Полный текст (934 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
يَظل بمَوْمَاة ويُمسيَ بغيرها ... جَحِيشاً وَيعْروري ظهورَ المهالك
فلفظ جحيش من الألفاظ المنكرة، وهي بمعنى فريد، فعليه من اللوم ما على أبي الطيب، وكذلك ورد قول أبي تمام:
قد قلت لما اطلخم الأمرُ وانبعثت ... عشواءُ تاليةً غُبْساً دهاريسا
فلفظة اطلخم من الألفاظ
стр. 527
المنكرة، وهي مع غرابتها غليظة في السمع كريهة على الذوق، وكذلك لفظة دهاريس، ثم قال:
يا افخرْ فإن الناسَ فيك ثلاثة ... مستعظمُ أو حاسدُ أو جاهلُ
أي يا هذا افخر، فحذف المنادي، وتباغض، وتبادي ثم قال:
لا تَجسُرُ الفصحاءُ تُنشد هاهنا ... بيتاً ولكني الهزبْرُ الباسلُ
ما نال أهلُ الجاهلية كلهم ... شعري ولا سمعتْ بسحريَ بابلُ
ثم قال، وأرسله مثلا سائراً، وأحسن جدا:
стр. 528
وإذا أتتك مّذَمَّتي من ناقص ... فهي الشهادةُ لي بأني فاضل
ثم قال، وتعسف في اللفظ:
وأمَا وحقِك وهْو غايةُ مُقسمٍ ... لَلْحقُّ أنتَ وما سواكَ الباطلُ
الطيب أنتَ إذا أصابك طيبُة ... والماءُ أنَتَ إذا اغتسلتَ الغاسل
وتقدير الكلام: الطيب أنت طيبه إذا أصابك، والماء أنت غاسله إذا اغتسلت به، وإنما ألم
стр. 529
فيه بقول القائل:
وتزيدين طيب الطيب طيباً ... إن تمسّيه أين مثلك أينا؟
تذكرت بقول المتنبي: وإذا أتتك الخ. ما يحكى أن أبا العلاء المعري: كان في بعض الأيام حاضراً في مجلس الشريف المرتضى، فجرى ذكر المتنبي، فهضم المرتضى من جانبه، فقال المعري: لو لم يكن له من الشعر إلا قوله:
стр. 530
لك يا منازلُ في القلوب منازل
لكفاه، فغضب المرتضى، وأمر بإخراجه، وقال أتدرون ما عنى؟ فقالوا: لا. قال: عني به قول المتنبي: وإذا أتتك البيت.
ومن التلميح بهذا البيت ما حكاه صاحب الحدائق أن الفتح بن خاقان ذكر ابن الصائغ العقيان، فقال فيه: رمد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين،
стр. 531
لا يتطهر من جناية، ولا يظهر مخايل إنابة. فبلغ ذلك ابن الصائغ، فمر يوماً على الفتح بن خاقان، وهو جالس في جماعة، فسلم على القوم، وضرب على كتف الفتح، وقال له: إنها شهادة يا فتح، ومضى. فلم يدر أحد ما قال إلا الفتح، فتغير لونه، فقيل له ما قال لك؟ فقال: إني وصفته كما تعلمون في قلائد العقيان، فما بلغت
стр. 532
بذلك عشر ما بلغ هو مني بهذه الكلمة، فإنه أشار بها إلى قول المتنبي: وإذا أتتك الخ. ومن التلميح ما قيل: إنه دخل على سيف الدولة بعض الشعراء فقال أيها الأمير: بماذا تفضل علي ابن عيدان السقا؟ قال لحسن شعره، فقال أيها الأمير. اختر أي قصيدة له حتى أعارضها، بأحسن منها، فقال
стр. 533
سيف الدولة: عليك بقصيدته التي أولها:
لعينيكِ ما يلقى الفؤادُ وما لقى ... وللحب ما لم يبق مني وما بَقى
فلم يرها من مختاراته، فأمعن النظر، فرأى في أثنائها:
بلغتُ بسيف الدولة النور رتبةً ... أنَرتُ بها ما بين غرب ومشرق
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غُباري ثم قال له: الحق
стр. 534
فامتنع عن معارضتها، وعلم قصد سيف الدولة.
