← Тараджим

Тараджим · id 21493

سير السلف الصالحين - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الْجَنَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَصْبَحَ كَأَنَّهُ بَاتَ عَلَى الْحَشَايَا، وَأَصْبَحْتُ وَبِي مِنَ الْفَتْرَةِ شَيْءٌ اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. الْحَشَايَا: الْفُرُشُ الْمَحْشُوَّةُ بِالْحَلِيجِ. وَقَالَ رَجُلٌ لِصَلَةَ: ادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: رَغَّبَكَ اللَّهُ فِيمَا يَبْقَى، وَزَهَّدَكَ فِيمَا يَفْنَى، وَوَهَبَ لَكَ الْيَقِينَ الَّذِي لَا يُعَوَّلُ فِي الدِّينِ إِلَّا عَلَيْهِ. وَقَالَ صِلَةُ: طَلَبْتُ الدُّنْيَا مَظَانَّ حَلالِهَا، فَجَعَلْتُ لَا أُصِيبُ مِنْهَا إِلَّا قُوتًا فَقُلْتُ: أَيْ نَفْسِي، جَعَلَ اللَّهُ رِزْقَكِ كِفَافًا فَأَرْبِعِي. قَوْلَهُ فَأَرْبِعِي مَعْنَاهُ: اسْكُنِي وَلَا تَتَعَبِي. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: طَلَبْتُ الْمَالَ مِنْ وَجْهِهِ فَأَعْيَانِي إِلَّا رِزْقَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ فَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ خُيِّرَ لِي. أَيْ قُضِيَ لِي مَا هُوَ خَيْرٌ لِي.

стр. 807

ذِكْرُ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هُوَ صَالِحُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: أَحَدُ الزُّهَّادِ الْخُشَّنِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَسْوَارِيِّ، فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبِ بْنِ سَوَادَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ " مَرِضَتِ امْرَأَةٌ مِنَّا حَتَّى صَارَتْ كَالْخِشْفِ، فَجِئْتُ فَقَعَدْتُ عِنْدَ رَأْسِهَا وَقَرَأْتُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَالْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءِ، وَالْمَائِدَةِ، وَالْأَنْعَامِ فَتَحَرَّكَتْ، ثُمَّ قَرَأْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْغَدِ حَتَّى بَلَغْتُ الْكَهْفَ فَتَكَلَّمَتْ وَقَالَتْ لِي: اقْرَأْ فَإِنِّي أَجِدُ كَدَبِيبِ النَّمْلِ يَخْرُجُ مِنَ الْمَرَاقِي، فَقَرَأْتُ حَتَّى بَلَغْتُ: ص، فَاسْتَوَتْ قَاعِدَةً، ثُمَّ خَتَمْتُ عَلَيْهَا فَاسْتَوَتْ قَائِمَةً، فَلَقِيتُ غَالِبَ الْقَطَّانَ بِمِنًى، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَوَ تَعْجَبُ مِنْ فِعْلِكَ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ مَيِّتَةً فَقَرَأْتَ عَلَيْهَا الْقُرْآنَ فَحَيَتْ لَصَدَّقْتُكَ وَقَالَ خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ: كَانَ صَالِحٌ الْمَرِّيُّ إِذَا قَصَّ قَالَ: جَاءَتْ جَوْنَةُ الْمِسْكِ وَالتِّرْيَاقِ الْمُجَرَّبِ , يَعْنِي: الْقُرْآنَ. وَلَا يَزَالُ يَقْرَأُ وَيَدْعُو

стр. 808

وَيَبْكِي حَتَّى يَنْصَرِفَ. وَقَالَ صَالِحٌ الْمَرِّيُّ: قَالَ لِي قَائِلٌ فِي الْمَنَامِ: إِذَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَخْزُونِ الْمَكْنُونِ الْمُبَارَكِ الطُّهْرِ الطَّاهِرِ الْمُطَهَّرِ الْمُقَدَّسِ قَالَ: فَمَا دَعَوْتَ بِهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا عَرَفْتَ الْإِجَابَةَ بَابُ الضَّادِ ذِكْرُ ضَبَّةَ بْنِ مُحْصِنٍ الْعَنْزِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ﵁. ذِكْرُ ضُرَيْبِ بْنِ نُفَيْرٍ أَبِي السَّلِيلِ الْقَيْسِيِّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ﵀

стр. 809

ذِكْرُ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ الشَّامِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَرْوِي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁. بَابُ الطَّاء ذِكْرُ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ طَاوُسُ لِابْنِهِ: إِذَا قَبَرْتَنِي فَانْظُرْ فِي قَبْرِي، فَإِنْ لَمْ تَجِدْنِي

стр. 810

فَاحْمَدِ اللَّهَ، وَإِنْ وَجَدْتَنِي فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. قَالَ الرَّاوِي: فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ وَلَدِهِ أَنَّهُ نَظَرَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، ورُئِيَ فِي وَجْهِهِ السُّرُورُ. وَقَالَ طَاوُسٌ: إِنَّ الْمَوْتَى يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ سَبْعًا، فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُمْ تِلْكَ الْأَيَّامَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: قَالَ لِي طَاوُسُ: مَا تَعَلَّمْتَهُ فَتَعَلَّمْهُ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ الْأَمَانَةَ وَالصِّدْقَ قَدْ ذَهَبَا مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ وَهْرَامٍ: قَالَ طَاوُسٌ: كَانَ يُقَالَ: اسْجُدْ لِلْقِرْدِ فِي زَمَانِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: جَاءَ ابْنٌ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ طَاوُسٍ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: جَلَسَ إِلَيْكَ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَزْهَدُونَ فِيمَا فِي يَدِهِ.

стр. 811

وَمَرَّ طَاوُسٌ بِرَوَّاسٍ قَدْ أَخْرَجَ رَأْسًا مَشْوِيًّا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَسَارَ رَجُلٌ مَعَ طَاوُسٍ فَسَمِعَ غُرَابًا نَعَبَ فَقَالَ: خَيْرٌ، فَقَالَ طَاوُسُ: أَيُّ خَيْرٍ عِنْدَ هَذَا أَوْ شَرٍّ، لَا تَصْحَبْنِي وَلَا تَمْشِي مَعِي. وَقَالَ رَجُلٌ لِطَاوُسٍ: ادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: مَا أَجِدُ لِقَلْبِي خَشْيَةً فَأَدْعُو لَكَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ: كَانَ طَاوُسٌ طَاوُسًا كَاسْمِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: مَا رَأَيْتُ بِأَرْضِنَا أَحَدًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْ طَاوُسٍ. قَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ: شَهِدْتُ جِنَازَةَ طَاوُسٍ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ. فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَجَّ أَرْبَعِينَ حَجَّةً. فصل قَالَ طَاوُسٌ: لَا يَتِمُّ نُسُكِ الشَّابِّ حَتَّى يَتَزَوَّجَ قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابَ لِأَبِي الزَّوَائِدِ: مَا يَمْنَعُكَ مِنَ النِّكَاحِ إِلَّا عَجْزٌ أَوْ فُجُورٌ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ الْمَكِّيُّ: دَخَلَ عَلَيَّ طَاوُسُ يَعُودُنِي فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ لِي، فَقَالَ: ادْعُ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّهُ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ.

