← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21496

اللباب في شرح الكتاب

عبد الغني الميداني

Полный текст (904 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وإن استأجرها ليحمل عليها مقداراً من الحنطة فحمل أكثر منه فعطبت ضمن ما زاد الثقل، وإذا كبح الدابة بلجامها أو ضربها فعطبت ضمن عند أبي حنيفة. ــ الراكب فلا رجوع له على الرديف، وإن ضمن الرديف يرجع بما ضمن على الراكب إن كان مستأجراً منه، وإلا لا، ولم يتعرض لوجوب الأجر، والمنقول في النهاية والمحيط أنه يجب جميع الأجر إذا هلكت بعد بلوغ المقصد مع تضمين النصف، لأن الضمان لركوب غيره، والأجر لركوبه، وقيد بكونها عطبت لأنها لو سلمت لا يلزمه غير المسمى كما في غاية البيان، وقيد بالإرداف ليكون كالتابع، لأنه لو أقعده في السرج صار غاصباً ولم يجب عليه شيء من الأجر، لأنه لا بجامع الضمان كما في غاية البيان، وكذا لو حمله على عاتقه، لكونه يجتمع في محل واحد فيشق على الدابة وإن كانت تطيق حملهما كما في النهاية، وقيد بالرجل لأنه لو ركبها وحمل عليها شيئا ضمن قدر الزيادة، وهذا إذا لم يركب فوق الحمل، أما لو ركب فوق الحمل ضمن جميع القيمة كما ذكره جواهر زاده، وقيدنا بكونه يستمسك بنفسه لأن ما لا يستمسك بنفسه بمنزلة المتاع يضمن بقدر ثقله كما في الزيلعي، وبكونها تطيق ذلك لأنها إذا لم تطق يضمن جميع القيمة كما في النسفي (وإن استأجرها ليحمل عليها مقداراً من الحنطة) مثلا (فحمل أكثر منه) من جنسه (فعطبت) الدابة (ضمن ما زاد الثقل) ؛ لأنها عطبت بما هو مأذون فيه وغير مأذون فيه، والسبب الثقل، فانقسم عليهما، إلا إذا كان حملا لا تطيقه مثل تلك الدابة فحينئذ يضمن كل قيمتها، لعدم الإذن فيها أصلا لخروجه عن المعتاد، هداية، قيدنا بأنها من جنس المسمى، لأنه لو حمل جنساً غير المسمى ضمن جميع القيمة كما في البحر (وإذا كبح الدابة) أي جذبها إليه (بلجامها أو ضربها) كبحاً وضرباً متعارفاً (فعطبت ضمن عند أبي حنيفة) ، لأن الإذن مقيد بشرط السلامة، إذ يتحقق السوق بدونهما، وإنما هما للمبالغة، فيتقيد بوصف السلامة. هداية. وفي الجوهرة: وعليه الفتوى، وقالا: لا يضمن إذا فعل فعلا متعارفاً؛ لأن المتعارف مما يدخل تحت مطلق العقد، فكان حاصلا بإذنه فلا يضمنه

стр. 317

والأجراء على ضربين: أجيرٌ مشتركٌ، وأجيرٌ خاصٌ، فالمشترك: من لا يستحق الأجرة حتى يعمل كالصباغ والقصار، والمتاع أمانةٌ في يده: إن هلك لم يضمن شيئاً عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يضمنه، وما تلف بعمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الحمال وانقطاع الحبل الذي يشد به المكاري الحمل وغرق السفينة من مدها مضمونٌ ــ قال في التصحيح: واعتمد قوله الإمام المحبوبي والنسفي، لكن صرح الإسبيجاني والزوزني أن قوله قياسٌ وقولهما استحسانٌ، اهـ. قيدنا بالكبح والضرب لأنه لا يضمن بالسوق اتفاقا، وقيدنا بكونه متعارفا لأنه بغير المتعارف يضمن اتفاقا. (والأجراء على ضربين) أي نوعين (أجير مشترك، وأجير خاص، فالمشترك من) يعمل لا لواحد، أو لواحد من غير توقيب، ومن أحكامه أنه (لا يستحق الأجرة حتى يعمل) المعقود عليه، وذلك (كالصباغ والقصار) ونحوهما (والمتاع أمانة في يده: إن هلك لم يضمن شيئاً، عند أبي حنيفة) وإن شرط عليه الضمان؛ لأن شرط الضمان في الأمانة مخالف لقضية الشرع، فيكون باطلا كما في الذخيرة نقلا عن الطحاوي، وقالا: يضمنه إلا من شيء غالب كالحريق الغالب والعدو المكابر، ونقل في التصحيح الإفتاء بقول الإمام عن عامة المعتبرات، وقال: واعتمده المحبوبي والنسفي، وبه جزم أصحاب المتون فكان هو المذهب، اهـ. لكن قال في الدر: وأفتى المتأخرون بالصلح على نصف القيمة، وقيل: إن كان الأجير مصلحا لا يضمن، وإن بخلافه يضمن، وإن مستور الحال يؤمر بالصلح، عمادية. قلت: وهل يجبر عليه؟ حرر في تنوير البصائر نعم، كمن تمت مدته في وسط البحر أو البرية تبقى الإجارة بالجبر. اهـ (وما تلف بعمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الحمال وانقطاع الحبل الذي يشد به المكارى الحمل وغرق السفينة من مدها) : أي أجرائها (مضمون) عليه؛ لأن المأذون فيه ما هو داخل تحت العقد، وهو العمل الصالح، فلم يكن المفسد مأذوناً فيه فيكون مضمونا عليه

стр. 318

إلا أنه لا يضمن به بني آدم ممن غرق في السفينة أو سقط من الدابة لم يضمنه، وإذا فصد الفصاد أو بزغ البزاغ ولم يتجاوز الموضع المعتاد فلا ضمان عليه فيما عطب من ذلك. والأجير الخاص: الذي يستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة، وإن لم يعمل، كمن استؤجر شهراً للخدمة أو لرعي الغنم. ــ (إلا أنه لا يضمن به بني آدم ممن غرق في السفينة أو سقط من الدابة) وإن كان بسوقه أو قوده؛ لأن ضمان الآدمي لا يجب بالعقد، بل بالجناية، وهذا ليس بجناية لكونه مأذونا فيه (وإذا فصد الفصاد) بإذن المفصود (أو بزغ البزاغ) أي البيطار بإذن رب الدابة (ولم يتجاوز الموضع المعتاد فلا ضمان عليه فيما عطب من ذلك) لأنه لا يمكن الاحتراز عن السراية؛ لأنه يبتنى على قوة الطباع وضعفها، ولا يعرف ذلك بنفسه، فلا يمكن تقييده بالسلامة، فسقط اعتباره، إلا إذا جاوز المعتاد فيضمن الزائد كله إذا لم يهلك، وإذا هلك ضمن نصف الدية، لأنه هلك بمأذون فيه وغير مأذون فيه، فيضمن بحسابه - وهو النصف - حتى إن الختان لو قطع الحشفة وبرئ المقطوع تجب عليه دية كاملة، لأن الزائل هو الحشفة، وهو عضو كامل، فتجب دية كاملة، وإن مات يجب عليه نصف الدية. وهي من الغرائب، حيث يجب الأكثر بالبرء والأقل بالهلاك. درر عن الزيلعي. قيدنا الفصد والبزغ بالإذن، لأنه لو بغير الإذن ضمن مطلقا. (والأجير الخاص) - ويسمى أجير واحدٍ أيضا - هو (الذي) يعمل لواحد عملا موقتا بالتخصيص، ومن أحكامه أنه (يستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة) المعقود عليها (وإن لم يعمل) وذلك (كمن استؤجر شهراً للخدمة أو لرعي الغنم) ؛ لأن المعقود عليه تسليم نفسه، لا عمله، كالدار المستأجرة للسكنى، والأجر مقابل بها، فيستحقه ما لم يمنع من العمل مانع كمرض ومطر ونحوهما مما يمنع التمكن من العمل. ثم الأجير للخدمة أو لرعي الغنم إنما يكون خاصا إذا شرط عليه أن لا يخدم غيره ولا يرعى لغيره أو ذكر المدة أو لا، كأن يستأجره شهراً ليرعى له غنما مسماة بأجر معلوم فإنه أجير خاص بأول

стр. 319

ولا ضمان على الأجير الخاص فيما تلف في يده ولا ما تلف من عمله. والإجارة تفسدها الشروط كما تفسد البيع، ومن استأجر عبداً للخدمة فليس له أن يسافر به إلا أن يشترط ذلك، ومن استأجر جملاً ليحمل عليه محملاً وراكبين إلى مكة جاز، وله المحمل المعتاد، وإن شاهد الجمال المحمل فهو أجود، وإن استأجر ــ الكلام، وتمامه في الدرر، ولبس للخاص أن يعمل لغيره، ولو عمل نقص من أجرته بقدر ما عمل، فتاوى النوازل (ولا ضمان على الأجير الخاص فيما تلف في يده) بأن سرق منه أو غصب لأنه أمانة في يده، لأنه قبضه بإذنه (ولا ما تلف من عمله) العمل المعتاد: كتخريق للثوب من دقه، لأن منافعه صارت مملوكة للمستأجر، فإذا أمره بالصرف إلى ملكه صح وصار نائبا منابه فصار فعله منقولا إليه كأنه فعله بنفسه، قيدنا العمل بالمعتاد لأنه لو كان غير معتاد بأن تعمد الفساد ضمن كالمودع. (والإجارة تفسدها الشروط) المخالفة لمقتضى العقد (كما تفسد البيع) بذلك، لأن الإجارة بمنزلة البيع لأنها بيع المنافع. (ومن استأجر عبدا للخدمة) وهو مقيم، ولم يكن معروفا بالسفر (فليس له أن يسافر به، إلا أن يشترط ذلك) في عقد الإجارة، لأن خدمة السفر أشق فلا تلزم إلا بالتزامه، قيدنا بكونه مقيما لأنه إذا كان مسافرا له السفر به، كما في الجوهرة، وبكونه غير معروف بالسفر لأنه إذا كان معروفا بالسفر له السفر به، لأن المعروف كالمشروط (ومن استأجر جملا ليحمل عليه محملا) ولو غير معين (وراكبين) معينين أو يقول: على أن أركب من أشاء (إلى مكة جاز) العقد استحساناً (وله المحمل المعتاد) لأن المقصود هو الراكب وهو معلوم، والمحمل تابع، وما فيه من الجهالة يرتفع بالصرف إلى المعتاد، ويجعل المعقود عليه جملا في ذمة المكاري؛ والإبل آلة، وجهالة الآلة لا تفسد (وإن شاهد الجمال المحمل فهو أجود) ، لأنه أنفى للجهالة (وإن استأجر

стр. 320

بعيراً ليحمل عليه مقداراً من الزاد فأكل منه في الطريق جاز له أن يرد عوض ما أكل، والأجرة لا تجب بالعقد، وتستحق بأحد معانٍ ثلاثةٍ: إما بشرط التعجيل. أو بالتعجيل من غير شرطٍ، أو باستيفاء المعقود عليه، ومن استأجر داراً فللمؤجر أن يطالبه بأجرة كل يومٍ إلا أن يبين وقت الاستحقاق بالعقد، ومن استأجر بعيراً إلى مكة فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلةٍ، وليس للقصار والخياط أن يطالب بالأجرة حتى يفرغ ــ بعيراً ليحمل عليه مقداراً من الزاد فأكل منه في الطريق جاز له أن يرد عوض ما أكل) من زاد ونحوه، لأنه يستحق عليه حملا مسمى في جميع الطريق؛ فله أن يستوفيه. (والأجرة لا تجب بالعقد) فلا يجب تسليمها به (و) إنما (تستحق بأحد معان ثلاثة: إما بشرط التعجيل) وقت العقد، لأنه شرط لازم (أو بالتعجيل من غير شرط) بأن يعطيه حالا، فإنه يكون هو الواجب، حتى لا يكون له الاسترداد (أو باستيفاء المعقود عليه) ، لأنها عقد معاوضة، فإذا استوفى المنفعة استحق عليه البدل. (ومن استأجر دارا) سنة مثلا بقدر معلوم من غير بيان وقت الاستحقاق (فللمؤجر أن يطالبه بأجرة كل يوم) لأنهما منفعة مقصودة (إلا أن يبين وقت الاستحقاق في العقد) لأنه بمنزلة التأجيل (و) كذا (من استأجر بعيرا إلى مكة) بقدر معلوم فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلة) ، لأن سير كل مرحلة منفعة مقصودة، وكان الإمام أولا يقول: لا يجب الأجر إلا بعد انقضاء المدة وانتهاء السفر، لأن المعقود عليه جملة المنافع في المدة فلا يتوزع الأجر على أجزائها، كما إذا كان المعقود عليه العمل، ووجه المرجوع إليه أن القياس يقتضي استحقاق الأجرة ساعة فساعة لتتحقق المساواة، إلا أن المطالبة في كل ساعة تفضي إلى أن لا يتفرغ لغيره فيتضرر به، فقدر بما ذكرناه، هداية. (وليس للقصار والخياط) ونحوهما (أن يطالب بالأجرة) أو بعضها (حتى يفرغ

