ويرجع على شريكه بحصته من ثمنه، وتجوز الشركة وإن لم يخلطا المالين، ولا تصح الشركة إذا شرطا لأحدهما دراهم مسماةً من الربح.
ولكل واحدٍ من المتفاوضين وشريكي العنان أن يبضع المال ويدفعه مضاربةً، ويوكل من يتصرف فيه، ويده في المال يد أمانةٍ.
وأما شركة
ــ
(ويرجع) الشريك (على شريكه بحصته من ثمنه) ؛ لأنه اشترى حصته بالوكالة ونقد المال من مال نفسه.
(وتجوز الشركة وإن لم يخلطا المالين) ؛ لأن الشركة مستندة إلى العقد دون المال؛ فلم يكن الخلط شرطاً. هداية. لكن الهالك قبل الخلط بعد العقد على صاحبه سواء ملك في يده أو يد الآخر، وبعد الخلط عليهما (ولا تصح الشركة، إذا شرطا لأحدهما دراهم مسماة من الربح) لأنه شرط يوجب انقطاع الشركة، فعسى ألا يخرج إلا قدر المسمى، وإذا لم تصح كان الربح بقدر الملك حتى لو كان المال نصفين، وشرطا الربح أثلاثا فالشرط باطل ويكون الربح نصفين.
(ولكل واحد من المتفاوضين وشريكي العنان أن يبضع المال) : أي يدفعه بضاعة، وهو: أن يدفع المتاع إلى الغير ليبيعه ويرد ثمنه وربحه؛ لأنه معتاد في عقد الشركة (ويدفعه مضاربة) لأنها دون الشركة فتتضمنها، وعن أبي حنيفة أنه ليس له ذلك؛ لأنه نوع شركة، والأول الأصح، وهو رواية الأصل، هداية.
(ويوكل من يتصرف فيه) لأن التوكل بالبيع والشراء من توابع التجارة، والشركة انعقدت للتجارة، وكذلك له أن يودع ويعير لأنه معتاد ولابد له منه، ويبيع بالنقد والنسيئة إلا أن ينهاه عنها (ويده) : أي الشريك (في المال يد أمانة) فلو هلك بلا تعد لم يضمنه.
(وأما شركة الصنائع) وتسمى التقبل، والأعمال، والأبدان (فالخياطين
стр. 352
الصنائع فالخياطان والصباغان يشتركان على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب بينهما، فيجوز ذلك، وما يتقبله كل واحدٍ منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه، فإن عمل أحدهما دون الآخر فالكسب بينهما نصفان.
وأما شركة الوجوه فالرجلان يشتركان ولا مال لهما على أن يشتريا بوجوههما ويبيعا، فتصح الشركة على هذا، وكل واحدٍ منهما وكيل الآخر فيما يشتريه، فإن شرطا أن يكون المشتري بينهما نصفين فالربح كذلك، ولا يجوز أن يتفاضلا فيه،
ــ
والصباغان) مثلا، أو خياط وصباغ (يشتركان على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب) الحاصل (بينهما، فيجوز ذلك) ؛ لأن المقصود منه التحصيل، وهو ممكن بالتوكيل، لأنه لما كان وكيلا في النصف أصيلا في النصف تحققت الشركة في المال المستفاد، ولا يشترط فيه اتحاد العمل والمكان، ولو شرطا العمل نصفين والمال أثلاثا جاز، لأن ما يأخذه ليس بربح، بل بدل عمل، فصح تقويمه، وتمامه في الهداية (وما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه) حتى أن كل واحد منهما يطالب بالعمل، ويطالب بالأجر، ويبرأ الدافع بالدفع إليه، وهذا ظاهر في المفاوضة، وفي غيرها استحسان. هداية (فإن عمل أحدهما دون الآخر فالكسب بينهما نصفان) إن كان الشرط كذلك، وإلا فكما شرطا.
(وأما شركة الوجوه) سميت بذلك لأنه لا يشتري إلا من له وجاهة عند الناس (فالرجلان يشتركان ولا مال لهما على أن يشتريا) نوعا أو أكثر (بوجوهها) نسيئة (ويبيعا) فما حصل بالبيع يدفعان منه ثمن ما اشتريا، وما بقي بينهما (فتصح الشركة على هذا) المنوال (وكل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه) لأن التصرف على الغير لا يجوز إلا بوكالة أو ولاية؛ ولا ولاية فتتعين الأولى (فإن شرطا أن يكون المشتري بينهما نصفين فالربح كذلك) بحسب الملك (ولا يجوز أن يتفاضلا فيه) أي الربح مع التساوي في الملك؛ لأن الربح في شركة الوجوه بالضمان،
стр. 353
وإن شرطا أن يكون المشتري بينهما أثلاثاً فالربح كذلك.
ولا تجوز الشركة في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد، وما اصطاده كل واحدٍ منهما أو احتطبه فهو له دون صاحبه، وإذا اشتركا ولأحدهما بغلٌ وللآخر روايةٌ يستقي عليها الماء والكسب بينهما لم تصح الشركة، والكسب كله للذي استقى، وعليه أجر مثل الرواية إن كان صاحب البغل، وإن كان صاحب الرواية فعليه أجر مثل البغل،
ــ
والضمان بقدر الملك في المشتري؛ فكان الربح الزائد عليه ربح ما لم يضمن، فلا يصح اشتراطه (وإن شرطا أن يكون المشترى بينهما أثلاثاً فالربح كذلك) لما قلناه.
(ولا تجوز الشركة في) تحصيل الأشياء المباحة مثل (الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد) وكل مباح، لأن الشركة متضمنة معنى الوكالة، والتوكيل في أخذ المباح باطل، لأن أمر الموكل به غير صحيح، والوكيل يملكه بغير أمره فلا يصلح نائبا عنه (وما اصطاده كل واحد منهما أو احتطبه) أو احتشه (فهو له دون صاحبه) ؛ لثبوت الملك في المباح بالأخذ، فإن أخذاه معاً فهو بينهما نصفين؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق، وإن أخذه أحدهما ولم يعمل الآخر شيئاً فهو للعامل، وإن عمل أحدهما وأعانه الآخر بأن حمله معه أو حرسه له فللمعين أجر مثله لا يجاوز به نصف ثمن ذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد بالغاً ما بلغ.
(وإذا اشتركا ولأحدهما بغل) مثلا (وللآخر راوية) وهي المزادة من ثلاثة جلود، وأصلها بعير السقاء؛ لأنه يروى الماء أي يحمله، مغرب (يستقي عليها الماء، والكسب بينهما لم تصح الشركة) ؛ لانعقادها على إحراز المباح وهو الماء، (والكسب) الحاصل (كله للذي استقى) الماء؛ لأنه بدل ما ملكه بالإحراز (وعليه مثل أجر الراوية إن كان) المستقى (صاحب البغل، وإن كان) المستقى (صاحب الراوية فعليه أجر مثل البغل) لاستيفائه منافع ملك الغير - وهو البغل أو الراوية - بعقد فاسد؛ فيلزمه أجره
стр. 354
وكل شركةٍ فاسدةٍ فالربح فيها على قدر المال، ويبطل شرط التفاضل وإذا مات أحد الشريكين أو ارتد ولحق بدار الحرب بطلت الشركة، وليس لواحدٍ من الشريكين أن يؤدي زكاة مال الآخر إلا بإذنه.
فإن أذن كل واحدٍ منهما لصاحبه أن يؤدي زكاته فأدى كل واحدٍ منهما فالثاني ضامنٌ، علم بأداء الأول أو لم يعلم.
ــ
(وكل شركة فاسدة فالربح فيها على قدر المال، ويبطل شرط التفاضل) لأن الربح تابع للمال كالريع، ولم يعدل عنه إلا عند صحة التسمية، ولم تصح الشركة؛ فلم تصح التسمية.
(وإذا مات أحد الشريكين أو ارتد ولحق بدار الحرب) وحكم بلحاقه: لأنه بمنزلة الموت (بطلت الشركة) لأنها تتضمن الوكالة، ولابد منها لتحقق الشركة، والوكالة تبطل بالموت وكذا بالالتحاق مرتداً، وإذا بطلت الوكالة بطلت الشركة، ولا فرق بين ما إذا علم الشريك بموته وردته أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكمي، بخلاف ما إذا فسخ أحد الشريكين الشركة حيث يتوقف على علم الآخر، لأنه عزل قصدي. قيدنا بالحكم بلحاقه لأنه إذا رجع مسلماً قبل أن يقضي بلحاقه لم تبطل الشركة.
(وليس لواحد من الشريكين أن يؤدي زكاة مال لآخر إلا بإذنه) ؛ لأنه ليس من جنس التجارة (فإن أذن كل واحد منهما لصاحبه أن يؤدي) عنه (زكاته فأدى كل واحد منهما) على التعاقب (فالثاني ضامن) ؛ لأدائه غير المأمور به؛ لأنه مأمور بأداء الزكاة، والمؤدى لم يقع زكاة، فصار مخالفاً فيضمن، سواء (علم بالأداء الأول أو لم يعلم) ، لأنه معزول حكما؛ لفوات المحل، وذا لا يختلف بالعلم والجهل، كالوكيل يبيع العبد إذا أعتقه الموكل، وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: لا يضمن إذا لم يعلم، قال في التصحيح: ورجح في الأسرار دليل الإمام واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما. اهـ، قيدنا بأن الأداء على التعاقب لأنه لو أديا معاً أو جهل ضمن كل نصيب صاحبه وتقاصا أو رجع بالزيادة
стр. 355
كتاب المضاربة .
- المضاربة: عقدٌ على الشركة بمالٍ من أحد الشريكين وعمل من الآخر، ولا تصح المضاربة إلا بالمال الذي بينا أن الشركة تصح به،
ــ
كتاب المضاربة
أوردها بعد الشركة لأنها كالمقدمة للمضاربة؛ لاشتمالها عليها.
(المضاربة) لغةً: مشتقة من الضرب (١) في الأرض، سمى به لأن المضارب يستحق الربح بسعيه وعمله، وشرعاً: (عقد) بإيجاب وقبول (على الشركة) في الربح (بمال من أحد الشريكين) وعمل من الآخر، كما في بعض النسخ، ولا مضاربة بدون ذلك؛ لأنها بشرط الربح لرب المال بضاعة، وللمضارب قرض، وإذا كان المال منهما تكون شركة عقد.
وهي مشروعة للحاجة إليها؛ فإن الناس بين غني بالمال غبي عن التصرف فيه، وبين مهتد في التصرف صفر اليد عنه؛ فمست الحاجة إلى شرع هذا النوع من التصرف؛ لينتظم مصلحة الغبي والذكي، والفقير والغني، وبعث النبي ﷺ والناس يباشرونه فقررهم عليه، وتعاملت به الصحابة رضي الله تعالى عنهم. هداية.
وركنها: العقد، وحكمها إبداع أو لا، وتوكيل عند عمله، وغصب إن خالف، وإجارة فاسدة: إن فسدت، فله أجر عمله بلا زيادة على المشروط.
وشرط صحتها غير واحد، منها ما عبر عنه بقوله: (ولا تصح المضاربة إلا بالمال الذي بينا أن الشركة تصح به) وقد تقدم بيانه، ولو دفع إليه عرضاً وقال: بعه واعمل مضاربة بثمنه، أو اقبض مالي على فلان واعمل به مضاربة - جاز، لأنه عقد يقبل الإضافة من حيث إنه توكيل، ولا مانع من الصحة، بخلاف ما إذا قال: "اعمل بالدين الذي عندك" حيث لا يصح، وتمامه في الهداية.
стр. 356
ومن شرطها أن يكون الربح بينهما مشاعاً لا يستحق أحدهما منه دراهم مسماةً، ولابد أن يكون المال مسلماً إلى المضارب، ولا يد لرب المال فيه، فإذا صحت المضاربة مطلقةً جاز للمضارب أن يشتري ويبيع ويسافر ويبضع ويوكل، وليس له أن يدفع المال مضاربةً إلا أن يأذن له رب المال في ذلك، وإن خص له رب المال التصرف في بلد بعينه أو في سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوز ذلك.
