← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21502

تسلية أهل المصائب

المنبجي

Полный текст (241 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال: مات عمرو بن قيس الملائي، في ناحية فارس، فاجتمع لجنازته من الخلق ما لا يحصى كثرة، فلما دفن نظروا فلم يروا أحداً. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مر بجنازة، فأثنوا عليها خيراً فقال رسول الله ﷺ : وجبت. ومر بجنازة، فأثنوا عليها شراً، فقال نبي الله ﷺ : وجبت. فقال عمر ﵁: فداك أبي وأمي يا رسول الله، مر بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقلت: وجبت، ومر بجنازة أثنوا عليها شراً فقلت: وجبت؟ ! فقال رسول الله ﷺ : من أثنيتم عليه خيراً، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض ... ثلاثاً» وفي لفظ وجبت وجبت ثلاثاً: رواه البخاري ومسلم. «وفي رواية للبخاري، فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا: وجبت، ولهذا وجبت؟ قال: شهادة القوم المؤمنين شهداء الله في الأرض» . ولما مات الإمام أحمد بن حنبل، قال الهيثم بن خلف: دفنا أحمد بن حنبل، يوم الجمعة، بعد العصر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وما رأيت جمعاً قط أكثر من ذلك. وقال ابن أبي صالح القنطري: شهدت أربعين عالماً، ما رأيت جمعاً قط مثل هذا، ثم قال عبد الوهاب الوراق: ما بلغنا أن جمعاً في جاهلية ولا إسلام مثل الجمع في جنازة أحمد، حتى بلغنا أن الموضع مسح وحزر على الصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألف، وأما النساء فهو من ستين ألف امرأة، وكلهم يشهدون له بالصلاح والولاية، ويرجون بالصلاة عليه البركة، ويثنون عليه بأنواع الخير، رحمة الله عليه. فصل: بشارة للمؤمن بعمله الصالح وفي الصحيح «أن النبي ﷺ قال: إذا رأيت الرجل، يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن» وفي رواية ويحبه الناس عليه. قال العلماء: معناه: هذه البشرى المعجلة له بالخير هي دليل للبشرى المؤخرة إلى الآخرة، لقوله تعالى: ﴿بشراكم اليوم جنات﴾ ، وهذه البشرى

стр. 107

المعجلة، دليل على رضى الله تعالى عنه، ومحبته له، ومحبته إلى الخلق. «وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ . قال: إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان» . وفي لفظ: فاشهدوا له بالخير. قال الله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك﴾ الآية. رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وشهادة الناس له بعد الموت بالخير، هي الشهادة التي كانوا يشهدون له بها في حال الحياة، والله تعالى أعلم. فصل: في الكف عن ذكر مساوي الأموات «عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» . رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي. «وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا موتانا، فتؤذوا أحياءنا» . رواه أحمد. «وعن أبي رافع ـ أسلم، مولى رسول الله ﷺ قال: من غسل ميتاً، فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة» . رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. قال ابن السماك: إنما سيفك بين لحييك، تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور، حتى تعاطيت أهل القبور، أما أهل القبور، فما ترى لهم وقد جرى البلاء على وجوههم، وأنت هاهنا تنبشهم، ويحك! ما عندك من نبشهم إلا أخذ الخرق عنهم، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم. إنه لينبغي لك أن تترك القول في أخيك، لخلال ثلاث: أما الأولى: فلعلك تذكره لأمر هو فيك، والثانية

стр. 108

لعلك تذكره لأمر قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك! أما تسمع إذ يقال: ارحم أخاك، واحمد الذي عافاك؟ ! . وفي أبي داود، في الأدب، والترمذي في الجنائز، «من حديث معاوية ابن هشام، عن عمران بن أنس المكي، عن عطاء، عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً: اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم» . وقد «روى أبو داود مرفوعاً، أن النبي ﷺ قال: من عير أخاه بذنب قد تاب منه، لم يمت حتى يفعله» . وأما من جهة الأموات، فقد «روى ابن أبي الدنيا بإسناده، أن النبي ﷺ قال: لا تذكروا موتاكم إلا بخير، إن يكونوا من أهل الجنة تأثموا، وإن يكونوا من أهل النار، فحسبهم ما هم فيه» .

стр. 109

الباب الرابع عشر: في فرح العبد وتسليته بكونه من أمة محمد ﷺ أن لله علينا من النعم ما لا يحصيها إلا الله تعالى الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة خير الأنام، فإن كل نبي من الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ فضل بشيء، فنبينا فضل به وزاد عليه، وهو أول من تنشق عنده الأرض، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من يقرع باب الجنة. وقد ثبت في صحيح مسلم «عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً» . «وعن أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: يأتي معي من أمتي يوم القيامة مثل السيل والليل، فيحطم الناس، فتقول الملائكة: لما جاء مع محمد أكثر مما جاء مع سائر الأنبياء» رواه البزار. «وعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم» . رواه الترمذي. «وعن الطفيل بن أبي، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر» . ورواه الترمذي. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، مع كل واحد من السبعين ألفاً سبعين ألفاً» . رواه مسلم. «وعن الحذيفة بن اليمان ﵁ قال: غاب عنا رسول الله ﷺ يوماً، فلم يخرج، حتى ظننا أنه لن يخرج، فلما خرج، سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت، فلما رفع قال: إن ربي ، استشارني في أمتي، ماذا أفعل بهم؟ قلت: ما شئت يا رب، هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية، فقلت له: كذلك، ثم استشار في

стр. 110

الثالثة، فقلت له: كذلك، فقال: إني لم أخزك في أمتك، وبشرني أن أول من يدخل الجنة زمراً من أمتي سبعون ألفاً، مع كل ألف في سبعون ألفاً، ليس عليهم حساب، ثم أرسل إلي ربي : ادع تجب، وسل تعطه، فقلت لرسوله: أو معطني ربي سؤلي؟ قال: ما أرسل إليك إلا ليعطيك، وقد أعطاني ربي، غير فخر، أنه غفر لي من ذنبي ما تقدم وتأخر، وشرح صدري، وأعطاني أن لا تجوع أمتي، ولا تغلب، وأنه أعطاني الكوثر، ونهر في الجنة، يسيل من حوضي، وأنه أعطاني العزة والنصرة والرعب، وأنه أعطاني بأني أول الأنبياء دخولاً إلى الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيراً مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، فلم أجد شكراً إلا هذه السجدة» رواه أبو بكر الشافعي. وقوله: «ولا تجوع أمتي» أي لا تجوع كلها، فإن جاعت في أرض، شبعت في أخرى وكذلك: «لا تغلب» أي كلها، فإن غلبت في موضع، غلبت في موضع آخر، والله أعلم.

стр. 111

الباب الخامس عشر: في استحباب التعزية لأهل المصيبة والدعاء لميتهم يقال: عزى الرجل عزاء: إذا صبره على ما نابه، والتعزية: التصبر، وعزيته: أمرته بالصبر، والعزاء ـ بالمد ـ اسم أقيم مقام التعزية، ذكره النووي. وقال الأزهري: أصل التعزية: التصبر لمن أصيب بمن يعزى عليه. وقال غيره: التعزية التسلية، وهو أن يقال له: تعزى بعزاء الله، وعزاء الله قوله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ . ومعنى قوله: تعزى بعزاء الله، أي: تصبر بالتعزية التي عزاك الله تعالى بها، كما في كتابه. أو يقال: لك أسوة في فلان، فقد مضى حميمه وأليفه، فحسن صبره. وأصل العزاء: الصبر، والله أعلم. «عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ، قال: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» . رواه ابن ماجة، وصححه الشيخ، وقال: رواته كلهم ثقات. «وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: من عزى مصاباً فله مثل أجره» . ورواه ابن ماجة، والترمذي، وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث علي بن عاصم، وذكر أنه روي موقوفاً، وعلي بن عاصم ضعف. «وعن أبي برزة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من عزى ثكلى كسي برداً في الجنة» . قال الترمذي: إسناد هذا الحديث ليس بالقوي.