стр. 812

وَقَالَ طَاوُسٌ: إِيَّاكَ أَنْ تَرْفَعَ حَوَائِجَكَ إِلَى مَنْ أَغْلَقَ دُونَكَ بَابَهُ، وَجَعَلَ دُونَهُ حِجَابًا، وَعَلَيْكَ بِطِبِّ حَوَائِجِكَ إِلَى مَنْ بَابُهُ لَكَ مَفْتُوحٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، طَلَبَ إِلَيْكَ أَنْ تَدْعُوَهُ وَوَعَدَكَ الْإِجَابَةَ. وَرَأَى طَاوُسٌ رَجُلًا مِسْكِينًا، فِي ثَوْبِهِ وَسَخٌ، قَالَ: عُدَّ أنَّ الْفَقْرَ مِنَ اللَّهِ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْمَاءِ؟ وَسَأَلَ رَجُلٌ طَاوُسًا عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: تُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ فِي عُنُقِي حَبْلًا ثُمَّ يُطَافُ بِي.

стр. 813

ذِكْرُ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ ﵁ قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ: ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي حِينَ تَغْضَبُ، أَذْكُرُكَ حِينَ أَغْضَبُ، وَلَا أَمْحَقُكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ، ابْنَ آدَمَ إِذَا ظُلِمْتَ فَاصْبِرْ، فَإِنِّي لَكَ نَاصِرٌ خَيْرٌ مِنْكَ نَاصِرًا لِنَفْسِكَ. وَكَانَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ يَفْتَتِحُ الْبَقَرَةَ , يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَرْكَعُ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَنْكَبُوتَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ , أَنّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ؟ قَالَ: «أَخْوَفُهُمُ لِلَّهِ» . قَالَ ابْنُ يَحْيَى: وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّ طَلْقَ بْنَ حَبِيبٍ مِنْ أَخْوَفِهِمْ لِلَّهِ.

стр. 814

ذِكْرُ طَلْحَةِ بْنِ مُصَرِّفٍ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ ﵁ مِنْ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَزُهَّادِهِمْ. قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: كَانُوا يُسَمُّونَهُ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَهَ: سَمِعَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ رَجُلًا يَقُولُ: لَيْسَ بِالْكُوفَةِ أَقْرَأُ مِنْ طَلْحَةَ، فَذَهَبَ إِلَى الْأَعْمَشِ يَقْرَأُ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَنْهُ، قَالَ الْأَعْمَشُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ طَلْحَةَ، كَانَ يَقْرَأُ فَإِنْ كُنْتُ مُحْتَبِيًا وَحَلَلْتُ حَبْوَتِي سَكَتَ، وَإِنْ كُنْتُ قَاعِدًا فَاضْطَجَعْتُ سَكَتَ. قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْحُرٍ: مِنْ أَفْضَلِ مَنْ رَأَيْتَ بِالْكُوفَةِ؟ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ طَلْحَةَ.

стр. 815

وَقَالَ شُعْبَةُ: كُنْتُ فِي جِنَازَةِ طَلْحَةَ , فَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ، وَأَثْنَى: مَا تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: كَانَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عُثْمَانِيَّ وَزُبَيْدٌ عَلَوِيَّ وَكَانَا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ سَنَةً فَمَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ. ذِكْرُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ ﵀ رُوِيَ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: أَقْبَلَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ سَفَرٍ فَلَقِيَهُ أَعْرَابِيٌّ عِنْدَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: أَفِضْ عَلَيْنَا مِمَّا رَزَقَكَ اللَّهُ، فَقَالَ لِغُلامٍ لَهُ: مَا بَقِيَ مَعَكَ مِنَ الْمَالِ فأَعْطِهِ إِيَّاهُ، قَالَ: فَصَبَّ فِي ثَوْبِهِ شَيْئًا ثَقُلَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَجَلَسَ وَبَكَى، فقال أستقللت؟ ويحك، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَبْكِي عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ مِثْلَكَ، قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قَصِيدَةٍ، لَا تَبْرَحْنَا وَمَعَنَا دِرْهَمٌ إِلَّا أَخَذْتَهُ، فَأَخَذَ كُلَّ مَا كَانَ مَعَ أَصْحَابِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.

стр. 816

بَابُ الظَّاءِ ذِكْرُ ظَالِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، كُنْيَتُهُ أَبُو الْأَسْوَدِ هُوَ الدُّؤَلِيُّ , تَابِعِيٌّ، بَصْرِيٌّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي النَّحْوِ ﵁ وَأَرْضَاهُ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. قِيلَ سَمِعَ أَبُو الْأَسْوَدِ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] . بِكَسْرِ اللَّامِ قَالَ: لَا أَظُنُّنِي يَسَعُنِي أَلَّا أَضَعَ شَيْئًا أُصْلِحُ بِهِ لَحْنَ هَذَا، فَوَضَعَ النَّحْوَ.

стр. 817

بَابُ الْعَيْنِ ذِكْرُ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ: انْتَهَى الزُّهْدُ إِلَى ثَمَانِيَةٍ: عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ، وَهَرِمُ بْنُ حَيَّانٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، وَمَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ، وَالَأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , فَكَانَ يَقُولُ: فِي الدُّنْيَا الْغُمُومُ وَالأَحْزَانُ، وَفِي الْآخِرَةِ النَّارُ وَالْحِسَابُ، فَأَيْنَ الرَّاحَةُ وَالْفَرَجُ؟ إِلَهِي خَلَقْتَنِي وَلَمْ تُؤَامِرْنِي فِي خَلْقِي، وَأَسْكَنْتَنِي بَلاءَ الدُّنْيَا، ثُمّ قُلْتَ لِي: اسْتَمْسِكْ فَكَيْفَ أَسْتَمْسِكُ إِنْ لَمْ تُمَسِّكْنِي، إِلَهِي إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنْ لَوْ كَانَتْ لِيَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا ثُمَّ سَأَلْتَنِيهَا لَجَعَلْتُهَا لَكَ، فَهَبْ لِي نَفْسِي.

