Полный текст (1 332 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
ذِكْرُ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ
كَلَاعِيٌّ تَابِعِيٌّ حِمْصِيٌّ ﵁.
يَرْوِي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , وَالْمِقْدَامِ ﵄.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: لَقِيَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ.
قَدِمَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالِيًا عَلَى حِمْصٍ فَحَضَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الصَّلَاةَ وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ فِي الصَّفِّ، فَلَمَّا رَآهُ إِذَا عَلَى الْعَبَّاسِ ثَوْبُ حَرِيرٍ فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدٌ فَشَقَّ الصُّفُوفَ حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى الرِّجَالَ عَنْ لِبْسِ هَذَا، فَقَالَ: يَا عَمُّ هَلَّا قُلْتَ أُخْفِي مِنْ هَذَا؟ قَالَ: وَغَمَّكَ مَا قُلْتُ؟ وَاللَّهِ لَا سَكَنْتُ بَلَدًا أَنْتَ فِيهِ، فَخَرَجَ مِنْهَا وَسَكَنَ طَرَسُوسَ، فَكَتَبَ الْعَبَّاسُ إِلَى أَبِيهِ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ،
стр. 737
فَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَيْهِ: يَا بُنَيَّ الْحَقْهُ بِعَطَائِهِ أَيْنَمَا كَانَ، فَإِنَّا لَا نَأْمَنُ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْنَا بِدَعْوَةٍ فَنَهْلَكَ، فَأَقَامَ بِطَرْسُوسَ مُتَعَبِّدًا مُرَابِطًا إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ السَّعْدِيُّ الْخَيَّاطُ ﵁، كُنْيَتُهُ: أَبُو خَلْدَةَ
يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ ﵁، كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ يُحْسِنُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ.
ذِكْرُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁
مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , مِنَ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ.
стр. 738
بَابُ الدَّالِ
ذِكْرُ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ﵁
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ سَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ وَكَانَ عَاقِلًا , يَقُولُ: إِنَّكَ إِذَا أَخَذْتَ بِالَّذِي اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَإِنَّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هُوَ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قُلْتُ لِدَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ: مَا تَقُولُ فِي الْقَدَرِ؟ قَالَ دَاوُدُ: لَمْ نُوكَلْ إِلَى الْقَدَرِ وَإِلَيْهِ نَصِيرُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ دَاوُدُ: أَتَيْتُ الشَّامَ فَلَقِيَنِي غَيْلَانُ , فَقَالَ: يَا دَاوُدُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَسَائِلَ، فَقُلْتُ: سَلْنِي عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً
стр. 739
وَأَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَتَيْنِ، فَقَالَ: سَلْ يَا دَاوُدُ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي مَا أَفْضَلُ مَا أُعْطِيَ ابْنُ آدَمَ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْعَقْلِ؟ أَهُوَ شَيْءٌ مُبَاحٌ لِلنَّاسِ، مَنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ، أَمْ هُوَ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: فَمَضَى وَلَمْ يُجِبْنِي.
وَقَالَ سُفْيَانُ سَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ , يَقُولُ: أَصَابَنِي الطَّاعُونُ زَمَنَ الطَّاعُونِ فَأُغْمِيَ عَلَيَّ فَكَانَ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي , وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَيَّ شَيْءٍ تَجِدُ؟ قَالَ: أَجِدُ تَسْبِيحًا وَتَكْبِيرًا وَخَطًا إِلَى الْمَسْجِدِ , وَشَيْئًا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: انْظُرْ فَنَظَرَ إِلَى رِجْلِي فَقَالَ: كَمْ مِنْ خَيْرٍ مَشَتْ قَالَا: لَمْ يَأْنِ لَهُ، فَقَامَا وَارْتَفَعَا فَبَرِئْتُ وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْقُرْآنِ فَحَفِظْتُهُ وَلَمْ أَكُنْ أَحْفَظُهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: صَامَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَعْلَمُ بِهِ أَهْلُهُ، كَانَ خَرَّازًا يَحْمِلُ غَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِمْ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ فِي الطَّرِيقِ وَيَرْجِعُ عَشِيًّا فَيُفْطِرُ مَعَهُمْ.
стр. 740
ذِكْرُ دُخَيْنٍ الْحَجَرِيُّ تَابِعِيٌّ مِصْرِيٌّ ﵁
يَرْوِي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: قَتَلَتْهُ الرُّومُ بِتَنِيسَ سَنَةَ مِائَةٍ.
قَالَ دُخَيْنٌ: كَانَ لَنَا جِيرَانُ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَنَهَيْتُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَقُلْتُ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَفَأَدْعُو لَهُمْ بِالشُّرَطِ؟ قَالَ: دَعْهُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى عَوْرَةً مِنْ مُسْلِمٍ فَسَتَرَهَا، فَكَأَنَّمَا اسْتَحْيَى مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا» .
стр. 741
بَابُ الذَّالِ
ذِكْرُ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ ﵄
كَانَ يَؤُمُّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، يَعْنِي فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي الْمُصْحَفِ.
ذِكْرُ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ﵁
وَيُقَالُ لَهُ: الزَّيَّاتُ، كَانَ يَجْلِبُ السَّمْنَ وَالزَّيْتَ إِلَى الْكُوفَةِ فَنُسِبَ إِلَيْهَا , وَهُوَ وَالِدُ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ﵁.
стр. 742
ذِكْرُ ذِي الْكِلَاعِ بْنِ عَمِّ كَعْبٍ ﵁
عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الشَّامِ، يَرْوِي عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁.
بَابُ الرَّاءِ
ذِكْرُ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ ﵀
الثَّوْرِيُّ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ، كُنْيَتُهُ أَبُو يَزِيدَ، مِنَ الْعُبَّادِ السَّبْعَةِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
رَوَى عَنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ , قَالَ: جَاءَ ابْنُ الْكَوَّاءِ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ،
стр. 743
فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، قَالَ: مَنْ كَانَ مَنْطِقُهُ تَذَكُّرًا، وَمَسِيرُهُ تَدَبُّرًا.
وَأَصَابَهُ الْفَالِجُ فَقِيلَ لَهُ لَوْ تَدَاوَيْتَ، فَقَالَ «إِنَّ الدَّوَاءَ حَقٌّ , وَلَكِنْ ذَكَرْتُ عَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا، كَانَ فِيهِمُ الْأَوْجَاعُ، وَلَهُمُ الْأَطِبَّاءُ فَمَا بَقِيَ الْمُدَاوَى وَلَا الْمُدَاوِي» .
ثُمَّ يَقُولُ: أَعِدَّ زَادَكَ، وُخُدْ فِي جِهَازِكَ، وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ.
