← Адаб

Адаб · id 21498

الصبح المنبي عن حيثية المتنبي

يوسف البديعي

Полный текст (934 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وعزاه ومناته الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وجمعت بين الأمثال السائرة، وحكمة الحكماء، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء. أما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على الأضراب ولقد مارست من الشعر كل أول وأخبر، ولم أقل ما أقوله إلا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل، وكشف عن غامضه، وراض فكره برائضه أطاعته

стр. 247

أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينما يكون في شظف نجد إذ تشبث بريف العراق، وسئل أبو الطيب عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري. ولعمري لقد أنصف في حكمه وأعرب بقوله عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء

стр. 248

في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية. وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، ولكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختص بالإبداع في مواضع القتال، وأنا أقول فيه قولا لست فيه متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان

стр. 249

لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى يظن أن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقة في ذلك يَضل بسالكه، ويقوم بعذر تاركة، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة، فيصف لسانه ما أداه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن التوسط؛ فإما مفرط في وصفه، وإما مفرط، وهو إن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من

стр. 250

شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف، وفوق الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة: لا تطلبنّ كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يداً خُتموا ولا تُبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القولُ حتى أحمدَ الصمم ولقد وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم يبق ديوان لشاعر مفلق يثبت شعره على المحك إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب

стр. 251

للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض، ولم أجد أحسن تهذيباً للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنفس ديباجة، ولا أبهج سبكا. وقال الشريف الرضي في هذا المقام، وكلام الشريف شريف الكلام، أما تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر وأما أبو الطيب المتنبي فقائد عسكر. قال ابن الأثير: الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ الجزلة تتخيل كأشخاص عليها مهابة

стр. 252

ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين أخلاق، ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال، قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد، وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان، عليهن غلائل مصبغات، وقد تحلين بأصناف الحلي. وقال ابن شرف القيرواني في مقامته التي ذكر فيها الشعراء: وأما أبو تمام الظائي فمتكلف، إلا أنه يصيب؛ ومتعب لكن له من الراحة نصيب، وشغله المطابقة والتجنيس، جيد ذلك أو بئيس جزل المعاني، مرصوص المباني، مدحه ورثاؤه، لا غزلة

стр. 253

وهجاؤه، فهما طرفا نقيض، وسماء وحضيض، وفي شعره علم جم من النسب، وجملة وافرة من أيام العرب، وطارت لها الأمثال، وحفظت له الأقوال، وديوانه مقرو، وشعره متلو. قال ابن بسام: أما صفته هذه لأبي تمام فنصفة لم يثن عطفها حمية، ولا تعلقت بذيلها عصيبة، حتى لو سمعها حبيب لاتخذها قبلة، واعتمدها ملة. قال ابن شرف: وأما البحتري فالفظه ماء ثجاج، ودر رجراج، ومعناه سراج وهاج، على أهدي منهاج، يسبقه شعره إلى ما يجيش به صدره، بيسر مراد،

стр. 254

ولين قياد، إن شربته أرواك، وإن قدحته أوراك، طبع لا تكلف يعنيه ولا العناد يثنيه، لا يمل كثيره، ولا يستكره غزيره. وأما المتنبي فقد شغلت به الأسن، وسهرت في أشعاره الأعين، وكثر الناسخ لشعره، والغائص في بحره، والمفتش عن جمانه ودره، وقد طال فيه الخلف وكثر عنه الكشف، وله شيعة تغلو في مدحه، وعليه خوارج تتعب في جرحه، والذي أقول: إن له حسنات وسيات، وحسناته أكثر عدداً، وأقوى مدداً، وغرائبه طائرة، وأمثاله

