← Адаб

Адаб · id 21498

الصبح المنبي عن حيثية المتنبي

يوسف البديعي

Полный текст (934 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومعي حيثما سلكتُ كأني ... كلُّ وجه له بوجهي كفيل فإذا العذلُ في الندى زار سمعا ... فَفِداه العذولُ والمعذولُ ومَوالٍ تُحييهمُ من يديه ... نِعَمُ غيرُهم بها مقتول فرس سابقُ ورمحُ طويل ... ودِلاصُ زَغْفُ وسيفُ صقيل وأرسل إليه من بغداد قصيدة جواب كتاب ورد منه في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وهي: فهمتُ الكتابَ أبَّر الكُتُب ... فسمعاًلأمرِ أميرِ العربْ إلى أن قال:

стр. 107

وما لاقني بلدُ بعدكم ... ولا اعتضتُ من ربّ نعمايَ ربْ ومن ركب الثورَ بعد الجوا - دِ أنكر أظلافه والغَبَبْ وما قِستُ كلّ مُلوك البلاد ... فدع ذكر بعضٍ بمن في حلب ولو كنتُ سّميتُهم باسمه ... لكان الحديدَ وكانوا الخشب أفي الرأي يُشبه أم في السخا - ءَ أم في الشجاعة أم في الأدب؟ ولما عزم أبو الطيب على الرحيل من حلب، وذلك في سنة ست وأربعين وثلاثمائة لم يجد بلدا أقرب إليه من دمشق؛ لأن حمص كانت من بلاد سيف الدولة،

стр. 108

فسار إلى الشام، وألقى بها عصا تَسياره، وكان بدمشق يهودي من أهل تدمر يعرف بابن ملك من قبل كافور ملك مصر، فالتمس من المتنبي أن يمدحه، فثقل عليه، فغضب ابن ملك، وجعل كافور الإخشيدي يكتب في طلب المتنبي من ابن ملك، فكتب إليه ابن ملك: إن أبا الطيب قال: لم أقصد العبد وإن دخلت مصر فما قصدي إلا قصدي إلا ابن سيده، ونَبَت دمشق بأبي الطيب، فسار إلى الرملة، فحمل إليه أميرها الحسين بن طغح هدايا نفيسة،

стр. 109

وخلع عليه، وحمله على فرس بمركب ثقيل، وقلده سيفا محلى، وكان كافور الإخشيدي يقول لأصحابه: أترونه يبلغ الرملة ولا يأتينا؟ وأخبر المتنبي أنه واجد عليه ثم كتب كافور يطلبه من أمير الرملة، فسار إليه. وكافور هذا عبد أسود خصي مثقوب الشفة السفلى بطين قبيح القدمين ثقيل البدن لا فرق بينه وبين الأمة، وقد سئل عنه بعض بني هلال فقال رأيت أمة سوداء تأمر وتنهي، وكان هذا الأسود لقوم من أهل مصر يعرفون ببني عياش يستخدمونه في

стр. 110

مصالح السوق، وكان ابن عياش يربط في رأسه حبلا إذا أراد النوم فإذا أراد منه حاجة جذبه بالحبل لأنه لم يكن ينتبه بالصياح، وكان غلمان ابن طغج يصفعونه في الأسواق كلما رأوه فيضحك فقالوا هذا الأسود خفيف الروح، وكلموا صاحبه في بيعه فوهبه لهم، فأقاموه على وظيفة الخدمة، ومات سيده أبو بكر بن طغج وولده صغير، وتقيد الأسود بخدمته وأخذته البيعة لولد سيده، وتفرد الأسود بخدمته وخدمة والدته، فقرب من شاء وبعد من شاء فنظر الناس إليه من صغر هممهم، وخسة أنفسهم، فسابقوا إلى التقرب إليه، وسعى

