَ» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي صَدْرِي، قَالَ: «ادْنُ» ، فَدَنَوْتُ، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ثُمَّ تَحَوَّلَ، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ» وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَالَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، قَالَ: " ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزَبُ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا " وَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبِهِ وَجَعٌ، قَالَ: قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " امْسَحْ عَلَيْكَ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقُلْ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مَنْ شَرِّ مَا أَحْذَرُ "، قَالَ: فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ.

стр. 602

ذِكْرُ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ مِنَ الْأَوْسِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، هُوَ أَخُو سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، كَانَ مِنْ عُمَّالِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى مِسَاحَةَ السَّوَادَ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيَّ، بِزَرْعِ أَرْضِ السَّوَادِ، فَكَانَتْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفِ أَلْفِ جَرِيبٍ، فَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ قَفِيزًا وَدِرْهَمًا. قَالَ نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقٍ: بَيْنَمَا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ، يُكَلِّمُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، وَكَانَ عَامِلًا لَهُ فَأَغْضَبَهُ فَأَخَذَ عُمَرُ مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَرَجَمَهُ بِهَا، فَأَصَابَ حَجَرٌ مِنْهَا جَبِينَهُ فَشَجَّهُ فَسَالَ الدَّمُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَكَأَنَّهُ نَدِمَ،

стр. 603

وَقَالَ: امْسَحِ الَّذِي عَلَى لِحْيَتِكَ، قَالَ: لَا يَهُلْكَ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ لَمَا انْتَهَكْتُ مِمَّنْ وَلَيْتَنِي أَمْرَهُ أَشَدُّ مِمَّا انْتَهَكْتَ، فَكَانَ عُمَرُ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُ وَزَادَهُ عِنْدَهُ خَيْرًا. ذِكْرُ عَبَّاسِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ نَصْلَةَ ﵁ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، عَقَبِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَهُوَ الَّذِي شَدَّ الْعِقْدَ فِي الْبَيْعَةِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجْنَا فِي حُجَّاجِ قَوْمِنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفُقِّهْنَا وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، سَيِّدُنَا وَكَبِيرُنَا، فَلَمَّا وُجِّهْنَا لِسَفَرِنَا، وَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْعَقَبَةِ، صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَبْعَدِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ، يَا أَهْلَ الْحُبَاحِبِ، هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا إِزْبُ الْعَقَبَةِ، أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ» . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ارْفُضُوا إِلَى رِحَالِكُمْ» . فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنُمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بَأَسْيَافِنَا، فَقَالَ

стр. 604

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ» وَفِي رِوَايَةِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَامَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، هَلْ تَدْرُونَ عَلَى مَا تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ تُوفُونَ لَهُ بِمَا عَاهَدْتُمُوهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَخُذُوهُ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ إِذَا نَهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَةٌ، وَأَشْرَافَكُمْ قَتْلٌ، فَمِنَ الْآنَ فَهُوَ وَاللَّهِ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: " فَمَا لَنَا بِذَلِكَ إِنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا؟ ، قَالَ: الْجَنَّةُ "، فَبَايَعُوهُ. ذِكْرُ عُتْبَةَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الثَّقَفِيِّ ﵁ مُهَاجِرِيٌّ، يُكْنَى أَبَا بَصِيرٍ، كَانَ مِنَ الْمَحْبُوسِينَ بِمَكَّةَ، فَانْفَلَتَ فِي الْهُدْنَةِ بَعْدَ الْقَضِيَّةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَكَتَبَ فِيهِ الْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ، وَأَزْهَرُ بْنُ

