Полный текст (1 332 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «» يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ «» .
فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةُ، قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ، وَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «» يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ «» .
فَأَتَى أُوَيْسًا، فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدٍ بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: لَقِيتُ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ أُسَيْرُ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 667
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " خَيْرُ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ " وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَلَقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ: «لَيُصَلِّيَنَّ مَعَكُمْ غَدًا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَطَمِعْتُ أَنْ أَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَغَدَوْتُ، فَصَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَقَمْتُ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى انْصَرَفَ النَّاسُ، وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ أَسْوَدُ مُتَّزِرٌ بِخِرْقَةٍ، مُرتَدٍ بِرُقْعَةٍ، فَجَاءَ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ لِي، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، وَإِنَّا لَنَجِدُ مِنْهُ رِيحَ الْمِسْكِ الأَذْفَرِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّهُ مَمْلُوكٌ لِبَنِي فُلَانٍ» .
قُلْتُ: أَفَلَا تَشْتَرِيهِ فَتُعْتِقَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَأَنَّى لِي ذَلِكَ، إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ لِلْجَنَّةِ مُلُوكًا وَسَادَةً، وَإِنَّ هَذَا الْأَسْوَدَ أَصْبَحَ مِنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ وَسَادَتِهِمْ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ خَلْقِهِ الأَصْفِيَاءَ، الأَبْرِيَاءَ، الشَّعِثَةَ رُءُوسُهُمِ , الْمُغَبَّرَةَ وُجُوهُهُمْ، الْخَمِصَةَ بُطُونُهُمْ مِنْ كَسْبِ الْحَلَالِ، الَّذِينَ إِذَا
стр. 668
اسْتَأْذَنُوا عَلَى الْأُمَرَاءِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ، وَإِنْ خَطَبُوا الْمُتَنَعِّمَاتِ لَمْ يُنْكَحُوا، وَإِنْ غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا، وَإِنْ طَلَعُوا لَمْ يُفْرَحْ بِطَلْعَتِهِمْ، وَإِنْ مَرِضُوا لَمْ يُعَادُوا، وَإِنْ مَاتُوا لَمْ يُشْهَدُوا» .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لَنَا بِرَجُلٍ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «ذَاكَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ» .
قَالُوا: وَمَا أُوَيْسُ الْقَرَنِيُّ؟ قَالَ: " أَشْهَلٌ، ذُو صُهُوبَةٍ , بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، مُعْتَدِلُ الْقَامَةِ، آدَمُ شَدِيدُ الْأَدَمَةِ، ضَارِبٌ بِذَقْنِهِ إِلَى صَدْرِهِ، رَامٍ بِبَصَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَاضِعٌ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ يَتْلُو الْقُرْآنَ، يَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ، ذُو طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، مُتَّزِرٌ بِإِزَارٍ صُوفٍ، وَمُرْتَدٍ بِإِزَارٍ صُوفٍ، مَجْهُولٌ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ، مَعْرُوفٌ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ، أَلَا وَإِنَّ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ لَمْعَةً بَيْضَاءَ، أَلَا وَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، قِيلَ لِلْعِبَادِ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَيُقَالُ لِأُوَيْسٍ: قِفْ فَاشْفَعْ، فَيُشَفِّعُهُ اللَّهَ فِي مِثْلِ عَدَدِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَيَا عُمَرُ، وَيَا عَلِيٌّ، إِذَا أَنْتُمَا لَقِيتُمَاهُ، فَاطْلُبَا إِلَيْهِ يَسْتَغْفِرْ لَكُمَا يُغْفَرُ لَكُمَا ".
قَالَ: فَمَكَثَا يَطْلُبَانِهِ عَشْرَ سِنِينَ لَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ السَّنَةِ نَادَى يَا أَهْلَ الْحَجِيجِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، أَفِيكُمْ أُوَيْسٌ مِنْ مُرَادٍ؟ فَقَامَ شَيْخٌ كَبِيرٌ طَوِيلُ اللِّحْيَةِ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَا أُوَيْسٌ، وَلَكِنَّ ابْنَ أَخٍ لِي يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَهُوَ
стр. 669
أَخْمَلُ ذِكْرًا، وَأَقَلُّ مَالًا وَأَهْوَنُ أَمْرًا مِنْ أَنْ نَرْفَعَهُ إِلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَيَرْعَى إِبِلَنَا، حَقِيرٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَغَمَّى عَلَيْهِ عُمَرُ كَأَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ، قَالَ: ابْنُ أَخِيكَ هَذَا أَبِحَرَمِنَا هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَيْنَ يُصَابُ؟ قَالَ: نَازِلُ عَرَفَاتٍ، قَالَ: فَرَكِبَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَخَرَجَا مَعَهُ سِرَاعًا إِلَى عَرَفَاتٍ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَةٍ، وَالْإِبِلُ حَوْلَهَا تَرْعَى، فَأَقْبَلَا إِلَيْهِ، فَقَالَا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَخَفَّفَ أُوَيْسٌ الصَّلَاةَ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَيْكُمَا السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، قَالَا: مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: رَاعِي إِبِلٍ، وَأَجِيرُ قَوْمٍ، قَالَا: لَسْنَا نَسْأَلُكَ عَنِ الرِّعَايَةِ وَلَا عَنِ الْإِجَارَةِ، مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ، قَالَا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّهُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، فَمَا اسْمُكَ الَّذِي سَمَّتْكَ بِهِ أُمَّكَ؟ قَالَ: يَا هَذَانِ، مَا تُرِيدَانِ إِلَيَّ؟ قَالَا: وَصَفَ لَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ وَقَدْ عَرَفْنَا الصُّهُوبَةَ وَالشُّهُولَةَ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ تَحْتَ مَنْكِبِكَ الْأَيْسَرِ لَمْعَةً بَيْضَاءَ، فَأَوْضِحْهَا لَنَا، فَإِنْ كَانَتْ بِكَ فَأَنْتَ هُوَ، فَأَوْضَحَ مَنْكِبَهُ، فَإِذَا اللَّمْعَةُ فَابْتَدَرَاهُ يُقَبِّلَانِهِ، وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ، فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَغْفِرِ اللَّهُ لَكَ، قَالَ: مَا أَخُصُّ بِاسْتِغْفَارِي نَفْسِي، وَلَا أَحَدًا مِنْ وَلَدِ آدَمَ، وَلَكِنَّهُ فِي الْبَرِّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، يَا هَذَانِ، قَدْ شَهَرَ اللَّهُ لَكُمَا حَالِي وَعَرَّفَكُمَا أَمْرِي فَمَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا هَذَا فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا أَنَا فَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَاسْتَوَى أُوَيْسٌ قَائِمًا، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ،