стр. 818

وَكَانَ يَقُولُ: لَذَّاتُ الدُّنْيَا أَرْبَعٌ: الْمَالُ , وَالنِّسَاءُ , وَالنَّوْمُ , وَالطَّعَامُ، فَأَمَّا الْمَالُ وَالنِّسَاءُ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِمَا، وَالطَّعَامُ فَلَابُدَّ وَأَمَّا النَّوْمُ لِي مِنْهُمَا، وَاللَّهِ لَأَضُرَّنَّ بِهِمَا جَهْدِي. وَقَدْ كَانَ يَبِيتُ قَائِمًا وَيَظَلُّ صَائِمًا، وَكَانَ إِبْلِيسُ يَلْتَوِي فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ كَهَيْئَةِ الْحَيَّةِ، فَإِذَا مَا وَجَدَ رِيحَهُ نَحَّاهُ بِيَدِهِ ثُمَّ يَقُولُ: لَوْلَا نَتَنُكَ لَمْ أَزَلْ عَلَيْكَ سَاجِدًا، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَمِيصِهِ وَيَخْرُجُ مِنْ كُمِّهِ فَلَا يَحِيدُ فَقِيلَ لَهُ: لَا تُنَحِّ الْحَيَّةَ؟ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَخَافَ شَيْئًا غَيْرَهُ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ بِهَا حِينَ تَدْخُلُ وَلَا حِينَ تَخْرُجُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْجَنَّةَ تُدْرَكُ بِدُونِ مَا تَصَنُّعٍ، وَإِنَّ النَّارَ تُتَّقَى بِدُونِ مَا تَصَنُّعٍ، فَيَقُولُ لَا أَنْفَكُّ حَتَّى لَا أَلُومَ نَفْسِي. قَالَ: وَمَرِضَ فَبَكَى، فَقيِلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ وَقَدْ كُنْتَ وَكُنْتَ؟ فَقَالَ: وَمِنْ أَحَقُّ بِالْبُكَاءِ مِنِّي وَسَفَرِي بَعِيدٌ، وَزَادِي قَلِيلٌ، وَأَمْسَيْتُ فِي صُعُودٍ وَهُبُوطٍ مِنْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ فَلَا أَدْرِي إِلَى أَيِّهِمَا أَصِيرُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، يَقُومُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يَزَالُ قَائِمًا إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَقَدِ انْتَفَخَتْ سَاقَاهُ وَقَدَمَاهُ، فَيَقُولُ: يَا نَفْسُ، يَا أَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، إِنَّمَا خُلِقْتِ لِلْعِبَادَةِ. وَكَانَ حَمَمَةُ، وَهُوَ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، عَارَضَهُ يَوْمًا وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ

стр. 819

ثَمَانِ مِائَةِ رَكْعَةٍ وَكَانَ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَانَا بِالْبَطْنِ، فَإِذَا أَكَلْنَا لَابُدَّ لَنَا مِنَ الْحَدَثِ مَا رَآنِي رَبِّي إِلَّا رَاكِعًا وَسَاجِدًا. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرَانَ: بَعَثَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ , فَقَالَ: إِنَّ مُعَاوُيَةَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنِي أَنْ أُحْسِنَ أَدَبَكَ وَأُكْرِمَكَ. قَالَ: فُلَانٌ الَّذِي أَطَالَ الِاخْتِلَافَ إِلَيْكَ لَا تَأْذَنْ لَهُ هُوَ أَحْوَجُ إِلَى ذَلِكَ مِنِّي، قَالَ: وَأَمَرَنِي أَنْ تَخْطُبَ مَنْ شِئْتَ فَأُمْهِرُ عَنْكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ: أَنَا فِي الْخِطْبَةِ دَائِبٌ، قَالَ: إِلَى مِنْ؟ قَالَ: إِلَى مَنْ يَقْبَلُ مِنِّي الْفَلْقَةَ، وَالتَّمْرَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَأَلَ عَامِرٌ رَبَّهُ أَنْ يُهَوِّنَ عَلَيْهِ الطُّهُورَ فِي الشِّتَاءِ، فَكَانَ يُؤْتَى بِالْمَاءِ وَلَهُ بُخَارٌ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: مَرَّ عَامِرٌ فَإِذَا قَافِلَةٌ قَدِ احْتَبَسَتْ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ لَا تَمُرُّونَ؟ فَقَالُوا: الأَسَدُ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الطَّرِيقِ، قَالَ: هَذَا كَلْبٌ مِنَ الْكِلَابِ، فَمَرَّ بِهِ حَتَّى أَصَابَ ثَوْبُهُ فَمُ الْأَسَدِ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: رَأَى رَجُلٌ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَخْبِرُوا النَّاسَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَوَجْهُهُ مِثْلُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ.

стр. 820

قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ عُبَّادِ التَّابِعِينَ بِالْبَصْرَةِ، وَأَخَذَ الطَّرِيقَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مَاشَاذَّهٍ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَسَّالُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّازِقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشَّخِّيرِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ " أَنَّ عَامِرَ بْنَ قَيْسٍ , كَانَ أَخَذَ عَطَاءَهُ فَيَجْعَلُهُ تَحْتَ دِرْعِهِ فَلَا يَلْقَى أَحَدًا مِنَ الْمَسَاكِينِ فَسَأَلَهُ إِلَّا أَعْطَاهُ، فَإِذَا دَخَلَ إِلَى أَهْلِهِ رَمَى بِهِ إِلَيْهِمْ، فَيَعُدُّونَهَا فَيَجِدُونَهَا سَوَاءً كَمَا أُعْطِيهَا

стр. 821

ذِكْرُ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو شِبْلٍ تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ. قَالَ قَابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيَانَ: قُلْتُ لِأَبِي: لِأَيِّ شَيْءٍ تَأْتِي عَلْقَمَةَ وَتَدَعُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أَدْرَكْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَلْقَمَةَ وَيَسْتَفْتُونَهُ. رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَ فَرَأَى عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدَ، وَمَسْرُوقًا، وَأَصْحَابَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، وَيَتَدَارَسُونَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّيَ الْعُلَمَاءُ، بِرُوحِ اللَّهِ ائْتَلَفْتُمْ وَكِتَابِ اللَّهِ تَلَوْتُمْ، وَمَسْجِدِ اللَّهِ عَمَّرْتُمْ، وَرَحْمَةِ اللَّهِ انْتَظَرْتُمْ، ثُمَّ أَحَبَّكُمُ اللَّهُ، وَأَحَبَّ مَنْ أَحَبَّكُمْ.

стр. 822

وَرُوِيَ أَنَّ عَلْقَمَةَ كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: رَتِّلْ فَذَلِكَ زَيْنُ الْقُرْآنِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. وَقَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ: قِيلَ لِعَلْقَمَةَ: لَوْ جَلَسْتُ فَأَقْرَأْتُ النَّاسَ الْقُرْآنَ وَحَدَّثْتُهُمْ، فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يُوطَأَ عَقِبِي، وَأَنْ يُقَالَ: هَذَا عَلْقَمَةُ وَكَانَ يَلْزَمُ بَيْتَهُ يَعْلِفُ غَنَمَهُ وَيَحْلِبُهُنَّ وَمَعَهُ شَيْءٌ يَقْرَعُهُنَّ بِهِ إِذَا تَنَاطَحْنَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ عَلْقَمَةُ إِذَا رَأَى أَشَاشًا مِنَ النَّاسِ ذَكَّرَهُمْ، أَيْ: نَشَاطًا. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ: لَمْ يَتْرُكْ عَلْقَمَةَ إِلَّا دَارًا، وَبِرْذَوْنًا، وَمُصْحَفَهُ، وَأَوْصَى بِهِ لِمَوْلًى لَهُ كَانَ يَقُومُ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ. وَقَالَ عَلْقَمَةُ , لِلْأَسْوَدِ: لَقِّنِّي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ حُضُورِ مَوْتِي، وَإِذَا مِتُّ فَلَا تَنْعَنِي لِأَحَدٍ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا كَنَعْيِ الْجَاهِلِيَّةِ. فَإِذَا خَرَجْتُمْ بِجِنَازَتِي مِنَ الدَّارِ فَأَغْلِقُوا الْبَابَ حِينَ يَخْرُجُ آخِرُ الرِّجَالِ عَلَى أَوَّلِ النِّسَاءِ فَإِنهَّ لَا أَرَبَ لِي فِيهِنَّ.

