وكفارة الظهار: عتق رقبةٍ؛ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً؛ كل ذلك قبل المسيس؛ ويجزئ في ذلك عتق الرقبة الكافرة، والمسلمة، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير، ولا تجزئ العمياء، ولا المقطوعة اليدين أو الرجلين، ويجوز الأصم، والمقطوع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلافٍ، ولا يجوز مقطوع إبهامي اليدين، ولا المجنون الذي لا يعقل، ولا يجوز عتق المدبر، وأم الولد والمكاتب الذي أدى بعض المال،
ــ
ذكر الاسم، هداية.
(وكفارة الظهار عتق رقبة) أي إعتاقها بنية الكفارة (فإن لم يجد) ما يعتقه (فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع) الصيام (فإطعام ستين مسكينا) للنص الوزارد فيه؛ فإنه يفيد الكفارة على هذا الترتيب (وكل ذلك) يجب العزم (قبل المسيس) لأنها منهبة للحرمة، فلا يدمن تقديمها على الوطء، ليكون الوطء حلالا (ويجزئ في ذلك) التكفير (عتق الرقبة الكافرة والمسلمة والذكر والأنثى والصغير والكبير) ، لأن اسم الرقبة ينطلق على هؤلاء، إذ هي عبارة عن الذات المرقوقة المملوكة من كل وجه وليست بفائتة المنفعة (ولا تجوز العمياء ولا المقطوعة اليدين أو الرجلين) ، لأنه فائت جنس المنفعة فكان هالكا حكما (ويجوز الأصم والمقطوع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلاف) والمقطوع الأذنين والأنف والأعور والأعمش والخصي والمجبوب، لأنه ليس بفائت جنس المنفعة، بل مختلها، وهو لا يمنع (ولا يجوز مقطوع إبهام اليدين) ؛ لأن قوة البطش بهما، فبقولها يفوت جنس المنفعة (ولا المجنون الذي لا يعقل) ؛ لأن الانتفاع بالجوارح لا يكون إلا بالعقل، فكان فائت المنافع، والذي يجن ويفيق يجزئه؛ لأن الاختلال غير مانع (ولا يجوز عتق المدبر وأم الولد) ، لاستحقاقهما الحرية بتلك الجهة، فكان الرق فيهما ناقصاً (و) كذا (المكاتب الذي أدى بعض المال) ولم يعجز نفسه؛ لأنه إعتاق
стр. 527
فإن أعتق مكاتباً لم يؤد شيئاً جاز، فإن اشترى أباه أو ابنه ينوي بالشراء الكفارة جاز عنها، وإن أعتق نصف عبدٍ مشركٍ عن الكفارة وضمن قيمة باقيه فأعتقه لم يجز عند أبي حنيفة، وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم أعتق باقيه عنها جاز؛ وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم جامع التي ظاهر منها ثم أعتق باقيه لم يجز عند أبي حنيفة،
ــ
ببدل (فإن أعتق مكاتباً لم يؤد شيئا) وعجز نفسه (جاز) ، لقيام الرق من كل وجه (وإن اشترى) المظاهر (أباه أو ابنه ينوي بالشراء الكفارة جاز عنها) ؛ لثبوت العتق اقتضاء بالنية، بخلاف مالو ورثه، لأنه لا صنع له فيه (وإن أعتق) المظاهر (نصف عبد مشترك عن الكفارة) وهو موسر (وضمن قيمة باقية فأعتقه لم يجز عند أبي حنيفة) ويجوز عندهما، لأنه يملك نصيب صاحبه بالضمان، فصار معتقا الكل وهو ملكه، ولأبي حنيفة أن نصيب صاحبه ينتقص على ملكه ثم يتحول إليه بالضمان، ومثله يمنع الكفارة. هداية. قال في التصحيح: وهذه من فروع تجزؤ العتق، قال الإسبيجاني فيه: الصحيح قول أبي حنيفة، وعلى هذا مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما. قيدنا بالموسر لأنه إذا كان معسراً لم يجز اتفاقاً؛ لأنه وجب عليه السعاية في نصيب الشريك، فيكون إعتاقاً بعوض (وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم أعتق باقيه عنها جاز) ، لأنه أعتقه بكلامين، والنقصان حصل على ملكه بجهة الكفارة ومثله غير مانع، كمن أضجع شاة للأضحية فأصابت السكين عينها، بخلاف ما تقدم؛ لأن النقصان تمكن على ملك الشريك، وهذا على أصل أبي حنيفة، أما عندهما فالإعتاق لا يتجزأ؛ فإعتاق النصف إعتاق الكل، فلا يكون إعتاقاً بكلامين. هداية (وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم جامع التي ظاهر منها أعتق باقيه لم يجز عند أبي حنيفة) ، لأن الإعتاق يتجزأ عنده، وشرط الإعتاق أن يكون قبل المسيس بالنص، وإعتاق النصف حصل بعده. وعندهما إعتاق النصف إعتاق الكل، فحصل الكل قبل
стр. 528
وإذا لم يجد المظاهر ما يعتق فكفارته صوم شهرين متتابعين ليس فيهما شهر رمضان ولا يوم الفطر ولا يوم النحر ولا أيام التشريق، فإن جامع التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلاً عامداً أو نهاراً ناسياً استأنف الصوم عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وإن أفطر يوماً منهما بعذرٍ أو بغير عذر استأنف،
ــ
المسيس. هداية. وقدمنا تصحيح الإسبيجاني لقول الإمام في تجزؤ الإعتاق، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما. تصحيح (وإذا لم يجد المظاهر ما يعتق) ولو محتاجاً إليه لخدمته أو قضاء دينه؛ لأنه واجد حقيقة. بدائع (فكفارته صوم شهرين) بالأهلة، وإن كان كل واحد منهما تسعة وعشرين يوماً، وإلا فستين يوماً، فإن صام بالأيام وأفطر لتسعة وخمسين فعليه الاستقبال كما في المحيط، ولو صام تسعة وعشرين يوما بالهلال وثلاثين بالأيام جاز كما في النظم، ولو قدر على التحرير ولو في آخر اليوم الأخير لزمه العتق، وأتم يومه ندباً (متتابعين) للنص عليه (ليس فيهما شهر رمضان) لأنه لا يقع عن الظهار؛ لما فيه من إبطال ما أوجبه الله تعالى (ولا يوم لبفطر ولا يوم النحر ولا أيام التشريق) ؛ لأن الصوم في هذه الأيام منهى عنه، فلا ينوب عن الواجب الكامل، هداية (فإن جامع التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلا عامداً أو نهاراً ناسياً استأنف الصوم عند أبي حنيفة ومحمد) وقال أبو يوسف: لا يستأنف؛ لأنه لا يمنع التتابع، إذ لا يفسد به الصوم وهو الشرط، ولهما أن الشرط في الصوم أن يكون قبل المسيس، وأن يكون خالياً عنه ضرورة بالنص، وهذا الشرط بنعدم بالجماع في خلال الصوم، فيستأنف كما في الهداية، قال في زاد الفقهاء: والصحيح قول أبي حنيفة ومحمد، ومشى عليه البرهاني والنسفي وصدر الشريعة. تصحيح (وإن أفطر يوماً منهما) أي الشهرين (بعذر) كسفر ومرض ونفاس، بخلاف الحيض لتعذر الخلو عنه (أو بغير عذر استأنف) أيضاً، لفوات التتابع وهو قادر عليه عادة
стр. 529
وإن ظاهر العبد لم يجزه في الكفارة إلا الصوم، فإن أعتق المولى عنه أو أطعم لم يجزه،
وإذا لم يستطع المظاهر الصيام أطعم ستين مسكيناً كل مسكينٍ نصف صاع من بر أو صاعاً من تمرٍ أو شعيرٍ أو قيمة ذلك، فإن غداهم وعشاهم جاز، قليلاً ما أكلوا أو كثيراً، فإن أعطى مسكيناً واحداً ستين يوماً أجزأه، وإن أعطاه في يومٍ واحدٍ لم يجزه إلا عن يومه، وإن قرب التي ظاهر منها
ــ
(وإن ظاهر العبد) ولو مكاتباً (لم يجزه في الكفارة إلا الصوم) لأنه لا ملك له، فلم يكن من أهل التكفير بالمال (فإن أعتق المولى عنه أو أطعم لم يجزه) لأنه ليس من أهل الملك، فلا يصير مالكا بتمليكه.
(وإن لم يستطع المظاهر الصيام) لمرض لا يرجى برؤه أو كبر سن (أطعم) هو أو نائبه (ستين مسكينا) التقيد به انفاقي، لجواز صرفه إلى غيره من مصارف الزكاة، ولا يجزئ غير المراهق، بدائع (كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير) كالفطرة قدراً ومصرفاً (أو قيمة ذلك) لأن المقصود سد الخلة ودفع الحاجة ويوجد ذلك في القيمة (فإن غداهم وعشاهم جاز، قليلا) كان (ما أكلوا أو كثيراً) : لأن المنصوص عليه هو الإطعام، وهو حقيقة في التمكين من الطعم، وفي الإباحة ذلك كما في التمليك، بخلاف الواجب في الزكاة وصدقة الفطر، فإنه الإيتاء والأداء، وهما للتمليك حقيقة، ولابد من الإدام في خبز الشعير، ليمكنه الاستيفاء إلى الشبع، وفي خبز الحنطة لا يشترط الإدام كما في الهداية (فإن أعطى مسكينا واحداً ستين يوما أجزأه) ، لأن المقصود سد خلة المحتاج، والحاجة تتجدد في كل يوم، فالدفع إليه في اليوم الثاني كالدفع إلى غيره (وإن أعطاه في يوم واحد) ولو بدفعاتٍ على الأصح، زيلعى (لم يجزه إلا عن يومه) ذلك، لفقد التعدد حقيقة وحكما (وإن قرب التي ظاهر منها)
стр. 530
في خلال الإطعام لم يستأنف.
ومن وجب عليه كفارتا ظهارٍ فأعتق رقبتين لا ينوي عن أحداهما بعينها جاز عنهما، وكذلك إن صام أربعة أشهرٍ أو أطعم مائةً وعشرين مسكيناً جاز، وإن أعتق رقبةً واحدةُ أو صام شهرين كان له أن يجعل ذلك عن أيتهما شاء.
كتاب اللعان
- إذا قذف الرجل امرأته بالزنا وهما من أهل الشهادة، والمرأة ممن يحد قاذفها، أو نفى نسب
ــ
أي جامعها (في خلال الإطعام لم يستأنف) ، لأن النص فيه مطلق، إلا أنه يمنع من المسيس قبله، لأنه ربما يقدر على الإعتاق أو الصوم فيقعان بعد المسيس، والمنع لمعنى في غيره لا يعدم المشروعية في نفسه.
(ومن وجب عليه كفارتا ظهار) من امرأة أو امرأتين (فأعتق رقبتين لا ينوي عن إحداهما بعينها جاز عنهما، وكذلك إذا صام أربعة أشهر، أو أطعم مائة وعشرين مسكيناً) لأن الجنس متحد، فلا حاجة إلى نية معينة (وإن أعتق رقبة واحدة أو صام شهرين) عن كفارتي ظهار (كان له أن يجعل ذلك عن أيتهما شاء) ، لأن النية معتبرة عند اختلاف الجنس.
كتاب اللعان
هو لغة: مصدر لاعن كقاتل، ومن اللعن وهو الطرد والإبعاد، سمى به لا بالغضب - للعنه نفسه أولا، والسبق من أسباب الترجيح، وشرعاً: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن من جهة وبالغضب من أخرى، قائمة مقام حد القذف في حقه، ومقام حد الزنا في حقها؛ كما أشار إلى ذلك بقوله: (إذا قذف الرجل امرأته بالزنا) صريحا (وهما) أي الزوجان (من أهل الشهادات) على المسلم (و) كانت (المرأة ممن يحد قاذفها) لأنه قائم في حقه مقام حد القذف فلابد من إحصانها (أو نفى نسب
стр. 531
ولدها وطالبته بموجب القذف فعليه اللعان، فإن امتنع منه حبسه الحاكم حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيحد، وإن لاعن وجب عليها اللعان؛ فإن امتنعت حبسها الحاكم حتى تلاعن أو تصدقه.