ــ
ومنها قوله: (ومن شرطها أن يكون الربح بينهما مشاعاً) بحيث (لا يستحق أحدهما منه) أي الربح (دراهم مسماة) لأن ذلك يقطع الشركة بينهما؛ لاحتمال أن لا يحصل من الربح إلا قدر ما شرطه له كما مر، ومنها قوله: (ولابد أن يكون المال مسلماً إلى المضارب) ليتمكن من التصرف (و) منها أن يكون (لا يد لرب المال فيه) بأن لا يشترط عمل رب المال؛ لأنه يمنع خلوص يد المضارب، ومنها كون رأس المال معلوماً بالتسمية أو الإشارة إليه.
(فإذا صحت المضاربة) باستيفاء شرائطها، وكانت (مطلقة) غير مقيدة بزمان أو مكان أو نوع (جاز للمضارب أن يشتري ويبيع) بنقد ونسيئة متعارفة و (يسافر) برا وبحراً (ويبضع ويوكل) ويودع ويرهن ويرتهن ويؤجر ويستأجر، ويحيل ويحتال؛ لإطلاق العقد، والمقصود منه الاسترباح، ولا يتحصل إلا بالتجارة؛ فينتظم العقد صنوف التجارة وما هو من صنيع التجار، والمذكور كله من صنيع التجار (وليس له) أي المضارب (أن يدفع المال مضاربة) لأن الشيء لا يتضمن مثله (إلا) بالتنصيص عليه، مثل (أن يأذن له رب المال في ذلك) به أو التفويض المطلق إليه، بأن يقول له: اعمل برأيك، ولا يملك الإقراض ولا الاستدانة وإن قيل له "اعمل برأيك" ما لم ينص عليهما.
(وإن خص له رب المال التصرف في بلد بعينه أو في سلعة بعينها لم يجز له) أي المضارب (أن يتجاوز ذلك) المعين؛ لأن المضاربة تقبل التقييد؛ لأنها توكيل، وفي التخصيص فائدة فيتخصص، فإن اشترى غير المعين أو في البلد المعين كان ضامناً للمال، وكان المشتري له، وله ربحه؛ وإن خرج بالمال لبلد
стр. 357
وكذلك إن وقت للمضاربة مدةً بعينها جاز وبطل العد بمضيها، وليس للمضارب أن يشتري أبا رب المال ولا ابنه ولا من يعتق عليه، فإن اشتراهم كان مشترياً لنفسه دون المضاربة، وإن كان في المال ربحٌ فليس له أن يشتري من يعتق عليه، فإن اشتراهم ضمن مال المضاربة، وإن لم يكن في المال ربحٌ جاز أن يشتريهم، فإن زادت قيمتهم عتق نصيبه منهم، ولم يضمن لرب المال شيئاً، ويسعى المعتق لرب المال في قيمة نصيبه منه، وإذا دفع المضارب المال مضاربةً ولم يأذن له
ــ
غير المعين ثم رده إلى البلد المعين قبل أن يشتري برئ من الضمان ورجع المال مضاربة على حاله؛ لبقائه في يده بالعقد السابق، وكذا لو عاد في البعض؛ اعتبارا للجزء بالكل.
(وكذلك إن وقت للمضاربة مدة بعينها جاز) التقييد (وبطل العقد بمضيها) ؛ لأن الحكم الموقت ينتهي بمضي الوقت.
(وليس للمضارب أن يشتري أبا رب المال ولا ابنه ولا من يعتق عليه) : أي على رب المال، لأن عقد المضاربة وضع لتحصيل الربح، وهو إنما يكون بشراء ما يمكن بيعه، وهذا ليس كذلك (فإن اشتراهم كان مشتريا لنفسه دون المضاربة) لأن الشراء متى وجد نفاذا على المشتري نفذ عليه، كالوكيل بالشراء إذا خالف (وإن كان في المال ربح فليس له) : أي المضارب (أن يشتري من يعتق عليه) ، لأنه يعتق عليه نصيبه ويفسد نصيب رب المال (فإذا اشتراهم ضمن مال المضاربة) لأنه يصير مشتريا لنفسه، فيضمن بالنقد من مال المضاربة (وإن لم يكن في المال ربح جاز أن يشتريهم) ، لأنه لا مانع من التصرف؛ إذ لا شركة فيه ليعتق عليه (فإن زادت قيمتهم) بعد الشراء (عتق نصيبه منهم) لملكه بعض قريبه (ولم يضمن لرب المال شيئاً) ، لأنه لا صنع من جهته في زيادة القيمة ولا في ملكه الزيادة؛ لأن هذا شيء يثبت من طريق الحكم فصار كما إذا ورثه مع غيره (ويسعى المعتق لرب المال في قيمة نصيبه) أي رب المال (منه) : أي المعتق، لاحتباس ماليته عنده (وإذا دفع المضارب المال) لآخر (مضاربة ولم يأذن له
стр. 358
رب المال في ذلك لم يضمن بالدفع ولا يتصرف المضارب الثاني حتى يربح، فإذا ربح ضمن المضارب الأول المال، وإذا دفع إليه المال مضاربةً بالنصف وأذن له أن يدفعها مضاربةً فدفعها بالثلث؛ فإن كان رب المال قال له على أن ما رزق الله بيننا نصفان فلرب المال نصف الربح، وللمضارب الثاني ثلث الربح، وللأول السدس، وإن قال على أن ما رزقك الله بيننا نصفان فللمضارب الثاني الثلث، وما بقي بين رب المال والمضارب الأول نصفان
ــ
رب المال في ذلك لم يضمن) المضارب الأول (إلى المضارب الثاني (ولا يتصرف المضارب الثاني) من غير أن يربح، بل (حتى يربح) ، لأنه مالم يربح بمنزلة الوكيل وللمضارب التوكيل (فإذا ربح) المضارب الثاني (ضمن المضارب الأول المال) لرب المال، قال في الهداية: وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، وقالا: إذا عمل به ضمن ربح أو لم يربح، وهو ظاهر الرواية، قال الإسبيجاني: قال صاحب الكتاب "ضمن المضارب الأول" والمشهور من المذهب أن رب المال بالخيار: إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني في قولهم جميعاً، اهـ تصحيح (وإذا دفع) رب المال (إليه المال مضاربة بالنصف وأذن له أن يدفعها) إلى غيره (مضاربة فدفعها) إلى غيره (بالثلث) جاز، لوجود الإذن من المالك (فإن كان رب المال قال له) في اشتراط الربح (على أن ما رزق الله تعالى) أو ما كان من فضل فهو (بيننا نصفان فلرب المال نصف الربح) عملا بشرطه (وللمضارب الثاني ثلث الربح) لأنه المشروط له (و) للمضارب (الأول) الباقي، وهو (السدس) لأن رب المال شرط لنفسه نصف جميع ما رزق الله تعالى، فلم يبقى للأول إلال النصف، فينصرف تصرفه إلى نصيبه، وقد جعل من ذلك بقدر ثلث الجميع للثاني فيأخذه، فلم يبق للأول إلا السدس (وإن كان قال) رب المال للمضارب الأول (على أن ما رزقك الله تعالى) : أي ما حصل لك من الربح فهو (بينا نصفان فللمضارب الثاي الثلث) لما مر (وما بقي) وهو الثلثان (بين رب المال والمضارب الأول نصفان) ، لأنه فوض إليه التصرف، وجعل لنفسه نصف ما رزق الأول، وقد رزق
стр. 359
فإن قال له على أن ما رزق الله فلي نصفه فدفع المال إلى آخر مضاربةً بالنصف فللمضارب الثاني نصف الربح ولرب المال النصف، ولا شيء للمضارب الأول، فإن شرط للمضارب الثاني ثلثي الربح فلرب المال نصف الربح وللمضارب الثاني نصف الربح، ويضمن الأول للمضارب الثاني سدس الربح من ماله.
وإذا مات رب المال أو المضارب بطلت المضاربة، وإن ارتد رب المال عن الإسلام ولحق بدار الحرب بطلت المضاربة، وإذا عزل رب المال المضارب ولم يعلم بعزله حتى اشترى وباع فتصرفه جائزٌ،
ــ
الأول الثلثين فيكون بينهما (فإن) كان (قال على أن ما رزق الله تعالى فلي نصفه) أو ما كان من فضل فبيني وبينك نصفان (فدفع المال إلى آخر مضاربة بالنصف فللثاني نصف الربح) لأنه المشروط له (ولرب المال النصف، ولا شيء للمضارب الأول) ؛ لأنه شرط للثاني النصف فيستحقه، وقد جعل رب المال لنفسه نصف مطلق الربح، فلم يبق للأول شيء (فإن) كان (شرط) المضارب الأول (للمضارب الثاني ثلثي الربح فلرب المال نصف الربح) لما مر (وللمضارب الثاني) الباقي، وهو (نصف الربح، ويضمن المضارب الأول للمضارب الثاني سدس الربح) : أي مثله (من ماله) ؛ لأنه شرط للثاني شيئاً هو مستحقٌ لرب المال فلم ينفذ في حقه لما فيه من الإبطال، والتسمية في نفسها صحيحة، فيلزم الوفاء بأداء المثل.
(وإذا مات رب المال أو المضارب بطلت المضاربة) ؛ لأنها توكيل على ما مر وموت الموكل أو الوكيل يبطل الوكالة (وإن ارتد رب المال عن الإسلام) والعياذ بالله تعالى (ولحق بدار الحرب) وحكم بلحوقه (بطلت المضاربة) أيضاً؛ لزوال ملكه وانتقاله لورثته فكان كالموت، وما لم يحكم بلحوقه فهي موقوفة، فإن رجع مسلماً لم تبطل، قيد برب المال لأنه لو كان المضارب هو المرتد فالمضاربة على حالها؛ لأن عبارته صحيحة، ولا توقف في ملك رب المال.
(وإن عزل رب المال المضارب) عن المضاربة (ولم يعلم) المضارب (بعزله) : أي عزل نفسه (حتى اشترى وباع فتصرفه) الصادر قبل العلم (جائز) ؛ لأنه توكيل من
стр. 360
وإن علم بعزله والمال عروضٌ فله أن يبيعها ولا يمنعه العزل من ذلك، ثم لا يجوز أن يشتري بثمنها شيئاً آخر، وإن عزله ورأس المال دراهم أو دنانير قد نضت فليس له أن يتصرف فيه.
وإذا افترقا وفي المال ديون وقد ربح المضارب فيه أجبره الحاكم على اقتضاء الديون، وإن لم يكن له ربح لم يلزمه الاقتضاء، ويقال له: وكل رب المال في الاقتضاء،
ــ
جهته، وعزل الوكيل قصداً يتوقف على علمه (وإن علم بعزله والمال عروض) هو هنا: ما كان خلاف جنس رأس المال، فالدراهم والدنانير هنا جنسان (فله أن يبيعها ولا يمنعه العزل من ذلك) البيع؛ لأن له حقا في الربح، ولا يظهر ذلك إلا بالعقد فيثبت له حق البيع ليظهر ذلك (ثم لا يجوز) له (أن يشتري بثمنها شيئاً آخر) ؛ لأن العزل إنما يعمل والمال عروض ضرورة معرفة رأس المال، وقد اندفعت بصيرورته نقداً فعمل العزل (وإن عزله ورأس المال دراهم أو دنانير قد نضت) أي: تحولت عيناً بعد أن كانت متاعا، صحاح (فليس له أن يتصرف فيها) لما قلنا، قال في الهداية: وهذا الذي ذكره إذا كان من جنس رأس المال، فإن لم يكن - بأن كان دراهم ورأس المال دنانير، أو على العكس - له أن يبيعها بجنس رأس المال استحساناً؛ لأن الربح لا يظهر إلا به وصار كالعروض. اهـ. وقد أشرنا إليه.
(وإذا افترقا وفي المال ديون و) كان (قد ربح المضارب فيه) : أي المال (أجبره الحاكم على اقتضاء الديون) ؛ لأنه بمنزلة الأجير، فإن الربح كالأجر له (وإن لم يكن) في المال (ربح لم يلزمه الاقتضاء) ؛ لأنه وكيل محض، وهو متبرع، والمتبرع لا يجبر على إيفاء ما تبرع به (و) لكن (يقال له) : أي للمضارب (وكل رب المال في الاقتضاء) ؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد، والمالك ليس بعاقد، فلا يتمكن من الطلب إلا بتوكيله، فيؤمر بالتوكيل كيلا يضيع حقه
стр. 361
وما هلك من مال المضاربة فهو من الربح دون رأس المال، فإن زاد الهالك على الربح فلا ضمان على المضارب فيه، وإن كانا قد اقتسما الربح والمضاربة بحالها ثم هلك المال أو بعضه ترادا الربح حتى يستوفي رب المال رأس المال، فإن فضل شيءٌ كان بينهما، وإن عجز عن رأس المال لم يضمن المضارب، وإن كانا قد اقتسما الربح وفسخا المضاربة ثم عقداها فهلك المال لم يترادا الربح الأول.
ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد والنسيئة، ولا يزوج عبداً ولا أمةً من مال المضاربة.
ــ
(وما هلك من مال المضاربة فهو من الربح دون رأس المال) لأن الربح اسم للزيادة على رأس المال؛ فلابد من تعيين رأس المال حتى تظهر الزيادة (وإذا زاد الهالك على الربح فلا ضمان على المضارب فيه) ؛ لأنه أمين (وإذا كانا) : أي المضاربان (قد اقتسما الربح و) بقيت (المضاربة بحالها) : أي لم تفسخ (ثم هلك المال) كله (أو بعضه ترادا الربح حتى يستوفي رب المال رأس المال) ؛ لأن قسمة الربح قبل استيفاء رأس المال لا تصح؛ لأنه هو الأصل، فإذا هلك ما في يد المضارب أمانة تبين أن ما أخذه من رأس المال؛ فوجب رده (فإن فضل شيء) بعد استيفاء رأس المال (كان بينهما) ؛ لأنه ربح (وإن عجز) الربح المردود: أي نقص (عن) إكمال (رأس المال لم يضمن المضارب) لما مر من أنه أمين (وإن كانا قد اقتسما الربح وفسخا المضاربة) الأولى والمال في يد المضارب (ثم عقداها) ثانياً (فهلك المال لم يترادا الربح الأول) لأن الأولى قد انتهت بالفسخ. والثانية عقد جديد لا تعلق لها بالأولى.
(ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد والنسيئة) المتعارفة؛ لأنها من صنيع التجار قيدنا بالمتعارفة لأنه إذا باع إلى أجل غير متعارف لا يصح؛ لأن له الأمر العام المعروف بين الناس (ولا يزوج عبداً) اتفاقا (ولا أمة) عند أبي حنيفة ومحمد (من مال المضاربة) لأنه ليس بتجارة والعقد لا يتضمن إلا التوكيل بالتجارة، أو ما هو من
стр. 362
كتاب الوكالة .
- كل عقدٍ جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره، ويجوز التوكيل بالخصومة في سائر الحقوق، وبإثباتها، ويجوز التوكيل
ــ
ضرورياتها، والتزويج ليس كذلك، وقاس أبو يوسف تزويج الأمة على إجارتها لأنه من باب الاكتساب؛ لأنه يستفيد به لمهر وسقوط النفقة، قال في التصحيح: والمعتمد قولهما عند الكل، كما اعتمده المحبوبي والنسفي والموصلي وغيرهم. اهـ.
تتمة - إذا عمل المضارب في المصر فنفقته في ماله، وإن سافر فطعامه وشرابه وكسوته وركوبه في مال المضاربة، هداية.
كتاب الوكالة
وجه المناسبة بينها وبين المضاربة ظاهر؛ لأن الوكالة من أحكامها.
وهي لغة: اسم من التوكيل، وهو التفويض. وشرعاً: إقامة الغير مقام نفسه في تصرف معلوم، جوهرة. (١)
وقد صدر المصنف بضابط ما يصح فيه التوكيل؛ فقال: (كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره) لأنه ربما يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال؛ فيحتاج أن يوكل غيره؛ فيكون بسبيل منه دفعاً لحاجته (ويجوز التوكيل بالخصومة) من غير استيفاء (في سائر الحقوق، و) كذا (بإثباتها) أي: إثبات سائر الحقوق، تمكينا له من استيفاء حقوقه، قال الإسبيجاني: وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يجوز في إثبات الحد والقصاص والخصومة فيه، وقول محمد مضطرب والأظهر أنه مع أبي حنيفة، والصحيح قولهما، تصحيح (ويجوز التوكيل) أيضا
стр. 363
بالاستيفاء إلا في الحدود والقصاص فإن الوكالة لا تصح باستيفائهما مع غيبة الموكل عن المجلس، وقال أبو حنيفة: لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضا الخصم، إلا أن يكون الموكل مريضاً أو غائباً مسيرة ثلاثة أيامٍ فصاعداً. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجوز التوكيل بغير رضا الخصم.
ومن شرط الوكالة: أن يكون الموكل ممن يملك التصرف وتلزمه الأحكام
ــ
(بالاستيفاء) والإيفاء لسائر الحقوق (إلا في الحدود والقصاص؛ فإن الوكالة لا تصح باستيفائهما مع غيبة الموكل عن المجلس) ؛ لأنها تندرئ بالشبهات، وشبهة العفو ثابتة حال غيبته، بخلاف حالة الحضرة لانتفاء الشبهة (وقال أبو حنيفة لا يجوز) : أي لا يلزم (التوكيل بالخصومة) سواء كان من قبل الطالب أو المطلوب (إلا برضا الخصم) ويستوي فيه الشريف والوضيع، والرجل والمرأة، والبكر والثيب (إلا أن يكون الموكل مريضاً) لا يمكنه حضور مجلس الحكم بقدميه، ابن كمال (أو غائباً مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً) أو مريداً سفرا، أو مخدرة لم تجر عادتها بالبروز وحضور مجلس الحكم. هداية. قال في التصحيح: واختار قوله المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وأبو الفضل الموصلي، ورجح دليله في كل صنف. اهـ (وقالا: يجوز التوكيل بغير رضا الخصم) وبه أخذ أبو القاسم الصفار وأبو الليث، وفي فتاوى العتابي أنه المختار، وفي مختارات النوازل لصاحب الهداية: والمختار في هذه المسألة أن القاضي إذا علم التعنت من الآبى يقبل توكيله من غير رضاه، وإذا علم أن الموكل قصد إضرار خصمه لا يقبل، اهـ. ومثله في قاضيخان عن شمس الأئمة السرخسي وشمس الأئمة الحلواني، وفي الحقائق: وإليه مال الأوزجندي، كذا في التصحيح ملخصا. وفي الدرر: وعليه فتوى المتأخرين.
(ومن شرط) صحة (الوكالة: أن يكون الموكل ممن يملك التصرف) ؛ لأن الوكيل إنما يملك التصرف من جهته؛ فلابد من كونه مالكا لما يملكه لغيره (وتلزمه الأحكام) قال في العناية: يحتمل أحكام ذلك التصرف وجنس الأحكام؛
стр. 364
والوكيل ممن يعقل العقد ويقصده.
وإذا وكل الحر البالغ أو المأذون مثلهما جاز، وإن وكلا صبياً محجوراً يعقل البيع والشراء أو عبداً محجوراً جاز، ولا تتعلق بهما الحقوق وتتعلق بموكليهما.
والعقود التي يعقدها الوكلاء على ضربين؛
ــ
فالأول احتراز عن الوكيل إذا وكل فإنه يملك ذلك التصرف دون التوكيل به؛ لأنه لم تلزمه الأحكام وهي الملك، وعلى هذا يكون في الكلام شرطان، والثاني احتراز عن الصبي والمجنون، ويكون ملك التصرف ولزوم الأحكام شرطاً واحداً، وهذا أصح؛ لأن الوكيل إذا أذن له بالتوكيل صح ولم تلزمه أحكام ذلك التصرف (و) أن يكون (الوكيل ممن يعقل العقد) : أي يعقل معناه من أنه سالبٌ بالنسبة إلى كل من المتعاقدين وجالب له؛ فيسلب عن البائع ملك المبيع ويجلب له ملك البدل، وفي المشتري العكس (و) أن يكون بحيث (يقصده) لفائدته من السلب والجلب، حتى لو كان صبيا لا يعقل أو مجنوناً كان التوكيل باطلا، وما قيل من أن قوله "ويقصده" احتراز عن الهازل رده ابن الهمام.
(ثم فرع على ما أصله بقوله: (وإذا وكل الحر البالغ أو المأذون) عبداً كان أو صغيراً (مثلهما جاز) ؛ لأن الموكل مالك للتصرف، والوكيل من أهل العبارة (وإن وكلا) : أي الحر البالغ أو المأذون (صبيا محجوراً) وهو (يعقل البيع والشراء أو عبداً محجوراً جاز) أيضاً لما قلناه (و) لكن (لا تتعلق بهما الحقوق) ؛ لأنه لا يصح منهما التزام العهدة، لقصور أهلية الصبي وحق سيد العبد (و) إنما (تتعلق بموكليها) ، لأنه لما تعذر رجوعها إلى العاقد رجعت إلى أقرب الناس إلى هذا التصرف، وهو الموكل، إلا أن الحقوق تلزم العبد بعد العتق، لأن المانع حق المولى وقد زال، ولا يلزم الصبي بعد البلوغ، لأن المانع حقه، وحق الصبي لا يبطل بالبلوغ، كذا في الفيض.
(والعقود التي يعقدها الوكلاء على ضربين) وفي بعض النسخ "والعقد الذي
стр. 365
فكل عقدٍ يضيفه الوكيل إلى نفسه - مثل البيع والإجارة - فحقوق ذلك العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل، فيسلم المبيع، ويقبض الثمن، ويطالب بالثمن، إذا اشترى، ويقبض المبيع، ويخاصم بالعيب، وكل عقدٍ يضيفه إلى موكله - كالنكاح والخلع والصلح من دم العمد - فإن حقوقه تتعلق بالموكل دون الوكيل، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر، ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها، وإذا طالب الموكل المشتري بالثمن فله أن يمنعه إياه،
ــ
يعقده الوكلاء" أي جنس العقد، كذا في غاية البيان، لأن الوكيل يضيف بعض العقود إلى نفسه، وبعضها إلى موكله (فكل عقد يضيفه الوكيل إلى نفسه) : أي يصح إضافته إلى نفسه ويستغني عن إضافته إلى الموكل (مثل البيع والإجارة) ونحوهما (فحقوق ذلك العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل) ، لأن الوكيل في هذا الضرب هو العاقد: حقيقة، لأن العقد يقوم بكلامه، وحكما، لأنه يستغني عن إضافة العقد إلى موكله، وحيث كان كذلك كان أصيلا في الحقوق فتتعلق به (فيسلم المبيع، ويقبض الثمن) إذا باع (ويطالب بالثمن إذا اشترى، ويقبض المبيع) ، لأن ذلك من الحقوق، والملك يثبت للموكل خلافةً عنه اعتباراً للتوكيل السابق (و) كذا (يخاصم بالعيب) إن كان المبيع في يده، أما بعد التسليم إلى الموكل فلا يملك رده إلا بإذنه (وكل عقد يضيفه) الوكيل (إلى موكله) : أي لا يستغني عن الإضافة إلى موكله، حتى لو أضافه إلى نفسه لا يصح، كذا في المجتبى، وذلك (كالنكاح والخلع والصلح من دم العمد) ونحو ذلك (فإن حقوقه تتعلق بالموكل) لإضافة العقد إليه (دون الوكيل) ، لأنه في هذا الضرب سفير محض، ولذا لا يستغني عن إضافة العقد إلى الموكل، فكان كالرسول، وفرع على كونه سفيراً محضاً بقوله: (فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر، ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها) للزوج، لما قلنا من أنه سفير (وإذا طالب الموكل) بالبيع (المشتري بالثمن فله) : أي المشتري (أن يمنعه إياه) ، لأنه أجنبي عن العقد وحقوقه، لأن الحقوق
стр. 366
فإن دفعه إليه جاز ولم يكن للوكيل أن يطالبه به ثانياً.
ومن وكل رجلاً بشراء شيء فلابد من تسمية جنسه وصفته أو جنسه ومبلغ ثمنه، إلا أن يوكله وكالةً عامةً فيقول: ابتع لي ما رأيت، وإذا اشترى الوكيل وقبض المبيع ثم اطلع على عيبٍ فله أن يرده بالعيب ما دام المبيع في يده، وإن سلمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه.
ــ
إلى العاقد (فإن دفعه) : أي دفع المشتري الثمن (إليه) أي الموكل (جاز) ، لأن نفس الثمن المقبوض حقه (ولم يكن للوكيل أن يطالبه به ثانياً) لعدم الفائدة، لأنه لو أخذ منه لوجب الإعادة.
