Полный текст (934 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أجاد طُويسُ والسُّريجيُّ بعده ... وما قَصَباتُ السبق إلا لمعبدِ
والثاني كقول أبي الشيص:
أجدُ الملامة في هواكِ لذيذة ... حبّاً لذكركِ فليلُمْني اللُّومُ
أخذه أبو الطيب فقال:
أأحبه وأحبّ فيه مَلامةً ... إن الملامَةَ فيه من أعدائهِ
وتسمية هذا مبتدعا أولى من تسميته سرقة. وهذان الضربان يسميان نسخا.
الضرب الثالث: أن يأخذ المعنى، ويستخرج منه ما يشبهه، وهذا من أدقها مذهبا، وأحسنها صورة فمن
стр. 282
ذلك قول الحماسي:
لقد زادني حباًّ لنفسيَ أنني ... بَغيض إلى كل امرئ غير طائل
أخذه المتنبي، واستخرج منه معنى شبيهاً به، فقال:
وإذا أتتك مَذَمَّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضلُ
ومن هذا الضرب قول أبي تمام:
رَعْته الفيافي بعد ما كان حِقْبةً ... رعاها، وماء الروض ينهلُ ساكبُهْ
أخذه البحتري، واستخرج منه ما يشابهه فقال:
شيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأىُ السميع المبصرِ
стр. 283
ركبا القنا من بعد ما حَمَلا القنا ... في عسكرٍ متحاملٍ في عسكر
ومن هذا الضرب قول أبي تمام أيضا:
لا أظلم النأي قد كانتْ خلائُقها ... من قبل وشك النوى عندي نَوىً قَذفَا
أخذه البحتريّ فقال:
أعاتكُ ما كان الشبابُ مقربي ... إليك فألحي الشيبَ إذ هو مُبعدي
الضرب الرابع: أن يأخذ المعنى مجرداً من
стр. 284
اللفظ، وهذا لا يكاد يأتي إلا قليلا، ومنه قول جرير:
ولا يَمنْعك من أربِ لَحاهمْ ... سواءُ ذو العِمامة والخِمارِ
أخذه المتنبي فقال:
ومَنْ في كفه منهم قَناهُ ... كمن في كفه منهم خِضابُ
الضرب الخامس: أن يأخذ المعنى ويسيراً من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات، وأظهرها شناعة على السارق، فمن ذلك قول البحتري:
فوق ضَعْفِ الصغار إن وُكلِ الأم ... ر إليه ودون كيد الكبارِ
أخذه من قول أبي نواس:
стр. 285
لم يُجْفَ من كبر عما يُراد به ... من الأمور ولا أزْرى به الصغر
وكذلك قول البحتري أيضا:
كلُّ عيد له انقضاء وكفّى ... كلَّ يوم من جوده في عيد
أخذه من قول علي بن جَبَلة:
لِلْعيدِ يومُ من الأيام منتظرُ ... والناسُ في كل يوم منكَ في عيدِ
وكذلك قول البحتري أيضاً:
جاد حتى أفنى السؤال فلما ... بادَ منا السؤالُ جاد ابتداءَ
أخذه من علي بن جبلة:
أعطيتَ حتى لم تدعْ لك سائلا ... وبدأتَ إذ قَطَع العُفاةُ سؤالها
وكذلك قول أبي تمام:
стр. 286
قد قَلَّصتْ شفتاه من حفيظته ... فَخيِلَ من شدة التعبيس مبتسماً
أخذه من ديك الجن:
وإذا شئتَ أن ترى الموتَ في صو ... رة ليثِ في لبدتي رئيال
فَالقَه غيرَ إنما لبدتاه ... أبيضُ صارمُ وأسمر عالي
تلقَ ليثا قد قلصّت شفتاه ... فيُرى ضاحكاً لِعَبْس الصّيال
ومن هنا أخذ المتنبي قوله:
إذا رأيتَ نيوبَ الليثِ بارزةً ... فلا تظنّن أن الليثَ مُبتسمُ
لكنه أبرزه في صورة حسنة، فصار أولى به.
