Полный текст (934 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
لا يعتقي بلدُ مسراهُ عن بلد ... كالموت ليس له رِيُ ولا شِبِعَ
حتى أقام على أرباض خَرْشَنةٍ ... تشقى به الرومُ والصُّلبان والبيِعَ
خرشنة: معروفة في بلاد الروم، والأرباض: ما حول المدينة. ومنها:
للسَّبْي ما نكحوا والقتلِ ما ولدوا ... والنهبِ ما جمعوا والنارِ ما زرعوا
стр. 597
مُخْلىً له المرجُ منصوبا بصارخةٍ ... له المنابرُ مشهوداً بها الجمُع
صارخة: مدينة بالروم. ومنها:
يُطمّع الطيرَ فيهم طولُ أكلهم ... حتى تكادَ على أحيائهم تقع
ولو رآه حواريوُهُم لَبَنَوْا ... على محبته الشَّرع الذي شرعوا
ذمَّ الدمستقُ عينيه وقد طلعت ... سودُ الغمام فظنوا أنها قَزَعُ
القزع: قطع السحاب المتفرقة الواحدة قزعة، ومنها:
стр. 598
فيها الكماة التي مفطومهاُ رجلُ ... على الجياد التي حَوْلُّيها جَذَع
فيها: أي في سود الغمائم. والجذع: التي أتى عليها حولان. ومنها:
تُذري اللقانُ غبارا في مناخرها ... وفي حناجرها من آلسٍ جُرَع
كأنها تتلقاهمْ لتسلكَهمْ ... فالطعن يفتح في الأجواف ما تسع
стр. 599
ومنها:
وما نجا من شِفارِ البيض مُنْفلتُ ... نجا ومنهن في أحشائه فزع
يباشر الأمنَ دهراً وهو مُخْتَبَل ... ويشربُ الخمر حولا وهو مُمْتَقَع
كم من حُشاشِة بِطْريق تضمَّنها ... للباترات أمينُ مالَهُ وَرَع
يقاتل الخطو عنه حين يطلبه ... ويطرد النومَ عنه حين يضطجع
يقاتل الخطوَ عنه حين يطلبه ... ويطرد النومَ عنه حين عودي فتندفع
стр. 600
قُل للِدمستق إن المُسلَمين لكم ... خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
وجدتَموهمْ نياماً في دمائكمُ ... كأن قتلاكُم إياهمُ فجعوا
ضَعْفى تَعِفُّ الأعادي عن مثالهمُ ... من الأعادي وإن هُّموا بهم نزعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق ... فليس تأكل إلا الميتة الضبع
ومنها:
وإنما عرّض الله الجنودَ بكم ... لكي يكونوا بلا فَسْل إذا رجعوا
стр. 601
فكل غزو إليكم بعد ذا فَلةَ ... وكلُّ لسيف الدولة التَّبعُ
يمشي الكرَامُ على آثار غيرهم ... وأنت تخلُّق ما تأتي وتبتدعُ
وهل يَشينك وقتُ كنت فارسَه ... وكان غيرَك فيه العاجز الضَّرَع
من كان فوقَ محلّ الشمس موضعهُ ... فليس يرفعهُ شيءُ ولا يضع
стр. 602
لم يُسلم الكرُّ في الأعقاب مهجتَه ... إن كان أسلمها الأصحابُ والشيع
ومنها:
الدهر معتذرُ والسيفُ منتظرُ ... وأرضُهم لك مُصطافُ ومرتبع
وما الجبالُ لِنصْران بحاميه ... ولو تنصر فيها الأعصمُ الصَّدعُ
الأعصم: الوعل. والصدع: ما بين السمين والمهزول. ثم قال:
стр. 603
وما حَمدتكَ في هول ثبتَّ له ... حتى بلوتُك والأبطال تَمتَصع
فقد يُظَنُّ شجاعا من به خَرَقُ ... وقد يُظن جبانا من به زَمَع
إن السلاح جميعُ الناس تحملهُ ... وليس كلُّ ذوات المِخلب السبعُ
وقيل: إن رجلا جلس على جسر بغداد، فأقبلت امرأةُ بارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب،
стр. 604
وقال لها: رحم الله علي ابن الجهم، فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري، وما وقفا، بل سارا مَشْرقا ومغربات، قال الرجل: فتبعت المرأة، وقلت: لئن لم تخبرني بما أراد بابن الجهم، وأردت بأبي العلاء لأفعلن بك، فضحكت، وقالت: أراد بعلي بن الجهم قوله في أول قصيدته:
стр. 605
عيون المهابَينْ الرُّصافة والجسر ... جَلَبْنَ الهوى من حيث أدرى ولا أدرى
وأردت بأبي العلاء قوله:
فيا دارَها بالخَيْف إن مزارها ... قريبُ ولكن دون ذلك أهوال
ومن قصيدة لأبي الطيب جمع فيها بين الغث والسمين، وهي التي أولها:
стр. 606
قد علَّم البينُ منا البينَ أجفانا ... تَدمَى وألف في ذا القلب أحزانا
أمّلتُ ساعة واكشف معصمها ... ليِلبث الحيُّ دون السير حَيْرانا
ولو بَدت لأتاهَتْهم فَحجَّبها ... صونُ عقولَهم من لحظها صانا
بالواخدات وحاديها وبي قمرُ ... يَظلُّ من وخدها في الخِدر حَشْيانا
стр. 607
وحشيان بالحاء المهملة من الغريب الوحشي الذي لا يأنس به السمع، ولا يقبله القلب، يقال: حشى الرجل يحشى حشى، فهو حشيان، إذا أخذه البهر.
يقول: إذا وخدت الإبل تحت هذا القمر، أخذه البهر لترفه، ومن المؤدبين من يروي خشيان بالخاء المعجمة من الخشية.
ثم قال، وأحسن، ولطف، وظرف:
стр. 608
قد كنت أشفق من دمعي على بصري، فاليوم كل عزيز بعدكم هانا ثم أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا فأتى كما قاله الصاحب بأخزى الخزايا، فقال:
لو استطعتُ ركبت الناس كلهمُ ... إلى سعيد بن عبد الله بعزانا
قال الصاحب: ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها؟
стр. 609
والممدوح لعل له عصبة لا يريدن يركبوا إليه، فهل في الأرض أفحش من هذا التسحب، وأوضع من هذا التبسط؟ ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله:
فالعيسُ أعقلُ من قوم رأيتهمُ ... عما يراه من الإحسان عُميانا
ثم قال وأجاد في مدح أولية الممدوح:
стр. 610
إن كوتبوا أو لُقُوا أو حوربوا وُجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فُرسانا
كأن ألسنهم في النطق قد جُعلتْ ... على رماحهمُ في الطعن خُرْصانا
كأنهم يَردون الموتَ من ظمأ ... أو يَنْشَقون من الخطّى ريحانا
стр. 611
ثم قال:
خلائق لو حواها الزَّنج لانقلبوا ... ظُمْيّ الشِفاه جِعاد الشَّعْر غُرّانا
قال الصاحب: الزنجي لا يوجد إلا جعد الشعر، فكيف ينقلبون عن الجعودة إلى الجعودة وقد احتج عنه أصحاب المعاني بما يطول ذكره. والعجب كل العجب من خاطر يقدح بمثل قوله في قصيدة:
стр. 612
وملمومةُ زَرَدُ ثوبُها ... ولكنه بالقنا مُخْملُ
يفاجيء جيشا بها حَيْنهُ ... وُينذر جيشا بها القَسْطلُ
ثم يتصرف في هذا الكلام الغث الرث، فيتبعه به، حيث يقول:
جعلتكُ بالقلب لي عُدَّةً ... لأنك باليد لا تُجعل
ولو قاله بعض صبيان المكاتب لاستحى له منه.
