Полный текст (934 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فقال وهذا والله، وقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ قال هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله، وما علينا من القشور إذا استقام اللب؟ قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي؟ قلت نعم.
قال والله لقد حببته إلي، ونهض، ودخل على عضد الدولة، فأطال في الثناء على أبي الطيب، ولما اجتاز به استنزله، واستنشده، وكتب عنه أبياتاً من الشعر.
قال الربعي: كنت يوماً عند المتنبي بشيراز، فقيل له أبو علي الفارسي بالباب، وكانت
стр. 212
تأكدت بينهما المودة، فقال بادروا إليه فأنزلوه، فدخل أبو علي وأنا جالس عنده، فقال يا أبا الحسن خذ هذا الجزء، وأعطاني جزءاً من كتاب التذكرة، وقال: اكتب عن الشيخ البيتين اللذين ذكرتك بهما وهما:
سأطلبُ حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهمُ من طُول ما التثموا مُردُ
ثقال إذا لاقوا خِفافٍ إذا دُعوا ... كثير إذا شَدُّوا قليل إذا عُدُّوا
ومن مدائح أبي الطيب في عضد الدولة القصيدة التي يذكر فيها شعب بوان وأولها:
مغاني الشّعبِ طيباً في المغاني
стр. 213
.. بمنزلة الربيع من الزمانِ
ولكنَّ الفتى العربيَّ فيها ... غريبُ الوجه واليدِ واللسانِ
ملاعبُ جنَّة لو سار فيها ... سليمانُ لسار بِترْجُمانَ
فلما وصل إلى قوله:
فسرتُ وقد حجبن الشمس عني ... وجئن من الضياء بما كفاني
وألقى الشرقُ منها في ثيابي ... دنانيرً تفرُ من البنان
فقال عضد الدولة والله لأقرنها وفعل:
لها ثمر تشيرُ إليك منه ... بأشربه وقفن بلا أوان
стр. 214
وأمواهُ يَصلُّ بها حصاها ... صليل الحليْ في أيدي الغواني
ومنها:
تَحِلُّ به على قلبٍ شجاعٍ ... وترحلُ منه عن قلبٍ جبانِ
ومَنْ بالشّعب أحوجُ من حَمامٍ ... إذا غنى وناح إلى البيان
وقد يتقاربُ الوصفان جداً ... وموصوفاهما متباعدان
يقولُ بشعبِ بوان حصاني ... أعن هذا يُسار إلى الطّعان؟
أبوكمْ آدمُ سنَّ المعاصي ... وعلّمكم مُفارقة الجِنان
إلى أن قال:
فلو طُرحتْ قلوبُ العشق فيها ... لما خافتْ من الحدقِ الحسانِ
стр. 215
ولم أر قبله شِبليْ هِزبْرٍ ... كشبلية ولا مُهريْ رِهان
أشدَّ تنازعاً لكريم أصلٍ ... وأشبه منظراً بأبٍ هِجانِ
وأكثر في مجالسه استماعاً ... فلانُ دقّ رُمحاً في فلانَ
وأول رَأيةٍ رأيا المعالي ... فقد علقا بها قبل الأوان
وأول لفظة فهما وقالا ... إغاثة صارخ أو فكُ عانى
وكنتَ الشمس تبهر كلَّ عين ... فكيف وقد بدتْ معها اثنتان
فعاشا عيشة القمرينُ يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان
стр. 216
ولا مَلَكَا سوى مُلكِ الأعادي ... ولا ورِثا سوى مَن يقتلان
وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروفِ أنيسيان
أي زيادة أولاد عدوك كزيادة التصغير، فإنه زيادة نقص، وقد ابتدع هذا المعنى
دعاءُ كالثناء بلا رِياء ... يؤديه الجَنان إلى الجَنان
ومن قصائده في عضد الدولة القصيدة التي أولها:
أثلث فإنا أيها الطللُ ... نَبكي وتُرزِم تحتنا الإبلُ
ومنها:
قالت ألا تصحو فقلت لها ... أعلْمَتِني أن الهوى ثملِ
ومنها:
стр. 217
قد رُوا عَفَوْا وعدوا وفَوْا اسئُلوا ... أغنوا عَلَوْا ولُوا عدلوا
فوق السماك وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا
أخذه من قوله ابن الرومي وهو قوله:
نزلتم علي هام المعالي إذا ارتقى ... إليها أناسُ غيرُكم بالسلالم