وكذلك قال أبو تمام:
стр. 287
ولم أمدحكْ تفخيما بشعري ... ولكني مدحتُ بك المديحا
أخذه من قول حسان في النبي ﷺ :
ما إن مدحتُ محمداً بمقالتي ... لكنْ مدحتُ مقالتي بمحمد
وكذلك قول ابن الرمي:
وكلتُ مجدَك في اقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضياً ووكيلاً
أخذه من قول أبي تمام:
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيتُه بترك التقاضي
وكذلك قول ابن الرومي:
стр. 288
ومالي عزاءُعن شباب علمتهُ ... سوى أنني من بعده لا أخلدّ
أخذه من قول منصور النمري:
قد كدت أقضي على فوت الشباب أسىً ... لولا تَعَزىَ أن العيش منقطع
الضرب السادس: أن يأخذ المعنى فيقلبه، وذلك محمود، ويخرجه حسنُه عن حد السرقة، فمما جاء منه قول أبي تمام:
كريمُ متى أمدحْه والورى ... معي وإذا ما لمتُه لُمتُه وحدي
أخذه من تأخر عنه فقال:
стр. 289
مدحتُهم وحدي فلما هجوتُهم ... هجوتُهم والناس كلهمُ معي
الضرب السابع: أن يأخذ بعض المعنى، وهذا الضرب محمود، فمن ذلك قول أمية ابن أبي الصلت:
عطاؤكَ زين لامرئ إن حبوتَه ... ببذل وما كل العطاء يَزينُ
ونيس بشيْن لامرئ بذلُ وجهه ... إليك كما بعضُ السؤال يَشينُ
أخذه أبو تمام فقال:
تدْعى عطاياه وفراً وهي شُهرت ... كانتْ فخاراً لمن يَعفوه مؤتنفا
ما زلتُ منتظراً أعجوبة زمناً
стр. 290
.. حتى رأيتُ سؤالا يجتني شرفا
ومن هذا الضرب قول علي بن جَبَلة:
وأثّل ما لم يَحْوَه متقدمُ ... وإن نال منه آخرُ فهو تابُع
أخذه المتنبي فقال:
ترفع عن عونُ المكارم قدرُه ... فما يفعل الفَعْلات إلا عَذاريا
والمتنبي وأبو تمام أبرزا ما أخذاه هاهنا في صورة حسنة، وكذلك قال أبو تمام:
كَلِفُ بِربّ المجد يعلم أنه ... لا يُبتدىَ عُرفُ إذا لم يُتممِ
أخذه البحتري فقال:
ومثلك إن أبدي الفَعال أعاده ... وإن صنع المعروفَ زاد وتمما
стр. 291
الضرب الثامن: أن يأخذ المعنى فيزيد عليه معنى آخر، وهذا الضرب لا يكون إلا حسناً، فمن ذلك قول جرير:
غرائبُ أُلاّف إذا حان وردها ... أخذن طريقاً للقصائد مُعْلماَ
أخذه أبو تمام فقال:
غرائبُ لاقتْ في فنائك أنسَها ... من المجد فهي الآن غيرُ غرائب
فهذا أحسن من قول جرير للزيادة التي فيه. وهذا البيت من قصيدة يمدح بها أبا دلف العجلي، وهي من أمهات قصائده، وأولها:
على مثلها من أربعُ وملاعب ... أذيلت مصوناتُ الدموع السواكب
стр. 292
أقول لُقرحان من البين لم يُصِبْ ... رسيسَ الهوى بين الحشا والترائب
أي أقول لرجل لم يقطعه أحبابه، ولم تبعد عنه أصحابه، وأصل القُرْحان. الذي لم يخرج عليه الجدري. ويروي: لفرحان بالفاء.
أعِنّيَ أُفرقْ شمل دمعي فإنني ... أرى الشمل منهم ليس بالمتقاربِ
يقول: قد اجتمع دمعي، لأني لم أبك رجاء أن يقرب الشمل، والآن فقد رأيته ليس بالمتقارب، فأعنى بوقفة على منازلهم، حتى أبكيهم فأستريح.
فما كان في ذا اليوم عذلُك كله ... عدّويَ حتى صار جهلك صاحبي
стр. 293
وما بك إركابي من الرشد مَرْكبا ... ألا إنما حاولتَ رُشدَ الركائب
يخاطب الرجل القرحان الذي لم يصب بالمصائب، وعذَلَه على الرحيل؛ يقول: ليس بك رشدي. ولكنك تريد أن تريح الركائب، وأريدُ أن أتعبَها بالمسير.
