Полный текст (685 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فيهرونه أو خرق بدا فيرقعونه أو نظام فاسد فيصلحونه كلا: بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوا غير مخطئين، وقد وجدوا لذلك أعواناً من حلفاء الدناءة وأعداء المروءة وفاسدي الأخلاق وخبثاء الأعراق رضوا لأنفسهم قول الزور وافتراء البهتان واختلاق الإفك وقد تقدموا إلى مجلس التحقيق بتقارير محشوة من الأباطيل ليكونوا بها علينا من الشاهدين، كل ذلك لم تأخذني فيه دهشة ولم تحل قلبي وحشة بل أنا على أتم أوصافي التي تعلمها غير مبالٍ بما يصدر به الحكم أو يبرمه القضاء، عالماً بأن كل ما يسوقه القدر وما ساقه من البلاء فهو نتيجة ظلم لا شبهة للحق فيه، لأن الله تعالى يعلم كما أنت تعلم أنني بريء من كل ما رموني به، ولو أطلعت عليه لوليت منه رعباً وكنت من الضاحكين.
نعم حنقني الغم وأحمى فؤادي الهم وفارقني النوم ليلة كاملة عند ما رأيت اسمك الكريم واسم بقية الأبناء والأخوان المساكين تنسب إليهم أعمال لم تكن وأقوال لم تصدر عنهم لقصد زجهم في المسجونين.
لكن اطمأن قلبي وسمن جأشي عندما رأيت تواريخ التقارير متقادمة ومع ذلك لم يصلكم شرر الشر فرجوت أن الحكومة لم ترد أن تفتح باباً لا يذر الأحياء ولا الميتين.
قدم فلان وفلان تقريرين جعلا تبعات الحوادث الماضية على عنقي ولم يتركا شيئاً من التخريف إلا قالاه وذكرا أسماءكم في أمور أنتم جميعاً أبعد الناس عنها، لكن لا حرج عليهما فإني لأراهما من المجانين، ولم أتعجب من
стр. 107
هذين الشخصين إذ يعملان مثل هذا الذنب القبيح ويرتكبان هذا الجرم، الشنيع ولكن أخذني العجب "كل العجب غاية العجب بالغ ما شئت في عجبي"، إذ أخبرني المدافع عني بتقرير قدمه فلان الذي أرسلت إله السلام وأبلغته سروري عندما سمعت باستخدامه، وأنا في هذا السجن رهين.
إلى هذا الوقت لم يصلني التقرير ولكن سيصل إلي إنما فيما بلغني أنه شهادة بأقبح شيء لا يشهد به إلا عدو مبين: هذا اللئيم الذي كنت أظن أنه يألم لألمي ويأخذه الأسف لحالي ويبذل وسعه إن أمكنه في المدافعة عني فكم قدمت له نفعاً ورفعت له ذكراً وجعلت له منزلة في قلوب الحاكمين: كم سمعني أقاوم هجاء الجرائد وأوسع محرريها لوماً وتقريعاً وأهزأ بتلك الحركات الجنونية وكان هو علي في بعض أفكاري هذه من اللائمين: كان ينسب فلاناً لسوء القصد اتباعاً لرأي فلان وأعارضه أشد المعارضة، ثم لم أنقض له عهداً ولم أبخس له ودا وحقيقة كنت مسروراً لوجوده موظفاً فما باله أصبح من الناكثين: آه ما أطيب هذا القلب الذي يملي هذه الأحرف، ما أشد حفظه للولاء، ما أغيره على حقوق الأولياء، ما أثبته على الوفاء، ما أرقه على الضعفاء، ما أشد اهتمامه بشؤون الأصدقاء، ما أعظم أسفه لمصائب من بينهم وبينه أدنى مودة، وإن كانوا فيها غير صادقين، ما أبعد هذا القلب من الإيذاء ولو للأعداء، ما أشده رعاية للود، ما أشده محافظة على العهد ما أعظم حذره من كل ما توبخ عليه الذمم الظاهرة، ما أقواه على العمل الحق، والقول الحق، لا يطلب عليه جزاء، وكم اهتم بمصالح قوم وكانوا عنها غافلين، هذا القلب الذي يؤلمونه بأكاذيبهم هو الذي سر قلوبهم بالترقية وملأها فرحاً بالتقدم