стр. 321

من العمل إلا أن يشترط التعجيل، ومن استأجر خبازاً ليخبز له في بيته قفيز دقيق بدرهمٍ لم يستحق الأجرة حتى يخرج الخبز من التنور، ومن استأجر طباخاً ليطبخ له طعاماً للويمة فالغرف عليه، ومن استأجر رجلاً ليضرب له لبناً استحق الأجرة إذا أقامه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يستحقها حتى يشرجه، وإذا قال للخياط: إن خطت هذا الثوب فارسياً فبدرهمٍ، وإن خطته رومياً فبدرهمين، جاز، وأي العملين عمل استحق الأجرة، ــ من العمل) المعقود عليه، لأن العمل في البعض غير منتفع به فلا يستوجب به الأجر. (إلا أن يشترط التعجيل) ، لما مر أن الشرط فيه لازم (ومن استأجر خبازاً ليخبز له في بيته) : أي بيت المستأجر (قفيز دقيق) مثلا (بدرهم لم يستحق الأجرة حتى يخرج الخبز من التنور) ، لأن تمامه بالإخراج، فلو احترق أو سقط من يده قبل الإخراج فلا أجرة له للهلاك قبل التسليم، وإن أخرجه ثم احترق من غير فعله فله الأجر ولا ضمان عليه. هداية. (ومن استأجر طباخاً ليطبخ له طعاما للوليمة فالغرف عليه) : أي على الأجير، لجريان العرف بذلك (ومن استأجر رجلا ليضرب له لبناً) بكسر الباء (استحق الأجرة إذا أقامه) أي صار لبناً (عند أبي حنيفة) ؛ لأن العمل قد تم والتشريج عمل زائد كالنقل، ألا يرى أن ينتفع به قبل التشريج بالنقل إلى موضع العمل، بخلاف ما قبل الإقامة، لأنه طين منتشر. هداية (وقالا: لا يستحقها) : أي الأجرة (حتى يشرجه) أي يركب بعضه على بعض، لأنه من تمام عمله، إذ لا يؤمن الفساد قبله، فصار كإخراج الخبز من التنور، ولأن الأجير هو الذي يتولاه عرفا، وهو المعتبر فيما لم ينص عليه، قال في التصحيح: وقد اعتمد قول الإمام المحبوبي والنسفي، وقال في العيون: والفتوى على قولهما، قلت: كأنه لاتحاد العرف فيراعى إن اتحد. انتهى. (وإذا قال للخياط: إن خطت هذا الثوب فارسيا فبدرهم، وإن خطته روميا فبدرهمين، جاز) الشرطان (وأي العملين عمل استحق الأجرة) المشروطة، وكذا

стр. 322

وإن قال: إن خطته اليوم فبدرهمٍ، وإن خطته غداً فبنصف درهمٍ، فإن خاطه اليوم فله درهمٌ، وإن خاطه غداً فله أجر مثله عند أبي حنيفة ولا يتجاوز به نصف درهمٍ، وإن قال: إن سكنت في هذا الدكان عطاراً فبدرهمٍ في الشهر، وإن سكنته حداداً فبدرهمين، جاز، وأي الأمرين فعل استحق المسمى فيه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: الإجارة فاسدةٌ، ومن استأجر داراً كل شهرٍ بدرهمٍ فالعقد صحيحٌ في شهرٍ واحدٍ فاسدٌ في بقية الشهور. ــ إذا خيره بين ثلاثة أشياء، وإن خيره بين أربعة لم يجز، اعتباراً بالبيع، فإنه إذا اشترى ثوبين على أن يأخذ أيهما شاء جاز، وكذا إذا خيره بين ثلاثة أثواب، ولا يجوز في الأربعة فكذا في الإجارة. نهاية. (وإن قال: إن خطته اليوم فبدرهم، وإن خطته غداً فبنصف درهم، فإن خاطه اليوم فله درهم، وإن خاطه غدا) أو بعده (فله أجر مثله عند أبي حنيفة) ؛ لأن ذكر اليوم للتعجيل، بخلاف الغد فإنه للتعليق حقيقة، وإذا كان كذلك يجتمع في الغد تسميتان الوقت والعمل، دون اليوم، فيصح الأول ويجب المسمى في اليوم، ويفسد الثاني ويجب أجر المثل، كما في الهداية (ولا يتجاوز به نصف درهم) لأنه هو المسمى في اليوم الثاني وقد رضى به، وهذا عند أبي حنيفة (وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان) وقال زفر: الشرطان فاسدان، قال في التصحيح: واعتمد قول الإمام في الخلافيات المذكورة المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وأبو الفضل (وإن قال: إن سكنت في هذه الدكان عطاراً فبدرهم في الشهر، وإن سكنت حداداً فبدرهمين جاز) الشرطان (وأي الأمرين فعل استحق المسمى فيه عند أبي حنيفة) ، لأنه خيره بين عقدين صحيحين مختلفين فيصح كما في مسألة الرومية والفارسية (وقالا: الإجارة فاسدة) لجهالة الأجرة، لأنه لا يعلم أي العملين يعمل، وتقدم في التصحيح أن المعتمد في الخلافيات المذكورة قول الإمام (ومن استأجر داراً كل شهر بدرهم فالعقد صحيح في شهر واحد) لكونه معلوما (فاسدة في بقية الشهور)

стр. 323

إلا أن يسمي جملةً شهورٍ معلومةٍ، فإن سكن ساعةً من الشهر الثاني صح العقد فيه [ولزمه ذلك الشهر] ولم يكن للمؤجر أن يخرجه منها إلى أن ينقضي، وكذلك كل شهرٍ يسكن في أوله، وإذا استأجر داراً سنةً بعشرة دراهم جاز، وإن لم يسم قسط كل شهرٍ من الأجرة، ويجوز أخذ أجرة الحمام ــ لجهالتها، والأصل أن كلمة "كل" إذا دخلت فيما لا نهاية له ينصرف إلى الواحد؛ لتعذر العمل بالعموم، فكان الشهر الواحد معلوما فصح العقد فيه، فإذا تم كان لكل واحد منهما أن ينقض الإجارة لانتهاء مدة العقد الصحيح (إلا أن يسمى جملة شهور) جملةً (معلومة) فيجوز، لزوال المانع لأن المدة صارت معلومة (فإن سكن ساعة من الشهر الثاني صح العقد فيه) : أي الشهر الثاني (ولم يكن للمؤجر أن يخرجه منها إلى أن ينقضي) الشهر (وكذلك) حكم (كل شهر يسكن في أوله) ساعةً، لأنه تم العقد بتراضيهما بالسكنى في الشهر الثاني، إلا أن الذي ذكره في الكتاب هو القياس، وقد مال إليه بعض المشايخ، وظاهر الرواية أن يبقى الخيار لكل واحد منهما في الليلة الأولى من الشهر ويومها، لأن في اعتبار الأول بعض الحرج، هداية. وفي التصحيح: قال في الجوهرة والتبيين: هذا قول البعض، أما ظاهر الرواية لكل واحد منهما الخيار في الليلة الأولى من الشهر ويومها، وبه يفتى، قال القاضي: وإليه أشار في ظاهر الرواية، وعليه الفتوى. اهـ (وإذا استأجر داراً سنةً بعشرة دراهم) مثلا (جاز) وتقسط على الأشهر بالسوية (وإن لم يسم قسط كل شهر من الأجرة) ، لأن المدة معلومة بدون التقسيم. ثم يعتبر ابتداء المدة مما سمى، وإن لم يسم فمن وقت العقد، ثم إن كان العقد حين يهل الهلال فشهور السنة كلها بالأهلة، لأنها الأصل، وإن كان في أثناء الشهر فالكل بالأيام عند الإمام، وقال محمد: الشهر الأول بالأيام، والباقي بالأهلة، وعن أبي يوسف روايتان. (ويجوز أخذ أجرة الحمام) لتعارف الناس، ولم يعتبر الجهالة لإجماع المسلمين: وقال

стр. 324

والحجام، ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس، ولا يجوز الاستئجار على الأذان والإقامة والحج والغناء والنوح، ولا تجوز إجارة المشاع عند أبي حنيفة إلا من الشريك. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إجارة المشاع جائزةٌ. ــ النبي ﷺ : "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" هداية. (والحجام) لما روي أنه ﵊ "احتجم وأعطى الحجام الأجر" ولأنه استأجر على عمل معلوم بأجر معلوم، هداية (ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس) أي ضرابه (ولا يجوز الاستئجار على) الطاعات، مثل (الأذان والإقامة والحج) والإمامة وتعليم القرآن والفقه، قال في التصحيح: وهذا جواب المتقدمين، وأجازه المتأخرون، فقال في الهداية: وبعض مشايخنا استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن، وعليه الفتوى، واعتمده النسفي، وقال في المحيط: ولا يجوز الاستئجار على الطاعات كتعليم القرآن والفقه والإمامة والحج عنه، وبعض أصحابنا المتأخرين جوزوا ذلك؛ لكسل الناس، ولحاجتهم. وفي الذخيرة: ومشايخ بلخ جوزوا الاستئجار لتعليم القرآن إذا ضرب لذلك مدة، وأفتوا بوجوب المسمى، وإذا كان بدون ذكر المدة أفتوا بوجوب أجرة المثل، وكذلك يفتى بجواز الاستئجار على تعليم الفقه، وقال صدر الشريعة: ولم يصح للعبادات كالأذان والإقامة وتعليم القرآن، ونفتي اليوم بصحتها. اهـ (و) لا على المعاصي، مثل (الغناء والنوح) وكذا سائر الملاهي؛ لأنه استئجار على المعصية، والمعصية لا تستحق بالعقد. (ولا تجوز إجارة المشاع) الأصلي، سواء كان يقبل القسمة أو لا (عند أبي حنيفة) لعدم القدرة على التسليم؛ لأن تسليم الشائع وحده لا يتصور (إلا من الشريك) ؛ لحدوث المنفعة كلها على ملكه فلا شيوع، والاختلاف في النسبة لا يضر، هداية. وفي جامع الكرخي: نص أبو حنيفة أنه إذا آجر بعض ملكه أو آجر أحد الشريكين نصيبه من أجنبي فهو فاسد، سواء فيما يقسم ومالا يقسم، اهـ. وكذا من أحد الشريكين كما في العمادية (وقالا: إجارة المشاع جائزة) ؛ لأن له منفعة، ولهذا يجب أجر المثل، والتسليم ممكن

стр. 325

ويجوز استئجار الظئر بأجرةٍ معلومةٍ، ويجوز بطعامها وكسوتها، وليس للمستأجر أن يمنع زوجها من وطئها، فإن حبلت كان لهم أن يفسخوا الإجارة إذا خافوا على الصبي من لبنها، وعليها أن تصلح طعام الصبي، وإن أرضعته في المدة بلبن شاةٍ فلا أجر لها، وكل صنعٍ لعمله أثرٌ في العين كالقصار ــ بالتخلية أو بالتهايؤ، فصار كما إذا أجر من شريكه أو من رجلين، قال في التصحيح: وفي الفتاوى الصغرى وتتمة الفتاوى والحقائق: الفتوى على قول أبي حنيفة، واعتمده النسفي والمحبوبي وصدر الشريعة، قال في شرح الكنز: وفي المغني: الفتوى في إجارة المشاع على قولهما، قلت: هو شاذ مجهول القائل، فلا يعارض ما ذكرناه. اهـ. قيدنا الشيوع بالأصلي لأن الشيوع الطارئ لا يفسد اتفاقا، وذلك كأن آجر الكل ثم فسخ في البعض، أو آجر لواحد فمات أحدهما، أو بالعكس. (ويجوز استئجار الظئر) بالكسر والهمزة - المرضعة (بأجرة معلومة) لتعامل الناس، بخلاف بقية الحيوانات، لعدم التعارف (ويجوز) أيضاً (بطعامها وكسوتها) استحساناً عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز، لأن الأجرة مجهولة، وله أن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن العادة التوسعة على الآظآر شفقة على الأولاد (وليس للمستأجر أن يمنع زوجها من وطئها) لأن ذلك حقه (فإن حبلت كان لهم) : أي أولياء الصغير (أن يفسخوا الإجارة إذا خافوا على الصبي من لبنها) لأن لبن الحامل يفسد الصبي، ولهذا كان لهم الفسخ إذا مرضت أيضاً (وعليها) أي الظئر (أن تصلح طعام الصبي) ، لأن العمل عليها. والحاصل أنه يعتبر فيما لا ينص عليه العرف في مثل هذا الباب؛ فما جرى عليه العرف من غسل ثياب الصبي وإصلاح الطعام وغير ذلك على الظئر هداية. (وإن أرضعته في المدة بلبن شاة فلا أجر لها) ؛ لأنها لم تأت بالعمل المستحق عليها - وهو الإرضاع - لأن إرضاعه بلبن الشاة إيجار وليس بإرضاع، فاختلف العمل، فلم يجب الأجر كما في الهداية. (وكل صانع لعمله أثر) بحيث يرى ويعاين (في العين) وذلك (كالقصار