стр. 605

عَبْدِ عَوْفٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ: الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ، فَلَمَّا صَدُّوهُ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، أَتَاهُ أَبُو بَصِيرٍ، وَكَانَ مِمَّنْ حُبِسَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ فِيهِ أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَعَثَا مَعَهُ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤيٍّ، فَقَدِمَا بِكِتَابِهِمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا بَصِيرٍ، إِنَّا قَدْ أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مَا قَدْ عَلِمْتَ وَلَا يَصْلُحُ لَنَا فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، انْطَلِقْ إِلَى قَوْمِكَ» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَرُدُّنِي إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونِي فِي دِينِي؟ قَالَ: «يَا أَبَا بَصِيرٍ، انْطَلِقْ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا» ، فَانْطَلِقْ مَعَهُمَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ جَلَسَ إِلَى جِدَارٍ وَجَلَسَ مَعَهُ صَاحِبَاهُ، قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَصَارِمٌ سَيْفَكَ هَذَا يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْظُرُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ، فَاسْتَلَّهُ أَبُو بَصِيرٍ، ثُمَّ عَلاهُ بِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَخَرَجَ الْآخَرُ سَرِيعًا حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ رَأَى فَزَعًا» ،

стр. 606

فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيْلَكَ، مَالَكَ؟» ، قَالَ: قَتَلَ صَاحِبُكُمْ صَاحِبِي، فَوَاللَّهِ، مَا بَرِحَ حَتَّى طَلَعَ أَبُو بَصِيرٍ مُتَوَشِّحًا بِالسَّيْفِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفَتْ ذِمَّتُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ» وَفِي رِوَايَةٍ: وَفَتْ ذِمَّتُكَ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ: «وَيْلُ أُمِّهِ مَخْشُ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ» ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى نَزَلَ بِالْعِيصِ مِنْ نَاحِيَةِ سَاحِلِ الْبَحْرِ بِطَرِيقِ قُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا احْتُبِسُوا بِمَكَّةَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ» ، فَخَرَجُوا إِلَى أَبِي بَصِيرٍ، وَانْفَلَتَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا، فَضَيَّقُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَمَرَّهُمْ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُنَاشِدُونَهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَرَدَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ.

стр. 607

ذِكْرُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ ﵁ مُهَاجِرِيٌّ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ فَقَتَلُوهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمَّا صَدَرَ أَبُو بَكْرٍ وَأَقَامَ لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ، قَدِمَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: «إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُقَاتِلُوكَ» ، قَالَ: لَوْ وَجَدُونِي نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ إِلَى الطَّائِفِ، فَقَدَّمَ عَشَاءً فَجَاءَتْهُ ثَقِيفُ يُحَيُّونَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَنَصَحَ لَهُمْ فَاتَّهَمُوهُ وَعَصَوْهُ وَأَسْمَعُوهُ مِنَ الْأَذَى مَا لَمْ يَكُنْ

стр. 608

يَخْشَاهُمْ عَلَيْهِ، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى إِذَا أَسْحَرُوا، وَسَطَعَ الْفَجْرُ قَامَ عَلَى غُرْفَةٍ لَهُ فِي دَارِهِ، فَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ وَتَشَهَّدَ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفَ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُهُ: «مَثَلُ عُرْوَةَ مِثْلُ صَاحِبِ يَاسِينَ، دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ، فَقَتَلُوهُ» . ذِكْرُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَكَانَ بَدْرِيًّا ﵁ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْهَمَذَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ السُّنِّيِّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا

стр. 609

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قِيلَ لَهُ: قُمْ وَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتْنَةِ الَّتِي أَعَاذَ مِنْهَا عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ، فَقَامَ وَصَلَّى وَدَعَا، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، فَمَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى أُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ. ذِكْرُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ﵁ مُهَاجِرِيٌّ، عَامِلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْبَحْرَيْنِ. رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ لَمْ أَشْهَدْ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا أَشْهَدُهُ مِنْ أَحَدٍ بَعْدَهُ: كُنَّا مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَعَطِشْنَا وَعَطِشَ دَوَابُّنَا، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا رَبَّهُ أَنْ

