← Тараджим

Тараджим · id 21493

سير السلف الصالحين - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فَصْلٌ رُوِيَ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ , قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي أَيَّامٍ مَضَيْنَ مِنْ رَجَبٍ فَأَحْرَمَ مِنَ الْكُوفَةِ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي النِّصْفِ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَكَانَ يَخْرُجُ فِي كَلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً لِلْحَجِّ وَمَرَّةً لِلْعُمْرَةِ. وَقَالَ أَصْبُغُ بْنُ يَزِيدَ: كَانَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ دِيكٌ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِذَا صَاحَ فَلَمْ يَصِحْ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي , فَأَصْبَحَ سَعِيدٌ وَلَمْ يُصَلِّ، قَالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَالَهُ؟ قَطَعَ اللَّهُ صَوْتَهُ فَمَا سُمِعَ ذَلِكَ الدِّيكَ يَصِيحُ بَعْدَهَا. فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: أَيْ بُنَيَّ لَا تَدْعُ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا. وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , قَالَ: لَمَّا أَخَذَ الْحَجَّاجُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَا أَرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا وَسَأُخْبِرُكُمْ أَنِّي كُنْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي دَعَوْنَا حِينَ وَجَدْنَا حَلَاوَةَ الدُّعَاءِ، ثُمَّ سَأَلْنَاهُ الشَّهَادَةَ فَكِلا صَاحِبَيَّ رُزِقَهَا وَأَنَا أَنْتَظِرُهَا، قَالَ: فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْإِجَابَةَ عِنْدَ حَلَاوَةِ الدُّعَاءِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ أُمِّي أَنْ أَسْتَرْقِيَ فَأَعَطَيْتُ الرَّاقِي يَدِيَ الَّتِي لَمْ تُلْدَغْ وَكَرِهْتُ أَنْ أُحْنِثَهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَأَنْ أُؤْتَمَنَ عَلَى بَيْتٍ مِنَ الدُّرِّ أَحَبُّ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤْتَمَنَ عَلَى امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ.

стр. 772

وَقَالَ هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَا عَلَامَةُ هَلَاكِ النَّاسِ؟ قَالَ: إِذَا ذَهَبَ عُلَمَاؤُهُمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَا زَالَ الْبَلَاءُ بِأَصْحَابِي حَتَّى رَأَيْتُ أَنْ لَيْسَ لِلَّهِ فِيَّ حَاجَةً حَتَّى نَزَلَ بِيَ الْبَلَاءُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: دَخَلْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ وَهُوَ مُوَثَّقٌ، فَبَكَيْتُ فَقَالَ لِي: مَا يُبْكِيكَ؟ قُلْتُ: الَّذِي أَرَى بِكَ، قَالَ: فَلَا تَبْكِ، إِنَّ هَذَا كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] . وَقَالَ وَهْبٌ , لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِمَكَّةَ: كَمْ لَكَ مُنْذُ خِفْتَ مِنَ الْحَجَّاجِ؟ قَالَ: خَرَجْتُ عَنِ امْرَأَتِي وَهِيَ حَامِلٌ، فَجَاءَنِي الَّذِي فِي بَطْنِهَا وَقَدْ خَرَجَ وَجْهُهُ. فَقَالَ لَهُ وَهْبٌ: إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ كَانَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَهُمْ بَلَاءٌ عَدَّهُ رَخَاءً، وَإِذَا أَصَابَهُ رَخَاءٌ عَدَّهُ بَلَاءً.

стр. 773

ذِكْرُ سُلَيْمَانَ بْنِ طَرْخَانَ التَّمِيمِيُّ ﵁ تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: اسْتَنْقَذَنِي اللَّهُ بِأَرْبَعَةٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ: أَيُّوبُ , وَابْنُ يُونُسَ , وَابْنُ عَوْنٍ , وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ. قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ يَنْزِلُ فِي بَنِي تَيْمٍ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، ثِقَةٌ حَافِظٌ ثَابِتٌ عَلَى السُّنَّةِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ لِي: لَوْلَا أَنَّكَ مِنْ أَهْلِي مَا أَخْبَرْتُكَ، صَلَّى أَبِي أَرْبَعِينَ سَنَةً صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ.

стр. 774

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُعْتَمِرٍ , قَالَ: لَمْ تَمُرَّ عَلَى أَبِي سَاعَةٌ إِلَّا تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ مُطِيعًا لِلَّهِ، إِمَّا مُصَلِّيًا أَوْ مُتَوَضِّئًا أَوْ مُشَيِّعًا جَنَازَةً أَوْ عَائِدًا مَرِيضًا، وَكَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ يُسَبِّحُ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَكَانَ يُقَالَ لَهُ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ. وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَكَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ الْحَسَنِ أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ النَّوْمُ تَوَضَّأَ، وَقِيلَ: مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: الْحَسَنَةُ نُورٌ فِي الْقَلْبِ، وَقُوَّةٌ فِي الْعَمَلِ، وَالسَّيِّئَةُ ظُلْمَةٌ فِي الْقَبْرِ، وَضَعْفٌ فِي الْعَمَلِ. وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَنْتَ فَقَالَ: لَا تَقُولُوا هَذَا، لَا أَدْرِي مَا يَبْدُو لِي مِنْ رَبِّي، سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] .

стр. 775

فَصْلٌ قَالَ الْمُعْتَمِرُ: مَاتَ صَاحِبٌ لِي كَانَ يَكْتُبُ مَعِي الْحَدِيثَ فَجَزِعْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبِي: هَلْ مَاتَ عَلَى السُّنَّةِ؟ قَلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ: مَرِضَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فَبَكَى فِي مَرَضِهِ بُكَاءً شَدِيدًا فَقِيلَ لَهُ: أَتَجْزَعُ مِنَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي مَرَرْتُ يَوْمًا عَلَى قَدَرِيٍّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَخَافُ أَنْ يُحَاسِبَنِي رَبِّي عَلَيْهِ. وَقَالَ رَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ: رَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ , فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُكْرِمَنَّ مَثْوَى سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ. فصل رُوِيَ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَقَطَ بَيْتٌ لَنَا كَانَ أَبِي يَكُونُ فِيهِ فَضَرَبَ فُسْطَاطًا مِنْ لَبَنٍ فَكَانَ فِيهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً حَتَّى مَاتَ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَنَيْتَهُ فَقَالَ: الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ هَذَا غَدًا أَمُوتُ.

стр. 776

وَقَالَ شُعْبَةُ: لَمْ أَرَ أَحَدًا قَطُّ أَصْدَقُ مِنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ الْحَدِيثَ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ. ذِكْرُ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ ﵁ قَالَ حَنَشُ بْنُ الْحَارِثِ: رَأَيْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ يَمُرُّ بِنَا فِي الْمَسْجِدِ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ , وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ يَؤُمُّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ قَائِمًا وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ. وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ مُسْلِمٍ: كَانَ سُوَيْدٌ إِذَا قِيلَ: أُعْطِيَ فُلَانٌ، وَوُلِّيَ فُلَانٌ , قَالَ: حَسْبِي كِسْرَتِي وَمِلْحِي. وَقَالَ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنْسِيَ أَهْلَ النَّارِ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ تَابُوتًا مِنْ نَارٍ عَلَى قَدْرِهِ ثُمَّ أَقْفَلَ عَلَيْهِ بِأَقْفَالٍ مِنْ نَارٍ، فَلَا يَضْرِبُ مِنْهُ عِرْقٌ إِلَّا وَفِيهِ مِسْمَارٌ مِنْ نَارٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ ذَلِكَ التَّابُوتَ فِي تَابُوتٍ آخَرَ مِنْ نَارٍ ثُمَّ يُقْفَلُ بِأَقْفَالٍ

стр. 777

مِنْ نَارٍ، ثُمَّ يُضْرِمُ بَيْنَهُمَا نَارًا فَلَا يَرَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ فِي النَّارِ غَيْرُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] . قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، كُنْيَتُهُ أَبُو أُمَيَّةَ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَعشِرْيِنَ وَمِائَةِ سَنَةٍ. ذِكْرُ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ ﵁ وَهُوَ أَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: يَسِيرُ الدُّنْيَا يَشْغَلُ عَنْ كَثِيرِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّكَ تَجِدُ الرَّجُلَ يَشْغَلُ نَفْسَهُ بِهَمِّ غَيْرِهِ، حَتَّى لَهُوَ أَشَدُّ اهْتِمَامًا مِنْ صَاحِبِ الْهَمِّ بِهَمِّ نَفْسِهِ. وَقَالَ: إِذَا عَزَمَ الْعَبْدُ عَلَى تَرْكِ الْآثَامِ أَتَتْهُ الْفُتُوحُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ،