стр. 670
وَأَنْتَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَجَزَاكُمَا اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَيْرًا، قَالَا: وَأَنْتَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ نَفْسِكَ خَيْرًا، قَالَ عُمَرُ: مَكَانَكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، حَتَّى أَدْخُلَ مَكَّةَ فَآتِيكَ بِنَفَقَةٍ مِنْ عَطَائِي، وَفَضْلِ كِسْوَةٍ مِنْ ثِيَابِي، هَذَا الْمَكَانُ مِيعَادٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا مِيعَادَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَلَا أَرَاكَ بَعْدَ الْيَوْمِ، مَا أَصْنَعُ بِالنَّفَقَةِ؟ ! مَا أَصْنَعُ بِالْكِسْوَةِ؟ ! أَمَا تَرَى عَلَيَّ إِزَارًا مِنْ صُوفٍ، وَرِدَاءً مِنْ صُوفٍ، مَتَى تَرَانِي أخْرِقُهُمَا؟ أمَا تَرَى أَنَّ نَعْلَيَّ مَخْصُوفَتَانِ , مَتَى تَرَانِي أُبْلِيهِمَا؟ أَمَا تَرَى أَنِّي قَدْ أَخَذْتُ مِنْ رِعَايَتِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ , مَتَى تَرَانِي آكُلُهَا؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَ يَدِيَّ وَيَدَيْكَ عَقَبَةً كَؤُودًا لَا يُجَاوِزُهَا إِلَّا كُلُّ ضَامِرٍ، مُخِفٌّ، مَهْزُولٌ، فَأَخِفَّ يَرْحَمُكَ اللَّهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ كَلَامِهِ ضَرَبَ بِدِرَّتِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا لَيْتَ أُمَّ عُمَرَ لَمْ تَلِدْهُ، يَا لَيْتَهَا كَانَتْ عَاقِرًا لَمْ تُعَالِجْ حَمْلَهَا، أَلَا مَنْ يَأْخُذُهَا بِمَا فِيهَا وَلَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خُذْ أَنْتَ هَاهُنَا حَتَّى آخُذُ أَنَا هَاهُنَا، فَوَلَّى عُمَرُ نَاحِيَةَ مَكَّةَ , وَسَاقَ أُوَيْسٌ إِبِلَهُ فَوَافَى الْقَوْمَ بِهَا وَخَلَّى عَنِ الرِّعَايَةِ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ .
رُوِيَتْ قِصَّةُ أُوَيْسٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَهَذَا الْوَجْهُ مِنْ أَتَمِّهِ وَأَغْرَبِهِ
стр. 671
رُوِيَ عَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: إِنَّمَا مَنَعَ أُوَيْسًا أَنْ يَقْدُمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرُّهُ بِأُمِّهِ.
وَعَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَهُ أَوْ مُصَلَّاهُ مِنَ الْعُرْيِ يَحْجِزُهُ إِيمَانُهُ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، مِنْهُمْ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ» وَعَنْ أَصْبَغَ، قَالَ: كَانَ أُوَيْسٌ إِذَا أَمْسَى، قَالَ: هَذِهِ لَيْلَةُ الرُّكُوعِ، فَيَرْكَعُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَقُولُ فِي مَسَاءٍ آخَرَ: هَذِهِ لَيْلَةُ السُّجُودِ، فَيَسْجُدُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ إِذَا أَمْسَى تَصَدَّقَ بِمَا فِي بَيْتِهِ مِنْ فَضْلِ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ مَنْ مَاتَ جُوعًا أَوْ عُرْيًا فَلَا تُؤَاخِذْنِي بِهِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: غَزَوْنَا أَذْرَبِيجَانَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمَعْنَا أُوَيْسٌ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مَرِضَ، فَحَمَلْنَاهُ، فَلَمْ يَسْتَمْسِكْ، فَمَاتَ، فَنَزَلْنَا، فَإِذَا قَبْرٌ مَحْفُورٌ، وَمَاءٌ مَسْكُوبٌ، وَكَفَنٌ، وَحَنُوطٌ، فَغَسَّلْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ، وَدَفَنَّاهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: لَوْ رَجَعْنَا، فَعَلَّمْنَا قَبْرَهُ، فَرَجَعْنَا فَإِذَا لَا قَبْرَ وَلَا أَثَرَ
стр. 672
١٥٤.
ذِكْرُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ ﵁
هُوَ ابْنُ أَخِي عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، يَرْوِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ , كَانَ صَوَّامًا , حَجَّ بَيْنَ أَرْبَعِينَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَكَانَ فَقِيهًا زَاهِدًا، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ: خَمْسٍ وَسَبْعِينَ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانَ الْأَسْوَدُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي لَيْلَتَيْنِ، وَيَخْتِمُهُ فِي سِوَى رَمَضَانَ فِي سِتٍّ، وَكَانَ عَلْقَمَةُ يَخْتِمُهُ فِي خَمْسٍ.
стр. 673
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ كُنْيَتُهُ أَبُو عُمَرَ , مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ , مِنَ الزُّهَّادِ الثَّمَانِيَةِ، مَشْهُورٌ بِالزُّهْدِ، وَالتَّقَشُّفِ، وَالْحَجِّ الْكَثِيرِ، وَالْعِبَادَةِ.
قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ: كَانَ الْأَسْوَدُ يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ، يَصُومُ حَتَّى يَصْفَرَّ جَسَدُهُ وَيَخْضَرَّ، فَكَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ يَقُولُ لَهُ: لِمَ تُعَذِّبُ هَذَا الْجَسَدَ هَذَا الْعَذَابَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ، وَكَرَامَةَ هَذَا الْجَسَدِ أُرِيدُ، فَلَمَّا احْتُضِرَ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا الْجَزَعُ؟ فَقَالَ: وَمَالِي لَا أَجْزَعُ، وَمَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنِّي؟ وَاللَّهِ لَوْ أُتِيتُ بِالْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ لَهَمَّنِي الْحَيَاءُ مِنْهُ مِمَّا صَنَعْتُ، إِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الذَّنْبُ الْعَظِيمُ، فَيَعْفُو، فَلَا يَزَالُ مُسْتَحْيِيًا مِنْهُ حَتَّى يَمُوتَ.
وَلَقَدْ حَجَّ ثَمَانِينَ حَجَّةٍ.