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، إِذَا رَآهُ قَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] .
أَمَا إِنَّ مُحَمَّدًا لَوْ رَآكَ لَأَحَبَّكَ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ: كُلُّ مَا لَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ يَضْمَحِلُّ، وَكَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فَإِذَا سَمِعَ وَقْفًا خَافَتَ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَجِيءُ وَقَدْ نَشَرَ الْمُصْحَفَ فَيُغَطِّيهِ بِثَوْبِهِ.
وَقَالَ مُنْذِرٌ الثَّوْرِيُّ: كَانَ الرَّبِيعُ إِذَا أَتَاهُ الرَّجُلُ يَسْأَلُهُ، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَطِعْهُ فِيمَا عَلِمْتَ وَمَا اسْتُؤْثِرَ بِهِ عَلَيْكَ فَكُلُّهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَخْزِنْ عَلَيْكَ
стр. 744
لِسَانَكَ إِلَّا مِمَّا لَكَ، لِأَنِّي عَلَيْكُمْ فِي الْعَمْدِ أَخْوَفُ مِنِّي عَلَيْكُمْ فِي الْخَطَإِ , وَمَا خَيَّرْتُكُمُ الْيَوْمَ بِخَيْرٍ وَلَكِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ آخِرِ شَرٍّ مِنْهُ، وَمَا تَتَّبِعُونَ الْخَيْرَ حَقَّ اتِّبَاعِهِ وَمَا تَفِرُّونَ مِنَ الشَّرِّ حَقَّ فِرَارِهِ، وَلَا كُلَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ أَدْرَكْتُمْ، وَلَا كُلَّ مَا تَقْرَءُونَ تَدْرُونَ مَا هُوَ، ثُمَّ يَقُولُ: السَّرَائِرَ السَّرَائِرَ اللَّائِي تُخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَهُنَّ لِلَّهِ بِوَادٍ الْتَمِسُوا دَوَاءَهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: وَمَا دَوَاؤُهُنَّ إِلَّا أَنْ تَتُوبَ ثُمَّ لَا تَعُودَ.
وَكَانَ يَبْكِي حَتَّى تُبَلَّ لِحْيَتَهُ دُمُوعُهُ وَيَقُولُ: أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا نَحْنُ فِي جَنْبِهِمْ لُصُوصٌ.
وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: تَدْرُونَ مَا الدَّاءُ وَالدَّوَاءُ وَالشِّفَاءُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: الدَّاءُ الذُّنُوبُ، وَالدَّوَاءُ الاسْتِغْفَارُ، وَالشِّفَاءُ: أَنْ تَتُوبَ ثُمَّ لَا تَعُودَ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ: أَقِلُّوا الْكَلَامَ إِلَّا بِتِسْعٍ: تَسْبِيحٌ , وَتَكْبِيرٌ , وَتَهْلِيلٌ , وَتَمْجِيدٌ , وَسُؤَالُكَ الْخَيْرَ، وَتَعَوُّذُكَ الشَّرَّ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ.
стр. 745
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مَاعِزٍ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَمَعَنَا الرَّبِيعُ فَمَررْنَا عَلَى حَدَّادٍ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَنَظَرَ إِلَى حَدِيدَةٍ فِي النَّارِ، فَنَظَرَ الرَّبِيعُ إِلَيْهَا فَتَمَايَلَ لِيَسْقُطَ، فَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى أَتُونِ بَعْضِ الْحَدَّادِينَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَلَمَّا رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ تَلَهَّبُ النَّارُ فِي وَجْهِهِ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] .
فَصُعِقَ الرَّبِيعُ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَحَمَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى دَارِهِ وَرَابَطَهُ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ فَلَمْ يُفِقْ، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ الظُّهْرَ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: يَا رَبِيعُ، يَا رَبِيعُ، فَلَمْ يُجِبْ، وَرَابَطَهُ إِلَى الْعَصْرِ فَلَمْ يُفِقْ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ الْعَصْرَ، فَرَجَعَ وَقَالَ: يَا رَبِيعُ يَا رَبِيعُ فَلَمْ يُفِقْ فَرَابَطَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ وَرَجَعَ إِلَيْهِ فَلَمْ يُفِقْ، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَبِيعُ يَا رَبِيعُ فَلَمْ يُجِبْهُ وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى ضَرَبَهُ بَرْدُ السَّحَرِ.
وَقَالَ لَهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ: مَا نَرَاكَ تَعِيبُ أَحَدًا وَلَا تَذُمُّهُ، قَالَ: مَا أَنَا عَنْ نَفْسِي بِرَاضٍ فَأَتَفَرَّغَ مِنْ ذَنْبِي إِلَى حَدِيثِ النَّاسِ.
стр. 746
وَقَالَ الرَّبِيعُ: النَّاسُ رَجُلَانِ: مُؤْمِنٌ , وَجَاهِلٌ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَا تُؤْذِهِ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَلَا تُجَاهِلْهُ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ، فَإِنَّ الْغَائِبَ إِذَا طَالَتْ غَيْبَتُهُ رُجِيَتْ جِيئَتُهُ، وَانْتَظَرَهُ أَهْلُهُ وَأَوْشَكَ أَنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ نُسَيْرُ بْنُ ذُعْلُوقٍ: رَأَيْتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَائِمًا يُصَلِّي فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] .
فَمَكَثَ لَيْلَتَهُ حَتَّى أَصْبَحَ مَا يَجُوزُ هَذِهِ إِلَى غَيْرِهَا بِبُكَاءٍ شَدِيدٍ.
وَعَنْ عَاصِمٍ , قَالَ: قِيلَ لِلرَّبِيعِ: أَلَا تَتَمَثَّلُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ فَقَدْ كَانَ أَصْحَابُكَ يَتَمَثَّلُونَ؟ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ تُكُلِّمَ بِهِ إِلَّا كُتِبَ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَقْرَأَ فِي كِتَابِي بَيْتَ شِعْرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: وَأَصَابَهُ الْفَالِجُ، فَكَانَ يُحْمَلُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ رُخِّصَ لَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِكَ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ وَلَكِنِّي سَمِعْتُ النِّدَاءَ بِالْفَلَاحِ، فَإِذَا
стр. 747
سَمِعْتُمُوهُ فَأَجِيبُوهُ وَلَوْ زَحْفًا وَلَوْ حَبْوًا.
وَقَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ لِرَبِّهِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَعْنِي يَسْتَبْطِئُ الرَّحْمَةَ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ: رَبِّ قَدْ أَدَّيْتُ الَّذِي عَلَيَّ فَأَدِّ مَا عَلَيْكَ.
وَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَأَنَّهُ ثَوْبٌ مَطْرُوحٌ فَتَجِيءُ الْعَصَافِيرُ فَتَقَعُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: كَانَ الرَّبِيعُ لَا يُعْطِي السَّائِلَ أَقَلَّ مِنْ رَغِيفٍ وَيَقُولُ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَرَى غَدًا فِي مِيزَانِي نِصْفَ رَغِيفٍ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا جَلَسَ الرَّبِيعُ فِي مَجْلِسِ قَوْمِهِ مُنْذُ تَأَزَّرَ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُظْلَمَ رَجُلٌ فَلَا أَنْصُرَهُ، أَوْ يَفْتَرِي رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فَأُكَلِّفَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ، أَوْ لَا أَغُضَّ الْبَصَرَ، أَوْ يَقَعَ عَنِ الْحَامِلِ فَلَا أُحْمَلُ عَلَيْهِ.
حُكِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فِي الْمَكْتَبِ يَبْكُونَ فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ يَا مَعْشَرَ الصِّبْيَانِ؟ قَالُوا: إِنَّ هَذَا يَوْمُ الْخَمِيسِ يَوْمُ عَرْضِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُعَلِّمِ فَنَخْشَى أَنْ يَضْرِبَنَا، فَبَكَى الرَّبِيعُ , وَقَالَ: يَا نَفْسُ كَيْفَ بِيَوْمِ عَرْضِ الْكِتَابِ عَلَى الْجَبَّارِ.
стр. 748
ذِكْرُ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵁
وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: رَبِيعَةُ الرَّأْيِ، كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَعَنْهُ أَخَذَ مَالِكٌ الْفِقْهَ، يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
قِيلَ لِرَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا الزَهَادَةُ؟ قَالَ: جَمْعُ الْأَشْيَاءِ مِنْ حِلِّهَا وَوَضْعِهَا فِي حَقِّهَا.
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: صِفْ لِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَنْعَتُهُمَا لَكَ، أَمَّا هُمَا فَقَدْ سَبَقَا مَنْ كَانَ مَعَهُمَا وَأَتْعَبَا مَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا.
وَوَقَفَ عَلَى قَوْمٍ يَتَذَاكَرُونَ شَأْنَ الْقَدَرِ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَكُونُوا صَادِقِينَ لِمَا فِي أَيْدِيكُمْ أَعْظَمُ مِمَّا فِي يَدَيْ رَبِّكُمْ، إِنْ كَانَ
стр. 749
الْخَيْرُ وَالشَّرُّ بِأَيْدِيكُمْ.
رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " كَانَ فِيمَا أَعْطَى اللَّهُ مُوسَى ﵇ فِي الْأَلْوَاحِ عَشْرَةَ أَبْوَابٍ: يَا مُوسَى لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، فَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَتَلْفَحَنَّ وُجُوهَ الْمُشْرِكِينَ النَّارُ، وَاشْكُرْ لِي وَالِدَيْكَ أَقِيكَ الْمَتَالِفَ، وَأُنْسِئُ لَكَ فِي عُمُرِكَ، وَأُحْيِيكَ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَأَقْلِبُكَ إِلَى خَيْرٍ مِنْهَا، وَلَا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الْأَرْضُ بِرَحْبِهَا، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا، وَتَبُوءَ بِسَخَطِي وَالنَّارِ، وَلَا تَحْلِفْ بِاسْمِي كَاذِبًا فَإِنِّي لَا أُطَهِّرُ وَلَا أُزَكِّي مَنْ لَمْ يُنَزِّهْنِي، وَلَمْ يُعَظِّمْ أَسْمَائِي، وَلَا تَحْسُدِ النَّاسَ عَلَى مَا أَعْطَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي، وَلَا تَنْفَسْ عَلَيْهِمْ نِعْمَتِي وَرِزْقِي، فَإِنَّ الْحَاسِدَ عَدُوٌ لِنِعْمَتِي، رَادٌّ لِقَضَائِي، سَاخِطٌ لِقِسْمَتِي الَّتِي أَقْسِمُ بَيْنَ عِبَادِي، وَمَنْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنِّي، وَلَا تَشْهَدْ بِمَا لَمْ يَعِ سَمْعُكَ وَيُعْقَدْ عَلَيْهِ قَلْبُكَ، فَإِنِّي وَاقِفٌ أَهْلَ الشَّهَادَاتِ عَلَى شَهَادَاتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ سَائِلُهُمْ عَنْهَا سُؤَالًا حَثِيثًا، وَلَا تَزْنِ وَلَا تَسْرِقْ , وَلَا تَزْنِ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ فَأَحْجِبُ عَنْكَ وَجْهِي، وَتُغَلَّقُ عَنْكَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَأَحَبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَلَا تَذْبَحَنَّ لِغَيْرِي، فَإِنِّي لَا أَقْبَلُ مِنَ الْقُرْبَانِ إِلَّا مَا ذُكِرَ
стр. 750
عَلَيْهِ اسْمِي، وَكَانَ خَالِصًا لِوَجْهِي، وَتَفَرَّغْ لِي يَوْمَ السَّبْتِ، وَفَرِّغْ لِيَ أَبْنِيَتَكَ وَجَمِيعَ أَهْلِ بَيْتِكَ ".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَإِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لَنَا الْجُمُعَةَ، فَجَعَلَهَا لَنَا عِيدًا» .
ذِكْرُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ ﵁
كَانَ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الشَّامِ.
قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ: مَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِصَلَاةٍ الظُّهْرِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ، إِلَّا أَنْ أَكُونَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: خَرَجَ رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ غَازِيًا نَحْوَ الْمَغْرِبِ فِي بَعْثٍ بَعَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقُتِلَ فِي ذَلِكَ الْبَعْثِ.
стр. 751
ذِكْرُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ الْكِنْدِيِّ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو الْمِقْدَامِ
سَكَنَ فِلَسْطِينَ، وَكَانَ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الشَّامِ وَزُهَّادِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ.
قَالَ أَصْحَابُ التَّارِيخِ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: مَنْ سَيِّدُ أَهْلِ فِلَسْطِينَ؟ قَالُوا: رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ.
قَالَ: فَمَنْ سَيِّدُ أَهْلِ الْأُرْدُنِ؟ قَالُوا: عُبَادَةُ بْنُ نَسِيٍّ.
قَالَ: فَمِنْ سَيِّدُ أَهْلِ حِمْصَ؟ قَالُوا: عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ.
قَالَ: فَمَنْ سَيِّدُ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ؟ قَالُوا: عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ الْكِنْدِيُّ.