стр. 112

والمقصود من التعزية: تسلية أهل المصيبة، وقضاء حقوقهم، والتقرب إليهم بقضائها، قبيل الدفن وبعده، لشغلهم بمصابهم. فصل ـ في استحباب تعزية أهل الميت ووقتها ويستحب تعزية أهل الميت، وهي مسألة متفق عليها، ولم أعلم أن أحداً خالف فيها إلا سفيان الثوري ﵀ قال: لا تستحب التعزية بعد الدفن، لأنها خاتمة أمره، والمعروف المستقر عند أهل العلم استحباب التعزية، قبل الدفن وبعده، لما تقدم من الأحاديث قريباً، مثل «عموم قوله ﵇: من عزى مصاباً فله مثل أجره، من عزى ثكلى كسي برداً في الجنة» . فكل هذه عمومات تدل على الاستحباب مطلقاً. فصل: فيمن يكره تعزيتهم من أهل الميت وخاصة من النساء ويستحب تعزية جميع أهل المصيبة، كبارهم وصغارهم، ويخص خيارهم والمنظور إليه من بينهم، ليستن به غيره، وذا الضعف منهم عن تحمل المصيبة، لحاجته إليها، ولا يعزي الرجل الأجنبي شواب النساء، مخافة الفتنة، ويجوز للمرأة البرزة ونحوها. وثبت أن عائشة ﵂ نهت على الضحك في المصيبة، لأن فيه إشماتاً بالمسلم، وكسراً لقلبه. ولهذا رأى الإمام أحمد رجلاً يضحك في جنازة، فهجره وقال: أي موعظة اتعظ هذا؟ ! أو نحوه.. فصل: فيما يفعله بعض الناس من الجلوس عند القبر يوم الدفن وبعده وما يفعله غالب أهل زماننا من الجلوس عند القبر يوم الدفن للتعزية وكذلك في اليوم الثاني والثالث. قال أبو الخطاب: يكره الجلوس للتعزية. وقال: ابن عقيل: يكره الإجتماع بعد خروج الروح، لأن فيها تهييجاً للحزن. وقال الإمام أحمد: ﵀: يكره التعزية عند القبر، إلا لمن لم يعز، فيعزي إذا دفن الميت، أو قبل أن يدفن. وقال أحمد: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية، وإن شئت لم تأخذ. وإذا رأى الرجل قد شق ثوبه على المصيبة، عزاه، ولم يترك حقاً لباطل، وإن نهاه فحسن. قلت: إن كان الإجتماع، فيه موعظة للمعزى بالصبر والرضى، وحصل له من الهيئة الإجتماعية

стр. 113

تسلية، بتذاكرهم آيات الصبر وأحاديث الصبر والرضى، فلا بأس بالاجتماع على هذه الصفة، فإن التعزية سنة، سنها رسول الله ﷺ ، لكن على غير الصفة التي تفعل في زماننا، من الجلوس على الهيئة المعروفة اليوم، لقراءة القرآن، تارةً عند القبر في الغالب، وتارةً في بيت الميت، وتارة في المجامع الكبار، فهذا بدعة محدثة، كرهه السلف كما تقدم، لكن فيه تسلية لهم، وإشغال لهم عن الحزن، والله أعلم. فصل: فيما يجوز أن يلبسه المصاب وزيه وأما قول أصحابنا، وغيرهم من الفقهاء، ففي غالب كتبهم يذكرون أنه لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوباً يعرف به، وبعض أصحابنا المقادسة يرخي عذبة من غير عادة. قالوا: لأن التعزية سنة، وفي ذلك تيسير لمعرفته حال التعزية. وأنكر هذا الفعل شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: لا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيء من ذلك، ولا نقل في هذا عن أحد من الصحابة والتابعين. وثم آثار صريحة، تأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى، تقوي هذا القول. وقد كره إسحاق بي راهوية أن يترك لبس ما عادته لبسه، والله أعلم. فصل: في أن التعزية قبل الدفن أو بعده وقد ذكر الشيخ، موفق الدين وغيره من أصحابنا في غالب الكتب: أن التعزية تجوز قبل الدفن وبعده، وأنه يقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، ورحم ميتك، وفي تعزيته بكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك. وتوقف أحمد ﵀ عن تعزية أهل الذمة، وهي تخرج على عيادتهم في أمراضهم، وفيها روايتان: إحداهما ـ يعودهم، لأنه «روي أن غلاماً من اليهود كان يخدم النبي ﷺ ، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه، وهو عند رأسه، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فقام النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» . رواه البخاري، ولكن

стр. 114

الحكمة في العيادة منتفية في التعزية وهو رجاء إسلامه، والله تعالى أعلم. والرواية الثانية ـ لا يجوز «لأن النبي ﷺ قال: لاتبدؤوهم بالسلام» . قال بجواز تعزيتهم عن مسلم، يقال له: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك، وعن كافر: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك، ويقصد زيارة عددهم لتكثر جزيتهم. وقال أبو عبد الله بن بطة: لا بأس أن يقول في تعزية الكافر: أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطي أحد من أهل ملتك. وقد روى أبو عبد الله المرزباني بإسناده، عن الحسن نحواً مما قال ابن بطة، ولكن لفظه: أجزاك الله على مصيبتك بأعظم مما جازى به أحد من أهل ملتك. وروى أبو موسى المديني بإسناده، «عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دعوتهم لأحد من اليهود أو النصارى، فقولوا: أكثر الله مالك وولدك» . فصل: في الألفاظ التي وردت في التعزية عن النبي ولم يرد في التعزية شيء محدود، إلا أنه يروى «أن النبي ﷺ عزى رجلاً فقال: رحمك الله وآجرك» رواه الإمام أحمد، وعزى أحمد أبا طالب، فتوقف على باب المسجد، فقال: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك. «وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، وجاءت التعزية سمعوا قائلاً يقول: إن في الله عزاءمن كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً، من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجعوا، فإن المصاب من حرم الثواب» . ورواه الشافعي في مسنده. وروى الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد، «من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: لما قبض رسول الله ﷺ أحدق به أصحابه، فبكوا حوله فاجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية، جسيم صبيح، فتخطى رقابهم فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة،

стр. 115

وعوضاً من كل فائت، وخلفاً من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا، وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء فانظروا، فإنما المصاب من لم يجبر وانصرف. فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ قال: أبو بكر وعلي: نعم، هذا أخو رسول الله ﷺ الخضر ﵇» . وروى الحاكم، «من حديث جابر بن عبد الله ﵄ لما توفي رسول الله ﷺ ، جاءتهم الملائكة، يسمعون الحس، ولا يرون الشخص، قالت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل فائت، فبالله فثقوا. وإياه فارجوا، فإن المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» ، وحسنه الحاكم. وسيأتي كلام السلف ﵏، في التعازي، بألفاظ مختلفة، فتارة مطولة، وتارة وجيزة بليغة، كما سأذكره قريباً إن شاء الله. فصل: فيما يقال عند العلم بوفاة أحد المؤمنين ومن بلغه وفاة أحد من المؤمنين، فليحسن الاسترجاع والتثبت، فقد روى الطبراني بإسناده «عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : إن للموت فزعاً، فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم اكتبه في المحسنين، واجعل كتابه في عليين، واخلف عقبه في الآخرين، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده» . «وفي حديث أبي سلمة: لما مات شق بصره فأغمضه النبي ﷺ ، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فصاح ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه» رواه مسلم. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ لما بلغه وفاة أبي بكر ـ رضي الله