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: كَانَ الْأَسْوَدُ يَحُجُّ عَلَى نَاقَتِهِ تَعْتَلِفُ مِنَ الْبَرِيَّةِ، وَيَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا حَتَّى يَرْجِعَ.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ , مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، كَانَتْ أَمُّ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مَلِيكَةُ بِنْتُ قَيْسٍ عَمَّةُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ.
سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، فَقَالَ: كَانَ صَوَّامًا، قَوَّامًا، حَجَّاجًا، أَهْلُ بَيْتٍ خُلِقُوا لِلْجَنَّةِ عَلْقَمَةُ , وَالْأَسْوَدُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ.
قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ: انْتَهَى الزُّهْدُ إِلَى ثَمَانِيَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ.
стр. 674
ذِكْرُ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ﵁ كُنْيَتُهُ أَبُو وَاثِلَةَ
كَانَ قَاضِيَ الْبَصْرَةِ قِيلَ لِإيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: فِيكَ أَرْبَعُ خِصَالٍ: ذِمَامَةٌ، وَكَثْرَةُ كَلَامٍ، وَإِعْجَابٌ بِنَفْسِكَ، وَتَعْجِيلٌ بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: أَمَّا الذِّمَامَةُ، فَالْأَمْرُ فِيهَا إِلَى غَيْرِي، وَأَمَّا كَثْرَةُ الْكَلَامِ، فَبِصَوَابٍ أَتَكَلَّمُ أَمْ بِخَطَأٍ؟ قَالُوا: بَلْ بِصَوَابٍ.
قَالَ: فَالْإِكْثَارُ مِنَ الصَّوَابِ أَمْثَلُ، وَأَمَّا إِعْجَابِي بِنَفْسِي أَفَيُعْجِبُكُمْ مَا تَرَوْنَ مِنِّي؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: فَإِنِّي أَحَقُّ أَنْ أَعْجَبَ بِنَفْسِي، وَأَمَّا تَعْجِيلِيَ الْقَضَاءَ، فَكَمْ هَذَا؟ وَأَشَارَ بِيَدِهِ خَمْسَةً، فَقَالُوا: خَمْسَةٌ، قَالَ: عَجَّلْتُمْ أَلَا قُلْتُمْ: وَاحِدٌ، وَاثْنَانِ، وَثَلَاثَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ، وَخَمْسَةٌ؟ قَالُوا: مَا نَعُدُّ شَيْئًا قَدْ عَرَفْنَاهُ، قَالَ: فَمَا أَحْبِسُ شَيْئًا قَدْ تَبَيَّنَ لِي مِنْهُ الْحُكْمُ.
وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ هِنْدٍ قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَنْ لَمْ يَعْرِفْ عَيْبَهُ فَهُوَ أَحْمَقٌ، قِيلَ: يَا أَبَا وَاثِلَةَ، فَمَا عَيْبُكَ؟ قَالَ: كَثْرَةُ الْكَلَامِ.
стр. 675
قَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ: يُرْوَى أَنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ رَجُلًا تَامَّ الْعَقْلِ، فَكَانُوا يَرَوْنَ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ مِنْهُمْ.
قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: أُكَلِّمُ النَّاسَ بِنِصْفِ عَقْلِي، فَإِذَا اخْتَصَمَ إِلَيَّ اثْنَانِ جَمَعْتُ عَقْلِي كُلَّهُ.
وَقَالَ: مَا كَلَّمْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ بِعَقْلِي كُلِّهِ إِلَّا الْقَدَرِيَّةَ، فَإِنِّي قُلْتُ لَهُمْ: مَا الظُّلْمُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: أَنْ يَأْخُذَ الْإِنْسَانُ مَا لَيْسَ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: فَإِنَّ لِلَّهِ كُلَّ شَيْءٍ.
وَمِنْ كَلَامِ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ , قَالَ: أَفْضَلُ النَّاسِ أَسْلَمُهُمْ صَدْرًا، وَأَقَلُّهُمْ غِيبَةً.
ذِكْرُ الْأَسْوَدِ بْنِ كُلْثُومٍ بَصْرِيٌّ ﵁
قَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْأَسْوَدُ بْنُ كُلْثُومٍ، وَكَانَ إِذَا مَشَى لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ قَدَمَيْهِ، فَكَانَ يَمُرُّ بِالنِّسْوَةِ، وَلَعَلَّ إِحْدَاهُنَّ أَنْ تَكُونَ وَاضِعَةً ثَوْبَهَا أَوْ خِمَارَهَا، فَإِذَا رَأَيْنَهُ رَاعَهُنَّ ثُمَّ يَقُلْنَ: كَلَّا إِنَّهُ الْأَسْوَدُ بْنُ كُلْثُومٍ.
فَخَرَجَ يَوْمًا غَازِيًا فِي خَيْلٍ، فَدَخَلُوا حَائِطًا فَبَدَّدَ بِهِمُ الْعَدُوُّ، فَجَاءُوا،
стр. 676
فَأَخَذُوا بِثُلْمَةِ الْحَائِطِ، فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، فَضَرَبَهَا حَتَّى عَارَتْ، وَأَتَى الْمَاءَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى وَتَقَدَّمَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ نَفْسِي هَذِهِ تَزْعُمُ فِي الرَّخَاءِ أَنَّهَا تُحِبُّ لِقَاءَكَ، فَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَارْزُقْهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ كَارِهَةً فَاحْمِلْهَا عَلَيْهِ , وَأَطْعِمْ لَحْمِي سِبَاعًا وَطَيْرًا، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ , ثُمَّ مَرَّ أَعْظَمُ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ بِذَلِكَ الْحَائِطِ، فَقِيلَ لِأَخِي الْأَسْوَدِ لَوْ دَخَلْتَ فَنَظَرْتَ مَا بَقِيَ مِنْ عِظَامِ أَخِيكَ وَلَحْمِهِ، قَالَ: لَا، دَعَا أَخِي بِدُعَاءٍ فَاسْتُجِيبَ لَهُ، فَلَسْتُ أُعْرِضُ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: الْأَسْوَدُ بْنُ كُلْثُومٍ يَرْوِي الْمَرَاسِيلَ.
ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ التَّيْمِيِّ
مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ﵁.
يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ.
كُنْيَتُهُ: أَبُو أَسْمَاءَ، كَانَ عَابِدًا صَابِرًا عَلَى الْجُوعِ الدَّائِمِ.
стр. 677
قِيلَ: مَاتَ فِي حَبْسِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ بِوَاسِطٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ قَدْ طَرَحَ عَلَيْهِ الْكِلَابَ لِتَنْهَشَهُ.
وَمِنْ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ: إِنَّ الرَّجُلَ لِيَظْلِمُنِي فَأَرْحَمُهُ.
وَقَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي وَرَدْتُ عَلَى نَهْرٍ، فَقِيلَ لِي: اشْرَبْ وَاسْقِ مَنْ شِئْتَ بِمَا صَبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَاظِمِينَ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَمْكُثُ شَهْرًا لَا تَأْكُلَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَشَهْرَيْنِ، ما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب ناولنيها أهلي، فأكلتها، ثم لفظتها.
وقال إبراهيم إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى، فاغسل يدك منه.
وقال ينبغي لمن لم يحزن أَنْ يَخَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ، قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] .
وَيَنْبَغِي لِمَنْ لَا يُشْفِقُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] .
стр. 678
وَقَالَ: أَعْظَمُ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُحَدِّثَ الْعَبْدُ بِمَا يَسْتُرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِكِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ مِنَ اخْتِلَافٍ فِي الْحَقِّ وَمِنَ اتِّبَاعِ الْهَوَى بِغَيْرِ هُدًى مِنْكَ، وَمِنْ سُبُلِ الضَّلَالَةِ، وَمِنْ شُبُهَاتِ الْأُمُورِ، وَمِنَ الزَّيْغِ، وَاللَّبْسِ، وَالْخُصُومَاتِ.
وَكَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ قَطَّعَ مِنَ النِّيرَانِ ثِيَابًا يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩] .
وَقَالَ: مَا أَكَلَ آكِلٌ أَكْلَةً بِشَرَهٍ، وَلَا شَرِبَ شَرْبَةً بِشَرَهٍ، إِلَّا نَقَصَ بِهَا مِنْ حَظِّهِ فِي الْآخِرَةِ.
стр. 679
ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ
مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ﵁، كُنْيَتُهُ: أَبُو عِمْرَانَ، سَمِعَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ.
مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بَعْدَ مَوْتِ الْحَجَّاجِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ أُخْتَ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَهِيَ عَمَّةُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ.
قَالَ الْأَعْمَشُ: مَا عَرَضْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ حَدِيثًا قَطُّ إِلَّا وَجَدْتُ عِنْدَهُ مِنْهُ شَيْئًا.
стр. 680
قَالَ زُبَيْدٌ: مَا سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَجَدْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ.
وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: لَمَّا ظَهَرَتِ الْمَقَالَاتُ بِالْكُوفَةِ أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَوَّهُ رَقَّقُوا قَوْلًا وَاخْتَرَعُوا دِينًا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ، لَقَدْ تَرَكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ، فَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُمْ.
وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَكَلَّمْتُ، وَإِنَّ زَمَانًا صِرْتُ فِيهِ فَقِيهَ الْكُوفَةِ زَمَانُ سُوءٍ.
وَقَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُصَغَّرَ الْمُصْحَفُ.
وَقَالَ: عَظِّمُوا كِتَابَ اللهِ.
وَقَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ شِدَّةَ النَّزْعِ لِلسَّيِّئَةِ قَدْ عَمِلَهَا لِيَكُونَ بِهَا، وَيَكْرَهُونَ التَّلَوُّنَ فِي الدِّينِ.
وَقَالَ: مَنِ ابْتَغَى شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ يَبْتَغِي بِهِ اللَّهَ آتَاهُ اللَّهُ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ.
стр. 681
وَقَالَ: مَا قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] .
إِلَّا ذَكَرْتُ بَرْدَ الشَّرَابِ.
وَقَالَ: إِذَا قَرَأَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ نَهَارًا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِذَا قَرَأَهُ لَيْلًا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَإِذَا قَالَ حِينَ يُصْبِحُ «أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» عَشْرَ مَرَّاتٍ أُجِيرَ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَى أَنْ يُمْسِيَ، وَإِذَا قَالَ مُمْسِيًا أُجِيرَ حَتَّى يُصْبِحَ.
ذِكْرُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ﵁
هُوَ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ، وَاسْمُ أَبِي تَمِيمَةَ: كَيْسَانُ، مِنْ نُسَّاكِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
قَالَ الْحَسَنُ: سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَيُّوبُ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ: حَجَّ أَيُّوبُ أَرْبَعِينَ حَجَّةً.
стр. 682
وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ يَزِيدَ: كُنْتُ مَعَ أيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَلَى حِرَاءٍ، فَعَطِشْتُ عَطَشًا شَدِيدًا حَتَّى رَأَى ذَلِكَ فِي وَجْهِي، فَقَالَ: مَا الَّذِي أَرَى بِكَ؟ قُلْتُ: الْعَطَشَ قَدْ خِفْتُ عَلَى نَفْسِي.
قَالَ: تَسْتُرُ عَلَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
فَاسْتَحْلَفَنِي، فَحَلَفْتُ لَهُ أَنْ لَا أُخْبِرَ عَنْهُ مَادَامَ حَيًّا، فَغَمَزَ بِرِجْلِهِ عَلَى حِرَاءٍ فَنَبَعَ الْمَاءُ فَشَرِبْتُ، حَتَّى رُوِيتُ وَحَمَلْتُ مَعِي مِنَ الْمَاءِ، فَمَا حَدَّثْتُ بِهِ حَتَّى مَاتَ.
وَمِنْ كَلَامِ أَيُّوبَ , قَالَ: لَا يَسُودُ الْعَبْدُ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَالتَّغَافُلُ عَمَّا يَكُونُ مِنْهُمْ.
وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لِأَيُّوبَ: أُكَلِّمُكَ بِكَلِمَةٍ؟ قَالَ: وَلَا نِصْفِ كَلِمَةٍ.
وَقَالَ: مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا.
وَقَالَ: يَبْلُغُنِي مَوْتُ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَكَأَنَّمَا يَسْقُطُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِي.
وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي أُفْلِتُ مِنَ الْحَدِيثِ كَفَافًا.
стр. 683
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: كَانَ أَيُّوبُ صَدِيقًا لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ، قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْسِهِ ذِكْرِي.
وَقَالَ: جَالَسْتُ الْحَسَنَ أَرْبَعَ سِنِينَ فَمَا سَأَلْتُهُ هَيْبَةً لَهُ.
وَقَالَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدَ، فَأَرِدْ مَا يَكُونُ.
ذِكْرُ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ﵁، كُنْيَتُهُ: أَبْو بَحْرٍ
مِنْ عُقَلَاءِ النَّاسِ وَفُصَائِحِهِمْ، مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مُصْعَبُ
стр. 684
بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمَشَى فِي جِنَازَتِهِ بِلَا رِدَاءٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: بِمَ سُدْتَ قَوْمَكَ؟ قَالَ: لَا أَتَكَلَّفُ مَا كُفِيتُ، وَلَا أُضَيِّعُ مَا وُلِّيتُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: قِيلَ لِلْأَحْنَفِ: بِمَ سُدْتَ قَوْمَكَ؟ قَالَ: لَوْ عَابَ النَّاسُ الْمَاءَ مَا شَرِبْتُهُ.
