Полный текст (241 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ومع ذلك منهم من خالع ولعب، ومنهم من لعب ووقع عليه الطلاق الثلاث بعد التوبة والحلف.
فالصبر المستمر مع القدرة من غير خوف على جاهه أو ماله أو عرضه، صبر على المعاصي، ومواظيته على ما أمره الله تعالى به، صبر على الطاعات، فإذا فعل ذلك، ابتغاء وجه الله تعالى، ثوابه أن يوفى أجره بغير حساب.
«ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ ، قال: عجب ربك من شاب ليست له صبوة» .
وفي الصحيح «من أبي هريرة، أن النبي ﷺ ، قال: سبعة يظلهم الله في ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاه حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» .
ولذلك استحق هؤلاء السبعة أن يظلهم في ظله، لكمال صبرهم، ومشقته على نفوسهم، فصبر الملك على العدل مع قدرته على الظلم والانتقام من رعيته، وصبر الشاب على عبادة الله ومخالفة هواه، وصبر الرجل على ملازمة المسجد، وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة حتى عن شماله مع قدرته على الرياء، وصبر المدعو إلى الفاحشة مع جمال الداعي، وصبرالمتحابين في الله في اجتماعهما وانفرادهما، وصبر الباكي من خشية الله على كتمان ذلك عن الناس، فهذه الأمور فيها مشقة على النفوس، فالصبر عليها، بتوفيق الله وفضله وإحسانه إلى عبده، صبر عظيم جميل.
فصل: في عقوبة من لم يصبر مع تمكنه من الصبر
ولما كان الداعي، في حق بعض الناس، ضعيفاً، ولم يصبروا مع تمكنهم من الصبر، كان عقوبتهم عند الله تعالى أشد من عقوبة غيرهم، كالشيخ الزاني، والملك الكذاب، والفقير المختال، وإنما كانوا أشد عقوبة من غيرهم، لسهولة التصبر عن هذه المحرمات عليهم، ولضعف دواعيها في حقهم، فكان تركهم الصبر عنها دليلاً على تمردهم على الله تعالى، وعتوهم عليه، ولهذا كان الصبر على معاصي اللسان
стр. 142
والفرج، من أشق أنواع الصبر، لشدة الداعي إليهما وسهولتهما، فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان، لسرعة حركته وسهولة إطلاقه.
وثبت «أن النبي ﷺ قال: وهل يكب الناس في النار على وجوههم ـ أو على مناخرهم ـ إلا حصائد ألستنهم؟ !» .
فيجب لجامه بلجام الشرع، «لهذا قال النبي ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» .
فإن اللسان رحب الميدان في الخير والشر، فمن أطلقه ولم يضبطه بالشرع، سلك به الشيطان في المهالك، وكبه في النار عند مالك، فالكمال إمساكه مطلقاً عن فضول الكلام، إلا في خير، وما لا بد منه، فإن اللسان لا تؤمن غائلته، وخطره عظيم.
ولسهولة حركته، وسرعة إطلاقه، قد بلي أكثر الناس في زماننا بآفاته، التي هي فاكهة وسرور مجالسهم: كالغيبة والنميمة والكذب، والمراء والجدال والخوض في الباطل، والخصومات وفضول الكلام، والتحريف والزيادة والنقصان، وتزكية النفس تفريحاً وتعرضاً، وحكاية كلام الناس، والطعن على ما يبغضه وتزكية من يحبه، وهتك المستورات، ونحو ذلك.
فيتفق قوة الداعي وسرعة حركة اللسان، فيضعف الصبر، و «لهذا قال النبي ﷺ لمعاذ: أمسك عليك لسانك» ، وقد تقدم الحديث.
فإذا صارت هذه الآفات التي ذكرناها للسان عادة وسجية، فإنه يشق على العبد الصبر عنها إلا من عصمه الله، فآفات اللسان مهلكة ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطبع، نسأل الله السلامة منها.
لهذا نجد كثيراً من المتفقهة وغيرهم، ممن ينتسب إلى الورع، يتورع من استناده إلى مخدة من الحرير، أو من قعوده على بساط حرير، أو من شربه من قدح زجاج مموه بالذهب، أو الجلوس لحظة واحدة في فرح وغيره، مع ما فيه من الخلاف، ولا يتورع من إطلاق لسانه في الكبائر من الذنوب، كالغيبة والنميمة، والتفكه في أعراض الخلق.
وكذا إذا وقع الكلام في تفسير كلام الله، أو في مسند رسول الله، أطلق لسانه فيهما بغير علم، مع علمه بقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾ .
ثم أيضاً ممن يتورع عن الحبة من الحرام، بل عن الفلس المحرم، وعن القطرة من
стр. 143
الخمر، ويتحرز عن مثل رأس الإبرة من النجاسة، ولا يبالي بارتكاب الفرج المحرم، سواء كان صبياً أو امرأة.
كما يحكى: أن رجلاً خلا بامرأة أجنبية، فلما أراد جماعها، قال: يا هذه غطي وجهك، فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام.
والمقصود: أن الصبر على الأشياء الذي اعتادها الإنسان، وورد الشرع بذمها، من أشق الأشياء على النفوس، إلا من وفقه الله لذلك.
فصل: في علامات الصبر ورضا النفس عن قضاء الله تعالى
ومن علامات الصبر، عدم مشقته على النفس عند ورود المصائب، وكف الكف عن تمزيق الثياب ولطم الخدود، وحبس اللسان عن الاعتراض على المقادير والتسخط، والامتناع من كل شيء يوجب إظهاره، حتى إن السلف كرهوا الأنين.
قال الحكماء: العاقل يفعل أول يوم، ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام.
وقد قال ﵊ للأشعث بن قيس: إنك إن صبرت إيماناً واحتساباً.
وإلا سلوت كما تسلو البهائم.
стр. 144
االباب العشرون: في الرضا بالمصيبة
اعلم ـ رحمك الله ـ أن الرضا بالمصائب، أشق على النفوس من الصبر، وقد تقدم أن الصبر من أشق الأشياء على النفوس، وفي جامع الترمذي «أن النبي ﷺ قال: إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط، فله السخط» .
وقد تنازع العلماء والمشايخ، من أصحاب الإمام أحمد، وغيرهم، في الرضا بالقضاء، هل هو واجب؟ أو مستحب؟ على قولين، فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين، وعلى الثاني يكون من أعمال المقربين، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فالعبد قد يصبر على المصيبة ولا يرضى بها، فالرضا أعلى من مقام الصبر، لكن الصبر اتفقوا على وجوبه، والرضا اختلفوا على وجوبه، والشكر أعلى من مقام الرضا، فإنه يشهد المصيبة نعمة، فيشكر المبلي عليها.
قال عمر بن عبد العزيز: أما الرضا، فمنزلة عزيزة أو منيعة، ولكن قد جعل الله في الصبر معولاً حسناً.
وقال محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا زهير بن عباد، عن السري ابن حيان، قال: قال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، وسراج العابدين.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، «عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الصبر رضا» ، فهذا الحديث، فيه بشارة عظيمة لأهل المصائب، إذ سمى الصبر رضا.
وبإسناده أيضاً إلى أبي مسلم، قال أبو مسلم: دخلت على أبي الدرداء في اليوم
стр. 145
الذي قبض فيه، وكان عندهم في العز كأنفسهم، فجعل أبو مسلم يكبر، فقال أبو الدرداء: أجل، فهكذا فقولوا، فإن الله إذا قضى بقضاء، أحب أن يرضى به.
وذكر ابن أبي الدنيا، في قوله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ ، قال علقمة بن أبي وقاص: هي المصيبة، تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله، ويسلم لها ويرضى.
وقال: حدثنا الحسين، حدثنا عبد الله، حدثنا علي بن الحسن العامري، حدثنا أبوه بدر، حدثنا عمر بن ذر، قال: بلغنا أن أم الدرداء كانت تقول: إن الراضين بقضاء الله، الذين ما قضى الله لهم رضوا به، لهم في الجنة منازل يغبطهم بها الشهداء يوم القيامة.
وبهذا الإسناد، عن سليمان بن المغيرة، قال: كان فيما أوحى الله تعالى إلى داود ﵇، إنك لن تلقاني بعمل، هو أرضى لي عنك، ولا أحط لوزرك، من الرضا بقضائي، ولن تلقاني بعمل، هو أعظم لوزرك، ولا أشد لسخطي عليك، من البطر، فإياك يا داود والبطر.
وقال الشافعي: سمعت ابن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: أرجو أن أكون رزقت من الرضا طرفاً، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً.
وقال ابن زيد: نظر علي بن أبي طالب ﵁ إلى عدي بن حاتم كئيباً، فقال: يا عدي مالي أراك كئيباً حزيناً؟ قال: وما يمنعني، وقد قتل أبنائي، وفقئت عيني؟! فقال يا عدي، من رضي بقضاء الله كان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله حبط عمله.
ذكره ابن أبي الدنيا.