وذاك بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي، لأنه قال: إنكم نزلتم علي هام المعالي، وأن غيركم يرقى إليها رقُياً، وأما المتنبي فإنه قال إنكم إذا أردتم غاية نزلتم، وأما قوله فوق السماك فإنه يغني عنه قول ابن الرومي نزلتم علي هام المعالي إذ المعالي فوق كل شيء
стр. 218
لأنها مختصة بالعلو مطلقاً، وقال يعزي عضد الدولة بعمته، وقد توفيت ببغداد، وورد عليه الكتاب بشيراز بالقصيدة التي أولها:
آخرُ ما المَلْكُ مُعّزي به ... هذا الذي أثر في قلبهَ
لا جَزعا بل أنفاً شابَهُ ... أن يَقْدر الدهُر على غَضْبهِ
لو درت الدنيا بما عنده ... لاستحيتِ الأيامُ من عَتبهِ
لعلها تحسبِ أن الذي ... ليس لديه ليس من حزبهِ
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعافُ ما لابُدَّ من شربهِ
стр. 219
لو فكرّ العاشقُ في منتهى ... حُسن الذي يسبيهِ
يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طِبِه
استغفر الله لشخص مضى ... كان نداه منتهى ذنبه
يحسبِه دافنهُ وحده ... ومجدهُ في القبر من صحبهِ
ما كان عندي أنّ بدر الدجى ... يُوحشُه المفقودُ من شُهبهِ
وقال يودعه وهي آخر شعره، وفي أثنائها كلام جرى على لسانه كأنه ينعى فيه نفسه وهي من محاسن ما يؤتي به في المعنى الوداع وأولها:
стр. 220
فِدىً لك مَنْ يُقصّرِ عن مداكا ... فلا مَلِكُ إذنْ إلاَّ فَداكا
إلى أن قال:
أروحُ وقد ختمتَ علي فؤادي ... بحبّك أن يحُلَّ به سواكا
وقد حمّلْتني شكراً طويلا ... ثقيلا لا أطيق به حَراكا
أحاذر أن يَشُقَّ على المطايا ... فلا تمشي بنا إلا سِواكا
لعل الله يجعله رحيلا ... يُعينُ على الإقامة في ذَراكا
لما أنجحت سفرته، وربحت تجارته بحضرة عضد الدولة، ووصل إليه من صلاته أكثر من مائتي ألف درهم استأذنه في
стр. 221
المسير عنها، ليقضي حوائج في نفسه، ثم يعود إليها، فأذن له، وأمر بأن يُخلع عليه الخلع الخاصة، وتعاد صلتهُ بالمال الكثير، فامتثل ذلك، وأنشده هذه القصيدة، وفي أثنائها كلام ينعى فيه نفيه وإن لم يقصده كما قدمنا، فمنه قوله:
فلو أنى استطعت خفت خفضتُ طرَْفي ... فلن ابصر به حتى أراكا
وهذه لفظة يتطير منها:
أرى أسفي وما سِرنْا شديداً ... فكيف إذا غدا السيرُ ابتراكا
وهذا الشوقُ قَبل البين سيفُ ... وهأنا ما ضُربتُ وقد أحاكا
стр. 222
إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمتَ لا صاحبتَ فاكا
وهذا أيضاً من ذاك، ومنه:
ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودةُ لقلتُ ولا منكاكا
أي لولا أن أكثر ما تمنى قلبي أن يعاودك لقلت له ولا بلغت مناك، ومنه:
قد استشفيتَ من داء بداء ... وأقتلُ ما أعّلك ما شفاكا
أي قد أضمرت يا قلب شوقاً إلى أهلك، فكان ذلك داء لك،
стр. 223
فاستشفيت منه بأن فارقت عضد الدولة، ومفارقته داء لك أيضاً أعظم من داء شوقك إلى أهلك، فكأنك تداويت من فراقه بما هو أقتل لك من مكابدة الشوق إلى أهلك، وهذا شبيه قول النبي ﷺ : " كَفى بالسلامة داء ". ومنها:
فأسترُ منك نجوانا وأخفى ... هموماً قد أطلتُ لها العراكا
إذا عاصيتهاُ كانتْ شِداداً ... وإن طاوعتهاُ كانت رِكاكا
ومنه:
زكم دون الثّوية من حزينٍ ... يقول له قدومي ذا بذاكا
الثوية من الكوفة. يقول له قدومي ذا بذاكا: أي هذا القدوم
стр. 224
بتلك الغيبة ولك هذا السرور بذلك الحزن. ومنه:
ومن عَذْبِ الرُّضاب إذا أنخنا ... يُقبل رحل تُرْوَك والورِاكا
تروك: اسم ناقة لم ير مثلها لعضد الدولة أمر له بها، والوراك شيء يتخذه الراكب كالمخدة تحت وركه.