стр. 111

بعضهم ببعض حتى صار الرجل لا يأمن أهل داره على أسراره، وصار كل عبد بمصر يرى أنه خير من سيده، ثم ملك الأمر على ابن سيده وأمر ألا يكلمه أحد من مماليك أبيه، ومن كلمة أتلفه، فلما كبر ابن سيده وتبين ما هو فيه جعل يبوح بما هو في نفسه في بعض الأوقات على الشراب ففزع الأسود منه، وسقاه سما فقتله، وخلت مصر له. ولما قدم أبو الطيب عليه أمر له بمنزل، ووكل به جماعة وأظهر التهمة له، وطالبه بمدحه فلم يمدحه فخلع عليه، فقال

стр. 112

أبو الطيب في سنة ست وأربعين وثلاثمائة بمصر يمدحه بقصيدته التي أولها: كفى بك داء أن ترى الموت شافياً ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا إلى آخرها، وكان وعده أن يبلغه ما في نفسه فأنشده قصيدته التي أولها: من الجآذزُ في زِيّ الأغاريبِ ... حمرَ الحليَ والمطايا والجلالبيب وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من

стр. 113

ممالكيه وهما بالسيوف والمناطق، وكان لا يجلس في مجلس كافور، فأرسل إليه من قال له قد طال قيامك يا أبا الطيب في مجلسه؛ يريد أن يعلم ما في نفسه. فقال ارتجالا: يقل له القيام على الرءوس ... وبذاُ المُكْرَماتِ منِ النفوس إذا خانتْه في يوم ضَحوك ... فكيف تكون في يوم عَبوس قلت: ينبغي التعجب! لا يرضى أبو الطيب أن ينشد قائماً عند سيف الدولة وهو على ما كان عليه، وبعد اشتهار في أقطار الأرض، ومعرفة ملوكها بفضله.

стр. 114

فعل ما سمعته. ورأيت له قصيدة ليست في ديوانه يرثى بها أبا بكر ابن طغج الإخشيد أولها: هو الزمان مُشِتُ بالذي جمعا ... في كلّ يومٍ ترى من صَرْفه بِدعَا إن شئتَ مُتْ أسفاً أو فابْقَ مضطرباً ... قد حلّ ما كنت تخشاه وقد وقعا لو كان ممتنعُ تُغْنيه مَنْعته ... لم يصنع الدهُر بالإخشيد ما صنعا وهي طويلة لم يحضرني منها إلا هذه الأبيات. وسأل أبو الطيب كافوراً أن يوليه صيداء من بلاد الشام أو غيرها من بلاد الصعيد،

стр. 115

فقال له كافور: أنت في حال الفقر وسوء الحال وعدم المعين سمت نفسك إلى النبوة فإن أصبت ولاية وصار لك أتباع، فمن يطيقك؟ ثم وقعت الوحشة بينهما، ووضع عليه العيون والأرصاد خوفاً من أن يهرب وأحس المتنبي بالشر. قال الوحيد كنت بمصر وبها أبو الطيب، ووقفت من أمره على شفا الهلاك ودعتني نفسي لحب أهل الأدب إلى أن أحثه على الخروج من مصر فخشيت على نفسي أن يشيع ذلك عني، وكان هو مستعد للهرب، وإنما فات أظافير الموت، ومخالب المنية من

стр. 116

قرب، وهو جني ذلك على نفسه، لأنه ترك مدح ابن حنزابة وهو وزير كافور، والمقرب منه، وهو مع ذلك من بيت شريف أهل وزارة ورياسة ومن العلم والأدب بموضع جليل، وهو باب الملك، فأتى من غير الباب، وأنشد القصيدة اليائية، وأولها ما يتطير منه، كيف لا ويراعتها: كفَى بك داءً أن ترى الموتَ شافيا ... وحسْبُ المنايا أن يَكُنَّ أمانياَ تمنَيتها لما تمنيت أن تّرى ... صديقا فأعيا أو عدَّوا مُذاجيا قلت: تذكرت بهذا البيت حكاية وهي ما حدث محمد بن الحسن