وإذا كان الزوج عبداً أو كافراً أو محدوداً في قذفٍ فقذف امرأته فعليه الحد،
ــ
ولدها) منه أو من غيره، لأنه إذا نفى نسب ولدها صار قاذفا لها ظاهراً (وطالبته بموجب القذف) لأنه حقها، فلابد من طلبها كسائر الحقوق، فلو لم تطالبه وسكنت لا يبطل حقها، ولو طالت المدة، لأن طول المدة لا يبطل حقوق العباد (فعليه اللعان) إن عجز عن البرهان (فإن امتنع منه حبسه الحاكم حتى يلاعن) فيبرأ (أو يكذب نفسه فيحد) لأن اللعان خلف عن الحد، فإذا لم يأت بالخلف وجب عليه الأصل (فإن لاعن) الزوج (وجب عليها اللعان) بعده؛ لأنه المدعي فيطلب منه الحجة أولا، فلو بدأ بلعانها أعادت بعده، فلو فرق قبل الإعادة صح، لحصول المقصود كما في الدر (فإن امتنعت) المرأة (حبسها الحاكم حتى تلاعن أو تصدقه) قال الزيلعي: وفي بعض نسخ القدوري (أو تصدقه فتحد) وهو غلط، لأن الحد لا يجب بالإقرار مرة، فكيف يجب بالتصديق مرة؟ وهو لا يجب بالتصديق أربع مرات، لأن التصديق ليس بإقرار قصداً، فلا يعتبر في حق وجوب الحد، ويعتبر في درئه، فيندفع به اللعان، ولا يجب به الحد، وينتفي النسب، لأنه إنما ينقطع حكما باللعان، ولم يوجد، وهو حق الولد، فلا يصدقان في إبطاله وبه يظهر عدم صحة قول صدر الشريعة (فينتفي نسب ولدها) درر. قال شيخنا: وقد يجاب بأن مراد القدوري بالتصديق الإقرار بالزنا، لا مجرد قولها (صدقت) واكتفى عن ذكر التكرار اعتمادا على ما ذكره في بابه. اهـ.
(وإذا كان الزوج) غير أهل للشهادة: بأن كان (عبداً أو كافراً أو محدوداً في قذف) وكان أهلا للقذف بأن كان بالغاً عاقلاً ناطقاً (فقذف امرأته فعليه الحد) والأصل أن اللعان إذا سقط لمعنى من جهته فلو قذف صحيحاً حد، وإلا فلا حد
стр. 532
وإن كان من أهل الشهادة وهي أمةٌ أو كافرة أو محدودةٌ في قذفٍ أو كانت ممن لا يحد قاذفها فلا حد عليه في قذفها ولا لعان.
وصفة اللعان: أن يبتدئ القاضي بالزوج فيشهد أربع مرات يقول في كل مرةٍ: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ثم يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا ويشير إليها في جميع ذلك، ثم تشهد المرأة أربع مراتٍ تقول في كل مرةٍ أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: إن غضب الله عليها.
ــ
ولا لعان، كما في الدر.
(وإن كان) الزوج (من أهل الشهادة وهي) غير أهلٍ لها، لأنها (أمة أو كافرة أو محدودة في قذف) أو صبية أو مجنونة (أو كانت ممن لا يحد قاذفها) بأن كانت زانية أو موطوءة بشبهة أو نكاحٍ فاسدٍ (فلا حد عليه في قذفها) كما لو قذفها أجنبي (ولا لعان) ، لأن خلفه، ولكنه يعزر، حسما لهذا الباب.
(وصفة اللعان) ما نطق به القرآن، وحاصله (أن يبتدئ القاضي بالزوج فيشهد) على نفسه (أربع مرات يقول في كل مرة: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا) وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يأتي بلفظ المواجهة، فيقول: فيما رميتك به، لأنه أقطع للاحتمال، وجه ما ذكره في الكتاب - وهو ظاهر الرواية - أن لفظ الغائب إذا انضمت إليه الإشارة انقطع الاحتمال، كما في الهداية (ثم يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا) إن قذفها به، أو نفى الولد إن نفاه وفي النظم يقول له القاضي: اتق الله فإنها موجبة (ويشير) الزوج (إليها في جميع ذلك، ثم تشهد المرأة) بعده على نفسها (أربع مرات) أيضاً (تقول في كل مرة: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: إن غضب الله عليها
стр. 533
إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا.
فإذا التعنا فرق القاضي بينهما، وكانت الفرقة تطليقةً بائنةً عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: تحريمٌ مؤبدٌ، وإن كان القذف بولدٍ نفى القاضي نسبه وألحقه بأمه،
ــ
إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا) ، وإنما خص الغضب في جانبها لأن النساء يتجاسرن باللعن، فإنهن يستعملن اللعن في كلامهن كثيراً، كما ورد به الحديث، فاختير الغضب لتتقي ولا تقدم عليه.
(فإذا التعنا فرق القاضي بينهما) ولا تقع الفرقة حتى يقضي بها على الزوج فيفارقها بالطلاق، وإن امتنع من ذلك فرق القاضي بينهما، ومالم يقض بالفرقة فالزوجية قائمة: فيلحقها الطلاق، والظهار، والإيلاء، ويجري بينهما التوارث، كما في الجوهرة (وكانت الفرقة تطليقة بائنة عند أبي حنيفة ومحمد) لأنها بتفريق القاضي كما في العنين، ولها النفقة والسكنى في عدتها، ويثبت نسب ولدها إلى سنتين إن كانت معتدة، وإن لم تكن معتدة فإلى ستة أشهر. جوهرة (وقال أبو يوسف) : يقع (تحريم مؤبد) ، لقوله ﵊: (المتلاعنان لا يجتمعان أبداً) ولهما أن الإكذاب رجوع، والشهادة بعد الرجوع لا حكم لها، ولا يجتمعان ما كانا متلاعنين، ولم يبق التلاعن ولا حكمه بعد الإكذاب فيجتمعان. هداية، قال الإسبيجاني: والصحيح قولهما تصحيح (وإن كان القذف) من الزوج (بولد) أي بنفي نسب ولدها (نفى القاضي نسبه) عن أبيه (وألحقه بأمه) ويشترط في نفي الولد: أن تكون المرأة من أهل الشهادة من حين العلوق إلى حين الوضع، حتى لو كانت حين الوضع (١) كتابية أو أمة ثم أسلمت أو عتقت لا ينتفي ولدها، لأنها لما علقت وليست من أهل اللعان ثبت نسب ولدها ثبوتاً لا يلحقه الفسخ، فلا يتغير بعد ذلك بتغير حالها كما في الجوهرة
стр. 534
فإن عاد الزوج فأكذب نفسه حده القاضي وحل له أن يتزوجها، وكذلك إن قذف غيرها فحد أو زنت فحدت.
وإذا قذف امرأته وهي صغيرةٌ أو مجنونة فلا لعان بينهما، وقذف الأخرس لا يتعلق به اللعان، وإذا قال الزوج "ليس حملك مني" فلا لعان بينهما، وإن قال: "زنيت وهذا الحمل من الزنا" تلاعنا ولم ينف القاضي الحمل.
ــ
(فإن عاد الزوج فأكذب نفسه) ولو دلالة: بأن مات الولد المنفى عن مال فادعى نسبه (حده القاضي) حد القذف؛ لإقراره بوجوبه عليه (وحل له أن يتزوجها) ؛ لأنه لما حد لم يبق أهلا للعان، فارتفع حكمه المنوط به، وهو التحريم (وكذلك) أي يجوز له أن يتزوجها (إن قذف غيرها فحد) لما بينا (أو زنت) هي أو قذفت (فحدت) لانتفاء أهلية اللعان من جانبها، والحاصل أن له تزوجها إذا خرجا أو أحدهما عن أهلية اللعان كما في الدر.
(وإذا قذف) الرجل (امرأته وهي صغيرة أو مجنونة فلا لعان بينهما) ، لأنه لا يحد قاذفها لو كان أجنبيا، فكذا لا يلاعن الزوج، لقيامه مقامه (وقذف الأخرس لا يتعلق به اللعان) ، لأنه يتعلق بالتصريح كحد القذف، وقذفه لا يعرى عن شبهة، والحدود تندرئ بالشبهة (وإذا قال الزوج) لامرأته الحامل (ليس حملك مني فلا لعان) وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر، وهذا قول أبي حنيفة وزفر، لأنه لا يتيقن بقيام الحمل فلم يصر قاذفاً، وقال أبو يوسف ومحمد: يجب اللعان إذا جاءت به لأقل من ستة أشها، لتيقن الحمل عنده فيتحقق القذف، وأجيب بأنه إذا لم يكن قاذفاً في الحال يصير كالمعلق، والقذف لا يصح تعليقه بالشرط، ومشى على قول الإمام البرهاني والنسفي والموصلي وصدر الشريعة. تصحيح (وإذا قال) الزوج لامرأته الحامل: (زنيت وهذا الحمل من الزنا تلاعنا) لوجود القذف بصريح الزنا (ولم ينف القاضي الحمل) عن القاذف، لأن
стр. 535
وإذا نفى الرجل ولد امرأته عقيب الولادة، أو في الحال التي تقبل التهنئة أو تبتاع له آلة الولادة صح نفيه ولاعن به، وإن نفاه بعد ذلك لاعن وثبت النسب. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يصح نفيه في مدة النفاس، وإذا ولدت ولدين في بطنٍ واحدٍ فنفى الأول واعترف بالثاني ثبت نسبهما وحد الزوج، وإن اعترف بالأول ونفى الثاني ثبت نسبهما ولاعن.
ــ
تلاعنهما بسبب قوله (زنيت) لا بنفي الحمل، على أن الحمل لا تترتب عليه الأحكام إلا بعد الولادة.