(ومن وكل رجلا بشراء شيء فلابد) لصحة وكالته (من تسمية جنسه) : أي جنس ما وكله به كالجارية والعبد (وصفته) أي نوعه كالتركي والحبشي (أو جنسه ومبلغ ثمنه) ، ليصير الفعل الموكل به معلوما فيمكنه الائتمار (إلا أن يوكله وكالة عامة فيقول: ابتع لي ما رأيت) لأنه فوض الأمر إلى رأيه فأي شيء يشتريه يكون ممتثلا، والأصل أن الجهالة اليسيرة تتحمل في الوكالة كجهالة الوصف استحساناً، لأن مبنى التوكيل على التوسعة لأنه استعانة فتتحمل الجهالة اليسيرة. هداية. ثم الجهالة في التوكيل ثلاثة أنواع: فاحشة، وهي جهالة الجنس كالثوب والدابة والرقيق، وهي تمنع صحة الوكالة وإن بين الثمن؛ لأن الوكيل لا يقدر على الامتثال، لأن بذلك الثمن يوجد من كل جنس، وجهالة يسيرة، وهي جهالة النوع كالحمار والفرس والثوب الهروي، وهي لا تمنع صحة الوكالة وإن لم يبين الثمن، وجهالة متوسطة بين الجنس والنوع كالعبد والأمة والدار، فإن بين الثمن أو النوع تصح وتلحق بجهالة النوع، و"إن لم يبين واحداً منها فلا تصح وتلحق بجهالة الجنس، فيض عن الكافي. ويؤخذ من كلام المصنف (وإذا اشترى الوكيل) ما وكل بشرائه (وقيض المبيع) أي المشتري (ثم اطلع على عيب) فيه (فله) : أي للوكيل (أن يرده بالعيب ما دام المبيع في يده) لتعلق الحقوق به (فإن سلمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه) ، لانتهاء حكم الوكالة بالتسليم
стр. 367
ويجوز التوكيل بعقد الصرف والسلم، فإن فارق الوكيل صاحبه قبل القبض بطل العقد، ولا تعتبر مفارقة الموكل، وإذا دفع الوكيل بالشراء الثمن من ماله وقبض المبيع فله أن يرجع به على الموكل، فإن هلك المبيع في يده قبل حبسه هلك من مال الموكل ولم يسقط الثمن، وله أن يحبسه حتى يستوفي الثمن، فإن حبسه فهلك كان مضموناً ضمان الرهن عند أبي يوسف وضمان المبيع عند محمدٍ،
ــ
(ويجوز التوكيل بعقد الصرف والسلم) لأنه عقد يملكه بنفسه فيملك التوكيل به على ما مر، ومراده التوكيل بالإسلام دون قبول السلم؛ فإن ذلك لا يجوز؛ فإن الوكيل يبيع طعاما في ذمته على أن يكون الثمن لغيره، وهذا لا يجوز. هداية. ثم العبرة بمفارقة الوكيل (فإن فارق الوكيل صاحبه قبل القبض) لبدله (بطل العقد) ؛ لوجود الافتراق من غير قبض (ولا تعتبر مفارقة الموكل) ولو حاضراً كما في البحر، خلافا للعيني؛ لأنه ليس بعاقد.
(وإذا دفع الوكيل بالشراء الثمن من ماله) من غير صريح إذن الموكل (وقبض المبيع، فله أن يرجع به على الموكل) لوجود الإذن دلالة؛ لأن الحقوق لما كانت إلى العاقد وقد علمه الموكل يكون راضياً بدفعه (فإن هلك المبيع في يده) : أي الوكيل (قبل حبسه هلك من مال الموكل ولم يسقط الثمن) ؛ لأن يده كيد الموكل (وله) : أي للوكيل بالشراء (أن يحبسه) : أي المبيع (حتى يستوفي الثمن) وإن لم يكن دفعه؛ لأنه مع الموكل بمنزلة البائع (فإن حبسه) لاستيفاء الثمن (فهلك) في يده (كان مضموناً) عليه (ضمان الرهن عند أبي يوسف) فيضمن الأقل من قيمته ومن الثمن، وضمان الغصب عند زفر فيجب مثله أو قيمته بالغة ما بلغت (وضمان المبيع عند محمد) وهو قول أبي حنيفة أيضاً، فيسقط الثمن قليلا كان أو كثيراً، قال في التصحيح: ورجح دليلهما في الهداية، واعتمده المحبوبي والنسفي والموصلي وصدر الشريعة
стр. 368
وإذا وكل رجلين فليس لأحدهما أن يتصرف فيما وكلا فيه دون الآخر، إلا أن يوكلهما بالخصومة أو بطلاق زوجته بغير عوضٍ أو برد وديعةٍ عنده أو بقضاء دينٍ عليه.
وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل به، إلا أن يأذن له الموكل أو يقول له: اعمل برأيك
ــ
(وإذا وكل) موكل (رجلين) معاً بأن قال "وكلتكما" سواء كان الثمن مسمى أو لا (فليس لأحدهما أن يتصرف فيما وكلا فيه دون الآخر) قال في الهداية: وهذا في تصرف يحتاج فيه إلى الرأي كالبيع والخلع وغيرهما؛ لأن الموكل رضي برأيهما لا برأي أحدهما، والبدل وإن كان مقدراً ولكن التقدير لا يمنع استعمال الرأي في الزيادة واختيار المشتري. اهـ. وأشار المصنف إلى ذلك بقوله: (إلا أن يوكلهما بالخصومة) ؛ لأن الاجتماع فيها متعذر للإفضاء إلى الشغب في مجلس القضاء، والرأي يحتاج إليه سابقاً لتقويم الخصومة (أو بطلاق زوجته بغير عوض، [أو بعتق عبده بغير عوض] ، أو برد وديعة عنده، أو بقضاء دين عليه) ؛ لأن هذه الأشياء لا يحتاج فيها إلى الرأي، بل هو تعبير محض، وعبارة المثنى والواحد سواء. هداية. قيدنا بالمعية لأنه لو وكلهما على التعاقب جاز لكل منهما الانفراد؛ لأنه رضي برأي كل واحد منهما على الانفراد وقت توكيله، فلا يتغير بعد ذلك. منح. وقيد الطلاق والعتق بغير عوض لأنه لو كان بعوض لا ينفرد أحدهما به؛ لأنه يحتاج إلى الرأي. درر. وقيد برد الوديعة لأنه بقبضها لا ينفرد كما في الذخيرة؛ لأن حفظ الاثنين أنفع؛ فلو قبض أحدهما بدون إذن الآخر ضمن. وقيد بقضاء الدين لأنه باقتضاء الدين لأنه باقتضائه لا ينفرد كما في الجوهرة لاحتياج الاستيفاء إلى الرأي.
(وليس للوكيل أن يوكل) غيره (فيما وكل به) ؛ لأنه فوض إليه التصرف دون التوكيل به؛ لأنه إنما رضي برأيه، والناس يتفاوتون في الآراء فلا يكون راضيا بغيره (إلا أن يأذن له الموكل) بالتوكيل (أو) يفوض له، بأن (يقول له: اعمل برأيك)
стр. 369
فإن وكل بغير إذن موكله فعقد وكيله بحضرته جاز، وإن عقد بغير حضرته فأجازه الوكيل الأول جاز، وللموكل أن يعزل الوكيل عن الوكالة، فإن لم يبلغه العزل فهو على وكالته وتصرفه جائزٌ حتى يعلم.
وتبطل الوكالة بموت الموكل، وجنونه جنوناً مطبقاً، ولحاقه بدار الحرب مرتداً، وإذا وكل المكاتب ثم عجز أو المأذون فحجر عليه أو الشريكان فافترقا، فهذه الوجوه تبطل الوكالة علم الوكيل أو لم يعلم.
ــ
أو اصنع ما شئت، لإطلاق التفويض إلى رأيه، وإذا جاز في هذا الوجه - يعني الذي جاز التوكيل فيه - يكون الثاني وكيلا عن الموكل، حتى لا يملك الأول عزله، ولا ينعزل بموته، وينعزلان بموت الأول. هداية (فإن وكل بغير إذن موكله فعقد وكيله) أي الوكيل (بحضرته) أي الوكيل الأول (جاز) لانعقاده برأيه. (و) كذا (إن عقد بغير حضرته فأجازه الوكيل الأول جاز) أيضاً، لنفوذه برأيه (وللموكل أن يعزل الوكيل عن الوكالة) متى شاء، لأن الوكالة حقه؛ فله أن يبطله، إلا إذا تعلق به حق الغير، بأن كان وكيلا بالخصومة بطلب من جهة الطالب، لما فيه من إبطال حق الغير، هداية. ثم إنما ينعزل الوكيل إذا بلغه ذلك (فإن لم يبلغه العزل فهو) : أي الوكيل (على وكالته، وتصرفه جائز حتى يعلم) ، لأن في العزل إضراراً به من حيث إبطال ولايته، أو من حيث رجوع الحق إليه، فيتضرر به، ويستوي الوكيل بالنكاح وغيره للوجه الأول، وقد ذكرنا اشتراط العدد والعدالة في المخبر فلا نعيده. هداية.
(وتبطل الوكالة بموت الموكل، وجنونه جنوناً مطبقاً) بضم الميم وكسر الباء وفتحها (ولحاقه بدار الحرب مرتدا) إذا حكم به (و) كذا (إذا وكل المكاتب ثم عجز) وعاد إلى رقه (أو المأذون) عبداً كان أو صغيراً (فحجر عليه، أو الشريكان فافترقا) : أي تفاسخا الشركة (فهذه الوجوه) المذكورة (تبطل الوكالة) سواء (علم الوكيل) بذلك (أو لم يعلم) ، لأنه عزل حكمي، لأن بقاء الوكالة يعتمد قيام
стр. 370
وإذا مات الوكيل أو جن جنوناً مطبقاً بطلت وكالته، وإن لحق بدار الحرب مرتداً لم يجز له التصرف إلا أن يعود مسلماً، ومن وكل آخر بشيء ثم تصرف فيما وكل به بطلت الوكالة، والوكيل بالبيع والشراء لا يجوز أن يعقد عند أبي حنيفة
ــ
الأمر، وقد بطل بهذه العوارض. قيد الجنون بالمطبق لأن قليله بمنزلة الإغماء، وحد المطبق شهرٌ عند أبي يوسف اعتباراً بما يسقط به الصوم، قال في الشرنبلالية معزيا إلى المضمرات: وبه يفتي، ومثله في القهستاني والباقلاني، وجعله قاضيخان في فصل ما يقضي به في المجتهدات قول أبي حنيفة وأن عليه الفتوى، فيحتفط، كذا في الدرر. وقال محمد: حول؛ لأنه يسقط به جميع العبادات، وقال في التصحيح: قال في الاختيار: وهو الصحيح، اهـ. وقيد باللحاق لأنه قبله لا يبطل توكيله اتفاقا وقيدنا اللحوق بالحكم به لأنه لا يثبت إلا به، كما في الفيض وغيره، ثم هذا كله فيما إذا كانت الوكالة غير لازمة بحيث يملك عزله، بخلاف اللازمة؛ فإنها لا تبطل بهذه العوارض كالوكالة ببيع الرهن والأمر باليد.
(وإذا مات الوكيل أو جن جنوناً مطبقاً بطلت وكالته) ؛ لبطلان أهليته (وإن لحق بدار الحرب مرتداً لم يجز له التصرف) لسقوط أهليته (إلا أن يعود مسلماً) قبل الحكم بلحاقه لعود الأهلية، قال في النهاية نقلا عن مبسوط شيخ الإسلام: وإن لحق الوكيل بدار الحرب مرتدا فإنه لا يخرج عن الوكالة عندهم جميعاً ما لم يقض القاضي بلحاقه. اهـ. قال في التصحيح: قالوا: هذا قول أبي حنيفة واعتمده النسفي والمحبوبي. اهـ. وعند أبي يوسف: لا تعود بعوده؛ لأنه باللحاق التحق بالأموات؛ فبطلت ولايته ولا تعود بعوده.
(ومن وكل) غيره (بشيء) من شراء أو بيع أو طلاق أو عتق (ثم تصرف) الموكل (فيما وكل به) بنفسه أو وكيل آخر (بطلت الوكالة) لأنه لما تصرف فيه تعذر على الوكيل التصرف؛ فبطلت وكالته.
