Полный текст (1 332 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يَحُجُّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقِيلَ لَهُ: تَحُجُّ وَعَلَيْكَ دَيْنٌ، فَقَالَ: الْحَجُّ أَقْضَى لِلدَّيْنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: بِتُّ أَغْمُرُ رِجْلَ أُمِّي، وَبَاتَ عُمَرُ، يَعْنِي أَخَاهُ، يُصَلِّي وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَتَخَلَّصُ فِيهِ إِلَّا مَنْ دَعَا بِدُعَاءِ الْغَرِيقِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعَهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَائِي وَأَخْبِرُوهُمْ أَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
стр. 912
ذِكْرُ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ ﵀ تَابِعِيٌّ مَكِيٌّ
قَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ ثَلَاثِينَ عَرْضًا، أُوقِفُهُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ أَسْأَلُهُ فِيمَا نَزَلَتْ وَكَيْفَ كَانَتْ؟ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ أَعَزَّ نَفْسَهُ أَذَلَّ دِينَهُ وَمَنْ أَذَلَّ نَفْسَهُ أَعَزَّ دِينَهُ.
وَقَالَ: لَوْ لَمْ يُصَبِ الْمُسْلِمُ مِنْ أَخِيهِ إِلَّا أَنَّ حَيَاءَهُ مِنْهُ مَنَعَهُ مِنَ الْمَعَاصِي لَكَفَى.
وَقَالَ: إِذَا أَقْبَلَ الْعَبْدُ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ أَقْبَلَ اللَّهُ بِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] .
قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالْقُرْآنِ يَقُولُونَ: هَذَا الَّذِي قَدْ أَعْطَيْتُمُونَا قَدِ اتَّبَعْنَا مَا فِيهِ.
وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيُصْلِحُ بِصَلاحِ الْعَبْدِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ.
وَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ ﵇، قَالَ: طُوبَى لِلْمُؤْمِنِ ثُمَّ طُوبَى لَهُ كَيْفَ يَخْلُفُهُ اللَّهُ فِيمَنْ تَرَكَ بِخَيْرٍ.
стр. 913
وقَالَ: لِابْنِ آدَمَ جُلَسَاءُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَإِذَا ذَكَرَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ بِخَيْرٍ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ وَلَكَ بِمِثْلِهِ، فَإِذَا ذَكَرَهُ بِسُوءٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا ابْنَ آدَمَ الْمَسْتُورَ عَوْرَتُهُ، ارْبَعْ عَلَى نَفْسِكَ، وَاحْمَدِ اللَّهَ الَّذِي سَتَرَ عَلَيْكَ.
وَقَالَ قَالَ إِبْلِيسُ: إِنْ يُعْجِزْنِي ابْنُ آدَمَ، فَلَنْ يُعْجِزَنِي مِنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ: أَخْذُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْفَاقُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وَمَنْعُهُ مِنْ حَقِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
قَالَ مُجَاهِدٌ: النَّمْلَةُ الَّتِي كَلَّمَتْ سُلَيْمَانَ ﵇ كَانَتْ مِثْلَ الدِّيُبِ الْعَظِيمِ.
وَقَالَ: كَانَ الْغُلَامُ مِنْ قَوْمِ عَادٍ لَا يَحْتَلِمُ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَتَيْ سَنَةٍ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] .
قَالَ: الْمَزَامِيرُ.
وَقَالَ: لَمَّا هَبَطَ آدَمُ ﵇ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ لَهُ رَبُّهُ «ابْنِ لِلْخَرَابِ وَلِدْ لِلْفَنَاءِ» .
стр. 914
وَقَالَ الْأَعْمَشُ: كَانَ مُجَاهِدٌ لَا يَسْمَعُ بِأُعْجُوبَةٍ إِلَّا ذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ذَهَبَ إِلَى بِئْرِ بَرَهُوتَ بِحَضْرَمَوْتَ، وَذَهَبَ إِلَى بَابِلَ وَعَلَيْهَا وَالٍ صَدِيقٌ لِمُجَاهِدٍ , فَقَالَ لَهُ مُجَاهِدٌ: تَعْرِضُ عَلَيَّ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُدْعُوَ اللَّهَ عِنْدَهُمَا، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَذَهَبَ بِي إِلَى قَلْعَةٍ فَقَطَعَ مِنْهَا حَجَرًا ثُمَّ قَالَ: خُذْ بِرِجْلِي فَهَوَى بِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى جَوْبَةٍ، فَإِذَا هُمَا مُعَلَّقَيْنِ مُنَكَّسَيْنِ كَالْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمَا قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ خَالِقِكُمَا، فَاضْطَرَبَا فَكَأَنَّ جِبَالَ الدُّنْيَا تَدَكْدَكَتْ، فَغُشِيَ عَلَيَّ وَعَلَى الْيَهُودِيِّ، ثُمَّ أَفَاقَ الْيَهُودِيُّ قَبْلِي فَقَالَ: قُمْ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ وَأَهْلَكْتَنِي.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَرَّ نُوحُ ﵇ بِالْأَسَدِ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ فَخَمَشَهُ
стр. 915
فَبَاتَ سَاهِرًا فَشَكَى نُوحٌ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَوْحَى اللَّهِ إِلَيْهِ: أَنِّي لَا أُحِبُّ الظُّلْمَ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ: قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا مِنْ مَرَضٍ يَمْرَضُهُ الْعَبْدُ إِلَّا وَرَسُولُ مَلَكِ الْمَوْتِ عِنْدَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ مَرَضٍ يَمْرَضُهُ الْعَبْدُ أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ , فَقَالَ: أَتَاكَ رَسُولٌ بَعْدَ رَسُولٍ فَلَمْ تَعْبَأْ بِهِ وَقَدْ أَتَاكَ رَسُولٌ يَقْطَعُ أَثَرَكَ مِنَ الدُّنْيَا.
فَصْلٌ
قَالَ مُجَاهِدٌ: كُنْتُ أَصْحَبُ ابْنَ عُمَرَ فِي السَّفَرِ، فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَرْكَبَ يَأْتِينِي فَيُمْسِكُ رِكَابِي، وَإِذَا رَكِبْتُ سَوَّى عَلَيَّ ثِيَابِي، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَجَاءَنِي مَرَّةً فَكَأَنِّي كَرِهْتُ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا مُجَاهِدُ إِنَّكَ ضَيِّقُ الْخُلُقِ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْدُمَهُ فَكَانَ هُوَ يَخْدُمُنِي، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ مُجَاهِدُ: رُبَّمَا أَخَذَ لِي ابْنُ عُمَرَ بِالرِّكَابِ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَصَابِعَهُ فِي إِبِطِي.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَأَلَ مُوسَى ﵇ رَبَّهُ تَعَالَى: أَيُّ عِبَادِكَ أَغْنَى؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْنَعُ بِمَا يُؤْتَى» .
قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَحْكَمُ؟ قَالَ: «الَّذِي
стр. 916
يَحْكُمُ لِلنَّاسِ بِمَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ» ، قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَعْلَمُ؟ قَالَ: «أَخْشَاهُمْ» .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا أَدْرِي أَيُّ النِّعْمَتَيْنِ أَفْضَلُ، أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَوْ عَافَانِي مِنَ الْأَهْوَاءِ.
ذِكْرُ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ﵁
مِنْ زُهَّادِ الْبَصْرَةِ.
قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: خَرَجَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَذُوقُوا أَطْيَبَ شَيْءٍ فِيهَا، قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا يَحْيَى؟ قَالَ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي رِوَايَةٍ: خَرَجَ أَهْلُ الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَا تَنَعَّمَ الْمُتَنَعِّمُونَ بِمِثْلِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ: أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ تَنَعَّمُوا بِذِكْرِي فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا نَعِيمٌ وَفِي الْآخِرَةِ جَزَاءٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّ الصِّدِّيقِينَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ طَرِبَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ وَقَالَ: وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ
стр. 917
سَبِّحُوا اللَّهَ أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ بِأَصْوَاتٍ حَزِينَةٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ، مَاذَا زَرَعَ الْقُرْآنُ فِي قُلُوبِكُمْ؟ فَإِنَّ الْقُرْآنَ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ، كَمَا أَنَّ الْغَيْثَ رَبِيعُ الْأَرْضِ، وَقَدْ يَنْزِلُ الْغَيْثُ مِنَ السَّمَاءِ فَيُصِيبُ الْحَشَّ فَيَكُونُ فِيهِ الْحَبَّةُ فَلَا يَمْنَعُهَا نَتَنُ مَوْضِعِهَا أَنْ تَهْتَزَّ وَتَخْضَرَّ وَتَحْسُنَ.
فَيَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ مَاذَا زَرَعَ الْقُرْآنُ فِي قُلُوبِكُمْ؟ .
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَبْلُغُ الرَّجُلُ مَنَازِلَ الصِّدِّيقِينَ حَتَّى يَتْرُكَ زَوْجَتَهُ كَأَنَّهَا أَرْمَلَةٌ وَيَأْوِي إِلَى مَنَازِلِ الْكِلَابِ.
وَقِيلَ لِمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ: أَلَا تَتَزَوَّجُ؟ فَقَالَ لَوِ اسْتَطَعْتُ لَطَلَّقْتُ نَفْسِي.
وَقَالَ: تَأْتِي عَلَيَّ السَّنَةُ لَا آكُلُ فِيهَا لَحْمًا إِلَّا فِي يَوْمِ الْأَضْحَى آكُلُ مِنْ أُضْحِيَتِي لِمَا يُذْكَرُ فِيهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّ الْبَدَنَ إِذَا سَقِمَ لَمْ يَنْجَعْ فِيهِ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ وَلَا نَوْمٌ وَلَا رَاحَةٌ، كَذَلِكَ الْقَلْبُ إِذَا عَلِقَهُ حُبُّ الدُّنْيَا لَمْ تَنْجَعْ فِيهِ الْمَوْعِظَةُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى , قَالَ: إِنَّ أَهْوَنَ مَا أَنَا صَانِعٌ بِالْعَالِمِ إِذَا أَحَبَّ الدُّنْيَا أَنْ أُخْرِجَ حَلَاوَةَ ذِكْرِي مِنْ قَلْبِهِ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ صَادِقًا فَلَا يَتَعَنَّ.
стр. 918
وَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ إِذَا مِتُّ فَأُغَلَّ فَأُدْفَعَ إِلَى رَبِّي مَغْلُولا كَمَا يُدْفَعُ الْعَبْدُ الآبِقُ إِلَى مَوْلَاهُ.
وَرَفَعَ رَأْسَهُ فِي السَّمَاءِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا لِبَطْنٍ وَلَا فَرْجٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: مَا كَانَ لِمَالِكٍ إِلَّا دِرْهَمَانِ.
دِرْهَمٌ لِوَرَقَةِ كَاغِدٍ , وَدِرْهَمٌ يَشْتَرِي بِهِ خُوصًا يَعْمَلُ بِهِ، وَكَانَ أَدَمُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِلْحًا بِفِلْسَيْنِ.
وَكَانَ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ فَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَجْرِ أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْمُصْحَفَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَقَالَ: أَعْطَى الْبَقَّالَ كُلَّ شَهْرٍ دِرْهَمًا وَدَانِقَيْنِ فَأَخَذَ مِنْهُ سِتيِّنَ رَغِيفًا لِكُلِّ لَيْلَةٍ رَغِيفَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَبَارَكِ: وَقَعَ حَرِيقٌ بِالْبَصْرَةِ، فَأَخَذَ مَالِكٌ الْمَصَاحِفَ وَأَخَذَ طَرَفَ كِسَائِهِ يَجُرُّهُ وَقَالَ: هَلَكَ أَصْحَابُ الأَثْقَالِ.
وَقَالَ مَالِكٌ قَالَ عِيسَى ﵇: خَشْيَةُ اللَّهِ وَحُبُّ الْفِرْدَوْسِ يُبَاعِدَانِ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَيُوَرِّثَانِ الصَّبْرَ عَلَى الْمَشَقَّةِ، وَإِنَّ أَكْلَ الشَّعِيرِ، وَالنَّوْمَ عَلَى الْمَزَابِلِ مَعَ الْكِلَابِ لَقَلِيلٌ فِي طَلَبِ الْفِرْدَوْسِ.
стр. 919
وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ جُنَّ مَالِكٌ لَلَبِسْتُ الْمَسُوحَ وَوَضَعْتُ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِي أُنَادِي فِي النَّاسِ مَنْ رَآنِي فَلَا يَعْصِي رَبَّهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ جَلِيسٍ لَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُ خَيْرًا فَاجْتَنِبْهُ.
وَقَالَ: إِذَا تَعَلَّمَ الْعَبْدُ الْعِلْمَ لِيَعْمَلَ بِهِ كَسَرَهُ عِلْمُهُ، وَإِذَا تَعَلَّمَهُ لِغَيْرِ الْعَمَلِ زَادَهُ فَخْرًا.
وَدَخَلَ يَوْمًا دَارَ الْخَرَاجِ يَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْكِبَارِ قَدْ وَضَعَ الْكَبْلَ فِي رِجْلِهِ، فَبَيْنَا هُوَ يَنْظُرُ إِذْ أَتَى بِطَعَامِهِ فَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ مَالِكٌ يَتَعَجَّبُ مِنْ أَكْلِهِ وَمِمَّا هُوَ.
فَقَالَ لَهُ: تَعَالَ كُلْ يَا أَبَا يَحْيَى , قَالَ: أَخَافُ إِنْ أَكَلْتُ مِثْلَ هَذَا أَنْ يُوضَعَ فِي رِجْلِي مِثْلَ هَذَا.
وَقَالَ مَالِكٌ لَا وَالْمُنَافِقُ حَتَّى يَصْطَلِحَ الذِّئْبُ وَالْحَمَلُ.
وَقَالَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ اللُّؤْلُؤَةِ أَيْنَمَا كَانَتْ كَانَ حُسْنُهَا مَعَهَا يَصْطَلِحُ الْمُؤْمِنُ وقَالَ: كَانَ الأَبْرَارُ يَتَوَاصَوْنَ بِثَلَاثٍ: سَجْنُ اللِّسَانِ، وَكَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ، وَالْعُزْلَةُ.
وَقَالَ: مَا مِنْ خَطِيبٍ يَخْطُبُ إِلَّا عُرِضَتْ خُطْبَتُهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا صَدَقَ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا قُرِضَتْ شَفَتَاهُ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، كُلَّمَا قُرِضَتَا نَبَتَتَا.