وقال أبو عبد الله البراثي: من وهب له الرضا فقد بلغ أقصى الدرجات.
فإن قيل: غالب الناس يصبرون ولا يرضون، فكيف يتصور الرضى بالمكروه؟ يقال: إن نفور الطبع عن المصائب، لا ينافي رضا القلب بالمقدور، فإنا نرضى القضاء، وإن كرهنا المقتضى!
قيل لبعض الصالحين: قتل ولدك في سبيل الله! فبكى، فقيل له: أتبكي وقد
стр. 146
استشهد؟ ! فقال: إنما أبكي، كيف كان رضاه عن الله ، حين أخذته السيوف.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي، بسنده، عن عمار بن ياسر ﵁ أنه قال: اللهم لو أعلم أنه أرضى لك، أن أوقد ناراً عظيمة، فأقع فيها، لفعلت، ولو أعلم أنه أرضى لك عني، أن ألقي نفسي في الماء، فأغرق، لفعلت.
وعن مصعب بن ماهان، عن سفيان الثوري، قال: في قوله تعالى: ﴿وبشر المخبتين﴾ .
قال: المطمئنين الراضين بقضائه المستسلمين له..
فصل: في أقوال السلف والخلف في الرضا
وقد أطنب الناس ـ من السلف والخلف ـ في الرضا، وبسطوا القول فيه، واعتنوا به وهذا يدل على علو منزلته.
قال عمرو بن أسلم العابد: سمعت أبا معاوية الأسود يقول: في قوله تعالى: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ قال: الرضا والقناعة.
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، «رفعه إلى النبي ﷺ ، قال: جلساء الرحمن، ﵎، يوم القيامة: الخائفون الراضون، المتواضعون الشاكرون الذاكرون» .
وبإسناده، إلى محمد بن كعب، رفعه، أنه قال: أي رب، أي خلقك أعظم ذنباً؟ قال: الذي يتهمني، قال: رب وهل يتهمك أحد؟ ! قال: نعم، الذي يستجيرني، ولا يرضى بقضائي.
قال مالك بن أنس: بلغني أن أبا الدراء، دخل على رجل وهو يموت، وهو يحمد الله تعالى، فقال أبو الدراء: أصبت، إن الله تعالى إذا قضى أحب أن يرضى به.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن ابن عون، أنه قال: أرض بقضاء الله على ما كان من عسر ويسر، فإن ذلك أقل لغمك، وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك،
стр. 147
واعلم، أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا، حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء، كرضاه عند الغنى والرخاء، كيف تستقضي الله في أمرك، ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفاً لهواك؟ ! ولعل ما هويت من ذلك، لو وفق لك، لكان فيه هلكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك، وذلك لقلة علمك بالغيب، وكيف تستقضيه؟ إن كنت كذلك ما أنصفت من نفسك، ولا أصبت باب الرضا! !
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا أيضاً، قال: حدثنا الحسين، ثنا عبد الله، حدثني المروزي، قال: قال حفص بن حميد: كنت عند عبد الله بن المبارك بالكوفة حين ماتت امرأته، فسألته ما الرضا؟ قال: الرضا أن لا يتمنى خلاف حاله، فجاء أبو بكر بن عياش فعزى ابن المبارك ـ قال حفص: ولم أعرفه ـ فقال عبد الله: سله عما كنا فيه، فسألته، فقال: من لم يتكلم بغير الرضا فهو راض.
قال حفص: وسألت الفضيل بن عياض، فقال: ذاك للخواص.
ثم قال قادم الديلمي العابد.
قال: قلت للفضيل بن عياش: من الراضي عن الله؟ قال: الذي لا يحب أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها.
وقال أبو عبد الله البراثي: لم يرد الآخرة، أرفع درجات من الراضين عن الله على كل حال.
وقال سيار: دخلت على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه، فقال: إن أحبه إلي، أحبه إلى الله .
وقال عمرو بن أسلم العابد: سمعت أبا معاوية الأسود يقول: في قوله تعالى: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ .
قال: الرضا والقناعة.
ذكرهن ابن أبي الدنيا في كتاب الرضا، ثم ذكر عن مصعب بن ماهان، عن سفيان الثوري، قال في قوله تعالى: ﴿وبشر المخبتين﴾ قال: المطمئنين الراضين بقضائه المستسلمين له.
وعن وهب بن منبه، قال: وجدت في زبور داود ﵇: يا داود، هل تدري أي الفقراء أفضل؟ الذين يرضون بحلمي وبقسمي، ويحمدوني على ما أنعمت عليهم، هل تدري يا داود أي المؤمنين أعظم عندي منزلة؟ الذي هو بما أعطي
стр. 148
أشد فرحاً بما حبس.
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد، عن زياد ابن أبي حسان، أنه شهد عمر بن عبد العزيز ـ رحمة الله عليه ـ حين دفن ابنه عبد الملك، استوى قائماً، وأحاط به الناس، فقال: والله يا بني، لقد كنت باراً بأبيك، والله ما زلت منذ وهبك الله لي مسروراً بك، ولا والله ما كنت قط أشد سروراً، ولا أرجى لحظي من الله فيك، منذ وضعك الله في المنزل الذي صيرك إليه، فرحمك الله، وغفر لك ذنبك، وجزاك بأحسن عملك، ورحم كل شافع يشفع لك بخير شاهد وغائب، رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمره، والحمد لله رب العالمين.
ثم انصرف.
وقال سفيان الثوري: قال عمر بن عبد العزيز لابنه: كيف تجدك؟ قال: في الموت، قال: لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك، فقال والله يا أبه، لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب.
وروى الإمام أحمد في الزهد بإسناده، عن الحسن، قال: حدثني الأحوص، قال: دخلنا على ابن مسعود ﵁ وعنده بنون له ثلاثة، كأنهم الدنانير حسناً، فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال لنا كأنكم يغبطونني بهم؟ قلنا: أي والله، لمثل هؤلاء يغبط المسلم، فرفع رأسه إلى سقف بيت له صغير، قد عشش فيه خطاف وباض، فقال: والذي نفسي بيده، لأن أكون نفضت يدي عن تراب قبورهم، أحب إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف وينكسر بيضه.
وبإسناده عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال يوم مات أبو بكر الصديق ﵁: رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، إنا لله وإنا إليه راجعون.
فصل ـ فيما سنه رسول الله ﷺ لأهل المصيبة وما نهى عنه
قد تقدم ما سنه رسول الله ﷺ لأهل المصيبة، وما نهى عنه، ومما سنه الخشوع، والبكاء الذي لا صوت معه، وحزن القلب، «وكان يفعل ذلك ويقول:
стр. 149
تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب» ، وكذلك الحمد والاسترجاع.
وقد تقدم.
ومن سنته: الرضا عن الله في المصيبة وغيرها، ولم يكن ذلك منافياً لدمع العين وحزن القلب.
وأشد الناس حرصاً على رضى مولاهم الأنبياء، فقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده، «عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إنا معشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفاً، قال: فقلنا سبحان الله! قال: أفعجبتم؟ إن أشد الناس بلاءً الأنبياء والصالحون، الأمثل فالأمثل.
قلنا سبحان الله! قال: أفعجبتم؟ إن كان النبي من الأنبياء، ليتدرع العباءة من الحاجة، لا يجد غيرها، قلنا: سبحان الله! قال: أفعجبتم؟ إن كانوا ليفرحون بالبلاء، كما تفرحون بالرخاء» .
ولهذا كان أرضاهم، وأرضى الخلق عن الله، نبينا محمد ﷺ في قضائه وقدره، وأعظمهم له حمداً، ولم يمكنني حصر ما وقع له في ذلك لكثرته وشهرته، ومع ذلك بكى يوم مات ابنه إبراهيم ﵇ رأفةً ورحمةً منه للولد، ورقةً عليه، وقلبه ﷺ ممتلئ بالرضا عن الله تعالى وشكره له، واللسان مشتغل بحمده وذكره.
ولما ضاق هذا المشهد والجمع بين الأمرين ـ يعني رحمة الولد والرقة عليه والرضا عن الله تعالى ـ على أن بعض العارفين من السلف، يوم مات ولده، جعل يضحك، فقيل له: تضحك في مثل هذه الحال؟ فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه.
فأشكل هذا على جماعة من العلماء وأرباب الأحوال والتصوف، وقالوا: كيف يبكي رسول رب العالمين ﷺ يوم مات ولده، وهو أرضى الخلق عن الله، ويبلغ الرضا بهذا العارف إلى أن ضحك يوم مات ولده؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هدي نبينا ﷺ أكمل من هدي هذا العارف، فإنه أعطى ﷺ العبودية حقها، فاتسع قلبه للرضا عن الله ورحمة الولد والرقة عليه، فحمد الله ورضي عنه في قضائه، وبكى رحمةً ورقةً، فحملته الرحمة على البكاء، وعبوديته لله ومحبته له على الرضا والحمد، وهذا العارف ضاق قلبه عن
стр. 150
اجتماع الأمرين، ولم يتسع باطنه لشهودهما والقيام بهما، فشغلته عبودية الرضا عن عبودية الرحمة والرقة، والله تعالى أعلم.