стр. 116

عنه ـ قال: رضينا من الله قضاه، وسلمنا له أمره، إنا لله وإنا إليه راجعون. قال سعيد بن منصور في سننه: «حدثنا يوسف بن عطية الصفار، قال جلست إلى عطاء بن ميمونة وهو يعزي رجلاً، فقال: حدثنا أنس بن مالك، أن رجلاً كان يجيء بصبي له معه إلى رسول الله ﷺ ، وأن الغلام مات، فاحتبس أبوه عن النبي ﷺ ، فسأل عنه رسول الله ﷺ ، فقالوا: مات صبيه الذي رأيت معه، فقال: أفلا أذنتموني؟ ! فقوموا إلى أخينا نعزيه، فلما دخل عليه، إذا الرجل حزين، وبه كآبة، فعزاه، فقال: يا رسول الله، كنت أرجوه لكبر سني وضعفي، فقال رسول الله ﷺ : أما يسرك أن يكون يوم القيامة بإزائك؟ ، يقال له: ادخل الجنة، فيقول رب، وأبواي؟ ولا يزال يشفع، حتى يشفعه الله فيكم، ويدخلكم جميعاً الجنة؟ !» . فصل ـ فيما نقل إلينا من ألفاظ التعزية عن السلف والخلف فقد روى الطبراني في كتاب الدعاءبإسناده، «عن محمود بن لبيد، عن معاذ بن جبل ﵁ أنه مات ابن له، فكتب إليه رسول الله ﷺ يعزيه بابنه، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لاإله إلا هو، أمابعد، فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنية، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى، إن احتسبته بالصبر، ولا يحبط جزعك أجرك، فتندم على مافاتك من ثواب مصيبتك، فإنك لو اطلعت على ثواب مصيبتك، لعرفت أن المصيبة قد قصرت عن الثواب ـ وهذه الزيادة في بعض طرقه ـ ثم قال: وما هو نازل بك فكأن قد، والسلام» . ورواه الحاكم في المستدرك وقال: غريب حسن. ورواه الحافظ أبو بكر بن مردوية في كتاب الأدعية «وعنده: فليذهب أسفك ما هو نازل بك» . و «لفظ الحاكم: فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا

стр. 117

وأولادنا من مواهب الله الهنية، وعواريه المستودعة، نتمتع به إلى أجل معدود، ويقبضها لوقت معلوم، ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى،.. » وباقي الحديث كما ساقه الطبراني، والله أعلم. ورأيت في جزء لا أعرف مؤلفه وليس له أول: قال زيد بن أسلم: مات ابن لداود ﵇، فجزع عليه، فعزوه فيه، فقيل له: ما كان يعدل عندك؟ قال: كان أحب إلي من ملء الأرض ذهباً، فقيل له: فإن لك من الأجر على قدر ذلك. وفي اسرائيليات: أن سليمان بن داود ﵉ مات له ولد، فجزع عليه حتى عرف ذلك في مصابه، فتحاكم إليه ملكان في صورة رجلين فقال أحدهما: إن هذا بذر بذراً في طريق الناس، فمررت فأفسدته، فقال سليمان للآخر: لم بذرت في الطريق؟ أما علمت أنه لا بد من ممر؟ فقال: ولم تحزن أنت على ابنك وهذا طريق الناس إلى الآخرة؟ ! «وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه، أن ابناً لي قد قبض فأتنا، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب» . رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة. «وقال وهب بن منبه: قرأت في بعض كتب الله تعالى يقول: لولا أني جعلت الميت ينتن على أهله، ما دفن ميت، ولولا أني جعلت الطعام يفسد، لاحتجبه الملوك، ولولا أني آتي بالعزاء بعد المصيبة، ما عمرت الدنيا» . وقال الحسن البصري ﵀: ما من جزعتين أحب إلى الله، من جزعة مصيبة موجعة محرقة، ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر، وجزعة غيظ، ردها صاحبها بحلم. وقد روي عن شمر، أنه كان إذا عزى مصاباً قال: اصبر لما حكم ربك. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني عبد الله بن محمد بن إسماعيل التيمي، أن رجلاً عزى رجلاً على ابنه، فقال: إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر، فإنها أعظم مصيبتين عليك، والسلام.

стр. 118

وعزى ابن السماك رجلاً فقال: عليك بالصبر، فيه يعمل من احتسب، وإليه يصير من جزع. وقال عمروبن دينار: قال عبيد بن عمير: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، ولكن الجزع: القول السيئ والظن السيئ. وقال خالد بن أبي عثمان القرشي: كان سعيد بن جبير يعزيني على أبي، فرآني أطوف بالبيت متقنعاً، فكشف القناع عن رأسي، وقال: الاستتارمن الجزع. وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي ﵀: أن عبد الرحمن بن مهدي، مات له ابن، فجزع عليه جزعاً شديداً، فبعث إليه الشافعي يقول له: يا أخي، عز نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك، واعلم أن أمض المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟ فتناول حظك ـ يا أخي ـ إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد تناءى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبراً، وأحرز لنا بالصبر أجراً، ثم أنشده: إني معزيك لا أني على ثقة من الخلود، ولكن سنة الدين فلا المعزى بباق بعد ميته ... ولا المعزي، ولو عاشا إلى حين ومات ابن للشافعي ﵀ فجاؤوا يعزونه، فأنشد: وما الدهر إلا هكذا، فاصطبر له ... ... رزية مال، أو فراق حبيب دخل بعض الأعراب على بعض ملوك بني العباس، وقد توفي له ولد اسمه العباس، فعزاه فيه فقال: اصبر نكن بك صابرين، فإنما صبر الرعية عند صبر الراس وخير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس وذكر أبو علي الحسن بن أحمد بن البنا بإسباده، أن شخصاً من الحكماء أنشده: إذا دام ذا الدهر، لم يحزن على أحد ... ... ممن يموت، ولم يفرح بمولود

стр. 119

وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسين، حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن مسلمة القاسمي ـ وكان قد قارب المائة ـ قال: وعظ عابد جباراً، فأمر به، فقطعت يداه ورجلاه، وحمل إلى متعبده، فجاءه إخوانه يعزونه، فقال: لا تعزوني، ولكن هنئوني بما ساق الله إلي، ثم قال: إلهي، أصبحت في منزلة الرغائب، أنظر إلى العجائب، إلهي، أنت تتودد بنعمتك إلي من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك؟! وذكر عن سليمان بن حبيب، قال: لما مات عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، دخل عليه هشام فعزاه عنه، فقال عمر: وأنا أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله ، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي، وإحسانه إلي. وفي رواية أخرى، قال: لما مات ابنه عبد الملك، وأخوه سهل، ومزاحم مولى عمر بن عبد العزيز، في أيام متتابعة، دخل عليه الربيع بن سبرة، فقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، فما رأيت أحداً أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة، والله ما رأيت مثل ابنك ابناً، ولا مثل أخيك أخاً، ولا مثل مولاك مولى قط، فطأطأ رأسه، فقال لي رجل معه على الوساد: لقد هيجت عليه، قال: ثم رفع رأسه فقال: كيف قلت؟ ! فأعدت عليه ما قلت، فقال: لا، والذي قضى عليهم بالموت، ما أحب أن شيئاً من ذلك لم يكن. وعن بشر بن عبد الله، قال: قام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك، فقال: رحمك الله يا بني، فقد كنت ساراً مولوداً، وباراً ناشئاً، وما أحب أني دعوتك فأجبتني! ولما توفيت الياقوتة بنت المهدي، جزع عليها جزعاً لم يسمع بمثله، فجلس للناس يعزونه، وأمر أن لا يحجب عنه أحد، فأكثر الناس في التعازي، واجتهدوا في البلاغة، فأجمعوا أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شبة، فإنه قال: أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً، وأعقبك خيراً ولا أجهد بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده. وفي رواية قال: يا أمير