стр. 920
وَقَالَ: أَتَتْ عَلَى رَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ أَتَى بَعْدَهَا فَقِيلَ لَهُ: أَتُحِبُّ الْمَوْتَ؟ فَقَالَ: وَاحُزْنَاهُ مَنْ يُحِبّ أَنْ يُفَارِقَ هَذَا النَّسِيمَ.
فَقَالُوا: مَاتَ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
مُؤَمِّلُ دُنْيَا لِتَبْقَى لَهُ ... فَمَاتَ الْمُؤَمِّلُ قَبْلَ الأَمَلْ
يُرَبِّي فَسِيلا وَيُعْنَى بِهِ ... فَعَاشَ الْفَسِيلُ وَمَاتَ الرَّجُلْ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ عَدُوًّا يَرَاكَ وَلَا تَرَاهُ لَشَدِيدُ الْمُؤَنَةِ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَثَلُ قُرَّاءِ هَذَا الزَّمَانِ مَثَلُ مَرَقَةِ الطَّبَّاخِينَ، رِيحُهَا طَيِّبَةٌ وَلَيْسَ لَهَا طَعْمٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَأَنْ يَرُدَّ الرَّجُلُ دِرْهَمًا مِنْ حَرَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ أَلْفٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا رَأَيْتَ قَسَاوَةً فِي قَلْبِكَ وَوَهَنًا فِي بَدَنِكَ وَحِرْمَانًا فِي رِزْقِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ.
وَقَالَ: مَا ضُرِبَ الْعَبْدُ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ.
وَقَالَ:
стр. 921
أَتَيْتُ الْقُبُورَ فَنَادَيْتُهَا ... أَيْنَ الْمُعَظَّمُ وَالْمُحْتَقَرْ
وَأَيْنَ الْمُلَبِّي إِذَا مَا دَعَا ... وَأَيْنَ الْعَزِيزُ إِذَا مَا افْتَخَرْ
وَأَيْنَ الْمُدِلُّ بِسُلْطَانِهِ ... وَأَيْنَ الْقَوِيُّ إِذَا مَا قَدرْ
فَأَجَابَ هَاتِفٌ:
تَفَانَوا جَمِيعًا فَمَا مُخْبِرٌ ... وَمَاتُوا جَمِيعًا وَمَاتَ الْخَبَرْ
تَرُوحُ وَتَغْدُو بَنَاتُ الثَّرَى ... فَتَمْحُوا مَحَاسِنَ تِلْكَ الصُّوَرْ
فَيَا سَائِلِي عَنْ أُنَاسٍ مَضَوْا ... أَمَالَكَ فِيمَا تَرَى مُعْتَبَرْ
وَجَعَلَ يَقُولُ: أُفٍّ لِلدُّنْيَا وَطَلَبِهَا.
ذِكْرُ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ ﵁
تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ، قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: الْقُرَّاءُ ثَلَاثَةٌ: فَقَارِئٌ لِلرَّحْمَنِ، وَقَارِئٌ لِلدُّنْيَا، وَقَارِئٌ لِلْمُلُوكِ إِذَا لَقُوا الْمُلُوكَ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ مِنْ قُرَّاءِ الرَّحْمَنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: إِذَا أَقْبَلَ الْعَبْدُ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ أَقْبَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 922
وَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: قَرِيبًا أَجَلِي، بَعِيدًا أَمَلِي، سَيِّئًا عَمَلِي.
وَقَالَ: الْقُرْآنُ بُسْتَانُ الْعَارِفِينَ.
وَقَالَ: لَوْ كَانَ يُوجَدُ لِلذُّنُوبِ رِيحٌ مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَدْنُوا مِنِّي لِنَتَنِ رِيحِي.
وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ وَاسِعٍ يَعْرِضُ حِمَارًا لَهُ عَلَى الْبَيْعِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَتَرْضَاهُ لِي؟ قَالَ: لَوْ رَضِيتُهُ لَمْ أَبِعْهُ.
وَقَالَ: مَنْ مَقَتَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ مَقْتِهِ.
وَقَالَ: لَقَضْمُ الْقَصَبِ، وَسَفُّ التُّرَابِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنُوِّ مِنَ السُّلْطَانِ.
وَقَالَ: أَرْبَعَةٌ يُمِتْنَ الْقَلْبَ: الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ، وَكَثْرَةُ مُثَافَنَةِ النِّسَاءِ وَحَدِيثُهُنَّ، وَمُلَاحَاةُ الْأَحْمَقِ تَقُولُ لَهُ وَيَقُولُ لَكَ، وَمُجَالَسَةُ الْمَوْتَى.
قِيلَ: وَمَا الْمَوْتَى؟ قَالَ: كُلُّ غَنِيٍّ مُتْرَفٍ وَسُلْطَانٍ جَائِرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ: رَأَيْتُ فِي يَدِ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ قُرْحَةً، فَكَأَنَّهُ قَدْ
стр. 923
رَأَى مَا قَدْ شَقَّ عَلَيَّ مِنْهَا.
فَقَالَ لِي: مَا تَدْرِي مَاذَا لِلَّهِ عَلَيَّ فِي هَذِهِ الْقُرْحَةِ مِنْ نِعْمَةٍ، فَسَكَتُّ فَقَالَ: حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْهَا فِي حَدَقَتِي وَلَا عَلَى لِسَانِي وَلَا عَلَى طَرَفِ ذَكَرِي.
قَالَ: فَهَانَتْ عَلَيَّ قُرْحَتُهُ.
وَقَالَ وَكِيعٌ: أُرِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ عَلَى الْقَضَاءِ فَأَبَى فَعَاتَبَتْهُ امْرَأَتُهُ وَقَالَتْ: لَكَ عِيَالٌ وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ، قَالَ: مَا دُمْتِ تَرَيْنِي أَصْبِرُ عَلَى الْخَلِّ وَالْبَقْلِ فَلَا تَطْمَعِي فِي هَذَا مِنِّي.
وَقَالَ بِلَالُ بْنُ أَبِي بَرْدَةَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ: مَا تَقُولُ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ؟ قَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِبَادَهُ عَنْ قَضَاءِهِ وَقَدَرِهِ، إنما يسأل عَنْ أَعْمَالِهِمْ.
стр. 924
ذِكْرُ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرَانَ ﵁
تَابِعِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ قِيلَ لِمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: مَالَكَ لَا يُفَارِقُكَ أَخٌ لَكَ عَنْ قِلًى؟ قَالَ: إِنِّي لَا أُمَارِيهِ وَلَا أُشَارِيهِ.
وَقَالَ لَا تُمَارِيَنَّ عَالِمًا وَلَا جَاهِلًا، فَالْعَالِمُ يَخْزُنُ عَنْكَ عِلْمَهُ إِنْ مَارَيْتَهُ، وَالْجَاهِلُ يُخَشِّنُ صَدْرَكَ.
وَقَالَ: لَا تَبْلُوَنَّ نَفْسَكَ بِثَلَاثٍ لَا تَدْخُلْ عَلَى السُّلْطَانِ، وَإِنْ قُلْتَ: آمُرُهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا تَدْخُلْ عَلَى امْرَأَةٍ وَإِنْ قُلْتَ: أُعَلِّمُهَا كِتَابَ اللَّهِ، وَلَا تُصْغِيَنَّ سَمْعَكَ لِذِي هَوًى فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى يَعْلَقُ بِقَلْبِكَ مِنْهُ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] .
وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ:
стр. 925
﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: ٢١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] .
الْتَمِسُوا لِهَذَيْنِ الرَّصِيدَيْنِ جَوَابًا.
وَقَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ فِي عَمَلِهِ، فَإِنَّهُ قَادِمٌ عَلَى عَمَلِهِ كَائِنًا مَا كَانَ.
وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ اجْعَلُوا نَشَاطَكُمْ وَشَبَابَكُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، يَا مَعْشَرَ الشُّيُوخِ حَتَّى مَتَى؟ ! وَقَالَ: لَأَنْ أَتَصدقَ فِي حَيَاتِي بِدِرْهَمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُتَصَدَّقَ عَنِّي بَعْدَ مَوْتِي بِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى قَضَاءِ الْجَزِيرَةِ وَخَرَاجِهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَيْمُونٌ يَسْتَعْفِيهِ وَقَالَ: كَلَّفْتَنِي مَا لَا أُطِيقُ، أَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ وَأَجْبِي الْخَرَاجَ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَعِيفٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ، اجْبِ مِنَ الْخَرَاجِ الطَّيِّبِ، وَاقْضِ مَا اسْتَبَانَ لَكَ، فَإِنِ الْتَبَسَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فَارْفَعْ إِلَيَّ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ كَانُوا إِذَا كَبُرَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ تَرَكُوهُ مَا قَامَ دِينٌ وَلَا دُنْيَا.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرَانَ: أَدْرَكْتُ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَمْلَأُ عَيْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَرْقًا مِنْ رَبِّهِ .
وَقَالَ وَالْكَافِرُ فِيهِنَّ سَوَاءٌ: الْأَمَانَةُ تُؤَدِّيهَا إِلَى مِنِ ائْتَمَنَكَ عَلَيْهَا مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ: ثَلَاثٌ الْمُؤْمِنُ
стр. 926
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] .
وَالْعَهُدَ تَفِي بِهِ لِمَنْ عَاهَدْتَ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ.
وَقَالَ: فِي الْمَالِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مِنْ طَيِّبٍ، وَأَنْ تُؤَدِّي الْحُقُوقَ مِنْهُ الَّتِي فِيهِ، وَلَا تُسْرِفْ فِي النَّفَقَةِ وَلَا تُقَتِّرْ.
وَقَالَ: اللِّسَانُ بِمَنْزِلَةِ السَّبْعِ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ فَخَلَيْتَ سَبِيلَهُ، فَقَدْ خَلَّيْتَ سَبْعَكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ فُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ: سَأَلْتُ مَيْمُونَ بْنَ مَهْرَانَ فَقُلْتُ: أَعَلِيٌّ أَفْضَلُ عِنْدَكُمْ أَمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟ قَالَ: فَارْتَعَدَ حَتَّى سَقَطَتْ عَصَاهُ مِنْ يَدِهِ , ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَبْقَى إِلَى زَمَانٍ يَعْدِلُ بِهِمَا، كَانَا رَأْسَ الْإِسْلَامِ وَرَأْسَ الْجَمَاعَةِ فَقُلْتُ: أَبُو بَكْرٍ كَانَ أَوَّلَ إِسْلَامًا أَمْ عَلِيٌّ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ آمَنَ أَبُو بَكْرٍ زَمَنَ بَحِيرَةَ الرَّاهِبِ حِينَ مَرَّ بِهِ، وَاخْتَلَفَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَدِيجَةَ حَتَّى أَنْكَحَهَا إِيَّاهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ عَلِيٌّ ﵄.
стр. 927
ذِكْرُ مُوَرَّقٍ الْعَجْلِيُّ تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ ﵁
قَالَ يَزِيدُ الشَّنِّيُّ قَالَ مُوَرَّقٌ: إِنِّي لَقَلِيلُ الْغَضَبِ وَأَقَلُّ مَا غَضِبْتُ، فَأَقُولُ فِي غَضَبِي شَيْئًا نَدِمْتُ عَلَيْهِ إِذَا رَضِيتُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ قَسْوَةَ قَلْبِي، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصُومَ وَأُصَلِّيَ فَقَالَ: إِذَا عَنِ الْخَيْرِ فَاضْعُفْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنِّي أَفْرَحُ بِالنَّوْمَةِ أَنَامُهَا.
وَقَالَ عَاصِمٌ: كَانَ مُوَرَّقٌ يَجِدُ نَفَقَتَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ.
وَقَالَ مُوَرَّقٌ: وَتَعَلَّمْتُ الصَّمْتَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً، وَلَقَدْ سَأَلْتُ اللَّهَ حَاجَةً مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَمَا أَعْطَيْتُهَا وَمَا يَئِسْتُ مِنْهَا، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أَنْ لَا أَقُولَ مَا لَا يَعْنِينِي.
стр. 928
ذِكْرُ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ ﵁
قَالَ مَيْمُونُ بْنُ أَبِي شَبِيبٍ: أَرَدْتُ الْجُمُعَةَ زَمَنَ الْحَجَّاجِ فَتَهَيَّأْتُ لِلذَّهَابِ ثُمَّ قُلْتُ: أَيْنَ أَذْهَبُ؟ أُصَلِّي خَلْفَ هَذَا.
فَقُلْتُ مَرَّةً: أَذْهَبُ، وَقُلْتُ مَرَّةً لَا أَذْهَبُ، قَالَ: فَأُجْمِعَ رَأْيِي عَلَى الذَّهَابِ فَنَادَانِي مُنَادٍ مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] .
قَالَ: فَذَهَبْتُ.
وَقَالَ: وَجَلَسْتُ مَرَّةً أَكْتُبُ كِتَابًا قَالَ: فَعَرَضَ لِي شَيْءٌ إِنْ أَنَا كَتَبْتُهُ فِي كِتَابِي زَيَّنَ كِتَابِي وَكُنْتُ قَدْ كَذَبْتُ، وَإِنْ أَنَا تَرَكْتُهُ كَانَ فِي كِتَابِي بَعْضُ الْقُبْحِ وَكُنْتُ قَدْ صَدَقْتُ، قَالَ: فَقُلْتُ مَرَّةً: أَكْتُبُهُ، وَقُلْتُ مَرَّةً لَا أَكْتُبُهُ، قَالَ: فَأُجْمِعَ رَأْيِي عَلَى تَرْكِهِ فَنَادَانِي مُنَادٍ مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
стр. 929
ذِكْرُ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ ﵀ شَامِيٌّ
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ، فِي كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَسَّالُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْخَرَاجِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنِ طَحْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي خَبِيبٍ، عَنْ أَبِي زَيْنَبَ , قَالَ: " كَانَ مُغِيثُ بْنُ سُمَيٍّ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، مُجْتَهِدًا، عَزَّاءً، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي إِلَى جَانِبِ سَارِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ قَالَ: حَتَّى الْمَمَاتِ، قَالَ: عَرَضَ لِيَ الْخَبِيثَ، يَعْنِي إِبْلِيسُ لعَنَهُ اللَّهُ، فَقَالَ لِي: إِلَى مَتَى أَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا؟ قَدْ غَزَوْتَ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَفَعَلْتُ.
فَقُلْتُ: حَتَّى الْمَمَاتِ، حَتَّى الْمَمَاتِ ".
انْتَهَى
стр. 930
بَابُ النُّونِ
ذِكْرُ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ الْقُرَشِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ , وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ , كَانَ يَحُجُّ مَاشِيًا , وَنَاقَتُهُ تُقَادُ , تُوُفِّي فِي وِلايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ﵁.
