← Адаб

Адаб · id 21498

الصبح المنبي عن حيثية المتنبي

يوسف البديعي

Полный текст (934 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقوله: أفي كِلّ يوم تحت ضبِنْي شويعرُ ... ضعيفُ يقاويني قصيرُ يُطاولُ لساني بِنطق صامتُ عنه عادلُ ... وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل وأتعب من ناداكَ من لا تُجيبه ... وأغيظُ من عاداك من لا تُشاكل وما التيهُ طبعي فيهمُ غيرَ أنني ... بغيضُ إلىّ الجاهلُ المتغافل وقولي: وإذا أتتك مِذَمّتي من ناقص ... فهي الشهادةُ لي بأني فاضل ولما بلغ الحسن بن لنكك بالبصرة

стр. 177

ما جرى على المتنبي من وقيعة شعراء العراق فيه واستخفافهم به كقولهم فيه: أيُّ فضلٍ لشاعر يطلبُ الفض - لَ من الناس بُكرةً وعَشيِاّ عاش حيناً يبيع بالكوفة الما - ءَ وحيناً يبيع ماء المحّيا وكان ابن لنكك حاسداً له، طاعناً عليه، هاجياً إياه، زاعماً أن أباه كان يسقي الماء بالكوفة، فشمت به، وقال: قواد لأهل زمان لا خلاق لهم ... ضلوا عن الرشدِ من جهل بهم وَعُموا

стр. 178

أعطيتمو المتنبي فوق مُنْيته ... فزوّجوه برغمٍ أمهاتِكمُ لكن بغدادَ جاد الغيثُ ساكنهاَ ... نِعالُهم في قَفا السقاءِ تزدحمُ ومن قوله فيه: متنبيكمُ ابنُ سقاءَ كوفا - نِيَّ ويُوحَي من الكنيف إليهِ كان مِنْ فِيه يَسلحُ الشعرَ حتى ... سلحتْ فقحة الزمانِ عليهِ ومن قوله فيه: ما أوقحَ المتنبي ... فيما حكى وادعاهُ أبيح مالاً عظيماً ... لما أباح قفاه يا سائلي عن غِناه ... من ذاك كان عَناه

стр. 179

إنْ كان ذاك نبيا ... فالجاثَليقُ إلهُ ثم إن أبا الطيب اتخذ الليل جملا، وفارق بغداد متوجها إلى حضرة أبي الفضل ابن العميد. قيل إن الصاحب بن عباد طمع في زيارة المتنبي إياه بأصفهان وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، وهو إذ ذاك شاب، والحال حويلة، والبحر دُجيلة، ولم يكن استوزر بعد، فكتب يلاطفه في استدعائه، ويضمن له مشاطرته جميع ماله، فلم يقم له المتنبي وزناً، ولم يجبه عن كتابه، وقيل إن المتنبي قال لأصحابه: إن غليما معطاء بالري

стр. 180

يريد أن أزوره وأمدحه، ولا سبيل إلى ذلك. فصيره الصاحب غرضاً يرشقه بسهام الوقيعة، يتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته وأحفظهم وأكثرهم استعمالا لها، وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته، وكان أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد يسمع بأخبار أبي الطيب، وكيف اشتهاره في الأقطار، وترفعه عن مدح الوزراء. وسمع أنه خرج من مدينة السلام متوجهاً إلى بلاد فارس وكان يخاف ألا يمدحه، ويعامله معاملة المهلبي، فيتكره من ذكره، ويعرض

стр. 181

عن سماع شعره. قال الربعي: قال لي بعض أصحاب ابن العميد: قال دخلت عليه يوماً قبل دخول المتنبي فوجدته واجماً، وكانت قد ماتت أخته عن قريب، فظننته واجداً لأجلها، فقلت لا يحزن الله الوزير. فما الخبر؟ قال: إنه ليغيظني أمر هذا المتنبي، واجتهادي في أن أخمد ذكره، وقد ورد على نيف وستون كتاباً في التعزية ما منها إلا وقد صدر بقوله: طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرُ ... فَزعتُ فيه بآمالي إلى الكذب حتى إذا لم يدع لي صدُقه أملاً ... شَرِقتُ بالدمع حتى كادَ يَشرَقُ بي

