للمرتهن ولا للراهن أهذه من يده، فإن هلك في يده هلك من ضمان المرتهن.
ويجوز رهن الدراهم والدنانير والمكيل والموزون، فإن رهنت بجنسها وهلكت هلكت بمثلها من الدين، وإن اختلفا في الجودة والصناعة.
ومن كان له دينٌ على غيره فأخذ منه مثل دينه فأنفقه ثم علم أنه كان زيوفاً فلا شيء له عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يرد مثل الزبوف ويرجع بالجياد،
ــ
للمرتهن ولا للراهن أخذه من يده) ؛ لتعلق حق الراهن في الحفظ بيده وأمانته، وتعلق حق المرتهن به استيفاء، فلا يملك أحدهما إبطال حق الآخر (فإن هلك) الرهن (في يده) : أي العدل (هلك من ضمان المرتهن) ؛ لأن يده في حق المالية يد المرتهن، وهي مضمونة. هداية.
(ويجوز رهن الدراهم والدنانير والمكيل والموزون) لأنها محل للاستيفاء (فإن رهنت) المذكورات (بجنسها وهلكت هلكت بمثلها من الدين، وإن اختلفا) : أي الرهن والدين (في الجودة والصناعة) ؛ لأنه لا عبرة بالجودة عند المقابلة بالجنس، وهذا عند الإمام، وعندهما يضمن القيمة من خلاف جنسها، وإن رهنت بخلاف جنسها هلكت بقيمتها كسائر الأموال.
(ومن كان له دين على غيره فأخذ منه مثل دينه فأنفقه) على زعم أنه جياد (ثم علم) بعد ما أنفقه (أنه كان زيوفاً فلا شيء له عند أبي حنيفة) لأنه وصل إليه مثل حقه قدراً، والدراهم لا تخلو عن زيف، والجودة لا قيمة لها (وقال أبو يوسف ومحمد: يرد مثل الزيوف ويرجع بالجياد) اعتباراً للمعادلة، قال الإسبيجاني: وذكر في الجامع الصغير قول محمد مع أبي حنيفة، وهو الصحيح، واعتمده النسفي، لكن قال فخر الإسلام: قولهما قياس، وقول أبي يوسف استحسان
стр. 282
ومن رهن عبدين بألف درهمٍ فقضى حصة أحدهما لم يكن له أن يقبضه حتى يؤدي باقي الدين.
وإذا وكل الراهن المرتهن أو العدل أو غيرهما ببيع الرهن عند حلول الدين فالوكالة جائزةٌ، فإن شرطت في عقد الرهن فليس للراهن عزله عنها، فإن عزله لم ينعزل، وإن مات الراهن لم ينعزل.
وللمرتهن أن يطالب الراهن بدينه ويحبسه به،
وإن كان الرهن في يده فليس عليه أن يمكنه من بيعه حتى يقضيه الدين من ثمنه، فإن قضاه الدين قيل له: سلم الرهن إليه، وإذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن فالبيع موقوفٌ، فإن أجازه المرتهن جاز، وإن قضاه الراهن دينه جاز البيع، وإن أعتق الراهن عبد الرهن نفذ عتقه، فإن كان الدين حالاً طولب بأداء الدين، وإن كان مؤجلاً أخذ منه قيمة العبد فجعلت رهناً مكانه حتى يحل الدين،
ــ
وقال في العيون: ما قاله أبو يوسف حسن وأدفع للضرر فاخترناه للفتوى، تصحيح.
(ومن رهن عبدين) جملة (بألف درهم) مثلا، ولم يسم لكل واحد قدراً من المال (فقضى حصة أحدهما لم يكن له أن يقبضه حتى يؤدي باقي الدين) ؛ لأن الرهن محبوس بكل الدين؛ فيكون محبوساً بكل جزء من أجزائه، مبالغة في حمله على قضائه، فإن سمى لكل واحد منهما شيئا وقضاه كان له أن يقبضه على الأصح، كما في الدر.
(وإذا وكل الراهن المرتهن أو العدل) الذي وضع الرهن على يديه (أو غيرهما) كالأجنبي (ببيع الرهن عند حلول الدين فالوكالة جائزة) ؛ لأنه توكيل ببيع ماله (فإن شرطت) الوكالة (في عقد الرهن فليس للراهن عزله عنها، فإن عزله لم ينعزل) ؛ لأنها لما شرطت في ضمن عقد الرهن صارت وصفا من أوصافه وحقاً من حقوقه، ولو وكله بالبيع مطلقاً ثم نهاه عن البيع نسيئة لم يعمل نهيه؛ لأنه لازم بأصله فكذا بوصفه، وكذا إذا عزله المرتهن لم ينعزل، لأنه لم يوكله، وإنما وكله غيره، هداية (و) كذا (إن مات الراهن) أو المرتهن (لم ينعزل) فهي تخالف الوكالة المفردة من وجوه: منها ما تقدم، ومنها أن الوكيل هنا يجبر على البيع عند الامتناع؛ ومنها أنه يملك بيع الولد والأرش، ومنها إذا باع بخلاف جنس الدين كان له أن يضرفه إلى جنسه.
(وللمرتهن أن يطالب الراهن بدينه) إذا حل الأجل؛ لأن الرهن وثيقة فلا يمنع المطالبة كالكفالة (ويحبسه به) إذا مطله لظلمه؛ لأن الحبس جزاء
стр. 283
وإن كان الراهن معسراً استسعى العبد في قيمته فقضى بها دينه، وكذلك إذا استهلك الراهن الرهن، وإن استهلكه أجنبيٌ فالمرتهن هو الخصم في تضمينه،
ــ
حق المرتهن من الوثيقة - ولا يمكن استدراك حقه إلا بالتضمين - لزمت قيمته فكانت رهنا مكانه، فإذا حل الدين اقتضاه بحقه إذا كان من جنس حقه ورد الفضل.
(وإن كان الراهن معسرا استسعى) بالبناء للمفعول (العبد في) الأقل من (قيمته) ومن الدين (فقضى به دينه) ؛ لأنه لما تعذر الوصول إلى حقه من جهة المعتق يرجع إلى من ينتفع بعتقه - وهو العبد - لأن الخراج بالضمان (١) ، ثم يرجع بما يسعى على مولاه إذا أيسر؛ لأنه قضى دينه وهو مضطر فيه. هداية (وكذلك) الحكم (إذا استهلك الراهن الرهن) : أي كالحكم المار في إعتاق الراهن العبد المرهون، إلا في السعاية؛ لاستحالة سعاية المستهلك (وإن استهلكه أجنبي فالمرتهن هو الخصم في تضمينه) لأنه أحق بعين الرهن حال قيامه، فكذا في استرداد ما قام مقامه، والواجب على هذا المستهلك قيمته يوم هلك
стр. 284
ــ
الظلم، فإذا ظهر ظلمه حبسه القاضي به وإن كان به رهن (وإن كان الرهن في يده) : أي يد المرتهن (فليس عليه أن يمكنه من بيعه) : أي الرهن (حتى) أي لأجل أن (يقضيه الدين من ثمنه) لأن حكم الرهن الحبس الدائم إلى قضاء الدين لأجل الوثيقة، وهذا يؤدي إلى إبطاله (فإذا قضاه الدين قيل له) أي للمرتهن: (سلم الرهن إليه) أي إلى الراهن، لزوال المانع من التسليم - وهو الدين - فإن هلك في يده قبل أن يرده هلك بالدين؛ لأنه صار مستوفياً عند الهلاك بالقبض السابق، فيكون الثاني استيفاء ثانياً فيجب رده، جوهرة (وإذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن فالبيع موقوف) لتعلق حق الغير به (فإن أجازه المرتهن جاز البيع) وصار ثمنه رهنا مكانه، لأن البدل له حكم المبدل (وإن قضاه الرهن دينه جاز البيع) أيضا؛ لزوال المانع من النفوذ، وإلا بقي موقوفا، وكان المشتري بالخيار: إن شاء صبر إلى فك الرهن، أو رفع الأمر إلى القاضي ليفسخ البيع (وإن أعتق الراهن عبد الرهن نفذ عتقه) وخرج من الرهن؛ لأنه صار حرا (فإن كان الدين حالا) والراهن موسرا (طولب بأداء الدين) ؛ لأنه لو طولب بأداء القيمة تقع المقاصة بقدر الدين فلا تحصل فائدة (وإن كان مؤجلا أخذ منه قيمة العبد فجعلت رهنا مكانه حتى يحل الدين) وذلك لأنه لما بطل
стр. 285
ويأخذ القيمة فتكون رهناً في يده،
وجناية الراهن على الرهن مضمونةٌ، وجناية المرتهن عليه تسقط من دينه بقدرها، وجناية الرهن على الراهن وعلى المرتهن وعلى مالهما هدرٌ.
وأجرة البيت الذي يحفظ فيه الرهن على المرتهن، وأجرة الراعي ونفقة الرهن على الراهن،
ــ
(ويأخذ) المرتهن (القيمة فتكون رهنا في يده) ؛ لأنها قائمة مقام العين.
(وجناية الراهن على الرهن مضمونة) لأنها تفويت حق لازم محترم، وتعلق مثله بالمال يجعل المالك كالأجنبي في حق الضمان (وجناية المرتهن عليه) أي الرهن (تسقط من الدين بقدرها) : أي الجناية: لأنه أتلف ملك غيره فلزمه ضمانه، وإذا لزمه وقد حل الدين سقط بقدره، وهذا إذا كان الدين من جنس الضمان، وإلا لم يسقط منه شيء، والجناية على المرتهن، وللمرتهن أن يستوفي دينه (وجناية الرهن على الراهن وعلى المرتهن وعلى مالهما هدرٌ) : أما كون جنايته على الرهن هدراً فلأنها جناية المملوك على مالكه، وهي فيما يوجب المال هدر؛ لأنه المستحق، وأما كون جنايته على المرتهن هدراً فلأن هذه الجناية لو اعتبرناها للمرتهن كان عليه نظيرها لأنها حصلت في ضمانه، فلا يفيد وجوب الضمان مع وجوب التخلص عليه. درر. والمراد بالجناية على النفس ما يوجب المال، وأما ما يوجب القصاص فهو معتبر بالإجماع، نهاية.
(وأجرة البيت الذي يحفظ فيه الرهن) وأجرة حافظه (على المرتهن) ؛ لأنه مؤنة الحفظ وهي عليه (وأجرة الراعي) لو الرهن حيواناً (ونفقة الرهن) لو إنساناً وعشره أو خراجه لو ضياعا (على الراهن) والأصل فيه: أن كل ما يحتاج إليه لمصلحة الرهن
стр. 286
ونماؤه للراهن، فيكون رهناً مع الأصل، فإن هلك هلك بغير شيء وإن هلك الأصل وبقي النماء افتكه الراهن بحصته، ويقسم الدين على قيمة الرهن يوم القبض وقيمة النماء يوم الفكاك، فما أصاب الأصل سقط من الدين، وما أصاب النماء افتكه الراهن به.
وتجوز الزيادة في الرهن، ولا تجوز
ــ
بنفسه وتبقيته فعلى الراهن، لأنه ملكه. وكل ما كان لحفظه فعلى المرتهن، لأن حبسه له (ونماؤه) : أي الرهن، كالولد والثمر واللبن والصوف (للراهن) ؛ لأنه نماء ملكه (فيكون رهنا مع الأصل) ؛ لأنه تبع له لكونه متولدا منه، بخلاف ما هو بدل عن المنفعة كالكسب والأجرة، وكذا الهبة والصدقة فإنها غير داخلة في الرهن، وتكون للراهن، والأصل: أن كل ما يتولد من عين الرهن يسري إليه حكم الرهن، وما لا فلا، مجمع الفتاوى (فإن هلك) النماء (هلك بغير شيء) لأن الأتباع لا قسط لها مما يقابل بالأصل، لأنها لم تدخل تحت العقد مقصوداً، إذ اللفظ لا يتناولها (وإن هلك الأصل وبقي النماء افتكه الراهن بحصته) من الدين لأنه صار مقصودا بالفكاك، والتبع يقابله حصة إذا كان مقصودا، وحينئذ (يقسم الدين على قيمة الرهن يوم القبض) ؛ لأنه يصير مضموناً بالقبض (وقيمة النماء يوم الفكاك) ، لأنها تصير مقصودة بالفكاك إذا بقي إلى وقته (فما أصاب الأصل سقط من الدين) بقدره؛ لأنه يقابله الأصل مقصوداً (وما أصاب النماء افتكه الراهن به) : أي بما أصابه، كما لو كان الدين عشرة، وقيمة الأصل يوم القبض عشرة، وقيمة النماء يوم الفك خمسة، فثلثا العشرة حصة الأصل فيسقط، وثلث العشرة حصة النماء فيفك به.