стр. 120

المؤمنين، الله خير لك منها، وأنا أسأل الله أن لا يحزنك ولا يفتنك. وقد روى مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، قال: هلكت امرأة لي، فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها، فقال: إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عالم عابد مجتهد، وكانت له امرأة، وكان بها معجباً، وكان لها محباً، فماتت، فوجد عليها وجداً شديداً، وتأسف عليها تأسفاً شديداً، حتى خلا في بيت، وأغلق على نفسه واحتجب، وإن امرأة سمعت به، فجاءته، فقالت: إن لي إليه حاجة أستفتيه فيها، ليس يجزيني إلا مشافهته، فذهب الناس ولزمت بابه. وقالت: ما لي منه بد، فقال له قائل: إن ها هنا امراة أرادت أن تستفتيك. قال: ائذنوا لها، فدخلت، فقالت: إني استعرت من جارة لي حلياً، وكنت ألبسه وأعيره، فلبث عندي زماناً، ثم إنهم أرسلوا إلي فيه، أفأرده إليهم؟ قال: نعم، والإله، قالت: إنه مكث عندي زماناً؟ ! قال: فذاك أحق لردك إياه إليهم، قالت: أفتتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك، وهو أحق به منك؟ فأبصر ما هو فيه، ونفعه الله تعالى بقولها. وعزى عمرو بن عبيد يونس بن عبيد، على ولد له مات، فقال: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن امرءاً ذهب أصله وفرعه لحري أن يقل بقاؤه. وعزى صالح المري رجلاً قد مات ولده، فقال: إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك، فنعم المصيبة مصيبتك، وإن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك، فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك. وعزى رجل رجلاً، فقال: يا أخي، العاقل يصنع في أول يوم ما يفعله الجاهل بعد عام. وعزى رجل رجلاً فقال: عليك بتقوى الله، والصبر فيه، فإنه يأخذ المحتسب وإليه يرجع الجازع. وعزى رجل رجلاً فقال: إن من كان لك في الآخرة أجراً، خير ممن كان

стр. 121

لك في الدنيا سروراً. وعن ابن جريج، قال: من لم يتعز عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سلا كما تسلو البهائم. قال بعض السلف، وقد عزى مصاباً: إن صبرت فهي مصيبة واحدة، وإن لم تصبر فهما مصيبتان. وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، عن ميمون بن مهران، قال عزى رجل عمر بن عبد العزيز ـ رحمة الله عليه ـ على ابنه عبد الملك، فقال عمر: الأمر الذي نزل بعبد الملك أمر كنا نعرفه، فلما وقع لم ننكره. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، قال: مات ابن رجل، فحضره عمر بن عبد العزيز، فكان رجل حسن العزاء، فقال رجل من القوم: هذا والله الرضا، فقال عمر بن عبد العزيز: أو الصبر، قال سليمان: الصبر دون الرضا، الرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضياً بأي ذلك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة فيصبر. وذكر الحافظ بن عساكر: قال إبراهيم بن خالد: كتب محمدبن إدريس الشافعي إلى رجل من إخوانه من قريش، يعزيه بابن أصيب به: اعلم يا أخي، أن كل مصيبة لا يجبر صاحبها ثوابها فهي المصيبة العظمى، فكيف رضيت يا أخي بابنك فتنة، ولم ترض به نعمة؟ وكيف رضيت به مفارقاً، ولم ترضى به خالداً؟ وكيف رضيته على التعريض من الفساد، ولم ترضى به على اليقين من الصلاح؟ بل كيف لك بمقت منعم ولم تعرف له نعمة؟ يريك ماتحب، ويرى منك ما يكره؟ ارجع إلى الله ، وتعز برسول الله ﷺ ، وتمسك بدينك، والسلام. وذكر أيضاً بإسناده قال: كتب رجل إلى أخ له يعزيه بابنه: أما بعد، فإن الله تعالى وهب لك موهبة، جعل عليك رزقه ومؤنته، وأن تخشى فتنته، فاشتد لذلك فرحك، فلما قبض موهبته وكفاك مؤنته، اشتد لذلك حزنك، أقسم بالله إن كنت تقياً لهنئت على ما عزيت عليه، ولعزيت على ما هنئت عليه، فإذا أتاك

стр. 122

كتابي هذا فاصبر نفسك عن الأمر الذي لا صبر لك على عقباه، واصبر نفسك عن الأمر الذي لا غنى بك عن ثوابه، واعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها، فذلك الحزن الدائم، والسلام. عن عبد الله بن صالح العجلي، قال: كتب ابن السماك إلى رجل يعزيه عن مولود له مات: أما بعد، فإن استطعت أن يكون شكرك حين قبضه الله منك، أكثر منه حين وهبه لك، فافعل، فقد أحرز لك هبته حيث قبضه، ولو بقي لم تسلم من فتنته، أرأيت حزنك على فراقه، وتلهفك على ذهابه! أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك، أما هو فقد خلص من الكدر وبقيت أنت معلقاً بالخطر، والمصيبة إن جزعت، فهي واحدة إن صبرت، ومصيبتان إن لم تصبر، فلا تجمع الأمرين على نفسك، والسلام. وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه: أما بعد، فإن الولد على والده ما عاش حزن وفتنة، فإذا قدمه فصلاة ورحمة، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنه، ولا تضيع ما عوضك الله من صلاته ورحمته. وقال موسى بن المهدي لإبراهيم بن مسلم، وعزاه بابنه: أسرك وهو بلية وفتنة؟ وأحزنك وهو صلوات ورحمة؟ ! وقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه دفن ابناً له فضحك عند قبره، فقيل له: أتضحك عند قبر؟ ! قال: أردت أن أرغم الشيطان. ومات للحافظ بن عساكر ولد لم يحتلم ـ وكان ولداً حسناً ـ قال الحافظ: فحمدت الله، ولم أظهر لموته جزعاً ولا قلقاً، ولم أحالف لذهابه هلعاً ولا أرقاً، ولم أترك لحزنه مجلس التحديث، ولم أمتنع لأجله من الانبساط والحديث، وما كان ذلك إلا بتوفيق الله وإعانته، وحسن عصمته من الجزع وصيانته، فله الحمد إذ لم يحبط أجري فيه بجزعي، ولم يذهب صبري عنه بهلعي، لأن المحروم من حرم عظيم الثواب، والملوم من جزع لأليم المصاب. وأعجب من تصبري: لما عزاني بعض إخواني، حضني على الصبر، وقال لي: مررت بك يوم ثانية، وأنت

стр. 123

تحدث الجماعة، فتعجبت من انشراح صدرك للتحديث تلك الساعة، فقلت له: إن الجزع لا يرد فائتاً ولا ذاهباً، والحزن لا يرجع هالكاً ولا عاطباً، والبكاء لا يجدي صرفاً لمسلم ولا نفعاً، والقلق لا يفيد دركاً لخطب ولا دفعاً، والاحتيال لايوجب لهالك ضراً ولا نفعاً وإذا كان الأمر بهذه الصفة، والحال هكذا عند أهل المعرفة، فالصبر أحرى بذوي الحجى، وأليق بأولي الدين والنهى.