فكلني إلى شوقي وسِرْ يَسيرِ الهوى ... إلى حُرُقاني بالدموعِ السواربِ
يقول: أنا لا أطاوعك على ما تريده، فَسر وسلمني إلى شوقي، فإن هواي سيبعث دمعي، ثم خاطب ديار أحبابه، فقال:
أميدانَ لهوى من أتاح لك الردى
стр. 294
.. فأصبحتِ ميدانَ الصَّبا والجنائب
أصابتك أبكارُ الخطوب فَشتّت ... هوايَ بأبكار الظباء الكواعب
وركبٍ يُساقون الركابَ زُجاجةً ... من السير لم تقصد لها كفّ قاطب
هذا مثل، يقول: يسكرون ويسكرون المطي من التعب فكأنهم سقوها زجاجة ولم تقصد لها كف قاطب أي ليس هي على الحقيقة زجاجة فيها شراب يناولها الساقي.
فقد أكلوا منها الغواربَ بالسُّرى ... فصارتْ لها أشباحُهم كالغوارب
стр. 295
يقودُ نواصيها جُديلُ مَشارق ... إذا آبهُ همُ عُذيُق مَغاربِ
ويروي: يصرف مسراها، يقول: يسير بهذه الإبل رجل عالم بالشرق والغرب يريد نفسه وهذا من المثل الذي قاله الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، ويضرب لمن يستشفي برأيه، والجذل خشبة تحتك بها الإبل الجربي، والعذق النخلة والتصغير فيهما للتفخيم.
يرى بالكَعاب الرَّوْدِ طلعةَ ثائرٍ ... وبالعرْمِس الوجناء غرةَ آئِب
يقول: يصرف هذه الركاب
стр. 296
رجلُ محبب إليه السفر في طلب العلا، فإذا رأى الكاعب من النساء، رأى بها طلعة ثائر دنا لينال منه، لبغضه الكاعب، وحبه السفر، ليبلغ مراده، وإذا رأى الناقة السريعة السير فكأنه رأى غرة إنسان مقبل عليه.
كأن به ضِغنا على كل جانب ... من الأرض، أو شوقاً إلى كل جانب
يقول: من حبه للسير في البلاد، كأن به ضغنا على كل مكان، حتى يفارقه، أو شوقا إلى كل مكان، حتى يبلغه؛ وكل ما ذكره من حبه للسير، حتى يقول:
стр. 297
إذا العيسُ لاقتْ بي أبا دلف فقد ... تقطع ما بيني وبين النوائب
وهذه الجملة معترضة، جمح بها القلم في ميدانه؛ ونعود إلى ما نحن بصدد بيانه.
ومن هذا الضرب قول مسلمة بن عبد الملك:
أذُلّ الحياة وكُرْهَ المماتِ ... وكلا أراه طعاما وبيلا
فإن لم يكن غيرُ إحداهما ... فسيرا إلى الموت سيراً جميلا
أخذه أبو تمام، فقال:
مثلّ الموتَ بين عينيه والذّل ... وكلا رآه خطباً عظيماً
ثم سارتْ به المنيةُ قُدْماً ... فأمات العِدا ومات كريما
стр. 298
وقول أبي تمام أحسن. وكذلك ورد قول الطغرائي:
يا منَ إذا اجتمع الكُتّاب كان له ... فضلُ الإمارة مقتاداً كتيبتها
شكت إليك دواتي شيب لمتها ... وأنت أخلق من طَرَّى شبيبتها
وقال مولانا السيد الأمجد أحمد أفندي الشهير بابن النقيب، دامت معاليه:
لدواة داعيكم مدادُ شاب من ... جَوْر اليَراع، وقد رثَتْ لُمصابهِ
وأتت تؤمل فضلكم وترومُ من ... إحسانكم تجديدِ شَرْخ شبابهِ
ففي قوله - أيده الله - زيادة حسنة،
стр. 299
وهي جور اليراع، وقد رثت لمصابه. وكذلك ورد قول أبي نواس:
قل لمن يدعي سُلَيْمَى سفاها ... لست منها ولا قُلامَة ظفر
إنما أنت مُلَصق مثلُ واو ... ألحقتْ في الهجاء ظلما بعمروِ
أخذه البحتري فقال:
خلّ عنا فإنما أنت فينا ... واوُ عمرو أو كالحديث المعاد
فالبحتري زاد على أبي نواس: الحديث المعاد.
