← Адаб

Адаб · id 21498

الصبح المنبي عن حيثية المتنبي

يوسف البديعي

Полный текст (934 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أصبحتَ أفضلَ من يمشي على قدم ... بالرأي والعقل لا بالبطش والجَلَد لئن ضَعُفْتَ وأظناك السقام فلم ... يضعف قوى عقلك الصافي ولمَ يمدِ لو كان أفضلُ ما في الخلق بطشهمُ ... دون العقول لكان الفضل للأسَد وإنما العقل شيء لا يجود به ... للناس غيرُ الجواد الواحد الصمدِ قال المتنبي: لولا العقولُ لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان قال إدريس الأعور يرثى عبد

стр. 352

الله بن طاهر: أجيل طرفي فما ألقى سوى جدث ... وارى محاسن ذاك المنظر البهج وتربة ما رأتها عينُ غانية ... إلا سخت بدم بالدمع ممتزج وسودتها بِنِقْسٍ بعد غاليةٍ ... وبدلت حمرة التفاح بالسبج قال المتنبي: وأبرزت الخدورُ مخبآتٍ ... يضعن النقس أمكنة الغوالي قال أبو تمام: تعود بسط الكف حتى لو انه ... أراد انقباضاً لم تطعه أنامله وقال ابن الرومي:

стр. 353

تعوَّدَت المواهبَ والعطايا ... أناملُ فيضُ راحتِها انسجامُ فليس لها عن الحمد انفراج ... وليس لها على المال انضمام قال المتنبي: عجباً له حَفِظَ العِنانَ بأنمل ... ما حفظُها الأشياءَ من عاداتها قال العكوك: عجبتُ لَحراقة ابن الحُسَيْن ... كيف تعوم ولا تَغْرَقُ وبحران من تحتها واحدُ ... وآخرُ من فوقها مُطْبِقُ وأعجب منَ ذاك عيدانُها ... وَقْد مَسَّها كيف لا تُورقُ وقال أبو البيداء:

стр. 354

هو المشترى الحمدَ الكثيرَ بماله ... وفي يده للسائلين سَحاب ولو مطرت كفاه أرضاً لأخصبت ... وأورق صفوانُ عليه تُرابُ قال المتنبي: وعجبت من أرضٍ سحابُ أكُفَّهم ... من فوقها وصخُورها لا تُورِقُ قال أبو تمام: ومن خدم الأقوام يرجو نوالَهم ... فإنيَ لم أخدمك إلا لأخدما قال المتنبي: وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجدُّه قال ابن المعتز:

стр. 355

وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدمُ تبدتْ في ثياب حداد وقال معوج الرقي: كأن بناتِ نعش حين لاحت ... نوائحُ واقفاتُ في حداد قال المتنبي: كأن بنات نعش في دجاها ... خرائدُ سافراتُ في حداد قال بشار: وظن وهو مُجدُّ في هزيمته ... ما لاح قدامه شخصاً يسابقه قال أبو نواس: فكل كف رآها ظنها قدحاً ... وكل شيء رآه ظنه الساقي قال المتنبي:

стр. 356

وضاقت الأرض حتى كاد هاربُهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا قال أبو المتورد: حلّ المسيب بمفرقي ... فكأنه سيف صقيل أقبحْ بضيف قال لي ... لما أتى قُرب الرحيل وقال البحتري: وددت بياض السيف يوم لقيني ... مكانَ بياض الشبب حل بمفرقي قال المتنبي: ضيف ألم برأسي غير مُحتشم ... والسيف أحسن فعلا منه باللمم قال الخليع الأكبر:

стр. 357

وخير بلاد الله عنديَ بلدةُ ... أنال بها عزاً وأحوى بها حمدا وقال البحتري: وأحب أقطار البلاد إلى الفتى ... أرضُ ينال بها كريم المطلب قال المتنبي: وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب قال النابغة: وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى تحسب لجون أشقرا وقال أبو المهاجر البجلي: وخاضت عتاقُ الخيل في حومة الوغى ... دماء فصارت شُهبُ ألوانها دُهما

стр. 358

قال المتنبي: جفتني كأني لست أنطقَ قومِها ... وأطعنَهم والشهبُ في صورة الدُّهْمِ قال قدامة بن موسى الجمحي: شجاع يرى الإحجام كفراً فيتقي ... وسمح يرى الإفضال فرضاً فيُفضِل وما يتناهى القول في وصف مدحه ... ولكنني أبغي اختصاراً فأجمل قال المتنبي: هو الشجاع يعدّ البخل من جُبُن ... وهْو الجواد بعد الجبن من بَخَل قال إبراهيم البندَ نيجي الكاتب:

стр. 359

أحاول أمرا والقضاء يعوقه ... فبيني وبين الدهر فيه طِراد ولولا الذي حاولت صعبا مرامه ... لساعدني فيه عليه شداد قال المتنبي: أهمّ بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد وحيد من الخُلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد قال الناشي: إليكم بنى العباس عني فإنني ... إلى الله من ميل إليكم لَتائب تركتم طريق الرشد بعد اتضاحه ... وأقصتكم عنه ظنونُ كواذب

стр. 360

سيظفر أهل الحق بالحق عاجلا ... وتبعد كم سُمرُ القنا والقواضب أترضون أن تطوى صحائف عصبة ... كرام لهم في السابقين مراتب ألم تعلموا أن التراث تراثهم ... وهم أظهروا الإسلام والكفرُ غالب فلا تذكروا منهم مثالبَ إنما ... مثالب قوم عند قوم مناقب قال المتنبي: بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائبُ قوم عند قوم فوائد قال أبو راسب البجلي:

стр. 361

ولولا انتقاد الدهر لم يَكْسُ قاسما ... جَلاَلا ولم يِسْلُب سواه المعاليا قال المتنبي: ولما رأيت الناس دون مَحَله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد وقال أبو راسب أيضاً: ولو كنت تحوي عمر من قد نهبته ... بسيفك في الدنيا لكنتُ مخلداَّ قال المتنبي: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد قال أبو العتاهية: شيم فتحت من المجد ما قد ... كان مستغلقاً على المُداحِ قال المتنبي:

стр. 362

وعلموا الناس منك المجد واقتدروا ... على دقيق المعاني من معانيكا قال أبو العالية: أنارت بك الأوقات حتى تبسمت ... ورقت حواشيها وطاب نسيمها فخذ ما صفا منها وعش في سعادة ... فليس بباق لهوها ونعيمها قال المتنبي: انعمْ ولَذَّ فللأمور أواخر ... أبداً إذا كانت لهن أوائل قال السيد الحميري: تخفَى على أغبياء الناس منزلتي ... إني النهارُ وهم فيه الخَفافيشُ قال المتنبي:

стр. 363

وإذا خفيِتُ على الغبيّ فعاذرُ ... ألاَّ تراني مقلةُ عمياءُ قال العوني: يا صاحبيَّ بعدتما فتركتما ... قلبي رهينَ صبابة وتصابي أبكي وفاء كما وعهد كما كما ... أبكي المحبَّ معاهد الأحباب قال المتنبي: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجمهُ قال العوني: أحب ابن بنت المصطفى وأزوره ... زيارة مهجور يَحنّ إلى الوصل وما قدمي في سعيه نحو قبره ... بأفضل منه رتبةً مركزُ العقل

стр. 364

قال المتنبي: خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فَضَلَتْها بقصدك الأقدامُ قال البحتري: اغتنم فرصة من الدهر واطرب ... ليس شيء من الجديدين باقي وزمان السرور يمضي سريعاً ... مثلَ طيبِ العِناق عند الفراق قال المتنبي: للهو آونة تمر كأنها ... قُبَلُ يُزوَّدُها حبيبُ راحلُ قال منصور النَّمَري: رضيت بأيام المشيب وإن مضى ... شبابي حميداً والكريم ألوف قال المتنبي:

стр. 365

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصّبا ... لفارقتُ شيبي موجَعَ القلب باكيا قال البحتري: تعنو له وزراءُ الملك خاضعةً ... وعادةُ السيف أن يَستخدم القلما وقال ابن الرومي: كذا قضى الله للأقلام مذ خُلقتْ ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم قال المتنبي: حتى رجعت وأقلامي قوائلُ لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم

стр. 366

اكتبْ بنا أبداً بعد الكِتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم قال البحتري: أضرتْ بضوء البدر والبدرُ طالعُ ... وقامت مقام البدر لما تغيبا وقال نصر الخبرأرزي: وما حاجة الركب السُّراة إذا بدا ... لهم وجهه ليلا إلى طلعة البدرِ قال المتنبي: وما حاجةُ الأظعان حولكِ في الدجى ... إلى قمر ما واجدُ لكِ عادمه قال علي بن جبلة:

стр. 367

قمرُ نمّ عليه نورهُ ... كيف يُخْفي الليلُ بدراً طلَعاَ وقال الشعباني: فإذا جِزعت من الرقيب فلا تزرْ ... فالبدر يفضح كلَّ ليل مظلم قال المتنبي: أمنِ ازديارَكِ في الدّجا الرقباءُ ... إذ حيث كنتِ من الظلام ضياء قال أبو تمام: مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد قال المتنبي: وإني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي عن فنائك غيرُ غاد قال أبو تمام:

стр. 368

وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي قال المتنبي: محبك حيث ما اتجهتْ ركابي ... وضيفك حيث كنتُ من البلاد قال البحتري: ولم أر في رنْق الصَّرَي ليَ مَوْرِداً ... فحاولتُ وردِ النيل عند احتفاله وقال الكسروي: وما أنا تارك بحراً نميراً ... وأطمع في الجداول والسواقي إذاً لَجحدتُ ما أوليتنه ... من النعمى ومِتّ من النفاق وقال العطوي: أأمتاج من بئر قليل معينها ... وأقعد عن بحر زُلال مشاربه قال المتنبي:

стр. 369

قواصدَ كافور تواركَ غيره ... ومن قصد البحرَ استقلَ السواقيا قال إبراهيم بن عيسى في معرض العتاب: يا وارث المجد التلي ... د وبانيَ الكرم الأصيل مالي أراك قبلت أق ... وال الوشاة بلا دليل قد كنت أحسب أنني ... أحظى بنائلك الجزيل حتى رأيت وسائلي ... خَلُقَتْ وضاعت في السبيل فعلمت أني قد غلط ... تُ وتهت في خطب طويل

стр. 370

ولقد أتيتك آنفاً ... أرجوك في أمر قليل أنصف فإنك منصف ... إلا لخادمك الذليل إما إزاحة علة ... فيها الشفاء من الغليل إما فقوتُ ما أعي ... ش يصون وجهي عن بخيل إما فإذنُ استق ... لُ به على وجه جميل من لم يعنك على المقا ... م فقد أعان على الرحيل قال العميدي لمح المتنبي جميع هذه الأبيات وسلخ البيت الأخير في قوله:

стр. 371

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألاَّ تفارقهم فالراحلون همُ قال أبو هفان المهزمي: جلستَ فقام الدهر فيما تريده ... ونمتَ عن الأشغال والجَدُّ ساهر وأنت لأرباب المكارم كلهم ... إمام وإن غابوا فإنك حاضر قال المتنبي: ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامه فيما يريد قيام وكل أناسٍ يتبعون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام قال العميدي: أترى يخفي على النساء دون الرجال هذا وما يجري مجراه أنه سرقة؟ قال عبد

стр. 372

الله بن محمد الرقي المكنى بابن عمران: صينت ظهورُ مطايانا لغيبته ... فليس يركبها من أحد من يصحب الدهر لم يأمن تقلبه ... يعيش حيرانَ ينفذ الأبدُ قال المتنبي: نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنا أن نلُمّ به ركباَ ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كِذبْا قال إسماعيل بن محمد الراداني يمدح الحسن بن وهب: كأنما الناس مخلوق من ظُلَم ... وأنتَ وحَدك مخلوقُ من النورِ

стр. 373

تهتز كالغصن عند الجودِ من طرب ... وتستعين بقلب غير مذعور قال المتنبي: فلو خلق الناس من دهرهم ... لكانوا الظلام وكنت النهارا أشدُّهم في الندى هِزةً ... وأبعدهم في عدوّ مُغارا قال الهرمزيّ: سَقيم المجد مذ سقمت، ويبرا ... حسين تبرا، وبالأعادي السَّقامُ وإذا ما سلمت فالناس طراَّ ... سلموا مثلما سلمت وقاموا قال المتنبي:

стр. 374

المجد عُوفي مذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم قال سعيد الخطيب: وما كنت أدري أن في كفك الغنى ... وأنت قد أصبحتَ للمجد عنصرا وقد كنتُ في ليل من لشك مظلم ... إلى أن بدا صبح اليقين فاسفرا تبرعت بالأموال من غير كلفة ... وحزتَ بها عني الثناء المحبرا قال المتنبي: وعادي محبيه بقوله عُداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم

стр. 375

قال المستهل بن الكميت: وإني وإن أُلْبستُ ثوب خصاصة ... فلستُ لَعمري للبخيل بمادح ومن رام مدح الباخلين فإنه ... ضعيفُ أساسِ العقل بادي القبائح نصحتك: لا تكرم عدوّاً ولا تُهن ... صديقا لك الخيرات فاقبل نصائحي وما أربي في العيش لولا محبتي ... لنفع مُحب أو مَضرةّ كاشح قال المتنبي: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مُجرم قال البحتري:

стр. 376

إذا ما الجرح رُمَّ على فساد ... تبين فيه تفريط الطبيب قال المتنبي: فإن الجرح ينغر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد قال أبو العتاهية: يا جامعَ المال والآمال تخدعه ... خوفا من الفقر والعَدَمُ أسأت ظنك بالله الذي خضعت ... له الرقاب فشابت قلبَك الظُّلم قال ابن الرومي: ومن راح ذا فقر وبخل فإنه ... فقير أتاه البخل من كل جانب قال المتنبي:

стр. 377

ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر قال أحمد بن مهران الكاتب: أتاني كتاب منك فيه بلاغةُ ... يعظمها عُجباً به كل كاتب معان كأخلاق الكرام حميدةُ ... صحاحُ بألفاظ كزُهر الكواكب قال المتنبي: كأن المعاني في فصاحة لفظها ... نجومُ الثريا أو خلائقُك الزُّهرُ قال أبو أحمد الخراساني: وليس يضرني ضعفُ وفقر ... إذا أنفقت مالي في المعالي

стр. 378

رأيت العار في بخل وكبر ... ولست أراه في فقر الرجال قال المتنبي: غَثاثةُ عيشي أن تَغِثَّ كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل قال العميدي لقد صار هذا غثا لاجتماع الغثاثات فيه. قال ابن وهب الفزاري وهو جاهلي: أرى الموت في الحرب مثل الحياة ... لتبليغيَ النفس فيها الأملْ وأعلم أني امرؤ لا أذو ... ق طعم الممات بغير الأجل

стр. 379

قال المتنبي: فموتي في الوغى عيشي لأني ... رأيت الموت في إربِ النفوس قال تميم بن خزيمة: وليس يَضرُّني قومي إذا ما ... غزاهم في ديارهمُ كلابُ زنادي غيرُ مُصلدة وسيفي ... عليه من دمائهمُ قِرابُ فلا تستحقروني لانفرادي ... فإن التبر معدنُه الترابُ قال المتنبي: وما أنا منهمُ بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرَّغامُ قال بشار بن برد:

стр. 380

إذا اعتذر الجاني إلىّ عذرته ... ولا سيما إن لم يكن قد تعمدا فمن عاتب الجهالَ أتعب نفسَه ... ومن لام من لا يعرفُ اللومَ أفسدا قال المتنبي: وما كلُّ بمعذور ببُخل ... ولا كلُّ على بخل يُلام قال العميدي متهكماً: هذه الألفاظ إذا سمعها الصوفية تواجدوا عليها لمجانستها كلامهم قال أبو سعيد المخزومي: لم يترك الجودُ فيه غيرَ عادت ... ولم يشِن وعدَه كِذْبُ ولا حَلفِ

стр. 381

فلا يلام على إتلافه كرما ... أموالَه والذي لم يعْطه تَلَف حفظ المروءة يؤذي قلب صاحبها ... والحب مغزيً به المستهَتْرُ الكَلف قال المتنبي: تلذَ له المروءةُ وهي تُؤذْي ... ومن يعَشقْ يلَذُّ له الغرامُ قلت بيت المتنبي أشرف من بيت أبي سعيد المخزومي لمن تَأملَهما إلا أن لفظه تؤذي آذت بيت المتنبي لضعف تركيبها فيه. وبيان ذاك: أن هذه اللفظة

стр. 382

إذا أوردت في كلام، فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها ليحسن موقعها، كما وردت في قوله تعالى:) إن ذلكم كان يؤذي النبيّ فيستحيي منكم (، وجاءت في بيت المتنبي منقطعة، وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأضيف لها كاف الخطاب، فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي ﷺ فجاء جبريل ﵇ فقال:) باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك (، فإنه لما زيد فيها أصلحها وحسنها؛ ولهذا تزاد

стр. 383

الهاء في بعض المواضع كقوله تعالى:) ما أغنى عني مالَيهْ هلك عني سلطانَيهْ (، وهذا الموضع غامض يحتاج إلى إمعان نظر، وربما ينكر هذا من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في تركيبها وانفرادها فكم من لفظة واحدة وردت في موضعين زانت أحدهما، وشانت الآخر، وذلك من خاصة التركيب، كما ورد القرآن الكريم:) إن هذا أخي له تسعُ وتسعون نعجةً ولي نعجةُ واحدةُ (فلفظه لي مثل تؤذي، وقد جاءت في الآية