(وتجوز الزيادة في الرهن) كأن يرهن ثوباً بعشرة ثم يزيد الراهن ثوباً آخر ليكون مع الأول رهناً بالعشرة، وتعتبر قيمتها يوم القبض أيضا (ولا تجوز)
стр. 287
في الدين عند أبي حنيفة ومحمدٍ، ولا يصير الرهن رهناً بهما، وقال أبو يوسف: تجوز الزيادة في الدين أيضاً، وإذا رهن عيناً واحدةً عند رجلين بدينٍ لكل واحد منهما جاز وجميعها رهنٌ عند كل واحدٍ منهما؛ والمضمون على كل واحدٍ منهما حصة دينه منها، فإن قضى أحدهما دينه كانت كلها
ــ
الزيادة (في الدين عند أبي حنيفة ومحمد) كأن يقول: أقرضني خمسة أخرى على أن يكون الثوب الذي عندك رهناً بخمسة عشر؛ فلا يلتحق بأصل العقد (ولا يصير الرهن رهنا بهما) ؛ لأن الزيادة في الدين توجب الشيوع في الرهن، وهو غير مشروع عندنا، والزيادة في الرهن توجب الشيوع في الدين، وهو غير مانع من صحة الرهن؛ هداية (وقال أبو يوسف: تجوز الزيادة في الدين أيضا) قال في التصحيح: واعتمد قولهما النسفي وبرهان الأئمة المحبوبي كما هو الرسم.
(وإذا رهن عينا واحدة عند رجلين) ولو غير شريكين (بدين لكل واحد منهما جاز، وجميعها رهن عند كل واحد منهما) ؛ لأن الرهن أضيف إلى جميع العين بصفقة واحدة، ولا شيوع فيه، وموجبه الحبس بالدين، وهو لا يتجزأ، فصار محبوساً بكل منهما، بخلاف الهبة من رجلين حيث لا تجوز عند أبي حنيفة لأن المقصود منها الملك، والعين الواحدة لا يتصور كونها ملكا لكل منهما كملاً فلابد من الانقسام، وهو ينافي المقصود، درر، ثم إن تهايآ (١) فكل واحد منهما في نوبته كالعدل في حق الآخر، وهذا إذا كان مما لا يتجزأ، وإلا فعلى كل حبس النصف، فلو دفع له كله ضمنه عنده، خلافا لهما، وأصله مسألة الوديعة. در عن الزيلعي (والمضمون على كل واحد منهما) أي المرتهنين (حصة دينه منها) : أي العين؛ لأنه عند الهلاك يصير كل منهما مستوفياً حصته، لأن الاستيفاء يتجزأ (فإن قضى) الراهن (أحدهما) أي المرتهنين (دينه كانت) العين (كلها
стр. 288
رهناً في يد اخر حتى يستوفي دينه؛ ومن باع عبداً على أن يرهنه المشتري بالثمن شيئاً بعينه، فإن امتنع المشتري من تسليم الرهن لم يجبر عليه، وكان البائع بالخيار: إن شاء رضي بترك الرهن، وإن شاء فسخ البيع، إلا أن يدفع المشتري الثمن حالاً أو يدفع قيمة الرهن رهناً مكانه، وللمرتهن أن يحفظ الرهن بنفسه وزوجته وولده وخادمه الذي في عياله،
ــ
رهناً في يد الآخر حتى يستوفي دينه) ، لما مر أن العين كلها رهن في يد كل منهما بلا تفرق.
(ومن باع عبداً على أن يرهنه المشتري بالثمن شيئاً بعينه) أو يعطي كفيلا كذلك حاضرا في المجلس جاز؛ لأنه شرط ملائم للعقد، لأن الكفالة والرهن للاستيثاق وهو يلائم الوجوب، لكن لا يلزم الوفاء به؛ لعدم لزومه (فإن امتنع المشتري من تسليم الرهن) المشروط (لم يجبر عليه) : أي على تسليمه؛ لعدم تمام الرهن؛ لما مر من أن تمامه بالقبض (وكان البائع بالخيار: إن شاء رضي بترك الرهن، وإن شاء فسخ البيع) لفوات الوصف المرغوب فيه (إلا أن يدفع المشتري الثمن حالا) لحصول المقصود (أو يدفع قيمة الرهن رهناً مكانه) ، لأن يد الاستيفاء ثبتت على المعين وهو القيمة. قيد بالمعين لأنه إذا لم يكن المشروط رهنه وكفالته معيناً يفسد البيع، وقيدنا بحضور الكفيل بالمجلس لأنه إذا كان غائبا حتى افترقا فسد البيع. وتمامه في البحر.
(وللمرتهن أن يحفظ الرهن بنفسه وزوجته وولده) الكبير الذي في عياله (وخادمه الذي في عياله) لأنه "إنما يحفظ عادة بهؤلاء، وهذا لأن عينه أمانة في يده، فصار كالوديعة. هداية
стр. 289
وإن حفظه بغير من في عياله أو أودعه ضمن، وإذا تعدى المرتهن في الرهن ضمنه ضمان الغصب بجميع قيمته، وإذا أعار المرتهن الرهن للراهن فقبضه خرج من ضمان المرتهن، فإن هلك في يد الراهن هلك بغير شيء، وللمرتهن أن يسترجعه إلى يده، فإذا أخذه عاد الضمان، وإذا مات الراهن باع وصيه الرهن وقضى الدين، فإن لم يكن له وصيٌ نصب القاضي له وصياً وأمره ببيعه،
ــ
(وإن حفظه بغير من في عياله) ولو ابنه أو أجيره (١) ، (أو أودعه) أو أعاره أو آجره (ضمن) ؛ لأن يده غير أيديهم، فكان في الدفع إليهم متعدياً.
(وإذا تعدى المرتهن في الرهن ضمنه ضمان الغصب بجميع قيمته) لأنه بالتعدي صار غاصباً (وإذا أعار المرتهن الرهن للراهن فقبضه) الراهن (خرج) الرهن (من ضمان المرتهن) ؛ لأنه باستعارته وقبضه انتقض القبض الموجب للضمان (فإن هلك) الرهن (في يد الراهن هلك بغير شيء) لتلفه في يد مالكه (وللمرتهن أن يسترجعه إلى يده) ؛ لأن المرتهن بمنزلة المالك في حق الحبس، ولو مات الراهن والرهن في يده عارية فالمرتهن أحق به من سائر الغرماء (فإذا أخذه) المرتهن (عاد الضمان) لعود سببه وهو القبض (٢) .
(وإذا مات الراهن باع وصيه الرهن) لقيامه مقامه (وقضى) به (الدين، فإن لم يكن له وصي نصب القاضي له وصيا وأمره ببيعه) ؛ لأن القاضي نصب ناظراً لحقوق المسلمين إذا عجزوا عن النظر لأنفسهم، والنظر في نصب الوصي ليؤدي ما عليه ويستوفي ماله. هداية.
стр. 290
كتاب الحجر .
- الأسباب الموجبة للحجر ثلاثةٌ: الصغر، والرق، والجنون، ولا يجوز تصرف الصغير إلا بإذن وليه، ولا تصرف العبد إلا بإذن سيده، ولا يجوز تصرف المجنون المغلوب على عقله بحال،
ــ
كتاب الحجر
هو لغةً: المنع، وشرعا: منع من نفاذ تصرف قولي (١)
و (الأسباب الموجبة للحجر ثلاثة: الصغر) لأنه إن كان غير مميز كان عديم العقل، وإن كان مميزاً فعقله ناقص (والرق) لأنه وإن كان فيه أهلية لكنه يحجر عليه رعاية لحق المولى، كيلا تبطل منافع عبده بإيجاره نفسه (والجنون) ، لأنه إن كان عديم الإفاقة كان عديم العقل كالصبي الغير المميز، وإن وجدت في بعض الأوقات كان ناقص العقل.
(ولا يجوز تصرف الصغير) الغير المميز مطلقا، ولا المميز (إلا بإذن وليه) فإن أذن له وليه جاز تصرفه، لأن إذن الولي آية أهليته، ولولا أهليته لم يأذن له (ولا) يجوز (تصرف العبد إلا بإذن سيده) لأن منعه لحق المولى، فإذا أذن له فقد رضي بإسقاط حقه، فيتصرف بأهليته إن كان بالغا عاقلا، وإن كان صغيراً كان بمنزلة الحر الصغير (ولا يجوز تصرف المجنون المغلوب على عقله بحال) : أي في جميع الأحوال، سواء كان بإذن الولي أو لا، وأراد بالمغلوب الذي لا يفيق؛
стр. 291
ومن باع من هؤلاء شيئاً أو اشتراه وهو يعقل البيع ويقصده فالولي بالخيار: إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحةٌ، وإن شاء فسخه.
وهذه المعاني الثلاثة توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال؛ فالصبي والمجنون لا تصح عقودهما، ولا إقرارهما، ولا يقع طلاقهما ولا عتاقهما، وإن أتلفا شيئاً لزمهما ضمانه. وأما العبد فأقواله نافذةٌ في حق نفسه غير نافذةٍ في حق مولاه.
ــ
وأما الذي يجن ويفيق فحكمه كمميز، نهاية (ومن باع من هؤلاء شيئاً) الإشارة إلى الصبي والعبد بطريق إطلاق الجمع على ما فوق الواحد، أو إلى الثلاث ويراد المجنون الذي يجن ويفيق؛ بدليل قوله "وهو يعقل البيع" فإنه كالمميز كما مر (أو اشتراه وهو يعقل البيع) بأن يعلم أن البيع سالب والشراء جالب (ويقصده) بأن يكون غير هازل (فالولي بالخيار: إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة، وإن شاء فسخه) ؛ لأن عقدهم ينعقد موقوفاً لاحتمال الضرر، فإذا أجازه من له الإجازة فقد تعينت جهة المصلحة فنفذ.
(وهذه المعاني الثلاثة) المذكورة إنما (توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال) ؛ لأنها لا مرد لها لوجودها حسا ومشاهدة، بخلاف الأقوال لأن اعتبارها موجودة بالشرع، والقصد من شرطه، إلا إذا كان فعلا يتعلق به حكم يندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص، فيجعل عدم القصد في ذلك شبهة في حق الصبي والمجنون، هداية.
(فالصبي والمجنون لا تصح عقودهما، ولا إقرارهما ولا يقع طلاقهما ولا عتاقهما) لعدم اعتبار أقوالهما (وإن أتلفا شيئاً لزمهما ضمانه) لوجود الإتلاف حقيقة، وعدم افتقاره إلى القصد، كما في النائم إذا انقلب على مال فأتلفه لزمه الضمان.
(وأما العبد فأقواله نافذة في حق نفسه) لقيام أهليته (غير نافذة في حق مولاه) رعاية لجانبه، لأن نفاذه لا يعرى عن تعلق الدين برقبته أو كسبه، وفي
стр. 292
فإن أقر بمالٍ لزمه بعد الحرية، ولم يلزمه في الحال، وإن أقر بحدٍ أو قصاصٍ لزمه في الحال، وينفذ طلاقه.
وقال أبو حنيفة: لا يحجر على السفيه إذا كان بالغاً عاقلاً حراً، وتصرفه في ماله جائزٌ، وإن كان مبذراً مفسداً يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة، إلا أنه قال: إذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنةً.
ــ
ذلك إتلاف لمال المولى (فأن أقر بمال لزمه بعد الحرية) لوجود الأهلية وانتفاء المانع (ولم يلزمه في الحال) ، لوجود المانع (وإذا أقر) العبد (بحد أو قصاص لزمه في الحال) ، لأنه مبقى على أصل الحرية في حق الدم، حتى لا يصح إقرار المولى عليه بذلك (وينفذ طلاقه) ، لأنه أهل له، وليس فيه إبطال ملك المولى ولا تفويت منافعه، فينفذ.