(والوكيل بالبيع والشراء لا يجوز) له: أي لا يصح (أن يعقد عند أبي حنيفة
стр. 371
مع أبيه وجده وولده وولد ولده وزوجته وعبده ومكاتبه. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجوز بيعه منهم بمثل القيمة إلا في عبده ومكاتبه. والوكيل بالبيع يجوز بيعه بالقليل والكثير عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجوز بيعه بنقصانٍ لا يتغابن الناس في مثله. والوكيل بالشراء يجوز عقده بمثل القيمة وزيادةٍ يتغابن الناس في مثلها،
ــ
مع) من ترد شهادته له، مثل (أبيه) وأمه (وجده) وجدته وإن عليا (وولده وولد ولده) وإن سفل (وزوجته وعبده ومكاتبه) للتهمة، ولدا ترد شهادتهم له، ولأن المنافع بينهم متصلة؛ فصار بيعا من نفسه من وجه (وقالا: يجوز بيعه منهم بمثل القيمة) ؛ لأن التوكيل مطلق والأملاك متباينة (إلا في عبده ومكاتبه) ؛ لأنه يبيع من نفسه؛ لأن ما في يد العبد للمولى، وكذا له حق في كسب المكاتب وينقلب حقيقة بالعجز، قال في التصحيح: وقد رجحوا دليله، واعتمده المحبوبي والنسفي (والوكيل بالبيع يجوز بيعه بالقليل والكثير) والعرض والنقد (عند أبي حنيفة) لإطلاق الأمر (وقالا: لا يجوز بيعه) أي الوكيل (بنقصان) فاحش، بحيث (لا يتغابن الناس) أي لا يتحملون الغبن (في مثله) أي مثل هذا النقصان، ولا بالعرض؛ لأن مطلق الأمر يتقيد بالمتعارف، والمتعارف البيع بثمن المثل والنقد، قال في البزازية: وعليه الفتوى، لكن في التصحيح: ورجح قول الإمام، وهو المعول عليه عند النسفي، وهو أصح الأقاويل والاختيار عند المحبوبي، ووافقه الموصلي وصدر الشريعة. اهـ. وعليه أصحاب المتون الموضوعة لنقل المذهب بما هو ظاهر الرواية، وفي التصحيح أيضاً: قال القاضي: واختلفت الوايات في الأجل، والصحيح يجوز على كل حال، وعن أبي يوسف: إن كان التوكيل بالبيع للحاجة إلى النفقة وقضاء الدين ليس له أن يبيع بالنسيئة، وعليه الفتوى، اهـ
(والوكيل بالشراء يجوز عقده بمثل القيمة وزيادة) يسيرة، بحيث (يتغابن الناس في مثلها) ، إذا لم يكن له قيمة معروفة كالدار والفرس
стр. 372
ولا يجوز بما لا يتغابن الناس في مثله، والذي لا يتغابن الناس فيه، ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، وإذا ضمن الوكيل بالبيع الثمن عن المبتاع فضمانه باطلٌ، وإذا وكل ببيع عبده فباع نصفه جاز عند أبي حنيفة، وإن وكله بشراء عبدٍ فاشترى نصفه فالشراء موقوفٌ، فإن اشترى باقيه لزم الموكل، وإذا وكله بشراء عشرة أرطال لحمٍ بدرهمٍ فاشترى عشرين رطلاً بدرهمٍ من لحمٍ
ــ
ونحوهما، أما ما له قيمة معروفة وسعر مخصوص كالخبز واللحم ونحوهما فزاد فيه الوكيل لا ينفذ على الموكل، وإن كانت الزيادة شيئا قليلا كالفلس ونحوه. نهاية (ولا يجوز بما لا يتغابن الناس في مثله) اتفاقا (والذي لا يتغابن الناس فيه) هو (ما لا يدخل تحت تقويم) جملة (المقومين) ومقابله - وهو ما يدخل تحت تقويم البعض - يتغابن فيه، قال في الذخيرة: وتكلموا في الحد الفاصل بين الغبن اليسير والفاحش، والصحيح ما روى عن الإمام محمد في النوادر أن كل غبن يدخل تحت تقويم المقومين فهو يسير، وما لا يدخل تحت تقويم المقومين فهو فاحش، ثم قال: وإليه أشار في الجامع. اهـ
(وإذا ضمن الوكيل بالبيع الثمن عن المبتاع فضمانه باطل) ؛ لأن حكم الوكيل أن يكون الثمن أمانة في يده؛ فلا يجوز نفي موجبه بجعله ضامناً له، فصار كما لو شرط على المودع ضمان الوديعة؛ فلا يجوز (وإذا وكله ببيع عبده فباع نصفه جاز عند أبي حنيفة) ؛ لإطلاق التوكيل، وقالا: لا يجوز، لأنه غير متعارف؛ لما فيه من ضرر الشركة، إلا أن يبيع النصف الآخر قبل أن يختصما، قال في التصحيح: واختار قول الإمام البرهاني والنسفي وصدر الشريعة (وإن وكله بشراء عبد فاشترى نصفه فالشراء موقوف) اتفاقا (فإن اشترى باقيه) قبل الخصومة (لزم الموكل) ؛ لأن شراء البعض قد يقع وسيلة إلى الامتثال بأن كان موروثاً بين جماعة فيحتاج إلى شرائه شقصاً شقصاً؛ فإن اشترى الباقي قبل رد الآمر البيع تعين أنه وسيلة فينفذ على الآمر، وهذا بالاتفاق. هداية (وإذا وكله بشراء عشرة أرطال لحم) مثلا (بدرهم) واحد (فاشترى عشرين) رطلا (بدرهم من لحم
стр. 373
يباع مثله عشرةٌ بدرهمٍ لزم الموكل منه عشرة أرطالٍ بنصف درهمٍ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يلزمه العشرون، وإذا وكله بشراء شيء بعينه فليس له أن يشتريه لنفسه، وإن وكله بشراء عبدٍ بغير عينه فاشترى عبداً فهو للوكيل، إلا أن يقول: نويت الشراء للموكل، أو يشتريه بمال الموكل؛
ــ
يباع مثله عشرة بدرهم لزم الموكل منه عشرة أرطال بنصف درهم عند أبي حنيفة) ؛ لأنه أمره بشراء العشرة، ولم يأمره بالزيادة، فينفذ شراؤها عليه، وبشراء العشرة على الموكل (وقالا: يلزمه العشرون) لأنه أمره بصرف الدرهم، وظن أنه سعر عشرة أرطال، فإذا اشترى عشرين فقد زاد خيرا، قال في التصحيح: قال في الهداية: وذكر في بعض النسخ قول محمد مع أبي حنيفة، ومحمد لم يذكر الخلاف في الأصل، وقد مشى على قول الإمام النسفي والبرهاني وغيرهما (وإذا وكله بشراء شيء بعينه فليس له) أي الوكيل (أن يشتريه لنفسه) لأنه يؤدي إلى تغرير الآمر حيث اعتمد عليه، ولأن فيه عزل نفسه، ولا يملكه - على ما قيل - إلا بمحضر من الموكل؛ فلو كان الثمن مسمى فاشترى بخلاف جنسه، أو لم يكن مسمى فاشترى بغير النقود، أو وكل وكيلا بشرائه فاشترى الثاني بغيبة الأول - ثبت الملك للوكيل الأول في هذه الوجوه، لأنه خالف أمر الآمر فينفذ عليه، ولو اشترى الثاني بحضرة الأول نفذ على الموكل الأول؛ لأنه حضره رأيه فلم يكن مخالفا. هداية (وإن كلفه بشراء عبد بغير عينه فاشترى) الوكيل (عبدا) من غير نية الشراء للموكل ولا إضافته إلى دراهمه (فهو للوكيل) ؛ لأنه الأصل (إلا أن يقول: نويت الشراء للموكل، أو يشتريه بمال الموكل) قال في الهداية: وهذه المسألة على وجوه: إن أضاف العقد إلى دراهم الآمر كان للآمر، وهو المراد عندي بقوله "أو يشتريه بمال الموكل" وهذا بالإجماع، وإن أضافه إلى دراهم نفسه كان لنفسه، وإن أضافه إلى دراهم مطلقة فإن نواها للآمر فهو للآمر، وإن نواها لنفسه فلنفسه، وإن تكاذبا في النية يحكم النقد بالإجماع؛ لأنه دلالة ظاهرة، وإن توافقا على أنه لم تحضره النية، قال محمد: هو للعاقد، لأن الأصل أن كل أحد يعمل لنفسه، إلا
стр. 374
والوكيل بالخصومة وكيلٌ بالقبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمدٍ، والوكيل يقبض الدين وكيلٌ بالخصومة فيه عند أبي حنيفة.
ــ
إذا ثبت جعله لغيره، ولم يثبت، وعن أبي يوسف يحكم النقد؛ لأن ما أوقعه مطلقا يحتمل وجهين، فيبقى موقوفا، فمن أي المالين نقد فقد فعل ذلك المحتمل لصاحبه، اهـ باختصار.
(والوكيل بالخصومة وكيل بالقبض عند) أئمتنا الثلاثة (أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد) خلافاً لزفر، هو يقول: رضي بخصومته، والقبض غير الخصومة ولم يرض به، ولنا أن من ملك شيئاً ملك تمامه، وتمام الخصومة بالقبض، والفتوى اليوم على قول زفر؛ لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن على الخصومة من لا يؤتمن على المال، ونظيره الوكيل بالتقاضي: يملك القبض على أصل الرواية؛ لأنه في معناه وضعا، إلا أن العرف بخلافه، وهو قاضٍ على الوضع، والفتوى على أن لا يملك هداية. ونقل في التصحيح نحوه عن الإسبيجاني والينابيع والذخيرة والواقعات وغيرها، ثم قال: وفي الصغرى التوكيل بالتقاضي يعتمد العرف، إن كان في بلدة العرف بين التجار أن المتقاضي هو الذي يقبض الدين كان التوكيل بالتقاضي توكيلا بالقبض، وإلا فلا، وهذا اللفظ في التتمة، ونقل مثله عن محمد بن الفضل. اهـ.
(والوكيل بقبض الدين وكيل بالخصومة عند أبي حنيفة) حتى لو أقيمت عليه البينة على استيفاء الموكل أو إبرائه يقبل، لأنه وكله بالتملك؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، وهو يقتضي حقوقا، وهو أصيل فيها، فيكون خصما، وقالا: لا يكون خصما، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، لأنه ليس كل من يؤتمن على المال يهتدي للخصومة، فلم يكن الرضا بالقبض رضاً بالخصومة، قال في التصحيح: وعلى قول الإمام مشى المحبوبي في أصح الأقاويل والاختيارات والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، ثم قال: وقيد بقبض الدين لأن الوكيل بقبض العين لا يكون وكيلا بالخصومة فيها بالإجماع، قاله في الاختيار وغيره، اه
стр. 375
وإذا أقر الوكيل بالخصومة على موكله عند القاضي جاز إقراره، ولا يجوز إقراره عليه عند غير القاضي عند أبي حنيفة ومحمدٍ إلا أنه يخرج من الخصومة.
وقال أبو يوسف: يجوز إقراره عليه عند غير القاضي، ومن ادعى أنه وكيل الغائب في قبض دينه فصدقه الغريم أمر بتسليم الدين إليه، فإن حضر الغائب فصدقه وإلا دفع إليه الغريم الدين ثانياً ورجع به على الوكيل إن كان باقياً في يده،
ــ
(وإذا أقر الوكيل بالخصومة) سواء كان وكيل المدعي أو المدعى عليه (على موكله عند القاضي جاز إقراره) لأنه مأمور بالجواب، والإقرار نوعي الجواب (ولا يجوز إقراره عليه عند غير القاضي عند أبي حنيفة ومحمد) ؛ لأن الإقرار إنما يكون جوبا عند القاضي؛ لأنه في مقابلة الخصومة، فيختص به، فلو أقيمت بينة على إقراره في غير مجلس القضاء لا ينفذ إقراره على الموكل (إلا أنه يخرج) المقر بذلك (من الخصومة) : أي الوكالة، حتى لا يدفع إليه المال، ولو ادعى المدعي ذلك الوكالة وأقام بينة لم تسمع؛ لأنه زعم أنه مبطل في دعواه (وقال أبو يوسف: يجوز إقراره عليه) ولو (عند غير القاضي) ؛ لأنه قائم مقام الموكل، وإقراره يختص بمجلس القضاء؛ فكذا إقرار نائبه، قال في التصحيح: قال الإسبيجاني: والصحيح قولهما.