стр. 326

والصباغ فله أن يحبس العين بعد الفراغ من عمله حتى يستوفي الأجرة، ومن ليس لعمله أثرٌ فليس له أن يحبس العين بالأجرة كالحمال والملاح، وإذا شرط على الصانع أن يعمل بنفسه فليس له أن يستعمل غيره، فإن أطلق له العمل فله أن يستأجر من يعمله، وإذا اختلف الخياط وصاحب الثوب فقال صاحب الثوب: أمرتك أن تعمله قباء، وقال الخياط: قميصاً، أو قال صاحب الثوب للصباغ: أمرتك أن تصبغه أحمر فصبغته أصفر ــ والصباغ فله أن يحبس العين بعد الفراغ من عمله حتى يستوفي الأجرة) المشروطة؛ لأن المعقود عليه وصف قائم في الثوب فله حق الحبس لاستيفاء البدل، كما في البيع، ولو حبسه فضاع لا ضمان عليه عند الإمام؛ لأنه غير متعدٍ في الحبس، فبقي أمانة كما كان عنده، ولا أجر له؛ لهلاك المعقود عليه قبل التسليم (ومن لس لعمله أثر) في العين (فليس له أن يحبس العين) لأجل الأجرة، وذلك (كالحمال) على ظهره أو دابة (والملاح) صاحب السفينة، لأن المعقود عليه نفس العمل، وهو غير قائم في العين؛ فلا يتصور حبسه، فليس له ولاية الحبس، وغسل الثوب نظير الحل، هداية. قال في المجتبى: أي لتطهيره لا لتحسينه فليحفظ. (وإذا اشترط) المستأجر (على الصانع أن يعمل بنفسه فليس له) : أي الصانع (أن يستعمل غيره) ؛ لأنه لم يرض بعمل غيره (وإن أطلق له العمل فله أن يستأجر من يعمله) ؛ لأن المستحق عملٌ في ذمته، ويمكن إيفاؤه بنفسه وبالاستعانة بغيره، بمنزلة إيفاء الدين، والعادة جارية أن الصناع يعملون بأنفسهم وبأجرائهم. (وإذا اختلف الخياط وصاحب الثوب) في صفة الصنعة المستأجر عليها أو في قدر الأجرة (فقال صاحب الثوب: أمرتك أن تعمله قباء) بالفتح (وقال الخياط) : أمرتني أن أعمله (قميصا) مثلا (أو قال صاحب الثوب للصباغ: أمرتك أن تصبغه أحمر فصبغته أصفر) وهو خلاف ما أمرتك، وقال الصباغ: بل أمرتني بهذا الأصفر، أو قال

стр. 327

فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه، فإن حلف فالخياط ضامنٌ، وإذا قال صاحب الثوب: عملته لي بغير أجرةٍ~، وقال الصانع: بأجرةٍ، فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: إن كان حريفاً له فله الأجرة، وإن لم يكن حريفً له فلا أجرة له، وقال محمدٌ: إن كان الصانع عروفاً بهذه الصنعة أن يعمل بالأجرة فالقول قوله إنه عمله بأجرةٍ، والواجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل لا يتجاوز به المسمى. ــ صاحب الثوب: الأجرة عشرة، وقال الأجير: عشرون (فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه) لأن الإذن مستفاد من جهته، ألا يرى أنه لو أنكر أصل الإذن كان القول قوله، فكذا إذا أنكر صفته، لكن يحلف؛ لأنه أنكر شيئاً لو أقر به لزمه. هداية. (وإذا حلف فالخياط ضامن) ؛ لتصرفه في ملك الغير بغير إذنه، لكن صاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضمنه، وإن شاء أخذه وأعطاه أجر مثله (وإذا قال صاحب الثوب: عملته لي بغير أجرة، وقال الصانع) : عملته (بأجرة، فالقول قول صاحب الثوب) أيضاً (مع يمينه عند أبي حنيفة) ؛ لأنه ينكر الضمان، والصانع يدعيه، والقول قول المنكر (وقال أبو يوسف: إن كان) صاحب الثوب (حريفاً) أي معاملا (له) : أي للصانع، بأن كان بينهما معاملة من أخذٍ وإعطاء (فله الأجرة) ؛ لأن سبق ما بينهما من المعاملة يعين جهة الطلب بأجر جريا على معتادهما، هداية (وإن لم يكن حريفاً) له (فلا أجرة له. وقال محمد: إن كان الصانع معروفاً بهذه الصنعة أن يعمل بالأجرة) وقيام حاله بها (فالقول قوله بأنه عمله بأجرة) عملا بشهادة الظاهر، قال في التصحيح: ورجح دليل الإمام في الهداية، وأجاب على دليلهما، واعتمده الإمام المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة، وجعل جواهر زاده الفتوى على قول محمد. اهـ، ونقله في الدر عن الزيلعي. (والواجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل لا يتجاوز به المسمى) لرضاهما به،

стр. 328

وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الأجرة وإن لم يسكنها، فإن غصبها غاصبٌ من يده سطت الأجرة، وإن وجد بها عيباً يضر بالسكنى فله الفسخ، وإذا خربت الدار أو انقطع شرب الضيعة أو انقطع الماء عن الرحى انفسخت الإجارة، ــ وينقص عنه؛ لفساد التسمية، وهذا هو الفساد لشرطٍ فاسدٍ أو شيوع مع العلم بالمسمى، وإن لجهالة المسمى أو عدم التسمية أصلا أو [كان] المسمى خمراً أو خنزيراً وجب أجر المثل بالغاً ما بلغ، لعدم ما يرجع إليه. (وإن قبض المستأجر الدار فعليه الأجرة وإن لم يسكنها) ؛ لأن تسليم عين المنفعة لا يتصور؛ فأقيم تسليم المحل مقامه؛ إذ التمكن من الانتفاع يثبت به، وهذا لو الإجارة صحيحة، أما في الفاسدة فلا تجب الأجرة إلا بحقيقة الانتفاع كما في العمادية (فإن غصبها غاصب من يده سقطت الأجرة) لأن تسليم المحل إنما أقيم مقام تسليمه المنفعة للتمكن من الانتفاع، فإذا فات التمكن فات التسليم وانفسخ العقد فيسقط الأجر، وإن وجد الغصب في بعض المدة يسقط بقدره؛ إذا الانفساخ في بعضها. هداية (وإن وجد) المستأجر (بها) أي الدار المستأجرة (عيباً يضر بالسكنى) بحيث لا تفوت به المنفعة كترك تطيينها وإصلاح منافعها (فله الفسخ) ؛ لأن المعقود عليه المنافع، وإنها توجد شيئاً فشيئاً، فكان هذا عيباً حادثاً قبل القبض؛ فيوجب الخيار كما في البيع، ثم المستأجر إذا استوفى المنفعة فقد رضي بالعيب فيلزمه جميع البدل كما في البيع، وإن أزال المؤجر العيب بطل خيار المستأجر، لزوال سببه (فإن) فاتت المنفعة بالكلية: بأن (خربت الدار) كلها (أو انقطع شرب الضيعة) : أي الأرض كله (أو انقطع) الماء جميعه (عن الرحى انفسخت الإجارة) لأن المعقود عليه قد فات قبل القبض، فشابه فوت المبيع قبل القبض وموت العبد المستأجر، ومن أصحابنا من قال: إن العقد لا ينفسخ، لأن المنافع فاتت على وجه يتصور عودها، فأشبه

стр. 329

وإذا مات أحد المتعاقدين وقد عقد الإجارة لنفسه انفسخت الإجارة، وإن عقدها لغيره لم تنفسخ، ويصح شرط الخيار في الإجارة، وتنفسخ الإجارة بالأعذار، كمن استأجر دكاناً في السوق ليتجر فيه فذهب ماله وكمن أجر داراً أو دكاناً ثم أفلس ولزمته ديونٌ لا يقدر على قضائها إلا من ثمن ما آجر فسخ القاضي العقد وباعها في الدين، ــ الإباق في البيع، هداية. ومثله في شرح الأقطع، ثم قال: والصحيح هو الأول، وتبعه في الجوهرة، لكن عامة المشايخ على الثاني، وهو الصحيح كما في الذخيرة والتتار خانية والاختيار وغيرها، وفي الغاية للاتقاني نقلا عن إجارات شمس الأئمة: إذا انهدمت الدار كلها فالصحيح أنه لا تنفسخ، لكن سقط الأجر فسخ أولا. (وإذا مات أحد المتعاقدين) عقد الإجارة (وقد) كان (عقد الإجارة لنفسه انفسخت الإجارة) ؛ لأنها لو بقيت تصير المنفعة المملوكة أو الأجرة المملوكة لغير العاقد مستحقة بالعقد لانتقالها إلى الوارث، وهو لا يجوز. درر (وإن) كان (عقدها لغيره) بأن كان وكيلا أو وصيا أو متوليا (لم تنفسخ الإجارة) لبقاء المستحق، حتى لو مات المعقود له بطلت، وتنفسخ بموت أحد المستأجرين أو المؤجرين في حصته فقط، وتبقى في حصة الحي. (ويصح شرط الخيار في الإجارة) ؛ لأنه عقد معاوضة لا يلزم فيه القبض في المجلس؛ فجاز اشتراط الخيار كالبيع. (وتنفسخ الإجارة بالأعذار) الموجبة ضرراً لم يستحق بالعقد، وذلك (كمن استأجر دكاناً في السوق ليتجر فيه فذهب ماله) أو طباخا ليطبخ للوليمة فاختلعت منه الزوجة؛ لأن في المضي عليه إلزام ضرر زائد لم يستحق بالعقد (وكمن آجر داراً أو دكاناً ثم أفلس ولزمته ديون) بعيان أو برهان، وكان (لا يقدر على قضائها إلا من ثمن ما آجر فسخ القاضي العقد) بينهما (وباعها في الدين) أي: لأجل قضائه، وفي قوله "فسخ القاضي" إشارة إلى أنه يفتقر إلى قضاء القاضي في النقض،

стр. 330

وكمن استأجر دابةً ليسافر عليها ثم بدا له من السفر فهو عذرٌ، وإن بدا للمكاري من السفر فليس ذلك بعذر. كتاب الشفعة . - الشفعة واجبةٌ للخيط في نفس المبيع، ثم للخليط في حق المبيع، كالشرب والطريق، ثم للجار، وليس للشريك في الطريق والشرب والجار ــ وهكذا ذكر في الزيادات في عذر الدين، وقال في الجامع الصغير: وكل ما ذكرنا أنه عذر فإن الإجارة فيه تنتقض، وهذا يدل على أنه لا يحتاج فيه إلى قضاء القاضي، ومنهم من فرق فقال: إذا كان العذر ظاهراً لا يحتاج إلى القضاء لظهور العذر، وإن كان غير ظاهر كالدين يحتاج إلى القضاء لظهور العذر (١) . هداية. (وكمن استأجر دابة ليسافر عليها ثم بدا له من السفر فهو عذر) ؛ لأنه لو مضى على موجب العقد يلزمه ضرر زائد؛ لأنه ربما يريد الحج فيفوت وقته، أو طلب غريم فيحضر، أو التجارة فيفتقر (وإن بدا للمكارى من السفر فليس ذلك بعذر) ؛ لأن خروجه غير مستحق عليه، ويمكنه أن يقعد ويبعث الدواب على يد أجيره، ولو مرض المؤجر فقعد فكذا الجواب على رواية الأصل، وروى الكرخي أنه عذر؛ لأنه لا يعرى عن ضرر؛ فيدفع عنه عند الضرورة دون الاختيار، هداية. قال في الدر: وبالأول يفتي. كتاب الشفعة (الشفعة) لغةً: الضم، وشرعا: تملك العقار جبراً على المشتري بما قام عليه. وهي (واجبة) أي ثابتة (للخليط) أي الشريك (في نفس المبيع ثم) إذا لم يكن، أو كان وسلم - تثبت (للخليط في حق المبيع كالشرب) أي: النصيب من الماء (والطريق) الخاصين (ثم) إذا لم يكونا، أو كانا وسلما - تثبت (للجار) الملاصق، ولو بابه في سكة أخرى (وليس للشريك في الطريق والشرب والجار