(وقال أبو حنيفة: لا يحجر على السفيه) : أي الخفيف العقل المتلف لماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة (إذا كان) خاليا عما يوجب الحجر، بأن كان (بالغاً عاقلا حرا، وتصرفه في ماله جائز) ، لوجود الأهلية (وإن كان مبذراً مفسداً يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة) ، لأن في سلب ولايته إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم، وهو أشد ضرراً من التبذير، فلا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى، حتى لو كان في الحجر دفع ضرر عام كالحجر على الطبيب الجاهل والمفتي الماجن والمكاري المفلس جاز، إذ هو دفع الأعلى بالأدنى. هداية (إلا أنه قال) الإمام: (إذا بلغ الغلام غير رشيد) لإصلاح ماله (لم يسلم إليه ماله) أوائل بلوغه، بل (حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة) ، لأن المنع باعتبار أثر الصبا وهو في أوائل البلوغ، وينقطع بتطاول الزمان، وهذا بالإجماع كما في الكفاية، وإنما الخلاف في تسليمه له بعد خمس وعشرين كما يأتي، فلو بلغ مفسداً وحجر عليه أولا فسلمه إليه فضاع ضمنه الوصي، ولو دفعه إليه وهو صبي مصلح وأذن له في
стр. 293
فإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه، فإذا بلغ خمساً وعشرين سنةً سلم إليه ماله وإن لم يؤنس منه الرشد. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يحجر على السفيه ويمنع من التصرف في ماله، فإن باع لم ينفذ بيعه، فإن كان فيه مصلحةٌ أجازه الحاكم، وإن أعتق
ــ
التجارة فضاع في يده لم ضمن كما في المنح عن الخانية، وفي الولوالجية: كما يضمن بالدفع إليه وهو مفسد فكذا قبل ظهور رشده بعد الإدراك. اهـ. وفي فتاوى ابن شلبي وخير الدين الرملي: لا يثبت الرشد إلا بحجة شرعية. اهـ (وإن تصرف فيه) : أي في ماله (قبل ذلك) المقدار المذكور من المدة (نفذ تصرفه) لوجود الأهلية (وإذا بلغ خمساً وعشرين سنة سلم إليه ماله، وإن لم يؤنس منه الرشد) ، لأن المنع عنه بطريق التأديب، ولا يتأدب بعد هذا غالبا، ألا يرى أنه قد يصير جداً في هذا السن؟ فلا فائدة في المنع، فلزم الدفع، قال في التصحيح: واعتمد قوله المحبوبي وصدر الشريعة وغيرهم.
(وقالا: يحجر على السفيه، ويمنع من التصرف في ماله) نظراً إليه اعتباراً بالصبا، بل أولى، لأن الثابت في حق الصبي احتمال التبذير وفي حقه حقيقته، ولهذا منع عنه المال، ثم هو لا يفيد بدون الحجر، لأنه يتلف بلسانه ما منع من يده، هداية.
قال القاضي في كتاب الحيطان: والفتوى على قولهما: قلت: هذا صريح، وهو أقوى من الالتزام. اهـ، تصحيح. قال شيخنا: ومراده أن ما وقع في المتون من القول بعدم الحجر تصحيح بالالتزام، وما وقع في قاضيخان من التصريح بأن الفتوى على قولهما تصريح بالتصحيح، فيكون هو المعتمد. اهـ. وفي حاشية الشيخ صالح ما نصه: وقد صرح في كثير من المعتبرات بأن الفتوى على قولهما، اهـ. وفي القهستاني عن التوضيح: أنه المختار، قال في المنح: وأفتى به البلخي وأبو القاسم، وجعل عليه الفتوى مولانا في بحره. اهـ (فإن باع) بعد الحجر (لم ينفذ بيعه) لوجود الحجر (وإن كان فيه) : أي بيعه (مصلحة أجازه الحاكم) نظراً له (وإن أعتق)
стр. 294
عبداً نفذ عتقه وكان على العبد أن يسعى في قيمته، وإن تزوج امرأةً جاز نكاحه، فإن سمى لها مهراً جاز منه مقدار مهر مثلها وبطل الفضل.
وقالا فيمن بلغ غير رشيدٍ: لا يدفع إليه ماله أبداً حتى يؤنس منه الرشد، ولا يجوز تصرفه فيه، وتخرج الزكاة من مال السفيه، وينفق منه على أولاده وزوجته ومن تجب نفقته عليه من ذوي أرحامه، فإن أراد حجة الإسلام لم يمنع منها
ــ
المحجور عليه (عبداً) له (نفذ عتقه) ، لأن الأصل عندهما: أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر، وما لا فلا، والعتق مما لا يؤثر فيه الهزل، فيصح (وكان على العبد أن يسعى في قيمته) لأن الحجر لأجل النظر، وذلك في رد العتق، إلا أنه متعذر، فيجب رده برد قيمته (وإن تزوج امرأة جاز نكاحه) ، لأنه لا يؤثر فيه الهزل، ولأنه من حوائجه الأصلية (فإن سمى لها مهراً جاز منه مقدار مهر مثلها) ؛ لأنه من ضرورات النكاح (ويبطل الفضل) لأنه لا ضرورة فيه، ولو طلقها قبل الدخول وجب لها النصف، لأن التسمية صحيحة إلى مقدار مهر المثل، وكذا إذا تزوج بأربع نسوة، هداية (وقالا) أيضاً (فيمن بلغ غير رشيد: لا يدفع إليه ماله أبداً) وإن بلغ خمسا وعشرين (حتى يؤنس منه الرشد) لأن علة المنع السفه فيبقى ما بقيت العلة كالصبا (ولا يجوز تصرفه فيه) : أي في ماله، توفيراً لفائدة الحجر عليه، إلا أن يكون فيه مصلحة فيجيزه الحاكم (وتخرج الزكاة من مال السفيه) ، لأنها واجبة بإيجاب الله تعالى كالصوم، إلا أن القاضي يدفع قدر الزكاة إليه ليصرفها إلى مصرفها، لأنه لابد من نيته لكونها عبدة، لكن يبعث معه أميناً كيلا يصرفه في غير وجهه. هداية.
(وينفق منه على أولاده وزوجته و) كل (من تجب عليه نفقته من ذوي أرحامه) ، لأن إحياء ولده وزوجته من حوائجه، والإنفاق على ذوي الرحم واجب عليه حقا لقرابته، والسفه لا يبطل حقوق الخلق (فإن أراد) أن يحج (حجة الإسلام لم يمنع منها)
стр. 295
ولكن لا يسلم القاضي النفقة إليه، ويسلمها إلى ثقةٍ من الحاج ينفقها عليه في طريق الحج، فإن مرض وأوصى بوصايا في القرب وأبواب الخير جاز ذلك في ثلث ماله.
وبلوغ الغلام بالاحتلام والإحبال والإنزال إذا وطئ، فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم له ثماني عشرة سنةً عند أبي حنيفة، وبلوغ الجارية بالحيض والاحتلام والحبل، فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم لها سبعة عشرة سنةً، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا تم للغلام والجارية خمس عشرة سنةً فقد بلغا،
ــ
لأنه واجب عليه بإيجاب الله تعالى من غير صنعه (ولكن لا يسلم القاضي النفقة إليه، و) إنما (يسلمها إلى ثقة من الحاج ينفقها عليه في طريق الحج) كيلا يتلفها في غير هذا الوجه (فإن مرض وأوصى بوصايا في القرب وأبواب الخير جاز ذلك في ثلث ماله) ؛ لأن الوصية مأمور بها فلا يمنع منها، ولأن الحجر كان نظراً له حال حياته، والنظر في اعتبار وصيته حال وفاته.
(وبلوغ الغلام بالاحتلام) في النوم مع رؤية الماء (والإحبال، والإنزال) في اليقظة (إذا وطئ) والأصل هو الإنزال، والإحبال دليله (فإن لم يوجد ذلك) المذكور (فحتى يتم له ثمان عشرة سنة) ويطعن في التاسعة عشرة (عند أبي حنيفة. وبلوغ الجارية بالحيض، والاحتلام، والحبل) والإنزال، ولم يذكره صريحا لأنه قل ما يعلم منها. والأصل هو الإنزال والحيض والحبل دليله (فإن لم يوجد ذلك) المذكور (فحتى يتم لها سبع عشرة سنة) وتطعن في الثامنة عشرة، عند أبي حنيفة أيضا (وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تم للغلام والجارية خمس عشر سنة فقد بلغا) لأن العادة الفاشية أن البلوغ لا يتأخر عن هذه المدة، قال الإمام برهان الأئمة البرهاني والإمام النسفي وصدر الشريعة: وبه يفتي،
стр. 296
وإذا راهق الغلام والجارية وأشكل أمرهما في البلوغ وقالا "قد بلغنا" فالقول قولهما، وأحكامهما أحكام البالغين.
وقال أبو حنيفة: لا أحجر في الدين. وإذا وجبت الديون على رجل وطلب غرماؤه حبسه والحجر عليه لم أحجر عليه، وإن كان له مالٌ لم يتصرف فيه الحاكم، ولكن يحبسه أبداً حتى يبيعه في دينه، فإن كان له دراهم ودينه دراهم قضاها القاضي بغير أمره،
ــ
وقال الإمام أبو العباس أحمد بن علي البعلبكي في شرحه: وقولهما رواية عن أبي حنيفة، وعليه الفتوى، تصحيح (وإذا راهق الغلام والجارية) أي قاربا البلوغ (وأشكل أمرهما في البلوغ) وعدمه (فقالا: قد بلغنا، فالقول قولهما) لأنه معنى لا يعرف إلا من جهتهما؛ فإذا أخبرا به ولم يكذبهما الظاهر قبل قولهما فيه كما يقبل قول المرأة في الحيض، هداية. (وأحكامهما) بعد إقرارهما بالبلوغ (أحكام البالغين) قال أبو الفضل الموصلي: وأدنى مدة يصدق فيها الغلام على البلوغ اثنتا عشرة سنة، والجارية تسع سنين، وقيل غير ذلك، وهذا هو المختار. تصحيح.
