← Тараджим

Тараджим · id 21493

سير السلف الصالحين - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

لَتَفَرَّغْتُ لَكَ وَلِأَهْلِ بَيْتِكَ، فَوَضَعْتُهُمْ عَلَى الْمِحْجَرِ الْبَيْضَاءِ، فَطَالَمَا تَرَكْتُمُ الْحَقَّ، وَأَخَذْتُمْ مِنْ بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ، وَمَا وَرَاءَ هَذَا مِنَ الْفَضْلِ مَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ رَأَيْتُهُ بَيْعَ رَقَبَتِكَ وَقَسْمَ ثَمَنِكَ بَيْنَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَرَامِلِ، فَإِنَّ لِكُلٍّ فِيكَ حَقًّا وَالسَّلَامُ عَلَيْنَا، وَلَا يَنَالُ سَلامُ اللَّهِ الظَّالِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَتِ الْخَوَارِجَ سَيْرَةُ عُمَرَ وَمَا رُدَّ مِنَ الْمَظَالِمِ اجْتَمَعُوا فَقَالُوا: مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُقَاتِلَ هَذَا الرَّجُلَ ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فصل رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَعَلَ فِي كُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمًا مِنْ خَاصَّةِ مَالِهِ فِي طَعَامِ الْعَامَّةِ ثُمَّ يَأْكُلُ مَعَهُمْ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرَانَ: وَلَّانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَقَالَ لِي: إِنْ جَاءَكَ كِتَابِي بِغَيْرِ الْحَقِّ فَاضْرِبْ بِهِ الْحَائِطَ. وَقَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَلِكِ: كُنْتُ أَسْمَعُ عُمَرَ ﵀ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَخْفِ عَلَيْهِمْ مَوْتِي وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا أَخْرُجُ عَنْكَ أَنْ تَغْفِي شَيْئًا فَإِنَّكَ لَمْ تَنَمْ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ عَنْهُ إِلَى بَيْتٍ غَيْرِ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي

стр. 842

الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] . يُرَدِّدُهَا مِرَارًا، ثُمَّ أَطْرَقَ فَلَبِثَ طَوِيلًا لَا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ، فَقُلْتُ لِوَصِيفٍ لَهُ كَانَ يَخْدُمُهُ: وَيْحَكَ انْظُرْ فَلَمَّا دَخَلَ صَاحَ، قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ مَيِّتًا قَدْ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَوَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى فِيهِ وَالْأُخْرَى عَلَى عَيْنِهِ، رَحْمَةُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِ. ذِكْرُ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَقُرَّائِهِمْ , يُعدَّ مِنَ التَّابِعِينَ، يَرْوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. قَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ سَيِّدًا مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنَّ سَيِّدَ عَمَلِي الذِّكْرُ. وَقَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ صِقَالَ الْقُلُوبِ. وَقَالَ: ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُقَاتِلِ فِي الْمُدْبِرِينَ.

стр. 843

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ذَاكِرُ اللَّهِ فِي غَفْلَةِ النَّاسِ كَمِثْلِ الْفِئَةِ الْمُنْهَزِمَةِ يَحْمِيهَا الرَّجُلُ، لَوْلَا ذَلِكَ الرَّجُلُ هُزِمَتِ الْفِئَةُ، وَلَوْلَا مَنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي غَفْلَةِ النَّاسِ هَلَكَ النَّاسُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَوْ يَأْتِيِ عَلَى النَّاسِ سَاعَةٌ لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهَا، لَهَلَكَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا. وَقَالَ عَوْنُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كَانُوا يَتَلَاقَوْنَ فَيَتَسَاءَلُونَ، وَمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ . وَقَالَ عَوْنٌ: إِنَّ الْجَبَلَ لَيُنَادِي الْجَبَلَ بِاسْمِهِ: يَا فُلَانُ هَلْ مَرَّ بِكَ الْيَوْمَ ذَاكِرٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ , ثُمّ قَالَ عَوْنٍ: هُنَّ لِلْخَيْرِ أَسْمَعُ، أَفَيَسْمَعْنَ الزُّورَ وَالْبَاطِلَ وَلَا يَسْمَعْنَ غَيْرَهُ، ثُمّ قَرَأَ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴿٨٩﴾ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا آية ٨٩-٩١﴾ . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَصَلَ إِلَى عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، يَعْنِي فَأَنْفَقَهَا وَتَصَدَّقَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ لَوِ اعْتَقَدْتَ عُقْدَةً

стр. 844

لِوَلَدِكَ فَقَالَ: اعْتَقِدُهَا لِنَفْسِي وَاعْتَقِدُ اللَّهَ لِوَلَدِي. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْعُودَيْنِ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ وَلَدِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قِيلَ: تَتَصَدَّقُ بِضَيْعَتِكَ وَتَدَعُ عِيَالَكَ، قَالَ أُقَدِّمُ هَذِهِ لِنَفْسِي وَأَدَعُ اللَّهَ لِعِيَالِي. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كُنْتُ أُجَالِسُ الْأَغْنِيَاءَ فَكُنْتُ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ هَمًّا وَأَكْثَرِهِمْ غَمًّا، أَرَى مَرْكَبًا خَيْرًا مِنْ مَرْكَبِي، وَثَوْبًا خَيْرًا مِنْ ثَوْبِي فَأَهْتَمُّ، فَجَالَسْتُ الْفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْتُ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنَ الْعِصْمَةِ أَنْ تَطْلُبَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا فَلَا تَجِدَهُ. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ: كَانَ يُقَالَ: أَزْهَدُ النَّاسِ فِي عَالَمِ أَهْلِهِ، وَكَانَ يَضْرِبُ مَثَلَ ذَلِكَ كَالْسِرَاجِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْقَوْمِ، يَسْتَصْبِحُ النَّاسُ مِنْهُ، وَيَقُولُ أَهْلُ الْبَيْتِ: إِنَّمَا هُوَ مَعَنَا فَلَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا وَقَدِ طُفِئَ السِّرَاجُ. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْيَوْمَ الْمِضْمَارُ وَغَدًا السِّبَاقُ، وَالسَّبْقَةُ الْجَنَّةُ، وَالْغَايَةُ النَّارُ، فَبِالْعَفْوِ تَنْجُونَ، وَبِالرَّحْمَةِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَبِالْأَعْمَالِ تَقْتَسِمُونَ الْمَنَازِلَ.