стр. 108
ولطف خواطرهم بحسن المعاملة وشرح صدورهم بلطيف المجاملة ودافع عنهم أزماناً "خصوصاً هذا اللئيم" أفنشرح الصدور وهم يحرجون ونشفي القلوب وهم يؤلمون ونفرحها وهم يحزنون؟ تالله (قَدْ ضَلّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) [الأنعام: ١٤٠] هذا القلب ذاب معظمه من الأسف على ما يلم بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات وما ينشأ عنها من فساد الطباع الذي يجعل العموم في قلق مستديم، وما بقي من هذا القلب فهو في خوف على من يعرفهم على عهد مودته، فإن تسللوا جميعاً بمثل هذه العمال اصبحوا من مودته خالين واتخذوه وقاية لهم من المضرة وجعلوه ترساً يعرضونه لتلقى سهام النوائب التي يتوهمون تفويقها إليهم كما اتخذوه قبل ذلك سهماً يصيبون به أغراضهم فينالون منها حظوظهم فقد أراحوا تلك البقية من الفكر فيهم، والله يتولى حسابهم (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام: ٦٢] ، آه ما أظن أن تلك البقية تستريح من شاغل الفكر في شؤون الأحبة وإن جاروا في تصرفهم.
إن طبيعة هذا القلب لطبيعة ناعم الخز إذا اتصل بذي الود وإن كان خشناً فصعب أن ينفصل ولو مزقته خشونته، وإن هذا القلب في علاقة مع الأوداء كالضياء مع الحرارة أيما حادث يحدث وأيما كيماوي يدقق لا يجد للتحليل بينهما سبيلاً، وأظنك في العلم بثبوت تلك الطبيعة فيه كنت من المتحققين.
" وكتب حافظ بك ابراهيم إلى الأستاذ الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده "
كتابي إلى سيدي وأنا من وعده بين الجنة والسلسبيل ومن
стр. 109
تيهي به فوق النثرة والإكليل وقد تعجلت السرور وتسلقت الحبور وقطعت ما بيني وبين النوائب.
وبشّرتُ أهلي بالذي قد سمعتهُ ... فما منحتي إلاّ ليالٍ قلائل
وقلت لهم للشيخ فينا مشيئةٌ ... فليس لنا من دهرنا ما ننازلُ
وجمعت فيه بين ثقة الزبيدي بالصمصامة والحارث بالنعامة فلم أقل ما قال الهذلي لصاحبه حين نسي وعده وحجب رفده.
"يا دار عاتكة التي أتغزل" بل أناديه نداء الأخيذة في عمورية شجاع الدولة العباسية وأمد صوتي بذكر إحسانه مد المؤذن صوته في آذانه واعتمد عليه في البعد والقرب اعتماد الملاح على نجمة القطب.
وقال أصيحابي وقد هالني النَّوى ... وهالهمُ أمري متى أنتَ قافل
فقلت إذا شاء الإمامُ فأوبتي ... قريبٌ وربعي بالسَّعادة آهلُ
стр. 110
وهأنا متماسك حتى تنحسر هذه الغمرة وينطوي أجل تلك الفترة وينظر لي سيدي نظرة ترفعني من (ذَاتِ الصّدْعِ) [الطارق: ١٢] إلى (ذَاتِ الرّجْعِ) [الطارق: ١١] وتردني إلى وكري الذي فيه درجت رد الشمس قطرة المزن إلى أصلها ورد الوفي الأمانات إلى أهلها.
فإن شاءَ فالقربُ الذي قد رجوته ... وإن شاءَ فالعزُّ الذي أنا آملُ
وإلاَّ فإني قافُ رؤبةَ لم أزل=بقيد النَّوى حتى تغولَ الغوائلُ
فلقد حللت السودان حلول الكليم في التابوت والمغاضب في جوف الحوت بين الضيق والشدة والوحشة والوحدة: لا، بل حلول الوزير في تنور العذاب والكافر في موقف الحساب بين نارين نار القيظ ونار الغيظ.
