Полный текст (934 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
إلى عبد آخر مع فرسه، وجاء ليأخذ فرس أبي الطيب، فتنبه له، فقال الغلام: أخذ العبد الفرس يغالطه، وعدا نحو الفرس ليقعد في ظهره فالتقى هو وأبو الطيب عند الحصان، وسل العبد السيف فضرب رسنه، وضرب أبو الطيب وجه العبد، وأمر الغلمان بقتله، وكان هذا العبد أشد من معه وأفرس، فقال أبو الطيب القطعة التي أولها:
أعددت للغادرين أسيافاً ... أجدع منهم بهن آنافا
وقال أيضاً يهجو وردان:
إن تك طَيّئ كانت لئاما ... فألأمها ربيعةُ أو بنوةُ
وإن تك طيئ كانت كراما ... فَوَرْدانُ لغيرهمُ أبوهُ
стр. 142
مرَرْنا منه في حِسْمَي بعبدٍ ... يَمُجُّ اللؤمَ مَنْخِرهُ وَفُوهُ
أشذّ بِعِرسه عني عبيديً ... فأتلفهم وماليَ أتلفوهُ
فإن شَقِيتْ بأيديهم جِيادي ... لقد شقيتْ بِمُنصُلي الوجوهُ
ثم لما توسطه بسيطة وهي أرض تقرب من الكوفة، رأى بعض عبيده ثوراً يلوح فقال هذه منارة الجامع، ونظر آخر إلى نعامة فقال هذه نخلة، فضحك أبو الطيب وضحكت البادية التي كانت معه وقال:
بسيطة مهلاً سُقيتِ القِطارا ... تَركْت عيونَ عبيدي حَيارَي
стр. 143
فظنوا النعام عليك النخيلَ ... وظنوا الصُّوار عليك المنارَا
وأمسك صحبي بأكوارهم ... وقد قَصَد النومُ فيهم وحارَا
وسار أبو الطيب حتى دخل الكوفة في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، ونظم المقصورة التي أولها:
الأكل ماشيةِ الخيْزلَي ... فِدَى كلّ ماشيةِ الهَيذبَي
وصف فيها مسيرة عن مصر، وذكر المنازل التي قطعها، وهجا كافورا، وعرض بجعفر بن الفرات، ثم توجه إلى مدينة السلام.
أبو الطيب في مدينة السلام
قال أبو علي الحاتميّ: كان أبو الطيب عند
стр. 144
وروده مدينة السلام، قد التحف برداء الكبر والعظمة، يخيل له أن العلم مقصور عليه، وأن الشعر لا يغترف عذبه غيره، ولا يقطف نواره سواه، ولا يرى أحداً إلا ويرى لنفسه مزية عليه؛ حتى إذا تخيل أنه نسيج وحده، وأنه مالك رق العلم دون غيره، وثقلت وطأته على أهل الأدب بمدينة السلام، وطأطأ كثير منهم رأسه، وخفض جناحه، واطمأن على التسليم جأشه، وتخيل أبو محمد المهلبي أنه لا يتمكن أحد من مساجلته ومقارعته، ولا يقوم لمجادلته، والتعلق
стр. 145
بشيء من مطاعنة، وساء معز الدولة أن يرد على حضرته رجل صدر عن حضرة عدوه، ولم يكن بمملكته أحد يماثله فيما هو فيه، ولا يساويه في منزلته يبدي لهم عواره ويكفي آثاره، ويهتك أستاره ويمزق جلابيب مساويه، فتوخيت أن يجمعنا مجلس أجرى أنا وإياه في مضمار ليعرف السابق من المسبوق فلما لم يتفق ذلك قصدت مجلسه فوافق مصيري إليه حضور جماعة يقرءون عليه شيئاً من شعره فحين استؤذن لي نهض من
стр. 146