стр. 117

الخوارزمي قال: مررت بمحمد بن موسى الملقب بسيبويه الموسوس وهو يقول مدح الناس المتنبي على قوله: ومن نكِد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوَّا له ما مِنْ صداقته بُدُّ ولو قال ما من مداراته أو من مداجاته بد لكن أحسن وأجود قال: واجتاز المتنبي به فوقف عليه وقال أيها الشيخ أحب أن أراك، فقال له رعاك الله، وحياك، فقال له بلغني أنك أنكرت على قولي: عدوا له ما من صداقته بد فما كان الصواب عندك؟ فقال له إن الصداقة مشتقة من

стр. 118

الصدق في المودة، ولا يسمى الصديق صديقا وهو كاذب في مودته، فالصداقة إذن ضد العداوة، ولا موقع لها في هذا الموضع، ولو قلت ما من مدارته أو مداجاته لأصبت. هذا رجل منا: يريد نفسه قال: أتاني في قميص اللاذ يسعى ... عدوُّ لي يُلقب بالحبيبِ فقال المتنبي: أمع هذا غيره؟ قال نعم: وقد عَبِث الشرابُ بوجنتيه ... فصير خدَّه كَسَنَا اللهيب فقلتُ له متى استعملتَ هذا ... لقد أقبلتَ في زيّ عجيب فقال الشمس أهدتْ لي قميصا ... مليحَ اللونِ من نسج المغيب

стр. 119

فثوبي والمدامُ ولونُ خدّي ... قريبُ من قريب من قريب فتبسم المتنبي وانصرف وسيبويه يصيح عليه: أبكم الرجل وحلال الله وكأن المتنبي يذكر قول سيبويه في هذا البيت. قال الوحيد وهذا الابتداء مما تمجه الأسماع فقبح ابن حنزابه أثره، ثم لم يزل يذكر سواد كافور، ووراءه من ينبه على عيوبه كقوله في قصيدته التي أولها: إنما التهنئاتُ للأكفاءِ ... ولمن يدَّني من البُعداء

стр. 120

إلى أن قال: إنما يفخر الكريم أبو الم - سك بما يبتني من العلياء وبأيامه التي انسلخت عن - هـ وما دارُه سوى الهيجاء ويما أثّرت صوارمُه البي - ضُ له في جماجم الأعداء وبمسك يُكْني به ليس بالمس - ك ولكنه أريُج الثناء ومنها: نزلتْ إذ نزلتْهَا الدارُ في أح - سنَ منها من السنا والسناء حلّ في مَنْبت الرياحين منها ... منبتُ المكرمات والآلاء تفضحُ الشمس كلما ذَرَّت الشم - س بشمسٍ منيرة سوداءِ

стр. 121

إن في ثوبك الذي المجدُ فيه ... لَضياءً يُزري بكل ضياءَ إنما الجلد مَلْبَسُ وابيضاضُ النّ - فسِ خيرُ من ابيضاضِ القَباء كرمُ في شجاعة وذكاءُ ... في بهاء وقدرةُ في وفاء مَنْ لبيضِ الملوكِ أن تُبْدل الّلوْ - ن بلون الأستاذ والسَّجناء يا رجاءَ العيونَ في كل أرض ... لم يكن غيرَ أن أراك رجائي فكان يقول ابن حنزابة إنه هزئ بكافور في هذه الأبيات، ويسهل على الناس أمر لونه، ويحسنه له. قال الوحيد: كان المتنبي يعلم أن ذكر السواد

стр. 122

على مسامع كافور أمر من الموت فإذا ذكر لونه بعد ذلك فقد أساء إلى نفسه وعرضها للقتل والحرمان، وكان من إحسان الصنعة، وإجمال الطلب ألا يذكر لونه، وله عنه مندوحة، ولكن الرجل كان سيئ الرأي، وسوء رأيه أخرجه من حضرة سيف الدولة، وشدة تعرضه لعداوة الناس، وقد ذكر سواد كافور في عدة مواضع، وكان اللائق ألا يذكره إلا كقوله: فجاءتْ بنا إنسانَ عينِ زمانه ... وخلَّتْ خلفها ومآقيا وهذا في أعلى طبقات