يُحرّمُ أن يِمسّ الطيب بعدي ... وقد عَلِق العبيرُ به وصاكا
وهذا أيضاً منه:
ويمنع ثغره من كل طيب ... ويمنحهُ البشامة والأراكا
стр. 225
يُحدثُ مقلتيه النومُ عني ... فليت النوم حدّث عن نداكا
وما أرضي لمقلته بحلم ... إذا انتبهتْ توهمه ابتشاكا
ولا إلاّ بأن يُصْغى وأحكي ... فليتك لا يتيمة هواكا
ومنه:
وفي الأحباب مُختصُّ يوجد ... وآخرُ يدّعي معه اشتراكا
إذا اشتبهتْ دموعُ في خدود ... تَبين مَنْ بكى ممن تباكى
стр. 226
فَزُلْ يا بُعدُ عن أيدي رِكاب ... لها وقعُ الأسنةَ في حَشاكا
هذه استعارة حسنة لأنه خاطب البعد وجعل له حسا.
وأياً شئتِ يا طُرقي فكوني ... أذاةً أو نجاة أو هلاكا
جعل قافية البيت الهلاك فهلك؛ وذلك أنه ارتحل عن شيراز بحسن حال ووفور مال، فلما فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمر به كاستمرارها في مملكة عضد الدولة فقتل، كما
стр. 227
سنشرحه. ومنها:
أذمّتْ مكرماتُ أبي شجاع ... لعيني من نواي على أُلاكا
ومَنْ أعتاضُ عنك إذا افترقنا ... وكلُّ الناس زورُ ما خلاكا
وما أنا غيرُ سهم في هواء ... يعود ولم يَجدْ فيه امتساكا
قال الخالديان كنا كتبنا إلى أبي نصر محمد الجبلي نسأله عما صدر لأبي الطيب المتنبي بعد مفارقته عضد الدولة، وكيف قتل؟ وأبو نصر هذا من وجوه الناس في تلك الناحية، وله فضل، وأدب جزل، وحرمة، وجاه، فأجابنا عن كتابنا جوابا طويلاً يقول في أثنائه: وأما ما سألتما عنه من
стр. 228
خبر مقتل أبي الطيب المتنبي فأنا أسوقه لكما، وأشرحه شرحاً بيناً: اعلما أن مسيره كان من أواسط في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وقتل بضيعة تقرب من دير العاقول في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان، والذي تولى قتله، وقتل ابنه وغلامه، رجلُ من بني أسد يقال له فاتك بن أبي جهل بن فراس ابن بداد. وكان من قوله لما قتله وهو متعفر: قبحاً لهذه اللحية يا سباب. وسبب
стр. 229
ذلك أن فاتكا هذا خال ضبة أخو والدته. وضبة ابن يزيد العيني الذي هجاه أبو الطيب بقوله:
ما أنصفَ القومُ ضبَّهْ ... وأمَّه الطرطُبَّهْ
وإنما قلتُ ما قل ... تُ رحمةً لا محبَّهْ
وما عليك من الق ... تلِ إنما هي ضربهْ
وما عليك من العا ... رِ أن أمك قحبه
وما يشق على الكل ... ب أن يكون ابن كلبه
ما ضرها من أتاها ... وإنما ضرّ صُلبه
стр. 230
ولم ينكها ولكن ... عجانها ناك زُبّه
يا أطيب الناسِ نفسا ... وألين الناس ركُبه
وأرخص الناس أما ... تبيع ألفاً بحبهّ
كل الأيور سهام ... بأمه وهي جعبة
وما على مَن به الدَّا ... ءُ من لقاء الأطبة
فيقال إن فاتكا داخلته الحمية لما سمع ذكرها بالقبح في هذا الشعر، وما للمتنبي أسخف من هذا الشعر، ولا أو هي كلاماً، فكان
стр. 231
مع سخافته وركاكته سبب قتله، وقتل ابنه وغلمانه وذهاب ماله.