قَالَ: يَا آلَ كِنْدَةَ يَعْنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ مِنْ كِنْدَةَ , وَقِيلَ قَالَ: فَمَنْ سَيِّدُ أَهْلِ دِمَشْقَ؟ قَالُوا: يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ.
стр. 752
بَابُ الزَّايِ
ذِكْرُ زَاذَانَ أَبِي عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ ﵁
رَوَى ابْنُ نُمَيْرٍ , قَالَ: قَالَ زَاذَانُ: يَا رَبِّ إِنِّي جَائِعٌ فَسَقَطَ مِنَ الرَّوْزَنَةِ رَغِيفٌ مِثْلُ الَّرحَا.
وَقَالَ زَاذَانُ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَيَتَآكَلَ بِهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجْهُهُ عَظْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ: كَانَ زَاذَانُ تَاجِرًا، فَكَانَ إِذَا جَاءَهُ الرَّجُلُ أَرَاهُ شَرَّ الطَّرَفَيْنِ.
стр. 753
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧] .
هُوَ عَذَابُ الْقَبْرِ.
ذِكْرُ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ كُوفِيٍّ كُنْيَتُهُ أَبُو مَرْيَمَ ﵁
قَالَ عَاصِمٌ: كَانَ زِرٌّ مِنْ أَعْرَبِ النَّاسِ، كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ عَاصِمٌ: وَمَا رَأَيْتُ أَقْرَأُ مِنْ زِرٍّ، وَكَانَ يَتَّخِذُ اللَّيْلَ جُمَلًا.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: رَأَيْتُ زِرًّا وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ.
стр. 754
ذِكْرُ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ ﵁
كَانَ مِنَ الْعُبَّادِ.
وَقَالَ أَبُو جَنَابٍ: أَمَّنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى فِي مَسْجِدِ بَنِي قُشَيْرٍ , فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] .
خَرَّ مَيِّتًا ﵁.
ذِكْرُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ تَابِعِيٍّ مَدَنِيٍّ ﵁
رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ وَيُشَدِّدُ عَلَى نَفْسِهِ وَيُقَنِّطُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَالِي عِنْدَكَ؟ قَالَ: النَّارُ.
قَالَ: يَا رَبِّ أَيْنَ عِبَادَتِي وَاجْتِهَادِي؟ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ
стр. 755
تُقَنِّطُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَتِي، فَأَنَا أُقَنِّطُكَ الْيَوْمَ مِنْ رَحْمَتِي.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: سَكَنَ رَجُلٌ الْمَقَابِرَ فَعُوتِبَ، فَقَالَ: جِيرَانُ صِدْقٍ وَلِي فِيهِمْ عِبْرَةٌ.
قَالَ: وَسُئِلَ لُقْمَانُ: أَيُّ عَمَلِكَ أَوْثَقُ فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ: تَرْكُ مَالا يَعْنِينِي.
بَابُ السِّينِ
ذِكْرُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ حَزْنٍ الْمَخْزُومِيِّ الْقُرَشِيِّ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ
وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁، كَانَ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ فِقْهًا وَدِينًا وَوَرَعًا وَعِلْمًا وَعِبَادَةً
стр. 756
وَفَضْلا.
وَيُقَالَ: هُوَ مِمَّنْ أَصْلَحَ بَيْنَ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄، مَا سَمِعَ الْأَذَانَ فِي أَهْلِهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَحْضُرُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ الْأَذَانِ، فَلَمَّا بُويِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَبَايَعَ لِلْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ مِنَ النَّاسِ أَبَى ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَلَمْ يُبَايِعْهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ الْقَارِئُ: إِنَّكَ تُصَلِّي بِحَيْثُ يَرَاكَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، فَلَوْ غَيَّرْتَ مُقَامَكَ حَتَّى لَا يَرَاكَ، وَكَانَ هِشَامٌ وَالِيًا عَلَى الْمَدِينَةِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، فقَالَ سَعِيدٌ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ أُغَيِّرُ مَقَامًا قُمْتُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ: فَتَخَرُجَ مُعْتَمِرًا، فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لَأُجْهِدَ بَدَنِي وَأُنْفِقَ مَالِي فِي شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ نِيَّةٌ، قَالَ: فَتُبَايَعْ إِذَنْ، فَأَبَى أَنْ يُبَايِعَ، فَكَتَبَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَيْهِ: مَا دَعَاكَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , مَا كَانَ عَلَيْنَا مِنْهُ شَيْءٌ نَكْرَهُهُ , فَإِمَّا إِذْ فَعَلْتَ فَادْعُهُ، فَإِنْ بَايَعَ وَإِلَّا فَاضْرِبْهُ ثَلَاثِينَ سَوْطًا وَأَوْقِفْهُ لِلنَّاسِ.
فَدَعَاهُ هِشَامٌ فَأَبَى، وَقَالَ: لَسْتُ أُبَايِعُ لِاثْنَيْنِ فَضَرَبَهُ ثَلَاثِينَ سَوْطًا وَأَمَرَ فَطِيفَ بِهِ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْحَنَّاطِينَ ثُمَّ رَدَّهُ، وَأَمَرَ بِهِ إِلَى السِّجْنِ
стр. 757
وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبًا مِنْ شَعْرٍ، أَوْ قَالَ: ثِيَابًا مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ سَعِيدٌ: لَوْلَا أَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْقَتْلُ مَا لَبِسْتُهُ، قُلْتُ: أَسْتُرُ عَوْرَتِي عِنْدَ الْمَوْتِ.
قَالَ بُرْدٌ: مَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً إلِا وَسَعِيدٌ فِي الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: مَا دَخَلَ عَلَيَّ وَقْتُ الصَّلَاةِ إِلَّا وَقَدْ أَخَذْتُ أُهْبَتَهَا وَأَنَا إِلَيْهَا مُشْتَاقٌ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: مَا فَاتَتْنِي التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً، وَمَا نَظَرْتُ فِي أَقْفِيَةِ النَّاسِ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً، يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: صَلَّى سَعِيدٌ الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعَتْمَةِ خَمْسِينَ سَنَةً.
وَقَالَ ابْنُ حَرْمَلَةَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا، يَقُولُ: لَقَدْ حَجَجْتُ أَرْبَعِينَ حَجَّةً.
وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْخُزَاعِيُّ: إِنَّ نَفْسَ سَعِيدٍ كَانَتْ أَهْوَنَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ مِنْ نَفْسِ ذُبَابَةٍ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: مَا أَكْرَمَتِ الْعِبَادُ أَنْفُسَهَا بِمِثْلِ طَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا أَهَانَتِ الْعِبَادُ أَنْفُسَهَا بِمِثْلِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَى بِالْمُؤْمِنِ نُصْرَةٌ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَى عَدُوَّهُ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ.