(وقال أبو حنيفة: لا أحجر) على المفلس (في الدين) : أي بسبب الدين (وإذا وجبت الديون على رجل وطلب غرماؤه حبسه) : أي حبس المديون (والحجر عليه) عن البيع والشراء (لم أحجر عليه) ؛ لأن في الحجر عليه إهدار أهليته؛ فلا يجوز لدفع ضرر خاص، أعني ضرر الدائن، واعترض بالحجر على العبد لأجل المولى، وأجيب بأن العبد أهدرت آدميته بسبب الكفر (وإن كان له مال لم يتصرف فيه الحاكم) لأنه نوع حجر، ولأنه تجارة لا عن تراضٍ فيكون باطلا بالنص (ولكن يحبسه) الحاكم (أبداً حتى يبيعه) بنفسه (في دينه) : أي لأجل قضاء دينه؛ لأن قضاء الدين واجب عليه، والمماطلة ظلم؛ فحبسه الحاكم دفعاً لظلمه، وإيصالا للحق إلى مستحقه (فإن كان له دراهم ودينه دراهم قضاها القاضي بغير أمره) ؛ لأن من له دين إذا وجد جنس حقه له أخذه من غير رضاه،
стр. 297
وإن كان دينه دراهم وله دنانير باعها القاضي في دينه، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا طلب غرماء المفلس الحجر عليه حجر القاضي عليه ومنعه من البيع والتصرف والإقرار حتى لا يضر بالغرماء، وباع ماله إن امتنع من بيعه، وقسمه بين غرمائه بالحصص، فإن أقر في حال الحجر بإقرارٍ لزمه ذلك بعد قضاء الديون، وينفق على المفلس من ماله، وعلى زوجته وأولاده الصغار وذوي أرحامه، وإن لم يعرف للمفلس مالٌ وطلب غرماؤه حبسه وهو يقول لا مال لي حبسه الحاكم في كل دينٍ التزمه بدلاً عن مال حصل
ــ
فدفع القاضي أولى (وإن كان دينه دراهم وله دنانير) أو بالعكس (باعها القاضي في) : أي لأجل قضاء (دينه) وقضاها بغير أمره؛ لأن الدراهم والدنانير متحدان جنساً في الثمينة والمالية حتى يضم أحدهما للآخر في الزكاة (وقالا) أي أبو يوسف ومحمد: (إذا طلب غرماء المفلس الحجر عليه حجر عليه القاضي ومنعه من البيع) أي بأقل من ثمن المثل (والتصرف) بماله (والإقرار حتى لا يضر بالغرماء، وباع) القاضي (ماله إن امتنع) المفلس (من بيعه) بنفسه (وقسمه بين غرمائه بالحصص) على قدر ديونهم، ويباع في الدين: النقود، ثم العروض، ثم العقار، ويبدأ بالأيسر فالأيسر؛ لما فيه من المسارعة إلى قضاء الدين، ويترك عليه دستٌ من ثياب بدنه، ويباع الباقي؛ لأن به كفاية، وقيل: دستان؛ لأنه إذا غسل ثيابه لابد له من ملبس. هداية (فإن أقر في حاله الحجر بإقرار) لأحدٍ (لزمه ذلك) الإقرار (بعد قضاء الديون) ؛ لأنه تعلق بهذا المال حق الأولين؛ فلا يتمكن من إبطاله بالإقرار لغيرهم، وإن استفاد مالا بعد الحجر نفذ إقراره فيه؛ لأن حقهم لم يتعلق به. جوهرة (وينفق على المفلس من ماله، وعلى زوجته وأولاده الصغار وذوي أرحامه) ؛ لأن حاجته الأصلية مقدمة على حق الغرماء، (وإذا لم يعرف للمفلس مال وطلب غرماؤه حبسه وهو) : أي المفلس (يقول لا مال لي حبسه الحاكم) ولم يصدق في قوله ذلك (في كل دين التزمه بدلا عن مال حصل
стр. 298
في يده كثمن مبيعٍ وبدل القرض، وفي كل دينٍ التزمه بعقدٍ كالمهر والكفالة، ولم يحبسه فيما سوى ذلك كعوض المصوب وأرش الجنايات إلا أن تقوم البينة أن له مالاً، وإذا حبسه القاضي شهرين أو ثلاثة سأل القاضي عن حاله: فإن لم ينكشف له مالٌ خلى سبيله، وكذلك إذا أقام البينة أنه لا مال له، ولا يحول بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس، ويلازمونه ولا يمنعونه من التصرف والسفر
ــ
في يده) وذلك (كثمن مبيع وبدل القرض) لأن حصول ذلك في يده يدل على غناه؛ فكان ظالما بالمطل (و) كذلك (في كل دين التزمه بعقد كالمهر والكفالة) لأن التزام ذلك دليلٌ على ثروته وقدرته على أدائه (ولم يحبسه) ويصدق في دعوى الفقر (فيما سوى ذلك) وذلك (كعوض المغصوب وأرش الجنايات) ؛ لأن الأصل هو الإعسار، فما لم يثبت خلافه لم يثبت ظلمه، وما لم يثبت ظلمه لا يجوز حبسه، ولذا قال: (إلا أن تقوم البينة أن له مالا) فحينئذ يحبسه؛ لإثبات البينة خلاف ما ادعاه (وإذا حبسه القاضي شهرين أو ثلاثة) أو أقل أو أكثر بحسب ما يراه الحاكم، قال في التصحيح والهداية والمحيط والجواهر والاختيار وغيرها: الصحيح أن التقدير مفوض إلى رأى القاضي؛ لاختلاف أحوال الناس فيه (سأل القاضي عن حاله) من جيرانه العارفين به (فإن لم ينكشف) : أي لم يظهر (له) أي للمحبوس (مال) وغلب على ظن القاضي أنه لو كان مال لظهر (خلى سبيله) لوجوب النظرة إلى ميسرة (وكذلك إذا أقام) المفلس (البينة) بعد حبسه (أنه لا مال له) قبلت بينته رواية واحدة وخلى سبيله، وإن أقامها قبل الحبس ففيها روايتان، وعامة المشايخ على عدم القبول. جوهرة (ولا يحول) القاضي إذا خلى سبيل المديون (بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس، ويلازمونه) كيلا يختفي (و) لكن (لا يمنعونه من التصرف) في البيع والشراء (والسفر) ولا يدخلون معه إذا دخل داره لحاجته، بل يجلسون على بابه حتى يخرج،
стр. 299
ويأخذون منه فضل كسبه فيقسم بينهم بالحصص، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا فلسه الحاكم حال بينه وبين غرمائه إلا أن يقيموا البينة أنه قد حصل له مالٌ.
ولا يحجر على الفاسق إذا كان مصلحاً لماله، والفسق الأصلي والطارئ سواءٌ، ومن أفلس وعنده متاعٌ لرجلٍ بعينه ابتاعه منه فصاحب المتاع أسوة الغرماء فيه.
ــ
ولو اختار المطلوب الحبس والطالب الملازمة فالخيار للطالب. هداية (ويأخذون فضل كسبه، ويقسم بينهم بالحصص) ؛ لاستواء حقوقهم في القوة (وقالا) أي أبو يوسف ومحمد: (إذا فلسه الحاكم حال بينه) : أي بين المديون (وبين غرمائه) لأن القضاء بالإفلاس عندهما يصح؛ فتثبت العسرة، ويستحق النظرة، وعنده لا يتحقق القضاء بالإفلاس؛ لأن المال غادٍ ورائح، ولأن وقوف الشهود على المال لا يتحقق إلا ظاهراً فيصلح للدفع، لا لإبطال الحق في الملازمة (إلا أن يقيموا) أي الغرماء (البينة أنه قد حصل له مال) لأن بينة اليسار تترجح على بينة الإعسار؛ لأنها أكثر إثباتاً؛ إذ الأصل العسرة.
(ولا يحجر على الفاسق إذا كان مصلحا لماله) لأن الحجر شرع لدفع الإسراف والتبذير؛ والمفروض أنه مصلح لماله (والفسق الأصلي) بأن بلغ فاسقاً (والطارئ) بعد البلوغ (سواء) في عدم جواز الحجر.
(ومن أفلس) أو مات (وعنده متاع لرجل بعينه) كان (ابتاعه منه وتسلمه) منه (فصاحب المتاع أسوة) لبقية (الغرماء فيه) لأن حقه في ذمته كسائر الغرماء، وإن كان قبل قبضه كان صاحبه أحق به وحبسه بثمنه
стр. 300
كتاب الإقرار .
- إذا أقر الحر البالغ العاقل بحقٍ لزمه إقراره، مجهولاً كان ما أقر به أو معلوماً، ويقال له: بين المجهول، فإن قال "لفلانٍ علي شيءٌ" لزمه أن يبين ماله قيمةٌ، والقول فيه قوله مع يمينه إن ادعى المقر له أكثر من ذلك
ــ
كتاب الإقرار
هو لغة: الاعتراف، وشرعا: الإخبار بحق عليه، وهو حجة قاصرة على المقر.
(إذا أقر الحر) قيد به ليصح إقراره مطلقاً؛ فإن العبد المحجور عليه يتأخر إقراره بالمال إلى ما بعد العتق، وكذا المأذون فيما ليس من باب التجارة (البالغ العاقل) ؛ لأن إقرار الصبي والمجنون غير لازم؛ لانعدام أهلية الالتزام، إلا إذا كان الصبي مأذوناً؛ لأنه ملحق بالبالغ بحكم الإذن (بحق لزمه إقراره) ؛ لثبوت ولايته (مجهولا كان ما أقر به أو معلوما) ؛ لأن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار لأن الحق قد يلزمه مجهولا: بأن أتلف مالا لا يدري قيمته، أو بجرح جراحة لا يعلم أرشها، أو تبقى عليه بقية حساب لا يحيط به علمه. والإقرار إخبار عن ثبوت الحق فيصح به، بخلاف الجهالة في المقر له؛ لأن المجهول لا يصلح مستحقاً (ويقال له) : أي للمقر (بين) ذلك (المجهول) ليتمكن من استيفائه، فإن لم يبين أجبره القاضي على البيان؛ لأنه لزمه الخروج عما لزمه بصحيح إقراره، وذلك بالبيان.
(فإن قال لفلان علي شيء) أو حق (لزمه أن يبين ما له قيمه) ؛ لأنه أخبر عن الوجوب في ذمته، وما لا قيمة له لا يجب في الذمة، فإن بين غير ذلك يكون رجوعا، وليس له ذلك (والقول فيه) : أي في البيان (قوله مه يمينه إن ادعى المقر له أكثر من ذلك)
стр. 301
وإن قال "له علي مالٌ" فالمرجع في بيانه إليه، ويقبل قوله في القليل والكثير، فإن قال "له علي مالٌ عظيمٌ" لم يصدق في أقل من مائتي درهمٍ، وإن قال "دراهم كثيرةٌ" لم يصدق في أقل من عشرة دراهم، وإن قال "دراهم" فهي ثلاثةٌ إلى أن يبين أكثر منها، وإن قال "له علي كذا كذا درهماً" لم يصدق في أقل من أحد عشر درهماً، وإن قال "كذا وكذا درهماً" لم يصدق في أقل من أحدٍ وعشرين درهماً،
ــ
الذي بينه؛ لإنكاره الزائد (وإذا قال له علي مال فالمرجع في بيانه إليه) ؛ لأنه هو المجمل (ويقبل قوله) في البيان (في القليل والكثير) ؛ لأن اسم المال ينطلق عليهما، فإنه اسم لما يتمول، إلا أنه لا يصدق في أقل من درهم؛ لأنه لا يعد مالا عرفا (فإن قال) في إقراره (له علي مال عظيم لم يصدق في أقل من مائتي درهم) لأنه أقر بمال موصوف؛ فلا يجوز إلغاء الوصف، والنصاب عظيم حتى اعتبر صاحبه غنيا. هداية (وإن قال) له علي (دراهم كثيرة لم يصدق في أقل من عشرة دراهم) ؛ لأنها أقصى ما ينتهي إليه اسم الجمع، يقال: عشرة دراهم، ثم يقال: أحد عشر درهما، فيكون هو الأكثر من حيث اللفظ فيصرف إليه، وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما لم يصدق في أقل من مائتين، وقال في التصحيح: واعتمد قول الإمام النسفي والمحبوبي وصدر الشريعة (وإن قال) له علي (دراهم فهي ثلاثة) اعتبارا لأدنى الجمع (إلا أن يبين أكثر منها) لأن اللفظ يحتمله (وإن قال) له علي (كذا كذا درهما لم يصدق في أقل من أحد عشر درهما) لذكره عددين مجهولين ليس بينهما حرف العطف، وأقل ذلك من المفسر أحد عشر (وإن قال كذا وكذا درهما) لم يصدق في أقل من أحد وعشرين درهما) ؛ لذكره عددين مجهولين بينهما حرف العطف، وأقل ذلك من المفسر أحد وعشرون؛ فيحمل كل وجهٍ على نظيره. ولو قال كذا درهما فهو درهم، لأنه تفسير للمبهم. ولو ثلث "كذا" بغير الواو فأحد عشر؛ لأنه لا نظير له، وإن ثلث بالواو فمائة وأحد وعشرون، وإن ربع يزاد عليهما ألف، لأن ذلك نظيره. هداية
стр. 302
وإن قال "له علي أو قبلي" فقد أقر بدين، وإن قال "عندي" أو "معي" فهو إقرارٌ بأمانةٍ في يده، وإن قال له رجلٌ لي عليك ألفٌ فقال أنزنها أو انتقدها أو أجلني بها أو قد قضيتكها فهو إقرارٌ، ومن أقر بدينٍ مؤجلٍ فصدقه المقر له في الدين وكذبه في التأجيل لزمه الدين حالاً، ويستحلف المقر له في الأجل، ومن أقر واستثنى متصلاً بإقراره صح الاستثناء، ولزمه الباقي، سواءٌ استثنى الأقل أو الأكثر،
ــ
(وإن قال) المقر: (له علي أو قبلي فقد أقر بدين) ؛ لأن "علي" صيغة إيجاب و "قبلي" ينبئ عن الضمان ويصدق إن وصل به "هو وديعة"، لأنه يحتمله مجازاً، وإن فصل لا يصدق، لتقرره بالسكوت.