стр. 255

سائرة، وعلمه فسيح، وميزة صحيح، يروم فيقدر، ويدري ما يورد ويصدر. والذي يشعر به كلام ابن شرف تقديم البحتري، كما أنه يشعر كلامُ الشريف بتقديم أبي تمام. وكان الشيخ أبو سعد محمد بن أحمد العميدي عن أبي الطيب في غاية الانحراف، حائدا في التمييز عن سنن الإنصاف، ونحن نورد كلامه، ونرد في نحره سهامه، فإنه تجاوز الحد، وأكثر الرد. سعَىَ جُهْدَه لَكنْ تجاوزَ حَدَّه ... وأكثر فارتابت ولو شاءَ قَلَّلاَ وبراعة كلامه: إعجاب المرء بنفسه يشرع إليه أسنة الطاعنين، وتطاوله على أبناء جنسه يجمع عليه ألسنة الشانئين، فلا نقيصة

стр. 256

عندي اقبح سمة من اغترار الإنسان بجهله، ولا رذيلة أبلغ وصمة من إنكار فضيلة من يقع الإجماع على فضله، ولا منقبة أجلب للشرف من الاعتراف بالحق إذا وضحت دلائله، ومن الانحراف عن الباطل إذا استقبحت مجاهله، ولا دلالة على الحلم أبين من التوقف عند الشبهات، حتى ينجلي ظلامها، والتصرف على أحكام النصفة حتى تهديك أعلامها، وما أحسن أثر الحاكم إذ عدل وأنصف، وأقبح ذكره إذا مال عن الحق وجنف، والظلم قبيح،

стр. 257

وهو من الحكام أقبح وأشنع، وجحود الفضل سخيف، وهو من الفضلاء أسخف وأفظع، ومن لم يتميز عن العوام بمزية تقديم وتخصيص. سلق المحسنين بلسان ذم وتنقيص، ومن عدم محاسن التمييز والتحصيل، نظر إلى المميزين بعين التقصير والتجهيل، وأكثر آفات كتاب زماننا وشعرائهم أنهم، لا يهتدون لتعليل الكلام وتشقيقه، ويتبعون الهوى فيضلهم عن منهج الحق وطريقه، فإذا سمعوا فصلا من كتاب، أو بيت شعر

стр. 258

ممن لا يكاد يجيل في الأدب قدحا، ولا يعرف هجاء ولا مدحا، فهو يحكم على قائله بالسبق والتفخيم والإجلال والتعظيم، وليس يدري ما رواه: سليم اللفظ أو مختلة، صحيح المعنى أو منحلة وهل ترتيبه مستحسن أو مستهجن؟ وتقسيمه مطبوع أو مصنوع، ونظامه مستعمل أو مسترذل، وكلامه مستعذب أو مستصعب وهل سبقه إلى ذلك المعنى أحد قبله أو هو مبتدع؟ وأورد نظيره سواه أو هو مخترع؟ استبدعوا كلامه، واتبعوا أحكامه،

стр. 259

واعتمدوا على الاعتقاد دون الانتقاد، وقبلوه بالتقليد لا بالاختيار، وقابلوه بالامتثال دون الاعتبار والاختبار، ثم إن بينت لهم عوار ما رووه والله، وخطأ ما حكوه وخطله التزموا نصرة خطئه واقفين مواقف الاعتذار، ومائلين عن طريقة الإنصاف إلى الانتصار، وليست هذه الخصلة من خصال الأدباء الذين هذبتهم الآداب فصاروا قدوة وأعلاماً، ودربتهم العلوم فأصبحوا بين الناس قضاة وحكاماً، وإنما يذهب في مدح الكتاب والشعراء مذهب

стр. 260

التقليد من يكون في علومه خفيف البضاعة، قليل الصناعة، صفر وطاب الأدب، ضيق مجال الفضل، قصير باع الفهم، جديب رباع العقل، فأما من رزق من المعرفة ما يستطيع أن يميز بين غث الكلام وسمينه؛ ويفرق بين سخيفه ومتينه، وأوتي من الفضل ما يحسن أن يعدل به في القضية غير عادل عن الإنصاف، ويحكم بالسوية غير مائل إلى الإسراف والإجحاف، فالأولى به ألا ينظر إلى أحد إلا بعين الاستحقاق والاستيحاب، ولا يحل أحداً من رتب