стр. 758
وَكَانَ يَكْثُرُ أَنْ يَقُولَ فِي مَجْلِسِهِ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ.
وَعَنْ عَلَيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ , قِيلَ لِسَعِيدٍ: مَا بَالُ الْحَجَّاجِ لَا يَبْعَثُ إِلَيْكَ وَلَا يُهَيِّجُكَ وَلَا يُؤْذِيكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي غَيْرَ أَنَّهُ صَلَّى ذَاتَ يَوْمٍ مَعَ أَبِيهِ صَلَاةً فَجَعَلَ لَا يُتَمِّمُ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا فَأَخَذْتُ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَحَصَبْتُهُ بِهَا، قَالَ الْحَجَّاجُ: فَمَازِلْتُ أُحْسِنُ الصَّلَاةَ.
فصل قَالَ عَلِيُّ بْنِ زَيْدٍ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: قَدْ بَلَغْتُ ثَمَانِينَ سَنَةً وَمَا شَيْءٌ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنَ النِّسَاءِ، وَكَانَ بَصَرُهُ قَدْ ذَهَبَ.
وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ , قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَفَقَدَنِي أَيَّامًا فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قُلْتُ: تُوُفِّيَتْ أَهْلِي فَاشْتَغَلْتُ بِهَا، فَقَالَ: أَلَا أَخْبَرْتَنَا فَشَهِدْنَاهَا؟ قَالَ: ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ فَقَالَ: هَلِ اسْتَحْدَثْتَ امْرَأَةً؟ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَمِنْ يُزَوِّجُنِي، وَمَا أَمْلِكُ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً؟ فَقَالَ: أَنَا.
فَقُلْتُ: وَتَفْعَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
ثُمَّ تَحَمَّدَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَزَوَّجَنِي عَلَى دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، قَالَ: فَقُمْتُ، وَمَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ مِنَ الْفَرَحِ، فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَجَعَلْتُ أَتَفَكَّرُ مِمَّنْ آخُذُ وَمِمَّنْ أَسْتَدِينُ، فَصَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ وَانْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَكُنْتُ وَحْدِي صَائِمًا، فَقَدَّمْتُ عَشَائِي أُفْطِرُ , وَكَانَ خُبْزًا وَزَيْتًا، فَإِذَا بَابِي يُقْرَعُ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: سَعِيدٌ.
فَفَكَّرْتُ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ اسْمُهُ
стр. 759
سَعِيدٌ إِلَّا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا بَيْنَ بَيْتِهِ وَالْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ فَخَرَجْتُ فَإِذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَلَا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُكَ، قَالَ: لَا، أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُؤْتَى، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ رَجُلًا عَزَبًا فَتَزَوَّجْتَ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَكَ اللَّيْلَةَ وَحْدَكَ، وَهَذِهِ امْرَأَتُكَ فَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ مِنْ خَلْفِهِ فِي طُولِهِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا فَدَفَعَهَا فِي الْبَيْتِ وَرَدَّ الْبَابَ، فَسَقَطَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْحَيَاءِ فَاسْتَوْثَقْتُ مِنَ الْبَيْتِ ثُمَّ تَقَدَّمْتُهَا إِلَى الْقَصْعَةِ الَّتِي فِيهَا الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ فَوَضَعْتُهَا فِي ظِلِّ السِّرَاجِ لِكَيْلَا تَرَاهُ ثُمَّ صَعَدْتُ إِلَى السَّطْحِ فَرَمَيْتُ الْجِيرَانَ فَجَاءُونِي فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: زَوَّجَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِنْتَهُ الْيَوْمَ وَقَدْ جَاءَ بِهَا عَلَى غَفْلَةٍ.
فَقَالُوا: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ زَوَّجَكَ قُلْتُ: نَعَمْ، وَهَا هِيَ فِي الدَّارِ، قَالَ: فَنَزَلُوا إِلَيْهَا وَبَلَغَ أُمِّي فَجَاءَتْ، فَقَالَتْ: وَجْهِي فِي وَجْهِكَ حَرَامٌ إِنْ أَمْسَسْتَهَا قَبْلَ أَنْ أُصْلِحَهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ: فَأَقَمْتُ ثَلَاثًا ثُمَّ دَخَلْتُ فَإِذَا هِيَ أَجْمَلُ النِّسَاءِ وَأَحْفَظُ النَّاسِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَعْرَفُهُمْ بِحَقِّ الزَّوْجِ، قَالَ: فَمَكَثْتُ شَهْرًا لَا يَأْتِينِي سَعِيدٌ وَلَا آتِيهِ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الشَّهْرِ أَتَيْتُ سَعِيدًا، وَهُوَ فِي حَلَقَةٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ وَلَمْ يُكَلِّمْنِي حَتَّى تَقَوَّضَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ غَيْرِي، قَالَ: مَا حَالُ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ؟
стр. 760
قُلْتُ: خَيْرًا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، عَلَى مَا يُحِبُّ الصَّدِيقُ وَيَكْرَهُ الْعَدُوُّ وَقَالَ: إِنْ رَابَكَ شَيْءٌ فَالْعَصَا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ: خَطَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَلَى ابْنِهِ حِينَ وَلَّاهُ الْعَهْدَ فَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يُزَوِّجَهُ فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمَلِكِ يَحْتَالُ عَلَى سَعِيدٍ حَتَّى ضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ وَصَبَّ عَلَيْهِ جَرَّةَ مَاءٍ وَأَلْبَسَهُ جُبَّةَ صُوفٍ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَاتَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَتَرَكَ أَلْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهَا إِلَّا لِأَصُونَ بِهَا دِينِي وَحَسَبِي.
فصل رُوِيَ أَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ حَنْطَبٍ دَخَلَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي مَرَضِهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ، فَقَالَ: أَقْعِدُونِي فَأَقْعَدُوهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُحَدِّثَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُضْطَجِعٌ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: لَا تَقُولُوا مُصَيْحِفٌ وَلَا مُسَيْجِدٌ، مَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ عَظِيمٌ حَسَنٌ جَمِيلٌ.
стр. 761
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فِي لَيْلَةٍ أَضْحِيَانَ وَأَظُنُّ أَنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ فَإِذَا اللَّيْلُ عَلَى حَالِهِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي فَجَلَسْتُ أَدْعُو، فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ بِي خَلْفِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ قُلْ، قُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ مَلِكٌ وَمَا تَشَاءُ مِنْ أَمْرٍ يَكُنْ.
قَالَ سَعِيدٌ: فَمَا دَعَوْتُ بِهَا لِشَيْءٍ قَطُّ إِلَّا رَأَيْتُ نُجْحَهُ.