ذِكْرُ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁
مَدَنِيٌّ، يَرْوِي عَنْ عُمَرَ , وَأَبِي سَعِيدٍ.
стр. 931
ذِكْرُ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ
مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: الْمُجْمِرُ لأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْمِجْمَرَ قُدَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَزِمَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرُ , أَبَا هُرَيْرَةَ , عِشْرِينَ سَنَةً.
ذِكْرُ نُمَيْرِ بْنِ أَوْسٍ شَامِيٍّ ﵁
يَرْوِي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁.
وَلاهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقَضَاءَ , ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ يَسْتَعْفِيهِ , وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ , فَقَالَ هِشَامٌ: مَنْ لِقَضَاءِ الْجُنْدِ؟ فَقَالُوا: يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ , فَأَمَرَ بِعَهْدِهِ فَكَتَبَ وَوَلاهُ الْقَضَاءَ بَعْدَهُ , مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ﵁.
стр. 932
ذِكْرُ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ﵁
تَابِعِيٍّ يَمَنِيٍّ، قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «كَفَى لِلْعَبْدِ مَالا , إِذَا كَانَ عَبْدِي فِي طَاعَتِي أُعْطِيهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْأَلَنِي، وَأَسْتَجِيبُ لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْعُوَنِي , فَإِنِّي أَعْلَمُ بِحَاجَتِهِ مِنْ نَفْسِهِ» .
وَقَالَ: وَجَدْتُ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ: أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يُكَابِدْ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُؤْمِنٍ عَاقِلٍ , مُكَابَدَتُهُ إِيَّاهُ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جَاهِلٍ , وَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَسْتَزِلَّ الْمُؤْمِنَ الْعَاقِلَ قَالَ: يَا وَيْلَهُ، مَالَهُ وَلِهَذَا لا حَاجَةَ لِي بِهَذَا , وَلا طَاقَةَ لِي بِهِ , فَيَرْفُضَهُ وَيَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَاهِلِ فَيَسْتَمْكِنَ مِنْ قِيَادِهِ حَتَّى يُسْلِمَهُ إِلَى الْفَضَائِحِ , وَإِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَسْتَوِيَانِ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أَوْ أَبْعَدَ، إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْقَلَ مِنَ الآخَرِ.
وَقَالَ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي تُذَكِّرَ بِي وَتَنْسَانِي، وَتَدْعُوا إِلَيَّ وَتَفِرُّ مِنِّي , خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ ,
стр. 933
وَشَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ , فَلا يَزَالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ , يَصْعَدُ إِلَيَّ مِنْكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ , يَا ابْنَ آدَمَ، مَا تَكُونُ إِلَيَّ وَأَقْرَبُ مَا تَكُونَ مِنِّي إِذَا كُنْتَ رَاضِيًا بِمَا قَسَمْتُ لَكَ , أَبْغَضُ مَا تَكُونَ إِلَيَّ وَأَبْعَدُ مَا تَكُونَ مِنِّي إِذَا كُنْتَ سَاخِطًا بِمَا قَسَمْتُ لَكَ.
يَا بْنَ آدَمَ، أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ، وَلا تُعْلِمْنِي مَا يُصْلِحُكَ , إِنِّي عَالِمٌ بِخَلْقِي , إِنَّمَا أُكْرِمُ مَنْ أَكْرَمَنِي , وَأُهِينُ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ أَمْرِي , لَسْتُ بِنَاظِرٍ فِي حَقِّ عَبْدِي , حَتَّى يَنْظُرَ الْعَبْدُ فِي حَقِّي.
وَقَالَ وَهْبٌ: لَقِيَ رَجُلٌ رَاهِبًا، فَقَالَ: يَا رَاهِبُ، كَيْفَ صَلاتُكَ؟ فَقَالَ الرَّاهِبُ: لا أَحْسِبُ أَحَدًا سَمِعَ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لا يُصَلِّي فِيهَا , قَالَ كَيْفَ ذِكْرُكَ الْمَوْتَ؟ قَالَ: مَا أَرْفَعُ قَدَمًا وَلا أَضَعُ أُخْرَى إِلا رَأَيْتُ أَنِّي مَيِّتٌ.
فَقَالَ الرَّاهِبُ: كَيْفَ صَلاتُكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ؟ قَالَ: إِنِّي لأُصَلِّي وَأَبْكِي حَتَّى يَنْبُتَ الْعُشْبَ مِنْ دُمُوعِ عَيْنِي.
فَقَالَ الرَّاهِبُ لِلرَّجُلِ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ تَضْحَكَ وَأَنْتَ مُعْتَرِفٌ بِخَطِيئَتِكَ خَيْرًا لَكَ مِنْ أَنْ تَبْكِي وَأَنْتَ مُدِلٌّ بِعَمَلِكَ , فَإِنَّ الْمُدِلَّ لا يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ , فَقَالَ الرَّجُلُ لِلرَّاهِبِ: فَأَوْصِنِي فَإِنِّي أَرَاكَ حَكِيمًا.
قَالَ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا وَلا تُنَازِعْ أَهْلَهَا فِيهَا , وَكُنْ فِيهَا كَالنَّحْلِ إِنْ أَكَلْتَ أَكَلْتَ طَيِّبًا , وَإِنْ وَضَعْتَ وَضَعْتَ طَيِّبًا , وَإِنْ وَقَعْتَ عَلَى عُودٍ لَمْ تَكْسَرْهُ , وَانْصَحْ لِلَّهِ نُصْحَ الْكَلْبِ لأَهْلِهِ يُجِيعُونَهُ وَيَطْرُدُونَهُ , وَيَأْبَى إِلا أَنْ يَنْصَحَ لَهُمْ.
وَكَانَ وَهْبٌ إِذَا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: وَاسَوْأَتَاهُ إِذَا كَانَ الْكَلْبُ أَنْصَحَ لأَهْلِهِ مِنْكَ.
стр. 934
وَقَالَ وَهْبٌ: إِنَّ أَمَسَّ شَاهِدٍ مَقْبُولٌ , وَأَمِينٌ مُؤَدٍّ قَدْ فَجَعَكَ بِنَفْسِهِ , وَخَلَفَ فِيكَ حِكْمَتَهُ , وَالْيَوْمَ صَدِيقٌ مُوَدِّعٌ , كَانَ طُوَالَ الْغَيْبَةِ وَهُوَ سَرِيعُ الظَّعْنِ وَالأَوْبَةِ , وَأَمَّا الْغَدُ فَلا تَأْمَنُهُ , فَمَا الطَّمَعُ فِيمَا لا يُرْتَجَى , وَمَا الْحِيلَةُ لِرَدِّ مَا قَدْ ذَهَبَ.
وَقَالَ وَهْبٌ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ مُنَادِيًا يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ كُلَّ صَبَاحٍ أَبْنَاءَ الأَرْبَعِينَ زَرْعٌ: قَدْ دَنَا حَصَادُهُ , أَبْنَاءَ الْخَمْسِينَ: مَاذَا قَدَّمْتُمْ، وَمَاذَا أَخَّرْتُمْ , أَبْنَاءَ السِّتِّينَ: لا عُذْرَ لَكُمْ , لَيْتَ الْخَلْقَ لَمْ يُخْلَقُوا , وَإِذَا خُلِقُوا عَلِمُوا لِمَ خُلِقُوا , قَدْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ خُذُوا حِذْرَكُمْ.
وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ عَصَى اللَّهَ مِائَتَيْ سَنَةٍ ثُمَّ مَاتَ، فَأَخَذُوا أَرْجُلَهُ فَأَلْقَوْهُ عَلَى مَزْبَلَةٍ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى ﵇ أَنِ اخْرُجْ فَصَلِّ عَلَيْهِ، قَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَهِدُوا أَنَّهُ عَصَاكَ مِائَتَيْ سَنَةٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ.
هَكَذَا كَانَ، إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا نَشَرَ التَّوْرَاةَ وَنَظَرَ إِلَى اسْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ، فَشَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، وَغَفَرْتُ ذُنُوبَهُ وَزَوَّجْتُهُ سَبْعِينَ حَوْرَاءَ.
قَالَ: وَقَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ احْبِسْ عَنِّي كَلَامَ النَّاسِ.
فَقَالَ اللَّهُ : «لَوْ فَعَلْتُ هَذَا بِأَحَدٍ لَفَعَلْتُ بِي» .
стр. 935
وَقَالَ وَهْبٌ لِعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ: وَيْحَكَ تَحْمِلُ عِلْمَكَ إِلَى أَبْوَابِ الْمُلُوكِ وَأَبْنَاءِ الدُّنْيَا، أَتَأْتِي مَنْ يُغْلِقُ عَلَيْكَ بَابَهُ، وَيُظْهِرُ الْفَقْرَ وَيُوَارِي عَنْكَ غِنَاهُ، وَتَدَعُ مَنْ يَفْتَحُ لَكَ بَابَهُ وَيَقُولُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
وَيْحَكَ ارْضَ بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَةِ، وَلَا تَرْضَ بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيَا، وَيْحَكَ إِنْ كَانَ يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ، فَإِنَّ أَدْنَى مَا فِي الدُّنْيَا يَكْفِيكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُغْنِيكَ مَا يَكْفِيكَ فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يَكْفِيكَ، إِنَّمَا بَطْنُكَ بَحْرٌ مِنَ الْبُحُورِ وَوَادٍ مِنَ الْأَوْدِيَةِ لَا يَمْلَأُهُ شَيْءٌ إِلَّا التُّرَابُ.
وَقَالَ وَهْبٌ: أَوْثَقُ مَا يُضِلُّ بِهِ الشَّيْطَانُ ابْنَ آدَمَ ثَلَاثَةٌ: الشُّحُّ , وَالْحِدَّةُ , وَالسُّكْرُ.
وَقَالَ وَهْبٌ: قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ أَيُّ عِبَادِكَ أَشْقَى؟ قَالَ: " مَنْ لَا تَنْفَعَهُ مَوَاعِظُهُ وَلَا يَذْكُرُنيِ إِذَا خَلَا.
قَالَ: أَيُّ عِبَادِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: " الَّذِينَ يَعُودُونَ الْمَرْضَى، وَيُشَيِّعُونَ الْهَلْكَى، وَيُعَزُّونَ الثَّكْلَى.
وَقَالَ: قَالَ عَابِدٌ لِآخَرَ: أَعْجَبُ مِنْ فُلَانٍ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ عِبَادَتِهِ وَمَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا فَقَالَ: لَا تَعْجَبْ وَلَكِنِ اعْجَبْ مِمَّنِ اسْتَقَامَ.
стр. 936
وَقَالَ وَهْبٌ: قَالَ إِبْلِيسُ لِعِيسَى ﵇: إِنَّكَ تُحْيِي الْمَوْتَى، فَإِنْ كُنْتَ كَمَا تَقُولُ فَثِبْ مِنْ هَذَا الْجَبَلِ، يَعْنِي جَبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْقَاكَ قَالَ: إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ لَا أُجَرِّبَ بِنَفْسِي، فَلَا أَدْرِي هَلْ يُسْلِمُنِي أَمْ لَا.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قُلْتُ لِوَهْبٍ: كَيْفَ تَرَى الرُّؤْيَا فَتُخْبِرُنَا بِهَا فَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ تَرَاهَا؟ قَالَ: ذَهَبَ ذَلِكَ عَنِّي مُنْذُ وَلِيتُ الْقَضَاءَ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثْتُ بِهِ مَعْمَرًا , فَقَالَ: وَالْحَسَنُ بَعْدَ مَا وَلِيَ الْقَضَاءَ لَمْ يَحْمَدُوا فَهْمَهُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵇ أَلْفُ بَيْتٍ أَعْلَاهُ قَوَارِيرُ، وَأَسْفَلُهُ حَدِيدٌ، فَرَكِبَ الرِّيحَ يَوْمًا فَمَرَّ بِحَرَّاثٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْحَرَّاثُ , فَقَالَ: لَقَدْ أُوتِيَ آلُ دَاوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا، فَحَمَلَتِ الرِّيحُ كَلَامَهُ فَأَلْقَتْهُ فِي أُذُنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: فَنَزَلَ حَتَّى أَتَى الْحَرَّاثَ , فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكَ، إِنَّمَا مَشَيْتُ إِلَيْكَ لِئَلَّا تَتَمَنَّى مَالَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، لَتَسْبِيحَةٌ وَاحِدَةٌ يَقْبَلُهَا اللَّهُ مِنْكَ خَيْرٌ مِمَّا أُوتِيَ آلُ دَاوُدَ , فَقَالَ الْحَرَّاثُ: أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ كَمَا أَذْهَبْتَ هَمِّي.
وَقَالَ وَهْبٌ: قَالَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇: «أَتَدْرِي لِمَ اتْخَذْتُكُ خَلِيلًا؟» قَالَ: لَا يَا رَبِّ.
قَالَ: «لِذُلِّ مَقَامِكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الصَّلَاةِ» .
стр. 937
وَقَالَ وَهْبٌ: قَالَ اللَّهُ: «يَا دَاوُدُ أَتَدْرِي مَنْ أَسْرَعُ النَّاسِ مَمَرًّا عَلَى الصِّرَاطِ؟ الَّذِينَ يَرْضَوْنَ بِحُكْمِي وَأَلْسِنَتُهُمْ رَطْبَةٌ مِنْ ذِكْرِي، هَلْ تَدْرِي أَيُّ الْفُقَرَاءِ أَفْضَلُ؟ الَّذِينَ يَرْضَوْنَ بِحُكْمِي وَقَسْمِي وَيْحَمُدونَنِي عَلَى مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ.
هَلْ تَدْرِي أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْظَمُ عِنْدِي مَنْزِلَةً؟ الَّذِي هُوَ بِمَا أُعْطِيَ أَشَدُّ فَرَحًا مِنْهُ بِمَا يُحْبَسُ» .
وَقَالَ وَهْبٌ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: ابْنَ آدَمَ احْتَلْ لِدِينِكَ فَإِنَّ رِزْقَكَ سَيَأْتِيكَ.
ذِكْرُ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، يَرْوِي عَنْ جَابِرٍ , وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄.
стр. 938
ذِكْرُ وَقَّاءِ بْنِ شُرَيْحٍ الصَّدَفِيِّ
مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، يَرْوِي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁.
بَابُ الْهَاءِ
ذِكْرُ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ بَصْرِيٌّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
ذِكْرُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
كَانَ وَرِعًا حَافِظًا مُتْقِنًا.
стр. 939
ذِكْرُ هَرِمِ بْنِ حَيَّانَ الْأَزْدِيِّ الْبَصْرِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
زَاهِدٌ أَدْرَكَ خِلَافَةَ عُمَرَ ﵁، رَوَى عَنِ الْحَسَنِ , وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ.