стр. 384

مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب المتنبي: تُمسي الأمانيّ صرعى دون مبلغهِ ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي فهذه اللفظة وقعت في الآية في غاية الحسن، بخلاف وقوعها في البيت، ونظير ذلك أنك ترى لفظتين يدلان على معنى واحد إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما، وهذا لا يدركه إلا من دق فهمه، فمن ذلك قول تعالى:) ما جعل الله لرجل من قلبين

стр. 385

في جوفه (، وقوله تعالى:) رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً (، فاستعمل الجوف في الأولى، والبطن في الثانية، ولم يستعمل إحداهما مكان الأخرى، وكذلك قوله تعالى:) ما كذب الفؤاد ما رأى (، وقوله:) إن في ذلك لذكرى لمن كاف له قلب (، والقلب والفؤاد سواء، ولم يستعمل أحدهما في مكان الآخر، وعلى هذا ورد قول الحماسي: نحن بنو الموتِ إذا الموتُ نزلْ ... لا عارَ بالموتِ إذا حُمّ الأجَلْ

стр. 386

والموت أحلى عندنا من العسلْ وقال أبو الطيب: إذا شئتُ حفَّتْ بي على كل سابح ... رجالُ كأن الموتَ في فمها شهدُ فلفظة الشهد في بيت أبي الطيب أحلى من العسل، وقد وردت لفظة العسل في القرآن الكريم دون لفظة الشهد فوقعت أحسن من الشهد، وكثيرا ما تجد ذلك في أقوال الشعراء المفلقين، وبلغاء الكتاب، ومصاقع الخطباء، وتحته دقائق ورموز. رجع إلى ما قاله العميدي، قال: قال ضمضم الكلابي:

стр. 387

ومُعْترك ضَنْك المجال شهدته ... ولم أخش أسباب المنايا هنالكا شفيتُ جَوَى صدري وصُنتُ عشيرتي ... وغادرتُ وجهَ المجد أبيض ضاحكا فمن شاء أن يبقىَ له العزُّ خالداً ... نفى الضيمَ واستسقى السيوفَ البواتكا إذا لم يكن عن قبضة الموتِ مَخلصُ ... فعجزُ وجبنُ أن تخافَ المهالكا قال المتنبي: وإذا لم يكن من الموت بُدّ ... فمن العجز أن تكون جبانا قال أبو العتاهية:

стр. 388

إني أكاشر أعدائي مغالطة ... وفي الحشا لهبُ من غيظهم ضَرِمُ ولج في العذل أقوام مقتهمُ ... وكان في أذني عن عذلهم صَمَمُ قال المتنبي: كأن رقبياً منك سدّ مسامعي ... عن العذل حتى ليس يدخلُها عَذْل قال بشار بن بُرد: كأن جُفوني كانت العيِسُ فوقها ... فسارتْ وسالتْ بعدهن المدامعُ قال المتنبي: كأن العيِسَ كانت فوق جفني ... مُناخات فلما ثُرْن سالا قال هرون بن علي بن يحيى

стр. 389

بن أبي منصور المنجم أرى الصبح فيها منذ فارقتَ مظلما ... فإن أبْتَ صار الليل أبيض ناصعا قال المتنبي: فالليل حين قدمتَ فيها أبيضُ ... والصبح منذُ رحلتَ عنه أسودُ قال العوني: إن دهراً سخا بمثلك سَمْحُ ... ولقد كان قبل هذا بخيلا قال المتنبي: أعدى الزمانَ سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمانُ بخيلا قال الخطيب في تلخيص المفتاح، وإن كان الثاني دون الأول فالثاني مذموم كقول أبي تمام:

стр. 390

هيهات لا يأتي الزمانُ بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل وقول أبي الطيب: ولقد يكون به الزمان بخيلا. وميز الشارح بيت أبي تمام بعدة وجوه: منها أن قول المتنبي:) ولقد يكون (لم يصب محزة، إذ المعنى على المضي، ومنها أن المضارع إذا كان على معناه أي يكون الزمان بهلاكه بخيلا، لعلمه بأنه سبب لصلاح الدنيا، ونظام العالم، فيرد: أنه إذا سخا به فقد بذله، فلم يبق له في تصرفه حتى يسمح بهلاكه أو يبخل، ومنها أنه على تقدير
следующие страницы →