وهذه القصيدة
стр. 613
قالها في سيف الدولة، وهو بميافارقين، وقد ضربت له خيمة كبيرة، وأشاع الناس أن مقامه يتصل أياما، فهبت ريح شديدة، فسقطت الخيمة، وتكلم الناس عند سقوطها، فقال أبو الطيب:
أيقدحُ في الخيمة العُذَّلُ ... وتَشمل مَن دهرهَا يشمل
وتعلو الذي زُحَلُ تحته ... مُحال لعمُرك ما تُسأل
стр. 614
فلمْ لا تلوم الذي لامها ... وما فصُّ خاتمه يَذْبُل
يقول فلم لا تلوم الخيمة لائمها على سقوطها، والرئيس الذي أعجزها الاشتمال عليه يقصر يذبل مع عظمة عن فص خاتمه، والضمير في خاتمه راجع إلى سيف الدولة. وقيل معناه: فلم لا تقول الخيمة للائمها ما فص خاتمك يذبل، فإن قال اللائم: يذبل جبل،
стр. 615
وكيف يصح أن يتختم به؟ قالت له الخيمة: وكيف يصح أن تثبت خيمة، وتشتمل على من شمل دهرها؟ وقيل المعنى: فلم لا تلوم الخيمة لائمها على أن ليس فص خاتمه يذبل؟ فكما أن لوم الإنسان على ذلك مستحيل لأنه ليس في الطاقة فكذلك لوم الخيمة، وقال:
стр. 616
تضيقُ بشخصِك أرجاؤها ... ويَركُض في الواحد الجَحفل
وتقصر ما كنتَ في جوفها ... وتُركز فيها القنا الذّبل
وكيف تقوم على راحةٍ ... كانّ البحارَ لها أنُمل
فليت وَقارك فرّقته ... وحمّلت أرضَك ما تحمل
أي لو فرقته لخص الخيمة ما يوقرها ويثبتها عن السقوط:
стр. 617
فصار الأنامُ به سادةً ... وسُدْتهمُ بالذي يَفضُل
رأتْ لون نُورِك في لونها ... كلون الغزالة لا يُغسل
أي اكتسبت من نورك ما صارت به كالشمس التي لا يزول نورها.
وأن لها شرفا بذخا ... وأن الخيامَ بها تخجَلُ
стр. 618
فلا تنكرنَّ لها صَرْعةً ... فمن فرح النفس ما يقتل
ولو بلغ الناسُ ما بُلَّغِتْ ... لخانتهمُ حولك الأرجل
ولما أمرت بتَطْنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل
فما اعتمد اللهُ تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل
وعرّف أنك من هّمه ... وأنك في نصره تَرفُل
وعرف أنك من همه: أي من إرادته.
ومما يشان علي بن أبي الطيب المتنبي استكراه اللفظ وتعقيد المعنى،
стр. 619
وهو أحد مراكبه الخشنة التي يتسنمها، ويأخذ عليها في الطرق الوعرة، فيضل، ويضل، ويتعب، ويتعب، ولا ينجح، إذ يقول في وصف الناقة:
شِيَمُ الليالي أن تُشكك ناقتي ... صدري بها أفضى أم البيداء
فتبيت تُسئل مُسئدا في نَيَّها ... إسْآدها في المَهْمَةِ الإنضاءُ
الإسآد: إسراع السير، والني: الشحم والسمن، والإنضاء: مصدر
стр. 620
أنضاه ينضيه إذا هزله، ومسئدا: حال من الناقة، وهو اسم فاعل وفاعله الإنضاء. يقول: تبيت ناقتي تسير سائراً في جسدها الهزال سيرها في المهمة. وهما من قصيدة يمدح بها أبا علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب وأولها:
أمِن ازديارك في الدجى الرقباءُ ... إذ حيث كنتِ من الظلام ضياءُ
стр. 621
أخذه من قول علي بن جبلة:
بأبي من زارني مُكتتما ... حَذرِاً من كل واش جذعاً
طارقُ نَمَّ عليه نورهُ ... كيف يُخفي الليل بدرا طلعا؟
رصد الخلوةَ حتى أمكنتْ ... ورعى السامرَ حتى هجعا
كابد الأهوالَ في زورته ... ثم ما سلم حتى وّدعا
стр. 622
قال:
قلقُ المليحة وهي مِسكُ هتكُها ... ومسيرها في الليل وهي ذُكاء
كأنه من قول امرئ القيس:
ألم ترياني كلما جئتُ طارقا ... وجدت بها طيباً وإن لم تَطَيبَِّ
وقول الآخر
دُرّة كيفما أديرتْ أضاءت ... ومَشَمُ من حيث ما شُمّ فاحا
ومن هذا قول بشار:
стр. 623
وتَوَق الطيبَ ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا
ومن هذا المعنى قول الآخر:
وأخفَوْا على تلك المطايا مسيرَهم ... فنَمّ عليهم في الظلام التنسمُ
وقال أبو عبادة البحتري:
وحاولنَ كِمّانَ الترحل في الدجى ... فنمّ بهن المسكُ حين تضوّعا
стр. 624
وقال أيضاً:
وكان العبيرُ بها واشياً ... وجَرْسُ الحُلِبيّ عليها رقيبا
وزاد أبو المطاع بن ناصر الدولة على الجميع بقوله:
ثلاثةُ منعتْها من زيارتنا ... وقد دجا الليلُ خوفَ الكاشح الحِنق
ضوءِ الجبين ووَسواسُ الحُليّ وما ... يفوح من عَرق كالعنبر العَبِق
هَبِ الجبينَ بفَضلْ الكُمّ تستره ... والحَليْ تنزعه ما الشأن في العرق؟
стр. 625
ومنها:
بيني وبين أبي علي مثلهُ ... شمُّ الجبال ومثلهنُ رجاءُ
وعِقابُ لُبنان وكيف بِقطعها ... وهْو الشتاء وصيفُهن شتاء
لَبَس الثلوجُ بها عليّ مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداءُ
وكذا الكريم إذا أقام ببلدة ... سال النضار بها وقام الماءُ
وفي هذا البيت نقد قد يظهر
стр. 626
بالتأمل.