وأما شرح الخبر فإن فاتكا صديق لي، وهو كما سمى فاتك، لسفكه الدماء، وإقدامه على الأهوال في مواقف القتال، فلما سمع الشعر الذي هجى به ضبة اشتد غضبه، ورجع على ضبة باللوم، وقال له: كان يجب ألا تجعل لشاعر عليك سبيلاً، وأضمر غير ما أظهر، واتصل به انصراف المتنبي من بلاد فارس، وتوجهه إلى العراق، وعلم أن اجتيازه بجبل دير العاقول، فلم يكن ينزل
стр. 232
عن فرسه، ومعه جماعة من بني عمه رأيهم في المتنبي مثل رأيه؛ من طلبه واستعلام خبره من كل صادر ووارد، وكان فاتك خائفاً أن يفوته، وكان كثيراً ما ينزل عندي، فقلت له يوماً وقد جاءني وهو يسائل قوماً مجتازين عن المتنبي: قد أكثرت المسألة عن هذا الرجل. فأي شيء تريد منه إذا لقيته؟ فقال ما أريد إلا الجميل، وعذله على هجاء ضبة، فقلت له: هذا لا يليق بأخلاقك، فتضاحك ثم قال: يا أبا نصر والله لئن اكتحلت عيني به أو جمعتني وإياه بقعة لأسفكن دمه،
стр. 233
ولأمحقن حياته إلا أن يحال بيني وبينه قلت له كف - عافاك الله - عن هذا القول، وارجع إلى الله، وأزل هذا الرأي عن قلبك، فإن الرجل شهير الأسم، بعيد الصيت، ولا يحسن منك قتله على شعر قاله، وقد هجت الشعراء الملوك في الجاهلية، والخلفاء في الإسلام، فما سمعنا بشاعر قتل بهجائه، وقد قال الشاعر:
هجوتُ زهيراً ثم إني مدحتهُ ... وما زالتِ الأشرافُ تُهجي وتُمدحُ
ولم يبلغ من جرمه ما يوجب قتله، فقال: يفعل الله ما يشاء وانصرف،
стр. 234
ولم يمض لهذا القول غير ثلاثة أيام حتى وافاني المتنبي، ومعه بغال موقرة بكل شيء من الذهب، والطيب، والتجملات النفيسة، والكتب الثمينة، والآلات لأنه كان إذا سافر لم يخلف في منزله درهماً، ولا شيئاً يساويه، وكان أكثر إشفاقه على دفاتره، لأنه كان قد انتخبها، وأحكمها قراءة وتصحيحاً، قال أبو نصر: فتلقيته، وأنزلته داري، وسألته عن أخباره، وعمن لقى، فعرفني من ذلك ما سررت به له، وأقبل يصف ابن العميد وفضله، وأدبه، وعلمه، وكرم
стр. 235
عضد الدولة ورغبته في الأدب، وميله إلى أهله، فلما أمسينا قلت له يا أبا الطيب: على أي شيء أنت مجمع؟ قال: على أن أتخذ الليل مركباً، فإن السير فيه يخف على. قلت: هذا هو الصواب رجاء أن يخيفه الليل، ولا يصبح إلا وقد قطع بلداً بعيداً، وقلت له: والرأي أن يكون معك من رجالة هذه البلدة الذين يعرفون هذه المواضع المخفية جماعة يمشون بين يديك إلى بغداد، فقطب وجهه وقال: لم قلت هذا القول؟ فقلت: لتستأنس بهم. فقال أما والجراز في عنقي فما بي حاجة إلى مؤنس غيره، قلت الأمر كما
стр. 236
تقول، والرأي في الذي أشرت به عليك فقال تلويحك ينبي عن تعريض، وتعريضك ينبي عن تصريح، فعرفني الأمر، وبين لي الخطب، قلت: إن هذا الجاهل فاتكا الأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام، وهو غير راض عنك، لأنك هجوت ابن أخته ضبة، وقد تكلم بأشياء توجب الاحتراز والتيقظ، ومعه أيضاً نحو العشرين من بني عمه، قولهم مثل قوله، فقال غلام أبي الطيب وكان عاقلا: الصواب ما رآه أبو نصر، خذ معك عشرين رجلا يسيرون بين يديك إلى بغداد، فاغتاظ أبو الطيب
стр. 237