مجلسه ودخل بيتاً إلى جانبه، ونزلت عن بغلتي وهو يراني، ودخلت إلى مكانه، فلما خرج إلي نهضت إليه فوفيته حق السلام غير مشاح له في ذلك، وكان سبب قيامه من مجلسه لئلا يقوم لي عند الدخول إليه ولبس سبعة أقبية ملونة وكان الوقت أحر ما يكون من الصيف وأحق بتخفيف اللبس فجلس وأعرض عني ساعة لا يعيرني طرفاً، ولا يكلمني حرفاً، فكدت أتميز غيظاً، وأقبلت أستخف رأيي في قصده، وأعاتب نفسي في التوجه إلى مثله، وهو
стр. 147
مقبل على تكبره ملتفت إلى الجماعة الذين بين يديه وكل واحد منهم يومي إليه، ويوحي بطرفه، ويشير إلى مكاني، ويوقظه من ستة جهله ويأبى إلا ازوراراً ونفاراً جرياً على شاكلة خلقه، ثم توجه إلي فوالله ما زادني على قوله: أي شيء خبرك؟ فقلت ما جنيته على نفسي من قصدك وكلفت قدمي من السعي إلى مثلك، ثم انحدرت عليه انحدار السيل وقلت أبن لي عافاك الله ما الذي يوجب ما أنت عليه من العظمة والكبرياء؟ هل هنا نسب يورثك الفخر، أو شرف
стр. 148
توجت به دون أبناء الدهر، أو علم، أصبت فيه علماً يقع الإيماء إليه، أو مورد تقف الهمم عليه؟ وهل أنت إلا وتد بقاع في أشر البقاع؟ وإني لأسمع جعجعة ولا طحن فامتقع لونه، وجعل يعتذر عن جنايته، وأقول له يا هذا إذا أتاك شريف في نسبه تجاهلت عليه، أو عظيم في أدبه صغرت قدره، أو مقدم عند سلطانه لم تعرف موضعه، هل العز تراث لك دون غيرك؟ كلا والله، ولكنك مددت الكبر سترا، رواقا دون جهلك، فعاد إلى الاعتذار وأخذت الجماعة في تليين جانبي، والرغبة
стр. 149
في قبول عذره وإعمال مياسرته ومسامحته، ويحلف بالله أنه لم يعرفني فأقول: يا هذا ألم يستأذن عليك باسمي ونسبي؟ أما كان في هؤلاء الجماعة من يعرفك بي إن كنت جهلتني؟ وهب كان ذلك ألم ترتحتي بغلة رائعة يعلوها مركب ثقيل، وبين يدي عدة غلمان؟ أما شاهدت لباسي أما شممت نشري أما راعك شيء من أمري أتميز به عن غيري؟ وهو خافض جناح الذل، وقد زال عنه ما كان فيه وأقبل على، وأقبلت عليه.
ثم قلت له يا هذا يختلج في نفسي أشياء من شعرك أريد أن أسألك
стр. 150
عنها، وأراجعك فيها. قال وما هي؟ قلت أخبرني عن قولك:
إذا كان بعضُ الناس سيفاً لدولةٍ ... ففي الناسِ بُوقاتُ لها وطُبول
أهكذا تمدح الملوك؟ وعن قولك:
خف الله واستر ذا الجمالَ ببرقع ... فإن لُحتَ حاضتْ في الخدور العواتقً
أهكذا يتشبب بالمحبوب؟ وعن قولك:
ولا مَن في جَنازتها تِجارُ ... يكون وداعُها نفضَ النّعالِ
أهكذا رثاء أحت الملك؟ والله لو قلت هذا في أدنى عبيدها لكان قبيحا، وعن قولك:
стр. 151
سلام الله خالقنا حَنوطا ... على الوجه المكفن بالجمال
أما استحييت من سيف الدولة؟ عن قولك في هجاء ابن كيغلغ:
وإذا أشار مُحّدثاً فكأنه ... قردُ يُقهقهُ أو عجوزُ تلطمُ
أما كان في أفانين الهجاء التي تصرفت فيها الشعراء مندوحة عن هذا الكلام الذي تنفر عنه الأسماع، ويمجه كل طبع. وأخبرني أيضاً عن قولك في صفة الكلب:
فصار ما في جلده في المرجل ... ولم يَضرناْ معه فقدُ الأجدل
أي شيء أعجبك من هذا الوصف؟
стр. 152