стр. 182

فكيف السبيلُ إلى إخماد ذكره؟ فقلت: القدر لا يغالب، والرجل ذو حظ من إشاعة الذكر، واشتهار الاسم، فالأولى ألا تشغل فكرك بهذا الأمر، وهذان البيتان من قصيدة لأبي الطيب يرثى بها أخت سيف الدولة، وأنفذها إليه من بغداد سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وأول القصيدة: يا أخت خير أخ يا بنتَ خيرِ أب ... كنايةً بهما عن أشرف النسبٍ وفي الشطر الثاني من هذا البيت نقد للمتأمل. وفي صفر سنة أربع وخمسين ورد على أبي

стр. 183

الفضل بن العميد وهو بأرجان فحسن موقعه منه، وأنشده: بادٍ هواكَ صبرتَ أو لم تصبراَ ... وبُكاكَ إن لم يجر دمعكُ أو جرى قيل: سئل أبو الطيب عن نصب تصبرا، فقال: سلوا الشارح، يعني ابن جني. كم غَرْ صبرُك وابتسامُك صاحبا ... لما رآه وفي الحشا ما لا يُرى قال أبو عبد الله: كان ابن العميد كثير الانتقاد علي أبي الطيب، فإنه لما أنشده هذا البيت قال: يا أبا الطيب، تقول باد هواك ثم تقول بعده كم غر صبرك؟ ما أسرع ما نقضتَ ما ابتدأت به! فقال تلك حال

стр. 184

وهذه حال: أمرَ الفؤادُ لسانهَ وجفونهَ ... فكتمْنَه وكَفَى بجسمكُ مخبرا تَعِس المهِاري غيرَ مَهْرِيَّ غَدا ... بمصَّور لَبسَ الحريرَ مُصَّورا نافستُ فيه صورةً في خِدره ... لو كنتُها لخفِيتُ حتى يَظهر لا تَتْربِ الأيدي المقيمةُ فوقه ... كِسرى مُقامَ الحاجَبيْن وقيصرا يَقِيانِ في أحد الهوادِج مقلةً ... رَحَلتْ وكان لها فؤاديَ محْجرا وقدَ استعمل أبو الطيب هذه الطريقة حيث قال في وصف الخَيمة وهو: وأحسنُ من ماء الشيبةِ كله ... حيَا بارق في فازة أنا شائمه عليها رياضُ لم تَحُكُها سحابةُ ... وأغصانُ دَوْح لم تُغَنَ حمائمهُ

стр. 185

وفوق حواشي كلّ ثوب مُوَجَّهٍ ... من الدّرِ سِمْطُ لم يُثقَّبه ناظمُه ترى حيوانَ البرّ مصطلحا بهاً ... يحارب ضَدّ ضدَّه ويسالمهُ إذا ضربتْه الريُح ماجَ كأنه ... تجول مذاكيه وتَدْ أي ضراغمه وفي صورة الروميّ ذي التاج ذلةُ ... لأبلجَ لا تيجانَ إلاَّ عمائمه وكذلك أوردها أبو عبادة البحتري في قصيدته التي أولها: صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن ندى كل جبس إلى أن قال في وصف إيوان كسرى:

стр. 186

وهويُنبيكَ عن عجائبِ قومٍ ... لا يُشابِ البيانُ فيهم بَلْبس فإذا ما رأيتَ صورةَ إنطا - كية ارتعتَ بين روم وفُرس والمنايا مواثلُ وأنوشِرْ ... وأن يُزجي الصفوفَ تحت الدَّرَفس في اخضرار من اللباسِ على ... أصفرَ يختالُ في صَبيغة وَرْس وعِراكُ الرِجال بين يديه ... في خُفوتٍ منهم وإغماض جَرْس من مُشيحٍ يَهوى بعامل رمح ... ومُليح من السنانِ بِتُرْس