стр. 610

يَسْقِيَنَا، فَسَقَانَا، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَخُوضَ عَيْنَ الزَّارَةِ، فَمَشَيْنَا عَلَيْهَا حَتَّى جَاوَزْنَاهَا، وَكُنْتُ فِيمَنْ دَفَنَهُ فَنَسِينَا أَنْ نَحُلَّ الْعَقْدَ، فَلَمَّا سَوَّيْنَا اللَّبِنَ ذَكَرْتُهُ، فَرَفَعْتُ اللَّبِنَةَ فَلَمْ أَرَ فِي اللَّحْدِ شَيْئًا. وَفِي رِوَايَةٍ: عَطِشَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، فَنَادَى: يَا عَلِيُّ، يَا عَظِيمُ، يَا حَلِيمُ، يَا كَرِيمُ، فَسُقِيَ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا عَبَرَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ الْبَحْرَ إِلَى أَهْلِ دَارِينَ، قَالَ: يَا حَلِيمُ، يَا كَرِيمُ، يَا عَلِيُّ، يَا عَظِيمُ.

стр. 611

باب الْغَيْنِ ذِكْرُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ ﵁ رُوِيَ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ مَكِيثٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيَّ، كَلْبَ لَيْثٍ، إِلَى بَنِي الْمُلَوِّحِ بِالْكَدِيدِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأُسَهِّلَ لَهُ الطَّرِيقَ وَلِأَكُونَ عَيْنًا.

стр. 612

باب الْفَاءِ ذِكْرُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ كَانَ الْعَبَّاسُ ﵁ يُكْنَى بِهِ. قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵁، لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَقْبَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَمَلَنِي أَنَا وَالْفَضْلَ وَتَرَكَكَ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: أخبرني مُرَحِّبُ أَوِ ابْنُ مُرَحِّبٍ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فِي قُبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةٍ: عَلِيٍّ، وَالْعَبَّاسِ، وَالْفَضْلِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ

стр. 613

اللَّهُ عَنْهُ أَسْنَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى صَدْرِهِ يُغَسِّلُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي وَأُمِّي مَا أَطْيَبَكَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَمَا كَانَ يَرَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِمَّا يَرَى مِنَ الْمَيِّتِ، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يُغَسِّلُهُ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ، وَقُثَمُ يُقَلِّبُونَهُ مَعَهُ، وَكَانَ أُسَامَةُ، وَشُقْرَانُ يَصُبَّانِ الْمَاءَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ حَفِظَ فِيهِ

стр. 614

سَمْعَهُ، وَلِسَانَهُ، وَبَصَرَهُ، غُفِرَ لَهُ» قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: مَاتَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بِالشَّامِ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسٍ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ. ذِكْرُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ: كَانَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.

стр. 615

قِيلَ: كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ. رُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى بِالنَّاسِ يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ لِمَا بِهِمْ مِنَ الْخَصَاصَةِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ، قَالَ: «لَوْ تَدْرُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ لَأَحْبَبْتُمْ لَوْ أَنَّكُمْ تَزْدَادُونَ حَاجَةً وَفَاقَةً» . قَالَ فَضَالَةُ: وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ذِكْرُ فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْكُمْ رِجَالًا نُكِلْهُمْ إِلَى إِيمَانِهِمْ، مِنْهُمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ» .

стр. 616

باب الْقَافِ ذِكْرُ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْخَزْرَجِيِّ ﵁ قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ أَجْوَدَ الْعَرَبِ. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ مَنْزِلَةُ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الْأَمِيرِ. رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ أَبَاهُ دَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَخْدِمُهُ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ لَا يَزَالُ هَكَذَا رَافِعًا

стр. 617

أُصْبُعَهُ الْمُسَبِّحَةَ يَدْعُو. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ وَلَدِهِ وَأَتَى الشَّامَ، فَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄، بَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، فَقَالَا: إِنَّ سَعْدًا تُوُفِّيَ وَلَمْ يَدْرِ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَنَرَى أَنْ تَرُدَّ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ نَصِيبَهُ، قَالَ قَيْسٌ: لَسْتُ بِمُغَيِّرٍ شَيْئًا صَنَعَهُ سَعْدٌ، وَلَكِنَّ نَصِيبِي لَهُ. ذِكْرُ قَيْسِ بْنِ عَاصِمِ الْمِنْقَرِيِّ التَّمِيمِيِّ ﵁ قَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا أُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءِ، وَسِدْرٍ» وَأَوْصَى قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقَالَ لِبَنِيهِ: يَا بَنِيَّ، عَلَيْكُمْ