стр. 123

الإحسان لكونه كني عن سواده بإنسان عين الزمان. ومن هذه القصيدة: فتىً ما سريْنا في ظُهور جدودنا ... إلى عصره إلاَّ نُرَجّي التلاقيا ومنها: أبا المسكِ ذا الوجهُ الذي كنتُ تائقا ... إليه وذا الوقتُ الذي كنتُ راجيا أبا كلّ طيب لا أبا المسكِ وحدَه ... وكلّ سحاب لا أخصُّ الغواديا يُدلُ بمعنى واحدٍ كلُّ فاخرٍ ... وقد جمع الرحمن فيك المعانيا ومن قول سامٍ لو رآك لنسله ... فِدَىَ ابن أخي نسلي ونفسي وماليا

стр. 124

قال أبو الفتح بن جني لما قرأت قوله في كافور على أبي الطيب: وما طربي لما رأيتكُ بِدعة ... لقد كنُت أرجو أن أراك فأطربُ فقلت له لم تزد على أن جعلته أبازنة، فضحك أبو الطيب، فإنه بالذم أشبه منه بالمدح، وبعد هذا البيت: وتَعْذُلني فيك القوافي وهَّمتي ... كأنِّي بمدحٍ قبل مدحِكَ مذنبُ ومن هذه القصيدة: وأخلاقُ كافور إذا شئتُ مدحَه ... وإن لم أشأ تُملي علىَّ وأكتبُ

стр. 125

إذا ترك الإنسانُ أهلا وراءه ... ويميمَّ كافوراً فما يتغربُ ومنها: إذا ضربتْ في الحرب بالسيفِ كفُّه ... تبيّنتَ أن السيفَ بالكفّ يضربُ تزيدُ عصاياه على اللَّبث كثرةً ... وتلبثُ أمواهُ السحابِ فَتَضُبُ أبا المسكِ هل في الكأس فضلُ أنا له ... فإني أُغني منذ حين وتشرب وهبتَ على مقدار كفَّىْ زماننا ... ونفسي على مقدار كفَّيْكَ تطلب

стр. 126

إذا لم تَنُطْ بي ضَيْعةً أو ولايةً ... فجودُك يكسوني وشغلُك يسلب يضاحكُ في ذا العيدِ كلُّ حبيبَه ... حذائي وأبكي مَنْ أُحبُّ وأندب أحِنُّ إلى أهلي وأهوى لقاءهْم ... وأين من المشتاق عَنْقاء مُغرِبُ فإن لم يكن إلاّ أبو المِسك أوْهُمُ ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذبُ إلى أن قال في أثنائها: وأظلمُ أهلِ الظلمِ من بات حاسداً ... لمن بات في نعمائه يتقلبُ وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان أحدهما أن المنعم يحسد المنعم عليه، وكذلك ورد قوله في كافور:

стр. 127

فإن نلتُ ما أملتُ منك فربما ... شربت بماءٍ يُعجز الطيرَ ورِدُه فإنه إذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه بالذم أولى منه بالمدح؛ لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد، وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية، وقد أجيبت بلفظ رب التي معناها التقليل أي لست من نوالك على يقين، فإن نلته فقد وصلت إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده. وكثيراً ما يقصد المتنبي هذا القسم في كافورياته كقوله: عدُّوك مذمومُ بكلّ لسانِ ... ولو كان من أعدائك القمران

стр. 128

ولله سرَّ في عُلاك وإنما ... كلامُ العدا ضربُ من الهذيان إلى أن قال في أواخرها: قضى الله يا كافورُ أنكَ أولُ ... وليس بقاضٍ أن يُرى ثانِ فما لكَ تختار القِسِيّ وإنما ... عن السعد يرمي دونك الثقلانَ وما لك تُعني بالأسنة والقنا ... وجلدُّك غنيّ عنه بالحَدَثانَ وهذا مما يدل على براعة البليغ وقدرته على المعاني، ومثله ورد في الحديث النبوي من كلام النبوة الأولى " إذا لم تستحي فاصنع