стр. 823

ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ تَابِعِيٌّ مَكِّيٌّ. قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: قَالَ أَبِي: إِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ فَجَالِسْ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ فَإِنَّ أُذُنَيْهِ كَانَتْ قُمْعًا لِلْعُلَمَاءِ، وَكَانَ يَنَامُ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وَيَتَحَدَّثُ ثُلُثًا، وَيُصَلِّي ثُلُثًا. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: جَلَسْتُ إِلَى عَمْرٍو سَنَتَيْنِ فَمَا قَالَ كَلِمَةً قَطُّ تَسُوؤُنِي. وَقِيلَ لِإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: أَيُّ أَهْلِ مَكَّةَ رَأَيْتَهُ أَفْقَهُ؟ قَالَ: أَسْوَاهُمْ خُلُقًا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ.

стр. 824

ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ تَابِعِيٌّ مَكِّيٌّ ﵁ قَالَ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى وَالْوَرَعِ أَنْ يُذَلَّ لِصَاحِبِ الدُّنْيَا. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] ، قَالَ: يَعْلَمُونَ إِنْ تَابُوا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ , قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ» ، قُلْتُ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ إِيمَانًا؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» ، قُلْتُ: فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُهُمْ إِسْلَامًا؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» ، قُلْتُ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ» .

стр. 825

ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ﵁، كُنْيَتُهُ أَبُو مَيْسَرَةَ تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ. رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا قِبَابٌ مَضْرُوبَةٌ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: لِذِي الْكُلَاعِ، وَحَوْشَبٍ، وَكَانَا مِمَّنْ قُتِلَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، قُلْتُ: فَأَيْنَ عَمَّارُ وَأَصْحَابُهُ؟ قَالُوا: أَمَامَكَ، قُلْتُ: وَقَدْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَقُوا اللَّهَ فَوَجَدُوهُ وَاسِعَ الْمَغْفِرَةِ.

стр. 826

ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ ﵁ تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَجَّ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ مِائَةَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَإِنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ حَجَّ سَبْعِينَ حَجَّةً وَعُمْرَةً. وَقَالَ عَمْرٌو: لَمَّا تَعَجَّلَ مُوسَى ﵇ إِلَى رَبِّهِ ، رَأَى رَجُلًا فِي ظِلِّ الْعَرْشِ فَغَبَطَهُ بِمَكَانِهِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْكَرِيمُ عَلَى رَبِّهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِاسْمِهِ، فَقَالَ: لَكِنْ سَأُنْبِئُكَ بِعِلْمِهِ، كَانَ لَا يَحْسُدُ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَلَا يَعُقُّ وَالِدَيْهِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَمْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى أَبَوَيَّ.

стр. 827

ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ ﵁ قَالَ الْأَعْمَشُ قَالَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ: سَأَلْتُ اللَّهَ ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِيَ اثْنَتَيْنِ، وَأَنَا انْتَظِرُ الثَّالِثَةَ، سَأَلْتُهُ أَنْ يُزَهِّدَنِي فِي الدُّنْيَا فَمَا أُبَالِي مَا أَقْبَلَ مِنْهَا وَمَا أَدْبَرَ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يُقَوِّيَنِي عَلَى الصَّلَاةِ فَرَزَقَنِي مِنْهَا، وَسَأَلْتُهُ الشَّهَادَةَ فَأَنَا أَرْجُوهَا. فَقُتِلَ شَهِيدًا. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا مَوْلًى لِعَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: طَلَبْنَا عَمْرًا يَوْمًا حَارًّا فِي سَاعَةٍ حَارَّةٍ، فَوَجَدْنَاهُ فِي جَبَلٍ وَهُوَ سَاجِدٌ وَغَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، وَكُنَّا نَخْرُجُ إِلَى الْعَدُوِّ فَلَا نَتَحَارَسُ لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ. وَرَأَيْتُهُ لَيْلَةً يُصَلِّي فَسَمِعْنَا زَئِيرَ الْأَسَدِ فَهَرَبْنَا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي لَمْ يَنْصَرِفْ، فَقُلْنَا لَهُ: مَا خِفْتَ مِنَ الْأَسَدِ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي أَنْ أَخَافَ شَيْئًا سِوَى اللَّهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ يَرْعَى رِكَابَ أَصْحَابِهِ إِذَا

стр. 828

خَرَجُوا إِلَى الْغَزْوِ وَغَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، وَكَانَ يُصَلِّي وَالسَّبْعُ يَضْرِبُ حَوْلَهُ بِذَنَبِهِ يَحْمِيهِ. وَقَالَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ: كَانَ يَخْرُجُ لَيْلًا فَيَقِفُ عَلَى الْقُبُورِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْقُبُورِ قَدْ طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَرُفِعَتِ الْأَعْمَالُ، ثُمَّ يَبْكِي وَيَصُفُّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ حَتَّى يُصْبِحَ فَيَرْجِعَ فَيَشْهَدَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَكَانَ يَتَسَحَّرُ بِرَغِيفٍ، وَيُفْطِرُ بِرَغِيفٍ. قَالَ الْحُفَّاظُ: كَانَ مِنْ كِبَارِ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، شَغَلَتْهُ الْعِبَادَةُ عَنِ الرِّوَايَةِ.

стр. 829

ذِكْرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ الْعَادِلِ ﵁ قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: كَانَ رَجُلًا رَبْعَةً رَقِيقَ الْوَجْهِ حَسَنُهُ، خَفِيفَ الْجِسْمِ، بِجَبْهَتِهِ أَثَرُ نَفْحَةِ الدَّابَّةِ، وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ عُمَرُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ مُخْلِصًا، وَلِيَ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَمَاتَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ خَطَّهُ الشَّيْبُ.

стр. 830

قَالَ يَزِيدُ بْنُ حَازِمٍ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَخْطُبُ بِالَمِدينَةِ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] . فَقَالَ: نَعَمْ، وَاللَّهُ أَحَلَّ فِيهِ الْحَلَالَ، وَحَرَّمَ فِيهِ الْحَرَامَ، وَقَصَّ فِيهِ نَبَأَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَحَدِيثَ مَا بَعْدَكُمْ وَبَيَّنَ مَا تَأْتُونَ وَتَذَرُونَ، لَمْ يَدَعْكُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ دِينِكُمْ، وَلَا شُبْهَةٍ مِنْ أَمْرِكُمْ، كَرَامَةً أَكْرَمَكُمْ بِهَا، وَنِعْمَةً أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَهُوَ أَوْعَظُ الْوَاعِظِينَ وَأَبْلَغُ الْمُؤَدِّبِينَ لَيْسَ بِمُعَدَّلٍ. فَصْلٌ قِيلَ: كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْعُمَّالِ ,أَنَّ مَدِينَتَنَا خَرِبَتْ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا نُرِمُّهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: فَهِمْتُ كِتَابَكَ فِي قِصَّةِ الْمَدِينَةِ، فَحَصِّنْهَا بِالْعَدْلِ , وَنَقِّ طُرُقَهَا مِنَ الظُّلْمِ , فَإِنَّهُ مَرَمَّتُهَا. فصل ذَكَرُوا أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَعُسُّ لَيْلَةً فَأَتَى عَلَى امْرَأَةٍ فِي وَقْتِ السَّحَرِ، وَهِيَ تَقُولُ لِبِنْتٍ لَهَا قُومِي فَشَوِّبِي اللَّبَنَ، فَقَالَتْ لَا يَصْلُحُ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لِابْنِهِ عَاصِمٍ: اذْهَبْ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا وَبِهَا صَبِيَّةٌ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْغُولَةً فَتَزَوَّجْ بِهَا لَعَلَّكَ تُرْزَقُ مِنْهَا نَسْمَةً مُبَارَكَةً، فَتَزَوَّجَ بِهَا عَاصِمٌ فَوَلَدَتْ لَهُ أُمَّ عَاصِمٍ

