Полный текст (934 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ورد قوله في قصيدته التي أولها: ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها فإنه وصف البركة فأبدع، ثم خرج منها إلى مدح المتوكل، فقال:
كأنها حين لجت في تدفقها ... يدُ الخليفة لما سال واديها
وأحسن ما وجد له وهو ما تلطف فيه كل التلطف قوله في قصيدته التي يمدح بها ابن
стр. 702
بسطام ومطلعها: نصيب عينيك من سَحَ وتَسجام فقال عند تخلصه: هل الشباب مُلِمُّ بي فراجعةُ
لو أنه نائل غمرُ يُجادُ به ... إذاً تطلبتْه عند ابن بسطام
وله مواضع أخر يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره.
ومما استظرف في هذا النوع قول ابن الزمكدم الموصلي:
стр. 703
وليل كوجِه الَبرْ قَعيديّ ظُلْمةً ... وبرِد أغانيه وطولِ قُرونِه
سريتُ ونومي عن جفوني مُشَرَّدُ ... كعقل سليمان بن فَهد ودِيِنه
على أوْلَق فيه التفاتُ كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوءُ الصباح كأنه ... سنا وجه قِرواش وضوءُ جبينه
وهذه الأبيات لها حكاية، وذاك
стр. 704
أن شرف الدولة قرواش صاحب الموصل كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء في جملة هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنياً، وسلمان بن فهد وزيراً، وأبو جابر حاجباً، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه، فذكر هذه الأبيات
стр. 705
ارتجالا، وهي غريبة في بابها، لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول بهجو البرقعيدي، فهجاه في ضمن مراده، وذكر أوصاف ليالي الشتاء جميعها، وهي الظلمة، والبرودة، والطول، وكذلك البيت الثاني والثالث، ثم خرج إلى المديح بألطف
стр. 706
وجه، وأدق صنعة، وهذا يسمى الاستطراد.
ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن حجاج البغدادي:
ألا يا ماء دِجلَة لستَ تَدري ... باني حاسدُ لك طول عمري
ولو أني استطعت سَكَرْت سَكْراً ... عليك فلم تكن يا ماء تجري
فقال الماءُ ما هذا عجيب ... بِمَ استوجبتُه يا ليت شعري
стр. 707
فقلت له لأنك كل يومٍ ... تمر على أبي الفضل بن بشر
تراه ولا أراه وذاك شيءُ ... يضيق عن احتمال فيه صدري
ولا يظن أن هذا الشيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة، وفات من تقدمهم من العرب لما عندهم من قشف العيش، وغلظ الطبع، بل قد سبق أولئك إلى هذا
стр. 708
الأسلوب، وإن أقلوا منه وأكثر المحدثون، وأي حسن من محاسن البلاغة والفصاحة لم يسبقوا إليه؟ وكيف لا وهم أهله، ومنهم علم، وعنهم فهم، فمما جاء للفرزدق قوله:
وركبٍ كأن الريحَ تطلبُ عندهم ... لها تِرةً من جَذْبها بالعصائب
стр. 709
سَرَوْا يَخبِطون الليل وهي تَلُفهم ... إلى شُعَب الأكوارِ من كل جانب
إذا آنوا ناراً يقولون ليتها ... وقد خَصِرتْ أيديُهم نارُ غالب
فانظر إلى هذا الاستطراد، ما أفحله وأفخمه!.
ومن بدائع أبي الطيب التثبيت بالأعرابيات، كقوله:
стр. 710
مَن الجآذر في زِي الأعاريب ... حُمرَ الحُليَ والمطايا والجلابيب
إن كنتَ تسأل شكا في معارفها ... فمن بَلاكَ بتسهيد وتعذيب
سوائرُ ربما سارت هوادجُها ... منيعةً بين مطعون ومضروب
أي لشدة الرغبة فيهن، وكثرة الذب عنهن، والمحاربة دونهن.