стр. 129

ما شئت " فهذا الحديث على معنين ضدين ومثله قول الفرزدق: إذا جعفر مرتْ على هضبْة الحمى ... فقد أخْزَت الأحياء منها قبورُها فإنه يدل أيضاً على معنيين: أحدهما ذم الأموات، والآخر مدح الأموات. وقوله أيضاً في كافور: فدِىٍ لأبي المسك الكرامُ فإنها ... سوابقُ خيل يهتدين بأدهم أَغرَّ بمجدٍ قد شخصن وراءه ... إلى خُلُق رَحْب، وخَلْقِ مُطهَّم ومن رام معرفة مراد أبي الطيب في هذين البيتين فعليه

стр. 130

بقول ابن الرومي وهو: هم الغرةُ البيضاءُ من آل مُصْعَبٍ ... وهُمْ بقعةُ التحجيل والناسُ أدْهم وكان أبو الطيب يأنس بمصر بفاتك الإخشيدي المعروف بالمجنون، ومدحه بالقصيدة التي أولها: لا خيلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ ... فَلْيُسْعد النطقُ إن لمُ تُسْعد الحالُ وَاجْز الأميرَ الذي نعماه فاجئهُ ... بغير قول ونُعمى الناس أقوال فتوفي فاتك ورثاه المتنبي وهجا كافورا بقصيدة أولها: الحزنُ يُقلق والتجمّلُ يَرْدع ... والدمعُ بينهما عصّى طّيُعِ ومنها:

стр. 131

تصفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافلٍ ... عما مضى فيها وما يتُوقع ومنها: كنا نظنُّ ديارَه مملوءةً ... ذهباً فمات وكل دار بلقعُ المجد أخسرُ والمكارمُ صفقةً ... من أن يعيش لها الكريم الأروع ومنها: يا منُ يُبدلّ كلَّ يوم حُلةً ... أنيَّ رضيتَ بحُلةٍ لا تُنزغ لازلتَ تخلعها على من شاءها ... حتى لبستَ اليوم مالا يُخلع ومنها: مَنْ للمحافلِ والجحافل والسُّرى ... فَقَدتْ بفقدكَ نيّراً لا يَطُلع

стр. 132

ومن اتخذت على الصفوف خليفةً ... ضاعوا ومثلكُ لا يكاد يُضيّع قبحاً لوجهك يا زمانُ فإنه ... وجهُ له من كل لؤم بُرقُع أيموتُ مثلُ أبي شجاع فاتكِ ... ويعيشُ حاسُده الخصُّي الأوكُع وله فيه أيضاً من قصيدة قالها بعد رحيله من مصر وهي: من لا تشابههُ الأحياءُ في شِيتمِ ... أمسى تُشابهُه الأمواتُ في الرّمَمَ عَدِمْتُه وكأني سرتُ أطلبه ... فما تَزيدنَي الدنيا على العَدَم

стр. 133

ما زلت أضْحك إبليْ كلّما نظرتْ ... إلى مَن اختضبتْ أخفافُها بِدَم أُسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهدُ فيها عِفَّة الصنم حتى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي ... المجدُ للسيف ليس المجدُ للقلم أكتبْ بنا أبداً بعد الكتابِ به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم أسمعتني ودوائي ما أشرتِ به ... فإن غفلتُ فدائي قلةُ الفَهَمِ من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كلَّ سؤال عن هلٍ بِلَمِ وآخر ما مدح به كافوراً قصيدته التي أولها:

стр. 134

مُنَّى كُنّ لي أن البياضَ خِضابُ ... فَيخْفي بتبيض القرون شبابُ لياليَ عند البيض فَوْداي فتنةُ ... وفخرُ وذاك الفخرُ عنديَ عابُ فكيف أذمّ اليوم ما كنتُ أشتهي وأدعو بما أشكوه حين أجاب جلا اللونُ عن لونٍ هَدَى كلَّ مسلكٍ ... كما انجاب عن ضوء النهار ضباب وفي الجسم نفسًُ لا تشيبُ بشيبه ... ولو أن ما في الوجه منه حِراب لها ظُفُرُ إنْ كلَّ ظُفْرُ أُعِدُّه ... ونابُ إذا لم يبقَ في الفم ناب