وقَالَ عِمْرَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: دُعِيَ سَعِيدٌ إِلَى الْبَيْعَةِ لِلْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ بَعْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ , فقَالَ: لَا أُبَايِعُ اثْنَيْنِ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَقِيلَ: ادْخُلْ مِنَ الْبَابِ وَاخْرُجْ مِنَ الْبَابِ الْآخَرِ، قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَقْتَدِي بِي أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فَجُلِدَ مِائَةً وَأُلْبِسَ الْمُسُوحَ، وَلَمَّا جُرِّدَ لِيُضْرَبَ، قَالَتِ امْرَأَتُهُ: إِنَّ هَذَا لَمَقَامُ خِزْيٍ، فقَالَ سَعِيدٌ: مِنْ مَقَامِ الْخِزْيِ فَرَرْنَا.
وَقَالَ ابْنُ حَرْمَلَةَ: مَا كَانَ إِنْسَانٌ يَجْتَرِئُ عَلَى أَنْ يَسْأَلَ سَعِيدًا عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ كَمَا يَسْتَأْذِنُ الْأَمِيرُ.
стр. 762
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُرِيدُ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حِلِّهِ، يُعْطِي مِنْهُ حَقَّهُ، وَيَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ، وَيَصِلُ مِنْهُ رَحِمَهُ، وَيُؤَدِّي مِنْهُ أَمَانَتَهُ، وَيَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ خَلْقِ رَبِّهِ.
فصل قَالَ مَالِكٌ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُمَارِي غُلَامًا لَهُ فِي ثُلُثَيْ دِرْهَمٍ وَأَتَاهُ ابْنُ عَمِّهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا.
فصل قَالَ سَعِيدٌ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ فَضِيحَةَ عَبْدٍ أَخْرَجَهُ مِنْ تَحْتِ كَنَفِهِ فَبَدَتْ لِلنَّاسِ عَوْرَتُهُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: زَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ابْنَتَهُ بِدِرْهَمَيْنِ.
стр. 763
ذِكْرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵁
تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ، كَانَ فَقِيهًا عَابِدًا وَرِعًا فَاضِلًا، قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ , يَقُولُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي الْكَعْبَةِ فِي لَيْلَةٍ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ لِلْأَعْرَجِ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَبْكِي بِاللَّيْلِ حَتَّى عَمِشَ.
стр. 764
وَقَالَ وَرْقَاءُ بْنُ إِيَاسٍ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي رَمَضَانَ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ سَمِعْتُ سَعِيدًا يُرَدِّدُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] الْآيَةَ.
وَعَنْ وَقَّاءٍ , قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَقَالَ هِلَالُ بْنُ يَسَافٍ: دَخَلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الْكَعْبَةَ فَقَرَأَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁، إِذَا أَتَاهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَسْتَفْتُونَ يَقُولُ: أَلَيْسَ فِيكُمُ ابْنُ أَبِي الدَّهْمَاءِ.
стр. 765
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقَدْ مَاتَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَا عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى عِلْمِهِ.
وَقَالَ أَشْعَثُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ يُقَالَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ جَهْبَذُ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حُصَيْنٍ: أَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَادِمٌ يَعْنِي خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا آمَنُهُ عَلَيْكَ وَأَخْرُجُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ فَرَرْتُ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللَّهِ، قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاكَ كَمَا سَمَّتْكَ أُمُّكَ سَعِيدًا، فَقَدِمَ خَالِدٌ مَكَّةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَخَذَهُ، قَالَ يَزِيدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَتَيْنَا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ حِينَ جِيءَ بِهِ فَإِذَا هُوَ طَيِّبُ النَّفْسِ، وَبُنَيَّةٍ لَهُ فِي حِجْرِهِ، فَنَظَرَتْ إِلَى الْقَيْدِ فَبَكَتْ.
стр. 766
وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: دَعَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ابْنَهُ حِينَ دُعِيَ لِيُقْتَلَ فَجَعَلَ ابْنُهُ يَبْكِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ مَا بَقَاءُ أَبِيكَ بَعْدَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ.
وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، قَالَ: لَمَّا أُتِيَ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِلَى الْحَجَّاجِ، قَالَ: أَنْتَ شَقِيُّ بْنُ كُسَيْرٍ، قَالَ: أَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ , قَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ، قَالَ: أَنَا إِذًا كَمَا سَمَّتْنِي أُمِّي، قَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: وَجِّهُوهُ إِلَى قِبْلَةِ النَّصَارَى، قَالَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
قَالَ: إِنّي أَسْتَعِيذُ مِنْكَ بِمَا عَاذَتْ بِهِ مَرْيَمُ، قَالَ: وَمَا عَاذَتْ بِهِ مَرْيَمُ؟ قَالَ: قَالَتْ: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] .
قَالَ سُفْيَانُ: لَمْ يُقْتَلْ بَعْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ شَوْذَبٍ , قَالَ: لَمَّا أَمَرَ الْحَجَّاجُ بِسَعِيدٍ أَنْ يُقْتَلَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَنَادَى الْحَجَّاجُ مِنْ مَجْلِسِهِ اصْرِفُوهُ فَصُرِفَ عَنِ الْقِبْلَةِ.
وَقَالَ خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِيهِ: شَهِدْتُ مَقْتَلَ سَعِيدٍ، فَلَمَّا بَانَ رَأْسُهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , ثُمَّ قَالَ: ثَلَاثًا وَلَمْ يُتِمَّ الثَّالِثَةَ.
стр. 767
وَقَالَ يَعْلَى: كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَى الْحَجَّاجِ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدَمَا قَتَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَالِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فخرجت رويدا وعلمت أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ بِي قَتَلَنِي، فَلَمْ يَلْبَثِ الْحَجَّاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا يَسِيرًا.