(وإن قال) : له عندي، أو معي) أو قال "في بيتي" أو "في كيسي" أو "في صندوق" (فهو إقرار بأمانة في يده) ؛ لأن كل ذلك إقرار بكون الشيء في يده، وذلك يتنوع إلى مضمون وأمانة، فيثبت أقلهما، وهو الأمانة (وإذا قال له رجل: لي عليك ألف) درهم، مثلا (فقال) المخاطب: (اتزنها أو انتقدها، أو أجلني بها، أو قد قضيتكها؛ فهو إقرار) له بها؛ لرجوع الضمير إليها، فكأنه قال: اتزن الألف التي لك علي، وكذا انتقدها، وأجلني بها، وقضيتكها؛ لأن التأجيل إنما يكون في حق واحب، والقضاء يتلو الوجوب ولو لم يذكر الضمير لا يكون إقراراً؛ لعدم انصرافه إلى المذكور، فكان كلاما مبتدأ، كما في الهداية.
(ومن أقر بدين مؤجل فصدقه المقر له في الدين وكذبه في) دعوى (التأجيل لزمه الدين) الذي أقر به (حالا) ولم يصدق في دعوى التأجيل (و) لكن (يستحلف المقر له في الأجل) لأنه منكر حقا عليه، واليمين على المنكر.
(ومن أقر) بشيء (واستثى) منه بعضه (متصلا بإقراره صح الاستثناء ولزمه الباقي) ؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، ولكن لابد من الاتصال لكونه مغايراً (وسواء استثنى الأقل أو الأكثر) قال في الينابيع: والمذكور هو قول الإمام
стр. 303
فإن استثنى الجميع لزمه الإقرار وبطل الاستثناء، وإن قال "له علي مائة درهم إلا ديناراً" أو "إلا قفيز حنطةٍ" لزمه مائة درهم إلا قيمة الدينار أو القفيز، وإن قال "له علي مائةٌ ودرهم" فالمائةٌ كلها دراهم، وإن قال "له علي مائةٌ وثوبٌ" لزمه ثوبٌ واحدٌ، والمرجع في تفسير المائة إليه ومن أقر بحق وقال "إن شاء الله" متصلاً بإقراره لم يلزمه الإقرار، ومن أقر وشرط الخيار لزمه الإقرار وبطل الخيار، ومن أقر بدار واستثنى بناءها لنفسه
ــ
وعندهما إن استثنى الأكثر بطل استثناؤه ولزمه جميع ما أقر به، وقال في المحيط: هو رواية عن أبي يوسف، ولذلك كان المعتمد ما في الكتاب عند الكل، تصحيح (فإن استثنى الجميع لزمه الإقرار وبطل الاستثناء) ؛ لأن استثناء الجميع رجوع، فلا يقبل منه بعد الإقرار (وإن قال له علي مائة درهم إلا دينارا، أو إلا قفيز حنطة لزمه مائة درهم إلا قيمة) ما استثناه من (الدينار أو القفيز) قال الإسبيجاني: وهذا استحسان أخذ به أبو حنيفة وأبو يوسف، والقياس أن لا يصح الاستثناء وهو قول محمد وزفر، والصحيح جواب الاستحسان، واعتمده المحبوبي والنسفي. كذا في التصحيح.
(وإن قال له علي مائة ودرهم فالمائة كلها دراهم) ؛ لأن الدراهم بيان للمائة عادة، لأن الناس استثقلوا تكرار الدرهم واكتفوا بذكره مرة، وهذا فيما يكثر استعماله بكثرة أسبابه، وذا في المقدرات كالمكيلات والموزونات لأنها تثبت ديناً في الذمة سلماً وقرضاً وثمناً، بخلاف الثياب وما لا يكال ولا يوزن، ولذا قال: (وإن قال "له علي مائة وثوب" لزمه ثوب واحد، والمرجع في تفسير المائة إليه) لعطفه مفسراً على مبهم، والعطف لم يوضع للبيان، فبقيت المائة مبهمة، فيرجع في البيان إليه لأنه المبهم.
(ومن أقر بحق وقال إن شاء الله متصلا بإقراره لم يلزمه الإقرار) ؛ لأن التعليق بمشيئة الله تعالى إبطال عند محمد، وتعليق بشرط لا يوقف عليه عند أبي يوسف؛ فكان إعداما من الأصل (ومن أقر بشرط الخيار لزمه الإقرار) لصحة إقراره (وبطل الخيار) ؛ لأنه للفسخ، والإقرار لا يقبله (ومن أقر بدار واستثنى بناءها لنفسه
стр. 304
فللمقر له الدار والبناء، وإن قال "بناء هذه الدار لي والعرصة لفلان" فهو كما قال، ومن أقر بتمرٍ في قوصرة لزمه التمر والقوصرة، ومن أقر بدابة في إصطبلٍ لزمه الدابة خاصةً، وإن قال "غصبت ثوباً في منديل" لزماه جميعاً، وإن قال "له علي ثوبٌ في ثوبٍ" لزماه وإن قال "له علي ثوبٌ في عشرة أثوابٍ" لم يلزمه عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا ثوبٌ واحدٌ.
ــ
فللمقر له الدار والبناء) جميعاً؛ لأن البناء داخل فيه معنى لا لفظاً، والاستثناء إنما يكون بما يتناوله الكلام نصا؛ لأنه تصرف لفظي. والفص في الخاتم والنخلة في البستان نظير البناء في الدار؛ لأنه يدخل تبعاً لا لفظاً، بخلاف ما إذا قال: إلا ثلثها، أو إلا بيتاً منها، لأنه داخل فيه لفظاً. هداية. (وإن قال بناء هذه الدار لي والعرصة لفلان فهو كما قال) لأن العرصة عبارة عن البقعة دون البناء؛ فكأنه قال بياض هذه الأرض دون البناء لفلان، بخلاف ما إذا قال "مكان العرصة أرضاً" حيث يكون البناء للمقر له؛ لأن الإقرار بالأرض إقرار بالبناء كالإقرار بالدار؛ لأن البناء تبع للأرض (ومن أقر بتمر في قوصرة) بتشديد الراء وتخفيفها - وعاء التمر يتخذ من القصب، وإنما يسمى قوصرة ما دام فيها التمر، وإلا فهي زنبيل (لزمه التمر والقوصرة) وفسره في الأصل بقوله "غصبت تمراً في قوصرة" ووجهه أن القوصرة وعاء له وظرف له، وغصب الشيء وهو مظروف لا يتحقق بدون الظرف؛ فيلزمانه. وكذا الطعام في السفينة، والحنطة في الجوالق، بخلاف ما إذا قال "غصبت تمراً من قوصرة" لأن كلمة "من" للانتزاع؛ فيكون إقرارا بغصب المنزوع. هداية (ومن أقر بدابة في إسطبل لزمه الدابة خاصة) لأن الإصطبل غير مضمون بالغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعلى قياس قول محمد يضمنهما، ومثله الطعام في البيت. هداية (وإن قال غصبت ثوبا في منديل لزماه جميعاً) ؛ لأنه ظرف له، لأن الثوب يلف به، وكذا لو قال "ثوب في ثوب" (وإن قال له علي ثوب في ثوب لزماه، وإن قال له علي ثوب في عشرة أثواب لم يلزمه عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا ثوب واحد) لأن العشرة لا تكون ظرفا لواحد عادة،
стр. 305
وقال محمدٌ: يلزمه أحد عشر ثوباً، ومن أقر بغصب ثوبٍ وجاء بثوبٍ معيب فالقول قوله فيه مع يمينه، وكذلك لو أقر بدراهم وقال: هي زيوفٌ، وإن قال "له علي خمسةٌ في خمسةٍ" يريد الضرب والحساب لزمه خمسةٌ واحدةٌ، وإن قال: أردت خمسةً مع خمسةٍ؛ لزمه عشرةٌ، وإن قال "له علي درهمٍ إلى عشرةٍ" لزمه تسعةٌ عند أبي حنيفة فيلزمه الابتداء وما بعده وتسقط الغاية، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يلزمه العشرة كلها وإذا قال "له علي ألف درهمٍ من ثمن عبدٍ اشتريته منه ولم أقبضه"
ــ
والممتنع عادة كالممتنع حقيقة.
(وقال محمد: يلزمه أحد عشر ثوباً) ؛ لأن النفيس من الثياب قد يلف في عشرة، فأمكن جعله ظرفا، أو يحمل على التقديم والتأخير، فكأنه قال "عشرة أثواب في ثوب" والثوب الواحد يكون وعاء للعشرة.
والصحيح قولهما، وهو المعول عليه عند النسفي والمحبوبي وغيرهما، كما في التصحيح (ومن أقر بغصب ثوب وجاء بثوب معيب) يقول: إنه الذي غصبته (فالقول قوله فيه مع يمينه) ؛ لأن الغصب لا يختص بالسليم (وكذلك) القول قوله (لو أقر بدراهم) أنه اغتصبها أو أودعها (وقال) متصلا أو منفصلا: (هي زيوف) ، لأن الإنسان يغصب ما يجد ويودع ما يملك؛ فلا مقتصى له في الجياد ولا تعامل؛ فيكون بيانا للنوع. وعن أبي يوسف أنه لا يصدق مفصولا اعتباراً بالثمن، كما يأتي قريبا (وإن قال: له علي خمسةو في خمسة يريد الضرب والحساب لزمه خمسة واحدة) ، لأن الضرب لا بكثر المال، وإنما يكثر الأجزاء (وإن قال: أردت خمسة مع خمسة لزمه عشرة) لأن اللفظ يحتمله، لأن كلمة "في" تستعمل بمعنى "مع" (وإن قال له علي من درهم إلى عشرة) أو "ما بين درهم إلى عشرة" (لزمه تسعة عند أبي حنيفة فيلزمه الابتداء وما بعده وتسقط الغاية) وهذا أصح الأقاويل عند المحبوبي والنسفي. تصحيح (وقالا: يلزمه العشرة كلها) لدخول الغاية، وقال زفر: تلزمه ثمانية، ولا تدخل الغايتان.
(وإذا قال: له علي ألف درهم من ثمن عبد اشتريته منه ولم أقبضه) موصولا
стр. 306
فإن ذكر عبداً بعينه قيل للمقر له: إن شئت فسلم العبد وخذ الألف، وإلا فلا شيء لك، وإن قال "له علي ألفٌ من ثمن عبدٍ" ولم يعينه لزمه الألف في قول أبي حنيفة [ولو قال "له علي ألفٌ من ثمن هذا العبد" لم يلزمه حتى يسلم العبد، فإن سلم العبد لزمه الألف، وإن لم يسلمه لم تلزمه] ولو قال "له علي ألفٌ من ثمن خمرٍ أو خنزيرٍ" لزمه الألف ولم يقبل تفسيره، ولو قال "له علي ألفٌ من ثمن متاعٍ وهي زيوفٌ" وقال المقر له "جيادٌ" لزمه الجياد في قول أبي حنيفة، ومن أقر لغيره
ــ
بإقراره كما في الحاوي (فإن ذكر عبداً بعينه) وهو بيد المقر له (قيل للمقر له: إن شئت فسلم العبد) إلى المقر (وخذ الألف) التي أقر بها؛ لتصادقهما على البيع، والثابت بالتصادق كالثابت بالمعاينة (وإلا فلا شيء لك) ؛ لأنه ما أقر بالمال إلا عضاً عن العبد؛ فلا يلزمه دونه (وإن قال من ثمن عبد ولم يعينه لزمه الألف في قول أبي حنيفة) ولا يصدق في قوله "ما قبضت" وصل أم فصل، لأنه رجوع ولا يملكه، وقالا: إن وصل صدق وإن فصل لم يصدق، واعتمد قوله البرهاني والنسفي وصدر الشريعة وأبو الفضل الموصلي. تصحيح (ولو قال له على ألف من ثمن خمر أو خنزير) أو حر أو ميتة أو مال قمار (لزمه الألف) المقر بها (ولم يقبل تفسيره) عند أبي حنيفة، وصل أم فصل؛ لأنه رجوع؛ لأن ثمن الخمر وما عطف عليه لا يكون واجبا، وأول كلامه للوجوب. وقالا: إذا وصل لا يلزمه شيء، لأنه بين بآخر كلامه أنه ما أراد الإيجاب، قال في التصحيح: واعتمد قوله المذكورون قبله (ولو قال له على ألف من ثمن متاع) أو قرض (وهي زيوف، وقال المقر له: جياد، لزمه الجياد في قول أبي حنيفة) ؛ لأن هذا رجوع، لأن مطلق العقد يقتضي السلامة عن العيب، والزيافة عيب، ودعوى العيب رجوع عن بعض موجبه، وصار كما إذا قال "بعتكه معيباً" وقال المشتري "سليماً" فالقول للمشتري، وقالا: إن قال موصولاً صدق، وإن مفصولاً لا يصدق. قال في التصحيح: واعتمد قوله المذكورون قبله (ومن أقر لغيره
стр. 307
بخاتمٍ فله الحلقة والفص، وإن أقر له بسيفٍ فله النصل والجفن والحمائل، وإن أقر بحجلةٍ فله العيدان والكسوة، وإن قال "لحمل فلانة علي ألفٌ" فإن قال أوصى به له فلانٌ أو مات أبوه فورثه فالإقرار صحيحٌ، وإن أبهم الإقرار لم يصح عند أبي يوسف،
ــ
بخاتم فله الحلقة والفص) بالفتح ويكسر - لأن اسم الخاتم يتناولهما (وإن أقر له بسيف فله النصل) أي: الحديدة (والجفن) القراب (والحمائل) جمع حمالة - بالكسر - العلاقة؛ لأن اسم السيف ينطوي على الكل (وإن أقر) له (بحجلة) بحاء فجيم مفتوحتين - بيت يبنى للعروس يزين بالثياب والأسرة والستور (فله) أي: المقر له (العيدان) التي تبنى بها الحجلة (والكسوة) التي توضع على العيدان؛ لأن اسم الحجلة يتناولهما.