стр. 831

بِنْتَ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ فَوَلَدَتْ لَهُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَالَ خَالِدٌ الرَّبَعِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ تَبْكِي عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ , قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نُسَوِّي التُّرَابَ عَلَى قَبْرِ عُمَرَ إِذْ سَقَطَ عَلَيْنَا رَقٌّ فِيهِ كِتَابٌ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا أَمَانٌ مِنَ اللَّهِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ النَّارِ. فصل قَالَ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشَدَّ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقِيلَ: تَوَضَّأَ يَوْمًا بِمَاءٍ حَارٍّ فقَالَ لِغُلَامِهِ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ: فَنِيَ حَطَبُنَا فَوَضَعْنَا الْقُمْقُمَ الْبَارِحَةَ فِي مَطْبَخِ الْجُنْدِ فَأَبَى أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ. رُوِيَ عَنْ رَيَّاحِ بْنِ عُبَيْدَةَ , قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ , وَشَيْخٌ مُتَوَكِّئٌ عَلَى يَدِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّ هَذَا الشَّيْخَ جَافٍ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ الْأَمِيرِ، فَلَمَّا صَلَّى وَدَخَلَ تَبِعْتُهُ فَقُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، مَنِ الشَّيْخُ الَّذِي كَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدَيْكَ. قَالَ: قَدْ رَأَيْتَهُ يَا رَيَّاحُ ,

стр. 832

قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ أَخِي الْخَضِرُ، أَتَانِي فَأَعْلَمَنِي أَنِّي سَأَلِي الْأَمْرَ وَأَنِّي سَأَعْدِلُ فِيهِ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَتْ رِعَاءُ الشَّاءِ فِي دَوْسِ الْجِبَالِ: مَنْ هَذَا الْخَلِيفَةُ الَّذِي قَدْ قَامَ عَلَى النَّاسِ؟ قَالَ: فَقِيلَ: لَهُمْ وَمَا أَعْلَمَكُمْ بِذَلِكَ؟ قَالُوا: إِنَّهُ إِذَا قَامَ خَلِيفَةٌ صَالِحٌ كَفَّ الذِّئَابُ وَالْأُسْدُ عَنْ شِيَاتِنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فصل رُوِيَ عَنْ بَشْرِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي سُلَيْمٍ الْهُذَلِيِّ , قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثًا، وَلَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنْ أَمْرِكُمْ سُدًى، وَإِنَّ لَكُمْ مِيعَادًا يَنْزِلُ اللَّهُ فِيهِ لِلْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ بَيْنَكُمْ، فَخَابَ وَخَسِرَ مَنْ خَرَجَ مَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَحُرِمَ الْجَنَّةَ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَاشْتَرُوا قَلِيلًا بِكَثِيرٍ، وَفَانِيًا بِبَاقٍ، وَخَوْفًا بِأَمَانٍ. أَلَا تَرَوْنَ أَنَّكُمْ فِي أَسْلَابِ الْهَالِكِينَ، وَيَسْتَخْلِفُهَا بَعْدَكُمُ الْبَاقُونَ، كَذَلِكَ حَتَّى تُرَدَّ إِلَى خَيْرِ الْوَارِثِينَ. فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تُشَيِّعُونَ غَادِيًا

стр. 833

وَرَائِحًا إِلَى اللَّهَ قَدْ قَضَى نَحْبَهُ وَانْقَضَى أَجَلُهُ، حَتَّى تَغَيِّبُوهُ فِي صَدْعٍ مِنَ الْأَرْضِ فِي بَطْنِ صَدْعٍ، ثُمَّ تَدْعُوهُ غَيْرَ مُمَهَّدٍ وَلَا مُوَسَّدٍ قَدْ خَلَعَ الْأَسْبَابَ، وَفَارَقَ الْأَحْبَابَ، وَسَكَنَ التُّرَابَ، وَوَاجَهَ الْحِسَابَ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، فَقِيرٌ إِلَى مَا قَدِمَ، وَغَنِيٌّ عَمَّا تَرَكَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ، وَايَمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَقُولُ لَكُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، وَمَا أَعْلَمُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنَ الذُّنُوبِ مَا أَعْلَمُ عِنْدِي، وَمَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ حَاجَةً إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ أَسُدَّ مِنْ حَاجَتِهِ مَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَبْلُغُنِي أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَا يَسَعُهُ مَا عِنْدِي إِلَّا وَجَدْتُ أَنْ يُمَكِّنَنِي تَغْيِيرُهُ حَتَّى يَسْتَوِي عَيْشُنَا وَعَيْشُهُ، وَايَمُ اللَّهِ لَوْ أَرَدْتُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْغَضَارَةِ وَالْعَيْشِ لَكَانَ اللِّسَانُ بِهِ ذَلُولًا عَالِمًا بِأَسْبَابِهِ، وَلَكِنْ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ كِتَابٌ نَاطِقٌ، وَسُنَّةٌ عَادِلَةٌ دَلَّ فِيهَا عَلَى طَاعَتِهِ، وَنَهَى فِيهَا عَنْ مَعْصِيَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ طَرَفَ رِدَائِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَبَكَى وَشَقَّ وَبَكَى النَّاسُ فَكَانَتْ آخِرَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا. فصل رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَلَفٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَيْسَ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ خَلَفٌ، وَاعْمَلُوا لِآخِرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَأَصْلِحُوا سَرَائِرَكُمْ يُصْلِحِ اللَّهُ عَلَانِيَتَكُمْ، وَأَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ، وَأَحْسِنُوا الاسْتِعْدَادَ لَهُ

стр. 834

قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ , فَإِنَّهُ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ، وَإِنَّ مَنْ لَا يَذْكُرُ مِنْ آبَائِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ أبًا حَيًّا لَمُعْرِقٌ لَهُ مِنَ الْمَوْتِ. فَصْلٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُهَاجِرٍ , قَالَ: كَانَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَيْتٌ يَخْلُو فِيهِ وَفِي ذَلِكَ الْبَيْتِ مَا تَرَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَإِذَا سَرِيرٌ مَرْمُولٌ بِشَرِيطٍ وَقَعْبٌ يَشْرَبُ فِيهِ الْمَاءَ، وَجَرَّةٌ مَكْسُورَةُ الرَّأْسِ يَجْعَلُ فِيهَا الشَّيْءَ، وَوِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةٌ بِلِيفٍ، وَقَطِيفَةٌ غَبْرَاءُ كَأَنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْقُطَفِ الْجِرْمَقَانِيَّةِ، فِيهَا مِنْ وَسَخَ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَقُولُ: يَا قُرَيْشُ هَذِهِ تُرَاثُ مَنْ أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ وَأَعَزَّكُمْ، يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَا تَرَوْنَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مَرْقُوعٌ قَدْ بَدَتِ الرُّقْعَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ لَبِسْتَ ثَوْبًا أَفْضَلَ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ الْقَصْدِ عِنْدَ الْجِدَّةِ، وَإِنَّ أَفْضَلَ الْعَفْوِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ.