стр. 187

تصفُ العينُ أنهم جدُّ أحيا - ءٍ لهم بينهم إشارةُ خَرُس يَغْتلي فيهمُ ارتيابيَ حتى ... تتقراهمُ يدايَ بِلَمْس والسابق إليها أبو نواس في قوله: قرراتُها كسرى وفي جَنَباتهِا ... مَهاً تدّريها بالقِسِيّ الفوارسُ ومن قصيدة المتنبي: أرَجَان أيتها الجياد فإنه ... عزمي الذي يَذر الوشيح مُكسر لو كنتُ أفعل ما اشتهيتِ فَعالهَ ... ما شق كوكبكُ العجاجَ الأكدرا أمَّي أبا الفضل المبَّر أليِتيَّ ... لأيممنّ أجلَّ بحر جوهرا

стр. 188

أفتى برؤيته الأنامُ وحاشَ لي ... من أن أكون مُقصَّراً أو مُقْصراَ صغتُ السَّوار لأي كف بشرتْ ... بابنِ العميد وأيّ عَبد كَبَرا ومنها: يتكسَّبُ القصبُ الضعيفُ بخطه ... شرفاً على صُمّ الرماحِ ومَفخَراَ وَيبينُ فما مسّ منه بنانهُ ... تِيهُ المُدلّ فلو مشَى لَتبخَترَا يا مَنْ إذا وردَ البلاد كتِابُه ... قبلِ الجيوش ثنى الجيوشَ تَحَيُّرا أنتَ الوحيدُ إذا رَكبت طريقةً

стр. 189

.. ومَن الرَّديفُ وقد ركبتَ غَضنفرا قَطَفَ الرجالُ القولَ قَبْل نَباتهِ ... وقَطَفْتَ أنتَ القولَ لما نَوَّرا فَهُوَ المُتَبَّع بالمسامع إن مَضَى ... وهُوَ المضاعَف حُسّنُهُ إنْ كُرَّرَا وإذا سَكَتَّ فإن أبلغَ خاطب ... قَلَمُ لكَ اتَّخذَ الأناملَ مِنبراَ ورسائلُ قطع العُداةُ سِحَاءَها ... فَرَأوْا قَناً وأسنَّةً وسَنَوَّرَا فدعاكَ حُسَّدُكَ الرئيسَ وأمسَكوا ... ودعاكَ خالقكَ الرئيسَ الأكْبَرا خَلَفَتْ صِفاتُكَ في العيون كَلامَهُ ... كالخطَّ يَملأُ مسْمَعَيْ مَنْ أبصَرا

стр. 190

أرَأيتَ هِمةَ اناقتي في ناقةٍ ... نَقَلَتْ يدَّ اسُرُحاً وخُفّاً مُجْمراَ تَرَكَتْ دُخان الرَّمْث في أوطانه ... طلبا لقوم يُوقِدُون العَنْبراَ وتَكَرَّمَتْ رُكَباتُها عن مَبْرَكٍ ... تَقَعانِ فيه وليس مِسْكا أذْفَرَا لا يخفي ما في هذا البيت. ومنها: مَنْ مُبلغُ الأعرابِ أنَّىَ بَعْدهاَ ... جالَسْتُ رَسْطَاليس وَالإسْكَنْدَرا ومَلِلْتُ نَحْرَ عِشارها فأضافَني ... منْ يَنحَرُ البِدَر النضَار لمن قَرَى وسَمِعْتُ بَطليموس دارس كُتْبه ... مُتَمَلكاً مُتَبَدياً مُتَحَضرا ولَقيِتُ كلَّ الفاضلينَ كأنماَ ... رَدَّ الإلهَ نُفُوسَهْم والأعْصُرَا

стр. 191

نُسِقوا لنا نَسَق الحِسابِ مُقَدَّما ... وأتى فذلك إذْ أتيْتَ مُؤخَّراً ورأيت في نسخة قديمة) وأتت فذلك (. ومن تأمل هذه الأبيات علم أن أبا الطيب قد ملك رقاب الكلام، واستعبد كرائمها، واستولد عقائمها، وفي ذلك فليتنافس، وعن مقامه فليتقاعس. ومنها: يَا ليتَ باكيةً شجاني دَمْعُها ... نظرتْ إليكَ كما نظرتُ فتَعْذرَا فَتَرى الفَضيلةَ لا تردُّ فَضيلةً ... الشَّمس تَشْرقُ والسَّحاب كَنَهْورا وتنازع ندماء ابن العميد في البيت الأخير، فقال: أثبتوه