стр. 778

وَكُلُّ نِعْمَةٍ لَا تُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ فَهِيَ بَلِيَّةٌ، وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ حِفْظًا لِلِسَانِهِ مِنْهُ لِمَوْضِعِ قَدَمَيْهِ. وَقَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تَقْتَدِ بِمَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَلَا يَعْفُو عَنِ الْعَيْبِ، وَلَا يَصْلُحُ عِنْدَ الشَّيْبِ. وَقَالَ: قَاتِلْ هَوَاكَ أَشَدَّ مَا يُقَاتِلُكَ عَدُوُّكَ. وَقَالَ رَجُلٌ لِأَبِي حَازِمٍ: إِنَّكَ مُتَشَدِّدٌ، لَا أَتَشَدَّدُ وَقَدْ تَرَصَّدَنِي أَرْبَعَةَ عَشْرَ عَدوًّا، أَمَّا الْأَرْبَعَةُ: فَشَيْطَانٌ يَفْتِتُنِي، وَمُؤْمِنٌ يَحْسُدُنِي، وَكَافِرٌ يُقَاتِلُنِي، وَمُنَافِقٌ يُبْغِضُنِي. وَأَمَّا الْعَشَرَةُ: فَالْجُوعُ , وَالْعَطَشُ , وَالْعُرْيُ , وَالْحَرُّ , وَالْبَرْدُ , وَالْمَرَضُ , وَالْفَقْرُ وَالسُّؤَالُ , وَالْمَوْتُ , وَالنَّارُ، وَلَا أُطِيقُهُنَّ إِلَّا بِسِلَاحٍ، وَلَا أَجِدُ لَهُنَّ سِلَاحًا أَفْضَلُ مِنَ التَّقْوَى. وَقِيلَ لَهُ: مَا مَالُكَ؟ فَقَالَ: ثِقَتِي بِاللَّهِ وَإِيَاسِي مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ. وَقَالَ: لَا تُرِيدُ أَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَتُوبَ، وَلَا تَتُوبُ حَتَّى تَمُوتَ، وَإِنْ مِتَّ لَمْ تُرْفَعِ الْأَسْوَاقُ لِمَوْتِكَ، إِنَّ شَأْنَكَ صَغِيرٌ فَاعْرِفْ نَفْسَكَ. وَمَرَّ بِأَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيِّ وَهُوَ مُكْتَئِبٌ حَزِينٌ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ ذَكَرْتَ وَلَدَكَ مِنْ بَعْدِكَ فَحَزِنْتَ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، إِنْ كَانُوا لِلَّهِ أَوْلِيَاءَ فَلَا تَخَفْ عَلَيْهِمُ الْضَيْعَةَ، وَإِنْ كَانُوا لِلَّهِ أَعْدَاءً فَلَا تُبَالِ مَا لَقُوا بَعْدَكَ.

стр. 779

وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ أَشْبَهَ بِشَكٍّ لَا يَقِينَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ عَلَيْهِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ لِأَبِي حَازِمٍ: مَا أَكْثَرَ مَنْ يَلْقَانِي فَيَدْعُو بِالْخَيْرِ، مَا أَعْرِفُهُمْ وَمَا صَنَعْتُ إِلَيْهِمْ خَيْرًا قَطُّ. قَالَ: لَا تَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِكَ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الَّذِي ذَاكَ مِنْ قِبَلِهِ فَاشْكُرْهُ، وَقَرَأَ ابْنُ يَزِيدَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] . قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: أَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، يَرْوِي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، كَانَ قَاصَّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا، بَعَثَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالزُّهْرِيّ أَنِ ائْتِنِي، فَقَالَ لَهُ الزُّهْرِيُّ: أَجِبِ الْأَمِيرَ، فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: مَالِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلْيَأْتِنِي. قِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ.

стр. 780

فصل قَالَ أَبُو حَازِمٍ: نِعْمَةُ اللَّهِ فِيمَا زَوَى عَنِّي مِنَ الدُّنْيَا أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيَّ فِيمَا أَعْطَانِي مِنْهَا، إِنِّي رَأَيْتُهُ ﵎ أَعْطَاهَا قَوْمًا فَهَلَكُوا. وَقَالَ: أَفْضَلُ خِصْلَةٍ تُرْجَى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ النَّاسِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ وَأَرْجَاهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: دَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَدِينَةَ حَاجًّا , فَقَالَ: هَلْ بِهَا رَجُلٌ أَدْرَكَ عِدَّةً مِنَ الصَّحَابَةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ أَبُو حَازِمٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ مَا هَذَا الْجَفَاءُ؟ قَالَ: وَأَيُّ جَفَاءٍ رَأَيْتَ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: وُجُوهُ النَّاسِ أَتَوْنِي وَلَمْ تَأْتِنِي. قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَرَفْتَنِي قَبْلَ هَذَا وَلَا أَنَا رَأَيْتُكَ، فَأَيُّ جَفَاءٍ رَأَيْتَ مِنِّي، فَالْتَفَتَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الزُّهْرِيِّ , فَقَالَ: أَصَابَ الشَّيْخُ وَأَخْطَأْتُ أَنَا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ مَالَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ فَقَالَ: عَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا وَخَرَّبْتُمُ الْآخِرَةَ، فَتَكْرَهُونَ الْخُرُوجَ مِنَ الْبُنْيَانِ إِلَى الْخَرَابِ، قَالَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ، لَيْتَ شِعْرِي مَالَنَا عِنْدَ اللَّهِ غَدًا؟ قَالَ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: وَأَيْنَ أَجِدُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿١٣﴾ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ آية ١٣-١٤﴾ .

стр. 781

قَالَ سُلَيْمَانُ: فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] . قَالَ سُلَيْمَانُ: لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ الْعَرْضُ عَلَى اللَّهِ غَدًا؟ قَالَ: أَمَّا الْمُحْسِنُ فَكَالْغَائِبِ يُقَدَّمُ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ فَكَالْآبِقِ يُقَدَّمُ بِهِ عَلَى مَوْلَاهُ، فَبَكَى سُلَيْمَانُ حَتَّى عَلَا نَحِيبُهُ وَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ , فَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ كَيْفَ لَنَا أَنْ نَصْلُحَ؟ قَالَ: تَدَعُونَ عَنْكُمُ الصَّلَفَ وَتَقْتَسِمُونَ بِالسَّوِيَّةِ، وَتَعْدِلُونَ بِالْقَضِيَّةِ، قَالَ: كَيْفَ الْمَأْخَذُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ وَتَدَعُهُ بِحَقِّهِ فِي أَهْلِهِ، قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ فَمَا أَعْدَلُ الْعَدْلِ؟ قَالَ: كَلِمَةُ صِدْقٍ عِنْدَ مَنْ تَرْجُو أَوْ تَخَافُهُ، قَالَ: فَمَا أَسْرَعُ الدُّعَاءِ إِجَابَةً؟ قَالَ: دُعَاءُ الْمُحْسِنِ إِلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ قَالَ: فَمَا أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: جَهْدُ الْمُقِلِّ فِي الْبَائِسِ الْفَقِيرِ لَا يُتْبِعُهَا مَنًّا وَلَا أَذًى. قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ؟ قَالَ: رَجُلٌ ظَفِرَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِهَا ثُمَّ دَلَّ النَّاسَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَمَنْ أَحَقُّ النَّاسِ؟ قَالَ: رَجُلٌ اغْتَاطَ فِي هَوَى أَخِيهِ وَهُوَ ظَالِمٌ فَبَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ. قَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تَصْحَبَنَا فَتُصِيبَ مِنَّا وَنُصِيبَ مِنْكَ. قَالَ: كَلَّا. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَرْكَنَ إِلَيْكُمْ شَيْئًا قَلِيلًا فَيُذِيقَنِيَ اللَّهُ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ، قَالَ: ثُمَّ لَا يَكُونُ لِي مِنْكَ نَصِيرٌ. قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ ارْفَعْ إِلَيَّ حَاجَتَكَ، قَالَ: نَعَمْ تُدْخِلْنِي الْجَنَّةَ وَتُخْرِجْنِي مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ. قَالَ:

стр. 782

فَمَا لِي حَاجَةٌ سِوَاهَا، قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ ادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: نَعَمْ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ مِنْ أَوْلِيَائِكَ فَيَسِّرْهُ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ فَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، قَالَ سُلَيْمَانُ: قَطُّ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: قَدْ أَكْثَرْتُ وَأَطْنَبْتُ إِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، فَمَا حَاجَتُكَ أَنْ تَرْمِيَ عَنْ قَوْسٍ لَيْسَ لَهَا وَتَرٌ، قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؟ قَالَ: أَوْ تُعْفِيَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: بَلْ نَصِيحَةٌ تُلْقِيهَا إِلَيَّ. قَالَ: إِنَّ آبَاءَكَ غَصَبُوا النَّاسَ هَذَا الْأَمْرَ فَأَخَذُوهُ عُنْوَةً بِالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ وَلَا اجْتِمَاعٍ مِنَ النَّاسِ، وَقَدِ قَتَلُوا فِيهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَارْتَحَلُوا، فَلَوْ شَعَرْتَ مَا قَالُوا وَقِيلَ لَهُمْ. قَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: كَذَبْتَ , إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمِيثَاقَ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . قَالَ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا حَازِمٍ أَوْصِنِي. قَالَ: نَعَمْ، سَوْفَ أُوصِيكَ فَأُوجِزُ، «نَزِّهِ اللَّهَ وَعَظِّمْهُ أَنْ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ أَوْ يَفْقِدَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ» ثُمَّ قَامَ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ هَذِهِ مِائَةُ دِينَارٍ أَنْفِقْهَا وَلَكَ عِنْدِي أَمْثَالُهَا كَثِيرٌ، فَرَمَى بِهَا وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرْضَاهَا لَكَ فَكَيْفَ أَرْضَاهَا لِنَفْسِي. إِنِّي أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُكَ إِيَّايَ هَزْلًا وَرَدِّي عَلَيْكَ بَذْلًا، إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ﵇ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ قَالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا

стр. 783

أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] . سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ وَلَمْ يَسْأَلِ النَّاسَ فَفَطِنَتِ الْجَارِيَتَانِ وَلَمْ يَفْطِنَ الرِّعَاءُ، لِمَا فَطِنَتَا لَهُ فَأَتَتَا أَبَاهُمَا شُعَيْبًا فَأَخْبَرَتَاهُ خَبَرَهُ فَقَالَ شُعَيْبُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا جَائِعًا، ثُمَّ قَالَ: لِإِحْدَاهُمَا اذْهَبِي ادْعِيهِ لِي، فَلَمَّا أَتَتْهُ أَعْظَمَتْهُ وَغَطَّتْ وَجْهَهَا , ثُمَّ: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [القصص: ٢٥] . فَلَمَّا قَالَتْ: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ﴾ [القصص: ٢٥] . كَرِهَ مُوسَى ﵇ ذَلِكَ، وَأَرَادَ أَنْ لَا يَتْبَعَهَا فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا أَنْ يَتْبَعَهَا لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَرْضِ مَسْبَعَةٍ وَخَوْفٍ، فَخَرَجَ مَعَهَا فَكَانَتِ الرِّيَاحُ تَضْرِبُ ثَوْبَهَا فَتَصِفُ لِمُوسَى عَجُزَهَا، فَيَغُضُّ مَرَّةً وَيُعْرِضُ أُخْرَى فَقَالَ: يَا أَمَةَ اللَّهِ كُونِي خَلْفِي، فَدَخَلَ إِلَى شُعَيْبٍ ﵉ وَالْعَشَاءُ مُهَيَّأٌ فَقَالَ: كُلْ , فَقَالَ مُوسَى ﵇: لَا , قَالَ شُعَيْبٌ: أَلَسْتَ جَائِعًا؟ قَالَ: بَلَى. وَلَكِنِّي مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ أَجْرَ مَا سَقَيْتُ لَهُمَا. قَالَ شُعَيْبٌ: لَا يَا شَابُّ وَلَكِنْ هَذِهِ عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي، قِرَاءُ الضَّيْفِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، قَالَ: فَجَلَسَ مُوسَى ﵇ فَأَكَلَ. فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمِائَةُ دِينَارٍ عِوَضًا مِمَّا قَدْ حَدَّثْتُكَ، فَالْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ فِي حَالِ الاضْطِرَارِ أَحَلُّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلِي فِيهَا شُرَكَاءُ وَنُظَرَاءُ إِنْ وَازَيْتَهُمْ بِي وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَزَالُوا

стр. 784

عَلَى الْهُدَى وَالتُّقَى حَيْثُ كَانَتْ أُمَرَاؤُهُمْ يَأْتُونَ إِلَى عُلَمَائِهِمْ رَغْبَةً فِي عِلْمِهِمْ، فَلَمَّا نُكِسُوا وَتَعِسُوا وَسَقَطُوا مِنْ عَيْنِ اللَّهِ فَآمِنُوا بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، كَانَ عُلَمَاؤُهُمْ يَأْتُونَ إِلَى أُمَرَائِهِمْ فَشَارَكُوهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَشُرِكُوا مَعَهُمْ فِي فِتْنَتِهِمْ. وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: وَجَدْتُ الدُّنْيَا شَيْئَيْنِ: شَيْئًا هُوَ لِي وَشَيْئًا هُوَ لِغَيْرِي، فَأَمَّا مَا كَانَ لِغَيْرِي فَلَوْ طَلَبْتُهُ بِحِيلَةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ يَمْنَعُ رِزْقَ غَيْرِي مِنِّي كَمَا يَمْنَعُ رِزْقِي مِنْ غَيْرِي. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: نَظَرْتُ فِي الرِّزْقِ فَوَجَدْتُهُ شَيْئَيْنِ: شَيْئًا هُوَ لِي لَهُ أَجَلٌ يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَلَنْ أُعَجِّلَهُ وَلَوْ طَلَبْتُهُ بِقُوَّةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَشَيْئًا هُوَ لِغَيْرِي فَلَمْ أُصِبْهُ فِيمَا مَضَى، أَفَأَطْلُبُهُ فِيمَا بَقِيَ، فَفِي أَيِّ هَذَيْنِ أُفْنِي عُمْرِي؟ . وَقَالَ: إِنْ كَانَ يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ فَأَدِّنِي عَيْشَكَ يَكْفِيكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِيكَ مَا يُغْنِيكَ فَلَيْسَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ يَكْفِيكَ.

стр. 785

وَقَالَ: انْظُرْ إِلَى الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ فِي الْآخِرَةِ فَقَدِّمْهُ الْيَوْمَ، وَانْظُرْ إِلَى الَّذِي تَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ فَاتْرُكْهُ الْيَوْمَ، وَكَلَّ عَمَلٍ تَكْرَهُ الْمَوْتَ مِنْ أَجْلِهِ فَاتْرُكْهُ ثُمَّ لَا يَضُرَّكَ مَتَى مِتُّ. وَقَالَ: لَا يُحْسِنُ عَبْدٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إِلَّا أَحْسَنَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، وَلَا يَعُورُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا عَوَرَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، وَلَمُصَانَعَةُ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ مُصَانَعَةِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا. وَقِيلَ لِأَبِي حَازِمٍ: قَدْ غَلا السِّعْرُ. قَالَ: وَمَا يَغُمُّكُمْ مِنْ ذَلِكَ؟ إِنَّ الَّذِي يَرْزُقُنَا فِي الرُّخْصِ يَرْزُقُنَا فِي الْغَلاءِ. وَقَالَ: مَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا لَمْ يَفْرَحْ فِيهَا بِرَخَاءٍ وَلَمْ يَحْزَنْ عَلَى بَلَاءٍ. وَقَالَ: مَا فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسُرُّكَ إِلَّا وَقَدْ لُزِقَ بِهِ شَيْءٌ يَسُوؤُكَ. وَقَالَ: رَضِيتُ مِنْ أَحَدِكُمْ أَنْ يُبْقِي عَلَى دِينِهِ كَمَا يُبْقِي عَلَى نَعْلِهِ. وَقَالَ: اكْتُمْ حَسَنَاتِكَ أَشَدُّ مِمَّا تَكْتُمُ سَيِّئَاتِكَ. وَقَالَ: ابْنُ آدَمَ بَعْدَ الْمَوْتِ يَأْتِيكَ الْخَبَرُ. وَقَالَ: رَضِيَ النَّاسُ بِالْحَدِيثِ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ. وَقَالَ: إِنِّي لَأَعِظُ وَمَا أَرَى لِلْمَوْعِظَةِ مَوْضِعًا، وَمَا أُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا نَفْسِي، وَقَالَ: شَيْئَانِ هُمَا خَيْرُ