стр. 261

الجلالة إلا بقدر محله من الآداب، ولا يعظم الجاهلية لتقدمهم إذا أخرتهم معايب، أشعارهم، ولا يستحقر المحدثين لتأخرهم إذا قدمتهم محاسن آثارهم، ويطرح الاحتجاج بالمحال طرحا، ويضرب عن استشعار الباطل صفحاً، ويحل من يشهد بفضائله شهود عدول، ويذل من كلامه عند التأمل منحول معلول. ولقد جرى يوما حديث المتنبي في بعض مجالس أحد الرؤساء، فقال أحد حاملي عرشه: سبحان من ختم بهذا الفاضل الفحول من الشعراء وأكرمه،

стр. 262

وجمع له من المحاسن ما فضل به كل من تقدمه، ولو أنصف لعلق شعره كالسبع المعلقات من الكعبة، ولقدم على جميع شعراء الجاهلية في الرتبة، ولكن حرفة الأدب لحقته، وقلة الإنصاف محت اسمه من جرائد المتقدمين ومحققته، وإلا فهاتوا لأي شاعر شئتم جاهلي أو إسلامي مثل قوله في صفة الفرس: رجلاه في الركض رجل واليدان يدُ ... وفعله ما تريدُ الكفُّ والقدمُ أليس هذا أبلغ من قول القائل:

стр. 263

درير كخذُروفِ الوليد أمّره ... تتابُع كفيه بخيط موصّل لقد أبدع المتنبي ما شاء وأغرب، وأفصح عن الغرض وأعرب، فقلت للأقيشر ما يقارب هذا المعنى في نعت فرسه، وهو قوله: يجري كما أختاره فكأنه ... بجميع ما أبغيه منه عالمُ رجلاه رجلُ واليدان يدُ إذا ... أحضَرْته والمتين منه سالم فصاح، وقال: يا قوم أهذا شعر إنسان له مسكة من عقل؟ أو بلغه من فضل؟ والله إن للمتنبي غلمانا وأتباعاً أجل من هذا البليد المجهول، من أي

стр. 264

قبيلة هذا العاجز الذي تكلم بمثل هذا الفضول؟ فقلت: عافاك الله، حديثنا في الإبداع لا في الاتباع، وفي الآداب لا في الأنساب ليس يغني المتنبي جلالة نسبه، مع ضعف أدبه، ولا يضره خلاف دهره، مع اشتهار ذكره. ولقد تأملتُ أشعاره كلها فوجدت الأبيات التي يفتخر بها أصحابه، وتعتبر فيها آدابه من أشعار المتقدمين منسوخة، ومعانيها من معانيهم مساوخة. وإني لأعجب من جماعة يغلون في حديث المتنبي وأمره، ويدعون الإعجاز شعره،

стр. 265

ويزعمون أن الأبيات المعروفة له هو مبتدعها، ومخترعها، ومحدثها ومفترعها، لم يسبق إلى معناها شاعر، ولم ينطق بأمثالها باد ولا حاضر. وهؤلاء المتعصبون له المفتخرون باللمع التي يزعمون أنه استنبطها وأثارها، والمعتدون بالفقر التي يدعون أنه افتض أبكارها، والمترنمون له بأبيات سائرة يذكرون أنه انفرد بألفاظها وعانيها، وأغرب في أمثلتها ومبانيها، والمتمثلون بها في مجالسهم ونواديهم والمستعملون لها في خلواتهم وأغانيهم،

стр. 266

كيف لا يستحون أن يقولوا بعصمته؟ ويتهالكوا في الدلالات على حكمته؟ وكيف يستجيزون لنفوسهم ويستحسنون في عقولهم، أن يشهدوا شهادة قاطعة، ويحكموا حكماً جزماً بأنها له غير مأخوذة ولا مسروقة، وأن طرائقها هو الذي ابتدأ توطئتهاغير مسلوكة لغيره، ولا مطروقة؟ فليت شعري هل أحاطوا علماً بنصف دواوين الشعراء للجاهلية والمخضرمين والمتقدمين والمحدثين فضلا عن جميعها؟ أم هل فيهم من يميزيين مستعملها وبديعها حتى