من غلامه غيظاً شديداً، وشتمه شتما قبيحاً، وقال والله لا أرضي أن يتحدث الناس بأني سرت في خفارة أحد غير سيفي. قال أبو نصر فقلت يا هذا أنا أوجه قوماً من قبلي في حاجة يسيرون بمسيرك وهم في خفارتك فقال: والله لا فعلت شيئاً من هذا، ثم قال: يا أبا نصر: أبخرء الطير تخشيني؟ ومن عبيد العصا تخاف على؟ والله لو أن مخصرتي هذه ملقاة على شاطئ الفرات وبنو أسد معطشون بخمس وقد نظروا إلى الماء كبطون الحيات ما جسر لهم
стр. 238
خف ولا ظلف أن يرده. معاذ الله أن اشغل فكري بهم لحظة عين. فقلت له قل إن شاء الله فقال: هي كلمة مقولة لا تدفع مقضياً ولا تستجلب آتيا، ثم ركب، فكان آخر العهد به. ولما صح عندي خبر قتله وجهت من دفنه، ودفن ابنه، وغلمانه، وذهبت دماؤهم هدراً. هذا هو الصحيح من خبره. وقيل سبب قتله أنه لما ورد على عضد الدولة ومدحه وصله بثلاثة آلاف دينار وثلاثة أفراس مسرجة محلاة ثم دس له من يسأله: أين هذا العطاء من عطاء سيف الدولة؟ فقال: إن
стр. 239
سيف الدولة كان يعطي طبعاً، وعضد الدولة طبعاً، فغضب عضد الدولة، فلما انصرف جهز إليه قوماً من بني ضبة فقتلوه بعد أن قاتل قتالا شديداً، ثم انهزم، فقال له غلامه أين قولك:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحربُ والضرب والقرطاس والقلم
فقال قتلتني قتلك الله، ثم قاتل حتى قتل. وقيل إن الخفراء جاءوه وطلبوا منه خمسين درهماً ليسيروا معه، فمنعه الشح والكبر، فتقدموه، ووقع به ما وقع، ولما قتل رثاه أبو القاسم المظفر بن
стр. 240
علي الطبسي.
لا رعى الله سِربَ هذا الزمان ... إذ دهانا بمثل ذاك اللسان
ما رأى الناسُ ثانيَ المتنبي ... أيُّ ثان يُرى لبِكرْ الزمان
كان من نفسه الكبيرةَ في جي ... ش وفي الكبرياء ذا سلطان
هو في شعره نبي ولكن ... ظهرت معجزاتهُ في المعاني
ورثاه أيضاً ثابت بن هارون الرقي النصراني بقصيدة يستشير فيها عضد الدولة على فاتك الأسدي وهي:
الدهر أخبثُ والليالي أنكدُ ... من أن تعيش لأهلها يا أحمدُ
стр. 241
قصدتْكَ لما أن رأتك نفيسها ... بُخلا بمثلك والنفائس تُقصدُ
ذقتَ الكريهةَ بغتةً وفَقَدتَها ... وكريه فقدك في الورى لا يفقدُ
قل لي إن اسطعت الخطاب فإنني ... صبُّ الفؤادِ إلى خطابك مُكمدُ
أتركتَ بعدكَ شاعراً والله لا ... لم يبق بعدك في الزمان مُقَصَّدُ
أما العلومُ فأنها يا ربها ... تبكي عليك بأدمع لا تَجمدُ
يأيها الملك المؤيدُ دَعوة ... مِمنَّ حشاه بالأسى يتوقدُ
هذي بنو أسدٍ بضيفك أوقعتْ ... وحوتْ عطاءك إذ حواه الفرقُد
стр. 242
وله عليك بقصدِهِ ياذا العُلا ... حقُّ التحرمّ والذمامُ الأوكَدُ
فارع الذمام وكن لضيفك طالباً ... إن الذمامَ على الكريم مؤيدُ
ورثاه أبو الفتح ابن جنيبقصيدة أولها:
غاص القريض وأودتْ نضرةُ الأدبِ ... وصوَّحتْ بعد ريّ دَوْحةُ الكُتُبِ
منها:
سُلبتَ ثوب بهاء كنتَ تلبسه ... كما تُخَطَّفُ بالخطية السَّلبِ
مازِلت تصحب في الجلّي إذا نزلتْ ... قلباً جميعاً وعزما غير منشعب
وقد حلبتَ لعمري الدهرَ أشطره
стр. 243
.. تمطو بهمة لاوانٍ ولا نَصِيب
من للهواجلُ يحي مَيْت أرسُمها ... بكل جائله التصدير والحَقبِ
قبّاءَ خوصاءَ محمودٍ عُلالَتهاُ ... تنبو عريكتها بالحِلسْ والقَتَبِ
أم من لسِرحانها تقريه فضلتهُ ... وقد تضّور بين الباس والسغب
أمْ من لبيض الظباتوكا فُهنَّ دمُ ... أم من لِسُمر القنا والزَّغْف واليلبِ
أم للمعارك يذكي جمر جماحهما ... حتى يُعريها عن ساطع اللهب
أم للمحافل إذ تبدو لتعمرها ... بالنظم والنثر والأمثال والخطب