قال ابن بسام في الذخيرة، إن أبا عبد الله بن شرف قال يوماً للمأمون ابن ذي النون أيام خدمته إياه، واستشفافه صبابة عمره في ذراه وقد أجروا ذكر أبي الطيب، فذهبوا في وصفه كل مذهب: إن رأى المأمون) لا فارق العزة والعلاء (أن يشير إلى أي قصيدة شاء من شعر أبي الطيب حتى أعارضه بقصيدة تنسى اسمه، وتعفى رسمه، فتثاقل ابن ذي النون عن جوابه علما بضيق جنابه، وإشفاقاً من فضيحته وانتشابه، وألح أبو عبد الله حتى أحرج ابن ذي النون، وأغراه، فقال له: دونك قوله:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقى
فخلا بها ابن شرف أياماً فوجد مركبها وعراً ومريرتها شزرا، ولكنه أبلى عذراً، وأرهق نفسه من أمرها عسراً؛ فما قام ولا قعد، ولا حل ولا عقد. وسئل ابن ذي النون بعد. أي شيء أقصده إلى تلك القصيدة؟ فقال: لأن أبا الطيب، يقول فيها: بلغت بسيف الدولة النور رتبة، وأنشد البيتين. قال ابن بسام وقد حدثت أيضاً أن أبا علي بن شيق ناجي نفسه بمعارضة أبي الطيب في بعض أشعاره، وراطن شيطانه بالدخول في مضماره، فأطال الفكرة، وأعمل النظرة بعد النظرة، فاختار من شعره ما لم يطر ذكره، ولا انحط قدره، فأداه جهده، وذهب به نقده، إلى معارضة قوله:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء
فبث عيونه، واستمد شياطينه، فلم يدع ثنية إلا طلعها، ولا دوية إلا اتسع لها، فوسعها، ثم صنع قصيدة رأى أنها مادة طبعه، ومنتهى طاقة فنه ووسعه، ثم حكم نقده، ورضى ما عنده، فرأى أن قد قصرت يداه، وقصر مداه، وعلم أن الإحسان كنز لا يوجد بالطلب.
ومن التلميح ما كتبه العلامة عماد الفضائل والآداب سمى من ألف برسمه هذا الكتاب إلى مضاهيه ومثليه، ورسيله في الفضل وزميله، شيخنا النجم الذي بنوره تشرق الدجنة، وأرسله من دمشق إلى حلب مع هدية، من جملتها أديب عليه سيمياء
стр. 535
أهل الجنة:
أنجم الدين مَنْ مَلك القلوبا ... فقلبي في حِماه لن يثوبا
أخي فكأنَّ أمّضا أرضعتنا ... معا في الشام أو حَلَب الحليبا
ومَنْ لي بعادي عنه همُ ... عسى ألقى له فرجا قريبا
لقد أهديتُ قاضينَا إليكم ... لينشدكم من الشعر الغريبا
ولطُفك ليس يُنكر في الهدايا ... على من زاركم فيها أديبا
стр. 536
فلا زالتْ ديارُك مشرقات ... ولا دانيتَ يا نجم الغروبا
والتلميح إلى الأديب الذي ذكره أبو الطيب المتنبي في قصيدته التي يمدح بها علي بن سيار بن مكرم التميمي، وأولها:
ضروب الناس عشاق ضروبا ... فأعذرهم أشفهمُ حبيبا
ومنها:
اعزمي طال هذا الليلُ فانظُرْ ... أمنكَ الصبحُ يَفْرَقُ أن يئوبا
стр. 537
كأنَ الفجرَ حِبُ مُستزارُ ... يُراعي من دُجُنته رقيبا
كأن نجومه حَلْىُ عليه ... وقد حُذيِتْ قوائمه الجَبُوبا
كأن الجوَّ قاسى ما أقاسي ... فصار سوادهُ فيه شُحوبا
كأن دُجاه يجذبها سُهادي ... فليس تَغيبُ إلا أن يَغيبا
الضمير في: ليس تغيب يعود إلى دجاه، وهي جمع دجية، وفي: إلا
стр. 538
أن يغيبا يعود إلى سهادي. ومنها:
أقَلبُ فيه أجفاني كأني ... أعُدَّ به على الدهر الذُّنوبا
وما ليلُ بأطول من نهار ... يظلُ بلحظ حُسادي مَشوبا
مأخوذ من قول امرئ القيس:
فقلت له لما تَمطىَّ بصُلْبه ... وأردف أعجازاً وثاء بكلكل
إلا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح، وما إلا صباح منك بأمثل
стр. 539
ولو لم يكن لأبي الطيب إلا هذه الأبيات، لاستحق أن يتقدم بها على كل من تكلم بقافية، ومنها:
أيا من عاد روحُ المجدِ فيه ... وعاد زمانهُ البالي قشيبا
تَيَمَّمَني وكيلكُ مادحاً لي ... وأنشدني من الشعر الغريبا
قال أبو الحسن علي بن أحمد: سمعت الشيخ أبا المجد كريم بن الفضل قال: سمعت والدي أبا
стр. 540
بشر قاضي القضاة قال: أنشدني أبو الحسن الشامي الملقب بالمشوف المعلم قال: كنت عند المتنبي فجاء هذا الوكيل، فأنشده هذه الأبيات وهي:
فؤدي قد انصدع ... وضِرسي قد انقلع
وعَقْلِلي لِلَيْلَتي ... قد انهوى وما رجع
يا حبَّ ظبي غَنجٍ ... كالبدر لما أن طلع
стр. 541
رأيته في بيته ... من كُوَّة قد اطّلعْ
فقلت تِهْ تِهْ وتِه ... فقال لي مُرّ يا لُكعَ
هات قِطَعْ ثم قِطعِ ... ثم قِطَعْ ثم قِطعْ
وضع بكفيّ ففيّ ... حتى أدعكك يضع فَضَعْ
فهذا الذي عناه بقوله، وأنشدني من الشعر الغريبا،
стр. 542
ثم قال المتنبي:
فآجرك الإلهُ على عليلٍ ... بعثتَ إلى المسيح به طبيبا
ولستُ بمنكر منك الهدايا ... ولكن زدتَني فيها أديبا
فلا زالت ديارك مشرقات ... ولا دانيت يا شمس الغروبا
ومما يندرج في هذا الباب، ما ذكر في بعض كتب الآداب، وملخصه أن بعض الشعراء
стр. 543
ألجأته الضرورة، فقصد نادي بعض الوزراء، وحملته دقة حاله على أن تقاضاه في الطلب، واشتكى في زمانه كساد سوق العلم والأدب، وأنشده لأبي تمام:
أكابَرنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ بَْحُ وأنتمْ مناهلُ
فأعرض عنه، ولم تجده الوسائل، ثم قال له من القائل؟
стр. 544
الحبُّ ما منع الكلامَ الألسنا ... وألذُّ شكوى عاشق ما أعلنا
فقال: هو للذي يقول:
بِنَّا فلو حَلَّيتْنَا لم تَدْرِ ما ... ألواننا مما امتُقعِن تلوّنا
والبيت الذي أنشده الوزير مطلع لأبي الطيب المتنبي، ومراده التلميح إلى قوله في أثناء هذه القصيدة:
стр. 545
وانْهَ المشير عليك فَّي بِضَلَّة ... فالُحرُّ ممتحَنُ بأولاد الزَّنا
فلما علم ما قصده الوزير ذلك الشاعر أجابه بالبيت الثالث من القصيدة، ومراده التلميح إلى بيت ثالث من مقصده، وهو:
ومكايدُ السفهاءِ واقعةُ بهم ... وعداوةُ الشعراء بئس المُقْتَنَى
وكان الوزير مغرما بابنة السلطان، وقد بدا من شأنهما
стр. 546
ما نقلته الركبان، فتوسل ذلك الشاعر إلى أن أوقف أباها على جلية الخبر واستفهم عنه، فإذا هو أظهر من القمر، وكأن أجل ذلك الوزير قد دنا، فقتل،
عداوة الشعراء بئس المقتنى
ومن التلميحات الخفية ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب حصن شيرز، وهو أولهم الذي استنقذهم،
стр. 547