(وإذا نفى الرجل ولد امرأته عقيب الولادة أو في الحال) أي المدة (التي تقبل) فيها (التهنئة) ومدتها سبعة أيام عادة كما في النهاية (أو تبتاع له) أي تشترى فيها (آلة الولادة صح نفيه) ؛ لاحتياجه إلى نفي ولد غيره عن نفسه، ولم يوجد منه الاعتراف صريحاً ولا دلالة (ولاعن به) لأنه بالنفي صار قاذفاً (وإن نفاه بعد ذلك لاعن وثبت النسب) ؛ لأنه ثبت نسبه بوجود الاعتراف منه دلالة، وهو السكوت وقبول التهنئة؛ فلا ينتفي بعد ذلك، وهذا عند أبي حنيفة (وقال أبو يوسف ومحمد: يصح نفيه في مدة النفاس) ؛ لأن النفي يصح في مدة قصيرة، ولا يصح في مدة طويلة، ففصلنا بينهما بمدة النفاس؛ لأنه أثر الولادة، وله أنه لا معنى للتقدير؛ لأن الزمان للتأمل، وأحوال الناس فيه مختلفة، فاعتبرنا ما يدل عليه، وهو قبول التهنئة، أو سكوته عندها، أو ابتياعه متاع الولادة أو مضى ذلك الوقت، هداية. قال الإمام أبو المعالي: والصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده المحبوبي والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، تصحيح ولو كان الزوج غائباً فحالة علمه كحالة ولادتها (وإذا ولدت) المرأة (ولدين في بطن واحد) وهو أن يكون بينهما أقل من ستة أشهر (فنفى) الزوج الولد (الأول واعترف بالثاني ثبت نسبهما) ، لأنهما توأمان خلقا من ماء واحد (وحد الزوج) ؛ لأنه أكذب نفسه بدعوى الثاني (وإن اعترف بالأول ونفى الثاني ثبت نسبهما) لما تقدم (ولاعن) ، لأنه صار قاذفاً بنفي الثاني، والإقرار بالعفة سابق على القذف، فصار كأنه أقر بعفتها ثم قذفها بالزنا
стр. 536
كتاب العدة
- إذا طلق الرجل امرأته طلاقاً بائناً أو رجعياً أو وقعت الفرقة بينهما بغير طلاقٍ وهي حرةٌ ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقراءٍ، والأقراء: الحيض، وإن كانت لا تحيض من صغرٍ أو كبرٍ فعدتها ثلاثة أشهرٍ، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإن كانت أمةً فعدتها حيضتان، وإن كانت لا تحيض فعدتها شهرٌ ونصفٌ،
ــ
كتاب العدة
هي لغة: الإحصاء، وشرعاً: تربصٌ يلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهته، وسمى التربص (عدة) لأن المرأة تحصي الأيام المضروبة عليها وتنتظر الفرج الموعود لها (إذا طلق الرجل امرأته) المدخول بها سواء كان (طلاقاً بائناً أو رجعياً أو وقعت الفرقة بينهما بغير طلاق) كأن حرمت عليه بوجه من الوجوه السابقة: كتمكين ابن الزوج، ونحو ذلك مما يوجب الفرقة (وهي حرة) و (ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقراء) كوامل من وقت الطلاق أو الفرقة، فلو طلقت في الحيض لم بعد من العدة (والأقراء) هي (الحيض) عندنا، لأن الحيض معرف لبراءة الرحم، وهو المقصود (وإن كانت) ممن (لا تحيض من صغر) أو بلوغ بالسن (أو كبر) بأن بلغت سن الإياس (فعدتها ثلاثة أشهر) قيدنا الكبر ببلوغ سن الإياس لأنه إذا كانت ممن تحيض فامتد طهرها فإن عدتها بالحيض مالم تدخل في حد الإياس. جوهرة (وإن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها) وهذا إذا كانت حرة (وإن كانت أمة فعدتها) إذا كانت ممن تحيض (حيضتان) لأن الرق منصفٌ، والحيضة لا تتجزأ، فكملت فصارت حيضتين (وإن كانت) ممن (لا تحيض فعدتها شهر ونصف) ، لأن الشهر متجزئ فأمكن تنصيفه عملا بالرق، وإن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها كالحرة
стр. 537
وإذا مات الرجل عن امرأته الحرة فعدتها أربعة أشهرٍ وعشرٌ، وإن كانت أمةً فعدتها شهران وخمسة أيامٍ، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإذا ورثت المطلقة في المرض فعدتها أبعد الأجلين.
فإن أعتقت الأمة في عدتها من طلاقٍ رجعيٍ انتقلت عدتها إلى عدة الحرائر، وإن أعتقت وهي مبتوتةٌ أو متوفى عنها زوجها لم تنتقل عدتها، وإن كانت آيسةً فاعتدت بالشهور ثم رأت الدم انتقض
ــ
(وإذا مات الرجل عن امرأته الحرة) دخل بها أولا، صغيرة كانت أو كبيرة، مسلمة أو كتابية، حاضت في المدة أو لم تحض، كما في خزانة المفتين (فعدتها أربعة أشهر وعشرة) أيام، لقوله تعالى ﴿ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ ، (وإن كانت أمة فعدتها شهران وخمسة أيام) ؛ لأن الرق منصف كما مر (وإن كانت) امرأة الميت (حاملا فعدتها أن تضع حملها) أيضاً، لإطلاق قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ، (وإذا ورثت المطلقة) بائناً (في المرض) بأن كان الطلاق فراراً من إرثها ومات وهي في العدة (فعدتها أبعد الأجلين) من عدة الوفاة وعدة الطلاق احتياطاً: بأن تتربص أربعة أشهرٍ وعشراً من وقت الموت، فإن لم تر فيها حيضاً تعتد بعدها بثلاث حيض، حتى لو امتد طهرها تبقى عدتها حتى تبلغ الإياس كما في الفتح، قال كمال الإسلام في شرحه: وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: عدتها ثلاث حيض، والصحيح قولهما، واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما. تصحيح، قيدنا الطلاق بالبائن لأنه إذا كان رجعيا فعليها عدة الوفاة إجماعاً كما في الهداية.
(فإن أعتقت الأمة في عدتها من طلاق رجعي انتقلت عدتها) من عدة الإماء (إلى عدة الحرائر) لأن الزوجية باقية (وإن أعتقت وهي مبتوتة أو متوفى عنها زوجها لم تنتقل عدتها) ؛ لزوال النكاح بالبينونة والموت (وإن كانت) المرأة (آيسة فاعتدت بالشهور ثم رأت الدم) على جاري عادتها أو حبلت من زوج آخر (انتقض
стр. 538
ما مضى من عدتها وكان عليها أن تستأنف العدة بالحيض،
والمنكوحة نكاحاً فاسداً والموطوءة بشبهةٍ عدتها الحيض في الفرقة والموت.
وإذا مات مولى أم الولد عنها أو أعتقها فعدتها ثلاث حيضٍ.
ــ
ما مضى من عدتها) وفسد نكاحها (وكان عليها أن تستأنف العدة بالحيض) قال في الهداية: ومعناه إذا رأت الدم على العادة، لأن عودها يبطل الإياس، وهو الصحيح، قال في التصحيح: يحترز بهذا الصحيح عما فصله في زاد الفقهاء فقال: المختار عندنا أنها إذا رأت الدم قبل الاعتداد بالأشهر يبطل الاعتداد بالأشهر، وإذا رأت بعد الاعتداد بالأشهر لا يبطل، قال نجم الأمة: هذا هو الأصح والمختار للفتوى، قال في الذخيرة: وكان الصدر الشهيد حسام الدين يفتي بأنها لو رأت الدم بعد ذلك على أي صفة رأت يكون حيضاً، ويفتي ببطلان الاعتداد بالأشهر إن كانت رأت الدم قبل الاعتداد بالأشهر، ولا يفتي ببطلان الاعتداد بالأشهر بعد تمام الاعتداد بها، قضي بجواز الأنكحة أم لا، قال في مجموع النوازل: هو الأصح، قلت، وهذا التصحيح أولى من تصحيح فخر الدين في الهداية، وقد حقق وجهه في فتح القدير. اهـ.
(والمنكوحة نكاحاً فاسداً) المدخول بها (والموطوءة بشبهة عدتها الحيض) إن كانت ممن تحيض، والأشهر إن كانت ممن لا تحيض (في الفرقة والموت) ؛ لأنها للتعرف عن براءة الرحم، لا قضاء حق النكاح، والحيض هو المعرف، والأشهر قائمة مقام الحيض.
(وإذا مات مولى أم الولد عنها أو أعتقها) ولم تكن تحت زوج ولا معتدة (فعدتها ثلاث حيض) إن كانت من ذوات الحيض، وثلاثة أشهر إن كانت من ذوات الأشهر؛ لأنها وجبت بالوطء لا بالنكاح، ووجبت وهي حرة، فتكون ثلاث حيض أو ما يقوم مقامها كما في الوطء بشبهة. قيد بأم الولد لأن القنة والمدبرة إذا أعتقها المولى أو مات
стр. 539
وإذا مات الصغير عن امرأته وبها حبلٌ فعدتها أن تضع حملها، وإن حدث الحبل بعد الموت فعدتها أربعة أشهرٍ وعشرٌ.
وإذا طلق الرجل امرأته في حال الحيض لم تعتد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، وإذ وطئت المعتدة بشبهةٍ فعليها عدةٌ أخرى، وتداخلت العدتان، فيكون ما تراه من الحيض محتسباً به منهما جميعاً،
ــ
عنهما لا عدة عليهما؛ لعدم الفراش، وقيدنا بأن لا تكون متزوجة ولا معتدة؛ لأنها إذا كانت متزوجة أو معتدة ومات مولاها أو أعتقها فلا عدة عليها؛ لأنها ليست فراشا له.
(وإذا مات الصغير) الذي لا يتأتى منه الإحبال (عن امرأته وبها حبل) محقق وذلك بأن تضع لدون ستة أشهر من موته (فعدتها أن تضع حملها) لإطلاق قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: عدتها أربعة أشهر وعشر؛ لأن الحمل ليس بثابت النسب منه، فصار كالحادث بعد الموت. اهـ. قال جمال الإسلام: الصحيح قولهما، واعتمده البرهاني والنسفي وغيرهما. تصحيح. قيدنا الحبل بالمحقق لأنه إذا كان محتملا - بأن ولدت لأكثر من ستة أشهر - فعليها عدة الوفاة اتفاقا كما في التصحيح (فإن حدث الحبل بعد الموت فعدتها أربعة أشهر وعشر) ؛ لأنها وجبت عند الموت كذلك، فلا تتغير بعده، ولا يثبت نسب الولد في الوجهين، لأن الصبي لا ماء له، فلا يتصور منه العلوق، والنكاح يقام مقامه في موضع التصور، هداية.
(وإذا طلق الرجل امرأته في حال الحيض لم تعتد) المرأة (بالحيضة التي وقع فيها الطلاق) ؛ لأنه انقضى بعضها، ولا يقع الاعتداد إلا بالكاملة (وإذا وطئت المعتدة بشبهة) ولو من المطلق (فعليها عدة أخرى) لتجدد السبب (وتداخلت العدتان فيكون ما تراه من الحيض) في تلك المدة (محتسباً به منهما جميعاً) ، لأن المقصود هو التعرف عن
стр. 540
وإذا انقضت العدة الأولى ولم تكمل الثانية فإن عليها تمام العدة الثانية.
وابتداء العدة في الطلاق عقيب الطلاق، وفي الوفاة عقيب الوفاة، فإن لم تعلم بالطلاق أو الوفاة حتى مضت مدة العدة فقد انقضت عدتها والعدة في النكاح الفاسد عقيب التفريق بينهما، أو عزم الواطئ على ترك وطئها،
ــ
فراغ الرحم، وقد حصل (وإذا انقضت العدة الأولى ولم تكمل) العدة (الثانية فإن عليها تمام العدة الثانية) فإذا كان الوطء الثاني بعدما رأت حيضة كانت الأولى من العدة الأولى والثنتان بعدها من العدتين، وتجب رابعة لتتم الثانية، وإن كان الوطء قبل رؤية الحيض فلا شيء عليها إلا ثلاث حيض، وهي تنوب عن ست حيض، كما في الدرر.
(وابتداء العدة في الطلاق عقيب الطلاق، وفي الوفاة عقيب الوفاة) ، لأنهما السبب في وجوبهما، فيعتبر ابتداؤها من وقت وجود السبب) فإن لم تعلم بالطلاق والوفاة حتى مضت مدة العدة فقد انقضت عدتها) ، لأن العدة هي مضي الزمان، فإذا مضت المدة انقضت العدة، قال في الهداية: ومشايخنا يفتون في الطلاق أن ابتداءها من وقت الإقرار، نفيا لتهمة المواضعة، اهـ قال في التصحيح: يعني أن مشايخ بخارى وسمرقند يفتون أن من أقر بطلاق سابق وصدقته الزوجة وهما من مظان التهمة لا يصدق في الإسناد، ويكون ابتداء العدة من وقت الإقرار، ولا نفقة ولا سكنى للزوجة لتصديقها، قال الإمام أبو علي السندي: ما ذكر محمد من أن ابتداء العدة من وقت الطلاق محمول على ما إذا كانا متفرقين من الوقت الذي أسند الطلاق إليه، أما إذا كانا مجتمعين فالكذب في كلامهما ظاهر، فلا يصدقان في الإسناد. اهـ (والعدة في النكاح الفاسد) ابتداؤها (عقيب التفريق) من القاضي (بينهما أو) إظهار (عزم الواطئ على ترك وطئها) بأن يقول بلسانه: تركت وطئها، أو تركتها، أو خليت سبيلها، ونحوه، ومنه الطلاق، أما مجرد العزم فلا عبرة به، وهذا في المدخولة، أما غيرها فيكفي تفرق الأبدان، والخلوة في النكاح
стр. 541
وعلى المبتوتة، والمتوفى عنها زوجها - إذا كانت بالغةً مسلمةً - الإحداد، وهو: ترك الطيب والزينة والدهن والكحل إلا من عذر، ولا تختضب بالحناء، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً بعصفرٍ ولا بزعفرانٍ، ولا إحداد على كافرةٍ، ولا صغيرةٍ، وعلى الأمة الإحداد، وليس في عدة النكاح الفاسد ولا في عدة أم الولد إحدادٌ.