стр. 786

الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِذَا عَمِلْتَ بِهِمَا أَتَكَفَّلُ لَكَ بِالْجَنَّةِ، وَلَا أُطَوِّلُ عَلَيْكَ، قِيلَ: وَمَا هُمَا؟ قَالَ: تَحَمَّلْ مَا تَكْرَهُ إِذَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَتَتْرُكُ مَا تُحِبُّ إِذَا كَرِهَهُ اللَّهُ. فَصْلٌ كَتَبَ أَبُو حَازِمٍ إِلَى الزُّهْرِيِّ: عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنَ الْفِتَنِ وَرَحِمَكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَصْبَحْتَ بِحَالٍ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَكَ أَنْ يَرْحَمَكَ، أَصْبَحْتَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أَثْقَلَتْكَ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْكَ بِمَا أَصَحَّ مِنْ بَدَنِكَ وَأَطَالَ مِنْ عُمُرِكَ، وَعَلِمْتَ حُجَجَ اللَّهِ بِمَا حَمَّلَكَ مِنْ كِتَابِهِ، وَفَقَّهَكَ فِيهِ مِنْ دِينِهِ، وَفَهَّمَكَ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، ابْتَلَى فِي ذَلِكَ شُكْرَكَ، وَقَالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] . فَانْظُرْ أَيَّ رَجُلٍ تَكُونُ إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَسَأَلَكَ عَنْ نِعَمِهِ إِلَيْكَ كَيْفَ رَعَيْتَهَا؟ ، وَعَنْ حُجَجِهِ عَلَيْكَ كَيْفَ قَضَيْتَهَا؟ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ رَاضِيًا مِنْكَ بِالتَّعْذِيرِ وَلَا قَابِلًا مِنْكَ بِالتَّقْصِيرِ، لَيْسَ كَذَاكَ أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . تَقُولُ: إِنَّكَ جَدِلٌ مَاهِرٌ عَالِمٌ، قَدْ جَادَلْتَ النَّاسَ فَجَادَلْتَهُمْ إِدْلَالًا مِنْكَ بِفهَمْكِ وَاقْتِدَارًا بِرَأْيِكَ، فَأَيْنَ تَذْهَبُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

стр. 787

﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] . اعْلَمْ أَنَّ أَدْنَى مَا ارْتَكَبْتَ وَأَعْظَمَ مَا احْتَقَبْتَ أَنْ آنَسْتَ الظَّالِمَ وَسَهَّلْتَ لَهُ طَرِيقَ الْغَيِّ بِدُنُوِّكَ حِينَ أُدْنِيتَ وَإِجَابَتَكَ حِينَ دُعِيتَ، فَمَا أَخْلَقَكَ أَنْ يُنَوَّهَ بِإِثْمِكَ غَدًا عَلَى الْجُرْمَةِ وَأَنْ تُسْأَلَ عَمَّا أَرَدْتَ بِإِغْضَائِكَ عَنْ ظُلْمِ الظَّلَمَةِ، إِنَّكَ أَخَذْتَ مَا لَيْسَ لِمَنْ أَعْطَاكَ، وَدَنَوْتَ مِمَّنْ لَا يُرِيدُ حَقًّا وَلَا يُرِيدُ بَاطِلًا حِينَ أَدْنَاكَ، وَأَجَبْتَ مَنْ أَرَادَ التَّدْلِيسَ بِدُعَائِهِ إِيَّاكَ حِينَ دَعَاكَ، جَعَلُوكَ قُطْبًا تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَا بَاطِلِهِمْ، وَجِسْرًا يَعْبُرُونَ بِكَ إِلَى بَلَابِلِهِمْ، وَسُلَّمًا إِلَى ضَلالَتِهِمْ، يَقْتَادُونَ بِكَ قُلُوبَ الْجُهَّالِ، وَيُدْخِلُونَ بِكَ الشَّكَّ عَلَى الْعُلَمَاءُ، فَلَمْ يَبْلُغْ أَخَصَّ وُزَرَائِهِمْ وَلَا أَقْوَى أَعْوَانِهِمْ إِلَّا دُونَ مَا بَلَغْتَ مِنِ اسْتِصْلَاحِ فَسَادِهِمْ، وَاجْتِلَابِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ إِلَيْهِمْ، فَمَا أَيْسَرَ مَا عَمَّرُوا لَكَ فِي جَنْبِ مَا خَرَّبُوا عَلَيْكَ، وَمَا أَقَلَّ مَا أَعْطَوْكَ فِي قَدْرِ مَا أَخَذُوا مِنْكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ فَإِنَّهُ لَا يَنْظُرُ لَهَا غَيْرُكَ، وَحَاسِبْهَا حِسَابَ رَجُلٍ مَسْئُولٍ، وَانْظُرْ كَيْفَ شُكْرُكَ لِمَنْ غَذَّاكَ بِنِعَمِهِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا وَاسْتَحْمَلَكَ كِتَابَهُ وَأَوْدَعَكَ عِلْمَهُ، مَالَكَ لَا تَنْتَبِهُ مِنْ نَعْسَتِكَ وَلَا تَسْتَقِيلُ مِنْ عَثْرَتِكَ، وَمَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩] . إِلَّا إِنَّكَ لَسْتَ فِي دَارِ مُقَامٍ قَدْ أَذِنَتْ بِالرَّحِيلِ فَمَا

стр. 788

بَقَاءُ الْمَرْءِ بَعْدَ أَقْرَانِهِ، يَا بُؤْسَ مَنْ يَمُوتُ وَتَبْقَى ذُنُوبُهُ مِنْ بَعْدِهِ، إِنَّكَ لَمْ تُؤْمَرْ بِالنَّظَرِ لَوَارِثِكَ عَلَى نَفْسِكَ، وَإِثْقَالِكَ ظَهْرَكَ لِغَيْرِكَ، ذَهَبَتِ اللَّذَّةُ وَبَقِيَتِ التَّبِعَةُ، مَا أَشْقَى مَنْ سَعِدَ بِكَسْبِ غَيْرِهِ، إِنَّكَ تُعَامِلُ مَنْ لَا يَجْهَلُ، الَّذِي يَحْفَظُ عَلَيْكَ لَا يَغْفَلُ، تَجَهَّزْ فَقَدْ دَنَا مِنْكَ سَفَرٌ , وَدَاوِ دِينَكَ فَقَدْ دَخَلَهُ سَقَمٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَاهَ جَاهَانِ: جَاهٌ يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلَى أَيْدِي أَوْلِيَائِهِ لأَوْلِيَائِهِ الْخَامِلِ ذِكْرُهُمْ، الْخَافِيَةِ شُخُوصُهُمْ. وَلَقَدْ جَاءَ نَعْتُهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأَخْفِيَاءَ، الأَتْقِيَاءَ الأَبْرِيَاءَ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا فَلَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِذَا شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٍ» . فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ : ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] وَجَاهٌ يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلَى أَيْدِي أَعْدَائِهِ لأَوْلِيَائِهِ، وَيَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِهِمْ فَيَعِظِّمُهُمُ النَّاسُ بِتَعْظِيمِ أُولَئِكَ لَهُمْ، وَيُرَغِّبُ النَّاسَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ لِرَغْبَةِ أُولَئِكَ إِلَيْهِمْ: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] . فَمَا أَخْوَفَنِي أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ عَاشَ مَسْتُورًا عَلَيْهِ فِي دِينِهِ، مَقْتُورًا عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ، مَعْزُولَةً عَنْهُ الْبَلايَا، مَصْرُوفَةً عَنْهُ الْفِتَنُ، فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ، وَظُهُورِ جِلْدِهِ وَكَمَالِ شَهْوَتِهِ، فَعُنِيَ بِذَلِكَ دَهْرَهُ حَتَّى إِذَا كَبُرَتْ سِنُّهُ وَرَقَّ عَظْمُهُ وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَانْقَطَعَتْ شَهْوَتُهُ، فَتَحَتِ الدُّنْيَا عَلَيْهِ شَرَّ مَفْتُوحٍ فَلَزِمَتْهُ تَبِعَتُهَا، وَعَلَّقَتْهُ فِتْنَتُهَا وَأَغْشَتْ عَيْنَيْهِ زَهْرَتُهَا، وَصَفَتْ لِغَيْرِهِ مَنْفَعَتُهَا، فَسُبْحَانَ اللَّهِ، مَا