انتهى.
قلت وما يؤيد ما ذكره الشيخ ﵀ قصة نبي الله يعقوب إسرائيل ﵇، إذ حكى الله تعالى عنه أنه ابيضت عيناه من الحزن، وقال: ﴿فصبر جميل﴾ و ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ فمشهده أوسع من مشهد هذا العارف، بل نبي الله يعقوب أبلغ من هذا العارف، فإن يعقوب كان له عدة من الولد، ومع هذا فهذه الرقة والرحمة التي عنده، مع الرضا الكامل، واستعمل الرضا والتفويض في قوله: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ واستعمل الرقة والرحمة عند ﴿وابيضت عيناه من الحزن﴾ فطريقة يعقوب ﵇ أفضل من طريقة هذا العارف، مع كثرة أولاد يعقوب، وهذه رحمته ورقته، وأما هذا العارف ـ على ما قيل ـ لم يكن له ولد سواه.
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده، عن ثابت البناني: أن صلة بن أشيم، كان في مغزى له، ومعه ابنه، فقال له: أي بني، تقدم فقاتل، حتى أحتسبك، فجاء فقاتل حتى قتل، ثم تقدم أبوه فقتل، فاجتمعت النساء عند أمه معاذة العدوية، فقالت: مرحباً، إن كنتن جئتن لتهنئنني مرحباً بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي: قال أبو جحيفة: إنا لمتوجهون إلى همذان، ومعنا رجل من الأزد، فجعل يبكي، فقلت: أجزع هذا؟ قال: لا، ولكن تركت ابني في الرحل، فلوددت أنه كان معي، فدخلنا الجنة جميعاً.
فصل ـ في تحقيق الرضا وأنه من عمل القلب
الرضا من أعمال القلوب، لكن وإن كان من أعمال القلوب، فكماله هو الحمد، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا، ولهذا جاء في الكتاب والسنة: حمد لله على كل حال، وذلك يتضمن الرضا بقضائه.
«وفي الحديث: أول من يدعى إلى الجنة الحمادون، الذين يحمدون الله في السراء والضراء» .
«وفي الحديث مرفوعاً، أن النبي
стр. 151
صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره، قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه أمر يسوؤه قال: الحمد لله على كل حال» .
وقد تقدم في مسند الإمام أحمد «من حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي ﷺ قال: إذا قبض الله ولد العبد، يقول الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال؟ فيقولون حمدك واسترجع، فيقول الله : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد» .
ومحمد نبينا ﷺ هو صاحب لواء الحمد، وأمته هم الحمادون، الذين يحمدون الله في السراء والضراء، والرضا.
والحمد على الرضا له مشهدان:
أحدهما ـ علم العبد، بأن الله سبحانه مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه، أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء، وهو العليم الحكيم.
الثاني ـ أن يعلم أن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه، كما روى مسلم في صحيحه، «عن النبي ﷺ أنه قال: والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاءً، إلا كان خيراً، وليس ذلك إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له» ، فأخبر ﷺ أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على الرخاء فهو خير له، كما قال تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ .
فمن لا يصبر على البلاء، ولا يشكر على الرخاء، فلا يلزم أن يكون القضاء خيراً له، ولهذا أجيب من أورد على هذا، بما يقضى على المؤمن من المعاصي، بجوابين:
أحدهما: أن هذا إنما يتناول ما أصاب العبد لا ما يفعله، كما في قوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ وكقوله تعالى أيضاً: ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون﴾ أي السراء والضراء.
الثاني ـ أن هذا في حق المؤمن الصابر
стр. 152
الشاكر، والذنوب تنقص الإيمان، فإذا تاب العبد أحبه الله، وقد ترتفع درجته بالتوبة.
قال بعض السلف: كان داود ﵇، بعد التوبة، خيراً منه قبل الخطيئة، فمن قضي له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير: إن العبد ليعمل الحسنة، فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة، فيدخل بها الجنة، وذلك أنه يعمل الحسنة، فتكون نصب عينيه ويعجب بها، ويعمل السيئة، فتكون نصب عينيه، فيستغفر الله ويتوب إليه منها.
وثبت في الصحيح «أن النبي ﷺ قال: الأعمال بالخواتيم» .
والمؤمن، إذا فعل سيئة، فإن عقوبتها تندفع بعشرة أسباب:
أحدهما: أن يتوب توبة نصوحاً ليتوب الله عليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
الثاني: أن يستغفر الله فيغفر الله تعالى له.
الثالث: أن يعمل حسنات يمحوها لقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ .
الرابع: أن يدعو له إخوانه المؤمنون ويشفعون له حياً وميتاً.
الخامس: أن يهدي له إخوانه المؤمنون من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به.
السادس: أن يشفع فيه نبينا محمد ﷺ .
السابع: أن يبتليه الله في الدنيا بمصائب، في نفسه وماله، وأولاده وأقاربه، ومن يحب، ونحو ذلك.
الثامن: أن يبتليه في البرزخ بالفتنة والضغطة، وهي عصر القبر، فيكفر بها عنه.
التاسع: أن يبتليه الله في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه.
стр. 153
العاشر: أن يرحمه أرحم الراحمين.
فمن أخطأته هذه العشرة، فلا يلومن إلا نفسه، «كما قال تعالى في الأحاديث الإلهيات: إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم ـ ثم أوفيكم إياها ـ، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه» ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية.
والمقصود أن المؤمن إذا كان يعلم أن القضاء خير له، فيرضى عن الله بما قسم له، كان قد رضي بما هو خير له.
«وفي الحديث: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن الله يقضي بالقضاء، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» .
стр. 154
الباب الحادي والعشرون: فيما يقدح في الصبر والرضا وينافيهما
قد تقدم أن الصبر اعتراف العبد بالله بما أصابه منه، واحتسابه عند الله، وأنه حبس النفس عما لا يحسن فعله ولا يجمل، وحبس اللسان عما لا يحسن قوله، فإذا كان معنى هذه المقالة أن الصبر حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله، والقلب عن التسخيط، والجوارح عن لطم الخدود، وخمش الوجوه، وشق الثياب، ونحو ذلك، وأن العبد يرضى عن الله فيما يفعله به مما يحب وقوعه، ومما يكره وقوعه، فإذا وقع من العبد عكس ما ذكرته كان متلبساً بالنقائص والرذائل، فمن شكا ما به إلى مخلوق مثله، كان قد شكا ربه إلى بعض مخلوقاته، فمثله كمثل من شكا من يرحمه ويلطف به ويعافيه وبيده ضره ونفعه، إلى من لا يرحمه وليس بيده نفعاً ولا ضراً.
فهذا من عدم المعرفة وضعف الإيمان شكاية الضار النافع الذي بيده أزمة الأمور، إلى من لا يضر ولا ينفع.
قال شقيق البلخي: من شكا مصيبة نزلت به إلى غير الله، لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوة أبداً.
وأما إخبار المخلوق بحاله لا على وجه الشكوى، فإن كان للاستعانة بأن يرشده أو يعاونه أو يوصله إلى زوال ضره بما ينفعه مما هو أخبر منه به، كالحجام يحجبه ويقلع ضرسه، أو رجل صالح يدعو له، فهذه الأمور على هذا الوجه لم تقدح في صبره، لأن هذا كإخبار المريض الطبيب بحاله، وإخبار المبتلي في جسده ببلائه لمن يرجو أن يكون فرجه على يديه، وكذلك إخبار المظلوم لمن ينتصر به، وإخبار المبتلى في دينه لمن هو مسترشد الهداية، ليبين له طريق الهداية إن وفق لها.
«وقد ثبت أن النبي ﷺ كان إذا دخل على المريض، سأله عن حاله، ويقول:
стр. 155
كيف تجدك؟» وهو استخبار منه واستعلام بحاله.
وأما الأنين فهل يقدح في الصبر؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد، قال القاضي أبو الحسين: أصح الروايتين الكراهة، لما روي عن طاووس، أنه كان يكره الأنين في المريض.
وقال مجاهد: يكتب على ابن آدم مما سطر به، حتى أنينه في مرضه.
انتهى.
وقال جماعة من العلماء: الأنين شكوى بلسان الحال، فينافي الصبر.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه: أخرج إلي كتاب عبد الله بن إدريس، فأخرجت الكتاب، فقال: أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم، فأخرجت أحاديث ليث بن أبي سليم، فقال: اقرأ علي أحاديث الليث، قال: قلت لطلحة: إن طاووساً كان يكره الأنين في المرض، فما سمع له أنين حتى مات، فما سمعت أبي أن في مرضه ذلك إلى أن توفي.