ومنها:
في خطه من كل قلب شهوةُ ... حتى كأن مدادَه الأهواء
ولكل عين قُرةُ في قربه ... حتى كأن مغيبهِ الأقذاء
من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي ... في القول حتى يفعل الشعراء
ومنها:
من يظلم اللؤَماءَ في تكليفهم ... أن يُصبحوا وهُم له أكفاء
стр. 627
ونذَيمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتبين الأشياء
стр. 628
وقد أكثر الشعر في هذا المعنى: فقال أبو تمام:
وليس يَعرف طيبَ الوصل صاحبهُ ... حتى يُصاب بنأي أو بِهجران
وقال أيضا:
والحادثات وإن أصابك بؤسُها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمُها
وقال أيضا:
سمُجت ونبهنا على استساجها ... ما حولها من نَضْرة وجمال
فلذاك لم تُفْرطْ كآبة عاطلٍ ... حتى يجاورها الزمان بحالي
وقد مَلحُ بشارُ في قوله:
وكُنّ جواري الحيّ ما دمت فيهمُ ... قِباحاً فلما غبت صرنَ مِلاحا
وقال البحتري:
وقد زادها إفراط حسن جِوارها ... خلائق أصفار من المجد خُيّب
وحسنُ داريّ الكواكب أنَ تُرى ... طوالع في داج من الليل غيهب
ومنها:
مَن نفعهُ في أن يُهاج وضره ... في تركه لو تَفطن الأعداء
فالسلم يكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبرُ الهيجاء
ومنها:
يا أيها المُجديَ عليه روحهُ ... إذ ليس يأتيه لها استجداء
أحْمدْ عُفاتَك لا فجعت بفقدهم ... فَلترك ما لم يأخذوا إعطاء
لا تَكثر الأمواتُ كثرةَ قِلةّ ... إلا إذا شقيتْ بك الأحياء
والقلب لا ينشق عما تحته ... حتى تحل به لك الشحناء
ومنها:
أبدأتَ شيئاً منك يُعرف بدؤه ... وأعدتَ حتى أنكر الإبداء
فالفخر عن تقصيره بك ناكب ... والمجد من أن تستزاد براء
فإذا سئلت فلا لأنك محِوجُ ... وإذا كُتِمت وشت بك الآلاء
وإذا مُدحت فلا لتكسب رِفعة ... للشاكرين على الإله ثناء
وإذا مُطرت فلا لأنك مُجدِب ... يُسقى الخصيبُ وتمُطر الدأماء
لم تحك نائَلَك السحابُ وإنما ... حمت به فصبيبها الرُّحضاء
لم تلقَ هذا الوجهَ شمسُ نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
وآخرها:
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هُو ... عُقِمتْ بمولد نسلها حوّاء
اللذ: لغة في الذي. يقول: لو لم تكن من هذا الورى الذي كأنه منك لأنك جماله وشرفه وأفضله، لكانت حواء في حكم العقيم التي لم تلد، ولكن بك صار لها ولد، وهذا البيت مما اعتل لفظه، ولم يصح معناه فإذا قرع السمع، لم يصل إلى القلب إلا بعد إتعاب الفكر، وكدا الخاطر، ثم إن ظفر به بعد العناء والمشقة فقلما يحصل على طائل.
ومما يشان على أبي الطيب قوله في المدح:
أني يكون أبا البرايا آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد
وتقديره: أني يكون آدم أبا البرايا، وأبوك محمد، وأنت الثقلان.
وقال من نسيب قصيدة:
إذا عذلوا فيها أجبتُ بأنّةٍ ... حُبَيّبتا قلبي فؤادي هيا جُمْل
أراد يا حبيبتي، أبدل الياء من حبيبتي ألفا تخفيفاً، وقلبي منصوب لأنه بدل من حبيبتا، وفؤادي بدل من قلبي، وهذا كقولك أخي، سيدي، مولاي، نداء بعد نداء، ويقال في النداء: يا زيد وأبا زيد، وهيا زيد. وأشباه هذه الأبيات كثيرة في شعره، كقوله:
لساني وعيني والفؤادُ وهمتي ... أوُدُّ اللواتي ذا اسمها منكَ والشطر
ومما ينعى علي بن أبي الطيب التعسف في اللغة والإعراب، وهو مما يشبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عند المحتجين عنه، اعتذار له، ومناضلة دونه، كقوله:
فِدىً مَنْ على الغبراء أولهم أنا ... لهذا الأبيّ الماجدِ الجائدِ القَرْمِ
ولك يحك عن العرب الجائد، وإنما المحكي رجل جواد، وفرس جواد، ومطر جواد، وهذا من قصيدة يمدح بها الحسين بن إسحاق التنوخي وأولها:
ملامُ النوى في ظُلمها غايةُ الظلم ... لعل بها مثل الذي بي من السقم
فلو لم تَغَرْ لم تَزْوِ عني لقاءكم ... ولو تُرِدكنُ لم تكن فيكم خَصمى
وقال محمد بن وهيب في هذا المعنى:
وحاربني فيه ريب الزمان ... كأن الزمان له عاشق
وقال البحتري:
قد بّين البينُ المفرقُ بيننا ... عشقَ النوى لربيب ذاك الرَّبرب
منها:
أمنعِمةُ بالعودة الظبيةُ التي ... بغير وَليّ كان نائلَها الوسمي
أصل هذا المعنى مع كثرة تداوله لبشار، حيث قال:
قد زرتني زورةً في الدهر واحدةً ... ثَنىَّ ولا تجعليها بيضة الديك
وقبل البيت الذي فيه لفظة الجائد:
أذاق الغواني حسنُه ما أذَقْنَني ... وعفّ فجازاهن عني على الصُّرْم
стр. 629
ومعنى هذا البيت ظاهر، ولكن عيب عليه قافيته فإنها وإن كانت في أصل اللغة بمعنى القطع، لكن غيرتها العامة وجعلتها دالة على ما يقبح ذكره، وهذه الكلمة وما يجري مجراها، لا يعاب البدوي على استعمالها، لأن الألفاظ لم تتغير في زمنه كقول أبي صخر الهذلي:
قد كان صَرم في الحياة لنا ... فَعَجِلتَ قبل الموت بالصرم
فإنه لا يعاب عليه كما عيب على المتنبي، وكقوله:
فأرحامُ شعر يتصلن لدنّه ... وأرحامُ مالٍ لا تنى تتقطع
وتشديد النون من لدن غير معروفة في لغة العرب. قال ابن جني لدنه فيه قبح وبشاعة، إذ لم يكن بعد النون نون، وروى يتصلن بجوده، وبعد هذا البيت:
فتى ألفُ جزء رأيُه في زمانه ... أقلُّ جُزَيء بعضُه الرأيُ أجمع
ألف جزء خبر مبتدأ، وهو رأيه، وأقل مبتدأ، بعضه الرأي خبره، وهذان البيتان من قصيدة أولها:
حُشاشة نفس ودعتْ يوم وَدّعوا ... فلم أدر أيذ الظاعنين أشيع
أشاروا بتسليم فجدنا بأنفس ... تَسيل من الآماق والسَّمُ أدمُع
حشاي على جمر ذكيّ من الهوى ... وعيناي في روض من الحسن ترتع
إلى أن قال في أثنائها في وصف القلم:
خبتْ نارُ حرب لم تهجها بنانهُ ... وأسمرُ عُريانُ من القِشر أصَلعُ
جعل القلم أصلع للينه، وملاسته كالرأس الاصلع.