(وإن قال: لحمل فلانة علي ألف) درهم (فإن) بين سبباً صالحاً بأن (قال: أوصي له به فلان، أو مات أبوه فورثه) منه (فالإقرار صحيح) اتفاقا، ثم إن جاءت به في مدة يعلم أنه كان قائماً وقت الإقرار لزمه، فإن جاءت به ميتاً فالمال للموصي والمروث، لأنه إقرار في الحقيقة لهما، وإنما ينتقل إلى الجنين بعد الولادة، ولم ينتقل، ولو جاءت بولدين حيين فالمال بينهما، وإن بين سبباً مستحيلا - بأن قال: باعني، أو أقرضني - فالإقرار باطل اتفاقا أيضا (وإن أبهم الإقرار) ولم يبين سببه (لم يصح عند أبي يوسف) وفي نسخة "أبي حنيفة" بدل "أبي يوسف" وقال محمد: يصح؛ لأن الإقرار من الحجج فيجب إعماله، وقد أمكن بالحمل على السبب الصالح، ولأبي يوسف أن الإقرار مطلقه ينصرف إلى الإقرار بسبب التجارة، فيصير كأنه صرح به، هداية. قال في التصحيح: وفي الهداية والأسرار وشرح الإسبيجاني والاختيار والتقريب ونظم الخلافيات ذكر الخلاف بين أبي يوسف ومحمد، وذكر في النافع الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف، وذكر في الينابيع قول أبي حنيفة مع أبي يوسف، فقال: قال أبو حنيفة وأبو يوسف في هذه المسألة: إن بين
стр. 308
وإذا أقر بحمل جاريةٍ أو حمل شاةٍ لرجلٍ صح الإقرار ولزمه، وإذا أقر الرجل في مرض موته بديونٍ وعليه ديونٌ في صحته وديونٌ لزمته في مرضه بأسبابٍ معلومةٍ فدين الصحة والدين المعروف بالأسباب مقدمٌ على غيره،
ــ
المقر جهة صالحةً كالإرث والوصية رجح إقراره ولزمه، وإلا فلا، وقال محمد: صح إقراره سواء بين جهة صالحة أو أبهم ويحمل إقراره على أنه أوصى به رجل أو مات مورثه وتركه ميراثاً، واعتمد قول أبي يوسف الإمام البرهاني والنسفي وأبو الفضل الموصلي وغيرهم، وعلل الكل لمحمد بالحمل على سبب صحيح وإن لم يذكره، فليحفظ هذا فإنه يقع إقرارات مطلقة عن السبب لا يتصور أن يكون لها سبب صحيح شرعا. اهـ.
(ولو أقر بحمل جارية أو حمل شاة لرجل صح الإقرار ولزمه) المقر به، سواء بين سبباً صالحاً أو أبهم؛ لأن له وجهاً صحيحاً - وهو الوصية من جهة غيره - فيحمل عليه، وهذا إذا علم وجوده وقت الوصية. جوهرة.
(وإذا أقر الرجل في مرض موته بديون) وحده سيأتي في الوصايا (١)
(وعليه ديون) لزمته (في صحته) سواء علم سببه أو بإقراره (و) عليه أيضا (ديون لزمته في مرضه) لكن (بأسباب معلومة) كبدل ما ملكه أو أهلكه أو مهر مثل امرأة نكحها (فدين الصحة والدين المعروف بالأسباب مقدم) على ما أقر به في مرضه؛ لأن الإقرار لا يعتبر دليلا إذا كان فيه إبطال حق الغير، وفي إقرار المريض ذلك، لأن حق غرماء الصحة تعلق بهذا المال استيفاء، ولهذا منه من التبرع والمحاباة إلا بقدر الثلث، وإنما تقدم
стр. 309
فإذا قضيت وفضل شيءٌ كان فيما أقر به في حال المرض، وإن لم يكن عليه ديونٌ في صحته جاز إقراره وكان المقر له أولى من الورثة، وإقرار المريض لوارثه باطلٌ إلا أن يصدقه فيه بقية الورثة، ومن أقر لأجنبيٍ في مرضه ثم قال هو ابني ثبت نسبه وبطل إقراره له، ولو أقر لأجنبيةٍ ثم تزوجها لم يبطل إقراره لها، ومن طلق زوجته في مرضه ثلاثاً ثم أقر لها بدين ومات فلها الأقل من الدين ومن ميراثها منه،
ــ
المعروفة الأسباب لأنه لا تهمة في ثبوتها، لأن المعاين لا مرد له، ولا يجوز للمريض أن يقضي دين بعض الغرماء دون البعض؛ لأن في إيثار البعض إبطال حق الباقين إلا إذا قضى ما استقرضه في مرضه أو نقد ثمن ما اشتراه فيه (فإذا قضيت) : أي ديون الصحة والديون المعروفة الأسباب (وفضل شيء) عنها (كان) ذلك الفاضل مصروفاً (فيما أقر به حال المرض) ؛ لأن الإقرار في ذاته صحيح، وإنما رد في حق غرماء الصحة، فإذا لم يبق لهم حق ظهرت صحته (وإن لم يكن عليه ديون في صحته جاز إقراره) لأنه لم يتضمن إبطال حق الغير (وكان المقر له أولى من الورثة) ؛ لأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية، وحق الورثة يتعلق بالتركة بشرط الفراغ (وإقرار المريض لوارثه) بدين أو عين (باطل) لتعلق حق الورثة بماله في مرضه، وفي تخصيص البعض به إبطال حق الباقين (إلا أن يصدقه فيه بقية الورثة) ؛ لأن المانع تعلق حقهم في التركة، فإذا صدقوه زال المانع (ومن أقر لأجنبي في مرضه ثم قال: هو ابني) وصدقه المقر له، وكان بحيث يولد لمثله، كما يأتي قريباً (ثبت نسبه) منه وبطل إقراره له، لأن دعوى النسب تستند إلى وقت العلوق، فتبين أنه أقر لابنه فلا يصح (ولو أقر لأجنبية ثم تزوجها لم يبطل إقراره لها) لأن الزوجية تقتصر على زمان التزوج؛ فبقي إقراره لأجنبية (ومن طلق زوجته في مرضه ثلاثاً) أو أقل بسؤالها (ثم أقر لها بدين ومات) وهي في العدة (فلها الأقل من الدين) الذي أقر به (ومن ميراثها منه) لأنهما متهمان في ذلك، لجواز أن يكون توصلا بالطلاق إلى تصحيح الإقرار، فيثبت أقل الأمرين. قيدنا بسؤالها
стр. 310
ومن أقر لغلامٍ يولد مثله لمثله وليس له نسبٌ معروفٌ أنه ابنه وصدقه الغلام ثبت نسبه منه وإن كان مريضاً، ويشارك الورثة في الميراث؛ ويجوز إقرار الرجل بالوالدين والولد والزوجة والمولى، ويقبل إقرار المرأة بالوالدين والزوج والمولى، ولا يقبل بالولد إلا أن يصدقها الزوج أو تشهد بولادتها قابلةٌ،
ــ
ودوام عدتها لأنه بغير سؤالها يكون فارا فلها الميراث بالغاً ما بلغ ويبطل الإقرار، وإذا انقضت عدتها قبل موته ثبت إقراره ولا ميراث لها.
(ومن أقر بغلام) يعبر عن نفسه، و (يولد مثله لمثله، وليس له) أي الغلام (نسب معروف أنه ابنه وصدقه الغلام) في دعواه (ثبت نسبه، وإن كان) المقر (مريضاً، ويشارك) الغلام المقر له (الورثة في الميراث) لأنه بثبوت نسبه صار كالمعروف النسب، فيشاركهم. وشرط كونه يولد مثله لمثله كيلا يكون مكذبا ظاهراً، وأن لا يكون معروف النسب لأن معروف النسب يمتنع ثبوته من غيره، وشرط تصديقه لأنه في يد نفسه إذ المسألة في غلام يعبر عن نفسه، حتى لو كان صغيراً لا يعبر عن نفسه لم يعتبر تصديقه.
(ويجوز إقرار الرجل بالوالدين والولد والزوجة والمولى) ، لأنه إقرار بما يلزمه، وليس فيه تحميل النسب على الغير (ويقبل إقرار المرأة بالوالدين والزوج والمولى) لما بينا (ولا يقبل) إقرارها إذا كانت ذات زوجٍ أو معتدة منه (بالولد) لأن فيه تحميل النسب على الغير وهو الزوج؛ لأن النسب منه (إلا أن يصدقها الزوج) لأن الحق له (أو تشهد بولادتها) امرأة (قابلة) أو غيرها، لأن قول المرأة الواحدة في الولادة مقبول، قال الأقطع: فتثبت الولادة بشهادتها، ويلتحق النسب بالفراش. اهـ
قيدنا بذات الزوج أو المعتدة منه لأنها إذا لم تكن كذلك صح مطلقاً، وكذا إذا كانت كذلك وادعت أنه من غيره، قال في الهداية: ولابد من تصديق هؤلاء، يعني الوالدين والولد والزوج والزوجة والمولى؛ لما مر أنهم في أيدي أنفسهم، فيتوقف نفاذ
стр. 311
ومن أقر بنسبٍ من غير الوالدين والولد والزوج والزوجة والمولى - مثل الأخ والعم - لم يقبل إقراره في النسب، فإن كان له وارثٌ معروفٌ قريبٌ أو بعيدٌ فهو أولى بالميراث من المقر له، وإن لم يكن له وارثٌ استحق المقر له ميراثه، ومن مات أبوه فأقر بأخٍ له لم يثبت نسب أخيه ويشاركه في الميراث.
كتاب الإجارة .
- الإجارة
ــ
الإقرار على تصديقهم، وقدمنا أن هذا في غير الولد الذي لا يعبر عن نفسه، لأنه بمنزلة المتاع فلا يعتبر تصديقه.
(ومن أقر بنسب من غير) هؤلاء المذكورين من (الوالدين والولد والزوج والزوجة والمولى، مثل الأخ والعم) والجد وابن الابن (لم يقبل إقراره في النسب) وإن صدقه المقر له، لأن فيه حمل النسب على الغير (فإن كان له) : أي المقر (وارث معروف) نسبه (قريب أو بعيد فهو أولى بالميراث من المقر له) ؛ لأنه لما لم يثبت نسبه منه لم يزاحم الوارث المعروف النسب (وإن لم يكن له وارث) معروف (استحق المقر له ميراثه) ، لأن له ولاية التصرف في مال نفسه عند عدم الوارث، فيستحق جميع المال وإن لم يثبت نسبه (ومن مات أبوه فأقر بأخ لم يثبت نسب أخيه) وإن صدقه (و) لكنه (يشاركه في الميراث) لأن إقراره تضمن شيئين: حمل النسب على الغير، ولا ولاية له عليه فلا يثبت، والاشتراك في المال، وله فيه ولاية فيثبت.