ولا ينبغي أن تخطب المعتدة، ولا بأس بالتعريض في الخطبة.
ــ
الفاسد لا توجب العدة، والطلاق فيه لا ينقص العدد، لأنه فسخ، جوهرة.
(و) يجب (على المبتوتة والمتوفى عنها زوجها إذا كانت بالغة مسلمة) ولو أمة (الإحداد) وإن أمرها المطلق أو الميت بتركه، لأنه حق الشرع، إظهاراً للتأسف على فوات نعمة النكاح، وذلك (بترك الطيب والزينة) بحلي أو حرير (والدهن) ولو بلا طيب كزيت خالص (والكحل، إلا من عذر) راجع الجميع، إذ الضرورات تبيح المحظورات (ولا تختضب بالحناء ولا تلبس ثوباً مصبوغاً بعصفر ولا زعفران) ولا ورس لأن هذه الأشياء دواعي الرغبة فيها، وهي ممنوعة، فتجنبها كيلا تصير ذريعة الوقوع في المحرم (ولا إحداد على كافرة) لأنها غير مخاطبة بحقوق الشرع (ولا) على (صغيرة) لأن الخطاب موضوع عنها (وعلى الأمة الإحداد) لأنها مخاطبة بحقوق الله تعالى فيما ليس فيه إبطال حق المولى، بخلاف المنع من الخروج، لأن فيه إبطال حقه، وحق العبد مقدم لحاجته (وليس في عدة النكاح الفاسد ولا في عدة أم الولد إحداد) ، لأنه لإظهار التأسف على فوات نعمة النكاح، ولم يفتهما ذلك.
(ولا ينبغي) بل يحرم (أن تخطب المعتدة) أي معتدة كانت (ولا بأس بالتعريض في الخطبة) لقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ إلى أن قال ﴿ولكن لا تواعدوهن سراً، إلا أن تقولوا قولً معروفا﴾ قال ﵊: (السر النكاح) وقال ابن عباس ﵄: التعريض أن يقول: إني
стр. 542
ولا يجوز للمطلقة الرجعية والمبتوتة الخروج من بيتها ليلاً ولا نهاراً، والمتوفى عنها زوجها تخرج نهاراً وبعض الليل، ولا تبيت في غير منزلها، وعلى المعتدة أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة، فإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت،
ــ
أريد أن أتزوج، وعن سعيد بن جبير في القول المعروف: إني فيك لراغب، وإني أريد أن نجتمع. هداية.
(ولا يجوز للمطلقة الرجعية والمبتوتة) الحرة (الخروج من بيتها ليلا ولا نهاراً) ؛ لأن نفقتها واجبة على الزوج، فلا حاجة إلى الخروج، كالزوجة، حتى لو اختلعت على أن لا نفقة لها، قيل: تخرج نهاراً لمعاشها، وقيل: لا، وهو الأصح، لأنها هي التي اختارت إسقاط نفقتها، كالمختلعة على أن لا سكنى لها، ولا يجوز لها الخروج اختياراً، فيلزمها أن تكتري بيت الزوج، معراج، قيدنا بالحرة لأن الأمة تخرج في حاجة المولى كما مر (والمتوفى عنها زوجها تخرج نهاراً وبعض الليل) ، لأنه لا نفقة لها، فتضطر إلى الخروج لإصلاح معاشها، وربما يمتد ذلك إلى الليل، حتى لو كان عندها كفايتها صارت كالمطلقة فلا يحل لها الخروج، فتح (ولا تبيت في غير منزلها) لعدم الاضطرار إليه (و) يجب (على المعتدة أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة) حتى لو طلقت وهي في غير منزلها عادت إليه فوراً فتعتد يه (فإن كان نصيبها من دار) زوجها (الميت لا يكفيها) لضيقه (فأخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت) إلى حيث شاءت، لأن هذا الانتقال بعذر، والعبادات تؤثر فيها الأعذار، وصار كما إذا خافت على متاعها، أو خافت سقوط المنزل، أو كانت فيه بأجر ولا تجد ما تؤديه. ثم إن وقعت الفرقة بطلاق بائن أو ثلاث لابد من سترة بينهما، ثم لا بأس به مع السترة، لأنه معترف بالحرمة، إلا أن يكون فاسقاً يخاف عليها منه، فحينئذ تخرج، لأنه عذر، ولا تخرج عما انتقلت إليه، والأولى أن يخرج هو ويتركها، وإن جعلا بينهما امرأة ثقة
стр. 543
ولا يجوز أن يسافر الزوج بالمطلقة الرجعية.
وإذا طلق الرجل امرأته طلاقاً بائناً ثم تزوجها في عدتها وطلقها قبل أن يدخل بها فعليه مهرٌ، كاملٌ وعليها عدةٌ مستقبلةٌ. وقال محمدٌ: لها نصف المهر وعليها إتمام العدة الأولى،
ويثبت نسب ولد المطلقة الرجعية إذا جاءت به لسنتين أو أكثر
ــ
تقدر على الحيلولة فحسن. هداية.
(ولا يجوز أن يسافر الزوج بالمطلقة الرجعية) ، لعموم قوله تعالى: ﴿ولا تخرجوهن من بيوتهن﴾ فيتناول الزوج وغيره، وقال زفر: له ذلك، بناء على أن السفر عنده رجعة إذ لا يسافر بها إلا وهو يريد إمساكها، فلا يكون إخراجا للمعتدة، قيدنا بالرجعية لأن المبانة لا يجوز السفر بها اتفاقاً، وإن أبانها أو طلقها في سفر وبينها وبين مصرها أقل من ثلاثة أيام رجعت إلى مصرها، وإن كان ثلاثة أيام خيرت، والعود أفضل إلا أن تكون في مصر فإنها لا تخرج حتى تعتد كما في الهداية.
(وإذا طلق الرجل امرأته طلاقاً بائناً ثم تزوجها في عدتها) منه (وطلقها) ثانيا (قبل أن يدخل) أو يختلي (بها فعليه مهر كامل، وعليها عدة مستقبلة) لأنها مقبوضة بيده بالوطأة الأوللا، وبقي أثره - وهو العدة - فإذا جدد النكاح وهي مقبوضة ناب ذلك القبض عن القبض الواجب في النكاح، فيكون طلاقاً بعد الدخول. درر. وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف (وقال محمد: لها نصف المهر، وعليها إتمام العدة الأولى) ؛ لأنه طلاق قبل المسيس، فلا يوجب كمال المهر ولا استئناف العدة، وإكمال العدة الأولى إنما وجب بالطلاق الأول، هداية. قال الإسبيجاني: الصحيح قولهما، واختاره المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح.
(ويثبت نسب ولد المطلقة الرجعية إذا جاءت به) أي الولد (لسنتين أو أكثر)
стр. 544
مالم تقر بانقضاء عدتها، فإذا جاءت به لأقل من سنتين بانت منه، وإن جاءت به لأكثر من سنتين ثبت نسبه وكانت رجعةً.
والمبتوتة يثبت نسب ولدها إذا جاءت به لأقل من سنتين، فإن جاءت به لتمام سنتين من يوم الفرقة لم يثبت نسبه إلا أن يدعيه.
ــ
ولو طالت المدة، لاحتمال امتداد طهرها وعلوقها في العدة (مالم تقر بانقضاء عدتها) والمدة تحتمله (وإن جاءت به لأقل من سنتين بانت منه) أي من زوجها بانقضاء العدة وثبت نسبه لوجود العلوق في النكاح أو في العدة؛ ولا يصير مراجعة، لأنه يحتمل العلوق قبل الطلاق ويحتمل بعده فلا يصير مراجعاً بالشك، هداية (وإن جاءت به لأكثر من سنتين ثبت نسبه وكانت مراجعة) : لأن العلوق بعد الطلاق، إذ الحمل لا يبقى أكثر من سنتين، والظاهر أنه منه لانتفاء الزنا من المسلم، فحمل أمره على أنه وطئها في العدة فيصير مراجعاً.
(والمبتوتة يثبت نسب ولدها) بلا دعوى، مالم تقر بانقضاء العدة كما مر (إذا جاءت به لأقل من سنتين) لأنه يحتمل أن يكون الولد قائما وقت الطلاق، فلا يتيقن بزوال الفراش قبل العلوق، قيثبت نسبه احتياطا (وإن جاءت به لتمام سنتين من يوم الفرقة لم يثبت نسبه) من الزوج، لأنه حادث بعد الطلاق، فلا يكون منه، لأن وطأها حرام (إلا أن يدعيه) الزوج، لأنه التزمه، وله وجه بأن وطئها بشبهة في العدة، قال في الهداية: فإن كانت المبتوتة صغيرة يجامع مثلها فجاءت بولد لتسعة أشهر لم يلزمه حتى تأتي به لأقل من تسعة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يثبت النسب منه إلى سنتين، لأنها معتدة يحتمل أن تكون حاملا ولم تقر بانقضاء العدة، فأشبهت الكبيرة، ولهما أن لانقضاء عدتها جهة متعينة - وهي الأشهر - وبمضيها يحكم الشرع بالانقضاء، وهو بالدلالة فوق إقرارها لأنه لا يحتمل الخلاف. اه
стр. 545
ويثبت نسب ولد المتوفى عنها زوجها ما بين الوفاة وبين سنتين.
وإذا اعترفت المعتدة بانقضاء عدتها ثم جاءت بولدٍ لأقل من ستة أشهرٍ ثبت نسبه، وإن جاءت به لستة أشهرٍ لم يثبت نسبه.
وإذا ولدت المعتدة ولداً لم يثبت نسبه عند أبي حنيفة إلا أن يشهد بولادتها رجلان أو رجلٌ وامرأتان، إلا أن يكون هناك حبلٌ ظاهرٌ أو اعترافٌ من قبل الزوج، فيثبت النسب من غير شهادةٍ.
ــ
(ويثبت نسب ولد المتوفى عنها زوجها) ولو غير مدخول بها، إذا لم تقر بانقضاء عدتها (ما بين الوفاة وبين سنتين) وقال زفر: إذا جاءت به بعد انقضاء عدة الوفاة لستة أشهر لا يثبت النسب؛ لأن الشرع حكم بانقضاء عدتها بالشهور لتعين الجهة فصار كما إذا أقرت بالإنقضاء كما بينا في الصغيرة، إلا أنا نقول: لانقضاء عدتها جهة أخرى، وهو وضع الحمل، بخلاف الصغيرة؛ لأن الأصل فيها عدم الحمل؛ لأنها ليست بمحل قبل البلوغ. هداية.
(وإذا اعترفت المعتدة) مطلقاً (بانقضاء عدتها) والمدة المحتملة (ثم جاءت ولد لأقل من ستة أشهر) من وقت الإقرار (يثبت نسبه) ؛ لظهور كذبها بيقين، فبطل الإقرار (وإن جاءت به لستة أشهر) فأكثر (لم يثبت نسبه) ؛ لأنه علم بالإقرار أنه حدث بعده، لأنها أمينة في الإخبار، وقول الأمين مقبول إلا إذا تحقق كذبه.
(وإذا ولدت المعتدة ولداً) وجحدت ولادتها (لم يثبت نسبه عند أبي حنيفة إلا) بحجة تامة، وهي (أن يشهد بولادتها رجلان أو رجل وامرأتان) ؛ لأنه محقق مقصود فلا يثبت إلا بحجة كاملة، وتصور اطلاع الرجال عليه مع جوازه للضرورة كافٍ في اعتباره (إلا أن يكون هناك حبل ظاهر) وهل تكفي الشهادة لأنه بكونه ظاهراً؟ في البحر بحثا نعم (أو اعترف من قبل الزوج) بالحبل (فيثبت النسب من غير شهادة) يعني
стр. 546
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يثبت في الجميع بشهادة امرأةٍ واحدةٍ.