وأحس من قولهماقول ماجد الديار الشامية، مولانا أحمد أفندي الشاهيني، طال بقاه، وهو:
إنما البهنسي أحمد خَطْبُ ... لا خطيب ولا جليل بَقْدرِ
стр. 300
زيدت الياء فيه ظلما وعدوا ... نا كواو غَدَتْ بآخر عمرو
ووجه حسنه المناسبة فيه بين الحرفين، وكذلك ورد قول الشريف الرضي:
ولو أن لي يوماً على الدهر إمرةً ... وكانت لي العُدوَى على الحَدثَان
خلعت على عطفيك برد شبيبتي ... جوادا بعمري واقتبال زماني
فقال الشاهيني حرس الله ببقائه الفضل والكرم؛ ولا برحت أياديه التمائم من العدم: يخاطب شيخه أبا العباس أحمد بن محمد المقريالمغربي في آخر قصيدة، وأرسل إليه هدية وخمسين غرشا ولا يخفي ما في
стр. 301
هذا البيت الثاني من الحسن:
لو كان لي أمر الشباب خلعته ... بُرْداً على عَلْياك ذا أردانِ
لكن تعذر بعث أول غايتي ... فبعثت نحوك غاية الإمكانِ
وكذلك ورد قول أبي تمام:
يَصُدُّ عن الدنيا إذا عَنَّ سُؤددُ ... ولو بَرَزَت في زيّ عَذْراء ناهدِ
أخذه من قول ابن المعذل
ولست بنظار إلى جانب الغنَى ... إذا كانت العَلْياء في جانب الفقرِ
وكذلك ورد قول البحتري:
ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا ... جذلان يُبدع في السماح ويُغرب
стр. 302
أخذه من قول مسلم بن الوليد
ركبت إليه البحر في مؤخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر
إلا أنه زاد عليه: جذلان يبدع في السماح ويغرب. وكذلك ورد قول أبي نواس:
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
أخذه من قول جرير:
إذا غضبتْ عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
يحكى عن أبي تمام: أنه دخل على ابن أبي داود فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا تمام فقال: إنما يعتب على واحد وأنت
стр. 303
الناس جميعا. قال من أين هذه يا أبا تمام؟ فقال: من قول الحاذق أبي نواس وأنشده البيت السابق، وفي بيت أبي نواس زيادة حسنة قد ملكته رق هذا المغني؛ وذلك أن جريراً جعل الناس كلهم في بني تميم، وأبا نواس جعل العالم كله في واحد وذلك أبلغ.
الضرب التاسع: أن يأخذ المعنى فيكسيه عبارة أحسن من الأولى، وهذا هو المحمود الذي يخرجه حسنه عن باب السرقة، وعليه قول أبي نواس:
стр. 304
يَدَل على ما في الضمير من الهوى ... تقلب عينيه إلى شخص من يهوى
أخذه المتنبي فأجاد حيث قال:
وإذا خامر الهوى قلبَ صبّ ... فغليه لكل عين دليلُ
الضرب العاشر: أن يأخذ المعنى؛ ويسبكه سبكا موجزا، وذلك من أحسن السرقات، فمن ذلك قول بعض المتقدمين:
أمن خوف فقر تعجلتَه ... وأخرت إنفاق ما تجمع
فصرتَ الفقير وأنت الغنّى ... وما كنت تعدو الذي تصنع
أخذه المتنبي فقال:
стр. 305
ومن ينفق الساعاتِ في جمع ماله ... مخافةَ فقر فالذي فعل الفقر
وكذلك ورد قول أبي تمام:
كانت مساءلة الركبان تُخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني مما قد رأى بصري
فأخذه أبو الطيب فقال:
وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغرّ الخبرَ الخُبَر
وقال أبو تمام:
كم صارم عضْب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمال
стр. 306
سبق المشيبَ إليه حتى ابتزه ... وطن النهى من مفرق وقذال
أخذه المتنبي فقال وأحسن:
يسابق القتلُ فيهم كلّ حادثة ... فما يصيبهمُ موت ولا هرم
الضرب الحادي عشر: أن يكون المعنى عاما، فيجعله خاصاً، أو بالعكس، وهذا من السرقات التي يسامحفيها صاحبها، ومنه قول الأخطل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عارُ عليك إذا فعلت عظيم