نحيف الشوى يعدو على أم رأسه ... ويَحفىَ فيقوى عدوهُ حين يقطع
يقول: هذا القلم رقيق الأطراف، يريد رقة جلفته، وأم رأسه: وسطه، ويحفى: أي يكل عن المشي، فيقوى عدوه إذا قط:
يَمُج ظلاماً في نهارٍ لسانُه ... وُيفهمِ عمن قال ما ليس يُسْمع
ذُبابُ حُسام منه أنجي ضريبةً ... وأعصى لمولاه وذا منه أطوعُ
بكف جوادٍ لو حكتها سحابةُ ... لما فاتها في الشرق والغرب موضع
وقال أبو تمام فيه من قصيدة أولها:
متى أنتَ عن ذهيلة الحيّ ذا هلُ ... وقلبُك منها مدةَ الدهر آهل
إلى أن قال مخاطباً لأبي جعفر محمد بن عبد الملك الزيات:
لك القلمُ الأعلى الذي بشَباتهِ ... تُصابُ من الأمر الْكُلى والمفاصل
لك الخلوات اللاء لولا نجيها ... لما احتفلتْ للملك تلك المحافل
لعابُ الأفاعي القاتلات لعابُه ... وأرْىُ الجني اشتارته أيد عواسل
له ريقَهُ طَلُّ ولكنّ وقعَها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجمُ إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمسَ اللِطافَ وأفرغتْ ... عليه شِعاب الفكِر وهْي حوافل
أطاعته أطرافُ القَنا وتَقَوَّضَتْ ... لِنَجْواه تقويض الخيامِ الجِحافلُ
إذا استغزر الذهنَ الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رَفَدتْه الخِنصران وسَدَّدَتْ ... ثلاثَ نواحيه الثلاثُ الأنامل
رأيتَ جليلا شأنهُ وهو مُرهف ... ضنىً وسمينا خطبهُ وهو ناحل
وقال بعض مداح العلامة المخدوم بهذا الكتاب من قصيدة أولها:
غفر القربُ ما جناه البعادُ ... وأكَّنته في الهوى الأكبادُ
إلى أن قال في وصف القلم:
ذو يَرَاع إذاً مشى يُنبتُ الدُّرَّ ... بأرض القرطاس مِنه المدادُ
أسمرُ ليس مثلهُ يحسْنُ الأبْ ... يض فعلاً والأسمر المُنْآد
عَلَمُ في العلوم يمشي على بَيْ ... داءِ نُور فيظهرُ الإرشاد
ذو بيان لولاهُ أخفي مرور الد ... م هر ما شادهَ قديما زياد
كل علم يُرامُ منه إذا ما ... شَدَخُوا رأسَه به يُستفادُ
وإذا أعجم الكلامَ فقد أعرب ... ما يَستبين منه السَّدادُ
مَقصد الكاتبين حتى إذا ما ... قصدُوه لم يُدركوا ما أرادوا
وتراه يجري على الرأس في خد ... مة باريه إن دعاه مُراد
أخرسُ غير أنه ربما ينْ ... طق فصلَ الخطاب وهْو جماد
رقّ جسما وسحَّ دمعاً إلى أن ... خِلَته مُدْنَفاً جفتْه سُعادُ
قال أبو تمام يرثى ابنين كانا لعبد الله بن طاهر صغيرين ماتا في يوم واحد بقصيدة أولها:
ما زالت الأيامُ تُخبر سائلاً ... أنْ سوف تَفجَع مُسْهلا أو عاقلا
إلى أن قال في أثنائها:
مجدُ تأوّب طارقاً حتى إذا ... قلنا أقامَ الدهرَ أصبح راحلاَ
نجمان شاء اللهُ ألا يطلُعا ... إلا ارتدادَ الطرفِ حتى يأفلاِ
стр. 630
إن الفجيعةَ بالرياض نواضراً ... لأجلُّ منا بالرياض ذَوابلا
لَهفِي على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلتْ حتى تكونَ شمائلا
إن الهلالَ إذا رأيت نَموه ... أيقنتَ أنْ سيكونُ بدراً كاملا
قل للأمير وإن لقيت مُوَقَّراً ... منه يَريِبُ الحادثاتِ حُلاحِلا
إن تُرْزَ في طَرَفَي نهار واحد ... رَزأين هاجا لَوْعةَ وَبلابلاِ
فالثقل ليس مضاعفاً لمطيَّة ... إلا إذا ما كان وهما بَازِلا
لا غَرْوَ إن فَنَنان من عَيْدانه ... لَقِينا حِماماً للبرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مُشذبَّ ... منه تْمَهَلَّ ذراً وأثَّ أسافلا
شمَختْ خلالُك أن يُواسيك امرُؤ ... أو أن تُذكَر ناسيا أو غافلا
إلا مواعَظ قادها لك سَمْحةً ... إسْجاحُ لُبك سامعاً أو قائلا
هل تَكْلَفُ الأيدي بَهزّ مُهند ... إلا إذا كان الحسامَ الفَاصلا
وقال أبو الطيب المتنبي في مرثية بولد صغير لسيف الدولة، أولها:
بنا منكَ فوق الرَّمل ما بكَ في الرمل ... وهذا الذي يُضنْي كذاك الذي يُبلي
كأنك أبصرتَ الذي بي وخِفْتَه ... إذا عشتَ فاخترت الحِمام على الثُكل
تركت خدود الغانيات وفوقها ... دموعُ تُذيب الحسنَ في الأعين النجْل
تبُل الثرى سُودا من المِسْك وحده ... وقد قَطَرتْ حُمراً على الشَّعَر الجَثل
فإن تَكُ في قبر فإنك في الحَشَا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يُبكي على قدْر سنَّة ... ولكن على قدر المَخيلة والأصْل
ألستَ من القوم الألىَ من رِماحهم ... نَداهم ومن قتلاهُمُ مُهْجةُ البخل
بمولودهم صمتُ اللسان كغيره ... ولكنَّ في أعطافه مَنْطقَ الفضل
تسليهمُ عَلياؤهْم عن مُصابهمْ ... ويَشغلهمْ كسبُ الثناء عن الشغل
أقلُّ بلاءً بالرزايا من القَناَ ... وأقدمُ بين الجَحْفَلين من النَّبْل
عزاءَك سيفَ الدولة المقتَدى به ... فإنك نصْلُ والشدائدُ للنصل
مُقيم من الهيجاء في كل منزل ... كأنَك من كل الصوارم في أهل
ولم أر أعصى منك للحزُن عبرةً ... وأثبتَ عقلا والقلوبُ بلا عقل
تخون المنايا عَهْدَه في سليسلهِ ... وتنصرُه بين الفوارس والرَّجْل
ويَبقى على مرّ الحوادث صبرهُ ... ويبدو كما يبدو الفِرِنْدُ على الصَّقلْ
ومن كان ذا نفس كنفسك حُرةٍ ... ففيه لها مُعنٍ وفيها له مُسْلي
وما الموتُ إلا سارقُ دق شخصهُ ... ويُسلمه عند الولادة للنمل
بنفسي وليدُ عاد من بعد حَمْله ... إلى بطن أم لا تُطَرَّقُ بالْحَمل
بَدَا وَلهُ وعدُ السَّحابة بالرَّوَي ... وصَدَّ وفينا غُلَةُ البلدِ المحل
وريعَ له جيشُ العدو وما مشى ... وجاشت له الحربُ الضروسُ وما تَغْلى
وقد مدّت الخيلُ العتاقُ عيونَها ... إلى وقت تبديل الرّكاب من النعل
فانظر إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف هام كل واحد منهما في واد منه مع اتفاقهما في بعض معانيه، وسأبين ما اتفقنا فيه، وما اختلفنا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: أما الذي اتفقا فيه، فإن أبا تمام قال:
لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أُمْهلتْ حتى تكون شمائلا
وقال أبو الطيب:
بمولودهم صمتُ اللسان كغيره ... ولكنَّ في أعطافه منطق الفصل
فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهو المطابقة في قوله: صمت اللسان، ومنطق الفصل، وقال أبو تمام:
نجمان شاء اللهُ ألا يطلعا ... إلا ارتدادَ الطَّرف حتى يأفلا
وقال أبو الطيب:
بَدَا وَلَهُ وعد السحابة بالرَّوَي ... وصدّ وفينا غُلة البلد المحل
فوافقه في المعنى، وزاد عليه بقوله: وفينا غلة البلد المحل. أما ما اختلفنا فيه، فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضاً، وذلك أن معناه أمتن من معناه، ومبناه أحكم من مبناه، فإن أبا الطيب المتنبي قال:
عزاءَك سيفَ الدولة المقتدىَ به ... فإنك نصلُ والشدائدُ للنصل
وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام هما:
إن تُرْزَ في طرفي نهار واحد ... رُزْأين هاجا لوعةً وبلابلاَ
فالثقل ليس مضاعَفاً لمطية ... إلا إذا ما كن وَهْما بازلا
стр. 631
فإن قول أبي الطيب:) والشدائد للنصل (أكرم لفظا ومعنى، من قول أبي تمام: إن الثقل إنما يضاعف للبازل من المطايا.