وإذا تزوج امرأةً فجاءت بولدٍ لأقل من ستة أشهرٍ منذ يوم تزوجها لم يثبت نسبه، وإن جاءت به لستة أشهرٍ فصاعداً ثبت نسبه إن اعترف به الزوج أو سكت، وإن جحد الولادة ثبت بشهادة امرأةٍ واحدةٍ تشهد بالولادة.
وأكثر مدة الحمل سنتان، وأقله ستة أشهرٍ.
وإذا طلق الذمي الذمية فلا عدة عليها.
ــ
تامة لأنه إذا كان هناك حمل ظاهر وأنكر الزوج الولادة فلابد أن تشهد بولادتها القابلة لجواز أن تكون ولدت ولداً ميتاً وأرادت إلزامه ولداً غيره، جوهرة (قالا: يثبت في الجميع بشهادة امرأة واحدة) لأن الفراش قائم بقيام العدة، وهو ملزم للنسب، والحاجة إلى تعيين الولد، فيتعين بشهادتهما كما في حال قيام النكاح، هداية. قال في التصحيح: واعتمد قول الإمام المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة.
(وإذا تزوج) الرجل (امرأة فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ يوم تزوجها لم يثبت نسبه) لتحقق سبق العلوق على النكاح (وإن جاءت به لستة أشهر فصاعداً يثبت نسبه إن اعترف به الزوج أو سكت) ، لأن الفراش قائم، والمدة تامة (وإن جحد) الزوج (الولادة يثبت) نسبه (بشهادة امرأة واحدة تشهد بالولادة) ، لأن النسب ثابت بالفراش، والحاجة إلى تعيين الولد، وهو يتعين بشهادة المرأة كما مر. (وأكثر مدة الحمل سنتان) ، لقوال عائشة ﵂: (الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين، ولو بظل مغزل) والظاهر أنها قالته سماعاً، إذ العقل لا يهتدي إليه. هداية (وأقله ستة أشهر) لقوله تعالى ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) ثم قال: ﴿وفصاله في عامين) فبقي للحمل ستة أشهر.
(وإذا طلق الذمي الذمية) أو مات عنها (فلا عدة عليها) عند أبي حنيفة، إذا
стр. 547
وإذا تزوجت الحامل من الزنا جاز النكاح، ولا يطؤها حتى تضع حملها، والله أعلم.
كتاب النفقات
- النفقة واجبةٌ للزوجة على زوجها، مسلمةً كانت أو كافرةً، إذا سلمت نفسها في منزله
ــ
كان ذلك في دينهم، لأنها إنما تجب لحق الله تعالى وحق الزوج، وهي غير مخاطبة بحقوق الله تعالى كالصلاة والصوم، والزوج قد أسقط حقه، لعدم اعتقاده حقيتها كما في الجوهرة، قال جمال الإسلام في شرحه: وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة، والصحيح قوله، واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما. تصحيح.
(وإن تزوجت الحامل من الزنا جاز النكاح) لأن ماء الزاني لا حرمة له (و) لكن (لا يطؤها حتى تضع حملها) لئلا يسقي ماءه زرع غيره، إلا أن يكون هو الزاني. قال الإسبيجاني: وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو سيف: لا يجوز، والصحيح قوله، ومشى عليه الأئمة المحبوبي والنسفي والموصلي وصدر الشريعة. تصحيح.
كتاب النفقات
جمع نفقة، وهي لغةً: ما ينفقه الإنسان على عياله، وشرعاً - كما قال هشام: سألت الإمام محمداً عن النفقة، فقال: هي الطعام والكسوة والسكنى. وتجب بأسباب ثلاثة: زوجية، وقرابة، وملكٍ.
ولما كانت الزوجية أصل النسب، والنسب أقوى من الملك - بدأ بالزوجية فقال: (والنفقة واجبة للزوجة على زوجها) ولو صغيراً، أو فقيراً (مسلمة كانت) الزوجة (أو كافرة) فقيرة أو غنية، موطوءة أو لا، ولو رتقاء أو قرناء أو معتوهة أو كبيرة لا توطأ أو صغيرة لا تطيق الوطء ولا تصلح للخدمة أو للاستئناس (إذا سلمت نفسها) للزوج (في منزله) قال في التصحيح: هذه رواية عن أبي يوسف، وظاهر الرواية ما في المبسوط
стр. 548
فعليه نفقتها وكسوتها وسكناها.
يعتبر ذلك بحالهما جميعاً، موسراً كان الزوج أو معسراً.
فإن امتنعت من تسليم نفسها حتى يعطيها مهرها فلها النفقة.
وإن نشزت فلا نفقة لها حتى تعود إلى منزله.
ــ
والمحيط من أنها تجب لها قبل الدخول والتحول إذا لم تمتنع عن المقام معه اهـ (فعليه نفقتها) أي العرفية، وهي: المأكول، والمشروب (وكسوتها وسكناها) وإنما فسرنا النفقة بالعرفية لأن النفقة الشرعية تشمل الكل كما مر.
(يعتبر ذلك بحالهما) أي الزوجين (جميعاً، موسراً كان الزوج أو معسراً) قال في الهداية: وهذا اختيار الخصاف، وعليه الفتوى. اهـ. وهذا خلاف ظاهر الرواية، وظاهر الرواية - وهو اختيار الكرخي - يعتبر حال الزوج، وفي شرح الإسبيجاني: الصحيح ما ذكره الخصاف، وفي الجواهر: والفتوى على قول الخصاف، وفي شرح الزاهدي: وعليه الفتوى، وعليه مشى المحبوبي والنسفي كما في التصحيح، وحاصله أنه إن كانا موسرين نفقة اليسار، وإن كانا معسرين فنفقة الإعسار، وإن كانا مختلفين فعلى ظاهر الرواية يعتبر حال الزوج، وعلى ما اختاره صاحب الهداية فبين الحالين، إلا أنه إذا كان هو المعسر يطالب بقدر وسعه والباقي دين عليه إلا الميسرة كما في الدرر.
فإذا امتنعت الزوجة (من تسليم نفسها) ولو بعد الدخول بها (حتى يعطيها مهرها) المعجل (فلها النفقة) ؛ لأنها منع بحق؛ فكان فوت الإحتباس بمعنى من قبله، فيجعل كلا فائت، هداية قيدنا بالمعجل لأنه إذا كان مؤجلا ولو كله أو بعضه واستوفت الحال ليس لها أن تمنع نفسها عندهما، خلافاً للثاني، وكذا لو أجلته بعد العقد كما في الجوهرة.
(وإن نشزت) أي: خرجت من بيته بلا إذنه بغير حق ولو بعد سفره (فلا نفقة لها حتى تعود إلى منزله) ؛ لأن فوت الاحتباس منها، وإذا عادت جاء الاحتباس فتجب النفقة، بخلاف ما إذا امتنعت من التمكين في بيت الزوج؛ لأن الاحتباس قائم؛ والزوج يقدر على الوطء كرها، هداية. وإذا كان الزوج معها في بيتها فمنعته من الدخول عليها كانت ناشزة، إلا أن تسأله التحول عنه كما في الجوهرة
стр. 549
وإن كانت صغيرةً لا يستمتع بها فلا نفقة عليها، وإن سلمت نفسها إليه.
وإن كان الزوج صغيراً لا يقدر على الوطء والمرأة كبيرةً فلها النفقة من ماله.
وإذا طلق الرجل امرأته فلها النفقة والسكنى في عدتها، رجعياً كان أو بائناً.
ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها، وكل فرقةٍ جاءت من قبل المرأة بمعصيةٍ فلا نفقة لها.
ــ
(وإذا كانت) الزوجة (صغيرة لا يستمتع بها) ولو للخدمة والاستئناس كما مر. (فلا نفقة لها وإن سلمت نفسها إليه) ؛ لأن النفقة مقابلة باحتباسها له؛ والاحتباس له بكونها منتفعاً بها. قيد بالنفقة لأن المهر يجب بمجرد العقد وإن كانت لا يتمتع بها كما في الجوهرة.
(وإذا كان الزوج صغيراً) بحيث (لا يقدر على الوطء والمرأة كبيرة) بحيث يستمتع بها (فلما النفقة من ماله) ؛ لأن التسليم محقق منها، وإنما العجز من قبله، فصار كالمجبوب والعنين قيد بالكبيرة لأنها لو كانت صغيرة أيضا تجب لها النفقة؛ لأن المنع جاء من قبلها، فغاية ما في الباب أن يجعل المنع من قبله كالمعدوم، فالمنع من قبلها قائم، ومع قيامه من قبلها لا تستحق النفقة كما في الدرر عن النهاية.
(وإذا طلق الرجل امرأته فلها) عليه (النفقة والسكنى في) مدة (عدتها، رجعيا كان) الطلاق (أو بائنا) أما الرجعي فلأن النكاح بعده قائم لاسيما عندنا؛ فإنه يحل له الوطء، وأما البائن فلأن النفقة جزاء الاحتباس كما مر، والاحتباس قائم في حق حكم المقصود بالنكاح - وهو الولد - إذ العدة واجبة لصيانة الولد فتجب النفقة، ولهذا كان لها السكنى بالإجماع كما في الهداية.
(ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها) ، لأنها تجب في ماله شيئاً فشيئاً، ولا مال له بعد الموت، ولا يمكن إيجابها على الورثة كما في الدرر (وكل فرقة جاءت من قبل المرأة بمعصية) كالردة وتقبيل ابن الزوج (فلا نفقة لها) ؛ لأنها صارت حابسة نفسها بغير حق
стр. 550
وإن طلقها ثم ارتدت سقطت نفقتها، وإن أمكنت ابن زوجها من نفسها: إن كان بعد الطلاق فلها النفقة، وإن كان قبل الطلاق فلا نفقة لها، وإن حبست المرأة في دينٍ أو غصبها رجلٌ كرهاً فذهب بها أو حجت مع محرمٍ فلا نفقة لها.
ــ
فصارت كأنها ناشزة. قيد بالمعصية لأنها إذا كانت بسبب مباح كما إذا اختارت نفسها للادراك أو العتق أوز لعدم الكفاءة فلها النفقة كما في الجوهرة.
(وإن طلقها) الزوج ولو ثلاثاً (ثم ارتدت سقطت نفقتها، وإن مكنت ابن زوجها من نفسها: إن كان) ذلك (بعد الطلاق فلها النفقة) لأن الفرقة تثبت بالطلاق، ولا عمل فيها للردة والتمكين، إلا أن المرتدة تحبس حتى تتوب، ولا نفقة للمحبوسة، والممكنة لا تحبس؛ فلها النفقة كما في الدرر. (وإن كان قبل الطلاق فلا نفقة لها) ؛ لثبوت الفرقة بالتمكين (وإذا حبست المرأة في دين، أو غصبها رجل كرها فذهب بها، أو حجت) ولو (مع محرم فلا نفقة لها) لفاوت الاحتباس، إلا أن تكون مع الزوج فتجب لها نفقة الحضر، وعن أبي يوسف أن المغصوبة والحاجة مع المحرم لهما النفقة، قال في التصحيح: والمعتمد الأول، ومشى عليه المحبوبي والنسفي وغيرهما.
(وإن مرضت) الزوجة (في منزل الزوج فلها النفقة) استحساناً؛ لأن الاحتباس قائم؛ فإنه يستأنس بها ولا يمسها وتحفظ البيت؛ والمانع إنما هو لعارض فأشبه الحيض، وعن أبي يوسف: إذا سلمت نفسها ثم مرضت فلها النفقة؛ لتحقق التسليم، وإن مرضت ثم سلمت لا تجب؛ لأن التسليم لم يصح، وهو حسن، وفي كلام المصنف ما يشير إليه حيث قال: (وإن مرضت في منزل الزوج) احترازاً عما إذا مرضت في بيت أبيها كما في الجوهرة
стр. 551
وإن مرضت في منزل الزوج فلها النفقة.
وتفرض على الزوج نفقة خادمها إذا كان موسراً، ولا تفرض لأكثر من خادمٍ واحدٍ.
وعليه أن يسكنها في دارٍ منفردةٍ ليس فيها أحدٌ من أهله، إلا أن تختار ذلك، وإن كان له ولدٌ من غيرها فليس له أن يسكنه معها.