أخذه أبو تمام فقال:
ألوم من بخلت يداه وأغتدى ... للبخل تِربا؟ ساء ذاك صنيعا
стр. 307
وكذلك قول أبي تمام:
ولو حاردتْ شَوْلُ عذرتُ لِقاحَها ... ولكن منعتَ الدرَّ والضَّرعُ حافلُ
أخذه المتنبي فقال:
وما يؤلم الحرمانُ من كف حارم ... كما يؤلم الحرمانُ من كفّ رازق
الضرب الثاني عشر: أن يزيد المعنى بياناً مع المساواة في أصله؛ ومنه قول أبي تمام:
هو الصنُّع إن يعجلْ فنفهُ وان يَرِثْ
стр. 308
.. فَلَرَّيثُ في بعض المواطن أنفعُ
أخذه المتنبي فأوضحه بمثال فقال:
ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجَهامُ
الضرب الثالث عشر: وهو اتحاد الطريق، واختلاف المقصد، فمن ذلك قول بعضهم:
كأنه غنّى لشمس الضحى ... فنقطته طربا بالنجوم
أخذه مولانا الشاهيني أدام الله سودده، فقال وأحسن غاية الإحسان:
وقائلة والشمسَ أعني وقد رأت ... قروحاً على خدَّ يفوق على الورد
أما تغتدي تُهدي لِحبك عُوذَةً ... فقلت وهل تُغني الرقي من أخي الوجد
стр. 309
فجاءته وَلْهَى بالنجوم تمائما ... فأدهشتها حتى نُثِرنْ على الخَدّ
وعلماء الأدب يسمون هذا الضرب سلخاً.
الضرب الرابع عشر: قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة، وهذا الضرب يسمى مسخاً. فمما ورد منه قول ديك الجن:
نحن نُعزيك ومنك الهدى ... مستخرجُ والصبر مستقبل
стр. 310
نقول بالعقل وأنت الذي ... نأوي إليه وبه نعقل
إذا عفا عنك وأودى بنا الدَّ ... هْرُ فذاك المحسنُ المُجمِلُ
أخذه المتنبي فقال:
إن يكن صبر ذي الرزية فضلاً ... تكن الأفضلَ الأعزَّ الأجلاّ
أنت يا فوقَ أن تعزى عن الأح ... باب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عَزّ ... اك قال الذي له قلت قبلا
الضرب الخامس عشر: قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة، ولا يسمى هذا الضرب
стр. 311
مسخاً وإن سموه، لأنه محمود، والمسخ مذموم، فمن ذلك قول المتنبي:
إني على شغفي بما في خُمْرِهَا ... لأعِفُ عما في سراويلاتها
أخذه الشريف الرضي فقال:
أُحِنُّ ما تَضمن الخُمْر والحِليَ ... وأصدِفُ عما في ضَمان المآزرِ
وهاهنا ضرب آخر: وهو أن ينقل المعنى من غير اللغة العربية إليها، وهذا يجري مجرى الابتداع كقول المرحوم البوريني:
يقولون في الصبح الدعاءُ مؤثَّرُ ... فقلتُ نعم لو كان ليلى له صبحُ
وكذلك قوله:
стр. 312
وأنظر إلى وَرَق الغصونِ فإنها ... مشحونةُ بأدلةِ التوحيد
فإنه نقلها من اللغة الفارسية وإذا كانت المقدمة الأولى على ذكر منك، ولم تذهب ضروب الثانية عنك، فيجب أن نورد عليك ما قاله العميدي وأبانه، وما شنع على المتنبي في الإبانة ومن أنصف بعد الوقوف عليهما، ورد ما أورده إليهما، علم أن العميدي دعاه الحسد إلى أن جعل محاسن أبي الطيب عيوباً، وحسناته ذنوباً قال العميدي: قال ديك الجن:
стр. 313
دِعْصُ يُقلّ قضيب بانْ فوقه ... شمسُ النهار تُقل ليلا مظلما
قال المتنبي:
غصنُ على نَقَوَيْ فلاةٍ نابتُ ... شمس النهار تقل ليلا مظلما
قال العميدي مثل هذا البيت تسميه أصحابه التوارد، وأخصامه النسخ، وأنا أعرف أنه تعب في نظم هذا البيت فله فضيلة التعب، قلتُ كل من البيتين ليس فيه معنى مخصوص حتى يحكم بالسرقة، وتشبيه القد بالقضيب وما تحويه المآزر بالكثيب، والوجه بالشمس، والشعر بالظلام، مما
стр. 314
تتوارد عليه الأفهام، وبيت المتنبي وإن كان هو الأخير فإنه سالم من التكرير، وقد قال أهل الفضل إنه من الوجوه المنقصة لقول العرب القتل أنفى للقتل، فتنبه لأمثاله، ولا تحفل بمقالة. قال العميدي.