стр. 845

وَقَالَ أَبُو هَارُونَ: كَانَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُنَا وَلِحْيَتُهُ تَرْتَشُّ بِالدُّمُوعِ. وَقَالَ: مَا أَحْسَبُ أَحَدًا تَفَرَّغَ لِعَيْبِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ غَفْلَةٍ غَفِلَهَا عَنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ: مَا أَقْبَحَ السَّيِّئَاتِ بَعْدَ السَّيِّئَاتِ، وَأَحْسَنَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ السَّيِّئَاتِ، وَأَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ الْحَسَنَاتِ. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْخَيْرُ الَّذِي لَا شَرَّ فِيهِ الشُّكْرُ مَعَ الْعَافِيَةِ، فَكَمْ مِنْ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ غَيْرُ شَاكِرٍ؟ وَكَمْ مِنْ مُبْتَلًى غَيْرُ صَابِرٍ؟ . وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ الْفُقَهَاءُ يَتَوَاصَوْنَ بَيْنَهُمْ بِثَلَاثٍ: مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ كَمَالِ التَّقْوَى أَنْ تَبْتَغِي إِلَى مَا قَدْ عُلِّمْتَ مِنْهَا عِلْمَ مَا لَمْ تَعْلَمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّقْصَ فِيمَا قَدْ عُلِّمْتَ، تَرْكُ ابْتِغَاءِ الزِّيَادَةِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلَى تَرْكِ ابْتِغَاءِ الْعِلْمِ قِلَّةُ الانْتِفَاعِ بِمَا قَدْ عَلِمَ.

стр. 846

وَقَالَ عَوْنٌ: كَانَ أَخَوَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا أَخْوَفُ عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْ أَنِّي مَرَرْتُ بَيْنَ قَرَاحَيْ سُنْبُلٍ فَأَخَذْتُ مِنْ أَحَدِهِمَا سُنْبُلَةً، ثُمَّ نَدِمْتُ فَأَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهَا فِي الْقَرَاحِ الَّذِي أَخَذْتُهَا مِنْهُ، فَلَمْ أَدْرِ أَيَّ الْقَرَاحَيْنِ هُوَ، فَطَرَحْتُهَا فِي أَحَدِهِمَا، فَأَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ طَرَحْتُهَا فِي الْقَرَاحِ الَّذِي لَمْ آخُذْهَا مِنْهُ، فَمَا أَخْوَفَ عَمَلٍ عَمِلْتَهُ أَنْتَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: إِنَّ أَخْوَفَ عَمَلٍ عَمِلْتُهُ عِنْدِي، إِذَا قُمْتُ فِي الْصَلَاةِ أَخَافُ أَنْ أَكُونَ أَحْمِلَ عَلَى إِحْدَى رِجْلَيَّ فَوْقَ مَا أَحْمِلُ عَلَى الْأُخْرَى، وَأَبُوهُمَا يَسْمَعُ كَلَامَهُمَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَا صَادِقَيْنِ فَاقْبِضْهُمَا إِلَيْكَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَتَنَا فَمَاتَا، قَالَ: فَمَا نَدْرِي أَيَّ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ. قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ الْأَبُ أَرَى أَفْضَلَ. وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: رَأَيْنَا صَدَأَ الْقُلُوبِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ. وَرَأَيْنَا جَلَاءَهَا إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ قَبْلِ التَّوْبَةِ، حَتَّى تَدَعَ الْقُلُوبَ كَالسَّيْفِ النَّقِيِّ الْمُرْهَفِ. وَقَالَ عَوْنٌ: إِنَّ اللَّهَ لَيُكْرِهُ عَبْدًا عَلَى الْبَلَاءِ، كَمَا يُكْرِهُ أَهْلُ الْمَرِيضِ الْمَرِيضَ عَلَى الدَّوَاءِ، وَيَقُولُونَ: اشْرَبْ هَذَا فَإِنَّ لَكَ فِي عَاقِبَتِهِ خَيْرًا.

стр. 847

ذِكْرُ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ الْعَدَوِيِّ ﵁ تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ، قَالَ أَوْفَى بْنُ دَلْهَمٍ: كَانَ لِلْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ مَالٌ وَرَقِيقٌ، فَأَعْتَقَ بَعْضَهُمْ وَوَصَلَ بَعْضَهُمْ وَبَاعَ بَعْضَهُمْ، وَأَمْسَكَ غُلَامَيْنِ يَأْكُلُ غَلَّتَهُمَا، فَتَعَبَّدَ وَكَانَ يَأْكُلُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفَيْنِ، وَتَرَكَ مُجَالَسَةَ النَّاسِ، فَلَمْ يَكُنْ يُجَالِسُ أحَدًا، يُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، وَيُجْمِعُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، وَيُشَيِّعُ الْجِنَازَةَ , وَيَعُودُ الْمَرِيضَ , ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ. قَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ: ثُمَّ قَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ رَغِيفًا كُلَّ يَوْمٍ، وَكَانَ يَصُومُ حَتَّى يَخْضَرَّ، وَيُصَلِّي حَتَّى يَسْقُطَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَالْحَسَنُ , فَقَالَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْكَ بِهَذَا كُلِّهِ، قَالَ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا أَدَعُ مِنَ الاسْتِكَانَةِ لِلَّهِ وَالتَّذَلُلِ شَيْئًا لَعَلَّهُ يَرْحَمُنِي.

стр. 848

قَالَ الْعَلَاءُ: وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا فِي مَنَامِي امْرَأَةٌ عَجُوزٌ، قَبِيحَةٌ هَتْمَاءُ، عَوْرَاءُ، عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ حُلِيٍّ وَزِينَةٍ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتِ يَا عَدُوَّةَ اللَّهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكِ؟ قَالَتْ: أَنَا الدُّنْيَا، إِنْ سَرَّكَ أَنْ يُعِيذَكَ اللَّهُ مِنِّي فَأَبْغِضِ الدِّرْهَمَ. وَقَالَ لَا تُتْبِعْ بَصَرَكَ رِدْفَ الْمَرْأَةِ أَوْ قَالَ رِدَاءَ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ النَّظَرَ يَجْعَلُ فِي الْقَلْبِ شَهْوَةً. وَقَالَ: لَيُنْزِلْ أَحَدَكُمْ نَفْسَهُ أَنَّهُ قَدْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فَاسْتَقَالَ رَبَّهُ نَفْسَهُ فَأَقَالَهُ، فَلْيَعْمَلْ بِطَاعَةِ اللَّهِ . وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّكَ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ أَمَا وَجَدَ الشَّيْطَانُ أَحَدًا يَسْخَرُ بِهِ غَيْرِي وَغَيْرَكَ.