стр. 618

بِالْمَالِ وَاصْطِنَاعِهِ، فَإِنَّهُ مَنْبَهَةٌ لِلْكَرِيمِ وَيُسْتَغْنَى بِهِ عَنِ اللَّئِيمِ، وَإِذَا أَنَا مِتُّ فَسَوِّدُوا أَكْبَرَكُمْ، فَإِنَّ الْقَوْمَ إِذَا سَوَّدُوا أَكْبَرَهُمْ خَلِفُوا أَبَاهُمْ، وَإِذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تَنُوحُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنَحْ عَلَيْهِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمَسَأَلَةِ، فَإِنَّهَا آخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ.

стр. 619

ذِكْرُ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو زَيْدٍ أَحَدُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ جَسْرِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَيَوْمُ الْجِسْرِ عَلَى رَأْسِ خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ أَنَسٌ ﵁: افْتَخَرَ الْحَيَّانِ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ. فَقَالَ الْأَوْسُ: مِنَّا غِسِّيلُ الْمَلَائِكَةِ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ، وَمِنَّا مَنِ اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدَّبْرُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمِنَّا مَنْ أُجِيزَتْ شَهَادَتُهُ بِشَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّونَ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ جمَعُوا الْقُرْآنَ لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهُمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، ﵃.

стр. 620

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ يَكُنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا سِتَّةٌ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْقَارِئُ، وَكَانَ مُجَمَّعًا بَقِيَ عَلَيْهِ سُورَتَانِ. ذِكْرُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانَ الظَّفَرِيُّ ﵁ هُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ لِأُمِّهِ، شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَسَالَتْ حَدَقَتُهُ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَأَرَادَ الْقَوْمُ أَنْ يَقْطَعُوهَا، فَقَالُوا: نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَدْنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ، فَدَفَعَ حَدَقَتَهُ حَتَّى وَضَعَهَا

стр. 621

مَوْضِعَهَا، ثُمَّ غَمَزَهَا بِرَاحَتِهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اكْسُهُ جَمَالًا» . فَكُنَّا لَا نَدْرِي بَعْدَ ذَلِكَ، أَيُّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ أخبرنا سُلَيْمَانُ فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَاشَاذَةَ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ الْإِصْبَعِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي كَرِيمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ جَدِّهِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: كَانَتْ لَيْلَةٌ شَدِيدَةُ الظُّلْمَةِ وَالْمَطَرِ، فَقُلْتُ: لَوْ أَنِّي اغْتَنَمْتُ شُهُودَ الْعَتَمَةِ مَعَ النَّبِيِّ

стр. 622

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النبيُّ ﷺ وَمَعَ عُرْجُونٍ يَمْشِي عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَالَكَ يَا قَتَادَةُ، هَاهُنَا هَذِهِ السَّاعَةِ؟» ، قُلْتُ: اغْتَنَمْتُ شُهُودَ الْعَتَمَةِ مَعَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَعْطَانِي الْعُرْجُونَ، وَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ خَلَفَكَ فِي أَهْلِكَ، فَاذْهَبْ بِهَذَا الْعُرْجَونِ» ، فَخَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَضَاءَ الْعُرْجُونُ بِمِثْلِ شَمْعَةٍ نُورًا، وَاسْتَضَأْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ أَهْلِي رُكُودًا، فَنَظَرْتُ فِي زَاوِيَةٍ فَإِذَا فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ أَضْرِبُهُ بِالْعُرْجُونِ حَتَّى خَرَجَ "، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

стр. 623

ذِكْرُ قُرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ قُرَظَةُ: خَرَجْنَا نُرِيدُ الْكُوفَةَ، فَشَيَّعَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ﵁، قَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ أَهْلَ قَرْيَةٍ لَهُمْ دَوِيٌّ بِالْقُرْآنِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَلَا تَصُدُّوهُمْ بِالْأَحَادِيثِ فَتَشْغَلُوهُمْ، جَرِّدُوا الْقُرْآنَ وَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ، امْضُوا وَأَنَا شَرِيكُكُمْ.