стр. 192

حتى أتأمله، فأثبت البيت، ووضع بين يديه، فأطرق مليا يفكر فيه، ثم قال هذا يعطلنا عن المهم، وما كان الرجل يدري ما يقول. وقد أشار المتنبي إلى أن ابن العميد ينتقد شعره بقوله: هل لعُذْرِي إلى الهُمام أبي الفض - ل قَبولُ سَوادُ عيني مدادُهْ أنا من شِدةِ الحياء عليلُ ... مَكرماتُ المُعِلَّةِ عُوَّادهْ ما كفاني تقصيرُ ما قلتُ فِيِه ... عن عُلاَه حتَّى ثناه انتقادُهْ إنّني أصْيَدُ البُزاةِ ولكنْ - نَ أجَلَّ النجومِ لا أصطادُهْ

стр. 193

رُبَّ مالا يُعَبّر عَنهُ ... والذي يُضْمرِ الفؤادُ اعتقادهُ ما تعوَّدتُ أن أرىَ كأبي الفضْ - ل وهذا الذي أتاهُ اعتيادهُ إنّ في الموج للغريق لَعُذْراً ... واضحاً أن يفوتَهُ تَعدادهْ وهذه الأبيات من قصيدته التي يمدح بها ابن العميد، ويهنئه بالنوروز وأولها: جاء نيروزنُا وأنتَ مرادهُ ... وَرَرَتْ بالذي أراد زِنادُهْ هذه النظرةُ التي نالها من - كَ إلى مثلها من الحول زادُهْ ينثني عنك آخرَ اليوم منه ... ناظرُ أنتَ طرْفُه ورُقادُهْ نحن في أرض فارس في سرور ... ذا الصباحُ الذي نرى ميلادُهْ

стр. 194

عظّمته ممالكُ الفرس حتى ... كلُّ أيامِ عامهِ حُسّادُهْ ما لبسنا فيه الأكاليلَ حتى ... لَبِسْتها تلاعُه ووهادُهْ وكان من عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في آخرها: كثُر الفكُر كيف نُهدي كما أه - دت إلى رّبها الرئيسِ عبادُه والذي عندنا من المال والخي - ل فمنه هباتُه وقيادُه فبعثنا بأربعين مِهارٍ ... كلُّ مُهر ميدانهُ إنشادهُ عددُ عِشتهَ يَرى الجسمُ فيه ... أرَبا لا يراه فيما يُزادُه

стр. 195

فارتبطْها فإن قلباً نماها ... مربطُ تسبِقُ الجيادَ جيادُه وهذا من إحسان أبي الطيب. واحتج عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة، وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة والشباب وقضاء الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد القصيدة على هذه العدة، ونسخت القصيدتان، وأنفذتا من أرجان إلى أبي الفتح بن أبي الفضل بن العميد بالري، فعاد الجواب يذكر شوقه إلى أبي الطيب، وسروره به، وأنفذ أبياتاً نظمها طعن فيها على

стр. 196

المتعرضين لقول الشعر، فقال أبو الطيب والكتاب بيده ارتجالاً: بكُتْبِ الأنام كتابُ ورد ... فدتْ يَدَ كاتبه كلُّ يدْ يُعبرّ عَمَّالنا عنده ... ويذكر من شوقه ما نجد فأخرقَ رائَيه ما رأى ... وأبرق ناقَده ما انتقد إذا سمع الناس ألفاظَه ... خلقنَ له في القلوب الحسد فقلت وقد فَرَس الناطقين ... كذا يفعل الأسد ابنُ الأسد وأبو الفضل بن العميد هذا هو الذي ورد عليه أبو نصر عبد العزيز بن نبانة السعدي