стр. 789

أَبْيَنَ هَذَا الغَبْنَ، وَأَخَسَّ هَذَا الْأَمْرَ! كَانَتِ الدُّنْيَا تَبْلُغُ مِنْ مِثْلِكَ هَذَا فِي كِبَرِ سِنِّكَ وَرُسُوخِ عِلْمِكَ وَحُضُورِ أَجَلِكَ، فَمَنْ يَلُومُ الْحَدِثَ فِي سِنِّهِ، الْجَاهِلَ فِي عِلْمِهِ، الْمَأْفُونَ فِي رَأْيِهِ، الْمَدْخُولِ فِي عَقْلِهِ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ , عَلَى مَنِ الْمُعَوَّلُ وَعِنْدَ مَنِ الْمُسْتَغَاثُ، نَحْتَسِبُ عِنْدَ اللَّهِ مُصِيَبَتَنَا، وَنَشْكُوا إِلَيْهِ بَثَّنَا، وَنَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي عَافَانَا مِمَّا ابْتَلاكَ بِهِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فصل قَالَ مُطَرِّفٌ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي حَازِمٍ الأَعْرَجِ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَقُلْنَا: يَا أَبَا حَازِمٍ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُنِي رَاجِيًا لِلَّهِ حُسْنَ الظَّنِّ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا يَسْتَوِي مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ يُعَمِّرُ عَقْدَ الْآخِرَةِ لِنَفْسِهِ، فَيُقَدِّمُهَا أَمَامَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ الْمَوْتُ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْهَا، وَمَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ فِي عَقْدِ الدُّنْيَا يُعَمِّرُهَا لِغَيْرِهِ وَيَرْجِعُ إِلَى الْآخِرَةِ لَا حَظَّ لَهُ فِيهَا وَلَا نَصِيبُ. وَقَالَ: لَئِنْ نَجَوْنَا مِنْ شَرِّ مَا أَصَابَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا يَضُرُّنَا مَا زُوِيَ عَنَّا مِنْهَا.

стр. 790

وَقَالَ: لَا تَكُونُ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ فِيكَ ثَلَاثَةُ خِلَالٍ: لَا تَبْغِ عَلَى مِنْ فَوْقَكَ، وَلَا تُحَقِّرْ مَنْ دُونَكَ، وَلَا تَأْخُذْ عَلَى عِلْمِكَ دُنْيَا. وَقَالَ: كَانَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا مَضَى إِذَا لَقِيَ الْعَالِمُ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ كَانَ يَوْمَ غَنِيمَةٍ، وَإِذَا لَقِيَ مَنْ هُوَ مِثْلَهُ ذَاكَرَهُ، وَإِذَا لَقِيَ مَنْ هُوَ دُونَهُ لَمْ يَزْهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ يُتَابِعُ نِعَمَهُ عَلَيْكَ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ. وَقَالَ: إِذَا أَحْبَبْتَ أَخًا فِي اللَّهِ فَأَقِلَّ مُخَالَطَتَهُ فِي دُنْيَاهُ. وَكَانَ أَبُو حَازِمٍ يَمُرُّ عَلَى الْفَاكِهَةِ فِي السُّوقِ فَيَشْتَهِيهَا فَيَقُولُ: مَوْعِدُكِ الْجَنَّةَ. وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْعَمْرِيِّ , قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْقَارِئَ عَلَى الْكَعْبَةِ فَقُلْتُ لَهُ: أَبُو جَعْفَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَقْرِئْ إِخْوَانِي مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَنِي مَعَ الشُّهَدَاءِ الْأَحْيَاءِ الْمَرْزُوقِينَ، وَأَقْرِئْ أَبَا حَازِمٍ السَّلَامَ , وَقُلْ: يَقُولُ لَكَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْكَسِيرَ الْكَسِيرَ فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَتَرَاءَوْنَ مَجْلِسَكَ بِالْعَشِيَّاتِ.

стр. 791

ذِكْرُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵃ قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ يُشْبِهُ أَبَاهُ فِي السَّمْتِ وَالْهَدْيِ، وَكَانَ أَشْبَهَ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، بِهِ. يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ.

стр. 792

ذِكْرُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ تَابِعِيٌّ مَدَنِيٌّ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو أَيُّوبَ . قَالَ أَبُو حَازِمٍ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ بِالْأَبْوَاءِ كَأَنَّهَا فَلْقَةُ قَمَرٍ، فَسَأَلَتْهُ نَفْسَهُ فَامْتَنَعَ، فَدَنَتْ مِنْهُ فَخَرَجَ هَارِبًا مِنْ مَنْزِلِهِ وَتَرَكَهَا فِيهِ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَرَأَيْتُ بَعْدَ ذَلِكَ يُوسُفَ ﵇ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ وَكُنْتُ بِمَكَّةَ وَطُفْتُ وَسَعَيْتُ وَأَتَيْتُ الْحَجَرَ، فَنَعَسْتُ فَإِذَا رَجُلٌ وَسِيمٌ شَرْحَبٌ جَمِيلٌ، لَهُ شَارَةٌ حَسَنَةٌ وَرَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ أَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ. قَلْتُ: الصِّدِّيقُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: إِنَّ شَأْنَكَ وَشَأْنَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ عَجَبٌ. قَالَ: شَأْنُكَ وَشَأَنُ صَاحِبَةِ الْأَبْوَاءِ أَعْجَبُ، أَنَا يُوسُفُ الَّذِي هَمَمْتُ , وَأَنْتَ سُلَيْمَانُ الَّذِي لَمْ تَهُمَّ.

стр. 793

ذِكْرُ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، فِي كِتَابِهِ , أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ، فِي كِتَابِهِ , أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَسَّالِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ , قَالَ " كَانَ بَصَرِي قَدْ ذَهَبَ، فَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ اللَّهِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَمَسَحَ عَيْنَيَّ وَقَالَ: ائْتِ الْفُرَاتَ فَغُصْ فِيهِ، أَوْ قَالَ: اغْمسْ فِيهِ، وَقَالَ: افْتَحْ عَيْنَيْكَ فَفَعَلْتُ فَذَهَبَ مَا كَانَ بِعَيْنَيَّ

стр. 794

بَابُ الشِّينِ ذِكْرُ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ , كُنْيَتُهُ أَبُو وَائِلٍ كَانَ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ لَهُ خُصٌّ يَكُونُ هُوَ فِيهِ وَفَرَسُهُ، فَإِذَا غَزَا نَقَضَهُ وَإِذَا رَجَعَ أَعَادَهُ. قَالَ عَاصِمٌ: مَرَرْتُ يَوْمًا مَعَ أَبِي وَائِلٍ فِي السُّوقِ فَسَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ: دَانِقٌ وقِيرَاطٌ، فَقَالَ لِي: يَا عَاصِمُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ؟ قُلْتُ: الدَّانِقُ. قَالَ: الْأُخْرَى مَا أَدْرِي. يَرْوِي عَنْ عُمَرَ , وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ الْأَعْمَشُ , عَنْ شَقِيقٍ: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةٍ مُخَوِّفَةٍ فَمَرَرْنَا بَأَجَمَةٍ فِيهَا رَجُلٌ نَائِمٌ وَقَدْ قَيَّدَ فَرَسَهُ فَهِيَ تَرْعَى عِنْدَ رَأْسِهِ فَأَيْقَظْنَاهُ، فَقُلْنَا تَنَامُ فِي مِثْلَ هَذَا الْمَكَانَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ ذِي الْعَرْشِ أَنْ يَعْلَمَ أَنِّي