والرواية الثانية أنه لا يكره ولا يقدح في الصبر، بل قد يقدح في الرضا.
قال بكر بن محمد عن أبيه: «سئل الإمام أحمد عن المريض، يشكو ما يجد من الوجع! فقال: يعرف فيه شيئاً عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، حديث عائشة: وا رأساه! وجعل يستحسنه» .
وقال المروزي: دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وهو مريض، فسألته، فتغرغرت عينيه، وجعل يخبرني ما مر به في ليلته من العلة.
قال العلامة ابن القيم ﵀: اعلم أن الأنين على قسمين: أنين شكوى، فيكره، وأنين استراحة وتفريج، فلا يكره، والله أعلم.
فصل: في أن شق الثياب ولطم الخدود ينافي الصبر والرضا
ومما ينافي الصبر والرضا، ما يفعله أكثر الناس في زماننا عند المصيبة، من شق
стр. 156
ثيابهم، ولطم خدودهم، وخمش وجوههم، ونتف شعورهم، والتصفيق بإحدى اليدين على الأخرى، ورفع أصواتهم عند المصيبة.
ولقد حضرت عند شخص، حين فارق الدنيا، وهو من الجند، فحين خرجت روحه، أتوا بجعبة نشاب، فكسروها بمجموعها، واحدة بعد واحدة عليه، وأتوا أيضاً بعدة الحرب فرموها عليه، وأنا مع ذلك أعظم وأقول لهم: هذا حرام، نهى الله ورسوله عن ذلك، وهذا فيه إضاعة مال، فقال بعضهم لي: لم يصبك ما أصابنا، فخرجت عنهم، ثم إنهم بعد ذلك ندموا على ما فعلوا من إتلاف ما أتلفوه.
«ولهذا قال النبي ﷺ : إنما الصبر عند الصدمة الأولى» لأن في تلك الحالة هيجان الحزن، واستغراق الذهن، وذهول العقل بما دهمه، وتمكن الشيطان منه، فإن الشيطان ـ لعنه الله دائماً ـ يتمكن من بني آدم عند ذهول عقلهم: إما بسكر كما وقع في قصة هاروت وماروت، وهي مشهورة حين دعتهما المرأة إل ىقتل الولد، أو السجود للصنم، أو شرب القدح من الخمر مراراً، وأنهما شربا القدح من المسكر، فلما شربا سكرا، فأتيا كل ما أمرتهما به.
وكذلك ذهول العقل عند العشق، وعند الولاية، وعند كثرة المال، وعند المصيبة، فكل هذه الأمور العارضة للعبد في الغالب يحصل له بها ذهول العقل، فيتمكن الشيطان بها منه.
نسأل الله العافية، ودوام العافية، والثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، «فإن النبي ﷺ كان يسأل الله في دعائه: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر» الدعاء المشهور.
«وكان يقول: اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك» .
فالثبات في الأمور مطلوب شرعاً، كما أن العبد نهي عن الأمور المذمومة من اللجاج والطيش، والعجلة والحدة، وافتقاد الحزن، وغير ذلك من الأمور المذمومة التي لا أحصيها عدداً.
ويحاً لمن يقدم على الله تعالى مع هذه الأمور المذمومة التي نهى الشرع عنها، غير تائب منها، معتمداً على صومه وصلاته وحجه وعبادته، وهومع ذلك فرح مستبشر، كأنه قد جاز الصراط، وأعطي البراءة، وجاءه البشير من الله تعالى بالفوز والخلاص! ويحاً لمن بعتز بأعماله الظاهرة، وباطنه مثل المزابل! نسأل الله تعالى حسن التوفيق.
стр. 157
فصل: في البكاء والحزن الصامت لا ينافي الرضا والصبر
وأما البكاء والحزن من غير صوت ولا كلام محرم، فهو لا ينافي الصبر والرضا، وقد تقدم لنا قريباً من ذلك.
قال تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ قال قتادة: كظيم على الحزن، فلم يقل إلا خيراً.
مع قوله تعالى: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ وقوله تعالى عنه في أول السورة: ﴿فصبر جميل﴾ وقد «جاء في أثر مرفوع إلى النبي ﷺ : من بث لم يصبر» لكن يعقوب ﵇ ابيضت عيناه من البكاء، ولم يناف حزنه وبكاءه صبره، فإنه ﵇ ما شكا بثه وحزنه إلى مخلوق، وإنما شكاه إلى الله.
وروى حماد بن سلمة، «عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ .
قال: ما كان من العين ومن القلب فمن الله والرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان» .
قال خالد بن أبي عثمان: مات ابن لي، فرآني سعيد بن جبير مقنعاً، فقال لي: إياك والتقنع، فإنه من الاستكانة.
وقال بكر بن عبد الله المزني: كان يقال: من الاستكانة الجلوس في البيت بعد المصيبة.
وقال عبيد بن عمير: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، ولكن الجزع القول السيئ، والظن السيئ.
ومات ابن لبعض قضاة البصرة، فاجتمع إليه العلماء والفقهاء، فتذاكروا ما تبين به جزع الرجل من صبره، فأجمعوا أنه إذا ترك شيئاً مما كان يصنعه فقد جزع.
وقال ابن عبد العزيز: مات ابن لي نفيس، فقلت لأمه: اتق الله واحتسبيه عند الله واصبري، فقالت مصيبتي به أعظم من أفسدها بالجزع.
стр. 158
وقال عبد الله بن مبارك ﵀: أتى رجل يزيد بن يزيد، وهو يصلي، وابنه في الموت، فقال: ابنك يقضي وأنت تصلي؟ فقال: إن الرجل، إذا كان له عمل يعمله، فتركه يوماً واحداً، كان ذلك خللاً في عمله.
وقال ثابت: أصيب عبد الله بن مطرف بمصيبة، فرأيته أحسن شيء شارة وأطيبه.
فصل ـ في أن من يبتلي بالمصائب هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين
ولا بد أن يعلم المصاب، أن الذي ابتلاه بمصيبته، أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه، لم يرسل البلاء ليهلكه به، ولا ليعذبه، ولا ليجتاحه، وإنما افتقده به، ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه، وليسمع تضرعه وابتهاله وليراه طريحاً على بابه، لائذاً بجنابه، مكسور القلب بين يديه، رافعاً قصص الشكوى إليه.
قال الشيخ الإمام العالم العارف المكاشف عبد القادر الكيلاني ـ رحمة الله عليه ـ لابنه، يا بني، إن المصيبة ما جاءت لتهلكك، وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك، يا بني، القدر سبع، والسبع لا يأكل الميتة.
انتهى كلامه.
والمقصود: أن المصيبة كير العبد الذي يسبك بها حاصله، فإما أن يخرج ذهباً أحمر وإما أن يخرج خبثاً كله، كما قيل:
سبكناه، وتحسبه لجيناً ... فأبدى الكير عن خبث الحديد
فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا فبين يديه الكير الأعظم، فإذا علم العبد، أن إدخاله كير الدنيا ومسبكها، خير له من ذلك الكير والمسبك، وأنه لا بد من أحد الكيرين، فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل، فالعبد، إذا امتحنه الله بمصيبة، فصبر عند الصدمة الأولى، كما ورد «في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: مر النبي ﷺ بامرأة عند قبر، وهي تبكي، فقال لها: اتق الله واصبري، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ـ ولم تعرفه ـ فقيل لها:
стр. 159
إنه النبي ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك يا رسول الله! قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى» رواه البخاري.
و «لفظ مسلم: أتى على امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها: اتق الله واصبري، فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟ فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله! فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تجد على بابه بوابين ...
» وذكر تمام الحديث.
فصل ـ في أن الشكوى والتحدث بالمصيبة ينافي الصبر والرضا
ومما يقدح في الصبر والرضا، وينافيهما: إظهار المصيبة والتحدث بها وإشاعتها، سواء كان كلام بها بين الأصحاب أو غيرهم، اللهم إلا أن يقول لأصحابه أو لأقاربه: مات فلان، يعني والده أو ولده، ونحو ذلك، وما يريد به إظهار المصيبة، وإنما يريد إعلامهم لأجل الصلاة عليه وتشييعه ونحو ذلك، مما هو من فروض الكفايات ويحصل لهم بذلك القراريط من الأجر، وقد تقدم أن الإعلام بالميت، هل هو نعي أم لا؟ والمقصود أن كتمان المصيبة رأس الصبر.
قال الحسن بن الصباح في مسنده: «حدثنا خلف بن تميم، حدثنا زفر بن سليمان، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : من البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة» وذكر أنه من بث لم يصبر.
وروي من وجه آخر، «من حديث أنس ﵁ رفعه إلى النبي ﷺ ، قال: من كنوز البر كتمان المصائب، وما صبر من بث» .
ولما نزل في إحدى عيني عطاء الماء، مكث عشرين سنة، لا يعلم به أهله، حتى جاء ابنه يوماً من قبل عينه التي أصيب فيها، فلم يشعر به، فعلم أن الشيخ قد أصيب.