стр. 124

الباب السادس عشر: في وجوب الصبر على المصيبة قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ وقال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ والآيات التي فيها الأمر بالصبر كثيرة جداً معروفة. قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في القرآن في تسعين موضعاً. اعلم أن حقيقة الصبر، عند أرباب التصوف: خلق فاضل من أخلاق النفس، يمنع به من فعل مالا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها. قال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل، وهو متجلد، لا يرى منه إلا الصبر. وقد تقدم «حديث أبي زيد، أسامة بن زيد بن حارثة، مولى رسول الله ﷺ ، وإرسال بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ : إن ابني قد احتضر فاشهد، فأرسل يقرأ السلام، ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر وتحتسب» الحديث. أمرها بالصبر. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ـ ولم

стр. 125

تعرفه ـ فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى» . رواه البخاري ومسلم. و «في رواية: تبكي على صبي لها. فقال: إنما الصبر عند أول صدمة» ، وهذا يشبه «قوله ﵊: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» فإن مفاجئة المصيبة بغته، لها روعة تزعزع القلب، وتزعجه بصدمها، فإن صبر للصدمة الأولى انكسرت حدتها، وضعفت قوتها، فهان عليه استدامه الصبر، كذلك الغضب. «وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: يقول الله : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» . رواه البخاري. «وعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون، فأخبرها: أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد، يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد» رواه البخاري، ورواه الإمام أحمد من حديث عائشة أيضاً بلفظه. قال شيخ الإسلام ابن تميمة: الصبر على المصائب واجب باتفاق أئمة الدين، وإنما اختلفوا في وجوب الرضا. انتهى كلامه. فالصبر واجب من حيث الجملة، ولكنه يتأكد بحسب الأوقات فهو في زمن الطاعون آكد منه في غيره، فإنه إذا صبر على الإقامة في البلد الذي وقع فيه الطاعون، وصبر عند موت أولاده أو أقاربه أو أصحابه، وصبر أيضاً عند مصيبته بنفسه، وعلم يقيناً أن الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأن الله تعالى كتب الآجال في بطون الأمهات، كما ثبت في الصحاح: كتب رزقه وأجله، وشقي هو أم

стр. 126

سعيد، فلا زيادة ولا نقص إلا في صلة الأرحام، ففيها خلاف معروف بين أهل العلم، فإذا صبر واحتسب لم يكن له ثواب دون الجنة، وإذا جزع ولم يصبرأثم وأتعب نفسه ولم يرد من قضاء الله شيئاً. ولقد ضمن الوافي الصادق الناطق في محكم كتابه حيث قال عن الصابرين: أنهم يوفون أجرهم بغير حساب. وأخبر أنه معهم بهدايته ونصرة العزيز وفتحه المبين، فقال تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾ فذهب الصابرون بهذه المعية التي هي خير الدنيا والآخرة، وشارك بعض الأنبياء في قوله: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ وأخبر تعالى أن الصبر خير لأهله خبراً مؤكداً. فقال تعالى: ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ وأخبر أن الصبر مع التقوى لا يضر معه كيد الأعداء أبداً. فقال: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط﴾ .

стр. 127

الباب السابع: فيما ورد بالصبر على المصيبة قال الله تعالى: ﴿وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ . وقال تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ . وقال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ . وهذا باب متسع جداً في الآيات والأحاديث، وإنما نذكر منه، ما يوقظ الساهي، وينبه الغافل. وقد تقدم حديث أم سلمة من غير وجه، من رواية الإمام أحمد، ومسلم وغيرهما. «وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك» الحديث. رواه مسلم. ورواه أبو داود، من طريق أخرى، بلفظ غريب: «أن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا أصابت أحدكم مصيبة، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك احتسبت مصيبتي، فأجرني بها، وأبدلني خيراً منها، فلما احتضر أبو سلمة قال: اللهم أخلفني في أهلي خيراً مني، فلما قبض، قالت أم سلمة: إنا لله

стр. 128

وإنا إليه راجعون، عند الله احتسبت مصيبتي فأجرني فيها» . فانظر رحمك الله إلى ما آلت إليه، حين احتسبت وصبرت، ورضيت وركنت، واتبعت السنة، وقد تقدم نحو ذلك. «وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفذ ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر» . رواه البخاري ومسلم. «وعن صهيب بن سنان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيراً له» . رواه مسلم. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ، قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، فصبر، عوضته منهما الجنة» ـ يريد عينيه ـ رواه البخاري. «وعن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس ﵄ ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ ، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله تعالى لي فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. فقالت أصبر، ثم قالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها» . رواه البخاري ومسلم. «وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» . رواه البخاري ومسلم. الهم: على المستقبل، والحزن: على الماضي، والنصب: التعب، والوصب: المرض.

стр. 129

«وروي في حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي ﷺ ، قال: لا يصيب العبد نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر قال: وقرأ ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ » . وروي «من حديث عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ ، قال: المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» . «وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من يرد الله به خيراً يصب منه» رواه البخاري. قوله يصب بفتح الصاد وكسرها. وفي الصحيح «أن رسول الله ﷺ قسم مالاً، فقال بعض الناس: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» . وقال عبد الرزاق: حدثنا الثوري، عن سفيان العصفري، عن سعيد بن جبير، أنه قال: في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ . قال: لم يعط أحد غير هذه الأمة الصبر، ألا تسمعون إلى قول يعقوب ﵇: ﴿يا أسفى على يوسف﴾ . وروى سعيد بن منصور في سننه: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه أن ابن عباس ﵄ نعي إليه أخوه قثم، وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق فأناخ، ثم صلى ركعتين، فأطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ .

стр. 130

وقال هشيم: حدثنا خالد بن صفوان، قال: حدثني زيد بن علي، أن ابن عباس كان في مسير له، فنعي إليه ابن له، فنزل فصلى ركعتين، ثم استرجع، وقال: فعلنا كما أمرنا الله: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ . وقال أبو الفرج بن الجوزي: روي عن أم كلثوم ـ وكانت من المهاجرات أنه لما غشي على زوجها عبد الرحمن بن عوف ﵁ خرجت إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة. وحكى سعيد بن منصور، عن الحجاج، عن ابن جريج ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ قال: إنهما معونتان على رحمة الله. «وعن ـ ابن مسعود ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فقلت يا رسول الله، إنك توعك وعكاً شديداً، قال: أجل إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم، قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: أجل، ذلك كذلك، مامن مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقه، إلا كفر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها» . رواه البخاري ومسلم. والوعك: مغث الحمى، وقيل: الحمى. «وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسد بردة له، في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» . رواه البخاري. «وفي الترمذي أن رسول الله ﷺ ، قال: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمنرضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» قال الترمذي: حديث حسن. «وعن أنس ﵁ قال: كان ابن لأبي طلحة ﵁ يشتكي،

стр. 131

فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم ـ وهي أم الصبي ـ: هو أسكن ما كان، فقدمت له العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ منها قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: أعرستم الليلة؟ قال: نعم! قال: اللهم بارك لهما، فولدت غلاماً، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي ﷺ وبعث معه تمرات، فقال: أمعه شيء؟ قال: نعم، تمرات، فأخذها النبي ﷺ ، فمضغها ثم أخذها من فيه، فجعلها في في الصبي، وحنكه، وسماه عبد الله» . رواه البخاري ومسلم. وفي رواية البخاري: قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن ـ يعني من أولاد عبد الله ـ. «وفي رواية لمسلم: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا فقالت احتسب ابنك، فغضب ثم قال: تركتيني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتيني؟ ! فانطلق، حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ : بارك الله في ليلتكما قال: فحملت.. » وذكر تمام الحديث وقد تقدم. «وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مايزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله تعالى، وما عليه خطيئة» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. «وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : تنصب الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصلاة، فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام، فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة، فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج، فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صباً بغير حساب، ثم قرأ