وللزوج أن يمنع والديها وولدها من غيره وأهلها من الدخول
ــ
(وتفرض على الزوج نفقة خادمها إذا كان) الزوج (موسراً) وهي حرة كما في الجوهرة. قال في الهداية: وقوله في الكتاب ﴿إذا كان موسراً﴾ إشارة إلى أنه لا تجب نفقة الخادم عند إعساره، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو الأصح خلافاً لما قاله محمد؛ لأن الواجب على المعسر أدنى الكفاية، وهي قد تكتفي بخدمة نفسها. اهـ. وفي قاضيخان: فإن لم يكن لها خادم لا تستحق نفقة الخادم في ظاهر الرواية، موسراً كان الزوج أو معسراً، ثم قال: والصحيح أن الزوج لا يملك إخراج خادم المرأة. اهـ. (ولا تفرض) النفقة (لأكثر من خادم واحد) قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: تفرض لخادمين، قال الإسبيجاني: والصحيح قولهما، ومشى عليه المحبوبي والنسفي. تصحيح.
(وعليه) أي على الزوج (أن يسكنها في دار منفردة) بحسب حالهما، كالطعام والكسوة (ليس فيها أحد من أهله) سوى طفله الذي لا يفهم الجماع وأمته وأم ولده كما في الدر (إلا أن تختار) المرأة (ذلك) لرضاها بانتقاص حقها (وإن كان له ولد من غيرها) بحيث يفهم الجماع (فليس له أن يسكنه معها) ؛ لأن السكنى واجبة لها، فليس له أن يشرك غيرها، لأنها تتضرر به، فإنها لا تأمن على متاعها ويمنعها من المعاشرة مع زوجها.
(وللزوج أن يمنع والديها وولدها من غيره وأهلها) أي محارمها (من الدخول
стр. 552
عليها، ولا يمنعهم من النظر إليها وكلامها أي وقتٍ اختاروا.
ومن أعسر بنفقة امرأته لم يفرق بينهما، ويقال لها: استديني عليه.
وإذا غاب الرجل وله مالٌ في يد رجلٍ وهو يعترف به وبالزوجية فرض القاضي في ذلك المال نفقة زوجة الغائب وأولاده الصغار ووالديه، ويأخذ منها كفيلاً بها،
ــ
عليها؛ لأن المنزل ملكه، فله حق المنع من دخوله (ولا يمنعهم من النظر إليها وكلامها في أي وقت اختاروا) لما فيه من قطيعة الرحم، وليس له في ذلك ضرر، وقيل: لا يمنعهم من الدخول والكلام، وإنما يمنعهم من القرار، وقيل: لا يمنعها من الخروج إليهما ولا يمنعهما من الدخول عليها في كل جمعة، وغيرهما من المحارم التقدير بسنةٍ، وهو الصحيح كما في الهداية.
(ومن أعسر بنفقة امرأته لم يفرق بينهما) بل يفرض القاضي النفقة (ويقال لها: استديني عليه) ، لأن في التفريق إبطال حقه من كل وجه، وفي الاستدانة تأخير حقها مع إبقاء حقه، فكان أولى، لكونه أقل ضرراً، قال في الهداية: وفائدة الأمر بالاستدانة مع الفرض أن يمكنها إحالة الغريم على الزوج، فأما إذا كانت الاستدانة بغير أمر القاضي كانت المطالية عليها دون الزوج.
(وإذا غاب الرجل وله مال في يد رجل) أو عنده (وهو يعترف به) أي بما في يده أو عنده من المال (وبالزوجية) وكذا إذا علم القاضي ذلك، هداية (فرض القاضي في ذلك المال نفقة زوجة الغائب وولده) بضم فسكون - جمع ولد كأسد جمع أسد (الصغار ووالديه) إذا كان المال من جنس حقهم: أي دراهم أو دنانير، أو طعام أو كسوة من جنس حقهم، بخلاف ما إذا كان من خلاف جنسه، لأنه يحتاج إلى البيع، ولا يباع مال الغائب بالاتفاق، درر (ويأخذ منها) القاضي (كفيلا بها) أي بالنفقة، ويحلفها باللهما أعطاها النفقة، نظراً للغائب، لأنها ربما استوفت النفقة، أو طلقها الزوج
стр. 553
ولا يقضى بنفقةٍ في مال الغائب إلا لهؤلاء.
وإذا قضى القاضي لها بنفقة الإعسار ثم أيسر فخاصمته تمم لها نفقة الموسر.
وإذا مضت مدةٌ لم ينفق الزوج عليها وطالبته بذلك فلا شيء لها، إلا أن يكون القاضي فرض لها النفقة، أو صالحت الزوج على مقدارها، فيقضي لها بنفقة ما مضى.
ــ
وانقضت عدتها، وكذا كل آخذ نفقته.
(ولا يقضى بنفقة في مال الغائب إلا لهؤلاء) لأن نفقة هؤلاء واجبة قبل قضاء القاضي، ولهذا كان لهم أخذها بأنفسهم؛ فكان قضاء القاضي إعانة لهم، أما غيرهم من المحارم إنما تجب نفقتهم بالقضاء، والقضاء على الغائب لا يجوز، قال في النهاية: ولو لم يعلم القاضي بذلك ولم يكن مقراً به فأقامت البينة على الزوجية، أو لم يخلف مالا فأقامت البينة ليفرض القاضي نفقتها على الغائب ويأمرها بالاستدانة - لا يقضي القاضي بذلك؛ لأن في ذلك قضاء على الغائب، وقال زفر: يقضي؛ لأن فيه نظراً لها، ولا ضرر فيه على الغائب، إلى أن قال: وعمل القضاة اليوم على هذا. اهـ. قال في الدرر عازيا إلى البحر: وهذه من الست التي يفتى بها بقول زفر، وعليه فلو غاب وله زوجة وصغار تقبل بينتها على النكاح إن لم يكن عالماً به، ثم يفرض لهم، ويأمرها بالإنفاق أو الاستدانة لترجع. اهـ.
(وإذا قضى القاضي لها بنفقة الإعسار ثم أيسر) الزوج (فخاصمته تمم) القاضي (لها نفقة الموسر) ؛ لأن النفقة تختلف باختلاف اليسار والإعسار، فإذا تبدل حاله لها المطالبة بتمام حقها.
(وإذا مضت مدة لم ينفق الزوج) فيها (عليها فطالبته) الزوجة (بذلك فلا شيء لها) ، لأن النفقة فيها معنى الصلة، فلا يستحكم الوجوب وتصير دينا (إلا) القضاء، وهو (أن يكون القاضي فرض لها النفقة) عليه (أو) الرضا، بأن تكون الزوجة قد (صالحت الزوج على مقدارها) ففرض لها على نفسه قدراً معلوما ولم ينفق عليها حتى مضت مدة (فيقضي لها بنفقة ما مضى) لأن فرضه على نفسه آكد من فرض القاضي،
стр. 554
وإذا مات الزوج بعد ما قضي عليه بالنفقة ومضت شهورٌ سقطت النفقة. وإن أسلفها نفقةً سنةٍ ثم مات لم يسترجع منها شيءٌ، وقال محمدٌ: يحتسب لها نفقة ما مضى وما بقي للزوج.
وإذا تزوج العبد حرةً فنفقتها دينٌ عليه يباع فيها.
ــ
لأن ولايته على نفسه أقوى من ولاية الغير عليه، وإذا صارت النفقة ديناً عليه لم تسقط بطول الزمان، إلا إذا مات أحدهما، أو وقعت الفرقة كما صرح به المصنف بقوله:] .
(وإذا مات الزوج) أو الزوجة (بعد ما قضي عليه بالنفقة ومضت شهور) ولم ينفق عليها (سقطت النفقة) المتجمدة عليه، لما مر أن فيها معنى الصلة، والصلات تسقط بالموت قبل القبض.
(وإن أسلفها) الزوج (نفقة) جميع (السنة ثم مات) هو أو هي (لم يسترجع) بالبناء للمجهول (منها) أي النفقة المسلفة (شيء) ؛ لأنها صلة وقد اتصل بها القبض، ولا رجوع في الصلات بعد الموت؛ لانتهاء حكمها كما في الهبة. وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف (وقال محمد: يحتسب لها نفقة ما مضى، وما بقي) يسترد (للزوج) قال في زاد الفقهاء والتحفة: الصحيح قولهما، وفي فتح القدير: الفتوى على قولهما، واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما. تصحيح.
(وإذا تزوج العبد حرة) بإذن مولاه (فنفقتها) المفروضة (دين عليه) ، للزومها بعقد باشره بإذن المولى، فيظهر في حقه كسائر الديون (يباع فيها) إذا لم يفده المولى. ذخيرة. وهكذا مرة بعد أخرى إذا تجدد عليه نفقة أخرى بهد ما اشتراه من علم به أو لم يعلم ثم علم فرضي، وإنما قيدت بالمفروضة لأنها بدون فرض تسقط بالمضي، كنفقة زوجة الحر كما في النهر، قال في الفتح: وينبغي أن لا يصح فرضها بتراضيهما لحجر العبد عن التصرف، ولاتهامه بقصد الزيادة لإضرار المولى: اه
стр. 555
وإذا تزوج الرجل أمةً فبوأها مولاه معه منزلاً فعليه النفقة، وإن لم يبوئها فلا نفقة لها.
ونفقة الأولاد الصغار على الأب، لا يشاركه فيها أحدٌ، كما لا يشاركه في نفقة الزوجة أحدٌ.
فإن كان الصغير رضيعاً فليس على أمه أن ترضعه.
ــ
(وإذا تزوج الرجل أمةً) قنةً أو مدبرة أو أم ولد (فبوأها) أي خلاها (مولاها معه) أي مع الزوج (منزلا) أي في منزل الزوج، بأن بعثها إلى منزله وترك استخدامها (فعليه) أي الزوج (النفقة) لتحقق الاحتباس (وإن لم يبوئها) مولاها منزل الزوج أو لم يترك استخدامها (فلا نفقة لها) عليه لعدم الاحتباس، قال في الهداية: ولو استخدمها بعد التبوئة سقطت النفقة؛ لأنه فات الاحتباس، ولو خدمته أحياناً من غير أن يستخدمها لا تسقط النفقة؛ لأنه لم يستخدمها ليكون استرداداً. اهـ.
(ونفقة الأولاد الصغار) الفقراء الأحرار (على الأب، لا يشاركه فيها أحد) موسراً كان الأب أو معسراً، غير أنه إذا كان معسراً والأم موسة تؤمر الأم بالإنفاق ويكون ديناً على الأب كما في الجوهرة، قيدنا بالفقراء الأحرار لأن نفقة الأغنياء في مالهم والأرقاء على مالكهم (كما) أنه (لا يشاركه) أي الأب (في نفقة الزوجة أحد) ما لم يكن معسراً فيلحق بالميت، فتجب على غيره بلا رجوع عليه على الصحيح من المذهب، إلا الأم موسرة. بحر، قال: وعليه فلابد من إصلاح المتون اهـ.
قال شيخنا: لأن قول المتون (إن الأب لا يشاركه في نفقة ولده أحد) يقتضي أنه لو كان معسراً وأمر غيره بالإنفاق يرجع، سواء كان أما أو جداً أو غيرهما، إذ لو لم يرجع عليه لحصلت المشاركة، وأجاب المقدسي بحمل ما في المتون على حالة اليسار اهـ.
(فإن كان الصغير رضيعاً فليس على أمه أن ترضعه) قضاء، لأن إرضاعه يجري مجرى النفقة، ونفقته على الأب كما مر، ولكن تؤمر بد ديانة؛ لأنه من باب الاستخدام
стр. 556
ويستأجر له الأب من ترضعه عندها، فإن استأجرها وهي زوجته أو معتدته لترضع ولدها لم يجز، وإن انقضت عدتها فاستأجرها على إرضاعه جاز، فإن قال الأب لا أستأجرها وجاء بغيرها فرضيت الأم بمثل أجر الأجنبية كانت الأم أحق به، وإن التمست زيادةً لم يجبر الزوج عليها.