ودخل رجل على داود الطائي في فراشه، فرآه يزحف، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال: مه، لا تعلم بهذا أحداً.
وقد أقعد قبل ذلك بأربعة أشهر لم يعلم بذلك أحد.
стр. 160
وشكا الأحنف إلى عمه وجع ضرسه، فكرر ذلك عليه، فقال: ما تكرر علي؟ لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة، فما شكوتها إلى أحد!
ومن المنافاة للصبر والرضا: الهلع عند ورود المصيبة، وهو الجزع، قال الله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا﴾ قال الجوهري: الهلع: أفحش الجزع، وقد هلع بالكسر فهو هالع وهلوع.
«وفي الحديث: شر ما في العبد شح هالع وجبن خالع» .
قال العلامة ابن القيم ﵀: هنا في هذا الحديث أمران: أمر لفظي وأمر معنوي.
فأما اللفظي، فإنه وصف الشح بكونه هالعاً، والهالع صاحبه، وأكثر ما يسمى هلوعاً، ولا يقال: هالع له، فإنه لا يتعدى، وفيه وجهان:
أحدهما ـ أنه على النسب، كقولهم: ليل نائم، وشر قائم، ونهار صائم ويوم عاصف، كله عند سيبويه على النسب، أي ذو كذا.
والثاني ـ أن اللفظة غيرت عن بابها للازدواج مع خالع، وله نظائر.
وأما المعنوي فإن الشح والجبن أردى صفتين في العبد، ولا سيما إذا كان شحه هالعاً، أي ملولة في الهلع، وجبنه خالعاً، أي قد خلع قلبه من مكانه، فلا سماحة ولا شجاعة، كما يقال: لا يطرد ولا يثرد، انتهى كلامه.
وروى سعيد بن منصور في سننه: «حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سليمان بن سليم، عن يحيى بن جابر، أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: ما يحبط الأجر في المصيبة؟ قال: تصفيق الرجل بيمينه على شماله والصبر عند الصدمة الأولى فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» .
«وذكر بإسناده أيضاً، رفعه إلى النبي ﷺ ، قال: إن القوم ليصابون بالمصيبة فيجزعون ويهلعون، فما يكون لهم من أجرها شيء فيمر بهم الرجل من المسلمين، فيسترجع، فيكتب الله له
стр. 161
أجر ما أعطاه من تلك المصيبة» .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أحمد بن عبد الأعلى، حدثني شيخ من آل ميمون بن مهران، أن الحجاج أصيب بابن له، فاشتد جزعه عليه، فدخل فغير ثيابه، ومس شيئاً من طيب، وجلس، وأذن للناس، فلم يتكلموا، فقال: حسبي ثواب الله من كل نكبة، وحسبي بقاء الله من كل هالك، تحدثوا.
فصل ـ في أن الله ﵎ يختبر عباده بالمصائب
والله ﵎ يبتلي عبده، ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه وصبره ورضاه بما قضاه عليه، فهو يرى عباده إذا نزل بهم ما يختبرهم به من المصائب وغيرها، ويعلم خائنة أعينهم وما تخفي صدورهم، فيثيب كل عبد على قصده ونيته، وقد ذم الله تعالى من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء، كما قال تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾ .
والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه ولا يشكو إليه حاله، فإنه إذا كان سادات الخلائق، وهم الأنبياء المعصومون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قد أثنى الله تعالى عليهم حيث شكوا ما بهم إلى الله تعالى، فقال تعالى عن بعضهم: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ وأثنى على أيوب بقوله: ﴿أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾ ، وعلى يعقوب: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ وعلى موسى بقوله: ﴿إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ .
«وقد شكا إليه خاتم أنبيائه ورسله بقوله: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين» الحديث المشهور في دعاء الطائف، وهو دعاء عظيم، فالشكوى إلى الله تعالى لا تنافي الصبر ولا الرضا، بل إعراض العبد بالشكوى إلى غيره من جهله بخالقه وعدم
стр. 162
رضاه وصبره بما ابتلاه الله تعالى به، والله تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه.
قيل لبعضهم: كيف تشتكي إلى من لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؟ فقال:
قالوا: أتشكو إليه ... ما ليس يخفى عليه
فقلت: ربي يرضى ... ذل العبيد لديه
وذكر ابن أبي الدنيا، عن علي بن الحسن، قال: قال رجل: لأمتحنن أهل البلاء، قال: فدخلت على رجل بطرسوس، وقد أكلت الأكلة أطرافه، فقلت له كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله وكل عرق، وكل عضو، يألم على حدته من الوجع، وإن ذلك لبعين الله، أحبه إلي أحبه إلى الله ، وددت أن ربي قطع مني الأعضاء التي اكتسبت بها الإثم، وأنه لم يبق مني إلا لساني تكون له ذاكراً، قال: فقال له رجل: متى بدأت هذه العلة؟ قال: أما كفاك؟ الخلق كلهم عبيد الله وعياله، فإذا نزلت بالعباد علة، فالشاكي إلى الله ليس يشكي الله إلى العباد.
стр. 163
الباب الثاني والعشرون: هل المصائب مكفرات أم مثيبات
وقد اختلف العلماء في هذا الباب اختلافاً كثيراً، وتباينوا فيه تبايناً شديداً، فذهب بعض العلماء إلى أنه يثاب على كل مصيبة، وذهب طائفة أخرى من العلماء إلى أنه لا يثاب على المصائب مطلقاً، وإنما يثاب على الصبر عليها، حتى قطع به ابن عبد السلام في قواعده، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء إلى أن إطلاق القول بالثواب، كلاهما يرد عليه ما يدفعه، وأن ثم فرقاً مؤثراً نذكره فيما بعد، إن شاء الله.
وقد احتجت كل طائفة بظواهر مرجحة لما ذهبت إليه كما سنذكره بعد.
احتجت طائفة من العلماء إلى أنه يثاب على كل مصيبة بقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح..
﴾ الآية.
وفي الصحيحين، «عن النبي ﷺ قال: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا هم ولا حزن، ولا غم ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» ، الوصب: الوجع اللازم، ومنه قوله تعالى: ﴿ولهم عذاب واصب﴾ أي لازم ثابت، والنصب: التعب.
وروى الحاكم في المستدرك «أن النبي ﷺ ، قال: المصاب من حرم الثواب» .
وروى ابن ماجة «من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ليس الزهادة في الدنيا، بتحريم الحلال ولا بإضاعته، ولكن الزهادة في الدنيا، أن
стр. 164
تكون بما في يد الله، أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة، إذا أصبت بها، أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك» رواه الإمام أحمد، موقوفاً عن أبي مسلم الخولاني.
وفي صحيح البخاري «أن النبي ﷺ قال: مامن مسلم، يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة، بفضل رحمته إياهم» .
و «رواه أحمد والنسائي: ما من مسلمين، يموت لهما ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، إلا غفر لهما» .
وغير ذلك من الأحاديث مما اختصرته.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم عند قوله ﷺ : «ما من مسلم يشاك بشوكة، فما فوقها، إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة» وفي رواية: «إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة» .
وفي بعض النسخ «وحط عنه بها خطيئة» بغير ألف، وفي رواية «إلا كتب له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة» .
قال: وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين، فإنه قل أن ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور، وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها، وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات، وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء.
وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء: أنها تكفر الخطايا فقط.
ولم يبلغهم هذه الأحاديث الصحيصة الصربحة برفع الدرجات، وكتب الحسنات، انتهى كلامه.
«ويؤيد ذلك قول عائشة ﵂: ما رأيت رجلاً أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ .
وقوله ﷺ : إني لأوعك مثل رجلين منكم، وإنك لتوعك وعكاً شديداً، وقوله ﷺ : أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل» .
قال جماعة من العلماء: والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاءً ثم الأمثل بالأمثل: أنهم مخصصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب، والأنبياء معصومون من الخطايا فتعين الثواب، والله أعلم.
وفي حديث المرأة التي كانت تصرع: دليل على أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب.
وفي صحيح مسلم «قالت امرأة يا رسول الله، دفنت ثلاثة من الولد قال:
стр. 165
احتظرت بحظار من النار» .
قال بعض السلف: فقد الثواب على المصيبة أعظم من المصيبة، فإنه قد «ثبت أن النبي ﷺ ، قال: المصاب من حرم الثواب» وقد تقدم.
وتقدم في أثناء الكتاب أحاديث تشهد لهذا القول، والله أعلم.
احتجت الطائفة الأخرى من العلماء ممن أطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها، وإنما يثاب على الصبر عليها.
بقوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ قال ابن عبد السلام في قواعده: الثواب إنما يكون على فعل العبد لا على فعل الله فيه، قال تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ .
فما حصل لهم من صلاة الله عليهم ورحمته لهم وهدايته إياهم بقولهم: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ فالاسترجاع هو سبب في حصول ما ذكر، وكذلك «حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله لملك الموت: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينيه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم، قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد» فحمده واسترجاعه هو سبب بناء البيت له في الجنة، وتسمية البيت كافية.
قال القاضي عياض: وقد روي عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: الوجع لا يكتب به أجر إنما يكفر الخطايا فقط.
فصل ـ في سياق كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
أما ما يحدثه الله من مصائب، فتارة بغير فعل الخلائق كالأمراض ونحوها، وتارة بفعلهم.
وفصل الخطاب: أن المصائب إن تولدت عن عمل صالح، كما تتولد عن
стр. 166
الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، فهذا يثاب عليه، فإن الإنسان يثيبه الله على عمله وعلى ما يتولد من عمله إذا أقدم على احتماله، فإن المجاهد قد أقدم على الجهاد وهو يعلم أنه يؤذى في الله ، وقد يناله ضرر في جهاده فتموت فرسه، أو يأخذ ماله، أو يضرب أو يشتم ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ ، فأخبر تعالى، أنه يكتب لهم عمل صالح، بما يصيبهم من التعب والجوع والعطش، ونحو ذلك الذي حصل لهم بسبب الجهاد في سبيل الله ، فهذه الأمور يغفر الله بها خطاياه، ويؤجر على هذه المصائب، لأنها حصلت بسبب جهاده فهي مما تولد من عمله، وما تولد عن عمله الصالح من المصائب يثاب عليها.
وأما الجوع والعطش والتعب الذي يحصل من دون ذلك فلا يثاب إلا على الصبر عليه، فإنه ليس من عمله ولا متولداً من عمل صالح، لكن هو من المصائب التي يكفر الله بها خطاياه.
وأما المصيبة بالولد، فالولد تولد عن جماعه الذي صان نفسه به عن الزنا، وقصد به النسل، وتكثير الأمة، وغض البصر عن المحارم، فإذا حصل له ذلك، ثم مات الولد، فقد أثيب عليه من جهة، وكفر الله به خطاياه من جهة، لأنه تولد عن عمله.
وأما الأمراض والأسقام فهي تكفر الخطايا.
وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح لما عادوه وقالوا: له أجر.
فقال: ليس لي من الأجر مثل هذه، ولكن المرض حطة يحيط الله بها الخطايا.
فهذا الذي ذكرته هو الفرق بين المصائب التي يثاب عليها، والمصائب التي لا يثاب عليها، فإن بعض الناس يظن أنه يثاب على كل مصيبة، ومن العلماء من يطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها، وإنما يصاب على الصبر عليها.
ثم قال بعد ذلك بكلام كثير: فمن فعل فعلاً صالحاً باختياره، فأوذي، واحتسب ذلك الأذى، كان ذلك الأذى من
стр. 167
عمله الصالح الذي يثاب عليه، كالصائم إذا احتسب جوعه وعطشه.
«وقد قال ﷺ : لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» والخلوف تولد عن صومه بغير اختياره، ولكن تولد عن عمل صالح، وكذلك القائم بالليل، إذا احتسب تعبه وسهره، فإن الأذى الذي يحصل باختيارك في طاعة الله، أنت جلبته على نفسك باختيارك طاعة الله، فليس هو كمن أوذي بغير اختياره، فإن ذلك أذاه مصيبة محضة، لكن هي حق له على الظالم.
وقال الشيخ ﵀ «في قول النبي ﷺ : لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له» .
وهي نفسها تكفر خطاياه ويؤجر على الصبر عليها، ففيها له مغفرة من جهة ما يكفره من الخطايا.
وله فيها رحمة من جهة ما يؤجر على الصبر عليها، لا سيما إذا اقترن بها توبة وإنابة إلى الله، وتوكل عليه وتوحيد له وإخلاص الدين له، فإنها تكون من أعظم النعم، ومصيبة تقبل بها على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله.
وقال بعض السلف: يا ابن آدم، لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها قرع باب سيدك.
«وفي الحديث إذا قالوا للمرض: اللهم ارحمه، يقول الله : كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟» .
وفي الأثر: يا ابن آدم، البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك.
انتهى.
والمقصود من كلام الشيخ ﵀ أن كل ما تولد عن عمله الصالح من المصائب أثيب عليه، بخلاف المصائب التي لم تتولد عن عمله، فإنها مكفرات لا مثيبات.
ت
فصل ـ في قوله أيضاً ﵀ في أن المصائب نعمة من نعم الله تعالى
قال الشيخ ﵀: وكثير من الناس لا يعرف النعمة إلا ما يلتذ به في دنياه، كما قال بعض السلف: من لم يعرف نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه، وحضر عذابه.
فمن الناس من يرى النعمة في بدنه فقط، بالأكل
стр. 168
والشرب والنكاح، ومنهم من يرى النعمة بالرئاسة والجاه ونفاذ الأمر والنهي وقهر الأعداء، ومنهم من يرى النعمة في جميع الأموال والقناطير المقنطرة، وهؤلاء من جنس الكفار، يرون هذه نعماً، وأعلى من هؤلاء: من يرى النعمةفي الإيمان والعمل الصالح، لكن لا يرى الأمر بذلك والجهاد عليه نعمة، بل يرى فيه من المضار ما يوجب تركه والذين يرون هذه النعمة: منهم من لا يراه نعمة إلا مع السلامة والغنيمة، فإن جرح أو قتل بعض أولاده، أو أخذ ماله، عد ذلك مصيبة لا نعمة.
وحجة هؤلاء كلهم أن النعمة ما يتنعم به العبد، وهذه الأمور تؤلم النفس، فلا تكون من النعم، بل من المصائب، ولا ريب أنها من المصائب، باعتبار ما يحصل فيها من الألم، ولهذا أمر بالصبر عليها، لكن لا منافاة بين كون الشيء مصيبة باعتبار، ونعمة باعتبار، فباعتبار ما يحصل له من الأذى هو مصيبة، وباعتبار ما حصل به من الرحمة نعمة، وهذا لأنه إذا قيل: هذا يكفر به الخطايا ويؤجر عليها ويؤجر على الصبر عليها كانت نعمة، وهذا بمنزلة شرب المريض الدواء الكريه، هو مصيبة باعتبار مرارته، وهو نعمة باعتبار إزالته للمريض الذي هو أشد ضرراً فيه، وأدنى الشرين إذا زال أعظمهما كان نعمة، ومن استعمل نعمة الله في المعاصي، كانت شراً في حقه، لأنها جرته إلى العذاب الذي هو أعظم من تلك اللذة كمن أكل عسلاً فيه سم، فإن ضرر السم أعظم من حلوة العسل، والله أعلم.
انتهى كلامه.
стр. 169
الباب الثالث والعشرون: في الصدقة عن المصاب به وأفعال البر عنه
وهذا الباب مما يطيب قلوب أهل المصائب على مصابهم، فإنهم إذا بدلوا بدل الحزن والبكاء ولطم الخدود وشق الثياب والنياحة، الصدقة والدعاء والاستغفار وقراءة القرآن والصلاة والصيام، ونحو ذلك من أفعال القرب، وعلموا وصولهم إلى موتاهم، وإنه يحصل لهم بذلك: إما تكفير سيئات، أو رفع درجات، أو كلاهما ـ حصل لهم السرور بذلك والفرح الزائد.
وهذا الباب منعقد على إهداء القرب إلى الموتى والأحياء، فنذكر اختلاف العلماء في وصول ثواب ذلك إليهم، فمن أنواع القرب: قرب لم يختلف في وصول ثوابها إلى الموتى، وثم قرب اختلف العلماء في وصول ثوابها اختلافاً كثيراً، فنذكر ما يسره الله تعالى في ذلك، فإن ذكر الاختلاف والبسط، سبيل ذلك الكتب المطولة.
فصل: في ذكر اختلاف الناس في وصول ثواب إهداء القرب إلى الموتى
أما الدعاء والاستغفار والصدقة وقضاء الدين وأداء الواجبات، فلا أعلم خلافاً في وصولها، حكاها غير واحد من العلماء، ومن العلماء من يشرط في الوصول إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة.
قال الله تعالى: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا﴾ ، وقال تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ «ودعاء النبي ﷺ لأبي سلمة حين مات أبو سلمة،
стр. 170
ودعاء النبي ﷺ للميت الذي صلى عليه، وشرع الله ذلك له، وشرعه لكل من صلى على ميت بقوله: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وكذلك: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه» الدعاء المشهور المعروف.
وأما وصول العبادات المالية المحضة، كالعتق والصدقة ونحوهما: فجمهور العلماء من أهل السنة والجماعة على وصول ثوابها إلى الموتى، كما يصل إليهم الدعاء والاستغفار، وأما وصول ثواب الأعمال البدنية كالصوم والصلاة والقراءة ونحو ذلك، فالصحيح الوصول، وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي، لما يأتي من الأحاديث بعد إن شاء الله.