فصل قَالَ عَوْنُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَائِدًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ خَاصَّةِ أَصْحَابِهِ وَمَعَهُ عِشْرُونَ رَجُلًا , فَبَيْنَا هُمْ يَطْلُبُونَهُ إِذْ هَمَّ بِرَاهِبٍ فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ , فَسَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَالَ الرَّاهِبُ: صِفْوهُ لِي فَوَصَفُوهُ لَهُ فَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ فَانْطَلَقُوا فَوَجَدُوهُ سَاجِدًا فَدَنَوْا مِنْهُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَأَتَمَّ بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵈ فَقَالُوا: إِنَّا رُسُلُ الْحَجَّاجِ إِلَيْكَ فَأَجِبْهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ثُمَّ قَامَ فَمَشَى مَعَهُمْ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى دِيرِ الرَّاهِبِ فَقَالَ لَهُمُ الرَّاهِبُ: اصْعَدُوا الدَّيْرَ فَإِنَّ اللَّبُؤَةَ وَالْأَسَدَ يَأْوِيَانِ حَوْلَ الدِّيرِ فَعَجِّلُوا الدُّخُولَ قَبْلَ الْمَسَاءِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَأَبَى سَعِيدٌ أَنْ يَدْخُلَ الدَّيْرَ فَقَالُوا: مَا نَرَاكَ إِلَّا وَأَنْتَ تُرِيدُ الْهَرَبَ مِنَّا، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا أَدْخُلُ مَنْزِلَ
стр. 768
مُشْرِكٍ أَبَدًا، قَالُوا: فَإِنَّا لَا نَدَعُكَ فَإِنَّ السِّبَاعَ تَقْتُلُكَ، قَالَ سَعِيدٌ: لَا ضَيْرَ , إِنَّ مَعِي رَبِّي فَيَصْرِفْهَا عَنِّي وَيَجْعَلْهَا حَرَسًا حَوْلِي يَحْرُسُونِي مِنْ كُلِّ سُوءٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالُوا: فَأَنْتَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، قَالَ: مَا أَنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَكِنْ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ خَاطِئٌ مُذْنِبٌ، قَالَ الرَّاهِبُ: فَلْيُعْطِنِي مَا أَثِقُ بِهِ، فَعَرَضُوا عَلَى سَعِيدٍ أَنْ يُعْطِيَ الرَّاهِبَ مَا يُرِيدُ قَالَ: إِنِّي أُعْطِي اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ الْعَهْدَ أَلَّا أَبْرَحَ مَكَانِي حَتَّى أُصْبِحَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ الرَّاهِبُ لَهُمْ: اصْعَدُوا وَوَتِّرُوا الْقِسِيَّ تُنَفِّرُوا السِّبَاعَ عَنْ هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ، فَلَمَّا صَعَدُوا وَوَتَّرُوا الْقِسِيَّ، إِذَا هُمْ بِلَبُؤَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ فَلَمَّا دَنَتْ مِنْ سَعِيدٍ تَحَاكَّتْ بِهِ وَتَمَسَّحَتْ ثُمَّ رَبَضَتْ قَرِيبًا مِنْهُ , وَأَقْبَلَ الأَسَدُ فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى الرَّاهِبُ ذَلِكَ وَأَصْبَحُوا نَزَلَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَنْ شَرَائِعِ دِينِهِ وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفَسَّرَ سَعِيدٌ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَأَسْلَمَ الرَّاهِبُ، وَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَى سَعِيدٍ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ: قَدْ حَلَفْنَا لِلْحَجَّاجِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ إِنْ نَحْنُ رَأَيْنَاكَ لَا نَدَعُكَ حَتَّى نُشْخِصَكَ إِلَيْهِ.
قَالَ: امْضُوا لِأَمْرِكُمْ فَإِنَّهُ لَا رَادَّ لِقَضَاءِ اللَّهِ، فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا وَاسِطًا فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهَا قَالَ لَهُمْ: أَشُكُّ أَنَّ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ، وَأَنَّ الْمُدَّةَ قَدِ انْقَضَتْ، فَدَعُونِي اللَّيْلَةَ آخُذُ أُهْبَةَ الْمَوْتِ وَأَسْتَعِدُّ لِمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَلَيَّ أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمْ إِنْ
стр. 769
شَاءَ اللَّهُ، فَنَظَرُوا إِلَى سَعِيدٍ قَدْ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَشَعِثَ رَأْسُهُ، وَاغْبَرَّ لَوْنُهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ لَقُوهُ، فَقَالُوا: كَيْفَ ابْتُلِينَا بِكَ؟ أُعْذُرْنَا عِنْدَ خَالِقنَا يَوْمَ الْحَشْرِ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ فَغَسَلَ رَأْسَهُ وَمِدْرَعَتَهُ وَكِسَاءَهُ، فَلَمَّا انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ، جَاءَهُمْ فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ وَآخَرُ مَعَهُ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَتَيْتُمُونِي بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
وَعَايَنَّا مِنْهُ الْعَجَبَ، فَصَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُمْ وَقَالَ: أَدْخِلُوهُ عَلَيَّ فَأُدخِلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَالَ: أَنْتَ شَقِيُّ بْنُ كَسِيرٍ.
قَالَ: بَلْ أُمِّي كَانَتْ أَعْلَمَ بِاسْمِي مِنْكَ.
قَالَ: شَقِيتَ أَنْتَ وَشَقِيَتْ أُمُّكَ.
قَالَ: الْغَيْبُ يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ.
قَالَ: لَأُبَدِّلَنَّكَ بِالدُّنْيَا نَارًا تَلَظَّى، ثُمَّ قَالَ الْحَجَّاجُ: اخْتَرْ يَا سَعِيدُ أَيَّ قِتْلَةٍ تُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَكَ، قَالَ: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ يَا حَجَّاجُ، فَوَاللَّهِ مَا تَقْتُلُنِي قَتْلَةً إِلَّا قُتِلْتَ مِثْلَهَا فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْتُلُوهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْبَابِ ضَحِكَ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الْحَجَّاجُ فَأَمَرَ بِرَدِّهِ فَقَالَ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ جُرْأَتِكَ عَلَى اللَّهِ وَحِلْمِ اللَّهِ عَنْكَ، فَأَمَرَ بِالنَّطْعِ فَبُسِطَ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَقَالَ سَعِيدٌ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
قَالَ:
стр. 770
اصْرِفُوهُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ.
قَالَ سَعِيدٌ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
قَالَ: كُبُّوهُ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ سَعِيدٌ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] .
قَالَ: اذْبَحُوهُ.
قَالَ سَعِيدٌ أَمَا إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ ، خُذْهَا مِنِّي حَتَّى تَلْقَانِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ دَعَا سَعِيدٌ , فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُسَلِّطْهُ عَلَى أَحَدٍ يَقْتُلُهُ بَعْدِي، فَذُبِحَ عَلَى النَّطْعِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ الْحَجَّاجَ عَاشَ بَعْدَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَوَقَعَتِ الْأَكَلَةُ فِي بَطْنِهِ، فَدَعَا بِالطَّبِيبِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ دَعَا بِلَحْمٍ مُنْتِنٍ فَعَلَّقَهُ فِي خَيْطٍ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي حَلْقَةٍ، فَتَرَكَهُ سَاعَةً ثُمَّ اسْتَخْرَجَهُ، وَقَدْ لَزِقَ بِهِ مِنَ الَّدمِ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَاجٍ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يُنَادِي بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ: مَالِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كُلَّمَا أَرَدْتُ النَّوْمَ أَخَذَ بِرِجْلِي.