كتاب الإجارة
(الإجارة) لغة: اسم للأجرة، وهي كراء الأجير. وقد أجره، إذا أعطاه أجرته، من بابي طلب وضرب، فهو آجرٌ، وذاك مأجور، وتمامه في المغرب، واصطلاحات
стр. 312
عقدٌ على المنافع بعوض، ولا تصح حتى تكون المنافع معلومة والأجرة معلومة، وما جاز أن يكون ثمناً في البيع جاز أن يكون أجرة في الإجارة، والمنافع تارةً تصير معلومةً بالمدة كاستئجار الدورلا للسكنى والأرضين للزراعة؛ فيصح العقد على مدةٍ معلومةٍ أي مدةٍ كانت، وتارةً تصير معلومة بالعمل والتسمية كمن استأجر رجلاً على صبغ ثوبٍ أو خياطته،
ــ
(عقد على المنافع بعوض) وتنعقد ساعة فساعة، على حسب حدوث المنفعة، وأقيمت العين مقام المنفعة في حق إضافة العقد إليها ليرتبط الإيجاب بالقبول، ثم عمله يظهر في حق المنفعة.
(ولا تصح) الإجارة (حتى تكون المنافع معلومة والأجرة) أيضاً (معلومة) لأن الجهالة في المعقود عليه وبدله تفضي إلى المنازعة، كجهالة الثمن والمثمن في البيع.
(و) كل (ما جاز أن يكون ثمناً) : أي بدلا (في البيع جاز أن يكون أجرة في الإجارة) ، لأن الأجرة ثمن المنفعة فيعتبر بثمن المبيع، ولا ينعكس، لجواز إجارة المنفعة بالمنفعة إذا اختلفا كما يأتي.
(والمنافع تارة تصير معلومة بالمدة) : أي ببيان مدة الاستئجار (كاستئجار الدور) مدة معلومة (للسكنى، و) استئجار (الأرضين للزراعة؛ فيصح العقد على مدة معلومة أي مدة كانت) : أي طالت أو قصرت، لأن المدة إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة فيها معلوما، إلا في الأوقاف، فلا تجوز الإجارة الطويلة في المختار كيلا يدعى المستأجر ملكها - وهي ما زاد على ثلاث سنين في الضياع، وعلى سنة في غيرها - وعلى هذا أرض اليتيم. جوهرة (وتارة تصير) المنفعة (معلومة بالعمل) أي ببيان العمل المعقود عليه (والتسمية، كمن استأجر رجلا على صبغ ثوب أو خياطته) وبين الثوب
стр. 313
أو استأجر دابةً ليحمل عليها مقداراً معلوماً أو يركبها مسافة سماها، وتارةً تصير معلومةً بالتعيين والإشارة كمن استأجر رجلاً لينقل له هذا الطعام إلى موضعٍ معلومٍ، ويجوز استئجار الدور والحوانيت للسكنى، وإن لم يبين ما يعمل فيها، وله أن يعمل كل شيءٍ إلا الحداد والقصار والطحان، ويجوز استئجار الأراضي للزراعة ولا يصح العقد حتى يسمي ما يزرع فيها أو يقول: على أن يزرع فيها ما شاء، ويجوز أن يستأجر الساحة ليبني فيها أو يغرس فيها نخلاً أو شجراً، فإذا.
ــ
ولون الصبغ وجنس الخياطة (أو استأجر دابة ليحمل عليها مقداراً معلوماً) قدره وجنسه (أو يركبها مسافة سماها) ببيان الوقت أو الموضع، فلو خلا عنهما فهي فاسدة. بزازية (وتارة تصير) المنفعة (معلومة بالتعيين) للمعقود عليه (والإشارة) إليه (كمن استأجر رجلا على أن ينقل له هذا الطعام إلى موضع معلوم) ، لأنه إذا أراه ما ينقله والموضع الذي يحمل إليه كانت المنفعة معلومة.
(ويجوز استئجار الدور) جمع دار، وهي معلومة (والحوانيت) جمع حانوت، وهي الدكان، المعدة (للسكنى وإن لم يبين ما يعمل فيها) ، لأن العمل المتعارف فيها السكنى فينصرف إليه (وله أن يعمل كل شيء) مما لا يضر بالبناء كما أشار إليه بقوله: (إلا الحداد والقصار والطحان) ، لأن في ذلك ضرراً ظاهراً، لأنه يوهن البناء ويضر به؛ فلا يملكه إلا بالتسمية (ويجوز استئجار الأراضي للزراعة) ، لأنها منفعة مقصودة معهودة فيها (و) لكن (لا يصح العقد حتى يسمي ما يزرع فيها) لأن ما يزرع فيها متفاوت، وبعضه يضر بالأرض، فلابد من التعيين كيلا تقع المنازعة (أو يقول: على أن يزرع فيها ما شاء) ؛ لأنه بالتفويض إليه ارتفعت الجهالة المفضية إلى المنازعة (ويجوز أن يستأجر الساحة) بالحاء المهملة - وهي الأرض الخالية من البناء والغرس (ليبني فيها) بناء (أو يغرس فيها نخلا أو شجرا) ، لأنها منفعة تقصد بالأراضي كالزراعة (فإذا
стр. 314
انقضت مدة الإجارة لزمه أن يقلع البناء والغرس ويسلمها فارغةً، إلا أن يختار صاحب الأرض أن يغرم له قيمة ذلك مقلوعاً فيملكه أو يرضى بتركه على حاله فيكون البناء لهذا والأرض لهذا، ويجوز استئجار الدواب للركوب والحمل، فإن أطلق الركوب جاز له أن يركبها من شاء، وكذلك إن استأجر ثوباً للبس وأطلق، فإن قال: على أن يركبها فلانٌ، أو يلبس الثوب فلانٌ، فأركبها غيره أو ألبسه غيره؛ كان ضامناً إن عطبت الدابة أو تلف الثوب؛
ــ
انقضت مدة الإجارة لزمه) أي المستأجر (أن يقلع البناء) الذي بناه (والغراس الذي غرسه، إن لم يرض المؤجر بتركها (ويسلمها) لصاحبها (فارغة لأنه لا نهاية لهما وفي إبقائهما إضراراً بصاحب الأرضص، بخلاف ما إذا انقضت المدة والزرع بقلٌ حيث يترك بأجر المثل إلى إدراكه، لأن له نهاية معلومة فأمكن رعاية الجانبين (إلا أن يختار صاحب الأرض أن يغرم له) : أي للباني والغارس (قيمة ذلك) البناء والغراس (مقلوعا فيملكه) وهذا برضا صاحب البناء والغرس، إلا إذا كانت تنقص الأرض بالقلع، فحينئذ يتملكها بعير رضاه. هداية (أو يرضى بتركه على حاله فيكون البناء لهذا والأرض لهذا) ، لأن الحق له، فله أن لا يستوفيه، والرطبة كالشجر لأنها لا نهاية لهما (ويجوز استئجار الدواب للركوب والحمل) لأنها منفعة معهودة (فإن أطلق الركوب) بأن قال "يركب من شاء" - وهو المراد بالإطلاق، لا أنه يستأجر الدابة للركوب ويطلقه فإنه لا يجوز كما في مسكين نقلا عن الذخيرة والمغنى وشرح الطحاوي - (جاز له أن يركبها من شاء) عملا بالإطلاق، ولكن إذا ركب بنفسه أو أركب واحداً ليس له أن يركب غيره، لأنه تعين مراداً من الأصل، والناس يتفاوتون في الركوب، فصار كأنه نص على ركوبه (وكذلك) الحكم (إن استأجر ثوباً للبس وأطلق) لتفاوت الناس في اللبس أيضا (فإن) قيد: بأن (قال على أن يركبها فلان أو يلبس الثوب فلان) فخالف (فأركبها غيره أو ألبسه غيره) : أي غير المشروط (كان ضامناً إن عطبت الدابة أو تلف الثوب) ، لأن الناس يتفاوتون في الركوب واللبس، فصح التعيين، وليس له أن يتعداه، ولا أجر
стр. 315
وكذلك كل ما يختلف باختلاف المستعمل، وأما العقار وما لا يختلف باختلاف المستعمل فلا يعتبر تقييده، فإذا شرط سكنى واحدٍ فله أن يسكن غيره، وإن سمى نوعاً أو قدراً يحمله على الدابة مثل أن يقول "خمسة أقفزة حنطةٍ" فله أن يحمل ما هو مثل الحنطة في الضرر أو أقل كالشعير والسمسم، وليس له أن يحمل ما هو أضر من الحنطة كالملح والحديد، وإن استأجرها ليحمل عليها قطناً سماه فليس له أن يحمل مثل وزنه حديداً، وإن استأجرها ليركبها فأردف معه رجلا فعطبت ضمن نصف قيمتها، ولا يعتبر بالثقل،
ــ
يلزمه لأنه لا يجتمع مع الضمان.
(وكذلك كل ما يختلف باختلاف المستعمل) لما تقدم (أما العقار ومالا يختلف باختلاف المستعمل فلا يعتبر تقييده؛ فإذا شرط) في العقار (سكنى واحد) بعينه (فله أن يسكن غيره) ، لأن التقييد غير مفيد، لعدم التفاوت، والذي يضر بالبناء خارج على ما تقدم (وإن سمى) المستأجر (نوعا وقدرا يحمله على الدابة مثل أن يقول) لأحمل عليها (خمسة أقفزة حنطة فله أن يحمل ما هو مثل الحنطة في الضرر) كالعدس والماش، لعدم التفاوت (أو أقل) ضررا (كالشعير والسمسم، لكونه خيراً من المشروط (وليس له أن يحمل ما هو أضر من الحنطة كالملح والحديد) لانعدام الرضا به، والأصل: أن من استحق منفعةً مقدرة بالعقد فاستوفاها أو مثلها أو دونها جاز، لدخوله تحت الإذن، ولو أكثر لم يجز، لعدم دخوله تحته (وإن استأجرها) أي الدابة (ليحمل عليها قطناً سماه) : أي سمى قدره (فليس له أن يحمل مثل وزنه حديدا) ونحوه؛ لأنه ربما يكون أضر على الدابة، فإن الحديد يجتمع في موضع في ظهره، والقطن ينبسط عليه (وإن استأجرها) : أي الدابة (ليركبها فأردف معه رجلا) بحيث يستمسك بنفسه والدابة تطيق ذلك (فعطبت) الدابة (ضمن نصف قيمتها) ، لأنها تلفت بركوبهما وأحدهما مأذون له دون الآخر (ولا يعتبر بالثقل) ، لأي الرجال لا توزن، والدابة ربما يعقرها جهل الراكب الخفيف ويخف عليها ركوب الثقيل، فاعتبر عدد الراكب، ولم يعين الضامن؛ لأن المالك بالخيار في تضمين أيهما شاء، ثم إن ضمن
стр. 316
وإن استأجرها ليحمل عليها مقداراً من الحنطة فحمل أكثر منه فعطبت ضمن ما زاد الثقل، وإذا كبح الدابة بلجامها أو ضربها فعطبت ضمن عند أبي حنيفة.