стр. 132

﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ . حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا، أن أجسادهم تقرض بالمقاريض، مما يذهب به أهل البلاء من الفضل» . رواه ابن منجويه في تفسيره. وروى مالك بن أنس، في الموطأ، «من حديث عطاء بن يسار، أن النبي ﷺ ، قال: إذا مرض العبد، بعث الله إليه ملكين، فقال: انظرا ماذا يقول لعواده؟ فإن هو، إذا جاؤوه، حمد الله، وأثنى عليه، رفعا ذلك إلى الله ـ والله أعلم ـ فيقول: لعبدي علي إن توفيته، أن أدخله الجنة، وإن أنا شفيته، أن أبدله لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، وأن أكفر عنه سيئاته» . فصل ـ في كلام السلف في الصبر قال علي بن أبي طالب ﵁: الصبر ثلاثة: صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة، حتى يردها بحسن عزائها، كتب له ثلثمائة درجة، ومن صبر على الطاعة، كتب له ستمائة درجة، ومن صبر عن المعصية، كتب له تسعمائة درجة. وقال ميمون بن مهران: الصبر صبران: فالصبر على المصيبة حسن، وأفضل منه الصبر عن المعصية. وقال الجنيد، وقد سئل عن الصبر، فقال: هو تجرع المرارة من غير تعبس. وقال الفضيل بن عياض: في قوله تعالى: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ ثم قال: صبروا على ما أمروا به، وصبروا عما نهوا عنه. انتهى كلامه، فكأنه ﵀ جعل الصبر عن المعصية داخلاً في قسم المأمور به. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن أبي السفر، قال: مرض أبو بكر فعادوه، فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني الطبيب،

стр. 133

قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد. قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد، قال: قال عمر بن الخطاب: وجدنا خير عيشنا بالصبر. وفي رواية: أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريماً. وقال علي بن أبي طالب: ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له. وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده. وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة، فانتزعها منه، فعاضها مكانها الصبر، إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه منه. وقال بعض العارفين في رقعة، يخرجها كل وقت، فينظر فيها، وفيها مكتوب ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ . وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فصبر جميل﴾ : في غير جزع. وقال عمروبن قيس ﴿فصبر جميل﴾ قال: الرضا بالمصيبة والتسليم. وقال حسان: ﴿فصبر جميل﴾ : لا شكوى فيه. وقال همام عن قتادة في قول الله تعالى: ﴿وابيضت عيناه من الحزن، فهو كظيم﴾ . قال: كظيم على الحزن، فلم يقل إلا خيراً. وقال الحسن: الكظيم: الصبور. وقال الضحاك: كظيم الحزن. وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا عبد الله بن لهيعة، عن عطاء ابن دينار، أن سعيد بن جبير، قال: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منهو احتسابه عند الله.

стр. 134

قال يونس بن زيد: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما منتهى الصبر؟ قال: أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه. وقال قيس بن الحجاج في قوله تعالى: ﴿فاصبر صبراً جميلاً﴾ . قال: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو. وذكر أبو الفرج بن الجوزي في عيون الحكايات: قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق، فقصدناها، فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضالون عن الطريق، أتيناكم فأنسنا بكم، فقالت: يا هؤلاء ولو وجوهكم عني. حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا مسحاً، فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها، إلى أن رفعتها، فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها، فقال: يا أم عقيل، أعظم الله أجرك في عقيل، قالت: ويحك! مات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل، فرمت به في البئر، فقالت: انزل فاقض ذمام القوم، ودفعت إليه كبشاً، فذبحه وأصلحه، وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا، خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: يا هؤلاء، هل فيكم من أحد يحسن من كتاب الله شيئاً؟ قلت: نعم، قالت: اقرأ من كتاب الله آيات أتعزى بها، قلت: يقول الله في كتابه: ﴿وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ قالت: آلله، إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: آلله، إنها لفي كتاب الله هكذا! قالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها، وصلت ركعات، ثم قالت: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ عند الله أحتسب عقيلاً، تقول ذلك ثلاثاً، اللهم إني فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني.

стр. 135

الباب الثامن عشر: في أن الشخص لا يستغني عن الصبر لا في المصيبة ولا في غيرها اعلم ـ رحمك الله ـ أن الشخص البالغ العاقل المسلم، ما دام في دار التكليف، والأقلام جارية عليه، لا يستغني عن الصبر في حالة من الأحوال، فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله، والصبر لا بد منه قولاً وفعلاً، وبين نهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وبين قضاء وقدر يجب عليه الصبر فيهما، وبين نعمة يجب عليه شكر المنعم عليها والصبر عليه، وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه، فالصبر لا زم له إلى الممات. فإن قيل: النعم يجب الصبر عليه؟ قيل: نعم، لأنها من الابتلاء، كما قال تعالى: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن﴾ وقال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ ، وفي الآية الأخرى: ﴿وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن * كلا﴾ أي ليس الأمر كذلك، وإنما الله تعالى يبتلي عباده بالغنى والفقر، فينظر من هو المجاهد الشاكر الصابر على ما ابتلاه به، كما يبتلي عباده بالمصائب والأسقام تطهيراً لهم من الذنوب والآثام. فصل: في الحالات التي يحتاج فيها العبد إلى الصبر ويحتاج العبد إلى الصبر في ثلاثة أحوال:

стр. 136

أحدهما: قبل الشروع في العبادات، بتصحيح النية والإخلاص، وعقد العزم على توفية المأمور به وتجنب دواعي الرياء والسمعة. والحالة الثانية: الصبر حال العمل، فيلازم الصبر، عند دواعي التقصير فيه والتفريط، ويلازم على استصحاب ذكر النية وحضور القلب بين يدي المعبود، وهو محتاج إلى الصبر توفية أركانها وشروطها وواجباتها وسننها. والحالة الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل، فيحذر من الإتيان بما يبطله، كما قال قال تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ ، فالصبر على محافظتها بعد الفراغ أنفع ما للعبد. هذا معنى ما ذكره الشيخ الإسلام ابن تيمية. وقال العلامة ابن اليقيم: وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين: أحدهما ـ موافق هواه ومراده. والثاني ـ يخالفه، وهو محتاج إلى الصبر في كل منهما. أما النوع الموافق لغرضه فكالصحة والسلامة والجاه والمال وأنواع الملاذ المباحة. وهو أحوج شيء إلى الصبر فيهامن وجوه: أحدهما ـ أن لا يركن إليها، ولا يغتر بها، ولا يحمله عليه البطر والأشر والفرح المذموم الذي لا يحب الله أهله. الثاني ـ أن لا ينهمك في نيلها، ولا يبالغ في استقصائها، فإنها تنقلب إلى أضدادها، فمن يبالغ في الأكل والشرب والجماع، انقلب ذلك ضده، وحرم الأكل والشرب والجماع. الثالث ـأن يصبر على أداء حق الله فيها، ولا يضيعه، فيسلبها. الرابع ـ أن يصبر عن صرفها في الحرام، فلا يمكن نفسه من كل ما تريده منها، فإنها توقعه في الحرام، فإذا احترز أوقعته في المكروه، ولا يصبر على السراء إلا الصديقون.