أعذوبة عبارته أم لطف معناه؟ أما قرأت رجز الحسن بن هانئ وطردية ابن المعتز أما كان في المعاني التي ابتدعها هذان الشاعران ما تتشاغل به عن بنيات فكرك من اللفظ اللئيم؟ وعن قولك:
أرقُ على أرقٍ ومثليَ يَأرق ... وجَوىً يزيدُ وعبرةُ تترقرقُ
أهكذا تكون الافتتاحات؟ وعن قولك:
أحبُّك أو يقولوا جرّ نملُ ... ثَبيِراً وابن رِيعا
أهكذا تكون المخالص؟ وعن قولك:
стр. 153
فقلقلْت بالهمّ الذي قلقل الحشا ... قلاقلَ عيِسى كلهن قلاقلُ
قال أبو علي الحاتمي فأقبل على وقال أين أنت من قولي؟
كأن الهامِ في الهيجا عيونُ ... وقد طُبِعتْ سيوفُك من رُقاد
وقد صُغتَ الأسَنة من هُموم ... فما يَخْطُرْنَ إلاَّ في فؤاد
وأين أنت من قولي في وصف جيش:
في فيلق من حديد لو قذفت به ... صَرْفَ الزمان لما دارتْ دوائرُهُ
وأين أنت من قولي؟:
لو تَعقِل الشجرُ التَّي قابلتهاَ ... مدّتُْ مَحييِةً إليكَ الأغْصُنا
стр. 154
ومن قولي أيضاً:
أينفع في الخيمة العُذَّلُ ... وتشملُ مَنْ دَهَره يَشمَلُ
وما اعتمدَ اللهُ تَقْويضَها ... ولكن أشارَ بما تَفْعَلُ
وقولي فيها أيضاً:
وملمومةُ زَرَدُ ثوبُها ... ولكنه بالقنا مُخْملُ
وأين أنت من قولي؟
الناسُ ما لم يَرَوْك أشباهُ ... والدهرُ لفظُ وأنت معناه
وأين أنت من قولي؟
وما شَرقي بالماء إلاّ تذكراً ... لماء به أهلُ الحبيب نزولُ
стр. 155
يُحرمه لمعُ الأسنةِ فوقه ... فليس لظمآن إليه سبيلُ
أما يكفيك إحساني في هذه وتغفر إساءتي في تلك؟ قلت: ما أعرف لك إحساناً في جميع ما ذكرت، وإنما أنت سارق متبع، وآخذ مقصر وفيما تقدم عن المعاني مندوحة عن التشاغل بها.
فأما قولك:
كأن الهام في الهيجا عيونُ ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صُغتَ الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد
فمنقول من منصور النمري:
стр. 156
فكأنما وَقْعُ الحُسامِ بهامه ... خَدَرُ الأسنة أو نُعاسُ الهاجع
وأما قولك:
في فيلق من حديد لو قذفت به ... صرفَ الزمان لما دارت دوائره
فإنما نقلته نقلاً لم تحسن فيه، وهو قول الناجم:
ولي في أحمد أملُ بعيدُ ... ومدحُ قد مدحتُ به طريفُ
مديحُ لو مدحتُ به الليالي ... لما دارتْ علىّ لها صروفُ
والناجم نقله من قول أرسطو وهو: قد تكلّمت بكلام لو مدحت به الدهر لما دارت علىّ صروفه.
وأما قولك:
стр. 157
لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدّتْ مُحَيَّيةً إليكَ الأغصنا
فهذا معنى مبذول قد تجاذبته الشعراء، وأول من نطق به الفرزدق بقوله:
يكاد يُمسكه عِرفانَ راحتهِ ... ركنُ الحطيم إذا ما جاءَ يَستلمُ
ثم تكرر على ألسنة الشعراء، إلى أن قال أبو تمام:
لو سعتْ بقعةُ لإعظام أخرى ... لَسَعى نحوَها المكانُ الجديبُ
وأخذ هذا المعنى البحتري، فقال:
ولَوَ إن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وُسْعه لَسعى إليك المنِيرُ
وأما قولك:
стр. 158
وما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل.