стр. 795

أَخَافُ شَيْئًا دُونَهُ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ. وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّنَا لَوْ أَطَعْنَاهُ مَا عَصَانَا. وَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ يَضَعُونَ عَلَى مَائِدَتِهِمْ رَغِيفًا مِنْ حَلالٍ لَأَهْلُ بَيْتٍ غرُبَاءُ. وَقَالَ عَاصِمٌ: كَانَ لِأَبِي وَائِلٍ خُصٌّ مِنْ قَصَبٍ، فَكَانَ يَكُونُ فِيهِ هُوَ وَفَرَسُهُ، فَإِذَا غَزَا نَقَضَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِذَا رَجَعَ أَنْشَأَ بِنَاءَهُ. وَقَالَ عَاصِمٌ: كَانَ عَطَاءُ أَبِي وَائِلٍ أَلْفَيْنِ، فَإِذَا خَرَجَ أَمْسَكَ مَا يَكْفِي أَهْلَهُ سَنَةً وَتَصَدَّقَ بِمَا سَوَى ذَلِكَ. وَقَالَ عَاصِمٌ: مَا رَأَيْتُ أَبَا وَائِلٍ مُلْتَفِتًا فِي صَلَاتِهِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَا سَمِعْتُهُ يَسُبُّ دَابَّةً قَطُّ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْحَجَّاجَ يَوْمًا فَقَالَ: «يَا رَبِّ أَطْعِمِ الْحَجَّاجَ مِنْ ضَرِيعٍ، لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ» ثُمَّ تَدَارَكَهَا فَقَالَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيْكَ. قُلْتُ: وَتَسْتَثْنِي فِي الْحَجَّاجِ؟ قَالَ: نَعُدُّهَا ذَنْبًا. وَفِي رِوَايَةِ الزِّبْرَقَانِ، قَالَ: جَعَلْتُ أَسُبُّ الْحَجَّاجَ وَأَذْكُرُ مَسَاوِئَهُ فَقَالَ: لَا تَسُبَّهُ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ. قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: مَاتَ أَبُو وَائِلٍ بَعْدَ الْجَمَاجِمِ.

стр. 796

ذِكْرُ شُرَيْحِ بْنِ الْحَارِثِ الْقَاضِي ﵁ يَرْوِي عَنْ عُمَرَ ﵁، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَعَشْرِ سِنِينَ. قِيلَ: كَانَ يَقُولُ: سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا حَقَّ مَنْ نَقَصُوا، إِنَّ الظَّالِمَ يَنْتَظِرُ الْعِقَابَ، وَإِنَّ الْمَظْلُومَ يَنْتَظِرُ النَّصْرَ، وَكَانَ بِأَبْهَامِهِ قُرْحَةٌ فَقَالُوا لَوْ أَرَيْتَهَا لِلطَّبِيبِ. قَالَ: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَهَا، وَاشْتَكَى رِجْلَهُ فَقَالُوا: أَلَا دَعَوْتَ طَبِيبًا؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالُوا: مَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: وَعَدَ خَيْرًا. قَالَ الرِّيَاشِيُّ قَالَ رَجُلٌ لِشُرَيْحٍ: إِنِّي كُنْتُ أَعْهَدُكَ وَإِنَّ شَأْنَكَ لَشُؤَيْنٌ، قَالَ: تَعْرِفُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَى غَيْرِكَ وَتَجْهَلُهَا فِي نَفْسِكَ.

стр. 797

ذِكْرُ شُمَيْطِ بْنِ عَجْلَانَ تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ ﵀ كَانَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: أَتَاهُمْ مِنَ اللَّهِ أَمْرٌ وَقَزَهُمْ عَنِ الْبَاطِلِ، فَأَسْهَرُوا الْعُيُونَ وَأَجَاعُوا الْبُطُونَ، وَأَظْمَئُوا الأَكْبَادَ وَأَنْصَبُوا الأَبْدَانَ، وَاهْتَضَمُوا الطَّارِفَ وَالتَّالِدَ فَأَكَلُوا عَلَى تَنَغُّصٍ، وَنَامُوا عَلَى خَوْفٍ وَقَامُوا عَلَى وَقَارٍ، هُمْ وَاللَّهِ أَكْيَاسٌ أَكَلُوا طَيِّبَ رِزْقِ اللَّهِ، وَعَاشُوا فِي فَضْلِ نَعِيمِ الْآخِرَةِ. وَقَالَ فِي وَصْفِ الْمَائِلِ إِلَى الدُّنْيَا: دَائِمُ الْبُطَنَةِ , قَلِيلُ الْفِطْنَةِ، هَمُّهُ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ، يَقُولُ: مَتَى أُصْبِحُ فَآكُلُ وَأَشْرَبُ وَأَلْهُو وَأَلْعَبُ , وَمَتَى أُمْسِي فَأَنَامُ، جِيفَةٌ بِاللَّيْلِ بَطَّالٌ بِالنَّهَارِ، يَطْلُبُ لِأَوْلَادِهِ السَّمْنَ بِالْعَسَلِ ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ عَلَى أَيْتَامِ الْمَسَاكِينِ فَيَذْهَبُ الصَّبِيُّ إِلَى أُمِّهِ يُجَاذِبُهَا خِمَارَهَا يَقُولُ أَعْطِنِي سَمْنًا وَعَسَلًا، فتقول له أمه إنه كثير لك مني حيث أصبت لك الخبز والملح، فإذا أحدث الله نعمة أحدث رياء وسمعة فعلق من بين أصفر وأخضر وأحمر , ثم قَالَ لِلنَّاسِ: تَعَالُوا وَانْظُرُوا فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: إِنْ يَكُنْ مِنْ حَلالٍ فَقَدْ أَسْرَفْتَ،

стр. 798

وَإِنْ يَكُنْ مِنْ حَرَامٍ فَثَكِلَتْكَ أُمُّكَ. وَيَقُولُ الْمُنَافِقُونَ: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ هَذَا , مَا أَكْثَرَ وَأَطْيَبَ، ذَرُوهُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَمَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ فَلُوذَجِهِمْ وَذَوْذَجِهِمْ، فَكُلْ يَوْمًا بَقْلًا وَيَوْمًا خَلًّا وَيَوْمًا مِلْحًا وَالْمُوعِدُ اللَّهَ . فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ آثَرُوا رِضَا اللَّهِ عَلَى هَوَى أَنْفُسِهِمْ فَأَرْغَمُوا أَنْفُسَهُمْ كَثِيرًا لِرِضَا رَبِّهِمْ فَأَفْلَحُوا وَأُنْجِحُوا. وَصُومُوا عَنِ الدُّنْيَا وَاجْعَلُوا غَايَةَ إِفْطَارِكُمْ فِي الدُّنْيَا الْمَوْتُ، وَبَادِرُوا بِالصِّحَّةِ السَّقَمَ، وَبِالْفَرَاغِ الشُّغْلَ، وَبِالْحَيَاةِ الْمَوْتَ، فَإِنَّمَا الدُّنْيَا غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ، فَإِنْ أَخَّرْتَ غَدَاءَكَ إِلَى عَشَاءِكَ أَمْسَى دِيوَانُكَ فِي دِيوَانِ الصَّائِمِينَ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ , قَالَ: دَعَا بَعْضُ الأُمَرَاءِ شُمَيْطًا إِلَى طَعَامِهِ فَاعْتَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: فَقْدُ أَكْلَةٍ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ بَذْلِ دِينِي لَهُمْ , مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَطْنُ الْمُؤْمِنِ أَعَزَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ. وَرَأْسُ مَالِ الْمُؤْمِنِ دِينُهُ، حَيْثُمَا زَالَ زَالَ مَعَهُ دِينُهُ. وَقَالَ: إِنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَزِمَّةُ الشَّيْطَانِ، بِهِمَا يَقُودُ الْمُنَافِقِينَ إِلَى السَّوْءَاتِ.

стр. 799

فَصْلٌ رُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شُمَيْطٍ قَالَ: قَالَ أَبِي: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ ﵇ أَلَا تَرَى إِلَى الْمُنَافِقِ كَيْفَ يُخَادِعُنِي وَأَنَا أَخْدَعُهُ يُسَبِّحُنِي بِطَرَفِ لِسَانِهِ وَقَلْبُهُ بَعِيدٌ مِنِّي , يَا دَاوُدُ قُلْ لِلْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا يَدْعُونِي وَالْخَطَايَا بَيْنَ أَضْبَانِهِمْ لِيُلْقُوهَا ثُمَّ يَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَهُمْ. قَالَ الْإِمَامُ ﵀: الضَّبْنُ مَا بَيْنَ الإِبِطِ وَالْكَشْحِ، وَالْجَمْعُ أَضْبَانٌ. وَقَالَ شُمَيْطٌ: عَلَامَةُ الْمُنَافِقِ قِلَّةُ ذِكْرِ اللَّهِ. وَقَالَ شُمَيْطٌ: بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ فَصَدَّتْهُ الشَّهَوَاتُ عَنِ الْعِبَادَةِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ خُلِقَ لِلْعَاقِبَةِ فَصَدَّتْهُ الْعَاجِلَةُ عَنِ الْعَاقِبَةِ، فَزَالَتْ عَنْهُ الْعَاجِلَةُ وَشَقِيَ بِالْعَاقِبَةِ. يَا ابْنَ آدَمَ كُلُّ يَوْمٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجَلِكَ وَأَنْتَ لَا تَحْزَنُ، وَكُلُّ يَوْمٍ تَسْتَوْفِي مِنْ رِزْقِكَ، أُعْطِيتَ مَا يَكْفِيكَ وَأَنْتَ تَطْلُبُ مَا يُطْغِيكَ، كَيْفَ لَا يَسْتَبِينُ لِلْعَالِمِ جَهْلُهُ وَقَدْ عَجَزَ عَنْ شُكْرِ مَا هُوَ فِيهِ، وَهُوَ مُغْتَرٌّ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ، أَمْ كَيْفَ يَعْمَلُ لِلْآخِرَةِ، وَلَا تَنْقَضِي مِنَ الدُّنْيَا شَهْوَتُهُ، وَلَا تَنْقَضِي فِيهَا رَغْبَتُهُ، فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدَارِ الْحَقِّ وَهُوَ يَسْعَى لِدَارِ الْغُرُورِ. وَكَانَ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دُمْتَ سَاكِتًا فَأَنْتَ سَالِمٌ، فَإِذَا تَكَلَّمْتَ فَخُذْ حِذْرَكَ.