стр. 835

فصل أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَصَّاصُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ أَعْيُنٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَسْلَمَ , قَالَ: " بَيْنَا أَنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَهُوَ يَعُسُّ الْمَدِينَةَ إِذْ أُعْيِيَ فَاتَّكَأَ عَلَى جَانِبِ جِدَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ , فَإِذَا امْرَأَةٌ تَقُولُ لِابْنَتِهَا: قُومِي إِلَى ذَلِكَ اللَّبَنِ فَامْزِقِيهِ بِالْمَاءِ، فَقَالَتْ: يَا أُمَّتَاهُ: أَوَمَا عَلِمْتِ مَا كَانَ مِنْ عَزْمَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ؟ قَالَتْ: وَمَا كَانَ مِنْ عَزْمَتِهِ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: أَلَّا يُشَابَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ فَقَالَتْ لَهَا: يَا ابْنَتَاهُ قُومِي إِلَى اللَّبَنِ فَامْزِقِيهِ بِالْمَاءِ، فَإِنَّكَ بِمَوْضِعٍ لَا يَرَاكِ عُمَرُ وَلَا مُنَادِي عُمَرَ، فَقَالَتِ الصَّبِيَّةُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِأُطِيعَهُ فِي الْمَلَأِ وَأَعْصِيَهُ فِي الْخَلاءِ، وَعُمَرُ يَسْمَعُ كُلَّ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَسْلَمُ، عَلِّمِ الْبَابَ وَاعْرِفِ الْمَوْضِعَ، ثُمَّ مَضَى فِي عَسَسِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: يَا أَسْلَمُ، امْضِ إِلَى الْمَوْضِعِ فَانْظُرْ مَنِ الْقَائِلَةُ وَمَنِ الْمَقُولُ لَهَا، وَهَلْ لَهُمْ مِنْ بَعْلٍ، فَأَتَيْتُ الْمَوْضِعَ فَإِذَا الْجَارِيَةُ أَيِّمٌ لَا بَعْلَ لَهَا وَإِذَا تِيكَ أُمُّهَا، وَإِذَا لَيْسَ لَهُمْ رَجُلٌ، فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَدَعَا عُمَرُ وَلَدَهُ فَجَمَعَهُمْ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى امْرَأَةٍ أُزَوِّجُهُ؟ وَلَوْ كَانَ بِأَبِيكُمْ حَرَكَةٌ إِلَى النِّسَاءِ مَا سَبَقَهُ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لِي زَوْجَةٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لِي زَوْجَةٌ، وَقَالَ عَاصِمٌ: يَا أَبَتَاهُ، لَا زَوْجَةَ لِي فَزَوِّجْنِي، فَبَعَثَ إِلَى الْجَارِيَةِ فَزَوَّجَهَا مِنْ

стр. 836

عَاصِمٍ، فَوَلَدَتْ لِعَاصِمٍ بِنْتًا، وَوَلَدَتِ الِابْنَةُ بِنْتًا، وَوَلَدَتِ الِابْنَةُ عُمَرَ بْنَ عَبْدَ الْعَزِيزِ ﵀ " قَالَ: وأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ الشَّطَوِيُّ إِمْلَاءً، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا رِيَاحُ بْنُ عُبَيْدَةَ، قَالَ " كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُعْجِبُهُ أَنْ يَتَأَدَّمَ بِالْعَسَلِ فَطَلَبَ مِنْ أَهْلِهِ يَوْمًا عَسَلًا، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ , فَأَتَوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَسَلٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ لِأَهْلِهِ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ قَالَتِ امْرَأَتُهُ بَعَثْتُ مَوْلَاي بِدِينَارَيْنِ عَلَى بَغْلِ الْبَرِيدِ فَاشْتَرَاهُ لِي. فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ لَمَا أَتَيْتِنِي بِهِ فَأَتَتْهُ بِ ... عُكَّةٍ فِيهَا عَسَلٌ فَبَاعَهَا بِثَمَنٍ يَزِيدُ، وَرَدَّ عَلَيْهَا رَأْسَ مَالِهَا، وَأَلْقَى بَقِيَّتَهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: أَنْضَيْتِ دَوَابَّ الْمُسْلِمِينَ فِي شَهْوَةِ عُمَرَ ". قَالَ: وأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الصَّبَاحِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ صَدَقَةَ , مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ " حَدَّثَنِي بَعْضُ خَاصَّةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ حِينَ أُفْضِيَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ سَمِعُوا فِي مَنْزِلِهِ بُكَاءً عَالِيًا فَسُئِلَ عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَيَّرَ

стр. 837

جَوَارِيهِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِي أَمْرٌ قَدْ شَغَلَنِي عَنْكُنَّ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ أُعْتِقَهُ أَعْتَقْتُهُ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ أُمْسِكَهُ أَمْسَكْتُهُ، لَمْ يَكُنْ مِنِّي إِلَيْهَا شَيْءٌ فَبَكَيْنَ إِيَاسًا مِنْهُ ". قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ عِيسَى الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , قَالَ " لَمَّا دَفَنَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ , وَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ سَمِعَ لِلْأَرْضِ هَزَّةً أَوْ رَجَّةً، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَقيِلَ: هَذِهِ مَوَاكِبُ الْخِلَافَةِ قَرُبَتْ إِلَيْكَ لِتَرْكَبَهَا فَقَالَ: مَالِي وَلَهَا نَحْوَهَا عَنِّي قَرِّبُوا إِليَّ بَغْلَتِي، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهِ بَغْلَتُهُ، فَجَاءَهُ صَاحَبُ الشُّرْطَةِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْحَرْبَةِ، فَقَالَ: تَنَحَّ عَنِّي، مَالِي وَلَكَ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَارَ وَسَارَ مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنْ غَيْرِ رَأْيٍ كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ، وَلَا طَلْبَةَ لَهُ، وَلَا مَشُورَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنِّي قَدْ خَلَعْتُ مَا فِي أَعْنَاقِكُمْ مِنْ بَيْعَتِي، فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمْ، فَصَاحَ النَّاسُ صَيْحَةً وَاحِدَةً، قَدِ اخْتَرْنَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَضِينَاكَ فَلِ أَمْرَنَا بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ، فَلَمَّا رَأَى الأَصْوَاتَ قَدْ هَدَأَتْ وَرَضِيَ النَّاسُ بِهِ جَمِيعًا، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ فِي تَقْوَى اللَّهِ خَلَفًا لِكُلِّ شَيْءٍ،