وَقِيلَ لِلْأَحْنَفِ: مَالَكَ لَا تَمَسُّ الْحَصَا؟ قَالَ: مَا فِي مَسِّهِ أَجْرٌ , وَلَا فِي تَرْكِهِ وِزْرٌ.
وَقَالَ: إِنَّ فِيَّ لَخَلَّتَيْنِ لَا أَغْتَابُ جَلِيسًا إِذَا قَامَ مِنْ عِنْدِي، وَلَا أَدْخُلُ فِي أَمْرِ قَوْمٍ لَمْ يُدْخِلُونِي مَعَهُمْ فِيهِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: عَاشَتْ بَنُو تَمِيمٍ بِحُكْمِ الْأَحْنَفِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: سَأَلَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، كَيْفَ سَادَكُمِ الْأَحْنَفُ وَلَيْسَ بِأَشْرَفِكُمْ، وَلَا أَكْثَرِكُمْ مَالًا؟ قُلْتُ: إِنْ شِئْتَ فِي ثَلَاثٍ، وَإِنْ شِئْتَ فِي خَصْلَتَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ فِي وَاحِدَةٍ.
قَالَ: فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ: كَانَ لَا يَحْسُدُ، وَلَا يَحْرِصُ، وَلَا يَدْفَعُ الْحَقَّ إِذَا وَجَبَ.
قَالَ: فِي ثِنْتَيْنِ، قُلْتُ: كَانَ يُلْقِي الْخَيْرَ , وَيُوَقِّي الشَّرَّ.
قَالَ: فِي وَاحِدَةٍ، قُلْتُ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ
стр. 685
لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ عَلَى نَفْسِهِ مَا كَانَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ: أَجْمَلْتَ.
وَرُوِيَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مَنْصُورٍ , قَالَ: كَانَ عَامَّةُ صَلَاةِ الْأَحْنَفِ بِاللَّيْلِ , وَكَانَ يَضَعُ السِّرَاجَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَرُبَّمَا وَضَعَ إِصْبَعَهُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: حِسَّ يَا أَحْنَفُ , مَا حَمَلَكَ يَوْمَ كَذَا عَلَى أَنْ فَعَلْتَ كَذَا.
وَقَالَ مُغِيرَةُ: اشْتَكَى ابْنُ أَخِي الْأَحْنَفِ إِلَيْهِ وَجَعَ ضِرْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ ذَهَبَتْ عَيْنَيْ مُنْذَ عِشْرِينَ سَنَةً مَا ذَكَرْتُهَا لِأَحَدٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَمْ تُرَ الْخَيْلُ الْبُلْقُ بَعْدَ وَقْعَةِ الْأَحْنَفِ بِخُرَاسَانَ مَعَ الْهَيَاطِلَةِ مِنَ التُّرْكِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ: إنَّ عَلَى كُلِّ رَئيسٍ حَقًّا أنْ يُخْضِبَ الصَّعْدَةَ أَوْ تَنْدَقَّا وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ رَجُلًا يَقْرَأُ: الْبَقَرَةَ.
وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ رَجُلًا يَقْرَأُ: آلَ عِمْرَانَ.
وَهُوَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَهُمْ فِي ثَلاثِ مِائَةِ أَلْفٍ، فَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
стр. 686
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: شَتَمَ رَجُلٌ الْأَحْنَفَ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ الْأَحْنَفُ: سَتَرَ اللَّهُ الْأَكْثَرَ.
وَقِيلَ لِلْأَحْنَفِ: لَئِنْ قُلْتَ وَاحِدَةً لَتَسْمَعَنَّ عَشْرًا، قَالَ الْأَحْنَفُ: لَكِنَّكَ لَوْ قُلْتَ عَشْرًا لَا تَسْمَعُ وَاحِدَةً..
ذِكْرُ أَوْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَعِيِّ الْبَصْرِيِّ ﵁، كُنْيَتُهُ: أَبُو الْجَوْزَاءِ
قَالَ: لَأَنْ أُجَالِسَ الْقِرَدَةَ، وَالْخَنَازِيرَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُجَالِسَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
وَقَالَ: مَا لَعَنْتُ شَيْئًا قَطُّ، وَلَا أَكَلْتُ شَيْئًا لَعَنَهُ إِنْسَانٌ قَطُّ، وَلَا
стр. 687
آذَيْتُ أَحَدًا قَطُّ.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ عَابِدًا فَاضِلًا، كَانَ يُوَاصِلُ أَيَّامًا، ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَدِ الشَّابِّ فَيَكَادُ يُحَطِّمُهَا.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ: إِنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ.
وَقَالَ: جَاوَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فِي دَارِهِ وَمَا مِنَ الْقُرْآنِ آيَةٌ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهَا.
وَقَالَ: نَقْلُ الْحِجَارَةِ عَلَى الْمُنَافِقِ أَهْوَنُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَأزَمْ بِالْقَلْبِ حَتَّى مَا يَسْتطِيعَ صَاحِبُهُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ عَامَّةً إِلَّا حَالِفًا، وَمَالَهُ فِي الْقَلْبِ طَرْدٌ إِلَّا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] .
стр. 688
بَابُ الْبَاءِ
ذِكْرُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
بَصْرِيٌّ، كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لَنَا مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِكَ لَا تُعَذِّبْنَا بَعْدَهَا أَبَدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ فَضْلِكَ الْوَاسِعِ رِزْقًا حَلَالًا طَيِّبًا , لَا تُفْقِرُنَا بَعْدَهُ إِلَى أَحَدٍ سِوَاكَ أَبَدًا , تُزِيدُنَا بِهِمَا شُكْرًا وَإِلَيْكَ فَاقَةً وَفَقْرًا، وَبِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ غِنًى وَتَعَفُّفًا.
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ مِثْلُكَ يَابْنَ آدَمَ، خَلِّي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَاءِ وَالْمِحْرَابِ، تَدْخُلُ إِذَا شِئْتَ عَلَى رَبِّكَ لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ.
وَقَالَ: إِنَّمَا طِيبُ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا الْمَاءُ.
стр. 689
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَابِدًا فَاضِلًا مُجَابَ الدَّعْوَةِ.