وقال أيضا:
تخون المنايا عهدَه في سليله ... وتنصرُه بين الفوارس والرَّجْل
وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما:
لا غَرْو إن فَننَان من عَيْدانِه ... لقيا حِماماً للبّرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مُشذَّبُ ... منه اتْمَهَلَّ ذُراً وأثّ أسافلا
وكذلك قال أبو الطيب:
ألستَ من القوم الألي من رماحهم ... نَداهم ومن قتلاهمُ مهجةُ البخل
تُسَليهمُ عَلياؤهمْ عن مصابهم ... ويشغلُهم كسبُ الثناء عن الشغل
وهذان البيتان خير من بيتي أبي اللذين هما:
شَمَخَتْ خلا لك أن يؤاسيَك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا
إلا مَواعظَ قلدها لكَ سمْحةً ... إسجاحُ لبك سامعا أو قائلا
ومن تأمل هاتين القصيدتين لهذين الشاعرين المفلقين، علم فضل أبي الطيب على أبي تمام، ورأى قولي ما قالت حذام.
ومما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب المتنبي وصف الأسد، ومبارزته، فحكم لأبي الطيب بالتقدم على البحتري، وذلك أن بشر بن عوانة العبدي سبقهما إلى هذه الطريقة في قصيدته الرائية، وهي من النمط العالي الذي لم ينسج على منواله، وكل الشعراء لم تسم قرائحهم إلى استخراج معنى ليس بمذكور فيها:
أفاطُم لو شهدتِ ببْطن خَبْتٍ ... وقد لاقَى الهزبرُ أخاكِ بثْراً
إذاً لرأيتِ ليثاً أمَّ ليثاً ... هِزبْراً أغلباً لاقَى هِزبرا
تقدَم ثم أحجمِ عنه مهري ... محاذَرةً فقلتُ: عُقرتَ مهرا
أنِلْ قدميّ ظهرَ الأرض إني ... وجدتُ الأرضَ أثبت منك ظَهرا
وقلتُ له وقد أبدى نِصالا ... مُحَدَّدة ووَجْهاً مكفهرّا
يُدِلُّ بمِخلَب وبحدّ ناب ... وباللحظات تحسبِهنَّ جَمرا
وفي يُمنايَ ماضي الحدّ أبقى ... بمَضْربه قِراعُ الحرب أُثْرَا
ألم يبلغك ما فعلتْ ظُباهُ ... بكاظِمة غَداةَ لقيتُ عمرا
وقلبي مثلُ قلبك ليس يَخثىَ ... مُصاولةً فكيف يخاف ذُعرا؟
وأنت ترومُ للأشبال قُوتا ... وأطلب لابنة الأعمام مَهْرا
ففيمَ تسومُ مثلي أن يُولَّي ... ويجعلَ في يديك النفسَ قَسْرا
نصحتُك فالتمِسْ يا ليثُ غيري ... طعاما إن لحميَ كان مُرّا
فلما ظن أن الغِش نصحي ... وخالفني كأني قلتُ هُجرا
مشى ومشيتُ من أسَدَين وأما ... مَراما كان إذ طلباه وَعْرا
يُكفكف غِيلةً إحدى يديه ... ويبسطُ للوثُوب علىّ أخرى
هززتُ له الحُسامَ فخلت أني ... شققتُ به لدى الظلماء فَجرا
وجُدتُ له بجائشة أرتْهُ ... بأنْ كَذَيتْه ما مَنتَّه غَدْرا
وأطلقتُ المهنَّدَ من يميني ... فقدّ له من الأضلاع عشرا
فخر مُضَرَّجا بدم كأني ... هدمتُ به بناء مُشْمَخِرا
وقلت له يَعز على أني ... قَتَلتُ مناسبي جَلَداً وفخرا
ولكنْ رمتَ شيئا لم يُرمْهُ ... سواك فلم أطق يا ليثُ صبرا
فإن تَكُ قد قُتلتَ فليس عاراً ... فقد لاقيتَ ذا طَرَفين حُرّا
وقال أبو عبادة البحتري في قصيدته التي أولها: أجدكَّ لا ينفكّ يسري لزينبا.