стр. 849

ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ﵁ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيِّ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو رَبِّي وَقَدْ صُمْتُ ثَمَانِينَ رَمَضَانَ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَذَاكَ أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا، وَأَقْرَأَ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

стр. 850

ذِكْرُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ زَيْنُ الْعَابِدِينَ ﵁ رَوَى الْعُتْبِيُّ , قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِذَا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ وَصَارَ بَيْنَ وُضُوئِهِ وَصَلاتِهِ أَخَذَتْهُ رَعْدَةٌ وَنَفْضَةٌ، قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ أَتَدْرُونَ إِلَى مَنْ أَقُومُ، وَمَنْ أُرِيدُ أَنْ أُنَاجِي. وَقَالَ: مَنْ ضَحِكَ ضِحْكَةً مَجَّ مَجَّةَ عِلْمٍ. وَقَالَ: إِنَّ الْجَسَدَ إِذَا لَمْ يَمْرَضْ أَشِرَ، وَلَا خَيْرَ فِي جَسَدٍ يَأْشِرُ. وَقَالَ: مَنْ قَنَعَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فَهُوَ أَغْنَى النَّاسِ، وَكَانَ يَحْمِلُ جِرَبَ

стр. 851

طَعَامٍ عَلَى ظَهْرِهِ بِاللَّيْلِ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمَدِينَةِ، وَيَقُولُ: إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَعِيشُونَ لَا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ مَعَاشُهُمْ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَدُوا مَا كَانُوا يُؤْتَوْنَ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ , لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَنْتَ سَيِّدُ النَّاسِ وَأَفْضَلُهُمْ تَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْعَبْدِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَتَجْلِسُ مَعَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعِلْمِ أَنْ يُتْبَعَ حَيْثُ كَانَ، وَكَانَ يَتَخَطَّى حَلْقَ قَوْمِهِ حَتَّى يَأْتِيَ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ , وَيَقُولَ: إِنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ إِلَى مَنْ يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الثُّمَالِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَإِذَا عَصَافِيرُ يَطِرْنَ حَوْلَهُ وَيَصْرُخْنَ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا تَقُولُ هَذِهِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: إِنَّهَا تُقَدِّسُ رَبَّهَا وَتَسْأَلُهُ قُوتَ يَوْمِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 852

ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ ﵁ قَالَ خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ: صَحِبْتُ ابْنَ عَوْنٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً فَمَا أَعْلَمُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَتَبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةً. وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: مَا سَادَ ابْنَ عَوْنٍ النَّاسَ بِأَنَّهُ كَانَ أَتْرَكَهُمْ لِلدُّنْيَا وَلَكِنْ سَادَ بِحِفْظِ لِسَانِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَا رَأَيْتُ مُصَلِّيًا مِثْلَهُ وَلَا رَجُلًا أَعْبَدَ مِنْهُ. وَقَالَ بَكَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَانَ ابْنُ عَوْنٍ لَا يَغْضَبُ، فَإِذَا أَغْضَبَهُ الرَّجُلُ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، وَنَادَتْهُ أُمُّهُ فَأَجَابَهَا فَعَلَا صَوْتُهُ صَوْتَهَا فَأَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ.

стр. 853

وَقَالَ: صَحِبْتُهُ دَهْرًا حَتَّى مَاتَ فَمَا سَمِعْتُهُ حَالِفًا، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَكَانَ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ إِخْوَانِي أُحِبُّ لَكُمْ ثَلَاثًا: هَذَا الْقُرْآنَ تَتْلُونَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلُزُومَ الْجَمَاعَةِ، وَالْكَفَّ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَهْدِيِّ: مَا كَانَ بِالْعِرَاقِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنِ ابْنِ عَوْنٍ. ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجِرْمِيِّ أَبِي قُلَابَةَ ﵁ قَالَ أَبُو قُلَابَةَ: إِذَا أَحْدَثَ اللَّهُ لَكَ عِلْمًا فَأَحْدِثْ لَهُ عِبَادَةً، وَلَا يَكُنْ هَمُّكَ مَا تُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ. قَالَ: وَقِيلَ لِلُقْمَانَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: الَّذِي يَزْدَادُ مِنْ عِلْمِ النَّاسِ

стр. 854

إِلَى عِلْمِهِ. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ لَوْ كَانَ أَبُو قُلَابَةَ مِنَ الْعَجَمِ لَكَانَ مُؤَبِّذَ مُؤَبِّذَانَ , يَعْنِي قَاضِي الْقُضَاةِ. وَقَالَ أَبُو قُلَابَةَ: إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ مِنَ النَّاسِ فَذَاكَ قَمِنٌ أَنْ يَنْجُوَ، وَإِذَا كَانَ النَّاسُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَذَاكَ قَمِنٌ أَنْ يُهْلَكَ. وَقَالَ: إِذَا بَلَغَكَ مِنْ أَخِيكَ شَيْئًا تَكْرَهُهُ فَالْتَمِسْ لَهُ الْعُذْرَ جَهْدَكَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ لَهُ عُذْرًا فَقُلْ فِي نَفْسِكَ: لَعَلَّ لِأَخِي عُذْرًا لَا أَعْلَمُهُ. وَقَالَ أَيُّوبُ: رَآنِي أَبُو قُلَابَةَ وَأَنَا أَشْتَرِي تَمْرًا رَدِيًّا فَقَالَ: كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ نَفَعَكَ بِمُجَالَسَتِنَا، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَزَعَ مِنْ كُلِّ رَدِيٍّ بَرَكَتَهُ. وَقَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا قُلَابَةَ فَإِذَا حَدَّثَنَا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ قَالَ: قَدْ أَكْثَرْتُ.

стр. 855

وَقَالَ أَبُو قُلَابَةَ لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ فَإِنِّي لَا آمَنْ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلالَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ، وَاللَّهِ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَوْبٍ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ ﵁ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الشَّامِ. قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثدٍ: كَانَ لَا يُجَالِسُ أَحَدًا قَطُّ يَتَكَلَّمُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَّا تَحَوَّلَ عَنْهُ. وَقَالَ لَهُ قَائِلٌ حِينَ كَبُرَ وَرَقَّ لَوْ قَصَّرْتُ عَنْ بَعْضِ مَا تَصْنَعُ، فَقَالَ: رَأَيْتُمْ لَوْ أَرْسَلْتُمُ الْخَيْلَ فِي الْحَلَبَةِ أَلَسْتُمْ تَقُولُونَ لِفَارِسِهَا:

стр. 856

وَدِّعْهَا وَارْفُقْ بِهَا حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ الْغَايَةَ فَلَا تَسْتَبْقِ مِنْهَا شَيْئًا؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي أَبْصَرْتُ الْغَايَةَ، وَإِنَّ لِكُلِّ سَاعٍ غَايَتَهُ، وَغَايَةَ كُلِّ سَاعٍ الْمَوْتَ فَسَابِقٌ وَمَسْبُوقٌ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: كَانَ لِلنَّاسِ وَرَقًا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ شَوْكٌ لَا وَرَقَ فِيهِ، إِنْ سَابَبْتَهُمْ سَابُّوكَ، وَإِنْ نَاقَدْتَهُمْ نَاقَدُوكَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوكَ، وَإِنْ تَفَرَّرْتَ مِنْهُمْ يُدْرِكُوكَ، قَالَ لَهُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: فَمَا أَصْنَعُ؟ قَالَ: هَبْ عِرْضَكَ لِيَوْمِ فَقْرِكَ، وَخُذْ شَيْئًا مِنْ لَا شَيْءٍ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، " أَنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ ذِي الْخِمَارِ , تَنَبَّأَ بِالْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، فَرَدَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ فَأُجِّجَتْ ثُمَّ أُلْقِيَ فِيهَا أَبُو مُسْلِمٍ فَلَمْ تَضُرُّهُ، فَقِيلَ لَهُ: انْفِهِ عَنْكَ، وَإِلَّا أَفْسَدَ عَلَيْكَ مَنْ تَبِعَكَ، قَالَ: فَأَمَرَهُ بِالرَّحِيلِ فَأَتَى أَبُو مُسْلِمٍ الْمَدِينَةَ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، ﵁،

стр. 857

فَأَنَاخَ أَبُو مُسْلِمٍ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَامَ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ: مَا فَعَلَ الَّذِي حَرَّقَهُ الْكَذَّابُ بِالنَّارِ؟ قَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْءَبٍ، قَالَ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ، أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَاعْتَنَقَهُ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ , فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مَنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أَدْرَكْتُ رِجَالًا مِنَ الْأَمْدَادِ الَّذِينَ يَمُدُّونَ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ خَوْلَانَ يَقُولُونَ لِلْأَمْدَادِ مِنْ عَنَسٍ: صَاحِبُكُمُ الْكَذَّابُ حَرَقَ صَاحِبَنَا بِالنَّارِ فَلَمْ تَضُرَّهُ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، قَالَ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى: قَالَ " قَالَتْ جَارِيَةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ: قَدْ صَنَعْتُ لَكَ السُّمَّ فِي طَعَامِكَ فَلَمْ يَضُرَّكَ قَالَ: وَلِمَ فَعَلْتِ؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أَتَعَجَّلَ الْعِتْقَ، قَالَ: اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ ". ح قَالَ: وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ الْحُوصِيُّ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ، عَنِ السَّرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ سُلَيْمَانَ " أَنَّ جَارِيَةً كَانَتْ لِأَبِي مُسْلِمٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، مَا زِلْتُ أَجْعَلُ السُّمَّ فِي طَعَامِكَ كَذَا وَكَذَا فَمَا أَرَاهُ ضَرَّكَ، قَالَ: وَلِمَ جَعَلْتِ ذَلِكَ؟ لِأَنِّي جَارِيَةٌ شَابَّةٌ إِلَى جَانِبِكَ،

стр. 858

فَلَا أَنْتَ تُدْنِينِي مِنْ فِرَاشِكَ، وَلَا أَنْتَ تَبِيعُنِي، قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَقُولُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ آكُلَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ، رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ «. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَاشَاذَةَ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنِ السَّرِيِّ، قَالَ» قَالَتْ جَارِيَةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ لِأَبِي مُسْلِمٍ: قَدْ سَقَيْتُكَ السُّمَّ وَمَا أَرَاهُ يَضُرُّكَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أُعَجِّلَ أَجَلَكَ، قَالَ: فَتْرَةً، ثُمَّ قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنِّي كُنْتُ أَقُولُ إِذَا أَكَلْتُ وَإِذَا شَرِبْتُ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ، بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ، بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ , قَالَ " كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ سَلَّمَ، فَإِذَا بَلَغَ وَسَطَ الدَّارِ كَبَّرَ، وَكَبَّرَتِ امْرَأَتُهُ، فَإِذَا بَلَغَ الْبَيْتَ كَبَّرَ، وَكَبَّرَتِ امْرَأَتُهُ، فَيَدْخُلُ فَتَنْزِعُ رِدَاءَهُ، وَحِذَاءَهُ، وَتَأْتِيهِ بِطَعَامٍ فَيَأْكُلُ، فَجَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَكَبَّرَ، فَلَمْ تُجِبْهُ، ثُمَّ أَتَى بَابَ الْبَيْتِ فَسَلَّمَ وَكَبَّرَ، فَلَمْ تُجِبْهُ، وَإِذَا بِالْبَيْتِ لَيْسَ فِيهِ سِرَاجٌ، وَإِذَا هِيَ جَالِسَةٌ بِيَدِهَا عُودٌ تَنْكُثُ بِهِ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ لَهَا: مَالَكَ؟ قَالَتِ: النَّاسُ بِخَيْرٍ وَأَنْتَ أَبُو مُسْلِمٍ، تَعْنِي لَا شَيْءَ لَكَ، لَوْ أَنَّكَ أَتَيْتَ مُعَاوِيَةَ

стр. 859

فَيَأْمُرَ لَنَا بِخَادِمٍ وَيُعْطِيكَ شَيْئًا تَعِيشُ بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ مَنْ أَفْسَدَ عَلَيَّ أَهْلِي فَأَعْمِ بَصَرَهُ، وَكَانَتْ أَتَتْهَا امْرَأَةٌ وَقَالَتْ: أَنْتِ امْرَأَةُ أَبِي مُسْلِمٍ، فَلَوْ كَانَ زَوْجُكِ كَلَّمَ مُعَاوِيَةَ لِيَخْدُمَكُمْ وَيُعْطِيَكُمْ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ فِي مَنْزِلِهَا وَالسِّرَاجُ يُزْهِرُ إِذْ أَنْكَرَتْ بَصَرَهَا، فَقَالَتْ: سِرَاجُكُمْ طُفِئَ؟ قَالُوا: لَا، قَالَتْ: إِنَّا لِلَّهِ ذَهَبَ بَصَرِيَ، فَأَقْبَلَتْ كَمَا هِيَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَلَمْ تَزَلْ تُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَتَطْلُبُ مِنْهُ، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ فَرَدَّ عَلَيْهَا بَصَرَهَا، وَرَجَعَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى حَالَتِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا ". وَفِي رِوَايَةٍ: " إِنَّ امْرَأَةً خَبَّثَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَدَعَا عَلَيْهَا فَذَهَبَ بَصَرُهَا فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ إِنِّي قَدْ كُنْتُ فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ وَإِنِّي لَا أَعُودُ لِمِثْلِهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ صَادَقةً فَارْدُدْ عَلَيْهَا بَصَرَهَا، قَالَ: فَأَبْصَرَتْ ". قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْحُوصِيُّ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَمِّي , أَوْ قَالَ: عَمِّي أَخُو أَبِي , قَالَ " كُنَّا فِي جَيْشٍ وَفِيهِمْ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ فَانْتَهَيْنَا إِلَى نَهْرِ عَجَّاجٍ، فَسَأَلْنَا أَهْلَ الْقَرْيَةِ أَيْنَ الْمَخَاضَةُ؟ فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا كَانَ هَاهُنَا مَخَاضَةٌ قَطُّ، وَإِنَّ الْمَخَاضَةَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ بِمِيلَيْنِ، فَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الَّذِي أَجَزْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْبَحْرِ، وَإِنَّا