стр. 711
وربما وَخَدت أيدي المطى بَها ... على نجيع من الفُرسان مصبوب
كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةٍ ... أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغري بي
قد وافقوا الوحشَ في سكني مراتعها ... وخالفوها بتقويض وتنطيب
стр. 712
فؤادُ كل محُب في بيوتهمُ ... ومالُ كلّ أخيذِ المال محروب
ما أوجهُ الحَضرِ المستحسناتُ به ... كأوجه البَدَويات الرعابيب
حسنُ الحضارة مجلوبُ يتطرية ... وفي البداوة حسنُ غير مجلوب
أفْدِى ظباءَ فلاة ما عَرَفْن بها ... مَضْغ الكلام ولا صبغَ الحواجيب
стр. 713
ولا برزن من الحمام ماثلة ... أوراكُهُنَّ صقيلاتِ العراقيب
ومن هوى كلّ من ليستْ مُمَوَّهة ... تركتُ لونَ مشيي غيرَ مخضوب
ومن هوى الصدق في قولي وعادته ... رَغبِت عن شَعَر في الوجه مكذوب
وناهيك بهذه الأبيات جزالة وحلاوة. وله طريقة في وصف
стр. 714
البدويات، وقد تفرد بحسنها فأجاد ما شاء فيها، فمنها قوله:
هام الفؤادُ بأعرابية سكنتْ ... بيتا من القلب لم تَمْدُد له طُنًبا
مظلومةُ القَدّ في تشبيهه غُصُنا ... مظلومةُ الريق في تشبيهه ضَرَبا
وقوله أيضا:
إن الذين وقفْتَ واحتملوا ... أيامهمُ لِديارهم دُوَل
стр. 715
الحسنُ يرحل كلما رحلوا ... معهم وينزل كلما نزلوا
في مقلَتَيْ رشأ تديرهما ... بدويةُ فُتِنتْ بها الحِللُ
تشكو المطاعمُ طول هجرتها ... وصدودها فمن الذي تصل
يصفها بقلة الأكل وهو محمود فيهن جدا.
ما أسْأرَتْ في القَعبْ من لبن ... تركَتْهُ وهو المسكُ والعسلُ
стр. 716
قالت: ألا تصحو فقلت لها ... أعْلَمْتني أن الهوى ثملُ
وقوله:
ديار اللواتي دارُهن عزيزةُ ... بطول القنا يُحفَظْن لا بالتمائم
حِسانُ التثني يتنقشُ الوشىُ مثلَه ... إذا مِسْنَ في أجسامهنّ النواعم
وَيَبْسمن عن دُرّ تقلدنَ مثلَه ... كأن التراقي وُشِحَتْ بالمباسم
ومنها حسن التصرف في سائر
стр. 717
أنواع الغزل، كقوله:
قد كان يمنعني الحياءُ من البكا ... فاليوم يمنعه البكا أن يمنعا
حتى كأن لكل عَظْم رَنةً ... في جلده ولكل عرق مَدْمعا
سَفَرت ويَرْقَعها الحياءُ بصفرة ... سترتْ محاسنهاَ ولم تك بُرْقعا
فكأنها والدمعُ يقطُرُ فوقها ... ذهبُ بِسِمْطَيْ لؤلؤ قد رصعا
стр. 718
كشفت ثلاثَ ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت لياليَ أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
وهي مما يتغنى بها في المجالس لرشاقتها، وبلاغتها كل مبلغ، من حسن اللفظ، وجودة المعنى، واستحكام الصنعة، وقوله:
стр. 719
كأنما قَدُّها إذا انفتلتْ ... سكرانُ من خمر طَرْفها ثِمل
يجذبها تحت خصرها عَجُزُ ... كأنه من فراقها وجِلُ
وقوله أيضا:
كأن العيِس كانت فوق جفني ... مُناخَات فلما سْرن سالا
لبِسْنَ الوشيَ لا مُتجملات ... ولكن كي يَصُنَّ به الجمالا
стр. 720
وضفَّرْن الغدائرَ لا لِحسُنٍ ... ولكن خِفنَ في الشعَّر الضلالا
وهذا من إحسانه المشهور الذي لا يشق غباره فيه.