стр. 135

يُغيّر مني الدهرُ ما شاء غيرَها ... وأبلغ أقصى العُمْرِ وهْي كَعاب وإني لنجمُ تهتدي صُحبّي به ... إذا حال من دون النجوم سَحاب غنيّ عن الأوطان لا يستفزني ... إلى بلدٍ سافرتُ عنه إياب ومنها: وهل نافعي أن تُرفعَ الحُجْبُ بيننا ... ودونَ الذي أمَّلتُ منكَ حجابُ أقلُّ سلامي حبَُّ ما خفَّ عنكمُ ... وأسكتُ كيما لا يكونَ جواب وفي النفس حاجاتهُ وفيك فطانةُ ... سكوتي بيانُ عندها وخطاب وانقطع أبو الطيب بعد إنشاد هذه القصيدة لا يلقى الأسودَ إلاَّ أن

стр. 136

يركب فيسير معه في الطريق، وعمل على الرحيل، وقد أعدّ كلَّ ما يحتاج إليه على ممر الأيام بلطف ورفق، ولا يعلم به أحد من غلمانه، وهو يظهر الرغبة في المقام، وطال عليه التحفظ، فخرج ودفن الرماح في الرمال، وحمل الماء على الإبل لعشر ليال، وتزود لعشرين، وقال في يوم عرفة من سنة خمسين وثلاثمائة قبل سيره من مصر بيوم: عيدُ بأيّة حالٍ عُدْتَ يا عيدُ ... بما مضى أمِ لأمر فيكَ تجديدُ ومنها: إني نزلتُ بكذابين ضيفُهمُ ... عن القرى وعن التَّرحال محدودُ

стр. 137

جودُ الرجالِ من الأيدي وجودُهمُ ... من اللسانِ فلا كانوا ولا الجودُ ومنها: أكلما اغتال عبدُ السوءِ سيده ... أو خانه فله في مصرَ تمهيدُ صار الخَصيُّ إمامَ الآبقين بها ... فالحرُّ مستعَبدُ والعبدُ معبود وآخرها: أولى اللثامِ كُوَيفيرُ بمعذرِة ... في كل لؤم وبعضُ العذرِ تَفْنيدُ وذاك أنَّ الفحولَ البيضَ عاجزةُ ... عن الجميل فكيف الخصية السود

стр. 138

وفي يوم العيد سار من مصر هارباً، وأخفى طريقه، فلم يؤخذ له أثر، حتى قال بعض أهل البادية: هبه سار فهل محا أثره؟ وقال بعض المصريين إنما عمل طريقاً تحت الأرض، وتبعته البادية والحاضرة من سائر الجوانب، وبذل كافور في طلبه ذخائر الرغائب، وكتب إلى عماله في سائر أعماله، ودخل أبو الطيب إلى موضع يعرف بنخل بعد أيام، وسار حتى قرب من النقاب فرأى رائدين لبني سليم على قلوصين، فركب الخيل، وطردهما، حتى أخذهما، فذكروا له أن أهلها

стр. 139

أرسلوهما رائدين، فاستبقاهما ورد عليهما القلوصين وسلاحهما، وسارا معه حتى توسط بيوت بني سليم آخر الليل، فضرب له ملاعب خيمة بيضاء، وذبح له، وسار إلى النقيع، فنزل ببادية معن، فذبح له، وسار إلى أن دخل حسمي، وهي أرض كثيرة النخل، وطابت له حسمي، فأقام بها شهراً، وكان نازلاً بها عند وردان بن ربيعة الطائي، فاستغوى عبيده، وأجلسهم مع امرأته، فكانوا يسرقون له الشيء بعد الشيء من رحله. وكاتب الأسود سائر قبائل العرب في طلبه، وظهر لأبي الطيب فساد عبيده، وكان

стр. 140

وردان الطائي يرى عند أبي الطيب سيفاً مستوراً، فسأله أن ينظره، فأبى، لأنه كان على قائمته مائة مثقال من الذهب، وكان السيف ثميناً، فجعل الطائي يحتال على العبيد بامرأته، طمعاً في السيف، لأن بعضهم أعطاه خبره، فلما أنكر أبو الطيب أمر العبيد، ووقف على مكاتبة الأسود، ترك عبيده نياماً، وتقدم إلى الجمال فشد عليها أسبابه، وسار والقوم لا يعلمون برحيله، وطرح عبيده على الإبل وهم لا يعلمون، وأخذ في المسير، وأخذ بعض العبيد السيف في الليل، فدفعه