стр. 860

عَبِيدُكَ، وَفِي سَبِيلِكَ فَأَجِزْنَا الْيَوْمَ فِي هَذَا النَّهْرِ، ثُمَّ قَالَ: اعْبُرُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فَقَالَ ابْنُ عَمِّي: وَأَنَا عَلَى فَرَسٍ فَارِهٍ، فَقُلْتُ: لَأَكُونَنَّ أَوَّلَ مَنْ يُقْحِمُ فَرَسَهُ عَلَى أَثَرِ أَبِي مُسْلِمٍ , قَالَ: فَخُضْتَ خَلْفَهُ فَلَمْ يَبْلُغِ الْمَاءُ بُطُونَ الْخَيْلِ حَتَّى عَبَرْنَا، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ: هَلْ سَقَطَ مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ كَيْمَا أَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُ؟ فَلَمْ يَفْقِدُوا شَيْئًا ". وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الأَلْهَانِيِّ , قَالَ: كَانَ إِذَا غَزَا أَبُو مُسْلِمٍ الرُّومَ فَمَرُّوا بِنَهْرٍ قَالَ: أَجِيزُوا بِسْمِ اللَّهِ، فَإِذَا جَازُوا قَالَ: هَلْ ذَهَبَ مِنْكُمْ شَيْءٌ فَأَنَا لَهُ ضَامِنٌ فَأَلْقَى بَعْضُهُمْ مِخْلاتَهُ عَمْدًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ الرَّجُلُ: مِخْلَاتِي وَقَعَتْ فِي النَّهْرِ فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي فَإِذَا الْمِخْلَاةُ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِبَعْضِ أَعْوَادِ النَّهْرِ فَقَالَ لَهُ: خُذْهَا. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ، هُوَ ابْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ " أَخَذَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ دِرْهَمًا يَشْتَرِي لِأَهْلِهِ دَقِيقًا، وَأَخَذَ مَعَهُ مِزْوَدًا، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ سَائِلٌ، كُلَّمَا وَقَفَ عَلَى مَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِي قَالَ لَهُ السَّائِلُ: تَصَدَّقْ عَلَيَّ، قَالَ: فَيَتَحَوَّلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَيَتْبَعُهُ، يَقُولُ: تَصَدَّقْ عَلَيَّ، فَيَفِّرُّ مِنْهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَيَلْحَقُهُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ أَعْطَاهُ الدِّرْهَمَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَوْضِعِ النَّجَّارِينَ

стр. 861

فَمَلأَ مِزْوَدَهُ مِنْ نِشَارَةِ الْخَشَبِ، ثُمَّ رَبَطَهُ فَأَتَى بِهِ الْبَيْتَ، فَأَدْخَلَهُ سِرًّا مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَعَمَدَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمِزْوَدِ فَفَتَحَتْهُ فَإِذَا فِيهِ دَقِيقٌ حُوَّارَى فَعَجَنَتْ وَخَبَزَتْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جَاءَ أَبُو مُسْلِمٍ وَهُوَ خَائِفٌ مِنِ امْرَأَتِهِ، فَأَتَتْهُ بِالْمَائِدَةِ وَأَتَتْ بِطَعَامٍ فَأَكَلَ فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ لَهَا: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ قَالَتْ: هَذَا مِنَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ ". فَصْلٌ قِيلَ: كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ يَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى مَعَ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ: اذْكُرِ اللَّهَ حَتَّى يَرَى الْجَاهِلُ أَنَّكَ مَجْنُونٌ، وَكَانَ غَازِيًا بِأَرْضٍ فَوَجَدُوهُ قَدِ احْتَفَرَ فِي فُسْطَاطِهِ حُفْرَةً وَوَضَعَ فِيهَا نَطْعًا مَلَأَهّ مَاءً فَهُوَ يَلْتَصِقُ فِيهِ وَهُوَ صَائِمٌ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى الصِّيَامِ وَأَنْتَ مُسَافِرٌ وَقَدْ رَخَّصَ اللَّهُ لَكَ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَالْغَزْوِ فَقَالَ: لَوْ حَضَرَ قِتَالٌ لَأَفْطَرْتُ وَتَقَوَّيْتُ لِلْقِتَالِ، إِنَّ الْخَيْلَ لَا تَجْرِي إِلَى الْغَارَاتِ وَهِيَ بُدُنٌ، إِنَّمَا تَجْرِي وَهِيَ ضُمَرٌ، إِنَّ بَيْنَ أَيْدِينَا أَيَّامًا لَهَا نَعْمَلُ.

стр. 862

وَعَنْ هِلَالِ بْنِ كَعْبٍ الْعَسْكَرِيُّ , قَالَ: كَانَ الظَّبْيُ يَمُرُّ بِأَبِي مُسْلِمٍ , فَيَقُولُ لَهُ الصِّبْيَانُ: ادْعُ اللَّهَ يَحْبِسُهُ عَلَيْنَا نَأْخُذُهُ بِأَيْدِينَا، فَكَانَ يَدْعُوا اللَّهَ فَيَحْبِسُهُ حَتَّى يَأْخُذُوهُ بِأَيْدِيهِمْ. ذِكْرُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَبُو مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ ﵁ تَابِعِيٌّ مَدَنِيٌّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي أُنزِلَتْ مِنْ عِنْدِهِ السُّوَرُ ... وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَمَّا بَعْدُ يَا عُمَرُ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا تَأْتِي وَمَا تَذرُ ... فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ قَدْ يَنْفَعُ الحَذَرُ. وَاصْبِرْ عَلَى الْقَدَرِ الْمَجْلُوبِ وَارْضَ بِهِ ... وَإِنْ أَتَاكَ بِمَا لَا تَشْتَهِي الْقدَرُ فَمَا صَفَا لِامْرِئٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بِهِ ... إِلَّا سَيَتْبَعُ يَوْمًا صَفْوَهُ كَدَرُ