وكان قبل ملكه إياه في خدمة محمود بنصالح صاحب حلب، وكان إذ ذاك يلقب سديد الملك، فبينا هو في مكانه إذ حدثت له حادثة أوجبت أن هرب، ومضى إلى مدينة طرابلس في زمن بني عماد أصحاب البلد، فأرسل إليه ابن صالح، واستعطفه ليعود إليه، فخافه، ولم يعد، فأحضر ابن صالح رجلاً من أهل البلد
стр. 548
صديقاً لابن منقذ وبينهما لحمة مودة أكيدة، فأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب إليه كتاباً عن نفسه يوثقه من جهة ابن صالح، ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب، وهو يعلم أن باطن الأمر خلاف ظاهره، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب، هلك، فأفكر وهو يكتب الكتاب في إشارة عمياء لا تفهم، ليضعها فيه، يحذر بها ابن منقذ،
стр. 549
فأدار فكره إلى أن كتب في آخر الكتاب عند انتهائه، إن شاء الله تعالي، وشدد إن وكسرها، وضبطها، ليعلم منه الفطن الذكي أنه ليس عن سهو، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح، فوقف عليه، وأرسله إلى ابن منقذ، فلما صار في يده، وعلم ما فيه، قال: هذا كتاب صديقي، وما فيه، قال: هذا كتاب صديقي، وما يغشني، ولولا أنه علم صفاء قلب ابن صالح ما كتب
стр. 550
إلى، ولا غرني، ثم عزم على العود، وكان عنده ولده، فأخذ الكتاب، وكرر نظره فيه، ثم قال: مكانك، فإن صديقك قد حذرك، وقال: لا تعد، فقال: وكيف ذاك؟ قال: إنه كتب إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب، وشدد إن، وكسرها وضبطها ضبطاً صحيحاً لا يصدر مثله عن سهو، ومعنى ذلك أنه يقول: إن الملأ يأتمرون بك
стр. 551
ليقتلوك، وإن شككت في ذلك فأرسل إلى صديقك فاسأله، فأرسل إليه، وسأله، فقال: هو ما قال ولدك، فأقام، ولم يعد إلى حلب. وهذه الحكاية ينسبها من لا اطلاع له على الأخبار إلى أبي الطيب المتنبي، ويقول: إنه أرسل إلى صاحب حلب كتاباً يقول فيه: إنه يعود إليه، وكتب في آخره إن شاء الله تعالى، وشدد إن وزاد نونها ألفاً
стр. 552
صغيرة، فلما ورد الكتاب، وسمع به صديقه، توهم أنه ما فهم إشارته، فساءه ذلك، ثم تأمل الكتاب، فرأى في آخره إنا شاء الله تعالى بزيادة ألف في نونها، فعلم أنه فهم، وأنه يقول: إنا لن ندخلها، وهذه موضوعة.
ومما اشتهر بين الطَّغام الذين هم كالأنعام أن أبا الطيب يمم المغرب بجماعة كثيرة، وآلات خطيرة، ونصبت خيامه
стр. 553
على باب مدينة حاكمها، فارتجت له دعائم معالمها، واستكشف خبره، فإذا هو شاعر أتاه، وعلم أنه يعجز عن رضاه، فقال شاعره وهو ابن هاني الأندلسي: على رده قبل أن تراه، ثم تزيا بزي غث، وتجلبب بجلباب رث، وعمد إلى شيء من الحنطة والشعير، ووضعهما على أحد الحمير، ثم مر المتنبي، وهو
стр. 554
ينظر إلى الماء وتجعيده بيد الهواء وهو يكرر هذا الشطر:
نسج الريح على الماء زرد
فقال ابن هانئ:
ياله درع منيع او جمد
فسأله أبو الطيب عن خبره، فأخبره أنه شاعر تلك البقاع، فاستنشده، فأنشده من مدائحه مخدومه ما تسكر منه الأسماع.