стр. 800

وَقَالَ: مَنْ جَعَلَ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، لَمْ يُبَالِ بِضِيقِ الدُّنْيَا وَلَا بِسَعَتِهَا. وَقَالَ: عَجَبًا لِابْنِ آدَمَ بَيْنَمَا قَلْبُهُ فِي الْآخِرَةِ إِذَا حَكَّةُ بَرْغُوثٍ أَوْ قَمْلَةٍ فَنَسِيَ الْآخِرَةَ. وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَسَمَ الدُّنْيَا بِالْوَحْشَةِ لِيَكُونَ أُنْسَ الْمُنْقَطِعِينَ إِلَيْهِ. وَقَالَ: رَجُلَانِ مُعَذَّبَانِ فِي الدُّنْيَا: رَجُلٌ أُعْطِيَ الدُّنْيَا فَهُوَ مُتْعَبٌ فِيهَا مَشْغُولٌ بِهَا، وَفَقِيرٌ زُوِيَتْ عَنْهُ الدُّنْيَا فَنَفْسُهُ تَتَقَطَّعُ عَلَيْهَا حَسَرَاتٍ. وَقَالَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَرَجُلٌ ابْتَكَرَ الْخَيْرَ فِي حَدَاثَةِ سِنِّهِ ثُمَّ دَاوَمَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا فَهَذَا الْمُقَرَّبُ، وَرَجُلٌ ابْتَكَرَ عُمُرَهُ بِالذُّنُوبِ وَطُولِ الْغَفْلَةِ ثُمَّ رَاجَعَ بِالتَّوْبَةِ فَهَذَا صَاحِبُ يَمِينٍ، وَرَجُلٌ ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل فيه حتى خرج من الدنيا، فهذا صَاحِبُ الشَّمَالِ.

стр. 801

بَابُ الصَّادِ ذِكْرُ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ تَابِعِيٌّ مَدَنِيٌّ ﵁ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ صَفْوَانُ يُصَلِّي فِي الشِّتَاءِ فِي السَّطْحِ فِي قَمِيصٍ وَاحِدٍ، وَفِي الصَّيْفِ فِي بَطْنِ الْبَيْتِ حَتَّى يُصْبِحَ لِئَلَّا يَنَامَ. ثُمَّ يَقُولُ: هَذَا الْجَهْدُ مِنْ صَفْوَانَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ، وَإِنَّهُ لَتَرِمُ رِجْلَاهُ حَتَّى تَعُودَا مِثْلَ السَّقْطِ وَيَظْهَرَ فِيهَا عُرُوقٌ خُضْرٌ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ. وَقَالَ أَبُو عُيَيْنَةَ: حَجَّ صَفْوَانُ وَمَعَهُ سَبْعَةُ دَنَانِيرَ فَاشْتَرَى بِهَا بَدَنَةً وَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] . وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ: انْصَرَفْتُ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ مِنَ الْعِيدِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَمِلْحٍ، فَجَاءَ سَائِلٌ فَقَامَ إِلَى كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ فَأَعْطَاهُ دِينَارًا. وَقَدِمَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَامِلُهُ عَلَيْهَا فَصَلَّى

стр. 802

بِالنَّاسِ الظُّهْرَ ثُمَّ فَتَحَ بَابَ الْمَقْصُورَةِ وَاسْتَنَدَ إِلَى الْمِحْرَابِ، وَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ فَنَظَرَ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَقَالَ: يَا عُمَرُ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ مَا رَأَيْتُ سَمْتًا أَحْسَنَ مِنْهُ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: يَا غُلَامُ كِيسٌ فِيهِ خَمْسُ مِائَةِ دِينَارٍ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ لِخَادِمِهِ: تَرَى هَذَا الرَّجُلَ الْقَائِمَ يُصَلِّي فَوَصَفَهُ لِلْغُلامِ حَتَّى أَثْبَتَهُ فَخَرَجَ الْغُلَامُ بِالْكِيسِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى صَفْوَانَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ صَفْوَانُ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ سَلَّمَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ ذَا يَنْظُرُ إِلَيْكَ وَإِلَيَّ، أَنْ أَدْفَعَ إِلَيْكَ هَذَا الْكِيسَ فِيهِ خَمْسُ مِائَةِ دِينَارٍ، وَيَقُولُ لَكَ: اسْتَعِنْ بِهَذِهِ عَلَى زَمَانِكَ وَعَلَى عِيَالِكَ، قَالَ: لَسْتُ بِالَّذِي أُرْسِلْتَ إِلَيْهِ قَالَ: أَلَسْتَ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ؟ قَالَ: بَلَى أَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: فَإِلَيْكَ أُرْسِلْتُ. قَالَ: اذْهَبْ فَاسْتَثْبِتْ وَأَنَا هَاهُنَا جَالِسٌ، فَوَلَّى الْغُلَامُ وَأَخَذَ صَفْوَانُ نَعْلَيْهِ فَلَمْ يُرَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ , فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ فَإِنِّي رَأَيْتُهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ. فَقُلْتُ: قَالَ: بِقَمِيصٍ كَسَاهُ إِنْسَانًا، فَسَأَلَ بَعْضُ إِخْوَانٍ صَفْوَانَ عَنْ قِصَّةِ الْقَمِيصِ فَقَالَ: خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَإِذَا رَجُلٌ عَارٍ فَنَزَعْتُ قَمِيصِي فَكَسَوْتُهُ.

стр. 803

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ أَسْلَمَ , أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى مِسْكِينًا يَقُولُ: مَنْ قَمَّصَنِي قَمِيصًا قَمَّصَهُ اللَّهُ قَمِيصًا فِي الْجَنَّةِ، فَنَزَعَ صَفْوَانُ قَمِيصَهُ فَأَعْطَاهُ الْمِسْكِينَ، فَرَأَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، كَانَ صَالِحًا، ثَلَاثَ لَيَالٍ إِذَا رَأَيْتَ صَفْوَانَ أَخْبِرْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَمَّصَهُ قَمِيصًا مِنَ الْجَنَّةِ لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ الرَّجُلُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَأَتَى عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ , فَقَالَ لَهُ: أَرْسِلْ إِلَى صَفْوَانَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَ صَفْوَانُ أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ بِمَا رَأَى، قَالَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ لِصَفْوَانَ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَبَكَى صَفْوَانُ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِ الْقَمِيصِ. ذِكْرُ صَفْوَانِ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ ﵁ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، يَرْوِي عَنْ أَبِي مُوسَى , وَابْنِ عُمَرَ ﵄، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ، اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ سِرْبًا يَبْكِي فِيهِ، مَاتَ فِي وِلايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ ﵀. أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ بِبَغْدَادَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵄، وكان من العباد، اتخذ لنفسه سربا يبكي فيه، مات في ولاية عبد الملك رحمه الله