стр. 838

وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ َلَفٌ، وَاعْمَلُوا لِآخِرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَأَصْلِحُوا سَرَائِرَكُمْ يُصْلِحِ اللَّهُ الْكَرِيمُ عَلَانِيَتَكُمْ، وَأَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ، وَأَحْسِنُوا الاسْتِعْدَادَ لِلْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ، فَإِنَّهُ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ، وَإِنَّ مَنْ لَا يَذْكُرُ مِنْ آبَائِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ﵇ أَبًا حَيًّا لَمُعْرِقٌ لَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي رَبِّهَا وَلَا فِي نَبِيِّهَا ﷺ وَلَا فِي كِتَابِهَا، إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الدُّنْيَا وَالدِّرْهَمِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا بَاطِلًا، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا حَقًّا، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاسَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ , وَمَنْ عَصَى اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لَهُ، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، ثُمَّ نَزَلَ وَدَخَلَ وَأَمَرَ بِالسُّتُورِ فَهُتِكَتْ وَبِالثِّيَابِ الَّتِي تُبْسَطُ لِلْخُلَفَاءِ فَحُمِلَتْ وَأَمَرَ بِبَيْعِهَا وَإِدْخَالِ أَثْمَانِهَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَتَبَوَّأُ مَقِيلًا، فَأَتَاهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، أُقَيِّلُ. قَالَ: تُقَيِّلُ وَلَا تَرُدُّ الْمَظَالِمَ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، قَدْ سَهِرْتُ الْبَارِحَةَ فِي أَمْرِ عَمَلِ سُلَيْمَانَ، فَإِذَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ رَدَدْتُ الْمَظَالِمَ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ لَكَ أَنْ تَعِيشَ إِلَى الظُّهْرِ، قَالَ: ادْنُ مِنِّي أَيْ بُنَيَّ، فَدَنَا مِنْهُ فَالْتَزَمَهُ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْ صُلْبِي مَنْ يُعِينُنِي عَلَى دِينِي، فَخَرَجَ وَلَمْ يُقَيِّلْ، وَأَمَرَ مُنَادِيَهُ أَنْ يُنَادِي أَلَا

стр. 839

مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ فَلْيَرْفَعْهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ذِمِّيٌّ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْأَلُكَ كِتَابَ اللَّهَ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ اغْتَصَبَنِي أَرْضًا، وَالْعَبَّاسُ جَالِسٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبَّاسُ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقْطَعَنِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ لِي بِهَا سِجِلًّا، فَقَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُ يَا ذِمِّيُّ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْأَلُكَ كِتَابَ اللَّهُ، فَقَالَ عُمَرُ: كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ مِنْ كِتَابِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَمْ فَارُدُدْ عَلَيْهِ يَا عَبَّاسُ ضَيْعَتَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ لَا يُدَّعَى شَيْءٌ مِمَّا كَانَ فِي يَدَيْهِ وَفِي أَيْدِي أَهْلِ بَيْتِهِ مِنَ الْمَظَالِمِ إِلَّا رَدَّهَا مَظْلَمَةً مَظْلَمَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ أَزْرَيْتَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَعِبْتَ عَلَيْهِمْ، وَسِرْتَ بِغَيْرِ سِيرَتِهِمْ بُغْضًا لَهُمْ وَشَيْنًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَوْلادِهِمْ، قَطَعْتَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، إِذْ عَمِدْتَ إِلَى أَمْوَالِ قُرَيْشٍ وَمَوَارِيثِهِمْ فَأَدْخَلْتَهَا بَيْتَ الْمَالِ جَوْرًا وَعُدْوَانًا، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَرَاقِبْهُ إِنْ شَطَطْتَ، لَمْ تَطْمَئِنَّ عَلَى مِنْبَرِكَ، خَصَّصْتَ أُولِي قَرَابَتِكَ بِالظُّلْمِ وَالْجَوْرِ، فَوَالَّذِي خَصَّ مُحَمَّدًا ﷺ بِمَا خَصَّهُ بِهِ، لَقَدِ ازْدَدْتَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا فِي وِلايَتِكَ هَذِهِ، إِنْ زَعَمْتَ أَنَّهَا بَلَاءٌ، أَقْصِرْ عَنْ بَعْضِ مَسِيلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِعَيْنِ جَبَّارٍ فِي قَبْضَتِهِ، وَلَنْ تُتْرَكَ عَلَى هَذَا، اللَّهُمَّ سَلْ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَمَّا صَنَعَ

стр. 840

بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كِتَابَهُ كَتَبَ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ، السَّلَامُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ وَسَأُجِيبُكَ بِنَحْوٍ مِنْهُ، أَمَّا أَوَّلُ شَأْنِكَ ابْنُ الْوَلِيدِ كَمَا زَعَمَ , فَأُمُّكَ بِنَاتَةُ ابْنَةُ السَّكُونِ، كَانَتْ تَتَطَوَّفُ بِسُوقِ حِمْصٍ وَتَدْخُلُ فِي حَوَانِيتِهَا، ثُمَّ اللَّهُ أَعْلَمُ اشْتَرَاهَا دِينَارُ بْنُ دِينَارٍ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَهْدَاهَا لِأَبِيكَ فَحَمَلَتْ بِكَ، فَبِئْسَ الْمَحْمُولُ وَبِئْسَ الْمَوْلُودُ، ثُمَّ نَشَأْتَ فَكُنْتَ جَبَّارًا عَنِيدًا، إِنِّي مِنَ الظَّالِمِينَ إِنْ حَرَمْتُكَ وَأَهْلَ بَيْتِكَ فَيْءَ اللَّهِ الَّذِي فِيهِ حَقُّ الْقَرَابَةِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَرَامِلِ , وَإِنَّ أَظْلَمَ مِنِّي وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللَّهِ مَنِ اسْتَعْمَلَكَ صَبِيًّا سَفِيهًا عَلَى جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ تَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِرَأْيِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ نِيَّةٌ إِلَّا حُبُّ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ فَوَيْلٌ لَكَ وَوَيْلٌ لِأَبِيكَ، مَا أَكْثَرَ خَصَمَاءَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَيْفَ يَنْجُو أَبُوكَ مِنْ خُصَمَائِهِ، وَإِنَّ أَظْلَمَ مِنِّي وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللَّهِ مَنِ اسْتَعْمَلَ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ عَلَى خُمْسِ الْعَرَبِ، يَسْفِكُ الدِّمَاءَ الْحَرَامَ، وَيَأْخُذُ الْمَالَ الْحَرَامَ، وَإِنَّ أَظْلَمَ مِنِّي وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللَّهِ مِنِ اسْتَعْمَلَ قُرَّةَ بْنَ شَرِيكٍ , أَعْرَابِيًّا جَافِيًا عَلَى مِصْرَ، أَذِنَ لَهُ فِي الْمَعَازِفِ وَاللَّهْوِ وَالشُّرْبِ، وَإِنَّ أَظْلَمَ مِنِّي وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللَّهِ مَنْ جَعَلَ لِعَالِيَةَ الْبَرْبَرِيَّةِ , سَهْمًا فِي خُمُسِ الْعَرَبِ فَرُوَيْدًا يَا ابْنَ بَنَاتَةَ، فَلَوِ الْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ، وَرُدَّ الْفَيْءُ إِلَى أَهْلِهِ