стр. 863

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَدْرَكْتُ أَرْبَعَةً مِنْ بُحُورِ قُرَيْشٍ، سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبَا سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ يُعَدُّ مِنَ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، قِيلَ: مَاتَ قَبْلَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلِيٌّ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. ذِكْرُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: قَالَ أَبِي: رُبَّ كَلِمَةِ ذُلٍّ احْتَمَلْتُهَا أَوْرَثَتْنِي عِزًّا طَوِيلًا. وَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْحَسَنَةَ فَاعْلَمْ أَنَّ لَهَا عِنْدَهُ أَخَوَاتٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ تَدُلُّ عَلَى أُخْتِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَهُ يَعْمَلُ السَّيِّئَةَ فَاعْلَمْ أَنَّ لَهُ

стр. 864

عِنْدَهَا أَخَوَاتٍ، فَإِنَّ السَّيِّئَةَ تَدُلُّ عَلَى أُخْتِهَا. وَقَالَ لِبَنِيهِ لَا يُهْدَيَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَى رَبِّهِ مَا يَسْتَحِي أَنْ يَهْدِيَهُ إِلَى كَرِيمِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَا اخْتِيرَ لَهُ. وَقَالَ: النَّاسُ بِأَزْمَنِتِهِمْ أَشْبَهُ مِنْهُمْ بِآبَائِهِمْ، وَقَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: لِتَكُنْ كَلِمَتُكَ طَيِّبَةً، وَلْيَكُنْ وَجْهُكَ بَسْطًا، تَكُنْ أَحَبَّ إِلَى النَّاسِ مِمَّنْ يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءُ. وَقِيلَ: خَرَجَ عُرْوَةُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ , فَوَقَعَ فِي رِجْلِهِ الْأَكَلَةُ وَصَعَدَتْ فِي سَاقِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ الأَطِبَّاءَ، فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ لَهَا دَوَاءٌ إِلَّا أَنْ تُقْطَعَ رِجْلُهُ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ بِالْمِنْشَارِ وَهُوَ صَائِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَمَا تَضَوَّرَ وَجْهُهُ وَلَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ، وَدَخَلَ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُرْوَةَ، وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ، دَارَ دَوَابَّ الْوَلِيدِ فَرَفَسَتْهُ دَابَّةٌ فَقَتَلَتْهُ، فَخَرَّ وَحُمِلَ مَيْتًا، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] . وَلَمْ

стр. 865

يَدَعْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وِرْدَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ رُبْعَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي الْمُصْحَفِ، وَيَقُومُ بِهِ لَيْلَهُ، وَيَتَمَثَّلُ بِأَبْيَاتِ مَعْنِ بْنِ أَوْسٍ: لَعَمْرِي مَا أَهْوَيْتُ كَفِّي لِرِيبَةٍ ... وَلَا حَمَلَتْنِي نَحْوَ فَاحِشَةٍ رِجْلِي وَلَا قَادَنِي سَمْعِي وَلَا بَصَرِي لَهَا ... وَلَا دَلَّنِي رَأْيِي عَلَيْهَا وَلَا عَقْلِي وَأَعْلَمُ أَنِّي لَمْ تُصِبْنِي مُصِيبَةٌ ... مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا قَدْ أَصَابَتْ فَتًى قَبْلِي ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ، أَخَذْتَ مِنْهَا وَاحِدًا وَبَقَّيْتَ ثَلَاثًا فَلَكَ الْحَمْدُ، وَكَانَ لِي بَنُونَ أَرْبَعَةً فَأَخَذْتَ مِنْهَا وَاحِدًا وَبَقَّيْتَ ثَلَاثَةً فَلَكَ الْحَمْدُ، وَايَمُ اللَّهِ لَئِنْ أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ، وَلَئِنِ ابْتَلَيْتَ لَطَالَمَا عَافَيْتَ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا أَحْسَنَ مَا صَنَعَ اللَّهُ إِلَيَّ، وَهَبَ لِي سَبْعَةَ بَنِينَ فَمَتَّعَنِي بِهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَخَذَ وَاحِدًا وَأَبْقَى سِتَّةً، وَأَخَذَ عُضْوًا وَأَبْقَى لِي خَمْسًا، يَدَيْنِ وَرِجْلا وَسَمْعًا وَبَصَرًا. وَعَنْ هِشَامٍ , قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ أَبِي قَصْرًا بِالْعَتِيقِ قَالَ لَهُ النَّاسُ: جَفَوْتَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ مَسَاجِدَهُمْ لَاهِيَةً، وَأَسْوَاقَهُمْ لَاغِيَةً، وَالْفَاحِشَةَ فِي فِجَاجِهِمْ عَالِيَةً، فَكَانَ فِيمَا هُنَالِكَ عَمَّا هُمْ فِيهِ عَافِيَةً. وَقَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ: رَأَيْتُ عُرْوَةَ إِذَا كَانَ أَيَّامَ الرَّطْبِ يُثَلِّمُ حَائِطَهُ ثُمَّ

стр. 866

يَأْذَنُ لِلنَّاسِ فِيهِ فَيَدْخُلُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَحْمِلُونَ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَهُ رَدَّدَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] . حَتَّى يَخْرُجَ. قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أُمُّهُمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﵄، وَكَانَ مِنْ أَفَاضِلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، اخْتَلَفُوا فِي مَوْتِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ مِائَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ. قَالَ ابْنُ رُوَيْمٍ: مَاتَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَ مَاتَ وَهُوَ يَقُولُ: أَخْشَاكَ رَبِّي وَأَرْجُوكَ، أَخْشَاكَ رَبِّي وَأَرْجُوكَ.

стр. 867

ذِكْرُ عَامِرِ بْنِ شُرَحْبِيلَ الشَّعْبِيِّ ﵁ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، كُنْيَتُهُ أَبُو عَمْرٍو. قَالَ عَاصِمٌ: حَدَّثْتُ الْحَسَنَ بِمَوْتِ الشَّعْبِيِّ , فَقَالَ: ﵀، إِنْ كَانَ مِنَ الْإِسْلَامِ لَبِمَكَانٍ. وَقَالَ أَشْعَثُ بْنُ سُوَّارٍ: لَمَّا هَلَكَ الشَّعْبِيُّ أَتَيْتُ الْبَصْرَةَ فَدَخَلْتُ عَلَى الْحَسَنِ , فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ هَلَكَ الشَّعْبِيُّ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] . إِنْ كَانَ لَقَدِيمَ السِّنِّ , كَثِيرَ الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمَكَانٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ , فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ هَلَكَ الشَّعْبِيُّ فَقَالَ: مَثْلَ مَا قَالَ الْحَسَنُ.