стр. 137

قال بعض السلف: البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا صديق. وأما النوع الثاني: فأما الطاعة، فالعبد يحتاج إلى الصبر عليها، لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبادات إلا من وفقه الله، وتبين ذلك بالصلاة، طبع النفس فيها الكسل وإيثار الراحة، والزكاة فطبع النفس فيها الشح والبخل، وأما الصوم فطبع النفس بمحبة الفطر وعدم الجوع، وعلى هذا فقس، فهو محتاج إلى الصبر في جميع ذلك، والله أعلم. ومن هذا الباب قول عبد الرحمن بن عوف ﵁: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. فصل: في مشقة الصبر على السراء أيضاً وإنما كان الصبر على السراء شديداً مشقاً على النفس، لأنه مقرون بالقدرة على ما تشتهيه النفس وتميل إليه، لأن الجائع، عند عدم الطعام، أقدر منه على الصبر عند حضوره، وكذلك الشبق، عند غير المرأة، أصبر منه عندحضورها وكذلك العطشان الشديد، العطش عند عدم الماء، أصبر منه عند وجوده. فصل ـ في التحذير من فتنة المال والأزواج والأولاد وقد حذر الله ، عباده المؤمنين، في كتابه العزيز، من فتنة المال، ومن فتنة الأزواج، ومن فتنة الأولاد، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ . وقال تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ . وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم﴾ وليس المراد من هذه العداوة، ما يفهمه كثير من الناس، أنها

стр. 138

عداوة البغضاء والمجادلة، بل عداوة المحبة الصادة للآباء، عن الهجرة والجهاد وتعليم العلم، وغير ذلك من أعمال البر، هذا معنى ما ذكره العلامة ابن القيم. فالمقصود: أنه من صبر في السراء عن المعصية، فقد أمن فتنة المال، فإنه قادر على فعل المعصية وبذل المال، فلهذا كان له الثواب الجزيل، والفضل العظيم، وكذلك من صبر على تربية الأولاد، وأذى بعض الزوجات، كان له الدرجات العاليات، فإنه ليس كل زوجة وولد منهم أذى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم﴾ فإن: من، هنا للتبعيض باتفاق الناس، والمعنى: إن من الأزواج والأولاد عدواً، ليس المراد أن كل زوج وولد عدو، فإن هذا ليس هو مدلول اللفظ، وهو باطل في نفسه، فإنه قد قال عن عباد الرحمن: إنهم يقولون: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين﴾ ، فسألوا الله أن يهب لهم من أزواجهم وأولادهم قرة أعين، فلو كان كل زوج وولد عدواً، لم يكن فيهم قرة أعين، فإن العدو لا يكون قرة عين، بل سخنة عين. وأيضاً فإنه من المعلوم أن إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم، ويحيى بن زكريا وأمثالهم ليسوا أعداء. وقول من قال: إنها زائدة غلط لوجوه: أحدهما ـ أن مذهب سيبويه وجمهور أئمة النحاة: أنها لا تزاد في الإثبات، وإنما تزاد في النفي تحقيقاً لعموم النفي، لقوله تعالى: ﴿وما من إله إلا الله﴾ ، ﴿وما من إله إلا إله واحد﴾ ، ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ ونحو ذلك، فإنه لولا: من، لكان الكلام ظاهراً في العموم، فإنه يجوز أن يقول، ما رأيت رجلاً بل رأيت رجلين: فإذا أدخلت من، فقلت: ما رأيت من رجل، كان نعتاً في العموم، فلا يجوز أن يقال: ما رأيت من رجل بل رجلين، مع أن النكرة في سياق النفي العموم مطلقاً، لكن قد يكون نصاً. وقد

стр. 139

يكون ظاهراً، فإذا كانت ظاهراً، احتملت نفي الواحد من الجنس، بخلاف النص، وهذا الموضع إثبات لا نفي، فلا تزاد فيه. الثاني ـ أن من جوز زيادتها في الإثبات ـ كالأخفش ـ لا يجوزه إلا إذا كان في الكلام ما يدل عليه، وإلا فلو قال قائل: إن من هؤلاء القوم مسلمين، وأراد أن جميعهم مسلمون لم يجز ذلك بالاتفاق. الثالث إذا قيل بزيادتها كان المعنى باطلاً. الرابع ـ الزيادة على خلاف الأصل، فلا يجوز ادعاؤها بغير دليل. انتهى كلامه. وهذه فائدة عارضة، ذكرتها على سبيل التنبيه، لوقوع ناس كثر فيها. والمقصود: أن العبد لا يستغني عن الصبر في حالة من الأحوال، ويكفي من فضل الصبر، أن الله تعالى وصف نفسه به، كما في «حديث أبي موسى، أن النبي ﷺ قال: ليس أحد ـ أو ليس شيء ـ أصبر على أذى سمعه، من الله تعالى، إنهم يدعون له ولداً، وإنه ليعافيهم ويرزقهم» . رواه البخاري. قال القرطبي في تفسيره: وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم، ومعنى وصفه تعالى بالحلم، هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها، ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل، وإنما ورد في الحديث، وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم. قاله: ابن فورك. انتهى كلامه. وذكر عند قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة﴾ ، قلت: وقد جاء في أسمائه الحسنى الصبور، وجاء في أسمائه الحليم، فلو كان الصبور بمعنى الحليم كان الاسمان الشريفان مترادفين، والأصل في الأسماء التغابر، والله أعلم.

стр. 140

الباب التاسع: في أن الصبر من أشق الأشياء على النفوس وهذا الباب ينقسم فيه الصبر إلى قسمين: أحدهما ـ بحسب قوة الداعي إلى الفعل. الثاني ـ بسهولته على العبد. فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشق، وإن فقدا ـ معاً ـ يعني قوة الداعي وسهولته ـ سهل الصبر عنه، وإن وجد أحدهما وفقد الآخر سهل الصبر من وجه دون آخر، فمن لا داعي له إلى قتل النفس والسرقة وشرب الخمر وأكل الحشيشة وأنواع الفواحش، ولا هو سهل عليه، فصبره عنه من أيسر شيء وأسهله، ومن اشتد داعيه إلى ذلك، وسهل عليه فعله، فصبره عنه أشق شيء عليه، ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم، وصبر الشباب عن الفاحشة، وصبر الغني عن تناول اللذات والشهوات، منزلتهم عند الله منزلة عظيمة عالية منيعة، لا يصل إليها إلا من صبر مثل صبرهم، وكذلك من صبر على موت أولاده وأبويه وأقاربه وأصحابه ونحوهم، وهو مع ذلك صابر محتسب، يأمر أهله بالصبر، وينهاهم عن لطم الخدود وشق الجيوب، وعن كلام ما لا يجوز لهم شرعاً، هذا له من الثواب الجزيل، والأجر العظيم، ما لا يعلمه إلا الله، فالعبد، إذا ذاق لذة المعصية، ثم تاب وصبر عنها، كانت توبته توبة صادقة. ولقد بلغني عمن أعرفه، أنه تاب عن الخمر، وحلف بالطلاق لا يشربه، ثم إنه خالع، وشرب. ولقد رأيت جماعة منهم، ممن حلف بالطلاق الثلاث، لا يلعب بالشنطرنج وتاب منه، ومع ذلك يعلم أن أكثر العلماء قالوا بتحريمه، وإنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وأنه يحصل عليه من الحلف الكاذبه والفحش ما هو معروف مشهور،

стр. 141

ومع ذلك منهم من خالع ولعب، ومنهم من لعب ووقع عليه الطلاق الثلاث بعد التوبة والحلف. فالصبر المستمر مع القدرة من غير خوف على جاهه أو ماله أو عرضه، صبر على المعاصي، ومواظيته على ما أمره الله تعالى به، صبر على الطاعات، فإذا فعل ذلك، ابتغاء وجه الله تعالى، ثوابه أن يوفى أجره بغير حساب. «ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ ، قال: عجب ربك من شاب ليست له صبوة» . وفي الصحيح «من أبي هريرة، أن النبي ﷺ ، قال: سبعة يظلهم الله في ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاه حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» . ولذلك استحق هؤلاء السبعة أن يظلهم في ظله، لكمال صبرهم، ومشقته على نفوسهم، فصبر الملك على العدل مع قدرته على الظلم والانتقام من رعيته، وصبر الشاب على عبادة الله ومخالفة هواه، وصبر الرجل على ملازمة المسجد، وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة حتى عن شماله مع قدرته على الرياء، وصبر المدعو إلى الفاحشة مع جمال الداعي، وصبرالمتحابين في الله في اجتماعهما وانفرادهما، وصبر الباكي من خشية الله على كتمان ذلك عن الناس، فهذه الأمور فيها مشقة على النفوس، فالصبر عليها، بتوفيق الله وفضله وإحسانه إلى عبده، صبر عظيم جميل. فصل: في عقوبة من لم يصبر مع تمكنه من الصبر ولما كان الداعي، في حق بعض الناس، ضعيفاً، ولم يصبروا مع تمكنهم من الصبر، كان عقوبتهم عند الله تعالى أشد من عقوبة غيرهم، كالشيخ الزاني، والملك الكذاب، والفقير المختال، وإنما كانوا أشد عقوبة من غيرهم، لسهولة التصبر عن هذه المحرمات عليهم، ولضعف دواعيها في حقهم، فكان تركهم الصبر عنها دليلاً على تمردهم على الله تعالى، وعتوهم عليه، ولهذا كان الصبر على معاصي اللسان