بَابُ لَامِ أَلَفٍ
ذِكْرُ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ , كُنْيَتُهُ أَبُو مُجْلِزٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، يَرْوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ , وَأَنَسٍ ﵄.
стр. 940
رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ , قَالَ: كَانَ أَبُو مُجْلِزٍ يَؤُمُّ بِالْحَيِّ فِي رَمَضَانَ وَكَانَ يَخْتُمُ فِي سَبْعٍ.
قَالَ أَبُو مُجْلِزٍ: أَكْيَسُ النَّاسِ أَشَدُّهُمْ حَذَرًا، وَقَالَ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقِيَامِ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْوَرَعُ.
وَقَالَ: إِنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ الْقُرْآنِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الْآيَةَ.
فَجَزَاؤُهُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُ فَعَلَ.
بَابُ الْيَاءِ
ذِكْرُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ مَدَنِيٌّ ﵁
اسْتَقْضَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ فَارْتَفَعَ شَأْنُهُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، مَاتَ بِالْعِرَاقِ.
стр. 941
ذِكْرُ يَحْيَى بْنِ مَعْمَرٍ بَصْرِيٌّ ﵀
كَانَ عَلَى الْقَضَاءِ بِمَرْوَ فِي وِلَايَةِ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، كَانَ مِنْ فُصَحَاءِ أَهْلِ زَمَانِهِ مَعَ الْوَرَعِ الشَّدِيدِ.
ذِكْرُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيِّ ﵁
سَاكِنُ الشَّامِ وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الْخُشَّنِ، اسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ , فَسُقِيَ.
رَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , أَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيِّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَلِيفِ الْجُرَشِيِّ، وَأَبَا أُسَيْدٍ الْفَزَارِيَّ، كَانُوا يَسِيرُونَ فِي أَرْضِ الرُّومِ، فِي السَّاقَةِ وَالْمُقَدِّمَةِ، فَسَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: أَبْشِرْ إِنَّكَ مِنَ السَّابِقِينَ، أَبْشِرْ
стр. 942
إِنَّكَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، أَبْشِرْ إِنَّكَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَمَا نَحْنُ بِكَاذِبِينَ، وَمَا زِلْنَا نَظُنُّ ذَلِكَ بِكَ مُذْ كُنْتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
قَالَ سَعِيدٌ: فَكَانَ الَّذِي سَمَعَ ابْنَ عَبْدِ الْحَلِيفِ، فَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ.
تَمَّتْ آخِرُ ذِكْرِ التَّابِعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَيَلِيهِ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ
стр. 943
أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ
стр. 944
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذِكْرُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ﵃
رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَنْشَأُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَتَفْشُو فِيهِمُ السِّمَنُ» .
بَابُ الْأَلِفِ
ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ الزَّاهِدُ ﵁
يَرْوِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، أَصْلُهُ مِنْ بَلْخٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْإِمَارَةَ وَانْطَلَقَ إِلَى الشَّامِ طَلَبًا لِلْحَلَالِ، فَأَقَامَ بِهَا غَازِيًا إِلَى أَنْ مَاتَ فِي بِلَادِ الرُّومِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ.
стр. 945
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ: قُلْتِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ كَيْفَ كَانَ بَدْأُ أَمْرِكَ حَتَّى صِرْتَ إِلَى مَا صِرْتَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: غَيْرَ ذَا أَوْلَى بِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: هُوَ كَمَا تَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنَا بِهَا يَوْمًا، فَسَأَلْتُهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ اشْتَغِلْ بِاللَّهِ، فَسَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: كَانَ أَبِي مِنْ أَهْلِ بَلْخٌ وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ مِنَ الْمَيَاسِيرِ، وَحَبَّبَ إِلَيْنَا الصَّيْدَ فَخَرَجْتُ رَاكِبًا فَرَسِي وَكَلْبَتِي مَعِي، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ ثَارَ أَرْنَبٌ أَوْ ثَعْلَبٌ، فَحَرَكْتُ فَرَسِي فَسَمِعْتُ نَدَاءً مِنْ وَرَائِي: لَيْسَ لِذَا خُلِقْتَ وَلَا بِذَا أُمِرْتَ، فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ يُمْنَةً وَيُسْرَةً فَلَمْ أَرَ أَحَدًا فَقُلْتُ: لَعَنَ اللَّهُ إِبْلِيسَ.
ثُمَّ حَرَّكْتُ فَرَسِي فَأَسْمَعُ نِدَاءً أَجْهَرُ مِنْ ذَلِكَ: يَا إِبْرَاهِيمُ لَيْسَ لِذَا خُلِقْتَ وَلَا بِذَا أُمرْتَ، فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ يُمْنَةً وَيُسْرَةً فَلَا أَرَى أَحَدًا فَقُلْتُ: لَعَنَ اللَّهُ إِبْلِيسَ، ثُمَّ حَرَّكْتُ فَرَسِي فَأَسْمَعُ نِدَاءً مِنْ قُرْبُوسِ سَرْجِي: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا لِذَا خُلِقْتَ وَلَا بِذَا أُمِرْتَ، فَوَقَفْتُ وَقُلْتُ: أُنْبِهْتُ أُنْبِهْتُ، جَاءَنِي نَذِيرٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَاللَّهِ لَا عَصَيْتُ اللَّهَ بَعْدَ يَوْمِي إِذَا مَا
стр. 946
عَصَمَنِي رَبِّي، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَخَلَيْتُ عَنْ فَرَسِي، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رُعَاةِ لِأَبِي , فَأَخَذْتُ مِنْ رَاعٍ جُبَّةً وَكِسَاءً وَأَلْقَيْتُ ثِيَابِي إِلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى الْعِرَاقِ.