فهذا مأخوذ من قول رحل مدح بعض أمراء الموصل، وقد عزم على المسير، فاندق لواؤه فقال:
ما كان مُندقُّ اللواءِ لريبةِ ... تُخشى ولا أمر يكون مرتلا
إلاَّ لأن العودَ صغرّ متنهَ ... صِغَرُ الولاية فاستقل الموصلا
وأما قولك:
الناس ما لم يَرَك أشباه ... والدهر لفظُ وأنت معناه
فمنقول من قول منصور بن بسام
стр. 159
قد استوى الناسُ وماتَ الكمالْ ... وصاحَ صرفُ الدهرِ أين الرجالْ
هذا أبو العباسِ في نَعْشهِ ... قوموا انظروا كيف تسير الجبالْ
وأما قولك:
وملمومة زردُ ثوبهاُ ... ولكنه بالقنا مُخمَلُ.
فمنقول من قول أبي نواس:
أمامَ خَميِس أُرجُوان كأنُه ... قميصُ مَحوكُ من قَناً وجياد
وقال بعض الحاضرين ما أحسن قوله: قوموا انظروا كيف تسير الجبال! فقال أبو الطيب اسكت ما فيه من حسن إنما سرقة من قول النابغة وهو:
стр. 160
يقولون حِصنُ ثم تأبى نفوسُهم ... وكيف بحصن والجبال جُنوح
قال الحاتمي وأما قولك: " والدهر لفظُ وأنتَ معناه " فمنقولُ من الأخطل وهو:
وإن أمير المؤمنين وفعله ... لك الدهر لا عارُ بما فعل الدهرُ
ثم قلتُ له: أتراه أخذه من أحد؟ فأطرق هنية ثم قال: ما تصنع بهذا؟ قلت ليستدل به على موضعك وموضع أمثالك من سرقة الشعر. فقال الله أكبر، سأفهمك، ثم قال: ألا قلت بل أخذه من قول النابغة
стр. 161
الذبياني: وهو أول من ابتكره، فقال:
وعيرتْني بنو ذُبيانَ خشيتَه ... وهل علىَّ بأنْ أخشاه منْ عارِ
أخذه أبو تمام فقال وأجاد:
خَشَعوا لصولتك التي هي فيهمُ ... كالموت يأتي ليس فيه عارُ
وأما قولك:
وما شَرَقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول
يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه وصولُ
فهو من قول عبد الله بن دارة.
ألم تعلمي يا أحسنَ الناس أننَّي ... وإن طال هجري في لقائكِ جاهدُ
стр. 162
فلا تعذُلينا في التنائي فإننا ... وإياكِ كالظمآن والماءُ بارد
يراه قريباً دانيا غير أنه ... تحول المنايا دونَه والمرَاصِدُ
فقال أبو الطيب: ألست القائل:
ذي المعالي فليعلونْ من تعالى ... هكذا هكذا وإلاّ فلا لا
شرفُ ينطح النجومَ بِرَوقَيْ - هـ وعز يُقلْقل الأجبالا قلت بل أخذت البيت الأول من بكر بن النطاح:
يتلقى الندى بوجه حَييَّ ... وصدورَ القنا بوجه وَقاح
стр. 163
هكذا هكذا تكون المعالي ... طُرُق الجِدّ غيرُ طُرْقِ المُزاح
وأخذت الثاني من بيت أبي تمام وأفسدته.