(ومن ادعى أنه وكيل) فلان (الغائب في قبض دينه فصدقه الغريم) بدعواه (أمر بتسليم الدين إليه) ؛ لإقراره باستحقاق القبض له من غير إسقاط حق الغائب (فإن حضر الغائب فصدقه) فيها (وإلا) أي: وإن لم يصدقه (دفع إليه الغريم الدين ثانياً) لأنه لم يثبت الاستيفاء حيث أنكر الوكالة، والقول في ذلك قوله مع يمينه، فيفسد الأداء (ورجع به) أي بما دفعه ثانياً (على الوكيل) أي الذي ادعى الوكالة، وهذا (إن كان) المال (باقيا في يده ولو حكما، فإن استهلكه فإنه يضمن مثله، خلاصة. وإن ضاع في يده لم يرجع عليه، إلا أن يكون ضمنه عند الدفع، ولو لم يصدقه ودفع إليه على ادعائه فإن رجع صاحب المال على الغريم رجع الغريم على الوكيل؛ لأنه لم يصدقه في الوكالة، وإنما دفع إليه على رجاء الإجازة، فإذا انقطع رجاؤه رجع عليه، هداية
стр. 376
وإن قال "إني وكيلٌ بقبض الوديعة" فصدقه المودع لم يؤمر بالتسليم إليه.
كتاب الكفالة .
- الكفالة ضربان: كفالةٌ بالنفس، وكفالةٌ بالمال.
فالكفالة بالنفس جائزةٌ، والمضمون بها إحضار المكفول به، وتنعقد إذا قال "تكفلت بنفس فلانٍ، أو برقبته، أو بروحه، أو بجسده، أو برأسه، أو بنصفه، أو بثلثه"،
ــ
(وإن قال) المدعى (إني وكيل) فلان الغائب (بقبض الوديعة) التي عندك (فصدقه المودع) في دعواه (لم يؤمر بالتسليم إليه) ؛ لأنه أقر له بمال الغير، بخلاف الدين، ولو ادعى أنه مات أبوه وترك الوديعة ميراثاً له ولا وارث له غيره وصدقه المودع أمر بالدفع إليه؛ لأنه لا يبقى ماله بعد موته؛ فقد اتفقا على أنه مال الوارث، ولو ادعى على أنه اشترى الوديعة من صاحبها وصدقه المودع لم يؤمر بالدفع إليه؛ لأنه ما دام حيا كان إقراراً بملك الغير، هداية.
كتاب الكفالة
وجه المناسبة بينها وبين الوكالة أن كلا منهما استعانة بالغير.
(الكفالة) لغة: الضم، وشرعاً: ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة (١) .
وهي (ضربان: كفالة بالنفس، وكفالة بالمال) وتكون بهما معاً، كما يأتي.
(فالكفالة بالنفس جائزة) ؛ لإطلاق قوله ﵊ "لزعيم غارم) (٢) ، (والمضمون بها إحضار المكفول به) ؛ لأن الحضور لازم على الأصيل؛ فجاز أن يلتزم الكفيل إحضاره كما في المال (وتنعقد) كفالة النفس (إذا قال: تكفلت بنفس فلان، أو برقبته، أو بروحه، أو بجسده، أو برأسه) أو ببدنه، أو بوجهه أو نحو ذلك مما يعبر به عن الكل، حقيقة أو عرفا، على ما مر في الطلاق. هداية.
(أو) قال: كفلت (بنصفه أو بثلثه) أو بجزء شائع منه، لأن النفس الواحدة
стр. 377
وكذلك إن قال "ضمنته، أو هو علي، أو إلي، أو أنا زعيمٌ به، أو قبيلٌ"، فإن شرط في الكفالة تسليم المكفول به في وقتٍ بعينه لزمه إحضاره إذا طالبه به في ذلك الوقت، فإن أحضره وإلا حبسه الحاكم حتى يحضره، وإذا أحضر وسلمه في مكانٍ يقدر المكفول له على محاكمته برئ الكفيل من الكفالة، وإذا تكفل به على أن يسلمه في مجلس القاضي فسلمه في السوق برئ، وإن سلمه في بريةٍ لم يبرأ،
ــ
في حق الكفالة لا تتجزأ؛ فكان ذكر بعضها شائعا كذكر كلها (وكذلك إن قال: ضمنته، أو هو علي، أو إلي) أو عندي؛ لأنها صيغ الالتزام (أو أنابه زعيم) أي كفيل (أو قبيل) هو بمعنى الزعيم، بخلاف ما إذا قال: أنا ضامن بمعرفته؛ لأنه التزم المعرفة دون المطالبة. هداية (فإن شرط) الأصيل (في الكفالة تسليم المكفول به في وقت بعينه لزمه) أي لزم الكفيل (إحضاره) أي إحضار المكفول به (إذا طالبه به) الأصيل (في ذلك الوقت) وفاء بما التزمه كالدين المؤجل إذا حل (فإن أحضره) فيها، لأنه وفى ما عليه (وإلا) أي: وإلا يحضره (حبسه الحاكم) لامتناعه عن إيفاء حق مستحق، ولكن لا يحبسه أول مرة لعله لم يدر لماذا دعي، ولو غاب المكفول بنفسه أمهله الحاكم مدة ذهابه وإيابه، فإن مضت ولم يحضره حبسه، لتحقق الامتناع عن إيفاء الحق. هداية.
(وإن أحضره وسلمه في مكان يقدر المكفول له على محاكمته) كالمصر، سواء قبله أو لم يقبله (برئ من الكفالة) لأنه أتى بما التزمه، إذ لم يلتزم التسليم إلا مرة واحدة (وإذا تكفل به على أن يسلمه في مجلس القاضي فسلمه في السوق برئ) أيضاً، لحصول المقصود، لأن المقصود من شرط التسليم في مجلس القاضي إمكان الخصومة وإثبات الحق، وهذا حاصل متى سلمه في المصر، لأن الناس يعاونونه على إحضاره إلى القاضي، فلا فائدة في التقييد، وقيل: لا يبرأ في زماننا، لأن الظاهر المعاونة على الامتناع، لا على الإحضار، فكان تقييده مفيداً. هداية. وفي الدر عن ابن ملك: وبه يفتى في زماننا، لتهاون الناس. اهـ (وإن سلمه في برية لم يبرأ) ، لأنه لا يقدر على المخاصمة فيها، فلم يحصل المقصود، وكذا
стр. 378
وإن مات المكفول به برئ الكفيل بالنفس من الكفالة، فإن تكفل بنفسه على أنه إن لم يواف به في وقت كذا فهو ضامنٌ لما عليه وهو ألفٌ ولم يحضره في ذلك الوقت لزمه ضمان المال ولم يبرأ من الكفالة بالنفس.
ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة، وقالا: يجوز.
وأما الكفالة بالمال فجائزةٌ معلوماً كان المال المكفول به أو مجهولاً
ــ
إذا سلمه في سواد، لعدم قاض يفصل الحكم فيه، ولو سلم في مصر آخر غير المصر الذي كفل به برئ عند أبي حنيفة، للقدرة على المخاصمة فيه؛ وعندهما لا يبرأ، لأنه قد يكون شهوده فيما عينه، ولو سلمه في السجن وقد حبسه غير الطالب لا يبرأ، لأنه لا يقدر على المحاكمة فيه. هداية.
(وإذا مات المكفول به برئ الكفيل بالنفس من الكفالة) ؛ لأنه سقط الحضور عن الأصيل فيسقط الإحضار عن الكفيل، وكذا إذا مات الكفيل؛ لأنه لم يبق قادراً على تسليم المكفول به بنفسه، وماله لا يصلح لإيفاء هذا الواجب، بخلاف الكفيل بالمال، ولو مات المكفول له فللوصي أن يطالب الكفيل، وإن لم يكن فلوارثه لقيامه مقام الميت. هداية. (وإن تكفل بنفسه على أنه إن لم يواف به في وقت كذا فهو ضامن لما عليه وهو ألف) مثلا (فلم يحضره في) ذلك (الوقت) المعين (لزمه ضمان المال) لأنه علق الكفالة بالمال بشرط متعارف فصح (ولم يبرأ من الكفالة بالنفس) لعدم التنافي.
(ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة) قال في الهداية: معناه لا يجبر عليها عنده، وقالا: يجبر في حد القذف، لأن فيه حق العبد، بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى. اهـ. قال في التصحيح - بعد ما ذكر عبارة الهداية - فسره بذلك الإسبيجاني قال: المشهور من قول علمائنا أن الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص جائزة في اختيار المطلوب، أما القاضي لا يجبره على إعطاء الكفيل، وقال أبو يوسف ومحمد: يؤخذ منه الكفيل، ابتداء، واختار قول الإمام النسفي والمحبوبي وغيرهما. اهـ.
(وأما الكفالة بالمال فجائزة، معلوما كان المال المكفول به أو مجهولا) ؛
стр. 379
إذا كان ديناً صحيحاً، مثل أن يقول: تكفلت عنه بألفٍ، أو بما لك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع، والمكفول له بالخيار: إن شاء طالب الذي عليه الأصل، وإن شاء طالب كفيله.
ويجوز تعليق الكفالة بالشرط مثل أن يقول: ما بايعت فلاناً فعلي، أو ما ذاب لك عليه فعلي، أو ما غصبك فعلي،
ــ
لأن معنى الكفالة على التوسع؛ فتتحمل فيها الجهالة (إذا كان) المكفول به (ديناً صحيحاً) وهو: الذي لا يسقط إلا بأداء أو الإبراء، واحترز به عن بدل الكتابة، وسيأتي، وذلك (مثل أن يقول: تكفلت عنه بألف) مثال المعلوم، ومثال المجهول قوله: (أو بمالك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع) ويسمى هذا ضمان الدرك (والمكفول له بالخيار) في المطالبة: (إن شاء طالب الذي عليه الأصل) ويسمى الأصيل، (وإن شاء طالب كفيله) ؛ لأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة، كما مر، وذلك يقتضي قيام الأول، لا البراءة عنه؛ إلا إذا شرط فيه البراءة؛ فحينئذ ينعقد حوالةً اعتباراً للمعنى، كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ بها المحيل تكون كفالة، ولو طالب أحدهما له أن يطالب الآخر، وله أن يطالبهما. هداية.
(ويجوز تعليق الكفالة بالشرط) الملائم لها، وذلك بأن يكون سبباً لثبوت الحق (مثل أن يقول: ما) بمعنى إن، أو موصولة والعائد محذوف، أي أن (بايعت) أو الذي بايعت به (فلانا فعلي، أو ما ذاب) أي ثبت (لك عليه فعلي، أو ما غصبك فعلي) وكذا قوله لإمرأة الغير: كفلت لك بالنفقة أبداً ما دامت الزوجية. خانية. أو يكون شرطاً لإمكان الاستيفاء، مثل: إن قدم فلان فعلي ما عليه من الدين، أو شرطا لتعذره، نحو: إن غاب عن المصر؛ فهذه جملة الشروط التي يجوز تعليق الكفالة بها، ولا يصح تعليقها بغير الملائم - نحو: إن هبت الريح، أو جاء المطر - فتبطل الكفالة به، لأنه تعليق بالخطر، وما في الجوهرة تبعا للهداية من أنه تصح الكفالة ويجب المال حالا، قال الزيلعي: هذا
стр. 380
وإذا قال: تكفلت بما لك عليه، فقامت البينة بألفٍ عليه ضمنه الكفيل، فإن لم تقم البينة فالقول قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما يعترف به، فإن اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك لم يصدق على كفيله. وتجوز الكفالة بأمر المكفول عنه وبغير أمره، فإن كفل بأمره رجع بما يؤدى عليه، وإن كفل بغير أمره لم يرجع بما يؤديه
ــ
سهو، فإن الحكم فيه أن التعليق لا يصح ولا يلزمه؛ لأن الشرط غير ملائم، فصار كما لو علقه بدخول الدار ونحوه مما ليس بملائم، ذكره قاضيخان وغيره. هـ. وكذا حقق المحقق ابن الهمام.
(وإذا قال) الكفيل: (تكفلت بما لك عليه، فقامت البينة بألف عليه ضمنه الكفيل) لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينةً فيتحقق ما عليه، فصح الضمان به (وإن لم تقم البينة فالقول قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما يعترف به) ، لأنه منكر للزيادة، والقول قول المنكر بيمينه (فإن اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك) الذي اعترف به الكفيل (لم يصدق على كفيله) لأنه إقرار على الغير، ولا ولاية له عليه، ويصدق في حق نفسه، لولايته عليها.