أم للمناهل والظلماءُ عاكفةُ ... يُواصل الكرتين الوردِ والقَرَبِ
أم للملوك تُحليها وتُلبسها
стр. 244
.. حتى تَمايسَ في أبرادها القُشبِ
باتت وسادي أطرابُ تؤرقني ... لما غدوتَ لقىً في قبضة النوب
عُمرتَ خِدن المساعي غير مضطهد ... ومِتَّ كالنصل لم يدنس ولم يُعَب
فأذهب عليك سلام المجد ما قلقت ... خُوص الركائب بالأكوار والشُّعَب
وعلماء الأدب في شعره مختلفون: فمنهم من يرجحه على أبي تمام والبحتري، ومنهم من يرجحهما عليه، ومنهم من يرجح أبا تمام
стр. 245
عليهما، ومنهم من يرجح البحتري. والكلام في هذا المكان يحتاج إلى إرخاء العنان في حلبة البيان، فنقول: قد أجمع أعلام العلم وفرسان النثر والنظم على أن هؤلاء الثلاثة ذللوا جموح الآداب وشموسها. وأطلعوا أقمارها وشموسها. وهم أصول الأدب وفروعه، ومعدته وينبوعه، وإلى كلامهم تميل الطباع، وعلى أبياتهم تقف الخواطر والأسماع. وثمرات البدائع منهم تجتني، وذخائر البراعة من غرائبهم تقتني.
قال ابن الأثير في المثل السائر: هؤلاء الثلاثة لات الشعر
стр. 246
وعزاه ومناته الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وجمعت بين الأمثال السائرة، وحكمة الحكماء، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء.
أما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على الأضراب ولقد مارست من الشعر كل أول وأخبر، ولم أقل ما أقوله إلا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل، وكشف عن غامضه، وراض فكره برائضه أطاعته
стр. 247
أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينما يكون في شظف نجد إذ تشبث بريف العراق، وسئل أبو الطيب عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري. ولعمري لقد أنصف في حكمه وأعرب بقوله عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء
стр. 248
في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.
وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، ولكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختص بالإبداع في مواضع القتال، وأنا أقول فيه قولا لست فيه متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان
стр. 249
لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى يظن أن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقة في ذلك يَضل بسالكه، ويقوم بعذر تاركة، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة، فيصف لسانه ما أداه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن التوسط؛ فإما مفرط في وصفه، وإما مفرط، وهو إن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من
стр. 250
شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف، وفوق الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:
لا تطلبنّ كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يداً خُتموا
ولا تُبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القولُ حتى أحمدَ الصمم
ولقد وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم يبق ديوان لشاعر مفلق يثبت شعره على المحك إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب
следующие страницы →