وفي أثنائها تعرض لذكر الأسد، ومبارزة الفتح بن خاقان له. قال:
وما نَقمَ الحسادُ إلا أصالة ... لديكَ وفعلا أرْيَحِيَّا مهذَّبا
وقد جربوا بالأمس منك عزيمةً ... فَضَلْتَ بها السيف الحُسام المجَّربا
غداةَ لقيتَ الليث والليثُ مُخْدر ... يُحَدَّد نابا للقاء ومخلَبا
إذا شاء غادَى عانةً أو غدا على ... عقائل سِرب أو تقنص رَبربا
شهدتُ لقد أنصفتَه حين تنبرِي ... له مُصْلِتا عَضْبا من البيض مِقَضَبا
فلم أر ضِرغامَين أصدق منكما ... عِراكَا إذا الهيابةُ النِكسُ كذَّبا
وانتقد على البحتري هذا البيت؛ فإن قوله) الهيابة النكس كذبا (تفريط في المدح، وكان ينبغي أن يقول إذا البطل كذب، وإلا فأي مدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفر فيه الجبان؟ وهلا قال كما قال أبو تمام:
فتى كلما ارتاد الشجاعُ من الرَّدَى ... مَفَرَّا غداة المأزِق ارتادَ مَصْرَعا
ومنها:
هزبرُ مشى يبغي هزبراً وأغلبُ ... من القوم يغشى باسل الوجهِ أغْلبا
стр. 632
أدل بِشَغْب ثم هالته صولةُ ... رآك لها أمضى جَنانا وأشغَبا
فأحجم لما لم يجد فيك مَطْمعا ... وأقدم لما لم يجدْ عنك مَهربا
فلم يغنه أن كرَّ نحوك مُقبلا ... ولم يُنجه أن حاد عنك مُنَكباً
حملتَ عليه السيفَ لا عزمك انثنى ... ولا يَدُك ارتدت ولا حَدُّه نَبا
لما انتهت النوبة إلى أبي الطيب المتنبي، قال يمدح بدر بن عمار، وقد خرج إلى أسد، فهاجه عن بقرة افترسها فوثب على كفل فرسه؛ وأعجله عن استلال سيفه، فضربه بسوطه، فزل عن كفل فرسه، ودار به الجيش، فقتل، وخرج إلى أسد آخر. فكر عليه، فهرب الأسد منه، بقصيدة أولها:
في الخد أن عزم الخليطُ رحيلا ... مطرُ تزيد به الخدودُ مُحولا
إلى أن قال:
أمُعَفَّرَ الليث الهزبرِ بِسوطه ... لمن ادخرتَ الصارمَ المصقولا؟
وَقَعتْ على الأرْدُنّ منه بَلّيةُ ... نَضَدَتْ بها هام الرفاق تُلُولا
وَرْدُ إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفراتَ زئيرهُ والنيلا
متخضّبُ بدم الفوارس لابسُ ... في غِبله من لِبدتيه غِيلا
ما قوبلتْ عيناه إلا ظُنتا ... تحت الدُّجى نارَ الفريق حُلُولا
في وحدة الرّهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريمَ والتحْليلا
يطأ الثرى مترّفِقا من تِيههِ ... فكأنه آسٍ يَجُسّ عَليلا
ويَردُّ غُفْرته إلى يافوخه ... حتى تصيرَ لرأسه إكليلا
وتظنه مما يُزَمْجِرُ نفسُه ... عنها لِشدة غيظه مَشْغولا
قَصَرتْ مخافَتُه الخُطا فكأنَما ... ركب الكَمىُّ جوادَه مَشْكولا
ألقى فريستَهُ وَبْربَرَ دُونها ... وقَرُبْتَ قُربا خاله تَطفيلا
فتشابه الخُلُقان في إقدامه ... وتخالفا في بَذْلك المأكولا
أسد يرى عضويه فيك كليهما ... مَتْناً أزلَّ وساعداً مفتولا
نيالةِ الطَّلبِات لولا أنها ... تُعطي مكان لجامها مانِيلا
في سرج ظامئةِ الفصوصِ طِمِرةَّ ... يأبى تفَرُّدُها لها التمثيلا
تندَى سوالفُها إذا استَحْضَرْتها ... وتَظن عَقَدْ عِنانها محلولا
ما زال يجمع نفسه في زَوْره ... حتى حسبت العَرْض منه الطولا
ويَدقُ بالصدر الحجار كأنه ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا
وكأنه غَرَته عين فادَني ... لا يُبصر الخطب الجليل جليلا
أنَفُ الكريم من الدنيئة تاركُ في عينه العددَ الكثير قليلا
والعارُ مَضّاضُ وليس بخائف ... من حتفه مَنْ خاف مما قيلا
سبق التقاءَكهَ يوثبه هاجم ... لو لم تصادمه لجازك ميلا
خذلتُه قوتهُ وقد كافحتهَ ... فاستنصر التسليم والتجديلا
قبضتْ منيتهُ يديه وعُنْقَه ... فكأنما صادفَته مغلولا
سمع ابنُ عمته به وبحاله ... فنجا يُهرول منك أمس مَهُولا
وأمرّ مما فر منه فِرارهُ ... وكقتلهِ ألا يموت قتيلا
تَلَفُ الذي اتخذ الجراءة خُلة ... وَعَظَ الذي اتخذ الفِرار خليلا
والذي يشهد به الحق، أن معاني أبي الطيب أكثر عدداً، وأسد مقصداً، ألا ترى أن البحتري قد قصر مجموع قصيدته على وصف شجاعة الممدوح. في تشبيهه بالأسد مرة، وتفضيله عليه أخرى، ولم يأت بشيء سوى ذلك؛ وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيت واحد وهو قوله:
أمعفَر الليثِ الهِزبْر بسوطهِ ... لمن ادّخرتَ الصارمَ المصقولاُ
ثم إنه تفنن في ذكر الأسد: فوصف صورته، وهيئته، ووصف أحواله، في انفراده في خيلائه، وفي هيئة مشيه. واختياله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء، ثم ذكر الأنفة، والحمية التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج ذلك في أحسن مخرج، وأبرزه في أحسن مخرج، وأبرزه في أحسن معنى، ولفطانة أبي الطيب لم يتعرض لما ذكر بشر في أبياته التي ذكرناها، لعلمه أن بشراً قد ملك رقاب تلك المعاني، واستحوذ عليها، ولم يترك لغيره شيئاً يقوله، ولم يقع فيما وقع فيه البحتري من الانسحاب على ذيل بشر، لأنه قصر عنه تقصيراً كثيراً، ولما كان الأمر كذلك، عدل أبو الطيب عن سلوك تلك الطريقة، وسلك غيرها، فجاء فيما أورده مبرزاً، فإن بشراً قال:
إذاً لرأيت ليثا أمَّ ليثا ... هِزَبْراً أغلباً لاقى هِزْبراَ
стр. 633
مشى ومشيتُ من أسدَين راما ... مَراماً كان إذ طلباه وعْرا
وقال البحتري:
فلم أر ضِرغامَين أصدق منكما ... عِراكا إذا الهَّيابه النَّكْس كَذَّبا
هزبر مشى يبغي هزبرا وأغلبُ ... من القوم يَغشَى باسل الوجه أغلبا
وقال بشر:
وقلتُ له وقد أبدى نِصالا ... محددةٍ ووجها مكفهراً
يُدِلُّ بمِخلَب وبحدّ ناب ... وباللحظاتِ تحسَبهن جَمرا
وقال البحتري:
غداة لقيتَ الليثَ والليثُ مُخدْر ... يحدد ناباً للقاءِ ومِخْلباً
ومما توارد عليه أبو الطيب وأبو عبادة البحتري وصف السيف: قال أبو الطيب:
كِفرِندي فِرندُ سيفي الجُزارِ ... لذةُ العين عدَّةُ للبزارِ
تحسِي الماء خَطَّ في لهب النا ... ر أدقَّ الخطوطَ في الأحْراز
كلما رُمتَ لونه منع النا ... ظر موجُ كأنه منك هازِي