(وتجوز الكفالة بأمر المكفول عنه، وبغير أمره) لأنه التزام المطالبة، وهو تصرف في حق نفسه، وفيه نفع للطالب، ولا ضرر فيه على المطلوب بثبوت الرجوع إذ هو عند أمره (فإن) كان (كفل بأمره رجع) الكفيل (بما يؤدى عليه) : أي على الأصيل؛ لأنه قضى دينه بأمره، وهذا إذا أدى مثل الذي ضمنه قدراً وصفة، أما إذا أدى خلافه رجع بما ضمن لا بما أدى، كما إذا تكفل بصحاح أو جياد فأدى مكسرة أو زيوفاً وتجوز بها الطالب، أو أعطاه دنانير أو مكيلا أو موزوناً رجع بما ضمن: أي بالصحاح أو الجياد، لأنه ملك الدين بالأداء، بخلاف المأمور بقضاء الدين حيث يرجع بما أدى، لأنه لم يجب عليه شيء حتى يملك الدين بالأداء، جوهرة (وإن) كان (كفل بغير أمره لم يرجع بما يؤديه) ؛ لأنه متبرع بأدائه
стр. 381
وليس للكفيل أن يطالب المكفول عنه بالمال قبل أن يؤدي عنه، فإن لوزم بالمال كان له أن يلازم المكفول عنه حتى يخلصه، وإذا أبرأ الطالب المكفول عنه أو استوفى منه برئ الكفيل، وإن أبرأ الكفيل لم يبرأ المكفول عنه، ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بشرطٍ، وكل حقٍ لا يمكن استيفاؤه من الكفيل لا تصح الكفالة به كالحدود والقصاص، وإذا تكفل عن المشتري بالثمن جاز، وإن
ــ
(وليس للكفيل أن يطالب المكفول عنه بالمال) الذي كفله عنه (قبل أن يؤديه عنه) ، لأنه لا يملكه قبل الأداء، بخلاف الوكيل بالشراء حيث يرجع قبل الأداء كما مر (فإن لوزم) الكفيل (بالمال) المكفول به (كان له أن يلازم المكفول عنه) وإن حبس به كان له أن يحبسه (حتى يخلصه) ، لأنه لم يلحقه ما لحقه إلا من جهته فيجازى بمثله (وإذا أبرأ الطالب المكفول عنه أو استوفى منه برئ الكفيل) ، لأن براءة الأصيل توجب براءة الكفيل (وإن أبرأ) الطالب (الكفيل لم يبرأ المكفول عنه) ، لبقاء الدين عليه، وكذا إذا أخر الطالب عن الأصيل تأخر عن الكفيل، ولو أخر عن الكفيل لم يتأخر عن الأصيل، هداية.
(ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بشرط) كإذا جاء غد فأنت برئ منها، لأن في الإبراء معنى التمليك كالإبراء عن الدين، قال في الهداية: ويروى أنه يصح، لأن عليه المطالبة دون الدين في الصحيح، فكان إسقاطاً محضاً كالطلاق، ولهذا لا يرتد إبراء الكفيل بالرد، بخلاف براءة الأصيل. اهـ.
(وكل حق لا يمكن استيفاؤه من الكفيل لا تصح الكفالة به كالحدود والقصاص) قال في الهداية: مهناه بنفس الحد، لا بنفس من عليه الحد، لأنه يتعذر إيجابه عليه، لأن العقوبة لا تجري فيها النيابة. اهـ.
(وإذا تكفل عن المشتري بالثمن جاز) ، لأنه دين كسائر الديون (وإن
стр. 382
تكفل عن البائع بالمبيع لم يصح، ومن استأجر دابةً للحمل فإن كانت بعينها لم تصح الكفالة بالحمل، وإن كانت بغير عينها جازت الكفالة، ولا تصح الكفالة إلا بقبول المكفول له في مجلس العقد، إلا في مسألةٍ واحدةٍ، وهي أن يقول المريض لوارثه: تكفل عني بما علي من الدين فتكفل به مع غيبة الغرماء، وإذا كان الدين على اثنين وكل واحدٍ منهما كفيلٌ ضامنٌ عن اخر فما أدى أحدهما لم يرجع به على شريكه حتى
ــ
تكفل عن البائع بالمبيع لم يصح) ، لأنه مضمون بغيره - وهو الثمن - والكفالة بالأعيان المضمونة إنما تصح إذا كانت مضمونة بنفسها كالمبيع فاسداً والمقبوض على سوم الشراء والمغصوب.
(ومن استأجر دابة ليحمل عليها) أو عبداً للخدمة (فإن كانت الإجارة) لدابة (بعيها) أو عبد بعينه (لم تصح الكفالة بالحمل) عليها والخدمة بنفسه، لأن الكفيل يعجز عن ذلك عند تعذره بالموت ونحوه (وإن كانت) لدابة (بغير عينها) وعبد بغير عينه (جازت الكفالة) ، لأن المستحق حينئذ مقدور للكفيل.
(ولا تصح الكفالة) بنوعيها (إلا بقبول المكفول له في مجلس العقد) قال في التصحيح: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يجوز إذا بلغه فأجاز، والمختار قولهما عند المحبوبي والنسفي وغيرهما (إلا في مسألة واحدة، وهي أن يقول المريض) الملئ (لوارثه: تكفل عني بما علي من الدين، فتكفل به) الوارث (مع غيبة الغرماء) فإنه يصح اتفاقاً، استحساناً؛ لأن ذلك في الحقيقة وصية، ولذا يصح وإن لم يسم المكفول لهم، وشرط أن يكون مليئا قال في الهداية: ولو قال المريض ذلك لأجنبي اختلف المشايخ فيه. اهـ. قال في الفتح: والصحة أوجه.
(وإذا كان الدين على اثنين كل واحد منهما كفيل ضامن عن الآخر) بأمره (فما أدى أحدهما) من الدين الذي عليهما (لم يرجع به على شريكه حتى
стр. 383
يزيد ما يؤديه على النصف فيرجع بالزيادة، وإذا تكفل اثنان عن رجل بألفٍ على أن كل واحدٍ منهما كفيلٌ عن صاحبه فما أداه أحدهما يرجع بنصفه على شريكه، قليلاً كان أو كثيراً، ولا تجوز الكفالة بمال الكتابة، حرٌ تكفل به أو عبدٌ،
وإذا مات الرجل وعليه ديونٌ ولم يترك شيئاً فتكفل رجلٌ عنه للغرماء لم تصح الكفالة عند أبي حنيفة، وقالا: تصح.
ــ
يزيد ما يؤديه على النصف) لتحقق النيابة (فيرجع بالزيادة) ، لأن الأداء إلى النصف قد تعارض فيه جهة الأصالة وجهة الكفالة، والإيقاع عن الأصالة أولى؛ لما فيه من إسقاط الدين والمطالبة جميعاً، بخلاف الكفالة فإنه لا دين على الكفيل (وإذا تكفل اثنان عن رجل بألف على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه) الآخر (فما أداه أحدهما يرجع بنصفه على شريكه، قليلا كان) ما أداه (أو كثيراً) قال في الهداية: ومعنى المسألة في الصحيح أن تكون كفالة بالكل عن الأصيل، وبالكل عن الشريك؛ لأن ما أداه أحدهما وقع شائعاً عنهما، إذ الكل كفالة فلا ترجيح للبعض على البعض، بخلاف ما تقدم. اهـ.
(ولا تجوز الكفالة بمال الكتابة، حر تكفل به أو عبد) لما مر من أن شرط صحة الكفالة بالمال أن يكون ديناً صحيحاً، وهو: ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، والمكاتب لو عجز سقط دينه.
(وإذا مات الرجل وعليه ديون ولم يترك شيئاً فتكفل رجل) وارثا كان أو غيره (عنه للغرماء) بما عليه من الديون (لم تصح الكفالة عند أبي حنيفة) ؛ لأن الدين سقط بموته مفلساً، فصار كما لو دفع المال ثم كفل به إنسان (وقالا: تصح) الكفالة؛ لأنه كفل بدين ثابت ولم يوجد المسقط، ولهذا يبقى في الآخرة ولو تبرع به إنسان يصح، قال في التصحيح: واعتمد قول الإمام المحبوبي والنسفي
стр. 384
كتاب الحوالة .
- الحوالة جائزةٌ بالديون، وتصح برضا المحيل والمحتال له والمحال عليه وإذا تمت الحوالة برئ المحيل من الدين،
ــ
وصدر الشريعة وأبو الفضل الموصلي وغيرهم. اهـ. قيد بكونه لم يترك شيئاً لأنه لو ترك ما يفي ببعض الدين صح بقدره كما في ابن ملك.
كتاب الحوالة
مناسبتها للكفالة من حيث إن كلا منهما التزام بما على الأصيل، ويستعمل كل منهما موضع الآخر، كما مر.
(الحوالة) لغة: النقل، وشرعاً: نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
وهي (جائزة بالديون) دون الأعيان؛ لأنها تنبئ عن النقل، والتحويل في الدين لا في العين. هداية (وتصح) الحوالة (برضا المحيل) وهو المديون؛ لأن ذوي المروءات قد يستنكفون عن تحمل ما عليهم من الدين (والمحتال له) وهو الدائن؛ لأن فيه انتقال حقه إلى ذمة أخرى، والذمم متفاوتة (والمحال عليه) وهو من يقبل الحوالة؛ لأن فيها إلزام الدين، ولا إلزام بلا التزام. ولا خلاف إلا في الأول، قال في الزيادات: الحوالة تصح بلا رضا المحيل؛ لأن التزام الدين من المحتال عليه تصرف في حق نفسه، والمحيل لا يتضرر، بل فيه منفعة؛ لأن المحتال عليه لا يرجع إذا لم يكن بأمره. درر.
(وإذا تمت الحوالة) باستيفاء ما ذكر (برئ المحيل من الدين) على المختار وقال زفر: لا يبرأ، اعتباراً بالكفالة؛ لأن كل واحد منهما عقد توثق، ولأئمتنا أن الحوالة للنقل لغةً، والدين متى انتقل من الذمة لا يبقى فيها، بخلاف الكفالة فإنها للضم، والأحكام الشرعية وفاق المعاني اللغوية؛ والتوثق باختيار الأملأ
стр. 385
ولم يرجع المحتال على المحيل إلا أن يتوى حقه، والتوى عند أبي حنيفة حد أمرين: إما أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بينة عليه، أو يموت مفلساً. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: هذان ووجهٌ ثالثٌ، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته،
وإذا طالب المحال عليه المحيل بمثل مال الحوالة فقال المحيل "أحلت بدين لي عليك" لم يقبل قوله، وكان عليه مثل الدين، وإن طالب المحيل المحتال بما أحاله به
ــ
والأحسن قضاء (ولم يرجع المحتال على المحيل إلا أن يتوى) بالقصر - يهلك (حقه) ؛ لأن براءته مقيدة بسلامة حقه؛ إذ هو المقصود (والتوى عند أبي حنيفة أحد أمرين) فقط: (إما أن يجحد) المحال عليه (الحوالة ويحلف) على ذلك (ولا بينة) للمحتال ولا للمحيل لإثباتها (عليه، أو) بأن (يموت مفلساً) ؛ لأن العجز عن الوصول إلى حقه يتحقق بكل منهما، وهو التوى حقيقة (وقالا: هذان) الأمران (ووجه ثالث، وهو: أن يحكم الحاكم بإفلاسه حال حياته) لعجزه عن الأخذ منه وقطعه عن ملازمته، ولأبي حنيفة أن الدين ثابت في ذمته، وتعذر الاستيفاء لا يوجب الرجوع، كما لو تعذر بغيبته، بخلاف موته؛ لخراب الذمة قال في التصحيح: ومشى على قوله النسفي ورجح دليله. اهـ. قال شيخنا: وظاهر كلامهم متوناً وشروحاً تصحيح قول الإمام، ولم أر من صحح قولهما. اهـ.
(وإذا طالب المحال عليه المحيل بمثل مال الحوالة) الذي أحال به عليه ودفعه إلى المحتال (فقال المحيل) : إنما (أحلت بدين) كان (لي عليك؛ لم يقبل قوله) : أي قول المحيل في دعوى الدين السابق (وكان عليه مثل الدين) الذي كان أحال به؛ لأن سبب الرجوع قد تحقق - وهو قضاء دينه بأمره - والحوالة ليست بإقرار بالدين نصحتها بدونه، غير أن المحيل يدعي عليه ديناً وهو منكر، والقول قول المنكر (وإن طالب المحيل المحتال بما) كان (أحاله به) مدعياً وكالته بقبضه
стр. 386
فقال: إنما أحلتك لتقبضه لي، وقال المحتال: بل أحلتني بدين لي عليك، فالقول قول المحيل.