ــ
الراكب فلا رجوع له على الرديف، وإن ضمن الرديف يرجع بما ضمن على الراكب إن كان مستأجراً منه، وإلا لا، ولم يتعرض لوجوب الأجر، والمنقول في النهاية والمحيط أنه يجب جميع الأجر إذا هلكت بعد بلوغ المقصد مع تضمين النصف، لأن الضمان لركوب غيره، والأجر لركوبه، وقيد بكونها عطبت لأنها لو سلمت لا يلزمه غير المسمى كما في غاية البيان، وقيد بالإرداف ليكون كالتابع، لأنه لو أقعده في السرج صار غاصباً ولم يجب عليه شيء من الأجر، لأنه لا بجامع الضمان كما في غاية البيان، وكذا لو حمله على عاتقه، لكونه يجتمع في محل واحد فيشق على الدابة وإن كانت تطيق حملهما كما في النهاية، وقيد بالرجل لأنه لو ركبها وحمل عليها شيئا ضمن قدر الزيادة، وهذا إذا لم يركب فوق الحمل، أما لو ركب فوق الحمل ضمن جميع القيمة كما ذكره جواهر زاده، وقيدنا بكونه يستمسك بنفسه لأن ما لا يستمسك بنفسه بمنزلة المتاع يضمن بقدر ثقله كما في الزيلعي، وبكونها تطيق ذلك لأنها إذا لم تطق يضمن جميع القيمة كما في النسفي (وإن استأجرها ليحمل عليها مقداراً من الحنطة) مثلا (فحمل أكثر منه) من جنسه (فعطبت) الدابة (ضمن ما زاد الثقل) ؛ لأنها عطبت بما هو مأذون فيه وغير مأذون فيه، والسبب الثقل، فانقسم عليهما، إلا إذا كان حملا لا تطيقه مثل تلك الدابة فحينئذ يضمن كل قيمتها، لعدم الإذن فيها أصلا لخروجه عن المعتاد، هداية، قيدنا بأنها من جنس المسمى، لأنه لو حمل جنساً غير المسمى ضمن جميع القيمة كما في البحر (وإذا كبح الدابة) أي جذبها إليه (بلجامها أو ضربها) كبحاً وضرباً متعارفاً (فعطبت ضمن عند أبي حنيفة) ، لأن الإذن مقيد بشرط السلامة، إذ يتحقق السوق بدونهما، وإنما هما للمبالغة، فيتقيد بوصف السلامة. هداية.
وفي الجوهرة: وعليه الفتوى، وقالا: لا يضمن إذا فعل فعلا متعارفاً؛ لأن المتعارف مما يدخل تحت مطلق العقد، فكان حاصلا بإذنه فلا يضمنه
стр. 317
والأجراء على ضربين: أجيرٌ مشتركٌ، وأجيرٌ خاصٌ، فالمشترك: من لا يستحق الأجرة حتى يعمل كالصباغ والقصار، والمتاع أمانةٌ في يده: إن هلك لم يضمن شيئاً عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يضمنه، وما تلف بعمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الحمال وانقطاع الحبل الذي يشد به المكاري الحمل وغرق السفينة من مدها مضمونٌ
ــ
قال في التصحيح: واعتمد قوله الإمام المحبوبي والنسفي، لكن صرح الإسبيجاني والزوزني أن قوله قياسٌ وقولهما استحسانٌ، اهـ. قيدنا بالكبح والضرب لأنه لا يضمن بالسوق اتفاقا، وقيدنا بكونه متعارفا لأنه بغير المتعارف يضمن اتفاقا.
(والأجراء على ضربين) أي نوعين (أجير مشترك، وأجير خاص، فالمشترك من) يعمل لا لواحد، أو لواحد من غير توقيب، ومن أحكامه أنه (لا يستحق الأجرة حتى يعمل) المعقود عليه، وذلك (كالصباغ والقصار) ونحوهما (والمتاع أمانة في يده: إن هلك لم يضمن شيئاً، عند أبي حنيفة) وإن شرط عليه الضمان؛ لأن شرط الضمان في الأمانة مخالف لقضية الشرع، فيكون باطلا كما في الذخيرة نقلا عن الطحاوي، وقالا: يضمنه إلا من شيء غالب كالحريق الغالب والعدو المكابر، ونقل في التصحيح الإفتاء بقول الإمام عن عامة المعتبرات، وقال: واعتمده المحبوبي والنسفي، وبه جزم أصحاب المتون فكان هو المذهب، اهـ. لكن قال في الدر: وأفتى المتأخرون بالصلح على نصف القيمة، وقيل: إن كان الأجير مصلحا لا يضمن، وإن بخلافه يضمن، وإن مستور الحال يؤمر بالصلح، عمادية. قلت: وهل يجبر عليه؟ حرر في تنوير البصائر نعم، كمن تمت مدته في وسط البحر أو البرية تبقى الإجارة بالجبر. اهـ (وما تلف بعمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الحمال وانقطاع الحبل الذي يشد به المكارى الحمل وغرق السفينة من مدها) : أي أجرائها (مضمون) عليه؛ لأن المأذون فيه ما هو داخل تحت العقد، وهو العمل الصالح، فلم يكن المفسد مأذوناً فيه فيكون مضمونا عليه
стр. 318
إلا أنه لا يضمن به بني آدم ممن غرق في السفينة أو سقط من الدابة لم يضمنه، وإذا فصد الفصاد أو بزغ البزاغ ولم يتجاوز الموضع المعتاد فلا ضمان عليه فيما عطب من ذلك. والأجير الخاص: الذي يستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة، وإن لم يعمل، كمن استؤجر شهراً للخدمة أو لرعي الغنم.
ــ
(إلا أنه لا يضمن به بني آدم ممن غرق في السفينة أو سقط من الدابة) وإن كان بسوقه أو قوده؛ لأن ضمان الآدمي لا يجب بالعقد، بل بالجناية، وهذا ليس بجناية لكونه مأذونا فيه (وإذا فصد الفصاد) بإذن المفصود (أو بزغ البزاغ) أي البيطار بإذن رب الدابة (ولم يتجاوز الموضع المعتاد فلا ضمان عليه فيما عطب من ذلك) لأنه لا يمكن الاحتراز عن السراية؛ لأنه يبتنى على قوة الطباع وضعفها، ولا يعرف ذلك بنفسه، فلا يمكن تقييده بالسلامة، فسقط اعتباره، إلا إذا جاوز المعتاد فيضمن الزائد كله إذا لم يهلك، وإذا هلك ضمن نصف الدية، لأنه هلك بمأذون فيه وغير مأذون فيه، فيضمن بحسابه - وهو النصف - حتى إن الختان لو قطع الحشفة وبرئ المقطوع تجب عليه دية كاملة، لأن الزائل هو الحشفة، وهو عضو كامل، فتجب دية كاملة، وإن مات يجب عليه نصف الدية. وهي من الغرائب، حيث يجب الأكثر بالبرء والأقل بالهلاك. درر عن الزيلعي.
قيدنا الفصد والبزغ بالإذن، لأنه لو بغير الإذن ضمن مطلقا.
(والأجير الخاص) - ويسمى أجير واحدٍ أيضا - هو (الذي) يعمل لواحد عملا موقتا بالتخصيص، ومن أحكامه أنه (يستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة) المعقود عليها (وإن لم يعمل) وذلك (كمن استؤجر شهراً للخدمة أو لرعي الغنم) ؛ لأن المعقود عليه تسليم نفسه، لا عمله، كالدار المستأجرة للسكنى، والأجر مقابل بها، فيستحقه ما لم يمنع من العمل مانع كمرض ومطر ونحوهما مما يمنع التمكن من العمل. ثم الأجير للخدمة أو لرعي الغنم إنما يكون خاصا إذا شرط عليه أن لا يخدم غيره ولا يرعى لغيره أو ذكر المدة أو لا، كأن يستأجره شهراً ليرعى له غنما مسماة بأجر معلوم فإنه أجير خاص بأول
стр. 319
ولا ضمان على الأجير الخاص فيما تلف في يده ولا ما تلف من عمله.
والإجارة تفسدها الشروط كما تفسد البيع، ومن استأجر عبداً للخدمة فليس له أن يسافر به إلا أن يشترط ذلك، ومن استأجر جملاً ليحمل عليه محملاً وراكبين إلى مكة جاز، وله المحمل المعتاد، وإن شاهد الجمال المحمل فهو أجود، وإن استأجر
ــ
الكلام، وتمامه في الدرر، ولبس للخاص أن يعمل لغيره، ولو عمل نقص من أجرته بقدر ما عمل، فتاوى النوازل (ولا ضمان على الأجير الخاص فيما تلف في يده) بأن سرق منه أو غصب لأنه أمانة في يده، لأنه قبضه بإذنه (ولا ما تلف من عمله) العمل المعتاد: كتخريق للثوب من دقه، لأن منافعه صارت مملوكة للمستأجر، فإذا أمره بالصرف إلى ملكه صح وصار نائبا منابه فصار فعله منقولا إليه كأنه فعله بنفسه، قيدنا العمل بالمعتاد لأنه لو كان غير معتاد بأن تعمد الفساد ضمن كالمودع.
(والإجارة تفسدها الشروط) المخالفة لمقتضى العقد (كما تفسد البيع) بذلك، لأن الإجارة بمنزلة البيع لأنها بيع المنافع.
(ومن استأجر عبدا للخدمة) وهو مقيم، ولم يكن معروفا بالسفر (فليس له أن يسافر به، إلا أن يشترط ذلك) في عقد الإجارة، لأن خدمة السفر أشق فلا تلزم إلا بالتزامه، قيدنا بكونه مقيما لأنه إذا كان مسافرا له السفر به، كما في الجوهرة، وبكونه غير معروف بالسفر لأنه إذا كان معروفا بالسفر له السفر به، لأن المعروف كالمشروط (ومن استأجر جملا ليحمل عليه محملا) ولو غير معين (وراكبين) معينين أو يقول: على أن أركب من أشاء (إلى مكة جاز) العقد استحساناً (وله المحمل المعتاد) لأن المقصود هو الراكب وهو معلوم، والمحمل تابع، وما فيه من الجهالة يرتفع بالصرف إلى المعتاد، ويجعل المعقود عليه جملا في ذمة المكاري؛ والإبل آلة، وجهالة الآلة لا تفسد (وإن شاهد الجمال المحمل فهو أجود) ، لأنه أنفى للجهالة (وإن استأجر
стр. 320
بعيراً ليحمل عليه مقداراً من الزاد فأكل منه في الطريق جاز له أن يرد عوض ما أكل، والأجرة لا تجب بالعقد، وتستحق بأحد معانٍ ثلاثةٍ: إما بشرط التعجيل. أو بالتعجيل من غير شرطٍ، أو باستيفاء المعقود عليه، ومن استأجر داراً فللمؤجر أن يطالبه بأجرة كل يومٍ إلا أن يبين وقت الاستحقاق بالعقد، ومن استأجر بعيراً إلى مكة فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلةٍ، وليس للقصار والخياط أن يطالب بالأجرة حتى يفرغ
ــ
بعيراً ليحمل عليه مقداراً من الزاد فأكل منه في الطريق جاز له أن يرد عوض ما أكل) من زاد ونحوه، لأنه يستحق عليه حملا مسمى في جميع الطريق؛ فله أن يستوفيه.
(والأجرة لا تجب بالعقد) فلا يجب تسليمها به (و) إنما (تستحق بأحد معان ثلاثة: إما بشرط التعجيل) وقت العقد، لأنه شرط لازم (أو بالتعجيل من غير شرط) بأن يعطيه حالا، فإنه يكون هو الواجب، حتى لا يكون له الاسترداد (أو باستيفاء المعقود عليه) ، لأنها عقد معاوضة، فإذا استوفى المنفعة استحق عليه البدل.
(ومن استأجر دارا) سنة مثلا بقدر معلوم من غير بيان وقت الاستحقاق (فللمؤجر أن يطالبه بأجرة كل يوم) لأنهما منفعة مقصودة (إلا أن يبين وقت الاستحقاق في العقد) لأنه بمنزلة التأجيل (و) كذا (من استأجر بعيرا إلى مكة) بقدر معلوم فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلة) ، لأن سير كل مرحلة منفعة مقصودة، وكان الإمام أولا يقول: لا يجب الأجر إلا بعد انقضاء المدة وانتهاء السفر، لأن المعقود عليه جملة المنافع في المدة فلا يتوزع الأجر على أجزائها، كما إذا كان المعقود عليه العمل، ووجه المرجوع إليه أن القياس يقتضي استحقاق الأجرة ساعة فساعة لتتحقق المساواة، إلا أن المطالبة في كل ساعة تفضي إلى أن لا يتفرغ لغيره فيتضرر به، فقدر بما ذكرناه، هداية.
(وليس للقصار والخياط) ونحوهما (أن يطالب بالأجرة) أو بعضها (حتى يفرغ