همةُ تنطَحُ النجومَ وحَظُ ... آلفُ للحضيض فهو حَضيِضُ
قال: فأي شيء أفسدته؟ قلت: جعلت لشرف الرجل قرنا. قال هي استعارة. قلت: استعارة خبيثة. قال: أقسمت بالله إني لم أقرأ شعراً قط لأبي تمامكم. فقلت: هذه سوءة لو سترتها كان أولى. قال: السوءة قراءة شعر مثله، أليس هو القائل؟:
стр. 164
خَشُنْتِ عليه أختَ بني الخُشينِ ... وأنجحَ فيكِ قولُ العاذِلَيْنِ
وهو الذي يقول:
تسعون ألفاً كآساد الشَّرَى نَضِجتْ ... جُلُودها قبل نُضجِ التين والعنب
وهو الذي يقول:
أقول لقُرحانٍ من البَينِ لم يُصِبْ ... رَسيسَ الهوى بين الحَشاَ والترائب
ما قرحان البين؟ أخرس الله لسانه! فقلت له: يا هذا، قد كذبت نفسك، هذا من أدل الدليل على أنك قد قرأت شعر الرجل، بتتبعك مساويه، ثم قلت: يتسم أبو تمام بميسم النقيصة وهو الذي يقول:
نوالكُ ردّ حُسادي فُلولا
стр. 165
.. وأصلح بين حُسادي وبيني
هلا اعتبرت البيت بهذا البيت الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله؟ وأما قوله تسعون ألفا. . . البيت، فله خبر لو عرفته وتقصيته، لما قلت ما قلتثم قصصت عليه سبب إيراده. ثم قلت له وفي هذه القصيدة ما لا يستطيع أحد من متقدمي الشعراء، وأمراء الكلام وأرباب الصناعة أن يأتي بمثله. قال وما هو؟ قلت لو قال قائل لم يبدأ أحد بأوجه ولا أحسن ولا أخصر من قوله:
السيف أصدقُ أنباءً من الكُتُبِ ... في حَدِه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
стр. 166
لما عُنّف في ذلك، وفيها يقول:
رمى بك الله بُرجَيْها فهدّمها ... ولو رمى بك غيرُ الله لم يُصبِ
وفيها:
لما رأى الحربَ رأىَ العينِ تَوْفَلسُ ... والحربُ مشتقةُ المعنى من الحَرَب
ومنها:
فتح تَفَتّحُ أبوابُ السماء له ... وتبرزُ الأرض في أثوابها القُشُبِ
غادرتَ فيهمْ بَهيِم الليلِ وهوْ ضُحى ... يَشُلُّه وسْطَها صبحُ من اللهَبِ
حتى كأن جلابيب الدجى رغبتْ ... عن لونها وكأن الشمس لم تَغبَ
أجبتَهُ معلنا بالسيفِ منصلتا ... ولو أجبتَ بغير السيف لم تُجِبِ
وأما قوله. أقول لقرحان من البين. . . البيت فإنه يريد رجلا لم يقطعه أحبابه ولم ينأوا عنه وفي هذه القصيدة من المعاني
стр. 167
الرائعة، والتشبيهات العجيبة، والاستعارات البارعة، ما يغتفر معه هذا البيت وأمثاله، فمن ذلك قوله.
إذا العيِسُ لا قتْ بي أباُ دلَفٍ فقد ... تقطَّعَ ما بيني وبين النوائب
يرى أقبحَ الأشياءِ أوْبةَ آمل ... كستْه يدُ المأمولِ حلةَ خائب
وأحسنُ من نَوْر تُفتحه الصَّبا ... بياضُ العطايا في سواد المَطالب
وقد علم الأفشيِنُ وهْو الذي به ... يُصانُ رداءُ الملكِ من كل جاذبِ
بأرشق إذ سالتْ عليهم غمامةُ ... جرتْ بالعوالي والعتاق الشوازبِ
стр. 168
بأنك لما استحنَّكَ الأمرُ واكتسىَ ... أهابيَّ تَسْفي في وجوه التجارِبِ
وفيها يقول:
ولو كان يَفني الشعرُ أفناه ما قَرَتْ ... حياضُك منه في العصور الذواهب
ولكنه فيضُ العقول إذا انجلتْ ... سحائب منه أعْقِبَتْ بسحائب
فبهره ما أوردتهُ عليه، وأمسك عنان عبارته، وحبس بنيات صدره، وعقل عن الإجابة لسانه، وكاد أن يشغب، لولا ما خاف من عاقبة شغبه ومعرفته بمكاني في تلك الأيام، وأن ذلك لا يتم له، فما زاد على أن قال: أكثرت من أبي تمام فلا قدس الله روح أبي تمام! فقلت: لا قدس الله روح السارق
стр. 169
منه، الواقع فيه! ثم قلت: ما الفرق في لغة العرب بين التقديس والقداس والقادس؟ قال: وأي شيء غرضك في هذه المذاكرة؟ بل المهاترة؟ ثم قال: التقديس: التطهير، ولذلك سمي القدس قدساً، لأنه يشتمل على الذي يكون به الطهور. وكل هذه الأحرف تئول إليه، فقلت له: ما أحسبك أمعنت النظر في كتب اللغة، وعلوم العرب، ولو تقدم منك مطالعة لها، ما جمعت بين معاني هذه الكلمات، مع تباينها؛ لأن القداس بتشديد الدال: حجر يلقى في البئر لعلم غزارة ما فيه
стр. 170
من قلته. حكى ذلك ابن الأعرابي. والقداس يشبه الجمان يعمل من الفضة حكى ذلك الخليل، واستشهد بقوله " كنظم قداس سلكه متقطع ".