أَرْضٌ تَرْفَعُنِي وَأَرْضٌ تَضَعُنِي حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَعَمِلْتُ بِهَا أَيَّامًا فَلَمْ يَصْفُ لِي مِنْهَا مِنَ الْحَلَالِ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ الْمَشَايِخِ عَنِ الْحَلَالِ فَقَالَ: إِذَا أَرَدْتَ الْحَلَالَ فَعَلَيْكَ بِبِلَادِ الشَّامِ فَصِرْتُ إِلَى مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا الْمَنْصُورَةُ، وَهِيَ الْمِصِّيصَةَ، فَعَمِلْتُ بِهَا أَيَّامًا فَلَمْ يَصْفُ لِي شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ الْمَشَايِخِ فَقَالُوا: إِنْ أَرَدْتَ الْحَلَالَ الصَّافِي فَعَلَيْكَ بِطُرْسُوسَ فَإِنَّ فِيهَا الْمُبَاحَاتِ وَالْعَمَلَ الْكَثِيرَ، فَتَوَجَّهْتُ إِلَى طُرْسُوسَ فَعَمِلْتُ بِهَا أَيَّامًا، أَنْطُرُ الْبَسَاتِينَ وَأَحْصُدُ الْحَصَادَ، فَبَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ جَاءَنِي رَجُلٌ فَاكْتَرَانِي أَنْطُرُ لَهُ بُسْتَانَهُ، فَكُنْتُ فِي الْبُسْتَانِ أَيَّامًا كَثِيرَةً، فَإِذَا أَنَا بِخَادِمٍ قَدْ أَقْبَلَ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَعَدَ فِي مَجْلِسِهِ ثُمَّ صَاحَ: يَا نَاطُورُ , فَقُلْتُ: هُوَ ذَا أَنَا؟ فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنَا بِأَكْبَرِ رُمَّانٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَطْيَبِهِ فَذَهَبْتُ فَأَتَيْتُهُ بِأَكْبَرِ رُمَّانٍ فَأَخَذَ رُمَّانَةً فَكَسَرَهَا فَوَجَدَهَا حَامِضَةً فَقَالَ لِي: يَا نَاطُورُ أَنْتَ فِي بُسْتَانِنَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا وَتَأْكُلُ مِنْ رُمَّانِنَا لَا تَعْرِفُ الْحُلْوَ مِنَ الْحَامِضِ , قُلْتُ:
стр. 947
وَاللَّهِ مَا أَكَلْتُ مِنْ فَاكِهَتِكَ شَيْئًا وَمَا أَعْرِفُ الْحُلْوَ مِنَ الْحَامِضِ، فَأَشَارَ الْخَادِمُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ كَلَامَ هَذَا؟ ثُمَّ قَالَ لِي: أَتُرَاكَ لَوْ أَنَّكَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ زَادَ عَلَى هَذَا فَانْصَرَفَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ ذُكِرَ صِفَتِي فِي الْمَسْجِدِ فَعَرَفَهَا بَعْضُ النَّاسِ، فَجَاءَ الْخَادِمُ وَمَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قَدْ أَقْبَلَ مَعَ أَصْحَابِهِ اخْتَفَيْتُ خَلْفَ الشَّجَرِ وَالنَّاسُ دَاخِلُونَ فَاخْتَلَطَ مَعَهُمْ وَهُمْ دَاخِلُونَ وَأَنَا هَارِبٌ، فَهَذَا كَانَ أَوَائِلَ أمَرْيِ وَخُرُوجِي مِنْ طُرْسُوسَ إِلَى بِلَادِ الرِّمَالِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا هُوَ عَلَى فَرَسِهِ يَرْكُضُهُ إِذْ سَمِعَ صَوْتًا مِنْ فَوْقِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا هَذَا الْعَبَثُ؟ : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] .
اتَّقِ اللَّهَ وَعَلَيْكَ بِالزَّادِ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَنَزَلَ مِنْ دَابَّتِهِ وَرَفَضَ الدُّنْيَا وَأَخَذَ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شِمَاسٍ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ , يَقُولُ: كَانَ أَدْهَمُ رَجُلًا صَالِحًا فَوَلَدَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ بِمَكَّةَ فَرَفَعَهُ فِي خِرْقَةٍ وَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ بِهِ أُولَئِكَ الْعُبَّادَ وَالزُّهَّادَ وَيَقُولُ: ادْعُوا اللَّهَ لَهُ، فَيَرَى أَنَّهُ قَدِ اسْتُجِيبَ لِبَعْضِهِمْ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ: رَحِمَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ لَقَدْ رَأَيْتُهُ بِخُرَاسَانَ إِذَا
стр. 948
رَكِبَ حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ شَاكِرِينَ، وَلَكِنَّهُ ﵀ طَلَبَ بَحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
ذِكْرُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْفَسَوِيِّ فِي كِتَابِ الطَّبَقَاتِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُسْتَمْلِي، حَدَّثَنَا ابْنُ تَمِيمٍ , قَالَ " قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ: مُنْذُ كَمْ أَنْتَ بِالشَّامِ؟ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَا أَتَيْتُهَا لِرِبَاطٍ، يَعْنِي الْغَزْوَ، قُلْتُ: فَلِمَ، قَالَ: لِأَشْبَعَ مِنْ خُبْزِ الْحَلَالِ
стр. 949
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بِدِمَشْقَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفُ الْهَرَوِيُّ، إِبْرَاهِيمُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْفُرَجِيُّ مِنْ كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَلَفَ بْنَ تَمِيمٍ , قَالَ: مَا رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ إِلَّا ذَكَرْتُ اللَّهَ وَرَقّ قَلْبِي.
قَالَ وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّرَّابُ بِمِصْرَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ الْمَرْعِشِيُّ: قَدِمَ شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ مَكَّةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ بِمَكَّةَ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَقَالُوا: نَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، فَجَمَعُوا بَيْنَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ لِشَقِيقٍ: يَا شَقِيقُ عَلَى مَاذَا أَصَّلْتُمْ أُصُولَكُمْ؟ فَقَالَ شَقِيقٌ: أَصَّلْنَا أُصُولَنَا أَنَّا إِذَا رُزِقْنَا أَكَلْنَا، وَإِذَا مُنِعْنَا صَبَرْنَا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: هَكَذَا كِلَابُ بَلْخٍ.
إِذَا رُزِقَتْ أَكَلَتْ وَإِذَا مُنِعَتْ صَبَرَتْ.
فَقَالَ شَقِيقٌ: فَعَلَى مَاذَا أَصَّلْتُمْ أُصُولَكُمْ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ: أَصَّلْنَا أُصُولَنَا عَلَى أَنَّا إِذَا رُزِقْنَا آثَرْنَا، وَإِذَا مُنِعْنَا حَمِدْنَا وَشَكَرْنَا.
فَقَامَ شَقِيقٌ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَنْتَ أُسْتَاذُنَا.
قَالَ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقْيَةُ , قَالَ " كُنَّا مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ فِي الْبَحْرِ فَلَعبَتْ بِهِمُ الرِّيحُ وَهَاجَتِ
стр. 950
الْأَمْوَاجُ وَاضَّطَرَبَتِ السَّفِينَةُ وَبَكَى النَّاسُ فَقُلْنَا لِإِبْرَاهِيمَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، مَا تَرَى مَا النَّاسُ فِيهِ؟ قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَدْ أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى الْهَلَكَةِ فَقَالَ: يَا حَيُّ حِينَ لَا حَيَّ، وَيَا حَيُّ قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ، وَيَا حَيُّ بَعْدَ كُلِّ حَيٍّ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا مُحْسِنُ يَا مُجْمِلُ، قَدْ أَرَيْتَنَا قُدْرَتَكَ فَأَرِنَا عَفْوَكَ، قَالَ: فَهَدَأَتِ السَّفِينَةُ مِنْ سَاعَتِهِ ".
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَامِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى الْأِنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ " خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَمَرَّ بِمَسْلَحَةٍ فَقَالُوا: عَبْدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: آبِقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبُوا بِهِ فَحَبَسُوهُ فِي السِّجْنِ بِطَبَرِيَّةَ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ عَبْدًا لَهُ آبِقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فِي مَسْلَحَةَ كَذَا قَدْ أَصَابُوا غُلَامًا آبِقًا وَهُوَ فِي السِّجْنِ بِطَبَرِيَّةَ، قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى السِّجْنِ فَإِذَا هُوَ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا تَصْنَعُ هَاهُنَا؟ قَالَ: أَنَا هَاهُنَا، مَا أَحْسَنَ مَكَانِي، قَالَ: فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عُنُقًا وَاحِدًا إِلَى أَمِيرِ طَبَرِيَّةَ، فَقَالُوا: إِبْرَاهِيمُ مَا يَصْنَعُ فِي حَبْسِكَ؟ قَالَ: مَا حَبَسْتُهُ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: لِمَ حُبِسْتَ؟ فَقَالَ: مَرَرْتُ بِمَسْلَحَةٍ،
следующие страницы →