стр. 624

باب الْكَافِ ذِكْرُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ السُّلَمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزُوجِيِّ ﵁ شَهِدَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، فَتِيبَ عَلَيْهِمْ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا إِلَّا بَدْرًا، وَتَبُوكًا، آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵄. قَالَ كَعْبٌ ﵁: لمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي

стр. 625

غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةَ، حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا. قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حِينَ تِيبَ عَلَيْهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ. قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: لَمَّا نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ بَشَّرَهُ رَجُلٌ بِذَلِكَ فَأَعْطَاهُ ثَوْبَيْهِ بِشَارَةً. قَالُوا: وَكَانَ كَعْبٌ شَاعِرًا، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ مَا قَدْ أَنْزَلَ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ نَضْحَ النَّبْلِ ".

стр. 626

ذِكْرُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْيُسْرِ ﵁ أَنْصَارِيٌّ، خَزْرَجِيٌّ، عَقَبِيٌّ، بَدْرِيٌّ، وَهُوَ الَّذِي أَسَرَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَيْفَ أَسَرْتَ الْعَبَّاسَ؟» ، قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا عَرَفْتُهُ قَبْلَ وَلَا بَعْدَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي إِذْ مَرَّ بِنَا أَبُو الْيُسْرِ، وَكَانَ رَجُلًا قَصِيرًا، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، كَيْفَ أَسَرَكَ هَذَا مَعَ قِصَرِهِ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ وَقَعَ عَلَيَّ مِثْلُ الْجَبَلِ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِيَ الْأَيْمَنِ

стр. 627

فَعَصَرَهَا وَلَوَاهَا، ثُمَّ أَخَذَ بِمَنْكِبِيَ الْأَيْسَرِ فَعَصَرَهَا، ثُمَّ لَوَاهَا فَشَدَّهَا، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثَاقًا. قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: أَبُو الْيَسَرِ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ. ذِكْرُ كُلْثُومِ بْنِ الْحُصَيْنِ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو رُهْمٍ غِفَارِيٌّ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ.

стр. 628

ذِكْرُ كُلْثُومِ بْنِ هَرِمٍ ﵁ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَنْصَارِيٌّ ﵁، كَانَ يَسْكُنُ قُبَاءَ وَعَلَيْهِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ. باب اللَّامِ ذِكْرُ لَبِيدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] . بَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا نَسَبَ إِلَيْهِ بَنُو أُبَيْرِقِ.

стр. 629

قَالَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ: كَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وَبَشِيرٌ وَمُبَشِّرٌ، وَكَانَ بِشْرٌ مُنَافِقًا، يَقُولُ الشِّعْرَ، يَهْجُو بِهِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضُ الْعَرَبِ، فَابْتَاعَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدِّرْمَكِ، فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ، وَفِي الْمَشْرَبَةِ سِلَاحٌ لَهُ دِرْعَانِ وَسَيْفَانِ وَمَا يَصِلُهُمَا، فَغَدَى عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَنُقِبَتِ الْمَشْرَبَةُ وَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلَاحُ، فَقَالَتْ بَنُو أُبَيْرِقٍ: وَاللَّهِ مَا نَرَى صَاحِبَكُمْ إِلَّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، وَكَانَ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ رَجُلًا مُؤْمِنًا لَهُ صَلَاحٌ وَإِسْلَامٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، وَقَالَ: أَنَا أَسْرِقُ، وَاللَّهِ لِأُخَالِطَنَّهُمْ هَذَا السَّيْفَ، أَوْ لَتَتَبَيِّنَنَّ هَذِهِ السَّرِقَةُ، قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَاتِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] يَعْنِي قَوْلَهُمْ لِلَبِيدٍ.