وَمِنْ كَلَامِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: إِنْ عَرَضَ لَكَ إِبْلِيسُ بِأَنَّ لَكَ فَضْلًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَانْظُرْ، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ مِنْكَ فَقُلْ: سَبَقَنِي بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْكَ فَقُلْ: سَبَقْتُ هَذَا بِالْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ وَاسْتَوجَبْتُ الْعُقُوبَةَ فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي.
وَفِي رِوَايَةٍ: ارْتَكَبْتُ مِنَ الذُّنُوبِ أَكْثَرَ مِمَّا ارْتَكَبَ فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي.
وَإِنْ رَأَيْتَ إِخْوَانَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُكْرِمُونَكَ وَيَصِلُونَكَ وَيُعَظِّمُونَكَ فَقُلْ: هَذَا فَضْلٌ أَخَذُوا بِهِ، فَإِذَا رَأَيْتَ مِنْهُمْ جَفَاءً وَانْقِبَاضًا فَقُلْ: هَذَا ذَنْبٌ أَحْدَثْتُهُ.
وَكَانَ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِأَمْرٍ إِنْ أَصَبْتُمْ أُجِرْتُمْ، وَإِنْ أَخْطَأْتُمْ لَمْ تَأْثَمُوا وَهُوَ: حُسْنُ الظَّنِّ بِالنَّاسِ، وَإِيَّاكُمْ وَكُلَّ أَمْرٍ إِنْ أَصَبْتُمْ لَمْ تُؤْجَرُوا وَإِنْ أَخْطَأْتُمْ أَثِمْتُمْ.
وَقَالَ بَكْرٌ: إِنَّ اللَّهَ لِيُجَرِّعُ الْعَبْدَ الْمَرَارَةَ لِمَا يُرِيدُ فِيهِ مِنْ صَلَاحِ عَاقِبَتِهِ، أَمَا رَأَيْتُمُ الْمَرْأَةَ تُجَرِّعُ وَلَدَهَا الصَّبْرَ أَوِ الْحَضَضَ تُرِيدُ عَافِيَتَهُ.
وَقَالَ بَكْرٌ: إِنَّكُمْ تُكْثِرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ فَاسْتَكْثِرُوا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ بَيْنَ سَطْرَيْنِ اسْتِغْفَارًا سَرَّهُ مَكَانُ ذَلِكَ.
стр. 690
وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا رَزَقَهُ اللَّهُ قُوَّةً فَاسْتَعْمَلَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، أَوْ قَصَّرَ بِهِ ضَعْفٌ فَلَمْ يُعْمِلْهَا فِي مَعَاصِي اللَّهِ.
ذِكْرُ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ الْعُقَيْلِيِّ ﵁
كَانَ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
قَالَ بُدَيْلٌ: الصِّيَامُ مَعْقَلُ الْعَابِدِينَ.
وَقَالَ: مَنْ أَرَادَ بِعِلْمِهِ وَجْهَ اللَّهِ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَأَقْبَلَ بِقُلُوبِ الْعِبَادِ عَلَيْهِ، وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ وَجْهَهُ وَصَرَفَ بِقُلُوبِ الْعِبَادِ عَنْهُ.
стр. 691
ذِكْرُ بَكْرِ بْنِ قَيْسٍ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي ﵁
مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، يَرْوِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ.
قَالَ أَبُو الصِّدِّيقِ النَّاجِيُّ: خَرَجَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵇ يَسْتَسْقِي فَمَرَّ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةٍ قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ , وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ وَرِزْقِكَ، فإما أَنْ تَسْقِيَنَا وَتَرْزُقَنَا، وَإِمَّا أَنْ تُهْلِكَنَا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: ارْجِعُوا، فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ.
стр. 692
ذِكْرُ بِلَالِ بْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵀
كَانَ قَاضِيًا بِدِمَشْقَ، قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِدِمَشْقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁، ثُمَّ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ , ثَمَّ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، ثُمَّ بِلَالُ بْنُ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَزَلَ بِلَالًا وَوَلَّى أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ.
رَوَى عَنْهُ أَهْلُ الشَّامِ.
стр. 693
ذِكْرُ بِلَالِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَمِيمٍ السُّكُونِيِّ الشَّامِيِّ ﵀
يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا يَقُصُّ فِي وِلايَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُثْمَانَ الْإِبْرَيْسَمِيُّ , أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ , أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ سَعْدٍ , يَقُولُ: «زَاهِدُكُمْ رَاغِبٌ، وَعَالِمُكُمْ جَاهِلٌ، وَجَاهِلُكُمْ مُغْتَرٌّ» .
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ مِنَ الْعِبَادَةِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُسْمَعْ بِأَحَدٍ قَوِيَ عَلَيْهِ، كَانَ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ اغْتِسَالٌ وَقَالَ: مَا أَتَى عَلَيْهِ زَوَالٌ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ فِيهِ قَائِمٌ يُصَلِّي.
стр. 694
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ , أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ " الذِّكْرُ ذِكْرَانِ، ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسَانِ حَسَنٌ جَمِيلٌ، وَذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَمَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ أَفْضَلُ
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ بِلَالَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: " رُبَّ مَسْرُورٍ مَغْبُونٍ، وَرُبَّ مَغْبُونٍ لَا يَشْعُرُ، فَالْوَيْلُ لِمَنْ لَهُ الْوَيْلُ وَلَا يَشْعُرُ، يَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ، وَيَضْحَكُ وَقَدْ حَقَّ عَلَيْهِ فِي قَضَاءِ اللَّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَا وَيْلٌ لَكَ رُوحًا، وَيَا وَيْلٌ لَكَ جَسَدًا، فَلْتَبْكِ وَلْتَبْكِ عَلَيْكَ الْبَوَاكِي طُولَ الْأَبَدِ
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ , أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ سَعْدٍ , يَقُولُ: " عِبَادُ الرَّحْمَنِ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ تَعْمَلُونَ فِي أَيَّامٍ قِصَارٍ لِأَيَّامٍ طِوَالٍ وَفِي دَارِ زَوَالٍ لِدَارِ إِقَامَةٍ، وَفِي دَارِ تَعَبٍ وَحَزَنٍ لِدَارِ نَعِيمٍ وَخُلْدٍ وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ عَلَى الْيَقِينِ فَلَا يَتَعَنَّ
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ , أَخْبَرَنِي جَدِّي الضَّحَّاكُ , سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ سَعْدٍ , يَقُولُ: " عِبَادَ الرَّحْمَنِ هَلْ جَاءَكُمْ مُخْبِرٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِكُمْ تُقُبِّلَتْ مِنْكُمْ أَوْ شَيْئًا مِنْ خَطَايَاكُمْ غُفِرَتْ لَكُمْ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] .