ــ
ككنس البيت والطبخ والخبز، فإنها تؤمر بذلك ديانة، ولا يجبرها القاضي عليها لأن المستحق عليها بعد النكاح تسليم النفس للاستمتاع لا غير، ثم هذا حيث لم تتعين، فإن تعينت لذلك - بأن كان لا يأخذ ثدي غيرها - فإنها تجبر على إرضاعه صيانة له على الهلاك. جوهرة (ويستأجر له الأب من ترضعه عندها) ؛ لأن الحضانة لها (فإن استأجرها) أي استأجر الأب أم الصغير (وهي زوجته أو معتدته) من طلاق رجعي (لترضع ولدها لم يجز) ذلك الاستئجار لأن الإرضاع مستحق عليها ديانة، إلا أنها عذرت لاحتمال عجزها، فإذا أقدمت عليه بالأجر ظهرت قدرتها، فكان الفعل واجباً عليها، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه. هداية قيد بولدها لأنه لو استأجرها لإرضاع ولده من غيرها جاز، لأنه غير مستحق عليها، وقيدنا المعتدة بالرجعي لأن المعتدة من البائن فيها روايتان، والصحيحة منهما أنه يجوز، لأن النكاح قد زال فهي كالأجنبية كما في الجوهرة (وإن انقضت عدتها فاستأجرها على إرضاعه) أي الولد (جاز) لأن النكاح قد زال بالكلية وصارت كالأجنبية (وإن قال الأب لا أستأجرها) أي الأم (وجاء بغيرها) لترضعه عندها (فرضيت الأم بمثل أجرة) تلك (الأجنبية كانت الأم أحق به) ، لأنها أشفق، فكان نظراً للصبي في الدفع إليها، هداية (فإن التمست زيادة) عن الأجنبية ولو بدون أجر المثل أو متبرعة. زيلعي (لم يجبر الزوج عليها) دفعاً للضرر عنه، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾ أي بإلزامه أكثر من أجرة الأجنبية. هداية. قيد بأجرة لإرضاع لأن الحضانة تبقى للأم فترضعه الأجنبية كما صرح في البدائع، ولا تكون الأجنبية
стр. 557
ونفقة الصغير واجبةٌ على أبيه وإن خالفه في دينه، كما تجب نفقة الزوجة على الزوج وإن خالفته في دينه.
كتاب الحضانة
- وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين فالأم أحق بالولد، فإن لم تكن الأم فأم الأم أولى من أم الأب، فإن لم تكن فأم الأب أولى من الأخوات، فإن لم تكن جدةٌ فالأخوات أولى من العمات والخالات وتقدم الأخت
ــ
المتبرعة بالحضانة أولى منها إذا طلبته بأجر المثل، نعم تبرعت العمة بحضانته من غير أن تمنع الأم عنه والأب معسر، فالصحيح أن يقال للأم: إما أن تمسكيه بلا أجر أو تدفعيه إليها، قال شيخنا: وبه ظهر الفرق بين الحضانة والإرضاع، وهو أن الإرضاع إلى غير الأم لا يتوقف على طلب الأم أكثر من أجر المثل، ولا بإعسار الأب ولا بكون المتبرعة عمة أو نحوها من الأقارب. اهـ.
(ونفقة الصغير واجبة على أبيه وإن خالفه في دينه) ؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن﴾ ولأنه جزؤه، فيكون في معنى نفسه. هداية (كما تجب نفقة الزوجة على الزوج وإن خالفته في دينه) ؛ لأن نفقتها بمقابلة الاحتباس الثابت بالعقد، وقد صح العقد بين المسلم والكافرة، فوجبت النفقة.
كتاب الحضانة
(وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين فالأم) ولو كتابية (أحق بالولد) لما مر أنها أشفق عليه وأعرف بتربيته (فإن لم تكن أم فأم الأم) وإن بعدت (أولى من أم الأب) ؛ لأن هذه الولاية تستفاد من قبل الأمهات (فإن لم تكن) أم الأم (فأم الأب وإن بعدت أيضاً (أولى من الأخوات) مطلقاً لأنها أكثر شفقة منهن لأن قرابتها قرابة ولاد (فإن لم تكن جدة) مطلقا (فالأخوات) مطلقاً أولى (من العمات والخالات) مطلقا لأنهن أقرب، ولأنهن أولاد الأبوين، ولهذا قدمن في الميراث (وتقدم الأخت
стр. 558
من الأم والأب، ثم الأخت من الأم، ثم الأخت من الأب، ثم الخالات أولى من العمات، وينزلن كذلك، ثم العمات ينزلن كذلك، وكل من تزوجت من هؤلاء سقط حقها إلا الجدة إذا كان زوجها الجد، وإن لم تكن للصبي امرأةٌ من أهله واختصم فيه الرجال فأولاهم به أقربهم تعصيباً.
ــ
من الأب والأم) لأنها ذات قرابتين (ثم الأخت من الأم) ، لأن الحق من قبلها (ثم الأخت من الأب) ثم بنات الأخت لأبوين، ثم لأم (ثم الخالات أولى من العمات) ومن بنات الأخت لأب، ترجيحاً لقرابة الأم، و (ينزلن كما ينزلن الأخوات) فترجح ذات القرابتين، ثم قرابة الأم، ثم بنت الأخت لأب، قال في الخانية: اختلفت الرواية في بنت الأخت لأب مع الخالة، والصحيح أن الخالة أولى. اهـ (ثم العمات) و (ينزلن كذلك) ثم خالة الأم كذلك، ثم خالة الأب كذلك، ثم عمة الأم كذلك، ثم عمة الأب كذلك، بهذا الترتيب (وكل من تزوجت من هؤلاء) المذكورات بأجنبي من الصغير (سقط حقها) من الحضانة، لأن الأجنبي يعطيه نزراً، وينظر إليه شزراً، فر نظر في ذلك للصغير، بخلاف ما إذا كان الزوج ذا رحم محرم من الصغير كما يصرح بذلك بقوله: (إلا الجدة إذا كان زوجها الجد) أي فلا يسقط حقها، لأنه قام مقام أبيه فينظر إليه، وكذا كل زوج هو ذو رحم محرم منه، لقيام الشفقة نظراً إلى القرابة القريبة، هداية. وتعود الحضانة بالفرقة، لزوال المانع، والقول لها في نفي الزوج وكذا في تطليقه أن أبهمته لا إن عينته كما في الدر (فإن لم تكن للصبي امرأة من أهله) تستحق الحضانة (فاختصم فيها الرجال فأولاهم به أقربهم تعصيبا) لأن الولاية للأقرب، وقد عرف الترتيب في موضعه، غير أن الصغيرة لا تدفع عصبة غير محرم كمولى العتاقة وابن العم تحرزا عن الفتنة. هداية. ثم إذا لم يكن عصبة فلذوي الأرحام، فإن استووا فأصلحهم، ثم أورعهم، ثم أكبرهم ولا حق لولد عم وعمة وخال وخالة، لعدم المحرمية كما في الدر]
стр. 559
والأم والجدة أحق بالغلام حتى يأكل وحده ويلبس وحده ويستنجي وحده، وبالجارية حتى تحيض، ومن سوى الأم والجدة أحق بالجارية حتى تبلغ حداً تشتهى.
والأمة إذا أعتقها مولاها وأم الولد إذا أعتقت في الولد كالحرة، وليس للأمة وأم الولد قبل العتق حقٌ في الولد، والذمية أحق بولدها المسلم مالم يعقل الأديان ويخاف أن يألف الكفر.
ــ
(والأم والجدة أحق بالغلام حتى) يستغني، بأن (يأكل وحده) ويشرب وحده (ويلبس وحده، ويستنجي وحده) ، لأن تمام الاستغناء بالقدرة على الاستنجاء، قال في الهداية: ووجهه أنه إذا استغنى يحتاج إلى التأديب والتخلق بآداب الرجال وأخلاقهم والأب أقدر على التأديب والتثقيف. والخصاف قدر الاستغناء بسبع سنين اعتباراً للغالب. اهـ. (و) هما أحق (بالجارية حتى تحيض) أي تبلغ، لأن بعد الاستغناء تحتاج إلى معرفة
آداب النساء، والمرأة على ذلك أقدر، وبعد البلوغ تحتاج إلى التحصين والحفظ، والأب فيه أقوى وأهدى. هداية (ومن سوى الأم والجدة) ممن لها الحصانة (أحق بالجارية حتى تبلغ حداً تشتهى) وقدر بتسع، وبه يفتى كما في الدر، وفي التنوير: وعن محمد أن الحكم في الأم والجدة كذلك، وبه يفتى. اهـ. وفي المنح قال مولانا صاحب البحر: والحاصل أن الفتوى على خلاف ظاهر الرواية؛ فقد صرح في التجنيس بأن ظاهر الرواية أنها أحق بها حتى تحيض، واختلف في حد الشهوة، فقدره أبو الليث بتسع سنين، وعليه الفتوى، كذا في تبيين الكنز اهـ.
(والأم إذا أعتقها مولاها وأم الولد إذا أعتقت في) ثبوت حق حضانة (الولد كالحرة) ، لأنهما حرتان أو أن ثبوت الحق (وليس للأمة وأم الولد قبل العتق حق في الولد) لعجزهما عن الحضانة بالاشتغال بخدمة المولى (والذمية أحق بولدها المسلم سواء كان ذكراً أو أنثى (ما لم يعقل الأديان ويخاف عليه أن يألف الكفر) للنظر قبل ذلك، واحتمال الضرر بعده. هداية
стр. 560
وإذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها من المصر فليس لها ذلك إلا أن تخرجه إلى وطنها وقد كان الزوج قد تزوجها فيه.
وعلى الرجل أن ينفق على أبويه وأجداده وجداته إذا كانوا فقراء وإن خالفوه في دينه،
ــ
(وإذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها من المصر) إلى مصر آخر، وبينهما تفاوت بحيث لا يمكنه أن يبصر ولده ثم يرجع في نهاره (فليس لها ذلك) لما فيه من الإضرار بالأب، لعجزه عن مطالعة ولده (إلا أن تخرجه إلى وطنها وقد كان الزوج تزوجها) أي عقد عليها (فيه) أي وطنها ولو قرية في الأصح كما في الدر؛ لأنه التزم ذلك عادة، لأن من تزوج في بلد يقصد المقام به غالبا. قال في الهداية: وإذا أرادت الخروج إلى مصر غير وطنها وقد كان التزويج فيه أشار في الكتب إلى أنه ليس لها ذلك، وذكر في الجامع الصغير أن لها ذلك. وجه الأول أن التزوج في دار الغربة ليس الزاماً للمكث فيه عرفاً، وهذا أصح.
فالحاصل أنه لابد من الأمرين جميعاً: الوطن، ووجود النكاح، وهذا كله إذا كان بين المصرين تفاوت، أما إذا تقاربا بحيث يمكن للوالد أن يطالع ولده ويبيت في بيته فلا بأس، وكذا الجواب في القريتين، ولو انتقلت من قرية المصر إلى المصر لا بأس به، لأن فيه نظراً للصغير حيث يتخلق بأخلاق أهل المصر، وليس فيه ضرر بالأب، وفي عكسه ضرر بالصغير لتخلقه بأخلاق بأخلاق أهل السواد، فليس لها ذلك (و) يجب (على الرجل) الموسر يسار القطرة (أن ينفق على أبويه وأجداده وجداته) سواء كانوا من قبل الأب أو الأم (إذا كانوا فقراء) ولو قادرين على الكسب، والقول لمنكر اليسار، والبينة لمدعيه كما في الدر، وفي الخلاصة المختار أن الكسوب يدخل أبويه في نفقته. اهـ، وعليه الفتوى (وإن خالفوه في دينه) أما الأبوان فلقوله تعالى ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ نزلت في الأبوين الكافرين، وليس من المعروف أن يعيش في نعم الله تعالى ويتركهما
стр. 561
ولا تجب النفقة مع اختلاف الدين إلا للزوجة والأبوين والأجداد والجدات والولد وولد الولد، ولا يشارك الولد في نفقة أبويه أحدٌ.