стр. 868

وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ , قَالَ: وَلِلشَّعْبِيِّ حَلَقَةٌ عَظِيمَةٌ وَأَصْحَابُ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ. وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ , قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْحِجَازِ وَالْآفَاقِ مِنَ الشَّعْبِيِّ. وَقَالَ أَبُو مَجْلِزٍ: مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنَ الشَّعْبِيِّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا الْفَقِيهُ مَنْ وَرِعَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَالْعَالِمُ مَنْ خَافَ اللَّهَ. وقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: اجْتَمَعَ الشَّعْبِيُّ وَالْأَخْطَلُ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا خَرَجَا , قَالَ الْأَخْطَلُ لِلشَّعْبِيِّ: يَا شَعْبِيُّ ارْفُقْ بِي فَإِنَّكَ تَغْرِفُ مِنْ آنِيَةٍ شَتَّى وَأَنَا أَغْرِفُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا تَرَكَ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا شَيْئًا لِلَّهِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يُشْرِفُ قَوْمٌ دَخَلُوا الْجَنَّةَ عَلَى قَوْمٍ دَخَلُوا النَّارَ فَيَقُولُونَ: إِنَّا كُنَّا نُعَلِّمُكُمْ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ.

стр. 869

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَيْتَنِي لَمْ أَتَعَلَّمْ عِلْمًا قَطُّ. وَقَالَ: وَدَدْتُ أَنِّي أَنْجُو مِنْهُ كِفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ السَّاعَةُ صَاحَ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِابْنِ مَرْيَمَ أَنْ تُذْكَرَ عِنْدَهُ السَّاعَةُ فَيُسْكَتَ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: مَنْ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ فَاسِقٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهَا. وَقَالَ عَجْلَانُ: كَانَ زِيَادٌ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ مَشَيْتُ أَمَامَهُ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَإِذَا بِهِرٍّ فِي زَاوِيَةٍ، فَذَهَبْتُ أَزْجُرُهُ فَقَالَ: دَعْهُ يَأْرَبُ مَالَهُ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ عَادَ إِلَى مَجْلِسِهِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ فَعَادَ إِلَى مَجْلِسِهِ، كُلُّ ذَلِكَ يُلَاحِظُ الْهِرَّةَ، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ خَرَجَ جُرَذٌ فَوَثَبَ إِلَيْهِ فَأَخَذَهُ فَقَالَ زِيَادٌ: مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلْيُوَاظِبْ عَلَيْهَا مُوَاظَبَةَ الْهِرِّ. وَقَالَ: الْبَسْ مِنَ الثِّيَابِ مَالا يَزْدَرِيكَ فِيهِ السُّفَهَاءُ وَلَا يَعِيبُهُ عَلَيْكَ الْعُلَمَاءُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ فَانْظُرْ كَيْفَ صَنَعَ عُمَرُ، فَإِنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَصْنَعُ شَيْئًا حَتَّى يُشَاوِرَ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ سِيرِينَ , فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُخْبِرُكَ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْ عُمَرَ فَاحْذَرْهُ.

стр. 870

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا هَلَكْتُمْ حِينَ تَرَكْتُمُ الآثَارَ وَأَخَذْتُمْ بِالْمَقَايِيسِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا كَتَبَتْ سَوْدَاءُ فِي بَيْضَاءَ قَطُّ، وَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَجُلٍ حَدِيثًا قَطُّ فَأَرَدْتُ أَنْ يُعِيدَهُ عَلَيَّ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَدْرَكْتُ خَمْسَ مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا بَكَيْتُ مِنْ زَمَانٍ إِلَّا بَكَيْتُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعَقْلُ , وَالنُّسُكُ، فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا، قِيلَ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إِلَّا النُّسَّاكُ، فَلَمْ تَطْلُبُهُ؟ وَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلًا، قِيلَ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إِلَّا الْعُقَلَاءُ، فَلَمْ تَطْلُبُهُ؟ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: فَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ الْيَوْمَ مَنْ لَيْسَ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَا عَقْلٌ وَلَا نُسُكٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا تَمْنَعُوا الْعِلْمَ أَهْلَهُ فَتَأْثَمُوا، وَلَا تُحَدِّثُوا بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ فَتَأْثَمُوا. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ , يَقُولُ: لَيْسَتِ الأَحْلامُ فِي حَالِ الرِّضَا، إِنَّمَا الأَحْلامُ فِي حَالِ الْغَضَبِ.

стр. 871

ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ﵁ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ الْأَعْمَشُ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى يُصَلِّي فَإِذَا دَخَلَ الدَّاخِلُ نَامَ عَلَى فِرَاشِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى بَيْتٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْقُرَّاءُ، فِيهِ مَصَاحِفُ فَقُلْ مَا تَفَرَّقُوا إِلَّا عَنْ طَعَامٍ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ: بَلَغَنَا عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ رَكِبَ أَوَّلَ يَوْمٍ الْقَضَاءَ، فَاصْطَفَّ لَهُ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ

стр. 872

مَجْنُونٌ مِنْ مَجَانِين أَهْلِ الْكُوفَةِ: انْظُرُوا إِلَى مَنْ يَجْمَعُ اللَّهُ لَهُ سُرُورَ الدُّنْيَا بِحُزْنِ الْآخِرَةِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَوْ سَمِعْتُهَا قَبْلَ أَنْ أَلِيَ مَا وَلِيتُ لَهُمْ شَيْئًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ ﵁ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ فِي السُّوقِ، وَيُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا الْخَلاءَ. وَقَالَ الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ: مَا رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ إِلَّا وَكَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَلَا رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي الْهُذَيْلِ إِلَّا وَكَأَنَّهُ مَزْعُورٌ.

стр. 873

وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ: إِنِّي لَأَتَكَلَّمُ حَتَّى أَخْشَى اللَّهَ، وَأَسْكُتُ حَتَّى أَخْشَى اللَّهَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ: إِنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاخِ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ فَقِيلَ لَهُ: تَقَدَّمْ، فَأَبَى فَقِيلَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ؟ قَالَ: خِفْتُ أَنْ يَمُرَّ الْمَارُّ فَيَقُولَ: إِنَّمَا قَدَّمُوا هَذَا لِأَنَّهُ خَيْرُهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ خَلَقْتَ خَلْقًا وَهُمْ عِبَادُكَ ثُمَّ تحَرِقُهُمْ بِالنَّارِ، قَالَ " يَا مُوسَى اذْهَبْ فَازْرَعْ زَرْعًا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: «فَاحْصُدْهُ» . قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَال: " فَاجْعَلْهُ فِي كُدُسِهِ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: «وَلَا تَدَعْ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا رَفَعْتَهُ» . قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: «فَلَعَلَّكَ قَدْ تَرَكْتَ مِنْهُ شَيْئًا» . قَالَ: لَا، إِلَّا مَا لَا يُبَالَى بِهِ. قَالَ: «فَمِثْلُ أُولَئِكَ أُدْخِلُ مِنْ عِبَادِي النَّارَ» .