وَاللَّهِ لَوْ عُجِّلَ لَكُمُ الثَّوَابُ فِي الدُّنْيَا
стр. 695
لِاسْتَقْلَلْتُمْ مَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، أَفَتَرْغَبُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لِتَعْجِيلَ دَرَاهِمَ، وَلَا تَرْغَبُونَ وَتَنَافَسُونَ فِي جَنَّةٍ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ
قَالَ: وَسَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ سَعْدٍ , يَقُولُ: " عِبَادَ الرَّحْمَنِ يُقَالُ لِأَحَدِنَا: تُحِبُّ تَمُوتُ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيُقَالُ لَهُ: لِمَ؟ فَيَقُولُ: حَتَّى أَعْمَلَ، فَيُقَالُ لَهُ: اعْمَلْ، فَيَقُولُ: سَوْفَ، فَلَا يُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ، وَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَ عَمَلَ اللَّهِ، وَلَا يُحِبُّ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ حِرْصُ دُنْيَاهُ
وَقِيلَ: وَسَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ سَعْدٍ , يَقُولُ: " عِبَادَ الرَّحْمَنِ أَمَّا مَا وَكَّلَكُمُ اللَّهُ بِهِ فَتُضَيِّعُونَ، وَأَمَّا مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَكُمْ بِهِ فَتَطْلُبُونَ، مَا هَكَذَا نَعَتَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ ذَوِي عُقُولٍ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَبُلْهٍ عَمَّا خُلِقْتُمْ لَهُ، فَكَمَا تَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ بِمَا تُؤَدُّونَ مِنْ طَاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ أَشْفِقُوا مِنْ عِقَابِ اللَّهِ بِمَا تَنْتَهِكُونُ مِنْ مَعَاصِيهِ
قَالَ: سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ سَعْدٍ , يَقُولُ: " عِبَادَ الرَّحْمَنِ، أَرْبَعُ خِصَالٍ جَارِيَاتٌ عَلَيْكُمْ مِنَ الرَّحْمَنِ مَعَ ظُلْمِكُمْ أَنْفُسَكُمْ وَخَطَايَاكُمْ:
стр. 696
أَمَّا رِزْقُهُ فَدَارٌّ عَلَيْكُمْ، وَأَمَّا رَحْمَتُهُ فَغَيْرُ مَحْجُوبَةٍ عَنْكُمْ، وَأَمَّا سِتْرُهُ فَسَابِغٌ عَلَيْكُمْ، وَأَمَّا عِقَابُكُمْ فَلَمْ يُعَجَّلْ لَكُمْ، ثُمَّ أَنْتُمْ عَلَى ذَلِكَ تَجْتَرِئُونُ عَلَى إِلَاهِكُمْ، أَنْتُمِ الْيَوْمَ تُكَلِّمُونَ وَاللَّهُ سَاكِتٌ، وَيُوشِكُ اللَّهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَتَسْكُتُونَ، ثُمَّ يَثُورُ مِنْ أَعْمَالِكُمْ دُخَانٌ تَسْوَدُّ مِنْهُ الْوُجُوهُ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]
ذِكْرُ بِشْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحْتَضِرِ ﵀
يَرْوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ وَالِيَ عُمَرَ ﵁ عَلَى السُّوسِ.
стр. 697
بَابُ التَّاءِ
ذِكْرُ تَمَّامِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
هُوَ ابْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ، رَوَى عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ تَمَّامٍ.
ذِكْرُ تَبِيعٍ الْحِمْيَرِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
عِدَادُهُ فِي أَهْلِ مِصْرَ ﵁.
стр. 698
ذِكْرُ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
بَصْرِيٌّ، يَرْوِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁
بَابُ الثَّاءِ
ذِكْرُ ثَابِتِ بْنِ أَسْلَمَ الْبُنَانِيِّ بَصْرِيٌّ ﵁
صَحِبَ أَنَسًا ﵁ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَعْبَدِ أَهْلِ
стр. 699
الْبَصْرَةِ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ ثَابِتٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَيَصُومُ الدَّهْرَ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ ثَابِتًا: مَا تَرَكْتُ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ سَارِيَةً إِلَّا وَقَدْ خَتَمْتُ الْقُرْآنَ عِنْدَهَا، وَبَكَيْتُ عِنْدَهَا.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الصُّمَّةِ حَدَّثَنِي الَّذِينَ كَانُوا يَمُرُّونَ بِالْجَصِّ مِنَ الْأَسْحَارِ قَالُوا: إِذَا مَرَرْنَا بِجَنَبَاتِ قَبْرِ ثَابِتٍ سَمِعْنَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ ثَابِتٌ: الصَّلَاةُ خِدَمَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، لَوْ عَلِمَ اللَّهُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ مَا قَالَ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩] .
стр. 700
وَقَالَ: كَابَدْتُ الصَّلَاةَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَتَنَعَّمْتُ بِهَا عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَالَ أَنَسٌ، ﵁: إِنَّ لِلْخَيْرِ مَفَاتِيحَ، وَإِنَّ ثَابِتًا مِفْتَاحٌ مِنْ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ.
وَقَالَ ثَابِتٌ لِحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ: هَلْ بَلَغَكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ أَنَّ أَحَدًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ ثَابِتٌ: اللَّهُمَّ إِنْ أَذِنْتَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ فَأْذَنْ لِثَابِتٍ أَنْ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ.
قَالَ جِسْرٌ أَنَا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَدْخَلْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ لَحْدَهُ وَمَعِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، فَلَمَّا سَوَّيْنَا عَلَيْهِ اللَّبِنَ سَقَطَتْ لَبِنَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِهِ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، فَقُلْتُ لِحُمَيْدٍ: أَلَا تَرَى؟ قَالَ: اسْكُتْ، فَلَمَّا فَرَغْنَا أَتَيْنَا ابْنَتَهُ، فَقُلْنَا: مَا كَانَ عَمَلُ ثَابِتٍ؟ قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهَا، فَقَالَتْ: كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ خَمْسِينَ سَنَةً، فَإِذَا كَانَ السَّحَرُ قَالَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَعْطَيْتَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ الصَّلَاةَ فِي قَبْرِهِ فَأَعْطِنِيهَا، فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَرُدَّ ذَلِكَ الدُّعَاءَ.
стр. 701
وَمِنْ كَلَامِ ثَابِتٍ، ﵁، قَالَ: لَا يُسَمَّى عَابِدٌ عَابِدًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ كُلُّ خِصْلَةٍ خَيِّرَةٍ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ: الصَّوْمُ , وَالصَّلَاةُ، لِأَنَّهُمَا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمِهِ.