стр. 331

شفعةٌ مع الخليط، فإن سلم فالشفعة للشريك في الطريق، فإن سلم أخذها الجار. والشفعة تجب بعقد البيع وتستقر بالإشهاد، وتملك بالأخذ إذا سلمها المشتري أو حكم بها حاكمٌ، وإذا علم الشفيع بالبيع أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة ــ شفعة مع الخليط) في نفس المبيع؛ لأن الاتصال بالشركة أقوى؛ لأنه في كل جزء (فإن سلم) الخليط في نفس المبيع (فالشفعة للشريك في) حق الميع: من (الطريق) والشرب، وليس للجار شفعة معه؛ لأنه شريك في المرافق (فإن سلم) الشريك في حق المبيع (أخذها الجار) تقديماً للأخص فالأخص؛ قيدنا الشرب والطريق بالخاصين لما في الهداية، ثم لابد أن يكون الطريق أو الشرب خاصا، حتى يستحق الشفعة بالشركة؛ فالطريق الخاص: أن لا يكون نافذاً، والشرب الخاص: أن لا يكون تجري فيه السفن، وما تجري فيه السفن فهو عام، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وعن أبي يوسف: الخاص أن يكون نهرا يسقي منه قراحان أو ثلاثة، وما زاد على ذلك فهو عام، فإن كانت سكة غير نافذة يتشعب منها سكة غير نافذة وهي مستطيلة فبيعت دار في السفلى فلأهلها الشفعة خاصة دون أهل العليا، وإن بيعت في العليا فلأهل السكتين، ولو كان نهر صغير يأخذ منه نهر أصغر منه فهو على قياس الطريق. اهـ. لكن قال شيخنا: وعامة المشايخ على أن الشركاء في النهر إن كانوا يحصون فصغير، وإلا فكبير، كما في الكفاية. (والشفعة تجب بعقد البيع) : أي بعده؛ لأنه هو السبب (وتستقر بالإشهاد) ولابد من طلب المواثبة، لأنها حق ضعيف يبطل بالإعراض، ولابد من الإشهاد والطلب، ليعلم بذلك رغبته فيه دون إعراضه عنه، ولأنه يحتاج إلى إثبات طلبه عند القاضي، ولا يمكنه إلا بالإشهاد، هداية. (وتملك بالأخذ إذا سلمها المشتري) بالتراضي (أو حكم بها حاكم) ، لأن الملك للمشتري قد تم؛ فلا تنتقل إلى الشفيع إلا بالتراضي أو قضاء القاضي. (وإذا علم الشفيع بالبيع) من المشتري أو رسوله أو عدلٍ أو عددٍ (أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة) وهو طلب المواثبة، والإشهاد فيه ليس بلازم؛ وإنما هو لنفي

стр. 332

ثم ينهض منه فيشهد على البائع إن كان المبيع في يده أو على المبتاع أو عند العقار، فإذا فعل ذلك استقرت شفعته ولم تسقط بالتأخير عند أبي حنيفة، وقال محمدٌ: إن تركها شهراً بعد الإشهاد بطلت شفعته. ــ التجاحد، والتقييد بالمجلس إشارة إلى ما اختاره الكرخي، قال في الهداية: اعلم أن الطلب على ثلاثة أوجه: طلب المواثبة، وهو أن يطلبها كما علم، حتى لو بلغه البيع، ولم يطلب بطلت شفعته، حتى لو أخبر بكتاب والشفعة في أوله أو في وسطه فقرأ الكتاب إلى آخره بطلت شفعته، وعلى هذا عامة المشايخ، وهو رواية عن محمد، وعنه أن له مجلس العلم، والروايتان في النوادر، وبالثانية أخذ الكرخي؛ لأنه لما ثبت له خيار التملك لابد من زمان التأمل كما في المخيرة، اهـ. قال في الحقائق: والطلب على الفور، وهكذا روى عن أبي حنيفة، وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، تصحيح، لكن ظاهر المتون وكافي الحاكم أن له مجلس العلم، ولذا قال في الإيضاح: إنه الأصح، فتنبه (ثم ينهض منه) : أي مجلسه بعد طلب المواثبة (فيشهد على البائع إن كان المبيع في يده) : أي لم يسلم إلى المشتري (أو) يشهد (على المبتاع) أي المشتري وإن لم يكن ذايد لأنه مالك (أو عند العقار) ؛ لأن الحق متعلق به، قيد الشهادة على البائع بما إذا كان العقار في يده لأنه إذا لم يكن ذايد لم يصح اشهاد عليه لخروجه عن أن يكون خصما إذ لا يد له ولا ملك، فصار كالأجنبي. وصورة هذا الطلب أن يقول: إن فلاناً اشترى هذه الدار وأنا شفيعها، وقد كنت طلبت الشفعة وأطلبها الآن، فاشهدوا على ذلك (فإذا فعل ذلك) المذكور (استقرت شفعته ولم تسقط) بعده (بالتأخير عند أبي حنيفة) وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأن الحق متى ثبت واستقر لا يسقط إلا بالإسقاط: وهو التصريح بلسانه كما في سائر الحقوق، وهو ظاهر المذهب وعليه الفتوى، هداية. قال في العزمية: وقد رأيت فتوى المولى أبي السعود على هذا القول (وقال محمد: إن تركها شهراً بعد الإشهاد) من غير عذر (بطلت شفعته) ؛ لأنه لو لم تسقط بتأخير الخصومة أبداً يتضر به المشتري؛ لأن لا يمكنه التصرف حذر نقضه من جهة الشفيع، فقدرناه بشهر؛ لأنه آجل وما دونه عاجل. هداية. قال في التصحيح - بعدما نقل

стр. 333

والشفعة واجبةٌ في العقار، وإن كان مما لا يقسم، ولا شفعة في العروض والسفن ــ عبارة الهداية من أن قول أبي حنيفة هو ظاهر المذهب وعليه الفتوى - قلت: واعتمده النسفي كذلك، لكن صاحب الهداية خالف هذا في مختارات النوازل، فقال: وعن محمد إذا تركها شهراً بعد الإشهاد بطلت شفعته، وهو قول زفر، والفتوى على قوله، اهـ. قلت: وقد وقع نظير ذلك للحسام الشهيد فقال في الواقعات: لا تبطل أبداً، وبه نأخذ، وقال في الصغرى: والفتوى اليوم على قولهما، فيحمل على الرجوع إلى هذا، والله أعلم. ثم نقل الإفتاء به عن قاضيخان والذخيرة وشيخ الإسلام والخلاصة والمحيط والاختيار والتتمة والتحفة والمحبوبي وصدر الشريعة، اهـ. وفي الجوهرة: وقال في المستصفى: والفتوى على قول محمد، اهـ. وفي الشرنبلالية عن البرهان: إنه أصح ما يفتى به، ثم قال: يعني به أصح من تصحيح الهداية والكافي، وتمامه فيها، وعزاه في القهستاني إلى المشاهير كالمحيط والخلاصة والمضمرات وغيرها، ثم قال: فقد أشكل ما في الهداية والكافي. اهـ. وقال في شرح المجمع: وفي الجامع الخاني: والفتوى اليوم على قول محمد؛ لتغير أحوال الناس في قصد الإضرار، اهـ وقد سمعت ما مر عن الحسام الشهيد من قوله: والفتوى اليوم على قولهما، وقال العلامة قاسم: فيحمل على الرجوع إلى هذا، وبه ظهر أن إفتاءهم بخلاف ظاهر الرواية لتغير الزمن فيترجح على ظاهر الرواية؛ وإن كان مصححاً أيضا كما هو مقرر. (والشفعة واجبة في العقار) وما في حكمه كالعلو وإن لم يكن طريقه في السفل؛ لأنه التحق بالعقار بماله من حق. درر (وإن كان) العقار (مما لا يقسم) لوجود سببها، وهو الاتصال في الملك، والحكمة دفع ضرر سوء الجوار، وهو ينتظم القسمين (ولا شفعة في) المنقول مثل (العروض والسفن) ؛ لأنها إنما وجبت لدفع ضرر سوء الجوار، وهو على الدوام، والملك المنقول لا يدوم حسب دوامه في العقار، فلا يلحق به. هداية، ثم قال: وفي بعض نسخ الختصر "ولا شفعة في البناء، والنخل إذا بيعت دون العرصة" وهو صحيح مذكور في الأصل، لأنه لا قرار له فكان نقليا، وهذا بخلاف العلو، حيث يستحق

стр. 334

والمسلم والذمي في الشفعة سواءٌ، وإذا ملك العقار بعوضٍ هو مالٌ وجبت فيه الشفعة، ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها أو يخالع المرأة بها أو يستأجر بها داراً أو يصالح بها عن دم عمدٍ أو يعتق عليها عبدا أو يصالح عنها بإنكارٍ أو سكوت، فإن صالح عنها بإقرار وجبت فيها الشفعة ــ بالشفعة، ويستحق به الشفعة في السفل إذا لم يكن طريق العلو فيه، لأنه بما له من حق القرار التحق بالعقار. اهـ. قيدنا إذا لم يكن طريق العلو فيه لأنه إذا كان طريق العلو فيه يكون شريكا في الطريق. (والمسلم والذمي في) استحقاق (الشفعة سواء) ؛ لأنهما مستويان في السبب والحكمة؛ فيستويان في الاستحقاق. (وإذا ملك العقار بعوض هو مال وجبت فيه الشفعة) لأنه أمكن مراعاة شرط الشرع فيه، وهو التملك بمثل ما تملك المشتري صورة أو قيمة، هداية. وعبر بالملك دون البيع ليعم الهبة بشرط العوض لأنها مبادلة مال بمال، ولما كان التعبير بالملك يعم الأعواض المالية وغيرها احترز عن الأعواض التي ليست بمال فقال: (ولا شفعة في الدار) (التي يتزوج الرجل عليها، أو) الدار التي (يخالع المرأة بها، أو يستأجر بها داراً) أو غيرها (ويصالح بها عن دم عمد، أو يعتق عليها عبداً) ؛ لأن الشفعة إنما تجب في مبادلة المال بالمال، وهذه الأعواض ليست بمال؛ فإيجاب الشفعة فيها خلاف المشروع وقلب الموضوع، قيد الصلح عن الدم بالعمد لأن الخطأ عوضه مال فتجب فيه الشفعة (أو يصالح عليها بإنكار أو سكوت) قال في الهداية: هكذا ذكر في أكثر نسخ المختصر، والصحيح "عنها" مكان "عليها" لأنه إذا صالح عنها بإنكار يزعم أنها لم تزل عن ملكه وإنما افتدى يمينه (فإن صالح عنها بإقرار وجبت فيها الشفعة) ؛ لأنه معترف بالملك للمدعى وإنما استفاده بالصلح، وهو مبادلة مالية، أما إذا صالح عليها بإقرار أو

стр. 335

وإذا تقدم الشفيع إلى القاضي فأدعى الشراء وطلب الشفعة سأل القاضي المدعى عليه، فإن اعترف بملكه الذي يشفع به، وإلا كلفه إقامة البينة، فإن عجز عن البينة استحلف المشتري بالله ما نعلم أنه مالكٌ للذي ذكره مما يشفع به، فإن نكل أو قامت للشفيع بينةٌ سأله القاضي: هل ابتاع أم لا؟ فإن أنكر الابتياع قيل للشفيع: أقم البينة، فإن عجز عنها استحلف المشتري بالله ما ابتاع أو بالله ما يستحق علي في هذه الدار شفعةً من الوجه الذي ذكره، ــ سكوت أو إنكار وجبت الشفعة في جميع ذلك؛ لأنه أخذها عوضاً عن حقه في زعمه إذا لم يكن من جنسه؛ فيعامل بزعمه، هداية. (وإذا تقدم الشفيع إلى القاضي) ليأخذ بالشفعة (فادعى الشراء) للدار المشفوعة (وطلب الشفعة) أي: أخذها بالشفعة (سأل القاضي المدعى عليه) عن مالكية الشفيع لما يشفع به (فإن اعترف بملكه الذي يشفع به) فبها (وإلا) أي: وإن لم يعترف له بملكه الذي يشفع به (كلفه) القاضي (إقامة البينة على ملكه) ؛ لأن ظاهر اليد لا يكفي لإثبات الاستحقاق (فإن عجز عن البينة استحلف المشتري بالله ما تعلم أنه مالك للذي ذكره مما يشفع به) ؛ لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به لزمه، ثم هو استحلاف على ما في يد غيره فيحلف على العلم. هداية. (فإن نكل) المشتري عن اليمين (أو قامت للشفيع بينة) ثبت ملكه في الدار التي يشفع بها، وثبت حق الشفعة؛ فبعد ذلك (سأله القاضي) أي: سأل المدعى عليه أيضاً (هل ابتاع) أي: هل اشترى الدار المشفوعة (أم لا؟ فإن) أقر فبها، وإن (أنكر الابتياع قيل للشفيع: أقم البينة) على شرائه؛ لأن الشفعة لا تثبت إلا بعد ثبوت البيع، وثبوته بالحجة (فإن عجز عنها استحلف المشتري بالله ما ابتاع هذه الدار، أو بالله ما يستحق علي في هذه الدار شفعة من الوجه الذي ذكره) فيحلف على البتات؛ لأنه استحلاف على فعل نفسه وما في يده أصالة، وفي مثله يحلف على البتات، هداية. فإن نكل عن اليمين أو أقر وبرهن الشفيع قضى