стр. 771
فَصْلٌ
رُوِيَ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ , قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي أَيَّامٍ مَضَيْنَ مِنْ رَجَبٍ فَأَحْرَمَ مِنَ الْكُوفَةِ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي النِّصْفِ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَكَانَ يَخْرُجُ فِي كَلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً لِلْحَجِّ وَمَرَّةً لِلْعُمْرَةِ.
وَقَالَ أَصْبُغُ بْنُ يَزِيدَ: كَانَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ دِيكٌ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا صَاحَ فَلَمْ يَصِحْ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي , فَأَصْبَحَ سَعِيدٌ وَلَمْ يُصَلِّ، قَالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَالَهُ؟ قَطَعَ اللَّهُ صَوْتَهُ فَمَا سُمِعَ ذَلِكَ الدِّيكَ يَصِيحُ بَعْدَهَا.
فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: أَيْ بُنَيَّ لَا تَدْعُ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا.
وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , قَالَ: لَمَّا أَخَذَ الْحَجَّاجُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَا أَرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا وَسَأُخْبِرُكُمْ أَنِّي كُنْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي دَعَوْنَا حِينَ وَجَدْنَا حَلَاوَةَ الدُّعَاءِ، ثُمَّ سَأَلْنَاهُ الشَّهَادَةَ فَكِلا صَاحِبَيَّ رُزِقَهَا وَأَنَا أَنْتَظِرُهَا، قَالَ: فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْإِجَابَةَ عِنْدَ حَلَاوَةِ الدُّعَاءِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ أُمِّي أَنْ أَسْتَرْقِيَ فَأَعَطَيْتُ الرَّاقِي يَدِيَ الَّتِي لَمْ تُلْدَغْ وَكَرِهْتُ أَنْ أُحْنِثَهَا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَأَنْ أُؤْتَمَنَ عَلَى بَيْتٍ مِنَ الدُّرِّ أَحَبُّ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤْتَمَنَ عَلَى امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ.
стр. 772
وَقَالَ هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَا عَلَامَةُ هَلَاكِ النَّاسِ؟ قَالَ: إِذَا ذَهَبَ عُلَمَاؤُهُمْ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَا زَالَ الْبَلَاءُ بِأَصْحَابِي حَتَّى رَأَيْتُ أَنْ لَيْسَ لِلَّهِ فِيَّ حَاجَةً حَتَّى نَزَلَ بِيَ الْبَلَاءُ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: دَخَلْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ وَهُوَ مُوَثَّقٌ، فَبَكَيْتُ فَقَالَ لِي: مَا يُبْكِيكَ؟ قُلْتُ: الَّذِي أَرَى بِكَ، قَالَ: فَلَا تَبْكِ، إِنَّ هَذَا كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] .
وَقَالَ وَهْبٌ , لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِمَكَّةَ: كَمْ لَكَ مُنْذُ خِفْتَ مِنَ الْحَجَّاجِ؟ قَالَ: خَرَجْتُ عَنِ امْرَأَتِي وَهِيَ حَامِلٌ، فَجَاءَنِي الَّذِي فِي بَطْنِهَا وَقَدْ خَرَجَ وَجْهُهُ.
فَقَالَ لَهُ وَهْبٌ: إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ كَانَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَهُمْ بَلَاءٌ عَدَّهُ رَخَاءً، وَإِذَا أَصَابَهُ رَخَاءٌ عَدَّهُ بَلَاءً.
стр. 773
ذِكْرُ سُلَيْمَانَ بْنِ طَرْخَانَ التَّمِيمِيُّ ﵁
تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: اسْتَنْقَذَنِي اللَّهُ بِأَرْبَعَةٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ: أَيُّوبُ , وَابْنُ يُونُسَ , وَابْنُ عَوْنٍ , وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ.
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ يَنْزِلُ فِي بَنِي تَيْمٍ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، ثِقَةٌ حَافِظٌ ثَابِتٌ عَلَى السُّنَّةِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ لِي: لَوْلَا أَنَّكَ مِنْ أَهْلِي مَا أَخْبَرْتُكَ، صَلَّى أَبِي أَرْبَعِينَ سَنَةً صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ.
стр. 774
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُعْتَمِرٍ , قَالَ: لَمْ تَمُرَّ عَلَى أَبِي سَاعَةٌ إِلَّا تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ مُطِيعًا لِلَّهِ، إِمَّا مُصَلِّيًا أَوْ مُتَوَضِّئًا أَوْ مُشَيِّعًا جَنَازَةً أَوْ عَائِدًا مَرِيضًا، وَكَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ يُسَبِّحُ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَكَانَ يُقَالَ لَهُ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ.
وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَكَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ الْحَسَنِ أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ النَّوْمُ تَوَضَّأَ، وَقِيلَ: مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: الْحَسَنَةُ نُورٌ فِي الْقَلْبِ، وَقُوَّةٌ فِي الْعَمَلِ، وَالسَّيِّئَةُ ظُلْمَةٌ فِي الْقَبْرِ، وَضَعْفٌ فِي الْعَمَلِ.
وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَنْتَ فَقَالَ: لَا تَقُولُوا هَذَا، لَا أَدْرِي مَا يَبْدُو لِي مِنْ رَبِّي، سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] .
стр. 775
فَصْلٌ
قَالَ الْمُعْتَمِرُ: مَاتَ صَاحِبٌ لِي كَانَ يَكْتُبُ مَعِي الْحَدِيثَ فَجَزِعْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبِي: هَلْ مَاتَ عَلَى السُّنَّةِ؟ قَلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ: مَرِضَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فَبَكَى فِي مَرَضِهِ بُكَاءً شَدِيدًا فَقِيلَ لَهُ: أَتَجْزَعُ مِنَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي مَرَرْتُ يَوْمًا عَلَى قَدَرِيٍّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَخَافُ أَنْ يُحَاسِبَنِي رَبِّي عَلَيْهِ.
وَقَالَ رَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ: رَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ , فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُكْرِمَنَّ مَثْوَى سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ.
فصل رُوِيَ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَقَطَ بَيْتٌ لَنَا كَانَ أَبِي يَكُونُ فِيهِ فَضَرَبَ فُسْطَاطًا مِنْ لَبَنٍ فَكَانَ فِيهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً حَتَّى مَاتَ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَنَيْتَهُ فَقَالَ: الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ هَذَا غَدًا أَمُوتُ.
следующие страницы →