قال العلوي الكوفي المعروف بالحِمّاني في برية.
تيهاء لا يتخطاها الدليل بها ... إلا وناظره بالنجم معقود
قال المتنبي:
عقدتُ بالنجم طرفي في مفاوزه ... وحُرَّ وجهي بحر الشمس إذ أفَلا
قلت: بيت المتنبي أحسن لما فيه من التجنيس والزيادة
стр. 315
في المعنى.
قال العميدي: ذكر ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار لبعض الأعراب:
لي همة فوق السما ... ء وباب رزقي الدهرَ مُغْلقْ
هل ينفع الحِرصُ الكثي ... رُ لصاحبِ الرزق المُضَيَّق
إن امرأُ أمن الزما ... ن لمستغِرّ العقل أحْمَق
قال المتنبي:
فالموت آت والنفوسُ نفائس ... والمستقّر بما لديه الأحمق
قلت: الفرق بينهما كما بين السراب والشراب لمن يهتدي مناهج الصواب. قال العميدي: قال ابن الرومي:
стр. 316
شكواي لو أنا أشكوها إلى جَبَلٍ ... أصَمَّ ممتنعِ الأركان لا نفلقا
قال المتنبي:
ولو حُمَّلتْ صُمُّ الجبالِ الذي بنا ... غداةَ افترقنا أو شكتْ تَتَصَدّعُ
قلت: لو لم يكن في بيت المتنبي إلا ما تراه من الرقة والانسجام لكفاه العدول عن الانفلاق إلى التصدع في هذا المقام.
قال العميدي: قال أبو تمام.
له منظر في العين أبيضُ ناصعُ ... ولكنه في القلب أسْودُ أسْفَعُ
وقال العَطّوِيّ:
стр. 317
أَبعدك الله من بياض ... بَيَّضتَ مِنْ عينيَ السوادا
قال المتنبي:
اِبعَدْ بَعِدتَ بياضاً لا بياض له ... لأنتَ أسودُ في عيني من الظلم
قال العميدي: قوله أسود في النحو ركيك لم يسمع إلا في أبيات شواذ نوادر. قلت لنا مندوحه عن الوجه الذي يرد عليه الاعتراض بأن يكون من للتبعيض قال العميدي: قال نصر الخبزأرزي:
وأسقمني حتى كأني جفونُه ... وأثقلني حتى كأني روادفُهْ
стр. 318
وقال محمد بن أبي زُرعة الدمشقي:
أسقمني طرفُه وحَمَّلني ... هواه ثِقلا كأنني كَفَلُه
قال المتنبي:
أعارني سقم جفنيه وحملني ... من الهوى ثقل ما تحوى مآزره
قلت: لو سمع هذا أبو الطيب لأنشد قول البحتري:
إذا محاسني اللاتي أتيتُ بها ... كانت ذنوبي فقل لي كف أعتذر
قال العميدي: قال البحتري:
جلّ عن مذهب المديح فقد كا ... د يكون المديحُ فيه هجاء
стр. 319
وقال نصر الخبز أرزي:
ومن قِلّة ما أُثني ... عليه صرت كالهاجي
قال المتنبي
وعُظْمُ قدرِك في الآفاق أوهمني ... أني بقلة ما أثنيت أهجوكا
قلت حسن بيت المتنبي لا يخفي على ذي مسكة. قال العميدي: قال ابن الرومي:
أقسمتُ بالله ما استيقظتمُ لِخَناً ... ولا وُجدتْم عن العليا بُنوّام
وقال بشار بن برد:
سهرتُم في المكرمات وكسبها ... سَهراً بغير هوى وغيرِ سَقام
стр. 320
قال المتنبي:
كثيرُ سُهادِ العين من غيرِ علة ... يُؤرّقه فيما يُشرّفه الذكرُ
قلت: بيت المتنبي أشرف لشرف الذكر.
قال العميدي: قال ابن الرومي:
وقد سار شعري الأرض شرقاً ومغربا ... وغنى به الحَضْرُ المقيمون والسفْرُ
قال المتنبي:
هم الناس إلا أنهم من مكارم ... يُغنّي بهم حضْرّ ويحدو بهم سَفْر
قلت: أصاب شاكلة الصواب بقوله: ويحدو.
قال العميدي:
следующие страницы →