ضحك الزمانُ وكان قدْما عابسا ... لما فتحتَ بسيف عزمك قابسا
أنكحتها بكراً وما أمهرتها ... إلا دقناً وقواضباً وفوارسا
من كانت البيضُ الصوارمُ مهرَة ... جُلبتْ له بيضُ الحصون عرائسا
الله أكبر ما اجتنبت ثمارها ... إلاّ وكان أبوك قبلك غارساً
فقال: ما حباك على هذه القوافي الجليلة؟ فأشار إلى
стр. 555
ما على حماره، وقال هذه الجائزة الجزيلة، فقوض عن المغرب خيامه، وجعل المشرق أمامه، وبعد برهة من الزمان قصد ابن هانئ سيف الدولة بن حمدان، والمتنبي إذ ذاك شاعره، ونديمه، وصاحبه، وحميمه، وكان اطلع على تلك المكيدة، وصمم على أن يكيده، فتلقاه تلقى كثير لعزة، وأحله داره وأعزه،
стр. 556
واستطلع رأيه في مدح سيف الدولة، وسأله عن أسلوبه. ليتبع قوله، فأرشده، فنظم على ذلك الأسلوب ما تسجد له جباه الأفهام، ولما مثل لينشده، رآه مبانيا لذلك المقام:
سارتْ مُشرقةً وسرت مغربا ... شتان بين مُشرق ومُغرب
ولما أنشده ما أبدعه فلم يطرب، علم أن واحدة بواحدة جزاء،
стр. 557
فعدل عن ذلك الأسلوب، وأعمل قريحته، وشحذ فكرته، ونظم قصيدته التي أولها:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر
وأنشدها على ريق لم يبلعه، ونفس لم يقطعه، فأعجب به سيف الدولة إعجاب ابن المعتصم بحبيب، وحظي في ذلك الوقت من الجوائز بأوفر
стр. 558
نصيب، فحسدته الشعراء، وغبطته الأدباء، فقال المتنبي: لا يحسد الميت على النزاع، ولا يغبط من عدم بحياته الانتفاع، وسئل عن معنى ذلك فقال: رأيته قد صوح تحت أقدامه أخضر النبات، وحم ذلك المسكين لوقته، ثم مات. وهذه الحكاية الموضوعة والغربية المصنوعة، تروي على وجوه
стр. 559
مختلفة، وأنحاء غير مؤتلفة، وهي مأخوذة من خبرين لأبي تمام: أحدهما أنه قصد البصرة، وبها عبد الصمد بن المعذل الشاعر، فلما سمع بوصوله، خاف أن يميل الناس إليه، ويعرضوا عنه، فكتب إليه قبل وصوله البلد:
أنت بين اثنتين تبرز للنا ... س وتلقاهُمُ بوجه مُذال
لست تنفسك راجيا لوصال ... من حبيب أو راغباً في نَوال
стр. 560
أي ماء يبقى لوجهك هذا ... بين ذل الهوى وذل السؤال
فلما وقف على الأبيات أضرب عن مقصده، ورجع، وقال: قد شغل هذا ما يليه، فلا حاجة لنا فيه، والثانية ما قيل إن أبا تمام امتدح أحمد بن المعتصم بقصيدته التي أولها:
ما في وقوفك ساعةً من باس ... نَقضي ذمام الأربُع الأدارس
стр. 561
فلعلّ عينيكَ أن تُعين بمائها ... والدمُع منه خاذلُ ومواسي
لا يُسعدُ المشتاقَ وسنانُ الهوى ... يَبَسُ المدامع باردُ الأنفاس
إن المنازلَ ساورتها فُرقةُ ... أخلتْ من الآرام كل كنَاس
من كل ضاحكة الشمائل أرهفتْ ... إرهاف خُوط البانة الميَّاس
بدر أطاعتْ فيك بادرةَ النوى ... وَلَعاً وشمس أولعت بشمِاس
стр. 562
وإذا مشتْ تركتْ بقلبك ضِعف ما ... بحُليها من كثرة الوسواس
قالت وقد حُمَّ الفراقُ فكأسه ... قد خولط الساقي بها والحاسي
لا تنسيَنْ تلك العهودَ فإنما ... سُمَّيتَ إنسانا لأنك ناسي
إن الذي خلق الخلائق قاتها ... أقواتها لتصرُف الأحراس
стр. 563
فالأرضُ معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس
والحمد بُرْدُ جمال اختالت به ... غُررُ الفَعال وليس بُردَ لباس
نَورْ العَرَاة نورهُ ونسيمه ... نشر الخُزامي اخضرار الآس
فلما انتهى إلى قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
стр. 564
قال الكندي يعقوب الفيلسوف وكان حاضراً: الأمير فوق من وصفت، فأطرق قليلا، ثم رفع رأسه وأنشد:
لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه ... مثلا شَرُوداً في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقلَّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
فعجبوا من سرعته وفطنته.
وما ذكر من أنه أنشد القصيدة للخليفة وأن الوزير قال: أي
стр. 565
شيء طلبه فأعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا المقدار، فقال له الخليفة: ما تشتهي؟ فقال: أريد الموصل، فولاه إياها، وتوجه إليها، وبقي هذه المدة، ومات، فشيء لا صحة له أصلا. والصحيح ما نقله ابن بسام في الذخيرة، قال: وقد قيل إن الكندي لما خرج، قال هذا الفتى يموت شابا، لأن ذكاءه ينحت عمره كما يأكل السيف الصقيل غمده، فكان كذلك، فإن الحسن ابن وهب أعتني به، وولاه بريد الموصل،
следующие страницы →