стр. 630

باب الْمِيمِ ذِكْرُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنْصَارِيٌّ، خَزْرَجِيٌّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَامِلًا إِلَى الْيَمَنِ. يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: رُفِعَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً.

стр. 631

وَقَالَ فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] ، قَالَ: قُلْتُ: غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] ، فَأَعَادَهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَعْمَدُ تَعَمُّدًا، فَسَكَتُّ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ؟ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ، وَكَذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُعَلِّمُ الْخَيْرَ، وَكَانَ مُطِيعًا للَّهِ وَرَسُولِهِ. وَخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْفِقْهِ، فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» . أخبرنا سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْرُوفٍ، أخبرنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّاذْيَاخِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْجَوْزَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 632

يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ﵁، قَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لَمْ أَزَلْ أُحِبُّهُ، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، فَإِنِّي سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «» اقْرَأِ الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، فَبَدَأَ بِهِ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَ: وَحَدَّثَنَا الدَّغُولِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسَلَّمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» قَالَ: وَحَدَّثَنَا الدَّغُولِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُشْكَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيَوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَبْلِيُّ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، إِنِّي أُحِبُّكَ للَّهِ

стр. 633

تَعَالَى» . قَالَ مُعَاذٌ: قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا مُعَاذَ، لَا تَدَعَنَّ أَنْ تَقُولَ عَنْ دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ". فَأَوْصَى بِذَلِكَ الصُّنَابِحِيَّ، وَأَوْصَى الصُّنَابِحِيُّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، وَأَوْصَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا الدَّغُولِيُّ، أَبُو بَكْرِ مِنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁، رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ السَّحَرِ رَافِعًا

стр. 634

صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ أَجَشَّ الصَّوْتِ، فَأُلْقِيَتْ عَلَيَّ مَحَبَّتُهُ، فَمَا فَارَقْتُهُ حَتَّى حَثَوْتُ التُّرَابَ عَلَيْهِ مَيِّتًا بِالشَّامِ ٥١ قَالَ: وَحَدَّثَنَا الدَّغُولِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: تَمَنَّوْا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةٌ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: تَمَنَّوْا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ لُؤْلُؤًا وَزَبَرْجَدًا وَجَوْهَرًا، فَأُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَتَصَدَّقُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: تَمَنَّوْا، فَقَالُوا: مَا تَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ رِجَالًا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمِ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَحُذَيْفَةِ بْنِ الْيَمَانِ

стр. 635

فَصْلٌ قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ أَفْضَلِ شَبابِ الْأَنْصَارِ حِلْمًا، وَحَيَاءً، وَسَخَاءً، وَضِئُ الْوَجْهِ، أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا، جَمِيلًا، أَرْدَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ، وَشَيَّعَهُ فِي مَخْرَجِهِ إِلَى الْيَمَنِ مَاشِيًا، وَهُوَ رَاكِبٌ مَاتَ بِالشَّامِ فِي الطَّاعُونِ. قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ حِمْصٍ، فَإِذَا فِيهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا فِيهِمْ شَابٌّ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا سَاكِتٌ، فَإِذَا امْتَرَى الْقَوْمُ فِي شَيْءٍ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ، فَسَأَلُوهُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ شَابًّا حَلِيمًا سَمْحًا مِنْ أَفْضَلِ شَباب قَوْمِهِ، لَمْ يَكُنْ يُمْسِكُ شَيْئًا، وَلَمْ يَزَلْ يُدَانُ حَتَّى أَغْرَقَ مَالَهُ فِي الدَّيْنِ، فَأَتَى غُرَمَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمَهُمْ فَلَوْ تَرَكَ لِأَحَدٍ مِنْ أَجْلِ أَحَدٍ لَتَرَكُوا لِمُعَاذٍ مِنْ أَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
следующие страницы →