стр. 336

وتجوز المنازعة في الشفعة، وإن لم يحضر الشفيع الثمن إلى مجلس القاضي، فإذا قضى القاضي له بالشفعة لزمه إحضار الثمن، وللشفيع أن يرد الدار بخيار العيب والرؤية، فإن أحضر الشفيع البائع والمبيع في يده فله أن يخاصمه في الشفعة، ولا يسمع القاضي البينة حتى يحضر المشتري، فيفسخ البيع بمشهدٍ منه، ويقضي بالشفعة على البائع، ويجعل العهدة عليه، وإذا ترك الشفيع الإشهاد حين علم وهو يقدر على ذلك ــ بالشفعة إن لم ينكر المشتري طلب الشفيع الشفعة؛ فإن أنكر فالقول له بيمينه در عن ابن الكمال. (وتجوز المنازعة في الشفعة وإن لم يحضر الشفيع الثمن إلى مجلس القاضي) ؛ لأنه لا ثمن له عليه قبل القضاء، ولهذا لا يشترط تسليمه؛ فكذا لا يشترط إحضاره (وإذا قضى القاضي له بالشفعة لزمه إحضار الثمن) هذا ظاهر رواية الأصل، وعن محمد أنه لا يقضي حتى يحضر الشفيع الثمن، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة. هداية. قال في التصحيح: واعتمد ظاهر الرواية المصنفون، واختاروه للفتوى. (وللشفيع أن يرد الدار) المأخوذة بالشفعة (بخيار العيب، و) خيار (الرؤية) لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء؛ فيثبت فيها الخياران كما في الشراء. (وإن أحضر الشفيع البائع والمبيع في يده) لم يسلمه للمشتري (فله) : أي الشفيع (أن يخاصمه) : أي البائع (في الشفعة) لأن اليد له (و) لكن (لا يسمع القاضي البينة حتى يحضر المشتري فيفسخ البيع بمشهد منه) أي: المشتري، لأنه المالك (ويقضي بالشفعة على البائع) حتى يجب عليه تسليم الدار (ويجعل العهدة عليه) أي: على البائع، عند الاستحقاق، وهذا بخلاف ما إذا قبض المشتري المبيع فأخذه الشفيع من يده، حيث تكون العهدة عليه، لأنه تم ملكه بالقبض. هداية. (وإذا ترك الشفيع الإشهاد حين علم) بالبيع (وهو يقدر على ذلك) الإشهاد،

стр. 337

بطلت شفعته، وكذلك إن أشهد في المجلس ولم يشهد على أحد المتبايعين ولا عند العقار، وإن صالح من شفعته على عوض أخذه بطلت شفعته، وبرد العوض، وإذا مات الشفيع بطلت شفعته، وإن مات المشتري لم تسقط، وإن باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة بطلت شفعته، ووكيل البائع إذا باع وكان هو الشفيع فلا شفعة له، وكذلك إن ضمن الدرك عن البائع الشفيع، ووكيل المشتري إذا ابتاع فله الشفعة، ــ بخلاف ما إذا أخذ على فمه أو كان في صلاة (بطلت شفعته) لإعراضه عن الطلب، وهو إنما يتحقق حالة الاختيار، وهو عند القدرة (وكذلك إن أشهد في المجلس ولم يشهد على أحد المتبايعين ولا عند العقار) كما مر (وإن صالح من) حق (شفعته على عوض أخذه) أو باعه إياه (بطلت الشفعة) لوجود الإعراض (ويرد العوض) ؛ لبطلان الصلح والبيع؛ لأنها مجرد حق التملك فلا يصح الاعتياض عنه؛ لأنه رشوة. (وإذا مات الشفيع) بعد بيع المشفوع وقبل القضاء بالشفعة (بطلت شفعته) ، لأن بالموت يزول ملكه عن داره، ويثبت الملك للوارث بعد البيع، وقيام الملك من وقت البيع إلى وقت القضاء شرط فتبطل بدونه، قيدنا موتع بما بعد البيع وقبل القضاء لأن البيع إذا كان بعد الموت ثبتت الشفعة للوارث ابتداء، وإن كان الموت بعد القضاء ولو قبل نقد الثمن فالبيع لازم للورثة (وإن مات المشتري لم تسقط) الشفعة، لأن الحق لا يبطل بموت من عليه كالأجل (فإن باع الشفيع ما) أي ملكه الذي (يشفع به) من غير خيار له (قبل أن يقضى له بالشفعة بطلت شفعته) ، لأن سبب الأخذ بها - وهو الجوار - قد زال. قيدنا بعدم الخيار له لأنه لو باع بشرط الخيار له لا تبطل؛ لبقاء السبب (ووكيل البائع إذا باع وكان هو الشفيع فلا شفعة له، وكذلك إن ضمن الدرك عن البائع الشفيع) ؛ لأنه يسعى في نقض ما تم من جهته (ووكيل المشتري إذا ابتاع) أي: اشترى لموكله (فله الشفعة) ، لأنه لا ينتقض شراؤه بالأخذ بها، لأنها مثل الشراء

стр. 338

ومن باع بشرط الخيار فلا شفعة للشفيع، فإن أسقط الخيار وجبت الشفعة، ومن اشترى بشرط الخيار وجبت الشفعة، ومن ابتاع داراً شراءً فاسداً فلا شفعة فيها، فإن سقط الفسخ وجبت الشفعة، وإذا اشترى ذميٌ داراً بخمرٍ أو خنزيرٍ وشفيعها ذميٌ أخذها بمثل الخمر وقيمة الخنزير، وإن كان شفيعها مسلماً أخذها بقيمة الخمر والخنزير، ولا شفعة في الهبة إلا أن تكون بعوضٍ مشروطٍ. ــ (ومن باع بشرط الخيار) له) فلا شفعة للشفيع؛ لأنه يمنع زوال الملك (فإن أسقط) البائع (الخيار وجبت الشفعة) ؛ لزوال المانع عن الزوال، ويشترط الطلب عند سقوط الخيار في الصحيح؛ لأن البيع يصير سببا لزوال الملك عند ذلك، هداية (ومن اشترى بشرط الخيار) له (وجبت الشفعة) ؛ لأنه لا يمنع زوال الملك عن البائع بالاتفاق، والشفعة تبتنى عليه كما مر. (ومن ابتاع) أي: اشترى (داراً شراء فاسداً فلا شفعة فيها) أما قبل القبض فلعدم زوال ملك البائع، وبعد القبض لاحتمال الفسخ، وحق الفسخ ثابت بالشرع لدفع الفساد، وفي إثبات حق الشفعة تقرير الفساد، فلا يجوز (فإن سقط الفسخ) بوجه من الوجوه (وجبت الشفعة) لزوال المانع. (وإذا اشترى ذمي) من ذمي (داراً بخمر أو خنزير وشفيعها ذمي أخذها الشفيع بمثل الخمر وقيمة الخنزير) ؛ لصحة هذا البيع فيما بينهم، وحق الشفعة يضم المسلم والذمي، والخمر لهم كالخل لنا، والخنزير كالشاة، قيدنا الشراء بكونه من ذمي لأنه لو كان من مسلم كان البيع فاسداً، فلا تثبت به الشفعة (وإن كان شفيعها مسلما أخذها بقيمة الخمر والخنزير) أما الخنزير فظاهر، أما الخمر فلمنع المسلم عن التصرف فيه، فالتحق بغير المثلي. (ولا شفعة في الهبة) ؛ لأنها ليست بمعاوضة مالٍ بمالٍ (إلا أن تكون بعوض مشروط) ؛ لأنه بيع انتهاء، ولابد من القبض من الجانبين، وأن لا يكون الموهوب ولا عوضه شائعاً؛ لأنه هبة ابتداء كما سيجئ

стр. 339

وإذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن فالقول قول المشتري، فإن أقاما البينة فالبينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وإذا ادعى المشتري ثمناً أكثر وادعى البائع أقل منه ولم يقبض الثمن أخذها الشفيع بما قال البائع، وكان ذلك حطاً عن المشتري. وإن كان قبض الثمن أخذها بما قال المشتري، ولم يلتفت إلى قول البائع، وإذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن سقط ذلك عن الشفيع، وإن ــ (وإذا اختلف الشفيع والمشتري في) مقدار (الثمن فالقول قول المشتري) ، لأن الشفيع يدعي استحقاق الدار عليه عند نقد الأهل، والمشتري ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه، ثم الشفيع بالخيار: إن شاء أخذ بما قال المشتري، وإن شاء ترك، وهذا إذا لم تقم للشفيع بينة، فإن أقام بينة قضي له بها (فإن أقاما) أي: كل من الشفيع والمشتري (البينة) على دعواه (فالبينة) المقبولة (بينة الشفيع) أيضاً (عند أبي حنيفة ومحمد) لأن بينته ملزمة، وبينة المشتري غير ملزمة، والبينات للإلزام، وقال أبو يوسف: البينة للمشتري، لأنها أكثر إثباتا، قال في التصحيح: ورجح دليلهما في الشروح، واعتمده المحبوبي والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة (وإذا ادعى المشتري ثمناً أكثر وادعى البائع) ثمنا (أقل منه) أي من الثمن الذي ادعاه المشتري (و) كان البائع (لم يقبض الثمن أخذها الشفيع بما قال البائع) لأن القول قوله في مقدار الثمن ما بقيت مطالبته (وكان ذلك حطا عن المشتري) وهو يظهر في حق الشفيع كما يأتي قريباً (وإن كان) البائع (قبض الثمن أخذها) الشفيع (بما قال المشتري) أو ترك (ولم يلتفت إلى قول البائع) ؛ لأنه لما استوفى الثمن انتهى حكم العقد وخرج هو من البين، وصار كالأجنبي، وبقي الاختلاف بين الشفيع والمشتري، وقد مر (وإذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن سقط ذلك) المحطوط (عن الشفيع) ؛ لأن حط البعض يلتحق بأصل العقد فيظهر في حق الشفيع، لأن الثمن ما بقي، وكذا إذا حط بعد ما أخذها الشفيع بالثمن يحط عن الشفيع حتى يرجع عليه بذلك القدر. هداية (وإن