والقادس: السفينة فلما علوته بالكلام قال: يا هذا، اللغة مسلمة لك، فقلت: كيف تسلمها وأنت أبو عذرتها وأولى الناس بها، وأعرفهم باشتقاقاتها والكلام على أفانينها، وما أحد أولى بأن يسأل عن غربيها منك، وشرع الجماعة يسألونني العفو عنه، وقبول عذره، وكنت بلغت شيئاً كان في صدري، وعلمت أن الزيادة على
стр. 171
الحد الذي انتهيت إليه ضربُ من الأشر والبغي، ولا أراه في مذهبي، ورأيت له حق التقدم في صناعته فطأطأت له كنفي، واستأنفت جميلا من وصفه، ونهضت، فنهض لي مشيعا إلى باب الدار، حتى ركبت وأقسمت عليه أن يعود إلى مكانه، وتشاغلت بقية يومي بشغل عن لي عن حضرة الوزير المهلبي، وانتهى إليه الخبر.
وأتت رسله ليلا، فسرت إليه، وقصصت عليه القصة بتمامها، فحصل له من السرور والابتهاج بما جرى ما بعثه على مباكرة معز الدولة، وإخباره بكل ما أخبرته.
стр. 172
وأخبرني الرئيس أبو القاسم محمد بن العباس أنه بمجرد دخوله على معز الدولة قال: أعلمت ما كان من أبي علي الخاتمي والمتنبي؟ فإنه شفي منه صدراً. قال أبو علي الحاتمي: وشاهدت من فضيلته، وصفاء ذهنه، وجودة حذقه، ما حداني على عمل الحاتمية، وتأكدت بيني وبينه الصحبة، وصرت أتردد إليه أحياناً.
قال الخالديان: كان أبو الطيب المتنبي كثير الرواية جيد النقد. ولقد حكي بعض من كان يحسده أنه كان يضع من الشعراء المحدثين؛ ويغض من البلغاء
стр. 173
الملفقين، وربما قال أنشدوني لأبي تمامكم شيئاً حتى أعرف منزلته من الشعر، فتذاكرنا ليلة في مجلس سيف الدولة بميافارقين وهو معنا، فأنشد أحدنا لمولانا أيده الله شعراً له قد ألم فيه بمعنى لأبي تمام استحسنه مولانا أدام الله تأييده فاستجاده واستعاده.
فقال أبو الطيب هذا يشبه قول أبي تمام، وأتى بالبيت المأخوذ منه المعنى، فقلنا قد سررنا لأبي تمام إذ عرفت شعره، فقال: أو يجوز للأديب ألا يعرف شعر أبي تمام، وهو أستاذ كل من قال الشعر بعده
стр. 174
فقلنا قد قيل إنك تقول كيت وكيت، فأنكر ذلك، وما زال بعد ذلك إذا التقينا ينشدنا بدائع أبي تمام، وكان يروي جميع شعره.
وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين علي غريبها، ولا يسأل عن شيء إلا استشهد بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل إن الشيخ أبا علي الفارسي قال له يوماً: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فقال له في الحال حجلي وظربي.