стр. 197

وامتدحه بالقصيدة التي أولها: بَرْحُ اشتياقي وادّكاري ... ولهيبُ أنفاس حرِارِ ومدامعُ عبراتُها ... ترفضّ عن نوم مُطَار لله قلبي ما يُجنْ - نُ من الهموم وما يُواري لقدِ انقضى سكرُ الشبا - ب وما انقضى وصبُ الخُمارِ وكَبِرتُ عن وصل الصَّغا ... روما سلوت عن الكبار سَقياً لتغليسي إلى ... باب الرُّصافة وابتكاري

стр. 198

أيامَ أخطِرُ في الصِّبا ... نشوانَ مسحوب الإزار حجّي إلى حَجَر الصّرا - ة وفي حدَائقها اعتماري ومواطنُ اللذاتِ أو - طاني ودارُ اللهو دارِي لم يبق لي عيشُ يلذّم ... سوى مُعاقرة العُقار حَثَّي بألحان ترا - ءتْ بين ألحان القَمارِي وإذا استهل ابن العمي - د تضاحكتْ دِيمُ القِطار خِرْقُ صفت أخلاقه ... صفو السّبيكِ من النُّضار

стр. 199

فكأنما رُدِفتْ موا - هبه بأمواج البِحار وكأنّ نشر حديثه ... نشرُ الخُزامَي والعَرار وكأننا مما تُفرّم ... قُ راحتاه في نِثار كلفُ بحفظ السر يُحْ - سَبُ صدرهُ ليل السرار إن الكبار من الأمو - رِ تُنال بالهمم الكبار وإلى أبي الفضل انبعثْ - ن هواجسُ الشعر السَّواري فتأخرت صلته عنه، فشفع هذه القصيدة بأخرى، وأتبعها برقعة، فلم يزده ابن العميد على الإهمال،

стр. 200

مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه، فتوسل إلى أن دخل عليه يوم المجلس، وهو حافل بأعيان الدولة، ومقدمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه، وأشار بيد إليه، وقال: أيها الرئيس إني قد لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذل النعل، وأكلت النوى المحرق، انتظاراً لصلتك فوالله ما بي شيء من الحرمان إلا شماتة قوم نصحوني فأغششتهم، وصدقوني فاتهمتهم، فبأي وجه ألقاهم؟ وبأي حجة أقاومهم؟ ولم أحصل من مديح بعد مديح، ومن نثر بعد نظم إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم، فإن كان

стр. 201

للنجح علامة فأين هي؟ وما هي؟ إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإن الذين هجوا كانوا مثلك فزاحم بمنكبك أعظمهم سناماً، وأنورهم شعاعاً، وأشرفهم يفاعاً، فحار ابن العميد، ولم بدر ما يقول، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: هذا وقت يضيق عن الإطالة مني في المعذرة، وإذا تواهبنا ما دُفْعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه. فقال ابن نباتة: أيها الرئيس هذه نفثة صدر قد دوى منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغنى إذا

стр. 202

مطل يستلأم، فاستشاط ابن العميد وقال: قد والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله، ولقد نافرت العميد من دون هذا حتى دفعنا إلى شغب عاتم، ولجاج قاتم، ولست ولي نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضى عنك، وإن بعض ما أوقرته في مسامعي، ينقض مرة الحلم، ويبدد شمل الصبر، هذا، ولا استقدمتك بكتاب، ولا استدعيتك برسول

стр. 203

ولا سألتك مديحي، ولا كلفتك تقريضي، فقال ابن نباتة: صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب، ولا استدعيتني برسول ولا سألتني مدحك، ولا كلفتني تقريضك، ولكنك جلست في صدر إيوانك بأبهتك، وقلت لا يخاطبْني أحد إلاّ بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فأني وزير ركن الدولة، وزعيم أولياء الحضرة، والقيم بمصالح المملكة، فكأنك دعوتني بلسان الحال، وإن لم تدعني بلسان المقال، فثار ابن العميد مغضباً، وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته، وتقوض المجلس، وماج الناس، وسمع ابن نباته وهو مار في صحن الدار يقول: والله إن سف التراب، والمشي