وَقَالَ حَرَمِيٌّ: اسْتَعَانَ رَجُلٌ بِثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَلَى الْقَاضِي فِي حَاجَةٍ فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِمَسْجِدٍ إِلَّا نَزَلَ فَصَلَّى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَاضِي، فَكَلَّمَهُ فِي حَاجَةِ الرَّجُلِ، فَقَضَاهَا، فَأَقْبَلَ ثَابِتٌ عَلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ: لَعَلَّهُ شَقَّ عَلَيْكَ مَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً إِلَّا طَلَبْتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي حَاجَتِكَ.
وَقَالَ فِي دُعَائِهِ: يَا بَاعِثُ يَا وَارِثُ، لَا تَدَعْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ.
وَقَالَ: مَا عَلَى أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَاعَةٍ فَيَرْبَحَ يَوْمَهُ.
وَقَالَ: طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ سَاعَةَ الْمَوْتِ، وَمَا أَكْثَرُ عَبْدٌ ذَكَرَ الْمَوْتَ إِلَّا رُئِيَ ذَلِكَ فِي عَمَلِهِ.
وَقَالَ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً لَا يَأْتِي عَلَى ذِي رُوحٍ إِلَّا
стр. 702
وَمَلَكُ الْمَوْتِ قَائِمٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ أُمِرَ بِقَبْضِهَا قَبَضَهَا وَإِلَّا ذَهَبَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ: ذَهَبْتُ أُلَقِّنُ أَبِي وَهُوَ فِي الْمَوْتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ دَعْنِي فَإِنِّي فِي وِرْدِي السَّادِسِ أَوْ قَالَ السَّابِعِ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: اشْتَكَى ثَابِتٌ عَيْنَهُ مِنْ كَثْرَةِ بُكَائِهِ حَتَّى كَادَتْ تَذْهَبُ فَجَاءُوا بِالطَّبِيبِ يُعَالِجُهَا , فَقَالَ: اضْمَنْ لِي خِصْلَةً تَبْرَأُ عَيْنُكَ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: لَا تَبْكِ، قَالَ: وَمَا خَيْرٌ فِي عَيْنٍ لَا تَبْكِي، وَأَبَى أَنْ يُعَالَجَ.
وَقَالَ لَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: مَا أَشْبَهَ عَيْنَكَ بِعَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا زَالَ يَبْكِي حَتَّى عَمَشَتْ.
стр. 703
فَصْلٌ
قَالَ ثَابِتٌ: كَانَ دَاوُدُ ﵇ يُطِيلُ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِلَيْكَ رَفَعْتُ رَأْسِي يَا عَامِرَ السَّمَاءِ، نَظَرَ الْعَبِيدِ إِلَى أَرْبَابِهَا.
قَالَ: وَكَانَ دَاوُدُ ﵇ جَزَّأَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمْ تَكُنْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا وَإِنْسَانٌ مِنْ آلِ دَاوُدَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَعَمَّهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] .
قَالَ: وَكَانَ دَاوُدُ ﵇ إِذَا ذَكَرَ عِقَابَ اللَّهِ تَخَلَّعَتْ أَوْصَالُهُ لَا يَشُدُّهَا إِلَّا الْأُنْسُ فَإِذَا ذَكَرَ رَحْمَةَ اللَّهِ تَرَاجَعَتْ.
وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْعُبَّادِ أَنَّهُ , قَالَ: " إِنِّي لَأَعْلَمُ حِينَ يَذْكُرُنِي رَبِّي، قَالَ إِخْوَانُهُ: وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: إِذَا ذَكَرْتُهُ ذَكَرَنِي، قَالَ: وَأَعْلَمُ مَتَى يَسْتَجِيبُ لِي، قَالُوا: كَيْفَ تَعْلَمُ؟ قَالَ: إِذَا وَجِعَ قَلْبِي وَاقْشَعَرَّ جِلْدِي وَفَاضَتْ عَيْنَيَّ وَفُتِحَ لِي فِي الدُّعَاءِ ".
стр. 704
بَابُ الْجِيمِ
ذِكْرُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁
يُقَالُ: إِنَّهُ الصَّادِقُ.
قَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ: كُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلِمْتُ أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ النَّبِيِّينَ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْفُقَهَاءَ قَدْ رَكَنُوا إِلَى السَّلَاطِينِ فَاتَّهِمُوهُمْ.
وقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِيَّاكُمْ وَالْخُصُومَةُ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهَا تَشْغَلُ الْقَلْبَ وَتُورِثُ النِّفَاقَ.
стр. 705
وقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إِلَّا بِثَلَاثَةٍ: تَعْجِيلُهُ , وَتَصْغِيرهِ , وَسَتْرِهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةُ خَزٍّ دَكْنَاءُ , وَعَلَيْهِ كِسَاءُ خَزٍّ , فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَجِّبًا، فَقَالَ لِي: يَا ثَوْرِيُّ مَالَكَ تَنْظُرُ إِلَيْنَا لَعَلَّكَ تَعْجَبُ مِمَّا تَرَى.
فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ لِبَاسِكَ وَلِبَاسِ آبَائِكَ، فَقَالَ: يَا ثَوْرِيُّ كَانَ ذَلِكَ زَمَانًا مُقْفِرًا وَكَانُوا يَعْمَلُونَ عَلَى قَدْرِ إِقْفَارِهِ، وَهَذَا زَمَانٌ قَدْ أَسْبَلَ كُلُّ شَيْءٍ عَزَالِيَهُ.
ثُمَّ حَسَرَ عَنْ رَدْنِ جُبَّتِهِ فَإِذَا جُبَّةُ صُوفٍ بَيْضَاءُ يَقْصُرُ الذَّيْلُ عَنِ الذَّيْلِ وَالرَّدْنُ عَنِ الرَّدْنِ , فَقَالَ: يَا ثَوْرِيُّ لَبِسْنَا هَذَا لِلَّهِ وَهَذَا لَكُمْ، فَمَا كَانَ لِلَّهِ أَخْفَيْنَاهُ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَبْدَيْنَاهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمِقْدَامِ الرَّازِيُّ: وَقَعَ الذُّبَابُ عَلَى الْمَنْصُورِ فَذَبَّهُ عَنْهُ فَعَادَ فَذَبَّهُ عَنْهُ حَتَّى أَضْجَرَهُ، فَدَخَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: لِمَ خَلَقَ اللَّهُ الذُّبَابَ؟ قَالَ: لِيَذِلَّ بِهِ الْجَبَابِرَةُ.
следующие страницы →