ودقيقُ قِدىَ الهباء أنيقُ ... مُتوال في مستو هَزْهازِ
وردَ الماءَ فالجوانبُ قَدْراً ... شربتْ والتي تليها جَوازي
حَمَلَتْه حمائلُ الدهر حتى ... هي محتاجة إلى خرّاز
وهو لا تلحقُ الدماءُ غِرارَيْ ... هـ ولا عرِضَ مُنتضيه المخازي
يا مُزِيلَ الظلام عني ورَوْضي ... يوم شُرْبي ومَعْقِلي في البَرَاز
واليماني الذي لو اسْطَعْتُ كانت ... مقلتي غمدَه من الإعزاز
لإنّ برقي إذا بَرَقْتَ فَعالي ... وصليلي إذا صَللَتَ ارتجازي
لمَ أحملِكَ مُعْلَماً هكذا إلام ... لِضَرْب الرقاب والأجواز
ولِقطعي بك الحديدَ عليها ... فكلانا لجنسه اليوم غازِي
سَلّه الركض بَعَد وهْنٍ بنجد ... فتصدى للغيث أهلُ الحجاز
وتمنيتُ مثلهَ فكأني ... طالبُ لابن صالح من يُوازي
ومن قصيدته الأسدية:
وكأن برقا في متون غمامة ... هِندَّية في كفه مسلُولا
ومحلُّ قائمه يسيل مواهباً ... لو كُنَّ سيلا ما وجدنَ مَسيلا
رقت مضاربه فهن كأنما ... يُبدين من عِشق الرقاب نُحولا
ومن قصيدته النَّوروُزيَّة:
قَلَّدتني يمينُه بحسام ... أعْقَبَتْ منه واحداً أجدادهُ
كلما استُلَّ ضاحكته إياهُ ... تزعمُ الشمسُ أنها أرْآدُه
مثَّلوه في جَفنه خشيةَ الفق ... د ففي مثل أثْره إغمادهُ
مُنْعُلُ لا من الحفا ذهبا يحْ ... ملُ بحراً فِرندُه إزْهاده
يَقسِمُ الفارسَ المدججَ لا ... نسلم من شَفْرتيه إلا بِدادُه
جمعَ الدهر حدَّه ويديه ... وثنائي فاستجمعتْ آحاده
وتقلدتُ شامةً في نَدَاه ... جلدُها مُنْفِساتهُ وعَتادُه
قال البحترّي من قصيدة أولها: أهلا بذلكمُ الخيالِ المُقبل
قد جُدْتَ بالطِرف الجواد فَثنهِ ... لأخيك من أُدَدٍ أبيك بمُنصُل
يتناول الروحَ البعيدَ مناله ... عفواً ويفتح في القضاء المقفل
بإنارة في كل حَتْف مظلم ... وهداية في كل أرض مَجْهل
ماضِ وإن لم تمضه يدُ فارس ... بطلٍ ومصقولُ وإن لم يصْقل
يَغْشَى الوَغَى فالتُّرس ليس بجنَّةٍ ... من حده والدّروعُ ليس بمعقل
مصغ إلى حكم الردَى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدلَ
متوقُد يَفْرى بأول ضربة ... ما أدركت ولو أنها في يَذْبل
وإذا أصاب فكل شيء مَقْتَلُ ... وإذا أصيب فماله مِن مَقتلْ
وكأنما سودُ النمال وحمْرُها ... دَبت بأيد في قَراه وأرجل
وكأن شاهره إذا استعصى به ... في الرَّوع يَعْصَى بالسماك الأعْزل
حَمَلتْ حَمائَله القديمةَ بَقْلةُ ... مذ عهد عاد غَضَّةُ لم تَذْبل
ومن تعسفات أبي الطيب قوله:
شديدُ البعد من شرب الشَّمول ... تُرُنْجُ الهند أو طَلْعُ النخيل
والمعروف عند العرب الأترج، والترنج مما يغلط فيه العامة.
قال الصاحب: لا أدري الاستهلال حسن؟ أم المعنى أبدع؟ أم قوله: ترنج أفصح؟ وكقوله:
بيضاءُ يَمنعها تَكَلَّم دَلُّها ... تِيهاً، ويمنعها الحياءُ تَميساَ
فنصب تميس مع حذف أن، وهو ضعيف عند أكثر النحويين وكقوله:
وتكرمت رُكَبانها عن مَبْرَكٍ ... تقعان فيه وليس مِسكا أذ فرا
فجمع الركيات، ثم انتقل إلى الثنية، فقال تقعان، وهو ضعيف، وغير سديد في صناعة الإعراب.
وكقوله:
ليس إلاكَ يا علي همامُ ... سيفه دون عِرضه مَسْلولْ
وقوله:
стр. 634
لم تر مَنْ نادمتَ إلاكا ... لا لسوى وُدك لي ذاكا
فوصل الضمير بإلا، وحقه أن ينفصل عنه، كما قال الله تعالى: ضل من تدعون إلا إياه (.
وكقوله:
ابْعَدْ بَعْدتَ بياضا لا بياض له ... لأنت أسْودُ في عيني من الظلم
وألف التعجب لا تدخل على ألف أفعل، إنما يقال أشد سوادا، وحمرة وخضرة.
وكقوله:
جَلَلاً كما بي فَلْبَكُ التَّبريحُ ... أغِذَاءُ ذا الرَّشَا الأغنَ الشَّيح؟
وحذف النون من يكن إذا استقبلها الألف واللام خطأ عند النحويين، لأنها تتحرك إلى الكسر، وإنما تحذف استخفافاً إذا سكنت.
وكقوله:
أمِطْ عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحدُ فوقي وما أحدُ مثلي
والتشبيه بما محال.
وكقوله:
لَعظمْتَ حتى لو تكونُ أمانةً ... ما كان مؤتما بها جبرينُ
قال الصاحب: وقلبُ هذه اللام إلى النون أبغض من وجه المنون، ولا أحسب جبريل ﵇ يرضى منه بهذا المجون، هذا على ما في معنى البيت من الفساد والقبح.
وكقوله:
حملت إليه من ثنائي حديقة ... سقاها الحجَى سقَى الرياضَ السحائبِ
أي سقى السحائب الرياض.
ومنها:
تَفَكره عِلم ومَنطقة حُكمُ ... وباطنه دينُ وظاهره ظَرْفُ
وقد خرج فيه عن الوزن، لأنه لم يجيء عن العرب مفاعلين في عروض الطويل غير مصرع؛ وإنما جاء مفاعلن. قال الصاحب: ونحن نحاكمه إلى كل شعر للقدماء والمحدثين على بحر الطويل فما نجد له على خطئه مساعداً.
قال القاضي أبو الحسن، وقد عيب أيضاً بقوله:
إنما بَدْر بنُ عَمار سحاب ... هَطِلُ فيه ثوابُ وعِقابُ.
لأنه أخرج الرمل على فاعلاتن، وأجرى جميع القصيدة على ذلك في الأبيات غير المصرعة، وإنما جاء الشعر على فاعلن وإن كان أصله في الدائرة فاعلاتن.
ومنها: استعماله الغريب الوحشي، وإذا كان المتنبي من المحدثين بل من العصريين، وجرى على رسومهم في اختيار الألفاظ المعتادة المألوفة بينهم، بل ربما انحط عنهم بالركاكة والسفسفة، ثم تعاطى الغريب، الوحشي، والشاذ البدوي، بل ربما زاد في ذلك على أقحاح المتقدمين، حصل كلامه بين طرفي نقيض، وتعرض لاعتراض الطاعتين.
فمن ذلك الفن الذي ينادي على نفسه ويقلق موقعه في شعره وشعر غيره من أبناء عصره، قوله:
وما أرضَى لمقُلتهِ بحُلْمٍ ... إذا انتبهت تَوَهَّمُهُ ابْتِشاكا
والابتشاك: الكذب، ولم أسمع فيه شعراً قديماً ولا محدثا سوى هذا البيت. وقوله في وصف الغيث:
لِساحيه على الأجداثِ حفْش ... كأيدي الخيل أبصرَتِ المَخَالي
الساحي: القاشر. ومنه سميت المسحاة، لأنها تقشر الأرض، والحفش: مصدر حفش السيل حفشا: إذا جمع الماء من كل جانب إلى مستنقع.
وقوله في وصف السيف:
ودقيقُ قِدىَ الهباءِ أنيقُ ... متوال في مستو هَزْهاز
قِدىَ: بمعنى مقدار. يقال بينهما قيد رمح، وقاد رمح وقدى.