стр. 267

يطلقوا القول غير محتشمين أن المتنبي من بين أولئك الشعراء أبدع معاني لم يفطن لها سواه ولم يعثر بها أحد ممن يجري مجراه؟ ولقد قال المرزباني فيما حكى عنه: أنه لما صنف كتابه على حروف المعجم بأسماء الشعراء، جمع داوين ألف شاعر حتى اختار من عيونها ما أراد، وامتار من متونها ما ارتاد. وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني أن البحتري على ما بلغه أحرق خمس مئة ديوان للشعراء في أيامه حسداً لهم لئلا

стр. 268

تشتهر أشعارهم، وتنشر محاسنهمُ وأخبارهم؛ فمن أين لهؤلاء المتعصبين للمتنبي أنه سبق جماعتهم في مضماره، ولم يقتبس من بعضها محاسن أشعاره، وهل للذين يتدينون بنصرته بصائر بحسن المأخذ، ولطف المتناول، وجودة السرقة، ووجوه النقل، وإخفاء طرق السلب، وتغميض مواضع القلب، وتغيير الصنعة والترتيب، وإبدال البعيد بالقريب، وإتعاب الخاطر في التثقيف والتهذيب حتى يدعوا علم الغيب في تنزيهه عن السرقات التي لا تخفي صورها

стр. 269

على ناقد، وتبرئته عن المعايب التي يشهد عليه بها ألف شاهد؟ ولست - يعلم الله - أجحد فضل المتنبي، وجودة شعره، وصفاء طبعه، وحلاوة كلامه، وعذوبة ألفاظه، ورشاقة نظمه، ولا أنكر اهتداءه لاستكمال شروط الأخذ إذا لحظ المعنى البعيد لحظاً، واستيفاءه حدود الحذق إذا سلخ المعنى وكساه من عنده لفظاً، ولا أشك في حسن معرفته بحفظ التقسيم الذي يعلق بالقلب موقعه، وإيراد التجنيس الذي يملك النفس مسمعه، ولحاقه في إحكام الصنعة ببعض من سبقه،

стр. 270

وغوصه على ما يستصفي ماؤه ورونقه، وسلامة كثير من أشعاره من الخطل والخلل، والزلل والدخل، والنظام الفاحش الفاسد، والكلام الجامد البارد، والزحاف القبيح المستبشع، واللحن الظاهر المستشنع؛ وأشهد أنه عن درجة أمثاله غير نازل ولا واقع، وأعرف أنه مليح الشعر غير مدافع، غير أني مع هذه الأوصاف الجميلة؛ لا أبرئه من نهب وسرقة ولا أرى أن أجعله وأبا تمام رب المعاني، ومسلم بن الوليد وأشباههما في طبقة واحدة ولا ألحقه في عذوبة الألفاظ

стр. 271

وسهولتها، ورشاقة المعرض، ومجانبة التصنع والتكلف بالبحتري، ولا أقيسه في امتداد النفس وعلم اللغة والاقتدار على ضروب الكلام، وتصوير المعاني العجيبة، والتشبيهات الغريبة، والحكم البارعة، والآداب الواسعة بابن الرومي، ولا أتهالك في مدحه تهالك من يتعصب له تقليداً، ويغلو فيجعل بينه وبين هؤلاء الفضلاء أمداً بعيداً، إلى أن قال: ولولا أنه كان يجحد فضائل من تقدمه من الشعراء، وينكر حتى أساميهم في محافل

стр. 272

الرؤساء، ويزعم أنه لا يعرف الطائيين وهو على أشعارهما يغير، ولم يسمع بابن الرومي وهو من أشعاره يمير، ويسبهم إذا قيل في أشعارهم إبداع، ويعيبهم متى أنشد لهم مصراع، لكان الناس يغضون عن معايبه ويغطون على مساويه ومثالبه، ويعدونه كسائر الشعراء الذين لا ينبش عظامهم إنسان، ولا يجري بذمهم لسان. ولقد حدثني من أثق به: أنه لما قتل المتنبي وجد معه ديوانا أبي تمام والبحتري بخطه وعلى حواشي الأوراق علامة كل بيت أخذ