стр. 874

ذِكْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ كُوفِيٌّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَوَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، مِنْ زُهَّادِ التَّابِعِينَ. قَالَ مُغِيرَةُ: كَانَ ابْنُ أَبِي نُعْمٌ يُوَاصِلُ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا لَا يَذُوقُ شَيْئًا , فَكَانَ يُقَالَ: كَأَنَّهُ مَرِيضٌ. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: كَانَ ابْنُ أَبِي نُعْمٍ يَخْدُمُ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ فَآذَاهُ الْعَمَلُ، فَدَعَى رَبَّهُ فَوَقَعَتْ لُبَّةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ.

стр. 875

ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ ﵁، وَلَقَبُهُ مَاهَانُ . قَالَ: أَمَا يَسْتَحِي أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ دَابَّتُهُ الَّتِي يَرْكَبُ وَثَوْبُهُ الَّذِي يَلْبَسُ أَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا يَفْتُرُ مِنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ، وَأَمَرَ بِهِ الْحَجَّاجُ أَنْ يُصْلَبَ فَرُئِيَ عَلَى خَشَبَتِهِ يُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ وَيَعْقِدُ بِيَدِهِ حَتَّى بَلَغَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، فَرُئِيَ بَعْدَ شَهْرٍ مَعْقُودًا بِيَدِهِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَكَانَ يُرَى عِنْدَهُ الضَّوْءُ بِاللَّيْلِ مِثْلَ السِّرَاجِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَبَلَغَ التَّسْبِيحُ فِي يَدِهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ يَعْقِدُهَا. وَقَالَ مَاهَانُ: الْحَقُّ ثَقِيلٌ وَابْنُ آدَمَ ضَعِيفٌ، وَالذِّكْرُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ دِينَارٍ التَّمَّارُ: سَأَلْتُ مَاهَانَ الْحَنَفِيُّ: مَا أَعْمَالُ الْقَوْمِ؟ قَالَ: كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ قَلِيلَةً وَكَانَتْ قُلُوبُهُمْ سَلِيمَةً.

стр. 876

ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَطَرٍ أَبِي رَيْحَانَةَ تَابِعِيٌّ ﵁ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا وَغَيْرُهُ مُوسَى بْنُ عِيسَى الْعَابِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ فَرُوِيَ الْأَعْمَى , قَالَ " رَكِبَ أَبُو رَيْحَانَةَ الْبَحْرَ، وَكَانَ يَخِيطُ فِيهِ بِإِبْرَةٍ مَعَهُ فَسَقَطَتْ إِبْرَتُهُ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ رَبِّي أَلَّا رَدَدْتَ عَلَيَّ إِبْرَتِي فَظَهَرَتْ حَتَّى أَخَذَهَا. قَالَ: وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَحْرُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: اسْكُنْ أَيُّهَا الْبَحْرُ فَإِنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَسَكَنَ حَتَّى صَارَ كَالزَّيْتِ

стр. 877

ذِكْرُ أَبِي عَطِيَّةَ الْمَذْبُوحِ ﵀ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ اللُّبْنَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ , قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ , يَقُولُ: " بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا يُقَالَ لَهُ: أَبُو عَطِيَّةَ الْمَذْبُوحِ لَمَّا احْتُضِرَ بَكَى، وَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: وَكَيْفَ لَا أَجْزَعُ وَإِنَّمَا تَأْتِينِي سَاعَةٌ، ثُمَّ لَا أَدْرِي أَيْنَ يُتَسَلَّكُ بِي ذِكْرُ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ ﵁ قَالَ هِشَامُ بْنُ زِيَادٍ: كَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يُحْيِي كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ، فَوَجَدَ لَيْلَةً فَتْرَةً، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أَسْمَاءُ إِنِّي أَجِدُ فَتْرَةً فَإِذَا مَضَى كَذَا وَكَذَا فَأَيْقِظِينِي، لِوَقْتٍ وُقِّتُّهُ ثُمَّ رَقَدَ فَأَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامِهِ فَأَخَذَ بِنَاصِيَتِهِ

стр. 878

وَقَالَ: يَا ابْنَ زِيَادٍ قُمْ فَاذْكِرِ اللَّهَ يَذْكُرْكَ، فَقَامَ فَزِعًا فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الشَّعْرَاتُ الَّتِي أَخَذَ بِهَا مِنَ الْعَلَاءِ قَائِمَةً حَتَّى مَاتَ. ذِكْرُ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ شَامِيٌّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّمْسَارُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَاشَاذَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَسْطَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ , قَالَ " قُلْتُ لِعُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ: أَرَى لِسَانَكَ لَا يَفْتُرُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَكَمْ تُسَبِّحُ فِي الْيَوْمِ؟ قَالَ: مِائَةَ أَلْفٍ إِلَّا أَنْ تُخْطِئَ الْأَصَابِعُ

стр. 879

بَابُ الْغَيْنِ ذِكْرُ غُطَيْفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَرْوِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، رَوَى عَنْهُ أَهْلُ الشَّامِ. ذِكْرُ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْمَازِنِيُّ ﵀ تَابِعِيٌّ، يَرْوِي عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁.

стр. 880

ذِكْرُ غَاضِرَةَ الْعَنْبَرِيِّ ﵀ تَابِعِيٌّ يَرْوِي عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ﵁. بَابُ الْفَاءِ ذِكْرُ فُضَيْلِ بْنِ زَيْدٍ الرَّقَاشِيِّ ﵀، كُنْيَتُهُ أَبُو حَسَّانٍ تَابِعِيٌّ مِنْ قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ الْفُضَيْلُ: يَا هَذَا لَا يَشْغَلْكَ كَثْرَةُ النَّاسِ عَنْ نَفْسِكَ فَإِنَّ الْأَمْرَ يَخْلُصُ إِلَيْكَ دُونَهُمْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُذْهِبَ نَهَارَكَ وَتَقْطَعَهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا بَكَيْتٍ وَكَيْتٍ فَإِنَّهُ مَحْفُوظٌ عَلَيْكَ مَا قُلْتَ، وَمَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ طَلَبًا وَلَا أَسْرَعَ إِدْرَاكًا مِنْ حَسَنَةٍ حَدِيثَةٍ لِذَنْبٍ قَدِيمٍ.
следующие страницы →