فصل: في الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب
قد تقدم قوله تعالى: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ .
وقال تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ ، وقال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ فلو لم ينفعهم ذلك، لم يخبر الله تعالى به ترغيباً.
وأما الأحاديث، فمنها: ما روى الإمام أحمد «من حديث الحسن بن سعد بن عباده، أن أمه ماتت، فقال: يا رسول الله، ماتت أمي، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قال: قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء» ، قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة.
ورواه النسائي أيضاً.
ومنها: «عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : اقرؤوا يس على موتاكم» .
رواه أبو داود وابن ماجة، ورواه الإمام أحمد، و «لفظه: يس قلب
стр. 171
القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله ﵎ والدار الآخرة إلا غفر الله له، واقرؤوها على موتاكم» .
وفيه دليل على وصول القراءة إلى الميت فإنه ﷺ أمرنا أن نقرأها على موتانا، وأمره في هذا المكان أمر إرشاد لا يجوز أن يعرى عن فائدة، ولا فائدة للعبد بعد موته أعظم من الثواب، فإنا نعلم يقيناً، أن الميت من أحوج الناس الى ما يقربه من رحمة الله، ويباعده من عذاب الله، وقد امتنع عليه ذلك بعد موته بفعل نفسه، فما بقي يحصل له ذلك إلا بفعل غيره، والحصول هو الثواب المترتب على القراءة، والله أعلم.
فإن قيل: قد فسر جماعة من العلماء أن المراد بقراءة يس عند الاحتضار للمسلم الذي سيموت.
وقد ذهب الى هذا جماعة من العلماء حتى الشيخ مجد الدين ابن تيمية الحراني بوب عليه في كتابه المنتقى.
قيل: هذا خلاف الحقيقة، فإنه إذا حمل على من سيموت يكون حمل اللفظ على مجازه، ومعلوم أن حمل اللفظ على حقيقته أولى من حمله على مجازه، فإن سلم أنه أريد به المحتضر، فهو حجة على المخالف المانع من وصول ثواب القراءة إلى الميت، فإن قول المخالف في أن الحي لا ينتفع بعمل الغير، أشد من قوله في الميت.
فإن قيل: إنما يحصل له به راحة وسرور كالتذاذة به في الدنيا.
قلنا: هذه دعوى تفتقر إلى دليل، والأصل عدمه، بل نقول: أي راحة وسرور أعظم من ثواب يحصل للميت يرفع درجاته أو يحط عنه سيئاته؟ وقد أفردت لهذا الكلام جزءاً وسميته الدر المنتخب في إهداء القرب فمن رام كشف ذلك فليطلبه من محله، وما نذكره هنا على سبيل التنبيه.
ومنها ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن العاص بن وائل، نذر أن ينحر في الجاهلية مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين، «وأن عمراً سأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: أما أبوك، فلو أقر بالتوحيد، فصمت عنه وتصدقت عنه نفعه ذلك» رواه الإمام أحمد، وهو دليل على وصول أفعال الخير إلى الميت.
стр. 172
ومنها: «عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ : إن أبي مات ولم يوص، أفينفعه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم» .
رواه مسلم والإمام أحمد والنسائي وابن ماجة.
ومنها: «عن عائشة ﵂ أن رجلاً، قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» .
رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد.
و «عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ ، قال: ما على أحدكم، إذا أراد أن يتصدق بصدقة تطوعاً، أن يجعلها عن والديه، إذا كانا مسلمين، فيكون لوالديه أجرها، وله مثل أجورهما، من غير أن ينقص من أجورهما شيء» .
رواه حرب في مسائله بسنده.
وروى ابن المنذر بإسناده، عن عائشة ﵂ أنها أعتقت عن أخيها عبد الرحمن عبداً بعد موته.
وروى الدارقطني، وغيره، «عن عطاء بن أبي رباح، مرسلاً، أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن أبي مات، أفأعتق عنه؟ قال: نعم» .
وروى الدارقطني أيضاً، عن الحسن والحسين ﵄ ـأنهما كانا يعتقان عن أبيهما علي بن أبي طالب ﵁ بعد موته.
«عن ابن أسيد، مالك بن ربيعة الساعدي، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وافتقاد عهدهما بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقيهما» .
رواه أبو داود، وهذا لفظه، وابن ماجة.
стр. 173
فصل ـ من الأدلة المستحسنة قوله ﷺ في الأضحية: بسم الله والله أكبر
ومن الأدلة المستحسنة، «قوله ﷺ في الأضحية لما ضحى بكبشين، فلما ذبح أحدهما، قال: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن محمد وآل محمد، ولما ذبح الثاني، قال: اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» .
وفي رواية ابن ماجة، أن رسول الله ﷺ ، لما ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موسومين، فذبح أحدهما عن محمد وآل محمد، وذبح الآخر عن أمته وعمن شهد له بالبلاغ، ففيه دليل على أن النفع قد نال الأحياء والأموات من أمته بأضحيته ﷺ ، وإلا لم يكن في ذلك فائدة، فإنه ﷺ ما ينطق عن الهوى.
«وقال للذي قضى الدين عن الميت: الآن بردت عليه جلدته» .
«وحديث ابن عباس، أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما، فكان لا يستتر من البول ـ وفي قول لا يستنزه من البول ـ أما الآخر، فكان يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين، ثم غرس على كل قبر واحدة.
وقال: إنه ليخفف عنهما ما لم ييبسا» .
قال الخطابي: هذا عند أهل العلم، محمول على أن الأشياء، ما دامت على أصل خلقتها أو خضرتها وطراوتها، فإنها تسبح الله ، حتى تجف رطوبتها، أو تحول خضرتها، أو تقطع من أصلها، فإذا خفف عن الميت بوضعه ﷺ الجريدة على قبره، لكونها تسبح الله، فبطريق الأولى والأحرى أن تخفف القرب على اختلاف أسبابها، وإن أعظم القرب كلام رب العالمين، الذي نزل به الروح الأمين، على قلب أشرف المرسلين، وقد أوصى بريدة ﵁ أن يجعل جريدة على قبره، ذكره البخاري.
وقد استحب ذلك جماعة من العلماء من أصحابنا وغيرهم، وأنكره آخرون.
وقال الشيخ محي الدين النووي في شرح مسلم: ذكر أن العلماء استحبوا القراءة، لخبر الجريدة، لأنه إذا أرجي التخفيف لتنسبيحها، فالقراءة أولى.
انتهى كلامه.
стр. 174
فصل ـ في قوله تعالى " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى "
فصل ـ في قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
وأما احتجاج بعض من خالف، من أصحاب الشافعي ومالك، بهذه الآية على أن الميت لا ينتفع بثواب من سعي غيره، «لأن النبي ﷺ ، قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له» .
قالوا: ولأن نفع العبادة لا يتعدى فاعلها.
فيقال لهم: قد ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة، أن الميت يصلى عليه ويدعى له ويستغفر له، وهذا من سعي غيره، وكذلك ما وافقوا عليه وسلموه من أن ينتفع بالصدقة والعتق وهو من سعي غيره، فما كان جوابهم على مورد الإجماع، فهو جواب الباقين عن محل النزاع، وللناس في ذلك أجوبة متعددة سبيلها الكتب المطولة، ولكن تحقيق ذلك أن يقال: إن الله تعالى لم يقل: إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه، وإنما قال: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ وهو لا يملك إلا سعيه، ولا يستحق غير ذلك، وإنما سعي غيره فهو له، كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه، ويملك نفع نفسه بمال غيره.
وقد روي عن ابن عباس أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ ، فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء، ولا يصح هذا، لأن لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار لا تنسخ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: اللفظ المنقول عن ابن عباس هو من تفسير علي بن طلحة الوالبي عنه، وقد قيل: إنه لم يسمعه من ابن عباس، وقال عكرمة: هي خاصة بقوم إبراهيم وموسى دون هذه الأمة، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وسعي لهم.
قال الشيخ: وهذا ضعيف، لأن الله إنما ذكر هذا ليخبر به هذه الأمة، وليعلموا أن هذا حكم شامل، ولو كان هذا
стр. 175
مخصوصاً بأمة موسى وإبراهيم لم يقم به حجة، على أن من أرسل إليه النبي ﷺ وجميع المسلمين بما في هذا القوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾
وأيضاً، فمن أين لهم أن تلك الأمة، لم تكن تنفعهم الصدقة عنهم بعد الموت والدعاء لهم؟ وقد بين النبي ﷺ أنا إذا قلنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أصابت كل عبد لله في السماء والأرض، ونحن إذا ذكرنا الصالحين من الأمم وترحمنا عليهم، وصل ذلك إليهم، وليس هو من سعيهم، وإبراهيم قد دعا لأولاده بنص القرآن، وليس ذلك من سعيهم.