قال ابن الأثير الجزري: اعلم أني وجدت الأئمة من علماء العربية يقفون مع تقدم الزمان في تفضيل الشعراء، ويتركون النظر في فضيلة أشعارهم في هذا بين أمرين: إما
стр. 721
أنهم لم يحققوا معرفة علم البيان من الفصاحة والبلاغة، ولا نقبوا عن أسرارهما اللفظية والمعنوية، وإما أنهم رأوا أن الفضيلة للزمن، ونسوا قول النبي ﷺ : نحن الآخرون السابقون فضلا، وهذا الحكم يقع في كل من تأخر زمانه وتقدم، وكذلك
стр. 722
أقول: إن في الشعراء من المتأخرين من فاق الأولين، والذي أداني إليه نظر الاجتهاد دون التقليد: أن جريراً والفرزدق والأخطل أشعر ممن تقدم من شعراء الجاهلية، وبينهم وبين أولئك فرق يعيد، وإذا استفتيت قلت: إن أبا تمام والبحتري والمتنبي أشعر من الثلاثة المذكورين، وليس عندي أشعر منهم في
стр. 723
جاهلية ولا إسلام فإن أبا تمام وأبا الطيب قد غاصا على المعاني فعمقا، ودققا، وأتيا بكل غريبة، وأما البحتري فإنه أتى بديباجة السبك التي ليست لغيره، فإن أولئك قالوا ما قالوه في غير تنقيب. ولا تنقير، ولا حفظ، ولا درس، فشذ عنهم الشيء الكثير من المعاني الدقيقة، وأما الألفاظ فإنهم أتوا بمحاسنها
стр. 724
ولم يفتنهم شيء منها، لكنها توجد متفرقة في أشعارهم، وخلطوها بما قبح من الألفاظ، والمتأخرون حصلوا على القسمين معا، لأنهم نقبوا، وحفظوا، ودرسوا، وأتقنوا، فترى الشاعر منهم قد حوى شعره ما تفرق في أشعار كثيرة من شعراء العرب، وإذا أنصف الناظر، وترك التحامل، ثم ترك التقليد، علم أن حرف الميم وحرف
стр. 725
اللام من شعر أبي الطيب المتنبي قد تضمنا من الجيد النادر ما لم يتضمنه شعر أحد الفحول من شعراء العرب، وكأني بسامع قولي هذا، وقد ربا غيظا، ودارت عيناه،) وليس ذلك إلا محض تقليد وجهل بمعرفة أسرار الألفاظ والمعاني (ثم قال: كيفيشبه المتنبي بامرئ القيس، أو من كان في طبقته؟ فأقول: إن كان
стр. 726
لأحدهم رأسان، أو لسانان، أو كان له أربعة أرجل. أو كان النظر إنما هو في تقدم الزمان. فلا شك أن أولئك أشعر، وإن كان النظر إنما هو في الألفاظ والمعاني فلو عاش امرؤ القيس، ثم مات، ثم عاش، لما أداه فكره إلى تدقيق النظر في هذا المعنى الذي أورده المتنبي في قوله:
لو قَلت للدّنِفِ المشُوق فديتُهُ
стр. 727
.. مما به لأغرتَه بِفِدائه
ولا أن يقول في مرثية امرأة:
قد كان كلُّ حجاب دون رؤيتها ... فما قَنِعْتِ لها يا أرضث بالحُجُبِ
ولا رأيتِ عيونَ الإنس تُدركُها ... فهل حَسَدْتَ عليها أعينَ الشُّهبُِ
ولا أن يقول في مرثية امرأة أيضا:
وما التأنيث لاسيم الشمس عيبُ ... ولا التذكيرُ فخرُ للهلالِ
стр. 728
ولو كان النساء كَمَنْ فَقدنا ... لَفُضلتِ النساءُ على الرجالِ
على أني ما تركت ديوان فحل من فحول الشعراء حتى طالعته، وحفظت منه شيئاً، فلم أجد لأحد منهم في مرائي الناس ما يقرب من هذه الأبيات التي للمتنبي وكذلك يجري الحكم
стр. 729
في المحدثين، فإنهم لم يأتوا بمثلها ولا ما يقرب منها، ومن أين لامرئ القيس لطافة خاطر، يستخرج منها مثل قول المتنبي في السيوف والخوف منها:
واستعار الحديدُ لوْنا وألقى ... لونه في ذوائِب الأطفال
فإن الشعراء كلهم قد كرروا هذا المعنى، إلا أنهم لم يخرجوا عن أن الخوف يشيب، وإذا بالغوا قالوا: إنه يشيب الطفل،
стр. 730
والمتنبي لم يقل كما قالوا، وإنما تلطف في هذا المعنى فابرزه في صورة عجيبة كما ترى، وكذلك لا يستطيع الشاعر العربي أن يصف الجيش فيقول:
صدمتَهم بخميس أنتَ غُرّتُه ... وَسْمهريتُه في وجهه غَمَمُ
فكان أثْبتَ ما فيهم جسومُهمُ ... يسقطنْ حولك والأرواحُ تنهزمُ
ولو لم يكن للمتنبي سوى هذين
стр. 731
البيتين لاستحق بهما فضيلة التقدم على الشعراء، ولذلك قال في هذه القصيدة، وقد حلف ابن الدمستق والبطاريق أن يلقوا سيف الدولة:
أين البطاريقُ والحَلْفُ الذي حَلَفُوا ... بِمَفرقِ الملْك والزعمُ الذي زعموا
وَلىَّ صوارمه إكذابَ قولهمُ ... فهن ألسنةُ أفواههاُ القِمَمُ
стр. 732
نواطقُ مخبراتُ في جماجِمهمْ ... عنه بما جهلوا منه وما علموا
وقد غربلت الأشعار قديمها ومحدثها، وتأملتها تأمل المنتقد، فما وجدت لشاعر ما لأبي تمام ولأبي الطيب في باب المعاني ولا ما لأبي عبادة البحتري في باب الألفاظ فمن قلدني في ذلك فقد أصاب، وطرح عن نفسه ثقل التنقيب والتنقير. ومن خالفني عن
стр. 733
علم ومعرفة فليتأمل من الأشعار ما تأملته حتى يعلم ما علمته، وإن كان جاهلاً بهذا الفن فليدرج في عشه، فليس منه ولا إليه، ومن الناس من يزعم أنه ليس لأبي تمام ولا للمتنبي من الغزل شيء يروق ولا يحسن. وهذا القول لا يصدر إلا عن تعصب أو جهل، وأي غزل أحلى وأعذب وأرق من قول أبي تمام:
стр. 734
أنت في حِل فزدني سقَمَا ... أَفْن جسمي واجعل الدمع دما
وارضَ ليِ الموتَ بِهَجْرِيكَ فإن ... ألِمتْ نفسي فزدها ألما
محنة العاشق ذلُّ في الهوى ... فإذا استودُعِ سراّ كَما
ليس منا من شكا علته ... من شكا ظُلْمَ حبيب ظلما
وهل لكثير من المتقدمين
стр. 735
أو لابن الدمينة أرق من هذه الأبيات؟ وكذلك ورد قوله في طيف الخيال:
استزارتهْ فكرتي في المنام ... فأتاني في خُفيةٍ واكتتام
الليالي أحْفى بقلبي إذا ما ... جرحته النوى من الأيام
يا لها لذةً تنزهت الأر ... واح فيها سراًّ من الأجسام
стр. 736
مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام
وهذه الأبيات لم يؤت في الطيف بأدق منها ولا أسلس. وكذلك قوله أيضاً:
شبيه الخد بالتفا ... ح والريقة بالخمر
بديع الحسن قد أُل ... فَ من شمس ومن بدرِ
стр. 737
له وجه إذا أبصرْ ... ته ناجاك عن عُذر
وكذلك قوله:
يا لابساً ثوبَ الملاحة أبْلِهِ ... فَلأَنْتَ أولى لابسيه بلُبْسهِ
لم يعطك الله الذي أعطاكه ... حتى أضر ببدره وبشَمسه
مولاك يا مولاي صاحبُ لوعةٍ ... في يومه وصَبابه في أمسه
стр. 738
دَنِفُ يجود بنفسه حتى لقد ... أمسى ضعيفاً أن يَجُود بنفسه
وهذه الأبيات أرق من كل شعر رقيق.
وله من الغزل في مبادي القصائد شيء كثير، كقوله في مطلع قصيدته اللامية:
أجلْ أيها الربعُ الذي خفَّ آهِلهُ ... لقد أدركتْ فيك النوى ما تحاولْه
стр. 739
وقفتُ وأحشائي منازلُ للأسى ... به وهْو قَفْرُ قد تعفَّتْ منازلهْ
أسائلكم ما بالهُ حَكَمَ البِلى ... عليه وإلا فاتركوني أسائله
دعا شوقه يا ناصرَ الشوقِ دعوةً ... فَلَبَّاه طَلُّ الدمعِ يجري ووابلهْ
بيوم يريك الموتَ في صورة النوى ... أواخرهُ من حسرةٍ وأوائلُهْ
وكذلك قوله في مطلع قصيدته
стр. 740
التي أولها: إن عهداً لو تعلمين ذميما.
إلى أن قال:
قد مررنا بالدار وهي خَلاء ... فبكينا أطلالَها والرسوما
وسألنا ربوعها فانصرفنا ... بشفاء وما سألنا حكيما
كنت أرعى البدور إذا ما ... فارقوني أمسيت أرعى النجوما
وكذلك قوله من قصيدة:
следующие страницы →