стр. 273

معناه وسلخه، فهل يحل له أن ينكر أسماء الشعراء وكناهم، ويجحد فضائل أولاهم وأخراهم إلى أن قال: وأنا بمشيئة الله تعالى أورد ما عندي من أبيات أخذ ألفاظها ومعانيها، وادعى الإعجاز لنفسه فيها، ليشهد بلؤم طبعه في إنكار فضيلة السابقين، ويسمه بما نهبه من أشعارهم بسمة السارقين. قلت: ليعلم أنه لا بد من تقديم متقدمتين قبل إيراد ما سرق به أبو الطيب المتنبي، ليصير العاذل عاذراً والمحجوج مفارخراً: المقدمة الأولى:

стр. 274

من المقرر عند أرباب هذا الشأن، وفرسان هذا الميدان، أن من المعاني ما يتساوى فيه الشعراء ويشترك فيه المحدثون والقدماء، لأنه كضياء القمر لا يخفي على من أوتي فضيلة النظر، كما إن قلنا في مولانا نجل الحسام: له عزمة أمضى من الحسام، وهو كالليث يوم جداله، وكالغيث وقت نواله، أو إذا قلنا: وجهه كالبدر الزاهر، وكفه كالبحر الزاخر، أو إذا قلنا: كلماته كبرد الشبابُ وألفاظه كبرد الشراب، أو إذا قلنا: لا أشبه وجه مولانا إلا بالعيد

стр. 275

المقبل لو كان العيد تبقى ميامنه، وتدوم محاسنه، أو إذا قلنا: مولانا كالبدر في ارتفاع قدره، وكالبحر في اتساع صدره، لو أن البحر لا يتغير ماؤه، والبدر لا ينقص ضياؤه، أو إذا قلنا: لمولانا خلق هو المسك لولا سواده، وكف هو البحر لولا نفاده، ووجه هو الشمس لولا كسوفه، والقمر لولا خسوفه، أو إذا قلنا: مولانا كالدهر لولا صروفه، والجبل لولا وقوفه، وقد شاهدت من مساطر كلامه، ومقاطر أقلامه، روضات حزن، بل جنات عدن وكقولهم:

стр. 276

عفت الديار وما عفت آثارها من القلوب، وكقولهم: إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه، وإن الواشي لو علم بمزار الطيف لساءه، وأشباه ذلك، وكقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أول حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، ويجري هذا الأمر في سائر أنواع الشعر، فإن أمثال هذه المعاني الظواهر تتوارد عليها جميع الخواطر، وتستوي في إيرادها، ومثل ذلك لا يطلق على المتأخر اسم السرقة،

стр. 277

وإنما يطلق اسمها في معنى مخصوص كقول أبي الطيب: بناها على والقنا يقرع القنا ... وموجُ المنايا حولها مُتلاطم وكان بها مثُل الجنون فأصبحتْ ... ومن جُثث القتلى عليها تمائم فإن هذا معنى، مخصوص ابتداعه أبو الطيب، وكذلك في عضد الدولة وولديه وكان ابنا عدوًّ كاثراه ... له ياءي حروفِ أُنيسيان وهذا المعنى لأبي الطيب، وهو الذي ابتدعه، فمن أتى من بعده بهذا المعنى أو بجزء منه فإنه يكون سارقاً له، وزعم بعض

стр. 278

أهل الأدب أن ابن الرومي ابتدع قوله: تشكو المحبّ وتُلْفىَ الدهَر شاكيةً ... كالقوس تُصمي الرمايا وهي مِرنان وليس الأمر كما زعم فإنه من المثل المضروب وهو تلدغ وتضيء ويضرب لمن يبدأ بالأذى ثم يشكو. وزعم كثير أن ابن الخياط ابتدع قوله: أغارُ إذا آنستُ في الحيّ أنةً ... حذاراً عليه أن تكون لِحُبّه وهو مأخوذ من قول أبي الطيب:

стр. 279

لو قلت للدنفِ الحزين فديتُه ... مما به لأغرتَه بفدائه وهو أدق معنى من قول ابن الخياط. المقدمة الثانية: في السرقات الشعرية، والمحمود منها والمذموم، وهي على خمسة عشر ضرباً: الضرب الأول: أن يأخذ الثاني من الأول المعنى واللفظ جميعاً، كقول الفرزدق: أتعدل أحساباً لئاماً حُماتها ... بأحسابِنا؟ إني إلى الله راجعُ وكقول جرير: أتعدل أحسابا كراماً حُماتها ... بأحسابكم؟ إني إلى الله راجع