стр. 204

على الجمر، أهون لنا من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهيناً له، ومشتريه مماكساً فيه. فلما سكن غيظ ابن العميد، وثاب إليه حلمه، التمسه من الغد ليعتذر إليه، ويزيل أثر ما كان منه، فكأنما غاض في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات. وسار أبو الطيب من بعد ما ودع ابن العميد ومدحه بالقصيدة التي أولها: نسيتُ وما أنسى عتابا على الصدّ ... ولا خَفراً زادتْ به حمرةُ الخدِّ قاصداً أبا شجاع عضد الدولة

стр. 205

وهو بشيراز، وأنشده القصيدة التي أولها: أوْه بديلً من قَوْلتي واهاَ ... لمن نأتْ والبديلُ ذكراها وقد رأيتُ الملوك قاطبةً ... وسرتُ حتى رأيتُ مولاها قيل لما سمع سيفُ الدولة هذا البيت قال أتراه أدخلنا في هذه الجملة؟ ومنها: ومَن مناياهم براحته ... بأمرها فيهم وينهاها أبا شجاع بفارس عضد الدَّ ... ولة فَناَّ خُسرُو شَهَنْشاها أسامياً لم تزدْه معرفةً ... وإنما لذةً ذكرناها

стр. 206

تذكرتُ بهذا البيت ما نقله بعض أئمة الأدب: أن رجلاً من مدينة السلام كان يكره أبا الطيب المتنبي، فآلى على نفسه ألا يسكن مدينة يذكر بها أبو الطيب، وينشد كلامه، فهاجر من مدينة السلام، وكان كلما وصل بلداً يسمع بها ذكره يرحل عنها، حتى وصل إلى أقصى بلاد الترك، فسألا أهلها عن أبي الطيب فلم يعرفوه، فتوطنها، فلما كان يوم الجمعة ذهب إلى صلاتها بالجامع، فسمع الخطيب ينشد بعد ما ذكر أسماء الله الحسنى. أسامياً لم تزَده معرفةً ... وإنما لذةً ذكرناها فعاد إلى دار السلام. ومن القصيدة:

стр. 207

لو فطنتْ خيلةُ لنائله ... لم يُرضَها أن تراه يرضاها هذا البيت له معنيان: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه لما رضيت له أن تكون من جملتها لأنها أنفس منها. والثاني لم ترض لأنه إذا ملكها وهبها. ومنها: تُشرقُ تيجانهُ بغرّتِه ... إشراق ألفاظهِ بمعناها دان له شرقُها ومغربُها ... ونفسهُ تستقل دُنياها تجمعتْ في فؤاده هممُ ... مِلءُ فؤاد الزمان إحداها وحكى عبد العزيز بن يوسف الجرجاني وكان كاتب الإنشاء

стр. 208

عند عضد الدولة عظيم المنزلة منه قال: لما دخل أبو الطيب المتنبي مجلس عضد الدولة، وانصرف عنه، أتبعه بعض جلسائه، وقال له: سله كيف شاهد مجلسنا؟ وأين الأمراء الذين لقيهم منا؟ فامتثلت أمره، وجاريت المتنبي في هذا الميدان، وأطلت معه عنان القول، فكان جوابه عن جميع ما سمعه مني أن قال: ما خدمت عيناي قلبي كاليوم، ولقد اختصر اللفظ وأطال المعنى وأجاد فيه، وكان ذلك منه أوكد الأسباب التي حظي بها عند الدولة، وكان أبو علي الفارسي

стр. 209

إذ ذاك بشيراز وكان ممر المتنبي إلى دار عضد الدولة على دار أبي علي الفارسي، وكان إذا مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء، وكان لابن جنى هوى في أبي الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالي بأحد يذمه أو يحيط منه. وكان يسوء إطناب أبي علي قي ذمه، واتفق أن قال أبو علي يوماً اذكروا لنا بيتاً من الشعر نبحث فيه، فبدأ ابن جني وأنشد: حُلْتِ دون المزار لوزر ... تِ لحال النحولُ دون العِناق فاستحسنه أبو علي، واستعاده، وقال