стр. 142

والفرج، من أشق أنواع الصبر، لشدة الداعي إليهما وسهولتهما، فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان، لسرعة حركته وسهولة إطلاقه. وثبت «أن النبي ﷺ قال: وهل يكب الناس في النار على وجوههم ـ أو على مناخرهم ـ إلا حصائد ألستنهم؟ !» . فيجب لجامه بلجام الشرع، «لهذا قال النبي ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» . فإن اللسان رحب الميدان في الخير والشر، فمن أطلقه ولم يضبطه بالشرع، سلك به الشيطان في المهالك، وكبه في النار عند مالك، فالكمال إمساكه مطلقاً عن فضول الكلام، إلا في خير، وما لا بد منه، فإن اللسان لا تؤمن غائلته، وخطره عظيم. ولسهولة حركته، وسرعة إطلاقه، قد بلي أكثر الناس في زماننا بآفاته، التي هي فاكهة وسرور مجالسهم: كالغيبة والنميمة والكذب، والمراء والجدال والخوض في الباطل، والخصومات وفضول الكلام، والتحريف والزيادة والنقصان، وتزكية النفس تفريحاً وتعرضاً، وحكاية كلام الناس، والطعن على ما يبغضه وتزكية من يحبه، وهتك المستورات، ونحو ذلك. فيتفق قوة الداعي وسرعة حركة اللسان، فيضعف الصبر، و «لهذا قال النبي ﷺ لمعاذ: أمسك عليك لسانك» ، وقد تقدم الحديث. فإذا صارت هذه الآفات التي ذكرناها للسان عادة وسجية، فإنه يشق على العبد الصبر عنها إلا من عصمه الله، فآفات اللسان مهلكة ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطبع، نسأل الله السلامة منها. لهذا نجد كثيراً من المتفقهة وغيرهم، ممن ينتسب إلى الورع، يتورع من استناده إلى مخدة من الحرير، أو من قعوده على بساط حرير، أو من شربه من قدح زجاج مموه بالذهب، أو الجلوس لحظة واحدة في فرح وغيره، مع ما فيه من الخلاف، ولا يتورع من إطلاق لسانه في الكبائر من الذنوب، كالغيبة والنميمة، والتفكه في أعراض الخلق. وكذا إذا وقع الكلام في تفسير كلام الله، أو في مسند رسول الله، أطلق لسانه فيهما بغير علم، مع علمه بقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ . ثم أيضاً ممن يتورع عن الحبة من الحرام، بل عن الفلس المحرم، وعن القطرة من

стр. 143

الخمر، ويتحرز عن مثل رأس الإبرة من النجاسة، ولا يبالي بارتكاب الفرج المحرم، سواء كان صبياً أو امرأة. كما يحكى: أن رجلاً خلا بامرأة أجنبية، فلما أراد جماعها، قال: يا هذه غطي وجهك، فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام. والمقصود: أن الصبر على الأشياء الذي اعتادها الإنسان، وورد الشرع بذمها، من أشق الأشياء على النفوس، إلا من وفقه الله لذلك. فصل: في علامات الصبر ورضا النفس عن قضاء الله تعالى ومن علامات الصبر، عدم مشقته على النفس عند ورود المصائب، وكف الكف عن تمزيق الثياب ولطم الخدود، وحبس اللسان عن الاعتراض على المقادير والتسخط، والامتناع من كل شيء يوجب إظهاره، حتى إن السلف كرهوا الأنين. قال الحكماء: العاقل يفعل أول يوم، ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام. وقد قال ﵊ للأشعث بن قيس: إنك إن صبرت إيماناً واحتساباً. وإلا سلوت كما تسلو البهائم.

стр. 144

االباب العشرون: في الرضا بالمصيبة اعلم ـ رحمك الله ـ أن الرضا بالمصائب، أشق على النفوس من الصبر، وقد تقدم أن الصبر من أشق الأشياء على النفوس، وفي جامع الترمذي «أن النبي ﷺ قال: إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط، فله السخط» . وقد تنازع العلماء والمشايخ، من أصحاب الإمام أحمد، وغيرهم، في الرضا بالقضاء، هل هو واجب؟ أو مستحب؟ على قولين، فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين، وعلى الثاني يكون من أعمال المقربين، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فالعبد قد يصبر على المصيبة ولا يرضى بها، فالرضا أعلى من مقام الصبر، لكن الصبر اتفقوا على وجوبه، والرضا اختلفوا على وجوبه، والشكر أعلى من مقام الرضا، فإنه يشهد المصيبة نعمة، فيشكر المبلي عليها. قال عمر بن عبد العزيز: أما الرضا، فمنزلة عزيزة أو منيعة، ولكن قد جعل الله في الصبر معولاً حسناً. وقال محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا زهير بن عباد، عن السري ابن حيان، قال: قال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، وسراج العابدين. وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، «عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الصبر رضا» ، فهذا الحديث، فيه بشارة عظيمة لأهل المصائب، إذ سمى الصبر رضا. وبإسناده أيضاً إلى أبي مسلم، قال أبو مسلم: دخلت على أبي الدرداء في اليوم

стр. 145

الذي قبض فيه، وكان عندهم في العز كأنفسهم، فجعل أبو مسلم يكبر، فقال أبو الدرداء: أجل، فهكذا فقولوا، فإن الله إذا قضى بقضاء، أحب أن يرضى به. وذكر ابن أبي الدنيا، في قوله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ ، قال علقمة بن أبي وقاص: هي المصيبة، تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، ويسلم لها ويرضى. وقال: حدثنا الحسين، حدثنا عبد الله، حدثنا علي بن الحسن العامري، حدثنا أبوه بدر، حدثنا عمر بن ذر، قال: بلغنا أن أم الدرداء كانت تقول: إن الراضين بقضاء الله، الذين ما قضى الله لهم رضوا به، لهم في الجنة منازل يغبطهم بها الشهداء يوم القيامة. وبهذا الإسناد، عن سليمان بن المغيرة، قال: كان فيما أوحى الله تعالى إلى داود ﵇، إنك لن تلقاني بعمل، هو أرضى لي عنك، ولا أحط لوزرك، من الرضا بقضائي، ولن تلقاني بعمل، هو أعظم لوزرك، ولا أشد لسخطي عليك، من البطر، فإياك يا داود والبطر. وقال الشافعي: سمعت ابن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: أرجو أن أكون رزقت من الرضا طرفاً، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً. وقال ابن زيد: نظر علي بن أبي طالب ﵁ إلى عدي بن حاتم كئيباً، فقال: يا عدي مالي أراك كئيباً حزيناً؟ قال: وما يمنعني، وقد قتل أبنائي، وفقئت عيني؟! فقال يا عدي، من رضي بقضاء الله كان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله حبط عمله. ذكره ابن أبي الدنيا. وقال أبو عبد الله البراثي: من وهب له الرضا فقد بلغ أقصى الدرجات. فإن قيل: غالب الناس يصبرون ولا يرضون، فكيف يتصور الرضى بالمكروه؟ يقال: إن نفور الطبع عن المصائب، لا ينافي رضا القلب بالمقدور، فإنا نرضى القضاء، وإن كرهنا المقتضى! قيل لبعض الصالحين: قتل ولدك في سبيل الله! فبكى، فقيل له: أتبكي وقد
следующие страницы →