стр. 340

حط جميع الثمن لم يسقط عن الشفيع، وإذا زاد المشتري البائع في الثمن لم تلزم الزيادة الشفيع، وإذا اجتمع الشفعاء فالشفعة بينهم على عدد رؤوسهم، ولا يعتبر اختلاف الأملاك، ومن اشترى داراً بعوضٍ أخذها الشفيع بقيمته، وإن اشتراها بمكيلٍ أو موزونٍ أخذها بمثله، وإذا باع عقاراً بعقارٍ أخذ الشفيع كل واحدٍ منهما بقيمة الآخر ــ حط) البائع عن المشتري (جميع الثمن لم يسقط عن الشفيع) منه شيء؛ لأن حط الكل لا يلتحق بأصل العقد؛ لعدم بقاء ما يكون ثمناً كما مر في البيع. (وإذا زاد المشتري البائع في الثمن لم تلزم) تلك (الزيادة الشفيع) لأن في اعتبار الزيادة ضرراً بالشفيع، لاستحقاقه الأخذ بما دونها، بخلاف الحط؛ لأن فيه منفعة له، ونظير الزيادة إذا جدد العقد بأكثر من الثمن الأول لم يلزم الشفيع، حتى كان له أن يأخذها بالثمن الأول. هداية. (وإذا اجتمع الشفعاء) وتساووا في سبب الاستحقاق (فالشفعة بينهم على عدد رؤوسهم) ؛ لاستوائهم في سبب الاستحقاق فيستوون في الاستحقاق، ولذا لو انفرد واحد منهم استحق كل الشفعة (ولا يعتبر اختلاف الأملاك) لزيادة والنقصان، ولو أسقط البعض حقه - ولو للبعض - فهي للباقين، ولو كان البعض غائبا يقضي بها بين الحضور؛ لأن الغائب لعله لا يطلب؛ وإن قضى للحاضر ثم حضر الغائب يقضي له باستحقاقه، فلو سلم الحاضر بعد ما قضي له بالجميع لا يأخذ القادم إلا النصف؛ لأن قضاء القاضي بالكل للحاضر قطع حق الغائب عن النصف، بخلاف ما قبل القضاء. هداية. (ومن اشترى دارا بعرض) أي بشيء من ذوات القيم (أخذها الشفيع بقيمته) لأنه من ذوات القيم (وإن اشتراها بمكيل أو موزون) أو عددي متقارب (أخذها بمثله) لأنه من ذوات الأمثال (وإن باع عقارا بعقار) وكان شفيعهما واحداً (أخذ الشفيع كل واحد منهما) أي العقارين (بقيمة الآخر) لأنه بدله، وهو من ذوات القيم، فيأخذه بقيمته، وإن اختلف شفيعهما يأخذ شفيع كل منهما ماله فيه الشفعة بقيمة الآخر

стр. 341

وإذا بلغ الشفيع أنها بيعت بألفٍ فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل أو بحنطةٍ أو شعيرٍ قيمتها ألفٌ أو أكثر فتسليمه باطلٌ وله الشفعة، وإن بان أنها بيعت بدنانير قيمتها ألفٌ فلا شفعة له، وإذا قيل له إن المشتري فلانٌ فسلم الشفعة ثم علم أنه غيره فله الشفعة، ومن اشترى داراً لغيره فهو الخصم في الشفعة، إلا أن يسلمها إلى الموكل، وإذا باع داراً إلا مقدار ذراع في طول الحد الذي بلى الشفيع فلا شفعة له، وإن ابتاع ــ (وإذا بلغ الشفيع أنها) : أي الدار (بيعت بألف) مثلا (فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل) مما بلغه (أو بحنطة أو شعير) أو نحوهما من المثليات ولو (قيمتها) أي: الحنطة أو الشعير (ألف أو أكثر فتسليمه باطل، وله الشفعة) ، لأنه إنما سلم لاستكثار الثمن أو لتعذر الجنس الذي بلغه، بخلاف ما إذا علم أنها بيعت بعرض قيمته ألف أو أكثر، لأن الواجب فيه القيمة وهي دراهم أو دنانير. هداية (وإن بان أنها بيعت بدنانير قيمتها ألف) أو أكثر (فلا شفعة له) ، لأن الجنس متحد في حق الثمنية (وإذا قيل له إن المشتري فلان، فسلم، ثم علم أنه غيره فله الشفعة) لتفاوت الجوار، ولو علم أن المشتري هو مع غيره فله أن يأخذ نصيب غيره، لأن التسليم لم يوجد في حقه، ولو بلغه شراء النصف فسلم ثم ظهر شراء الجميع فله الشفعة، لأن التسليم لضرر الشركة، ولا شركة، وفي عكسه لا شفعة في ظاهر الرواية، لأن التسليم في الكل تسليم في أبعاضه. هداية. (ومن اشترى داراً لغيره فهو الخصم) للشفيع (في الشفعة) لأنه هو العاقد، والأخذ بالشفعة من حقوق العقد فيتوجه عليه (إلا أن يسلمها إلى الموكل) ؛ لأنه لم يبق له يد ولا ملك؛ فيكون الخصم هو الموكل. (وإذا باع داراً إلا مقدار ذراع) مثلا (في طول الحد الذي يلي الشفيع فلا شفعة له) في المبيع، لانقطاع الجوار، وهذه حيلة، وكذا قوله (وإن ابتاع)

стр. 342

منها سهماً بثمنٍ ثم ابتاع بقيتها فالشفعة للجار في السهم الأول دون الثاني، وإذا ابتاعها بثمنٍ ثم دفع إليه ثوباً عنه فالشفعة بالثمن دون الثوب، ولا تكره الحيلة في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف، وتكره عند محمدٍ، وإذا بنى المشتري أو غرس ثم قضى للشفيع بالشفعة فهو بالخيار: إن شاء أخذها بالثمن وقيمة البناء والغرس مقلوعاً، وإن شاء كلف المشتري قلعه، ــ أي: اشترى (منها شهماً بثمن، ثم ابتاع بقيتها فالشفعة للجار في السهم الأول) فقط (دون الثاني) ، لأن المشتري صار شريكا في السهم الثاني، فكان أولى من الجار، وكذا قوله. (وإذا ابتاعها بثمن) ضعف قيمتها مثلا (ثم دفع إليه ثوباً) عوضاً (عنه) بقدر قيمتها (فالشفعة) تكون (بالثمن) المسمى في البيع (دون الثوب) المدفوع عوضاً عنه، لأنه عقد آخر. قال في الهداية: وهذه الحيلة تعم الجوار والشركة؛ فيباع بأضعاف قيمته ويعطى بها ثوب بقدر قيمته، إلا أنه إذ استحقت المشفوعة يبقى كل الثمن على مشتري الثوب، لقيام البيع الثاني فيتضرر به، والأوجه أن يباع بالدراهم الثمن دينارٌ حتى إذا استحق المشفوع يبطل الصرف، فيجب الدينار لا غير. اهـ. (ولا تكره الحيلة في إسقاط الشفعة) قبل ثبوتها (عند أبي يوسف) ؛ لأنها منع عن إثبات الحق فلا يعد ضرراً، وقيده في السراجية بما إذا كان الجار غير محتاج إليه (وتكره عند محمد) ؛ لأنها إنما وجبت لدفع الضرر، ولو أبحنا الحيلة ما دفعناه. وقيدنا بما قبل ثبوتها لأنه بعد ثبوتها مكروه اتفاقا كما في الواقعات وفي التصحيح: قيل الاختلاف قبل البيع، أما بعده فهو مكروه بالإجماع، وظاهر الهداية اختيار قول أبي يوسف، وقد صرح به قاضيخان، فقال: والمشايخ في حيلة الاستبراء والزكاة بقول محمد، وفي الشفعة بقول أبي يوسف، اهـ. (وإذا بنى المشتري) فيما اشتراه (أو غرس، ثم قضى للشفيع بالشفعة فهو) أي الشفيع (بالخيار: إن شاء أخذها بالثمن وقيمة البناء والغرس مقلوعاً) أي مستحق القلع (وإن شاء كلف المشتري قلعه) لأنه وضعه في محل تعلق به حق

стр. 343

وإذا أخذها الشفيع فبنى أو غرس ثم استحقت رجع بالثمن ولا يرجع بقيمة البناء والغرس، وإذا انهدمت الدار أو احترق بناؤها أو جف شجر البستان بغير فعل أحدٍ، فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بجميع الثمن، وإن شاء ترك، وإن نقض المشتري البناء قيل للشفيع: إن شئت فخذ العرصة بحصتها، وإن شئت فدع، وليس له أن يأخذ النقض، ومن ابتاع أرضاً وعلى نخلها ثمرٌ أخذها الشفيع بثمرها ــ متأكد للغير من غير تسليط من جهته (وإذا أخذها الشفيع) بالشفعة (فبنى) بها (أو غرس ثم استحقت رجع) الشفيع على المشتري إن أخذ منه أو البائع على ما مر (بالثمن) لأنه تبين أنه أخذه بغير حق (ولا يرجع بقيمة البناء والغرس) على أحد، بخلاف المشتري، فإنه مغرور من جهة البائع ومسلط عليه، ولا غرر ولا تسليط في حق الشفيع من المشتري، لأنه مجبور عليه. هداية (وإذا انهدمت الدار) في يد المشتري (أو احترق بناؤها أو جف شجر البستان) وكان ذلك (بغير فعل أحد فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بجميع الثمن) ، لأن البناء والغرس تابع حتى دخلا في البيع من غير ذكر فلا يقابلهما شيء من الثمن، ما لم يصر مقصوداً، ولهذا يبيعها مرابحة بكل الثمن في هذه الصورة، بخلاف ما إذا غرق نصف الأرض حيث يأخذ الباقي بحصته، لأن الفائت بعض الأصل. هداية (وإن شاء ترك) لأن له أن يمتنع عن التملك (وإن نقض المشتري البناء قيل للشفيع) : أنت بالخيار (إن شئت فخذ العرصة) أي أرض الدار (بحصتها) من الثمن (وإن شئت فدع) ، لأنه صار مفصولا بالإتلاف فيقابلها شيء من الثمن، بخلاف الأول، لأن الهلاك بآفة سماوية (وليس له) أي الشفيع (أن يأخذ النقض) بالكسر - أي المنقوض، لأنه صار مفصولا فلم يبق تبعاً (ومن ابتاع) أي اشترى (أرضا وعلى نخلها ثمر أخذها الشفيع بثمرها) قال في الهداية: ومعناه إذا ذكر الثمن في البيع، لأنه لا يدخل من غير ذكر، وهذا الذي ذكره استحسان، وفي القياس لا يأخذه، لأنه ليس بتبع، ألا يرى أنه لا يدخل في البيع من غير ذكر؛ فأشبه المتاع في الدار، وجه

стр. 344

فإن أخذه المشتري سقط عن الشفيع حصته، وإذا قضى للشفيع بالدار وإن لم يكن رآها فله خيار الرؤية، وإن وجد بها عيباً فله أن يردها به وإن كان المشتري شرط البراءة منه، وإذا ابتاع بثمنٍ مؤجلٍ فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بثمنٍ حال، وإن شاء صبر حتى ينقضي الأجل ثم يأخذها، وإذا قسم الشركاء العقار فلا شفعة لجارهم بالقسمة، وإذا اشترى داراً فسلم الشفيع الشفعة ثم ردها المشتري بخيار رؤيةٍ أو شرطٍ أو عيبٍ بقضاء قاضٍ فلا شفعة للشفيع ــ الاستحسان أنه باعتبار الاتصال صار تبعاً للعقار كالبناء في الدار، وما كان مركباً فيه، فيأخذه الشفيع، اهـ (فإن أخذه المشتري سقط عن الشفيع حصته) لدخوله في البيع مقصوداً (وإذا قضى للشفيع بالدار ولم يكن رآها) قبل (فله خيار الرؤية) وإن كان المشتري قد رآها (و) كذا (إن وجد بها عيبا) لم يطلع عليه فله أن يردها به (وإن كان المشتري شرط البراءة منه) لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء، فيثبت به الخياران كما في الشراء، ولا يسقط بشرط البراءة من المشتري، ولا برؤيته، لأنه ليس بنائب عنه، فلا يملك إسقاطه، هداية. (وإذا ابتاع) المشتري (بثمن مؤجل فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بثمن حال، وإن شاء صبر) عن الأخذ بعد استقرارها بالإشهاد (حتى ينقضي الأجل ثم يأخذها) وليس له أن يأخذها في الحال بثمن مؤجل، لأنه إنما يثبت بالشرط ولا شرط منه، وليس الرضا به في حق المشتري رضاء به في حق الشفيع، لتفاوت الناس (وإذا اقتسم الشركاء العقار) المشترك بينهم (فلا شفعة لجارهم بالقسمة) ، لأنها ليست بمعاوضة مطلقاً، ولأن الشريك أولى من الجار (وإذا اشترى داراً فسلم الشفيع الشفعة ثم ردها المشتري بخيار رؤية أو) بخيار (شرط) مطلقاً خلافا لما في الدرر (أو عيب بقضاء قاض، فلا شفعة للشفيع) لأنه فسخ من كل وجه فعاد لقديم ملكه، والشفعة في إنشاء العقد، ولا فرق في هذا بين القبض وعدمه