стр. 841

لَتَفَرَّغْتُ لَكَ وَلِأَهْلِ بَيْتِكَ، فَوَضَعْتُهُمْ عَلَى الْمِحْجَرِ الْبَيْضَاءِ، فَطَالَمَا تَرَكْتُمُ الْحَقَّ، وَأَخَذْتُمْ مِنْ بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ، وَمَا وَرَاءَ هَذَا مِنَ الْفَضْلِ مَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ رَأَيْتُهُ بَيْعَ رَقَبَتِكَ وَقَسْمَ ثَمَنِكَ بَيْنَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَرَامِلِ، فَإِنَّ لِكُلٍّ فِيكَ حَقًّا وَالسَّلَامُ عَلَيْنَا، وَلَا يَنَالُ سَلامُ اللَّهِ الظَّالِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَتِ الْخَوَارِجَ سَيْرَةُ عُمَرَ وَمَا رُدَّ مِنَ الْمَظَالِمِ اجْتَمَعُوا فَقَالُوا: مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُقَاتِلَ هَذَا الرَّجُلَ ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فصل رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَعَلَ فِي كُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمًا مِنْ خَاصَّةِ مَالِهِ فِي طَعَامِ الْعَامَّةِ ثُمَّ يَأْكُلُ مَعَهُمْ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرَانَ: وَلَّانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَقَالَ لِي: إِنْ جَاءَكَ كِتَابِي بِغَيْرِ الْحَقِّ فَاضْرِبْ بِهِ الْحَائِطَ. وَقَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَلِكِ: كُنْتُ أَسْمَعُ عُمَرَ ﵀ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَخْفِ عَلَيْهِمْ مَوْتِي وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا أَخْرُجُ عَنْكَ أَنْ تَغْفِي شَيْئًا فَإِنَّكَ لَمْ تَنَمْ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ عَنْهُ إِلَى بَيْتٍ غَيْرِ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي

стр. 842

الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] . يُرَدِّدُهَا مِرَارًا، ثُمَّ أَطْرَقَ فَلَبِثَ طَوِيلًا لَا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ، فَقُلْتُ لِوَصِيفٍ لَهُ كَانَ يَخْدُمُهُ: وَيْحَكَ انْظُرْ فَلَمَّا دَخَلَ صَاحَ، قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ مَيِّتًا قَدْ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَوَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى فِيهِ وَالْأُخْرَى عَلَى عَيْنِهِ، رَحْمَةُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِ. ذِكْرُ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَقُرَّائِهِمْ , يُعدَّ مِنَ التَّابِعِينَ، يَرْوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. قَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ سَيِّدًا مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنَّ سَيِّدَ عَمَلِي الذِّكْرُ. وَقَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ صِقَالَ الْقُلُوبِ. وَقَالَ: ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُقَاتِلِ فِي الْمُدْبِرِينَ.

стр. 843

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ذَاكِرُ اللَّهِ فِي غَفْلَةِ النَّاسِ كَمِثْلِ الْفِئَةِ الْمُنْهَزِمَةِ يَحْمِيهَا الرَّجُلُ، لَوْلَا ذَلِكَ الرَّجُلُ هُزِمَتِ الْفِئَةُ، وَلَوْلَا مَنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي غَفْلَةِ النَّاسِ هَلَكَ النَّاسُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَوْ يَأْتِيِ عَلَى النَّاسِ سَاعَةٌ لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهَا، لَهَلَكَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا. وَقَالَ عَوْنُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كَانُوا يَتَلَاقَوْنَ فَيَتَسَاءَلُونَ، وَمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ . وَقَالَ عَوْنٌ: إِنَّ الْجَبَلَ لَيُنَادِي الْجَبَلَ بِاسْمِهِ: يَا فُلَانُ هَلْ مَرَّ بِكَ الْيَوْمَ ذَاكِرٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ , ثُمّ قَالَ عَوْنٍ: هُنَّ لِلْخَيْرِ أَسْمَعُ، أَفَيَسْمَعْنَ الزُّورَ وَالْبَاطِلَ وَلَا يَسْمَعْنَ غَيْرَهُ، ثُمّ قَرَأَ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴿٨٩﴾ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا آية ٨٩-٩١﴾ . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَصَلَ إِلَى عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، يَعْنِي فَأَنْفَقَهَا وَتَصَدَّقَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ لَوِ اعْتَقَدْتَ عُقْدَةً

стр. 844

لِوَلَدِكَ فَقَالَ: اعْتَقِدُهَا لِنَفْسِي وَاعْتَقِدُ اللَّهَ لِوَلَدِي. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْعُودَيْنِ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ وَلَدِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قِيلَ: تَتَصَدَّقُ بِضَيْعَتِكَ وَتَدَعُ عِيَالَكَ، قَالَ أُقَدِّمُ هَذِهِ لِنَفْسِي وَأَدَعُ اللَّهَ لِعِيَالِي. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كُنْتُ أُجَالِسُ الْأَغْنِيَاءَ فَكُنْتُ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ هَمًّا وَأَكْثَرِهِمْ غَمًّا، أَرَى مَرْكَبًا خَيْرًا مِنْ مَرْكَبِي، وَثَوْبًا خَيْرًا مِنْ ثَوْبِي فَأَهْتَمُّ، فَجَالَسْتُ الْفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْتُ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنَ الْعِصْمَةِ أَنْ تَطْلُبَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا فَلَا تَجِدَهُ. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ: كَانَ يُقَالَ: أَزْهَدُ النَّاسِ فِي عَالَمِ أَهْلِهِ، وَكَانَ يَضْرِبُ مَثَلَ ذَلِكَ كَالْسِرَاجِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْقَوْمِ، يَسْتَصْبِحُ النَّاسُ مِنْهُ، وَيَقُولُ أَهْلُ الْبَيْتِ: إِنَّمَا هُوَ مَعَنَا فَلَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا وَقَدِ طُفِئَ السِّرَاجُ. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْيَوْمَ الْمِضْمَارُ وَغَدًا السِّبَاقُ، وَالسَّبْقَةُ الْجَنَّةُ، وَالْغَايَةُ النَّارُ، فَبِالْعَفْوِ تَنْجُونَ، وَبِالرَّحْمَةِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَبِالْأَعْمَالِ تَقْتَسِمُونَ الْمَنَازِلَ.

стр. 845

وَقَالَ أَبُو هَارُونَ: كَانَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُنَا وَلِحْيَتُهُ تَرْتَشُّ بِالدُّمُوعِ. وَقَالَ: مَا أَحْسَبُ أَحَدًا تَفَرَّغَ لِعَيْبِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ غَفْلَةٍ غَفِلَهَا عَنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ: مَا أَقْبَحَ السَّيِّئَاتِ بَعْدَ السَّيِّئَاتِ، وَأَحْسَنَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ السَّيِّئَاتِ، وَأَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ الْحَسَنَاتِ. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْخَيْرُ الَّذِي لَا شَرَّ فِيهِ الشُّكْرُ مَعَ الْعَافِيَةِ، فَكَمْ مِنْ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرُ شَاكِرٍ؟ وَكَمْ مِنْ مُبْتَلًى غَيْرُ صَابِرٍ؟ . وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ الْفُقَهَاءُ يَتَوَاصَوْنَ بَيْنَهُمْ بِثَلَاثٍ: مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ كَمَالِ التَّقْوَى أَنْ تَبْتَغِي إِلَى مَا قَدْ عُلِّمْتَ مِنْهَا عِلْمَ مَا لَمْ تَعْلَمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّقْصَ فِيمَا قَدْ عُلِّمْتَ، تَرْكُ ابْتِغَاءِ الزِّيَادَةِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلَى تَرْكِ ابْتِغَاءِ الْعِلْمِ قِلَّةُ الانْتِفَاعِ بِمَا قَدْ عَلِمَ.
следующие страницы →