стр. 804

أَخْبَرَنَا عاصم بن الحسن ببغداد، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنِ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ، صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ , قَالَ " أَخَذَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ ابْنَ أَخٍ لِصَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ فَحَبَسَهُ فِي السِّجْنِ فَلَمْ يَدَعْ صَفْوَانُ شَرِيفًا بِالْبَصْرَةِ يَرْجُو مَنْفَعَتَهُ إِلَّا تَحَمَّلَ بِهِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَ لِحَاجَتِهِ نَجَاحًا، فَبَاتَ فِي مُصَلاهُ حَزِينًا فَهَوَّمَ مِنَ اللَّيْلِ فَإِذَا آتٍ قَدْ أَتَاهُ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ، قُمْ فَاطْلُبْ حَاجَتَكَ مِنْ وَجْهِهَا قَالَ: فَانْتَبَهْنَا فَزَعًا، فَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ دَعَا، فَأَرَّقَ ابْنَ زِيَادٍ , فَقَالَ: عَلَيَّ يَا ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ فَإِنِّي قَدْ مُنِعْتُ مِنَ النَّوْمِ مُنْذُ اللَّيْلَةِ، فَأُخْرِجَ فَأُوتِيَ بِهِ ابْنَ زَيَادٍ فَكَلَّمَهُ ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ بِلَا كَفِيلّ وَلَا شَيْءٍ، فَمَا شَعَرَ صَفْوَانُ حَتَّى ضَرَبَ عَلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ بَابَهُ. فَقَالَ صَفْوَانُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا فُلَانٌ، قَالَ: فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ. . . فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ

стр. 805

ذِكْرُ صِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ الْعَدَوِيِّ ﵁ تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ رَوَى جَعْفَرُ بْنُ زَيْدٍ , قَالَ: خَرَجْنَا فِي غَزَاةٍ إِلَى كَابِلَ وَفِي الْجَيْشِ صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ، فَنَزَلَ النَّاسُ عِنْدَ الْعَتْمَةِ فَقُلْتُ: لأَرْمُقَنَّ عَمَلَهُ فَانْظُرْ مَا يَذْكُرُ النَّاسُ مِنْ عِبَادَتِهِ، فَصَلَّى الْعَتْمَةَ ثُمَّ اضْطَجَعَ فَالْتَمَسَ غَفْلَةَ النَّاسِ، حَتَّى إِذَا قُلْتُ: هَدَأَتِ الْعُيُونُ، وَثَبَ فَدَخَلَ غَيْضَةً قَرِيبَةً مِنَّا فَدَخَلْتُ فِي أَثَرِهِ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَجَاءَ أَسَدٌ حَتَّى دَنَا مِنْهُ قَالَ: فَصَعَدْتُ فِي شَجَرَةٍ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ صِلَةُ إِلَيْهِ فَلَمَّا سَجَدَ قُلْتُ: الْآنَ يَفْتَرِسُهُ الأَسَدُ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ: أَيُّهَا السَّبْعُ اطْلُبِ الرِّزْقَ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ، فَوَلَّى وَإِنَّ لَهُ لَزَئِيرًا أَقُولُ: تَصْدَعُ مِنْهُ الْجِبَالُ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ يُصَلِّي حَتَّى كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ جَلَسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِمَحَامِدَ لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَهَا ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ أَوَ مِثْلِي يَجْتَرِئُ أَنْ يَسْأَلَكَ

стр. 806

الْجَنَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَصْبَحَ كَأَنَّهُ بَاتَ عَلَى الْحَشَايَا، وَأَصْبَحْتُ وَبِي مِنَ الْفَتْرَةِ شَيْءٌ اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. الْحَشَايَا: الْفُرُشُ الْمَحْشُوَّةُ بِالْحَلِيجِ. وَقَالَ رَجُلٌ لِصَلَةَ: ادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: رَغَّبَكَ اللَّهُ فِيمَا يَبْقَى، وَزَهَّدَكَ فِيمَا يَفْنَى، وَوَهَبَ لَكَ الْيَقِينَ الَّذِي لَا يُعَوَّلُ فِي الدِّينِ إِلَّا عَلَيْهِ. وَقَالَ صِلَةُ: طَلَبْتُ الدُّنْيَا مَظَانَّ حَلالِهَا، فَجَعَلْتُ لَا أُصِيبُ مِنْهَا إِلَّا قُوتًا فَقُلْتُ: أَيْ نَفْسِي، جَعَلَ اللَّهُ رِزْقَكِ كِفَافًا فَأَرْبِعِي. قَوْلَهُ فَأَرْبِعِي مَعْنَاهُ: اسْكُنِي وَلَا تَتَعَبِي. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: طَلَبْتُ الْمَالَ مِنْ وَجْهِهِ فَأَعْيَانِي إِلَّا رِزْقَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ فَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ خُيِّرَ لِي. أَيْ قُضِيَ لِي مَا هُوَ خَيْرٌ لِي.

стр. 807

ذِكْرُ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هُوَ صَالِحُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: أَحَدُ الزُّهَّادِ الْخُشَّنِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَسْوَارِيِّ، فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبِ بْنِ سَوَادَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ " مَرِضَتِ امْرَأَةٌ مِنَّا حَتَّى صَارَتْ كَالْخِشْفِ، فَجِئْتُ فَقَعَدْتُ عِنْدَ رَأْسِهَا وَقَرَأْتُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَالْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءِ، وَالْمَائِدَةِ، وَالْأَنْعَامِ فَتَحَرَّكَتْ، ثُمَّ قَرَأْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْغَدِ حَتَّى بَلَغْتُ الْكَهْفَ فَتَكَلَّمَتْ وَقَالَتْ لِي: اقْرَأْ فَإِنِّي أَجِدُ كَدَبِيبِ النَّمْلِ يَخْرُجُ مِنَ الْمَرَاقِي، فَقَرَأْتُ حَتَّى بَلَغْتُ: ص، فَاسْتَوَتْ قَاعِدَةً، ثُمَّ خَتَمْتُ عَلَيْهَا فَاسْتَوَتْ قَائِمَةً، فَلَقِيتُ غَالِبَ الْقَطَّانَ بِمِنًى، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَوَ تَعْجَبُ مِنْ فِعْلِكَ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ مَيِّتَةً فَقَرَأْتَ عَلَيْهَا الْقُرْآنَ فَحَيَتْ لَصَدَّقْتُكَ وَقَالَ خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ: كَانَ صَالِحٌ الْمَرِّيُّ إِذَا قَصَّ قَالَ: جَاءَتْ جَوْنَةُ الْمِسْكِ وَالتِّرْيَاقِ الْمُجَرَّبِ , يَعْنِي: الْقُرْآنَ. وَلَا يَزَالُ يَقْرَأُ وَيَدْعُو

стр. 808

وَيَبْكِي حَتَّى يَنْصَرِفَ. وَقَالَ صَالِحٌ الْمَرِّيُّ: قَالَ لِي قَائِلٌ فِي الْمَنَامِ: إِذَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَخْزُونِ الْمَكْنُونِ الْمُبَارَكِ الطُّهْرِ الطَّاهِرِ الْمُطَهَّرِ الْمُقَدَّسِ قَالَ: فَمَا دَعَوْتَ بِهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا عَرَفْتَ الْإِجَابَةَ بَابُ الضَّادِ ذِكْرُ ضَبَّةَ بْنِ مُحْصِنٍ الْعَنْزِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ﵁. ذِكْرُ ضُرَيْبِ بْنِ نُفَيْرٍ أَبِي السَّلِيلِ الْقَيْسِيِّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ﵀

стр. 809

ذِكْرُ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ الشَّامِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَرْوِي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁. بَابُ الطَّاء ذِكْرُ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ طَاوُسُ لِابْنِهِ: إِذَا قَبَرْتَنِي فَانْظُرْ فِي قَبْرِي، فَإِنْ لَمْ تَجِدْنِي

стр. 810

فَاحْمَدِ اللَّهَ، وَإِنْ وَجَدْتَنِي فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. قَالَ الرَّاوِي: فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ وَلَدِهِ أَنَّهُ نَظَرَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، ورُئِيَ فِي وَجْهِهِ السُّرُورُ. وَقَالَ طَاوُسٌ: إِنَّ الْمَوْتَى يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ سَبْعًا، فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُمْ تِلْكَ الْأَيَّامَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: قَالَ لِي طَاوُسُ: مَا تَعَلَّمْتَهُ فَتَعَلَّمْهُ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ الْأَمَانَةَ وَالصِّدْقَ قَدْ ذَهَبَا مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ وَهْرَامٍ: قَالَ طَاوُسٌ: كَانَ يُقَالَ: اسْجُدْ لِلْقِرْدِ فِي زَمَانِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: جَاءَ ابْنٌ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ طَاوُسٍ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: جَلَسَ إِلَيْكَ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَزْهَدُونَ فِيمَا فِي يَدِهِ.
следующие страницы →