وقال الربيع بن أنس: المراد بالإنسان والكافر، وهذا ليس بشيء، لأن سياق الآية يناقضه بقوله: ﴿ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ ، وهذا يتناول المؤمن قطعاً، فلو عكس كان أولى، مع أن حكم العدل، لا فرق فيه بين مؤمن وكافر.
قال الحسن بن الفضل: ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، فأما من طريق الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء.
قال شيخ الإسلام ابن تميمة: وهذا القول أمثل من غيره، ومعناه صحيح، لكنه لم يفسر لفظه الآية، فإن قوله: ليس للإنسان: نفي عام فليس له إلا ذلك، وهذا هو العدل، ثم إن الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه من جهة فضله وإحسانه، وإن كان ذلك ليس له، ثم قال الشيخ: وقال ابن الزاغوني، إنه ليس له إلا سعيه، غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء نفسه، وتارة يكون في تحصيل سببه، مثل سعيه في تحصيل قرابة أو نكاح ليحصل له ولد صالح يدعو له، أو صديق صالح، وتارة يسعى في خدمة أهل الدين والعبادة، فيكتسب محبتهم بسب سعيه في ذلك.
قال الشيخ ﵀: وهذا أمثل من غيره، وقد استحسنه ورجحه أبو البركات وهو ضعيف، فإنه قد ينتفع بعمل غيره من لم يحصل سبباً، وبسط القول على هذا وعلله بأمور، وذكر ابن أبي الزغواني قولاً آخر، قال: وأن ليس
стр. 176
للإنسان، بمعنى: وأن ليس عليه إلا ما سعى.
قال الشيخ: وهذا من أرذل الأقول فإنه قلب لمعنى الآية، فإنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وتمامها ﴿وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ أفترى السعي الصالح لم يدخل في هذه؟ ! وبسط القول على هذا وبين فساده، وقد ذكرنا هذه الأقوال ورتبناها مبسوطة في إهداء القرب.
فصل ـ في أن الدفن بجوار الصالحين يجلب نوال بركتهم
ومما يستأنس به في وصول الثواب، أنه يستحب الدفن عند الصالحين، ليناله بركتهم، ونص الإمام أحمد، على أن الميت يتأذى بالمنكر عنده.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: جنبوا الميت جار السوء.
وقالت عائشة ﵂: الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته.
لكن: هذان الأثران، وإن كان فيهما ضعف، ففيهما دلالة على المسألة، فإن الميت إذا تأذى بالمنكر انتفع بالخير بطريق الأولى.
وقد ثبت في الصحيح: «أن النبي ﷺ ، قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» فالله تعالى أحكم وأعدل من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة.
والله تعالى أعلم.
فصل: في استحباب القراءة عند القبر وما ورد فيها
تستحب القراءة عند القبر، لأنه قد صح، عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى إذا دفن، أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها.
والمشهور عن الإمام أحمد، أن القراءة في المقبرة وعند القبر لا تكره، اختاره أبو
стр. 177
بكر عبد العزيز، والقاضي، وجماعة من أصحابنا، ذكره بعض أصحابنا، وعليه عمل الناس في زمننا هذا.
قال في المستوعب: ولا تكره القراءة على القبر.
وكان أحمد ﵀ يكرهما، ثم رجع رجوعاً أبان به عن نفسه، وقال: يقرأ، بعد أن نهى عن ذلك.
ومن أصحابنا من يتمسك بكراهته أولاً، ويجعل المسألة على روايتين.
ثم قال بعد ذلك: فإن أهدي إليه الثواب نفعه، انتهى كلامه.
وهذا مذهب الحنفية، لكن اختلف أصحابهم هل تستحب القراءة أم تباح؟ وجهان لهم.
وروي عن الإمام أحمد أن القراءة لا تكره حال الدفن دون غيره.
وروي عنه الكراهة مطلقاً، اختارها الإمام عبد الوراق وأبو حفص العكبري.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الكراهة نقلها الجماعة عن الإمام أحمد وهي قول جمهور السلف، وعليها قدماء أصحابه كالمروزي وغيره.
وقال ابن عقيل وابن المنجا ـ تعليلاً لرواية الكراهة ـ بأنها مدفن النجاسة كالحش ونحوه.
انتهى كلامهما.
وذكر بعض أصحابنا، عن الخلال، أنه قال: المذهب رواية واحدة، أن القراءة عند القبر لا تكره.
انتهى.
لكن القراءة على القبر، ليست من فعل النبي ﷺ ولا أصحابه، والله أعلم.
فصل ـ فيما نص عليه الإمام أحمد بن حنبل في استحباب الدعاء للميت عقب دفنه
نص الإمام أحمد، على أنه يستحب الدعاء للميت عقب دفنه.
ثم قال أحمد: قد فعله علي بن أبي طالب، والأحنف بن قيس، ويروى «عن عثمان بن عفان، أنه قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» .
رواه أبو داود.
стр. 178
وروى الطبراني «من حديث ابن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقف على القبر، بعد ما يسوى عليه التراب، فيقول: اللهم نزل بك صاحبنا، وخلف الدنيا خلف ظهره، اللهم ثبت عندالمسألة منطقة.
ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به»
ويروى أن علياً ﵁ كان يقول ـ إذا سوي على الميت التراب، عند شفير القبر، بعد ما يدفن ـ: اللهم عبدك وولد عبدك، نزل بك، وأنت خير منزول به، اللهم أوسع له مدخله، واغفر له ذنبه، فإنا لا نعلم إلا خيراً، وأنت أعلم به.
رواه حرب الكرماني في مسائله.
وكان أنس ﵁ إذا سوى على الميت قبره، قام عليه، فقال: اللهم، عبدك نزل بك، فارأف به وارحمه، اللهم، جاف الأرض عن جنبيه، وافتح أبواب السماء لروحه، وتقبل منه بقبول حسن، اللهم، إن كان محسناً فضاعف له الحسنات، أو قال: ـ فزد له في إحسانه ـ وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه.
رواه الإمام أحمد، والطبراني، وغيرهما.
وذهب الشافعي أيضاً إلى استحباب الدعاء عقب الدفن.
وقال أكثر المفسرين، في قوله ، في حق المنافقين: ﴿ولا تقم على قبره﴾ : معناه بالدعاء والاستغفار بعد الفراغ من دفنه، وكذلك ذكر جماعة من المفسرين: لما هم النبي ﷺ بالاستغفار لعمه أبي طالب لما مات، وهم بعض الصحابة بالاستغفار لأبويه، أنزل الله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى﴾ الآية، فلولا أن ذلك نافع للمؤمنين كما تقدم، لم يكن لذلك معنى، بل لما نهى عنه المشركين، دل على وقوعه للمؤمنين ونفعه لهم.
وقال محمد بن حبيب التمار: كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة فأخذ بيدي،
стр. 179
وقمنا ناحية، فلما فرغ الناس من دفنه جئنا إلى القبر، فجلس ووضع يده على القبر وقال: اللهم، إنك قلت في كتابك: ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ فقرأ إلى آخر السورة، اللهم، وإنا نشهد أن هذا فلان بن فلان ما كذب بك، ولقد كان يؤمن بك وبرسولك، اللهم، فاقبل شهادتنا له، ودعا له، ثم انصرف.
فصل ـ هل يصح إهداء ثواب نوافل العبادات للمسلم الحي ؟
وهذه مسألة لا تكاد تظفر بها في كتاب مشهور، لغرابتها، فذكر ابن تميم في كتابه، فذكر وصول الثواب إلى الميت، قال: وفي الحي وجهان.
وذكر لي بعض فضلاء الحنفية، أن وصول القرب إلى الحي مذهبهم، والدليل على الوصول قوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم﴾ ، «وأيضاً فإن الرسول ﷺ والمسلمون، مازال يدعو بعضهم لبعض عموماً وخصوصاً، لأحيائهم وأمواتهم، من غير نكير، ولأنه مشروع في دعاء الميت إلى يوم القيامة في قوله: اللهم اغفر لحينا وميتنا» .
قال القاضي أبو يعلى: وليس يعرف عن الإمام أحمد رواية في الفرق بين الحي والميت، بل ظاهر قوله يعمهما، وقد دل عليه الكتاب والسنة في الدعاء والاستغفار للتساوي فلا فرق.
وقال الشيخ شمس الدين بن عبد القوي في مجمع البحرين: هذا ليس له نكير، فهو إجماع، ولا شبهة لمن قال بعدم الجواز.
انتهى كلامه.
وقال ابن عقيل في المفردات: إن القراءة ونحوها لا تصل إلى الحي، فإنه يفتح مفسدة عظيمة، فإن الأغنياء يتكلمون عن الأعمال ببذل الأموال التي تسهل لمن ينوب عنهم، فيفوتهم أسباب الثواب بالاتكال على الثواب، وتخرج أعمال
стр. 180
الطاعات عن بابها إلى المعاوضات.
انتهى كلامه.
فلو قال قائل: نحن نلتزم ذلك، لوروده في الكتاب والسنة؟
ونقول: ذلك فضل الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
следующие страницы →