ويكره السفاتج، وهو: قرضٌ استفاد به المقرض أمن خطر الطريق.
كتاب الصلح .
- الصلح
ــ
(فقال: إنما أحلتك) أي وكلتك بالدين الذي عليه (لتقبضه لي، وقال المحتال: بل أحلتني بدين) كان (لي عليك، فالقول قول المحيل) لأن المحتال يدعي عليه الدين وهو ينكر، ولفظ الحوالة مستعمل في الوكالة فيكون القول قوله بيمينه، هداية.
(ويكره السفاتج، وهو قرض (١) استفاد به المقرض أمن خطر الطريق) .
وصورته كما في الدرر: أن يدفع إلى تاجر مبلغا قرضا ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر ليستفيد به سقوط الطريق، اهـ. قال في الهداية: وهذا نوع نفع استفيد به؛ وقد نهى رسول الله ﷺ عن قرض جر نفعاً. اهـ.
كتاب الصلح
وجه المناسبة لما قبله هو أن في كل من الوكالة والكفالة والحوالة مساعدة لقضاء الحاجة، وكذا الصلح، فتناسبا.
(الصلح) لغة: اسم المصالحة، بمعنى المسالمة بعد المخالفة، وشرعا: عقد يرفع النزاع
стр. 387
على ثلاثة أضربٍ: صلحٌ مع إقرارٍ، وصلحٌ مع سكوتٍ وهو أن لا يقر المدعى عليه ولا ينكره، وصلحٌ مع إنكار، وكل ذلك جائزٌ.
فإن وقع الصلح عن إقرارٍ اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمالٍ، وإن وقع عن مالٍ بمنافع فيعتبر بالإجارات.
والصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعى
ــ
ويقطع الخصومة. وركنه: الإيجاب والقبول، وشرطه: العقل، وكذا البلوغ والحرية إلا مع الإذن والنفع، وكون المصالح عليه معلوما إن كان يحتاج إلى قبضه، وكون المصالح عنه حقا يجوز الاعتياض عنه: مالا كان أو غيره، معلوما كان أو مجهولا.
وهو (على ثلاثة أضرب) أي أنواع؛ لأنه إما (صلح مع إقرار) من المدعى عليه (و) إما (صلح مع سكوت) منه (وهو أن لا يقر المدعى عليه) بالمدعى به (ولا ينكره، و) إما (صلح مع إنكار) له (وكل ذلك) المذكور (جائز) بحيث يثبت الملك للمدعى في بدل الصلح، وينقطع حق الاسترداد للمدعى عليه؛ لأنه سبب لرفع التنازع المحظور، قال تعالى: ﴿ولا تنازعوا﴾ فكان مشروعا.
(فإن وقع الصلح عن إقرار) من المدعى عليه (اعتبر فيه) : أي الصلح (ما يعتبر في البياعات إن وقع) الصلح (عن مال بمال) لوجود معنى البيع - وهو مبادلة المال بالمال - في حق المتعاقدين بتراضيهما؛ فتجري فيه الشفعة إذا كان عقارا، ويرد بالعيب، ويثبت فيه خيار الشرط، ويفسده جهالة البدل؛ لأنهما هي المفضية إلى المنازعة، دون جهالة المصالح عنه؛ لأنه يسقط، ويشترط القدرة على تسليم البدل. هداية (وإن وقع) الصلح (عن مال بمنافع) كخدمة عبد وسكنى دار، وكذا لو وقع عن منفعة بمال أو بمنفعة من جنس آخر (فيعتبر) فيه ما يعتبر (بالإجارات) لوجود معنى الإجارة - وهو تمليك المنافع بمال - والاعتبار في العقود لمعانيها؛ فيشترط التوقيت فيها، ويبطل بموت أحدهما في المدة؛ لأنه إجارة. هداية.
(و) أما (الصلح) الواقع (عن السكوت والإنكار) فهو (في حق المدعى
стр. 388
عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة، وفي حق المدعى بمعنى المعاوضة، وإذا صالح عن دار لم تجب فيها شفعةٌ، وإذا صالح على دارٍ وجبت فيها الشفعة، وإذا كان الصلح عن إقرارٍ فاستحق بعض المصالح عنه رجع المدعى عليه بحصة ذلك من العوض، وإن وقع الصلح عن سكوتٍ أو إنكارٍ فاستحق المتنازع فيه رجع المدعى بالخصومة ورد العوض، وإن استحق بعض ذلك رد حصته ورجع بالخصومة فيه، وإن ادعى حقاً في دارٍ لم يبينه فصولح من ذلك على شيء ثم استحق بعض الدار لم يرد شيئاً من العوض، لأن دعواه يجوز أن تكون فيما بقي.
ــ
عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة) ؛ لأنه في زعمه أنه مالك لما في يده (وفي حق المدعى بمعنى المعاوضة) ؛ لأنه في زعمه يأخذ عوضا من حقه؛ فيعامل كل على معتقده ويجوز أن يختلف العقد بالنسبة كما في الإقالة وقد مر (وإذا صالح) المدعى عليه (عن دار) بإنكار أو سكوت (لم تجب فيها شفعة) لأنه يزعم أنه لم يملكها بالصلح، وقول المدعى لا ينفذ عليه (وإذا صالح) عما ادعى عليه به (على دار) له (وجبت فيها الشفعة) لأنه الآخذ يزعم أنه ملكها بعوض فتلزمه الشفعة بإقراره وإن كان المدعى عليه يكذبه.
(وإذا كان الصلح عن إقرار فاستحق بعض) المدعى به (المصالح عنه رجع المدعى عليه بحصة ذلك) المستحق (من العوض) المصالح به؛ لما مر أن الصلح مع الإقرار كالبيع، وحكم الاستحقاق في البيع كذلك (وإن وقع الصلح عن سكوت أو إنكار فاستحق المتنازع فيه) كله (رجع المدعى بالخصومة) على المستحق (ورد العوض) المصالح به؛ لأن المدعى عليه ما بذل تعوض للمدعى إلا ليدفع خصومته عن نفسه. فإذا ظهر الاستحقاق تبين أنه لا خصومة له، فيبقى العوض في يده غير مشتمل على غرضه فيسترده (وإن استحق بعض ذلك) المتنازع فيه (رد حصته ورجع بالخصومة فيه) على المستحق؛ اعتباراً للبعض بالكل (وإن ادعى) المدعي (حقاً في دار لم يبينه) بنسبة إلى جزء شائع، أو إلى جهة مخصوصة، أو مكان معين منها (فصولح من ذلك) أي عن ذلك الحق (على شيء. ثم استحق بعض الدار) المدعى فيها الحق (لم يرد شيئا من العوض) المصالح به؛ (لأن دعواه يجوز أن تكون فيما بقي)
стр. 389
والصلح جائز في معنى الأموال والمنافع وجناية العمد والخطأ ولا يجوز من دعوى حدٍ.
وإذا ادعى رجلٌ على امرأةٍ نكاحاً وهي تجحد فصالحته على مال بذلته حتى يترك الدعوى جاز وكان معنى الخلع، وإن ادعت امرأةٌ نكاحاً على رجلٍ فصالحها على مالٍ بذله لها لم يجز، وإن ادعى على رجلٍ أنه عبده فصالحه على مالٍ أعطاه جاز، وكان في حق المدعى في معنى العتق على مالٍ
ــ
بخلاف ما إذا استحق كله؛ لأنه يعرى العوض عما يقابله.
(والصلح جائز من دعوى الأموال) ، لأنه في معنى البيع كما مر (والمنافع) لأنها تملك بالإجارة فكذا بالصلح (وجناية العمد والخطأ) في النفس وما دونها أما الأول فلأنه حق ثابت في المحل؛ فجاز أخذ العوض عنه، وأما الثاني فلأن موجبه المال، فيصير بمنزلة البيع، إلا أنه لا تصح الزيادة على قدر الدية، لأنه مقدر شرعا، فلا يجوز إبطاله، فترد الزيادة، بخلاف الأول حيث تجوز الزيادة على قدر الدية، لأن القصاص ليس بمال، وإنما يقوم بالعقد (ولا يجوز) الصلح (من دعوى حد) ؛ لأنه حق الله تعالى، ولا يجوز الاعتياض عن حق غيره.
(وإذا ادعى رجل على امرأة نكاحاً وهي تجحد) دعواه (فصالحته على مال بذلته) له (حتى يترك الدعوى جاز) الصلح (وكان) ذلك (في معنى الخلع) في جانبه، لزعمه أن النكاح قائم، ولدفع الخصومة في جانبها (وإن ادعت امرأة نكاحاً على رجل) وهو يجحد (فصالحها على مال بذله) لها (لم يجز) الصلح، لأنه بذل لها المال لتترك الدعوى، فإن جعل فرقة فالزوج لا يعطى العوض في الفرقة وإن لم يجعل فرقة فالحال على ما كان قبل الدعوى؛ وعلى كل لا شيء يقابله العوض فلم يصح، وفي بعض النسخ "جاز" ووجهه أن يجعل زيادة في مهرها، كذا في الهداية، قال في التصحيح نقلا عن الاختيار: الأول أصح (وإن ادعى على رجل أنه عبده فصالحه) المدعى عليه (على مال أعطاه) إياه (جاز، وكان) ذلك الصلح (في حق المدعى في معنى العتق على مال) ، لزعمه أنه ملكه، وكذا في حق المدعى
стр. 390
وكل شيء وقع عليه الصلح وهو مستحقٌ بعقد المداينة لم يحمل على المعاوضة وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه، كمن له على رجلٍ ألف درهمٍ جيادٌ فصالحه على خمسمائة زيوفٍ جاز وصار كأنه أبرأه عن بعض حقه وأخذ باقيه، ولو صالحه على ألفٍ مؤجلٍ جاز وصار كأنه أجل نفس الحق، ولو صالحه على دنانير إلى شهرٍ لم يجز، ولو كان له ألفٌ مؤجلة فصالحه على خمسمائةٍ حالةٍ لم يجز، ولو كان له ألفٌ سودٌ فصالحه على خمسمائةٍ بيضٍ لم يجز.
ــ
عليه إن كان الصلح عن إقرار، ويثبت الولاء، وإلا كان لدفع الخصومة لزعمه الحرية، ولا يثبت الولاء إلا أن يقيم المدعى البينة فتقبل ويثبت الولاء.
(وكل شيء وقع عليه) أي عنه (الصلح وهو مستحق بعقد المداينة) الني يدعيها المدعى، وكان بدل الصلح من جنس ما يدعيه (لم يحمل) فيه الصلح (على المعاوضة) لإفضائه إلى الربا الموجب لفساد الصلح (وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه) تحرياً لتصحيحه بقدر الإمكان، وذلك (كمن له على رجل ألف درهم جياد فصالحه على خمسمائة زيوف جاز) الصلح (و) صار كأنه أبرأه عن بعض حقه واستوفى بعضه، وتجوز في قبض الزيوف عن الجياد (و) كذلك (لو صالحه على ألف مؤجلة جاز) أيضاً (وصار كأنه أجل نفس الحق) ، لأنه لا يمكن جعله معاوضة، لأن بيع الدراهم بمثلها نسيئة لا يجوز، فحملناه لى التأخير (ولو صالحه على دنانير) مؤخرة (إلى شهر لم يجز) ، لأن الدنانير غير مستحقة بعقد المداينة فلا يمكن حمله على التأخير، ولا وجه له سوى المعاوضة، وبيع الدراهم بالدنانير نسيئة لا يجوز وإنما خص المداينة مع أن الحكم في الغصب كذلك حملا لأمر المسلم على الصلاح (ولو كان له ألف مؤجلة فصالحه) عنها (على خمسمائة حالة لم يجز) ، لأن المعجل خير من المؤجل، وهو غير مستحق بالعقد؛ فيكون التعجيل بإزاء ما حط عنه وذلك اعتياض عن الأجل، فلم يجز (و) كذا (لو كان له ألف سود فصالحه) عنها (على خمسمائة بيض لم يجز) أيضاً، لما مر أنه معاوضة، بخلاف العكس، لأنه إسقاط قدر أو صف