стр. 210

لمن هذا البيت؟ فإنه غريب المعنى، فقال ابن جنى: للذي يقول: أزورهم وسوادُ الليل يشفعُ لي ... وانثنى وبياضُ الصبح يُغرى بي فقال والله هذا حسن بديع جداً، فلمن هما؟ قال للذي يقول: أمضى إرادتهِ فسوف له قدُ ... واستقرب الأقصى فثَم له هُنا فكثر إعداب أبي علي، واستغرب معناه، وقال لمن هذا؟ فقال ابن جني: للذي يقول: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضرُّ كوضع السيف في موضع الندى

стр. 211

فقال وهذا والله، وقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ قال هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله، وما علينا من القشور إذا استقام اللب؟ قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي؟ قلت نعم. قال والله لقد حببته إلي، ونهض، ودخل على عضد الدولة، فأطال في الثناء على أبي الطيب، ولما اجتاز به استنزله، واستنشده، وكتب عنه أبياتاً من الشعر. قال الربعي: كنت يوماً عند المتنبي بشيراز، فقيل له أبو علي الفارسي بالباب، وكانت

стр. 212

تأكدت بينهما المودة، فقال بادروا إليه فأنزلوه، فدخل أبو علي وأنا جالس عنده، فقال يا أبا الحسن خذ هذا الجزء، وأعطاني جزءاً من كتاب التذكرة، وقال: اكتب عن الشيخ البيتين اللذين ذكرتك بهما وهما: سأطلبُ حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهمُ من طُول ما التثموا مُردُ ثقال إذا لاقوا خِفافٍ إذا دُعوا ... كثير إذا شَدُّوا قليل إذا عُدُّوا ومن مدائح أبي الطيب في عضد الدولة القصيدة التي يذكر فيها شعب بوان وأولها: مغاني الشّعبِ طيباً في المغاني

стр. 213

.. بمنزلة الربيع من الزمانِ ولكنَّ الفتى العربيَّ فيها ... غريبُ الوجه واليدِ واللسانِ ملاعبُ جنَّة لو سار فيها ... سليمانُ لسار بِترْجُمانَ فلما وصل إلى قوله: فسرتُ وقد حجبن الشمس عني ... وجئن من الضياء بما كفاني وألقى الشرقُ منها في ثيابي ... دنانيرً تفرُ من البنان فقال عضد الدولة والله لأقرنها وفعل: لها ثمر تشيرُ إليك منه ... بأشربه وقفن بلا أوان

стр. 214

وأمواهُ يَصلُّ بها حصاها ... صليل الحليْ في أيدي الغواني ومنها: تَحِلُّ به على قلبٍ شجاعٍ ... وترحلُ منه عن قلبٍ جبانِ ومَنْ بالشّعب أحوجُ من حَمامٍ ... إذا غنى وناح إلى البيان وقد يتقاربُ الوصفان جداً ... وموصوفاهما متباعدان يقولُ بشعبِ بوان حصاني ... أعن هذا يُسار إلى الطّعان؟ أبوكمْ آدمُ سنَّ المعاصي ... وعلّمكم مُفارقة الجِنان إلى أن قال: فلو طُرحتْ قلوبُ العشق فيها ... لما خافتْ من الحدقِ الحسانِ

стр. 215

ولم أر قبله شِبليْ هِزبْرٍ ... كشبلية ولا مُهريْ رِهان أشدَّ تنازعاً لكريم أصلٍ ... وأشبه منظراً بأبٍ هِجانِ وأكثر في مجالسه استماعاً ... فلانُ دقّ رُمحاً في فلانَ وأول رَأيةٍ رأيا المعالي ... فقد علقا بها قبل الأوان وأول لفظة فهما وقالا ... إغاثة صارخ أو فكُ عانى وكنتَ الشمس تبهر كلَّ عين ... فكيف وقد بدتْ معها اثنتان فعاشا عيشة القمرينُ يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان
следующие страницы →