وقوله:
أركائبَ الأحباب إن الأدمعا ... تَطسُ الخدود كما تَطِسْن اليَرْمعا
تطس: أي تدق. واليرمع: الحجارة البيض الرخوة.
وقوله:
وإلى حَصَى أرض أقام بها ... بالناس من تقبيله يَللُ
الليل: إقبال الأسنان، وانعطافها على باطن الفم. ولم يسمع في شعره غيره.
وقوله: الشمس تَشْرُق والسحابَ كَنَهْورا الكنهور: القطعة العظيمة من السحاب.
وقوله: وقد غَمَرْتَ نوالا أيها النال والنال: المعطى.
وقوله: أسائلها عنِ المُتَدَيرِيها قال الصاحب: لفظة) المتديريها (لو وقعت في بحر صاف لكدرته، ولو ألقى ثقلها على جبل سام لهده، وليس للمقت فيها نهاية، ولا للبرد معها غاية، والمتديروها: المتخذوها دارا، قال الصاحب: ومن أطم ما يتعاطاه: التفاصح بالألفاظ النافرة، والكلمات الشاذة، حتى كأنه وليد خباء وغذى لبن، ولم يطأ الحضر، ولم يعرف المدر.
فمن ذلك قوله:
أيفْطِمهُ التَّوْاربُ قبل فِطامه ... ويأكلهُ قبل البلوغ إلى الأكل
وليس ذلك سائغاً لمثله وهو وليد قرية، ومعلم صبية.
ومن الجموع الغربية التي يوردها قوله في جمع الأرض:
أروض الناس من تُرب وخوف ... وأرض أبي شجاع من أمان
стр. 635
وقوله في جمع اللغة: عليم بأسرار الديانات واللغى. وفي جميع الدنيا: أعز مكان في الدنا سرج سابح وقوله في جمع الأخ: كل آخائه كرام بني الدنيا. قال الصاحب: لو وقع الآخاء في رائيه الشماخ لاستثقل، فكيف مع أبيات منها:
قد سمعنا ما قلتَ في الأحلامِ ... وأنلناك بدرةً في المَنَام
والكلام إذا لم يتناسب زيفته جهابذته وبهرجته نقاده.
ومنها الركاكة والسفسفة بألفاظ العامة والسوقة ومعانيهم كقوله:
رماني خساس الناسِ من صائب استْه ... وآخرُ قطنُ من يديه الجنادلُ
وقوله:
وإن ما رأيتني فاركب حصانا ... ومثَّلْه تَخرَّ له صَريعا
وقوله:
إن كان لا يُدْعَى الفتى إلا كذا ... رجلا فسم الناس طُراًّ إصبعا
وقوله:
قسا فالأسْدُ تفزع من يديه ... ورَقَّ فنحن نفزع أن يذوبا
وقوله:
تَألَّمُ درزَه والدَّرْزُلْينُ ... كما تتألم العضْبَ الصنيعا
وعلى ذكر الدرز، فقد حكى الصاحب في كتاب الروزنامجة من حديث لحظة الطولونية الغنية ما يشبه معنى هذا البيت، وهو أنه قال: سمعتها تقول: يا جارية على بالقميص المعمول في النسيج؛ فقد آذاني ثقل الدروز.
وقوله:
لِيَرىً لباسُه خَشِنُ القطن ... ومرويُّ مروَ لِبس القرود
وقوله:
ما أنَصف القوم ضَبهْ ... وأمَّه الطُّرْطُبَّهْ
رمَوْا برأس أبيه ... وباكوا الأمَّ غُلُبَّه
وقوله: ولفظ درُ يريك الدرَ مخْشَلبا وقوله:
إن كان مثلُك كان أو هو كائنُ ... فَبَرئِتُ حينئذ من الإسلام
قال الصاحب:) حينئذ (هاهنا أنفر من عير منفلت.
قال ومن ركيك صنعته في وصف شعره، والزراية على غيره قوله:
إن بعضاً من القريض هُذَاء ... ليس شيئاً وبعضهُ أحكامُ
منه ما يجلُبُ البراعةُ وانفض ... لُ ومنه ما يجلبُ البرسامُ
قال: وهاهنا بيت نرضى باتباعه فيه، وما ظنك بمحكم مناوية، ثقة بظهور حقه، وإيراء زنده، وإن لم يكن التحكيم بعد أبي موسى من موجب العزم، ومقتضى الحزم. وهو:
أطعناك طوع الدهر يا بن ابن يوسف ... بشهوتنا والحاسدو لك بالرَّغْمِ
وقوله:
تَقْضَمُ الجمرَ والحديدَ الأعادي ... دونه قضمَ سُكَّر الأهواز
وقوله:
فكأنما حسب الأسنة حلوة ... أو ظنها البرَنيّ والآزاذا
قال الصاحب: إذا جمع السكر إلى البرني والأزاذ، تم الأمر.
قال: وكانت الشعراء تصف المآزر تنزيهاً لألفاظها عما يستشنع ذكره حتى تخطى هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح الذي لم يهتد إليه غيره فقال:
إني على شغفي بما في خُمْرها ... لأعَفُّ عما في سراويلاتها
وكثير من العهر أحسن من هذا العفاف.
قال القاضي ومن أمثاله العامية قوله:
وكل مكان أتاه الفتى ... على قدر الرَّجل فيه الخُطا
ومنها إبعاد الاستعارة، والخروج بها عن حدها، كقوله:
مَسرّةُ في قلوب الطِيب مَفرِقُها ... وحسرةُ في قلوب البَيضِ والبَلَب
وقوله:
تجمعّتْ في فؤادِه هِمَمُ ... ملءُ فؤادِ الزمانِ إحداها
وقوله:
لم تَحْكِ نائلَك السحابُ وإنما ... حُمّتْ به فصبيبهاُ الرُّحَضاءُ
وقوله:
إلاَّ يَشبْ فلقد شابتْ له كَبِدُ ... شَيْباً إذا خضَّبتْه سَلْوةُ نصلاَ
وقوله:
وقد ذقتُ حَلْواءَ البنينَ علي الصبا ... فلا تحِسَبني قلتُ ما قلتُ عن جهل
فجعل للطيب والبيض واليلب قلوباً، وللسحاب حمى، وللزمان فؤادا، وللكبد شيبا، وهذه استعارات لم تجر على شبه قريب ولا بعيد، وإنما تصح الاستعارة وتحسن على وجه من الوجوه المناسبة، وطرق من الشبه والمقاربة.
قال الصاحب: وما زلنا نعجب من قول أبي تمام وهو:) لا تسقني ماء المَلاَم (فخف علينا) بحلواء البنين (.
ومنها الاستكثار من قول) ذا (.
قال القاضي: وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف، وربما وافقت موضعاً تليق به، فاكتسبت قبولا، فأما في مثل قوله:
قد بلغتَ الذي أردت من البِرّ ... ومن حقّ ذا الشريفِ عليكا
وإذا لم تَسِرْ إلى الدار في وق ... تِك ذا خفتُ أن تسيرَ إليكا
وقوله:
لو لم تكن مِن ذا الورى الَّلذْ منك هَوُ ... عَقِمَتْ بِمَوْلد نسلها حواءّ
وقوله:
следующие страницы →