стр. 345

وإن ردها بغير قضاء أو تقايلا فللشفيع الشفعة. كتاب الشركة . - الشركة على ضربين: شركة أملاكٍ، وشركة عقودٍ. فشركة الأملاك: العين يرثها رجلان أو يشتريانها فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بإذنه، وكل واحدٍ منهما في نصيب صاحبه كالأجنبي. ــ هداية. (وإن ردها) بالعيب، هداية. (بغير قضاء أو تقايلا) البيع (فللشفيع الشفعة) ، لأنه فسخ في حقهما لولايتهما على أنفسهما، وقد قصد الفسخ، وهو بيع جديد في حق ثالث، لوجود حد البيع - وهو: مبادلة المال بالمال بالتراضي - والشفيع ثالث، ومراده الرد بالعيب بعد القبض، لأنه قبله فسخ من الأصل وإن كان بغير قضاء على ما عرف، هداية. (وإن أرضعته في المدة بلبن شاة فلا أجر لها) ؛ لأنها لم تأت بالعمل المستحق عليها - وهو الإرضاع - لأن إرضاعه بلبن الشاة إيجار وليس بإرضاع، فاختلف العمل، فلم يجب الأجر كما في الهداية. كتاب الشركة (الشركة) لغةً: الخلطة، وشرعا - كما في القهستاني عن المضمرات -: اختصاص اثنين أو أكثر بمحل واحد. وهي (على ضربين: شركة أملاك، وشركة عقود، فشركة الأملاك) هي: (العين) التي (يرثها رجلان) فأكثر (أو يشتريانها) أو تصل إليهما بأي سبب كان، جبريا كان أو اختياريا، كما إذا اتهب الرجلان عينا، أو ملكاها بالاستيلاء، أو اختلط مالهما من غير صنع، أو بخلطهما، خلطاً يمنع التمييز رأساً أو إلا بحرجٍ. وحكمها أن كلا منهما أجنبي في حصة الآخر (فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بإذنه) كما في الأجانب، كما صرح بذلك في قوله: (وكل واحد منهما في نصيب الآخر كالأجنبي) في الامتناع عن التصرف إلا بوكالة أو ولاية؛ لعد تضمنها الولاية

стр. 346

والضرب الثاني: شركة العقود، وهي على أربعة أوجهٍ: مفاوضةٍ، وعنان، وشركة الصنائع، وشركة الوجوه. فأما شركة المفاوضة فهي: أن يشترك الرجلان فيستويان في مالهما وتصرفها ودينهما، فتجوز بين الحرين المسلمين العاقلين البالغين، ولا تجوز بين الحر والمملوك، ولا بين الصبي والبالغ، ولا بين المسلم والكافر، ــ (والضرب الثاني: شركة العقود) وهي الحاصلة بسبب العقد، وركنها الإيجاب والقبول، وشرطها: أن يكون التصرف المعقود عليه قابلا للوكالة، ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركا بينهما (وهي) : أي شركة العقود (على أربعة أوجه: مفاوضة، وعنان) بالكسر وتفتح (وشركة وجوه، وشركة الصنايع) : (فأما) الأولى - وهي (شركة المفاوضة - فهي: أن يشترك الرجلان) مثلا (فيستويان في مالهما وتصرفهما ودينهما) لأنها شركة عامة في جميع التجارات يفوض كل منهما أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق؛ إذ هي من المساواة. قال قائلهم: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم (١) ، أي متساوين. ولابد من تحقيق المساواة ابتداء وانتهاء، وذلك في المال، والمراد به ما يصح الشركة فيه، ولا يعتبر التفاضل فيما لا تصح فيه الشركة، وكذا في التصرف، لأنه لو ملك أحدهما تصرفاً لا يملكه الآخر فات التساوي، وكذا في الدين، لفوات التساوي في التصرف بفواته (فتجوز بين الحرين المسلمين) أو الذميين (البالغين العاقلين) لتحقق التساوي، (ولا تجوز بين الحر والمملوك) ولو مكاتباً أو مأذوناً (ولا بين الصبي والبالغ) لعدم التساوي؛ لأن الحر البالغ يملك التصرف والكفالة، والمملوك لا يملك واحداً منهما إلا بإذن المولى، والصبي لا يملك الكفالة مطلقا، ولا التصرف إلا بإذن الولي (ولا بين المسلم والكافر) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، لأن الذمي يملك من التصرف ما لا يملكه المسلم. وقال أبو يوسف: يجوز، للتساوي بينها في الوكالة والكفالة، ولا معتبر بزيادة

стр. 347

وتنعقد على الوكالة والكفالة، وما يشتريه كل واحدٍ منهما يكون على الشركة إلا طعام أهله وكسوتهم، وما يلزم كل واحدٍ منهما من الديون بدلاً عما يصح فيه الاشتراك فالآخر ضامنٌ له، فإن ورث أحدهما مالاً تصح فيه الشركة أو وهب له ووصل إلى يده ــ يملكها أحدهما كالمفاوضة بين شافعي المذهب والحنفي فإنها جائزة، ويتفاوتان في التصرف في متروك التسية، إلا أنه يكره: لأن الذمي لا يهتدي إلى الجائز من العقود. قال في التصحيح: والمعتمد قولهما عند الكل كما نطقت به المصنفات للفتوى وغيرها. اهـ. ولا تجوز بين العبدين ولا الصبيين ولا المكاتبين، لانعدام الكفالة، وفي كل موضع لم تصح المفاوضة لفقد شرط ولا يشترط ذلك في العنان كان عناناً، لاستجماع شرائط العنان. هداية (وتنعقد على الوكالة والكفالة) فالوكالة لتحقق المقصود، وهو الشركة، والكفالة لتحقق المساواة فيما هو من موجبات التجارة، وهو توجه لمطالبة نحوهما، ولا تصح إلا بلفظ المفاوضة وإن لم يعرفا معناها. سراج. أو بيان جميع مقتضياتها؛ لأن المعتبر هو المعنى (وما يشتري كل واحد منهما) : أي المتفاوضين (يكون على الشركة) لأن مقتضى العقد المساواة، وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه في التصرف، فكان شراء أحدهما كشرائهما، إلا ما استثناه بقوله: (إلا طعام أهله وكسوتهم) وطعامه وكسوته ونحو ذلك من حوائجه الأصلية استحساناً، لأنه مستثنى بدلالة الحال للضرورة، فإن الحاجة الراتبة معلومة الوقوع، ولا يمكن إيجابه على صاحبه ولا الصرف من ماله، ولابد من الشراء فيختص به ضرورة، وللبائع مطالبة أيهما شاء بثمن ذلك: فالمشتري بالأصالة، والآخر بالكفالة، ويرجع الكفيل على المشتري (وما يلزم كل واحد منهما من الديون بدلا عما يصح فيه الاشتراك) كالبيع والشراء والاستئجار والاستقراض (فالآخر ضامن له) تحقيقاً للمساواة. قيد بما يصح فيه الاشتراك لإخراج نحو دين الجناية والنكاح والخلع والنفقة؛ فإن الآخر فيه ليس بضامن (فإن ورث أحدهما مالا) مما (تصح فيه الشركة) مما يأتي (أو وهب له ووصل إلى يده) : أي الوارث والموهوب له، وإنما لم يثن الفعل لأنه معطوف

стр. 348

بطلت المفاوضة وصارت الشركة عناناً. ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس النافقة، ولا تجوز بما سوى ذلك إلا أن يتعامل الناس بها كالتبر والنقرة فتصح الشركة بهما، ــ بأو، فيشترط قبض كل كما في شرح الطحاوي والنظم قاضيخان والمستصفى والنتف وغيرها. قهستاني (بطلت المفاوضة) لفوات المساواة بقاء، وهي شرط كالابتداء (وصارت الشركة عناناً) للامكان، فإن المساواة ليست بشرط فيها. (ولا تنعقد الشركة) أعم من أن تكون مفاوضة أو عناناً (إلا بالدراهم) : أي الفضة المضروبة (والدنانير) : أي الذهب المضروب، لأنهما أثمان الأشياء، ولا تتعين بالعقود، فيصير المشتري مشترياً بأمثالهما في الذمة، والمشتري ضامن لما في ذمته، فيصير الربح المقصود له، لأنه ربح ما ضمنه كما في الجوهرة، والشريك يشتري للشركة فالضمان عليهما والربح لها، فما يستحقه كل واحد منهما من الربح ربح ما ضمن، بخلاف العروض، فإنها مثمنات، فإذا بيعت وتفاضل الثمنان فما يستحقه أحدهما من الزيادة في مال صاحبه ربح ما لم يملك ولم يضمن (والفلوس النافقة) ، لأنها تروج رواج الأثمان فالتحقت بها، قال في التصحيح: لم يذكر المصنف في هذا خلافا، وكذلك الحاكم الشهيد في الكافي، وذكر الكرخي الجواز على قولهما، وقال في الينابيع: وأما الفلوس إن كانت نافقة فكذلك عند محمد، وقال أبو حنيفة: لا تصح الشركة بالفلوس، وهو المشهور، وروى الحسن عن أبي حنيفة وأبي يوسف أن الشركة بالفلوس جائزة، وأبو يوسف مع أبي حنيفة في بعض النسخ، وفي بعضها مع محمد، وقال الإسبيجاني في مبسوطه: الصحيح أن عقد الشركة يجوز على قول الكل؛ لأنها صارت ثمنا بالاصطلاح، واعتمده المحبوبي والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة (ولا تجوز) الشركة (بما سوى ذلك) المذكور (إلا أن يتعامل الناس بها كالتبر) : أي الذهب الغير المضروب (والنقرة) : أي الفضة الغير المضروبة (فتصح الشركة فيهما)

стр. 349

وإذا أرادا الشركة بالعروض باع كل واحدٍ منهما نصف ماله بنصف مال الآخر ثم عقدا الشركة. وأما شركة العنان فتنعقد على الوكالة دون الكفالة؛ ويصح التفاضل في المال، ويصح أن يتساويا في المال ويتفاضلا في الربح، ويجوز أن يعقدها كل واحدٍ منهما ببعض ماله دون بعضٍ. ــ للتعامل، ففي كل بلدة جرى التعامل بالمبايعة بالتبر والنقرة فهي كالنقود لا تتعين بالعقود وتصح الشركة فيه، ونزل التعامل باستعماله ثمناً منزلة الضرب الخصوص، وفي كل بلدة لم يجز التعامل بها فهي كالعروض تتعين في العقود ولا تصح به الشركة. درر عن الكافي. (وإذا أرادا) أي الشريكان (الشركة بالعروض باع كل واحد منهما) قال في الجوهرة: صوابه أحدهما (نصف ماله بنصف مال الآخر) فيصيران شريكي ملك، حتى لا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر (ثم) إذا (عقدا الشركة) صارا شريكي عقد، حتى جاز لكل منهما أن يتصرف في نصيب صاحبه، وهذا إن تساويا قيمة، وإن تفاوتا باع صاحب الأقل بقدر ما تثبت به الشركة. (وأما شركة العنان فتنعقد على الوكالة) لأنها من ضرويات التصرف (دون الكفالة) لأنها ليست من ضرورياته، وانعقادها في المفاوضة لاقتضاء اللفظ التساوي، بخلاف العنان. (ويصح التفاضل في المال) مع التساوي في الربح لأنها لا تقتضي المساواة (و) كذا (يصح) العكس، وهو: أن (يتساويا في المال ويتفاضلا في الربح) لأن الربح كما يستحق بالمال يستحق بالعمل كما في المضاربة، وقد يكون أحدهما أحذق وأهدى أو أكثر عملا وأقوى فلا يرضى بالمساواة فمست الحاجة إلى التفاضل (ويجوز أن يعقدها كل واحد منهما) : أي شريكي العنان (ببعض ماله دون بعض) ؛ لأن المساواة في المال ليست بشرط فيها

стр. 350

ولا تصح إلا بما بينا أن المفاوضة تصح به، ويجوز أن يشتركا ومن جهة أحدهما دراهم ومن جهة الآخر دنانير، وما اشتراه كل واحدٍ منهما للشركة طولب بثمنه دون الآخر ثم يرجع على شريكه بحصته منه، وإذا هلك مال الشركة أو أحد المالين قبل أن يشتريا شيئاً بطلت الشركة، وإن اشترى أحدهما بماله وهلك مال الآخر قبل الشراء فالمشري بينهما على ما شرطا. ــ (ولا تصح) شركة العنان (إلا بما بينا) قريباً (أن المفاوضة تصح به) وهي الأثمان (ويجوز أن يشترا) مع اختلاف جنس ماليهما (و) ذلك بأن يكون (من جهة أحدهما دراهم ومن جهة الآخر دنانير) وكذا مع اختلاف الوصف، بأن يكون من أحدهما دراهم بيض ومن الآخر سود، لأنهما وإن كانا جنسين فقد أجرى عليهما التعامل حكم الجنس الواحد، كما في كثير من الأحكام، فكان العقد عليهما كالعقد على الجنس الواحد (وما اشتراه كل واحد منهما للشركة طولب بثمنه دون الآخر) لما مر أنها تتضمن الوكالة دون الكفالة، والوكيل هو الأصل في الحقوق (ثم يرجع) الشريك (على شريكه بحصته منه) إن أدى من ماله، لأنه وكيل من جهته في حصته، فإذا نقد من ماله رجع عليه. (وإذا هلك مال الشركة) جميعه (أو أحد المالين قبل أن يشتريا شيئا بطلت الشركة) لأنها تعينت بهذين المالين، فإذا هلكا فات المحل، وبهلاك أحدهما بطل في الهالك لعدمه، وفي الآخر لأن صاحبه لم يرض أن يعطيه شيئاً من ربح ماله (وإن اشترى أحدهما بماله وهلك) بعده (مال الآخر قبل الشراء فالمشتري) بالفتح (بينهما على ما شرطا) ؛ لأن الملك حين وقع وقع مشتركا بينهما لقيام الشركة وقت الشراء فلا يتغير الحكم بهلاك المال الآخر بعد ذلك، قال في التصحيح: والشركة شركة عقد حتى إن أيهما باع جاز بيعه، وقال الحسن ابن زياد: شركة أملاك، والمعتمد قول محمد على ما مشى عليه في المبسوط. اه