والنفقة لكل ذي رحمٍ محرمٍ إذا كان صغيراً فقيراً، أو كانت امرأةً بالغةً فقيرةً، أو كان ذكراً زمناً أو أعمى فقيراً،
ــ
يموتان جوعاً، وأما الأجداد والجدات فلأنهم من الآباء والأمهات، ولهذا يقوم الجد مقام الأب عند عدمه. هداية.
(ولا تجب النفقة مع اختلاف الدين إلا للزوجة والأبوين والأجداد والجدات والولد وولد الولد) لما مر أن نفقة الزوجة بمقابلة الاحتباس، وأما غيرها فلثبوت الجزئية، وجزء المرء في معنى نفسه، فكما لا تمتنع نفقة نفسه بكفر لا تمتنع نفقة جزئه، إلا أنهم إذا كانوا حربيين لا تجب نفقتهم على المسلم، ولو مستأمنين، لنهينا عن بر من يقاتلنا في الدين كما في الهداية (ولا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد) ، لأن لهما تأويلاً في مال الولد بالنص، ولأنه أقرب الناس إليهما. بحر. وهي على الذكور والإناث بالسوية في ظاهر الرواية، وهو الصحيح، لأن المعنى يشملهما، هداية. قال في التصحيح: وهو أظهر الروايتين عن أبي حنيفة، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، وبه يفتي، واحترز به عن رواية الحسن عن أبي حنيفة أنها بين الذكور والإناث ثلاثا. اهـ.
(والنفقة) تجب (لكل ذي رحم محرم) منه (إذا كان صغيراً فقيراً، أو كانت امرأة) ولو (بالغة) إذا كانت (فقيرة أو كان) ذو الرحم (ذكراً زمناً أو أعمى) وكان (فقيراً) لأن الصلة في القرابة القريبة واجبة دون البعيدة، والفاصل أن يكون ذا رحم محرم، وقد قال اللهتعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ وفي قراءة ابن مسعود (وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك) ثم لابد من الحاجة والصغر والأنوثة، والزمانة والعمى أمارة الحاجة لنحقق العجز، فإن القادر على الكسب غني بكسبه، بخلاف الأبوين لأنهما يلحقهما تعب الكسب والولد مأمور بدفع الضرر
стр. 562
ويجب ذلك على مقدار الميراث.
وتجب نفقة الابنة البالغة والابن الزمن على أبويه أثلاثاً: على الأب الثلثان، وعلى الأم الثلث.
ــ
عنهما، فتجب نفقتهما مع قدرتهما على الكسب. هداية. قيد بالمحرم لأن الرحم غير المحرم لا تجب نفقته كابن العم، وإن كان وارثاً، ولابد أن تكون المحرمية بجهة القرابة، ولذا قيدنا بالمحرمية بقولنا (منه) أي الرحم، فلو كان قريباً محرماً من غير جهة الرحم كابن العم إذا كان أخاً من الرضاع فإنه لا نفقة له كما في البحر عن شرح الطحاوي، (ويجب ذلك) عليهم (على قدر الميراث) لأن التنصيص على الوارث تنبيه على اعتبار المقدار، ولأن الغرم بالغنم. هداية.
(وتجب نفقة الابنة البالغة والابن الزمن) والأعمى، إذا كانوا فقراء (على أبويه أثلاثاً) على قدر ميراثهما (على الأب الثلثان، وعلى الأم الثلث) ، لأن الميراث لهما على هذا، قال في الهداية: وهذا الذي ذكره رواية الخصاف والحسن، وفي ظاهر الرواية كل النفقة على الأب، قال المحبوبي: وبه يفتي، ومشى عليه صدر الشريعة والنسفي. تصحيح.
واعلم أن مسائل هذا الباب مما تحير فيه أولو الألباب، وقد اقتحم شيخنا له ضابطا لم يسبق إليه، ولم يحم أحد قبله عليه، مأخوذ من كلامهم تصريحاً أو تلويحاً، جامعا لفروعهم جمعا صحيحا، بحيث لا يخرج عنه شاذة، ولا يغادر منها فاذة.
وحاصله أنه لا يخلو: إما أن يكون الموجود من قرابة الولاد واحدا أو أكثر والأول ظاهر، وهو أنه تجب النفقة عليه، والثاني: إما أن يكونوا فروعا فقط، أو فروعا وحواشي، أو فروعا وأصولا، أو فروعا وأصولا وحواشي، أو أصولا فقط، أو أصولا وحواشي، فهذه ستة أقسام؛ وبقي قسم سابع تتمة الأقسام العقلية وهو الحواشي فقط نذكره تتميما للأقسام وإن لم يكن من قرابة الولاد
стр. 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسم الأول والثاني: الفروع فقط والفروع مع الحواشي، والمعتبر فيهم القرب والجزئية دون الميراث، ففي ولدين لمسلم - ولو أحدهما نصرانيا أو أنثى - عليهما سوية، وفي بنت وابن ابن على البنت فقط، وفي بنت وأخت شقيقة على البنت فقط، وفي ابن نصراني وأخ مسلم على الابن فقط، وفي ولد بنت وأخ شقيق على ولد البنت؛ لترجحها بالجزئية مع التساوي في القرب، لإدلاء كل منهما بواسطة.
القسم الثالث والرابع: الفروع مع الأصول، والفروع مع الأصول والحواشي، والمعتبر فيهم الأقرب جزئية، فإن لم يوجد فالترجيح، فإن لم يوجد فالإرث، ففي أب وابن على الابن لترجحه بأنت ومالك لأبيك، وكذا الأم مع الابن. وفي جد وابن وابن على قدر الميراث أسداساً، للتساوي وعدم المرجح، والحواشي تسقط بالفروع لترجحهم بالقرب والجزئية، فكأنه لم يوجد سوى الفروع والأصول.
القسم الخامس: الأصول فقط، فإن كان فيهم أب فعليه فقط، وإلا فإما أن يكون البعض وارثا والبعض غير وارث، أو كلهم وارثين، ففي الأول يعتبر الأقرب جزئية، فإن تساووا في القرب ترجح الوارث، ففي جد لأم وجد لأب على الجد لأب فقط، لترجحه بالإرث، وفي الثاني - أعني لو كان الكل وارثين - فكلا إرث، ففي أم وجد لأب عليهما أثلاثاً في ظاهر الرواية. خانية.
القسم السادس: الأصول مع الحواشي، فإن كان أحد الصنفين غير وارث اعتبر الأصول وحدهم، فيقدم الأصل وإن كان غير الوارث، ففي جد لأم وعم على الجد، وإن كان كل منهما وارثاً اعتبر الإرث، ففي أم وأخ عصبي على الأم الثلث وعلى الأخ الثلثان، وإذا تعددت الأصول في هذا القسم بنوعيه يعتبر فيهم ما اعتبر في القسم الخامس.
القسم السابع: الحواشي فقط، والمعتبر فيهم الإرث بعد كونه ذا رحم محرم وتمامه في رسالته في النفقات
стр. 564
ولا تجب نفقتهم مع اختلاف الدين، ولا تجب على الفقير.
وإذا كان للابن الغائب مالٌ قضي عيه بنفقة أبويه، وإن باع أبوه متاعه في نفقته جاز عند أبي حنيفة، وإن باع العقار لم يجز.
وإن كان للابن الغائب مالٌ في يد أبويه فأنفقا منه لم يضمنا.
ــ
(ولا تجب نفقتهم) أي ذوي الأرحام (مع اختلاف الدين) ؛ لبطلان أهلية الإرث (ولا تجب) النفقة (على الفقير) ، لأنها تجب صلة، وهو يستحقها على غيره، فكيف تستحق عليه؟ بخلاف نفقة الزوجة وولده الصغير، لأنه التزمها بالإقدام على العقد إذ المقاصد لا تنتظم دونها، ولا يعمل في مثلها الإعسار، هداية.
قال في مختارات النوازل: إن حد اليسار هنا مقدر بالنصاب الذي تجب به صدقة الفطر، وعن محمد ما يفضل عن نفسه ونفقة عياله شهراً، والفتوى على الأول، وهكذا في الهداية، وفي الصغرى: أنه الصحيح، وبه يفتي، وعليه مشى المحبوبي. اهـ. تصحيح.
(وإذا كان للابن الغائب مال) عند مودعٍ أو مضارب أو مديون كما مر (قضي عليه) بالبناء للمجهول (بنفقة أبويه) وولده الصغير وزوجته كما مر قريباً، وبينا وجهه. (وإن باع أبوه متاعه في نفقته جاز عند أبي حنيفة) استحسانا (وإن باع العقار لم يجز) والقياس أن لا يجوز له بيع شيء، وهو قولهما، لأنه لا ولاية له، لانقطاعها بالبلوغ، ولهذا لا يملك حال حضرته، ولا يملك البيع في دين له سوى النفقة، ولأبي حنيفة أن للأب ولاية الحفظ في مال الغائب، وبيع المنقول من باب الحفظ، ولا كذلك العقار، لأنها محصنة بنفسها، قيد بالأب لأن الأم وسائر الأقارب ليس لهم بيع شيء اتفاقا، لأنهم لا ولاية لهم أصل في التصرف حالة الصغر، ولا في الحفظ بعد الكبر كما في الهداية.
(وإن كان للابن الغائب مال في يد أبويع فأنفقا منه) على أنفسهما (لم يضمنا) ما أنفقاه، لأنهما استوفيا حقهما، لأن نفقتهما واجبة قبل القضاء على ما مر، وقد أخذا جنس الحق. هداية
стр. 565
وإن كان له مالٌ في يد أجنبي فأنفق عليهما بغير إذن القاضي ضمن.
وإذا قضى القاضي للولد والوالدين وذوي الأرحام بالنفقة فمضت مدةٌ سقطت، إلا أن يأذن القاضي في الاستدانة عليه.
وعلى المولى أن ينفق على عبده وأمته، فإن امتنع وكان لهما كسبٌ اكتسبا وأنفقات على أنفسهما،
ــ
(وإن كان له) : أي للابن (مال في يد أجنبي فأنفق) الأجنبي (عليهما) : أي الأبوين (بغير إذن القاضي ضمن) ، لأنه تصرف في مال الغير بغير ولاية، لأنه نائب في الحفظ لا غير، بخلاف ما إذا أمره القاضي، لأن أمره ملزم لعموم ولايته، وإذا ضمن لا يرجع على القابض، لأنه ملكه بالضمان، فظهر أنه كان متبرعا فيه. هداية.
(وإذا قضى القاضي للولد والوالدين وذوي الأرحام بالنفقة فمضت مدة) وطالت شهراً فأكثر (سقطت) نفقة تلك المدة، لأن نفقة هؤلاء تجب كفاية للحاجة، حتى لا تجب مع اليسار، وقد حصلت الكفاية بمضي المدة، بخلاف نفقة الزوجة إذا قضى بها القاضي، لأنها تجب مع يسارها، فلا تسقط بحصول الاستغناء فيما مضى. هداية. قيدنا المدة بشهر فأكثر لما في الفتح: هذا حيث طالت المدة، فأما إذا قصرت فلا تسقط، وما دون الشهر قصيرة، فلا تسقط، قيل: وكيف لا تصير القصيرة ديناً والقاضي مأمور بالقضاء، ولو لم تصر دينا لم يكن للأمر بالقضاء بالنفقة فائدة؟ لأن كل ما مضى يسقط، فلا يمكن استيفاء شيء، اهـ (إلا أن يأذن القاضي) بعد فرض النفقة (في الاستدانة عليه) أي: على المفروض عليه؛ لأن القاضي له ولاية عامة، فصار إذنه كأمر الغائب فيصير دينا في ذمته، فلا يسقط بمضي المدة. هداية.
(و) يجب (على المولى أن ينفق على عبده وأمته) سواء في ذلك القن والمدبر وأم الولد والصغير والكبير (فإن امتنع) المولى من الإنفاق (وكان لهما كسب اكتسبا وأنفقا على أنفسهما) لأن فيه نظراً للجانبين: ببقاء حياة المملوك، وبقاء ملك المالك،