قال الشيخ أبو علي الفارسي: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لها ثالثاً فلم أجد. وحسبك من يقول
стр. 175
مثل أبي على في حقه ذلك. ولما استقر بدار السلام، وترفع عن مدح الوزير المهلبي ذاهباً بنفسه عن مدح غير الملوك شق ذلك على المهلبي، فأغرى به شعراء العراق، حتى نالوا من عرضه، وتباروا في هجائه، فلم يجبهم، ولم يفكر فيهم، فقيل له في ذلك فقال: إني فرغت من إجابتهم بقولي لمن هو أرفع طبقة في الشعر منهم:
أرى المتشاعرين غَرُوا بذمي ... ومَنْ ذا يحمَدُ الداء العُضالا
ومن يك ذا فمٍ مّرٍ مريضٍ ... يجدْ مُرّاً به الماءَ الزُّلالا
стр. 176
وقوله:
أفي كِلّ يوم تحت ضبِنْي شويعرُ ... ضعيفُ يقاويني قصيرُ يُطاولُ
لساني بِنطق صامتُ عنه عادلُ ... وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل
وأتعب من ناداكَ من لا تُجيبه ... وأغيظُ من عاداك من لا تُشاكل
وما التيهُ طبعي فيهمُ غيرَ أنني ... بغيضُ إلىّ الجاهلُ المتغافل
وقولي:
وإذا أتتك مِذَمّتي من ناقص ... فهي الشهادةُ لي بأني فاضل
ولما بلغ الحسن بن لنكك بالبصرة
стр. 177
ما جرى على المتنبي من وقيعة شعراء العراق فيه واستخفافهم به كقولهم فيه: أيُّ فضلٍ لشاعر يطلبُ الفض - لَ من الناس بُكرةً وعَشيِاّ عاش حيناً يبيع بالكوفة الما - ءَ وحيناً يبيع ماء المحّيا وكان ابن لنكك حاسداً له، طاعناً عليه، هاجياً إياه، زاعماً أن أباه كان يسقي الماء بالكوفة، فشمت به، وقال:
قواد لأهل زمان لا خلاق لهم ... ضلوا عن الرشدِ من جهل بهم وَعُموا
стр. 178
أعطيتمو المتنبي فوق مُنْيته ... فزوّجوه برغمٍ أمهاتِكمُ
لكن بغدادَ جاد الغيثُ ساكنهاَ ... نِعالُهم في قَفا السقاءِ تزدحمُ
ومن قوله فيه: متنبيكمُ ابنُ سقاءَ كوفا - نِيَّ ويُوحَي من الكنيف إليهِ
كان مِنْ فِيه يَسلحُ الشعرَ حتى ... سلحتْ فقحة الزمانِ عليهِ
ومن قوله فيه:
ما أوقحَ المتنبي ... فيما حكى وادعاهُ
أبيح مالاً عظيماً ... لما أباح قفاه
يا سائلي عن غِناه ... من ذاك كان عَناه
стр. 179
إنْ كان ذاك نبيا ... فالجاثَليقُ إلهُ
ثم إن أبا الطيب اتخذ الليل جملا، وفارق بغداد متوجها إلى حضرة أبي الفضل ابن العميد. قيل إن الصاحب بن عباد طمع في زيارة المتنبي إياه بأصفهان وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، وهو إذ ذاك شاب، والحال حويلة، والبحر دُجيلة، ولم يكن استوزر بعد، فكتب يلاطفه في استدعائه، ويضمن له مشاطرته جميع ماله، فلم يقم له المتنبي وزناً، ولم يجبه عن كتابه، وقيل إن المتنبي قال لأصحابه: إن غليما معطاء بالري
стр. 180
يريد أن أزوره وأمدحه، ولا سبيل إلى ذلك. فصيره الصاحب غرضاً يرشقه بسهام الوقيعة، يتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته وأحفظهم وأكثرهم استعمالا لها، وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته، وكان أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد يسمع بأخبار أبي الطيب، وكيف اشتهاره في الأقطار، وترفعه عن مدح الوزراء.
وسمع أنه خرج من مدينة السلام متوجهاً إلى بلاد فارس وكان يخاف ألا يمدحه، ويعامله معاملة المهلبي، فيتكره من ذكره، ويعرض
следующие страницы →