стр. 351

ويرجع على شريكه بحصته من ثمنه، وتجوز الشركة وإن لم يخلطا المالين، ولا تصح الشركة إذا شرطا لأحدهما دراهم مسماةً من الربح. ولكل واحدٍ من المتفاوضين وشريكي العنان أن يبضع المال ويدفعه مضاربةً، ويوكل من يتصرف فيه، ويده في المال يد أمانةٍ. وأما شركة ــ (ويرجع) الشريك (على شريكه بحصته من ثمنه) ؛ لأنه اشترى حصته بالوكالة ونقد المال من مال نفسه. (وتجوز الشركة وإن لم يخلطا المالين) ؛ لأن الشركة مستندة إلى العقد دون المال؛ فلم يكن الخلط شرطاً. هداية. لكن الهالك قبل الخلط بعد العقد على صاحبه سواء ملك في يده أو يد الآخر، وبعد الخلط عليهما (ولا تصح الشركة، إذا شرطا لأحدهما دراهم مسماة من الربح) لأنه شرط يوجب انقطاع الشركة، فعسى ألا يخرج إلا قدر المسمى، وإذا لم تصح كان الربح بقدر الملك حتى لو كان المال نصفين، وشرطا الربح أثلاثا فالشرط باطل ويكون الربح نصفين. (ولكل واحد من المتفاوضين وشريكي العنان أن يبضع المال) : أي يدفعه بضاعة، وهو: أن يدفع المتاع إلى الغير ليبيعه ويرد ثمنه وربحه؛ لأنه معتاد في عقد الشركة (ويدفعه مضاربة) لأنها دون الشركة فتتضمنها، وعن أبي حنيفة أنه ليس له ذلك؛ لأنه نوع شركة، والأول الأصح، وهو رواية الأصل، هداية. (ويوكل من يتصرف فيه) لأن التوكل بالبيع والشراء من توابع التجارة، والشركة انعقدت للتجارة، وكذلك له أن يودع ويعير لأنه معتاد ولابد له منه، ويبيع بالنقد والنسيئة إلا أن ينهاه عنها (ويده) : أي الشريك (في المال يد أمانة) فلو هلك بلا تعد لم يضمنه. (وأما شركة الصنائع) وتسمى التقبل، والأعمال، والأبدان (فالخياطين

стр. 352

الصنائع فالخياطان والصباغان يشتركان على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب بينهما، فيجوز ذلك، وما يتقبله كل واحدٍ منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه، فإن عمل أحدهما دون الآخر فالكسب بينهما نصفان. وأما شركة الوجوه فالرجلان يشتركان ولا مال لهما على أن يشتريا بوجوههما ويبيعا، فتصح الشركة على هذا، وكل واحدٍ منهما وكيل الآخر فيما يشتريه، فإن شرطا أن يكون المشتري بينهما نصفين فالربح كذلك، ولا يجوز أن يتفاضلا فيه، ــ والصباغان) مثلا، أو خياط وصباغ (يشتركان على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب) الحاصل (بينهما، فيجوز ذلك) ؛ لأن المقصود منه التحصيل، وهو ممكن بالتوكيل، لأنه لما كان وكيلا في النصف أصيلا في النصف تحققت الشركة في المال المستفاد، ولا يشترط فيه اتحاد العمل والمكان، ولو شرطا العمل نصفين والمال أثلاثا جاز، لأن ما يأخذه ليس بربح، بل بدل عمل، فصح تقويمه، وتمامه في الهداية (وما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه) حتى أن كل واحد منهما يطالب بالعمل، ويطالب بالأجر، ويبرأ الدافع بالدفع إليه، وهذا ظاهر في المفاوضة، وفي غيرها استحسان. هداية (فإن عمل أحدهما دون الآخر فالكسب بينهما نصفان) إن كان الشرط كذلك، وإلا فكما شرطا. (وأما شركة الوجوه) سميت بذلك لأنه لا يشتري إلا من له وجاهة عند الناس (فالرجلان يشتركان ولا مال لهما على أن يشتريا) نوعا أو أكثر (بوجوهها) نسيئة (ويبيعا) فما حصل بالبيع يدفعان منه ثمن ما اشتريا، وما بقي بينهما (فتصح الشركة على هذا) المنوال (وكل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه) لأن التصرف على الغير لا يجوز إلا بوكالة أو ولاية؛ ولا ولاية فتتعين الأولى (فإن شرطا أن يكون المشتري بينهما نصفين فالربح كذلك) بحسب الملك (ولا يجوز أن يتفاضلا فيه) أي الربح مع التساوي في الملك؛ لأن الربح في شركة الوجوه بالضمان،

стр. 353

وإن شرطا أن يكون المشتري بينهما أثلاثاً فالربح كذلك. ولا تجوز الشركة في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد، وما اصطاده كل واحدٍ منهما أو احتطبه فهو له دون صاحبه، وإذا اشتركا ولأحدهما بغلٌ وللآخر روايةٌ يستقي عليها الماء والكسب بينهما لم تصح الشركة، والكسب كله للذي استقى، وعليه أجر مثل الرواية إن كان صاحب البغل، وإن كان صاحب الرواية فعليه أجر مثل البغل، ــ والضمان بقدر الملك في المشتري؛ فكان الربح الزائد عليه ربح ما لم يضمن، فلا يصح اشتراطه (وإن شرطا أن يكون المشترى بينهما أثلاثاً فالربح كذلك) لما قلناه. (ولا تجوز الشركة في) تحصيل الأشياء المباحة مثل (الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد) وكل مباح، لأن الشركة متضمنة معنى الوكالة، والتوكيل في أخذ المباح باطل، لأن أمر الموكل به غير صحيح، والوكيل يملكه بغير أمره فلا يصلح نائبا عنه (وما اصطاده كل واحد منهما أو احتطبه) أو احتشه (فهو له دون صاحبه) ؛ لثبوت الملك في المباح بالأخذ، فإن أخذاه معاً فهو بينهما نصفين؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق، وإن أخذه أحدهما ولم يعمل الآخر شيئاً فهو للعامل، وإن عمل أحدهما وأعانه الآخر بأن حمله معه أو حرسه له فللمعين أجر مثله لا يجاوز به نصف ثمن ذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد بالغاً ما بلغ. (وإذا اشتركا ولأحدهما بغل) مثلا (وللآخر راوية) وهي المزادة من ثلاثة جلود، وأصلها بعير السقاء؛ لأنه يروى الماء أي يحمله، مغرب (يستقي عليها الماء، والكسب بينهما لم تصح الشركة) ؛ لانعقادها على إحراز المباح وهو الماء، (والكسب) الحاصل (كله للذي استقى) الماء؛ لأنه بدل ما ملكه بالإحراز (وعليه مثل أجر الراوية إن كان) المستقى (صاحب البغل، وإن كان) المستقى (صاحب الراوية فعليه أجر مثل البغل) لاستيفائه منافع ملك الغير - وهو البغل أو الراوية - بعقد فاسد؛ فيلزمه أجره

стр. 354

وكل شركةٍ فاسدةٍ فالربح فيها على قدر المال، ويبطل شرط التفاضل وإذا مات أحد الشريكين أو ارتد ولحق بدار الحرب بطلت الشركة، وليس لواحدٍ من الشريكين أن يؤدي زكاة مال الآخر إلا بإذنه. فإن أذن كل واحدٍ منهما لصاحبه أن يؤدي زكاته فأدى كل واحدٍ منهما فالثاني ضامنٌ، علم بأداء الأول أو لم يعلم. ــ (وكل شركة فاسدة فالربح فيها على قدر المال، ويبطل شرط التفاضل) لأن الربح تابع للمال كالريع، ولم يعدل عنه إلا عند صحة التسمية، ولم تصح الشركة؛ فلم تصح التسمية. (وإذا مات أحد الشريكين أو ارتد ولحق بدار الحرب) وحكم بلحاقه: لأنه بمنزلة الموت (بطلت الشركة) لأنها تتضمن الوكالة، ولابد منها لتحقق الشركة، والوكالة تبطل بالموت وكذا بالالتحاق مرتداً، وإذا بطلت الوكالة بطلت الشركة، ولا فرق بين ما إذا علم الشريك بموته وردته أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكمي، بخلاف ما إذا فسخ أحد الشريكين الشركة حيث يتوقف على علم الآخر، لأنه عزل قصدي. قيدنا بالحكم بلحاقه لأنه إذا رجع مسلماً قبل أن يقضي بلحاقه لم تبطل الشركة. (وليس لواحد من الشريكين أن يؤدي زكاة مال لآخر إلا بإذنه) ؛ لأنه ليس من جنس التجارة (فإن أذن كل واحد منهما لصاحبه أن يؤدي) عنه (زكاته فأدى كل واحد منهما) على التعاقب (فالثاني ضامن) ؛ لأدائه غير المأمور به؛ لأنه مأمور بأداء الزكاة، والمؤدى لم يقع زكاة، فصار مخالفاً فيضمن، سواء (علم بالأداء الأول أو لم يعلم) ، لأنه معزول حكما؛ لفوات المحل، وذا لا يختلف بالعلم والجهل، كالوكيل يبيع العبد إذا أعتقه الموكل، وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: لا يضمن إذا لم يعلم، قال في التصحيح: ورجح في الأسرار دليل الإمام واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما. اهـ، قيدنا بأن الأداء على التعاقب لأنه لو أديا معاً أو جهل ضمن كل نصيب صاحبه وتقاصا أو رجع بالزيادة

стр. 355

كتاب المضاربة . - المضاربة: عقدٌ على الشركة بمالٍ من أحد الشريكين وعمل من الآخر، ولا تصح المضاربة إلا بالمال الذي بينا أن الشركة تصح به، ــ كتاب المضاربة أوردها بعد الشركة لأنها كالمقدمة للمضاربة؛ لاشتمالها عليها. (المضاربة) لغةً: مشتقة من الضرب (١) في الأرض، سمى به لأن المضارب يستحق الربح بسعيه وعمله، وشرعاً: (عقد) بإيجاب وقبول (على الشركة) في الربح (بمال من أحد الشريكين) وعمل من الآخر، كما في بعض النسخ، ولا مضاربة بدون ذلك؛ لأنها بشرط الربح لرب المال بضاعة، وللمضارب قرض، وإذا كان المال منهما تكون شركة عقد. وهي مشروعة للحاجة إليها؛ فإن الناس بين غني بالمال غبي عن التصرف فيه، وبين مهتد في التصرف صفر اليد عنه؛ فمست الحاجة إلى شرع هذا النوع من التصرف؛ لينتظم مصلحة الغبي والذكي، والفقير والغني، وبعث النبي ﷺ والناس يباشرونه فقررهم عليه، وتعاملت به الصحابة رضي الله تعالى عنهم. هداية. وركنها: العقد، وحكمها إبداع أو لا، وتوكيل عند عمله، وغصب إن خالف، وإجارة فاسدة: إن فسدت، فله أجر عمله بلا زيادة على المشروط. وشرط صحتها غير واحد، منها ما عبر عنه بقوله: (ولا تصح المضاربة إلا بالمال الذي بينا أن الشركة تصح به) وقد تقدم بيانه، ولو دفع إليه عرضاً وقال: بعه واعمل مضاربة بثمنه، أو اقبض مالي على فلان واعمل به مضاربة - جاز، لأنه عقد يقبل الإضافة من حيث إنه توكيل، ولا مانع من الصحة، بخلاف ما إذا قال: "اعمل بالدين الذي عندك" حيث لا يصح، وتمامه في الهداية.
следующие страницы →