стр. 141

إلى عبد آخر مع فرسه، وجاء ليأخذ فرس أبي الطيب، فتنبه له، فقال الغلام: أخذ العبد الفرس يغالطه، وعدا نحو الفرس ليقعد في ظهره فالتقى هو وأبو الطيب عند الحصان، وسل العبد السيف فضرب رسنه، وضرب أبو الطيب وجه العبد، وأمر الغلمان بقتله، وكان هذا العبد أشد من معه وأفرس، فقال أبو الطيب القطعة التي أولها: أعددت للغادرين أسيافاً ... أجدع منهم بهن آنافا وقال أيضاً يهجو وردان: إن تك طَيّئ كانت لئاما ... فألأمها ربيعةُ أو بنوةُ وإن تك طيئ كانت كراما ... فَوَرْدانُ لغيرهمُ أبوهُ

стр. 142

مرَرْنا منه في حِسْمَي بعبدٍ ... يَمُجُّ اللؤمَ مَنْخِرهُ وَفُوهُ أشذّ بِعِرسه عني عبيديً ... فأتلفهم وماليَ أتلفوهُ فإن شَقِيتْ بأيديهم جِيادي ... لقد شقيتْ بِمُنصُلي الوجوهُ ثم لما توسطه بسيطة وهي أرض تقرب من الكوفة، رأى بعض عبيده ثوراً يلوح فقال هذه منارة الجامع، ونظر آخر إلى نعامة فقال هذه نخلة، فضحك أبو الطيب وضحكت البادية التي كانت معه وقال: بسيطة مهلاً سُقيتِ القِطارا ... تَركْت عيونَ عبيدي حَيارَي

стр. 143

فظنوا النعام عليك النخيلَ ... وظنوا الصُّوار عليك المنارَا وأمسك صحبي بأكوارهم ... وقد قَصَد النومُ فيهم وحارَا وسار أبو الطيب حتى دخل الكوفة في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، ونظم المقصورة التي أولها: الأكل ماشيةِ الخيْزلَي ... فِدَى كلّ ماشيةِ الهَيذبَي وصف فيها مسيرة عن مصر، وذكر المنازل التي قطعها، وهجا كافورا، وعرض بجعفر بن الفرات، ثم توجه إلى مدينة السلام. أبو الطيب في مدينة السلام قال أبو علي الحاتميّ: كان أبو الطيب عند

стр. 144

وروده مدينة السلام، قد التحف برداء الكبر والعظمة، يخيل له أن العلم مقصور عليه، وأن الشعر لا يغترف عذبه غيره، ولا يقطف نواره سواه، ولا يرى أحداً إلا ويرى لنفسه مزية عليه؛ حتى إذا تخيل أنه نسيج وحده، وأنه مالك رق العلم دون غيره، وثقلت وطأته على أهل الأدب بمدينة السلام، وطأطأ كثير منهم رأسه، وخفض جناحه، واطمأن على التسليم جأشه، وتخيل أبو محمد المهلبي أنه لا يتمكن أحد من مساجلته ومقارعته، ولا يقوم لمجادلته، والتعلق

стр. 145

بشيء من مطاعنة، وساء معز الدولة أن يرد على حضرته رجل صدر عن حضرة عدوه، ولم يكن بمملكته أحد يماثله فيما هو فيه، ولا يساويه في منزلته يبدي لهم عواره ويكفي آثاره، ويهتك أستاره ويمزق جلابيب مساويه، فتوخيت أن يجمعنا مجلس أجرى أنا وإياه في مضمار ليعرف السابق من المسبوق فلما لم يتفق ذلك قصدت مجلسه فوافق مصيري إليه حضور جماعة يقرءون عليه شيئاً من شعره فحين استؤذن لي نهض من
следующие страницы →