стр. 280

فتخالفهما في لفظة واحدة، وهذا الضرب مذموم والمتأخر ملوم. ومن هذا الضرب قول أبي نواس الحكمي: دارتْ على فتيةٍ ذل الزمانُ لهم ... فما أصابُهم إلا بما شاءُوا أخذه من معبد: لَهْفِي على فتية ذلّ الزمان لهم ... فما أصّابهمُ إلاّ بما شاءُوا الضرب الثاني: أن يأخذ المعنى وأكثر اللفظ، وهذا الضرب ينقسم قسمين: مذموم ومحمود، فالأول كقول أبي تمام: محاسنُ أصناف المغنين جَمَّة ... وما قَصَباتُ السبق إلاّ لمعَبد أخذه من قول بعض المتقدمين يمدح معبداً صاحب المغنى:

стр. 281

أجاد طُويسُ والسُّريجيُّ بعده ... وما قَصَباتُ السبق إلا لمعبدِ والثاني كقول أبي الشيص: أجدُ الملامة في هواكِ لذيذة ... حبّاً لذكركِ فليلُمْني اللُّومُ أخذه أبو الطيب فقال: أأحبه وأحبّ فيه مَلامةً ... إن الملامَةَ فيه من أعدائهِ وتسمية هذا مبتدعا أولى من تسميته سرقة. وهذان الضربان يسميان نسخا. الضرب الثالث: أن يأخذ المعنى، ويستخرج منه ما يشبهه، وهذا من أدقها مذهبا، وأحسنها صورة فمن

стр. 282

ذلك قول الحماسي: لقد زادني حباًّ لنفسيَ أنني ... بَغيض إلى كل امرئ غير طائل أخذه المتنبي، واستخرج منه معنى شبيهاً به، فقال: وإذا أتتك مَذَمَّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضلُ ومن هذا الضرب قول أبي تمام: رَعْته الفيافي بعد ما كان حِقْبةً ... رعاها، وماء الروض ينهلُ ساكبُهْ أخذه البحتري، واستخرج منه ما يشابهه فقال: شيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأىُ السميع المبصرِ

стр. 283

ركبا القنا من بعد ما حَمَلا القنا ... في عسكرٍ متحاملٍ في عسكر ومن هذا الضرب قول أبي تمام أيضا: لا أظلم النأي قد كانتْ خلائُقها ... من قبل وشك النوى عندي نَوىً قَذفَا أخذه البحتريّ فقال: أعاتكُ ما كان الشبابُ مقربي ... إليك فألحي الشيبَ إذ هو مُبعدي الضرب الرابع: أن يأخذ المعنى مجرداً من

стр. 284

اللفظ، وهذا لا يكاد يأتي إلا قليلا، ومنه قول جرير: ولا يَمنْعك من أربِ لَحاهمْ ... سواءُ ذو العِمامة والخِمارِ أخذه المتنبي فقال: ومَنْ في كفه منهم قَناهُ ... كمن في كفه منهم خِضابُ الضرب الخامس: أن يأخذ المعنى ويسيراً من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات، وأظهرها شناعة على السارق، فمن ذلك قول البحتري: فوق ضَعْفِ الصغار إن وُكلِ الأم ... ر إليه ودون كيد الكبارِ أخذه من قول أبي نواس:

стр. 285

لم يُجْفَ من كبر عما يُراد به ... من الأمور ولا أزْرى به الصغر وكذلك قول البحتري أيضا: كلُّ عيد له انقضاء وكفّى ... كلَّ يوم من جوده في عيد أخذه من قول علي بن جَبَلة: لِلْعيدِ يومُ من الأيام منتظرُ ... والناسُ في كل يوم منكَ في عيدِ وكذلك قول البحتري أيضاً: جاد حتى أفنى السؤال فلما ... بادَ منا السؤالُ جاد ابتداءَ أخذه من علي بن جبلة: أعطيتَ حتى لم تدعْ لك سائلا ... وبدأتَ إذ قَطَع العُفاةُ سؤالها وكذلك قول أبي تمام:
следующие страницы →