فناديت باسم الشيخ والقيظ جمرهُ ... يذيب دماغ الضّب والعقل ذاهل
فصرت كأني بينَ روضٍ ومنهلٍ ... تدبُّ الصّبا فيه وتشدو البلابل
واليوم أكتب إليه وقد قعدت همة النجمين وقصرت يد الجديدين. عن إزالة ما في نفس ذلك الجبار العنيد فلقد نما ضب ضغنه علي وبدرت بوادر السوء منه إلي فأصبحت كما سر العدو وساء الحميم وآلامي كأنها جلود أهل الجحيم كلما نضج منها أديم تجدد أديم وأمسيت وملك آمالي إلى الزوال أسرع من أثر الشهاب في السماء ودولة صبري إلى الاضمحلال
стр. 111
أحث من حباب الماء فنظرت في وجوه تلك العباد وإني لفارس العين والفؤاد فلم تقف فراستي على غير بابك.
وإني أهديك سلاماً لو امتزج بالسحاب واختلط منه باللعاب لأصبحت تتهادى بقطرة الأكاسرة وأمست تدخر منه الرهبان في الأديرة ولأغنى ذات الحجاب عن الغالية والملاب ولابدع إذا جاد السيد بالرد فقد يرى وجه المليك في المرآة وخيال القمر في الإضاءة وإن حال حائل دون أمنية هذا السائل فهو لا يذم يومك ولا ييأس من غدك فأنت خير ما تكون حين لا تظن نفس بنفس خيراً: والسلام.
الفصل السابع في رسائل العيادة
" كتب ابن الرمي المتوفي سنة ٢٨٤هـ? إلى بعضهم "
لأذن الله في شفائك وتلقى داءك بدوائك ومسح بيد العافية عليك ووجه وفد السلامة إليك وجعل علتك ماحية لذنوبك مضاعفة لثوابك.
" وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفي سنة ٣٨٣ه ـ?"
وصل كتابك يا سيدي فسرني نظري إليه ثم غمني اطلاعي عليه لما تضمنه من ذكر علتك جعل الله أولها كفارة وآخرها عافية ولا أعدمك على الأولى أجراً وعلى الأخرى شكراً: وبودي لو قرب علي متناول عيادتك فاحتملت عنك بالتعهد والمساعدة بعض أعباء علتك فلقد خصني من هذه العلة قسم كقسمك ومرض قلبي فيك لمرض جسمك.. وأظن أني لو لقيتك عليلاً لانصرفت عنك وأنا أعل منك فإني بحمد الله تعالى جلد على أوجاع أعضائي غير جلد على أوجاع أصدقائي شفاك الله وعافاك.
стр. 112
الفصل الثامن في رسائل التهاني
" كتب في التهنئة بالأولاد أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة ٤٢٩ه ـ?"
أهلاً وسهلاً بعقلية النساء وأم الأبناء وجالبة الأصهار والأولاد الأطهار.
ولو كانَ النّساء كمثل هذي ... لفضّلتِ النّساءُ على الرّجالِ
فما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التّذكيرُ فخرٌ للهلالِ
والله يعرفك البركة في مطلعها والسعادة بموقعها فالدنيا مؤنثة والناس يهدمونها والذكور يعبدونها والأرض مؤنثة ومنها خلقت البرية وفيها كثرت الذرية والسماء مؤنثة وقد زينت بالكواكب وحليت بالنجوم الثواقب والنفس مؤنثة وهي قوام الأبدان وملاك الحيوان والحياة مؤنثة ولولاها لم تتصرف الأجسام ولا تحرك الأنام والجنة مؤنثة وبها وعد المقتون وفيها تنعم المرسلون فهنيئاً هنيئاً ما أوليت وأوزعك الله شكر ما أعطيت وأطال بقاءك ما عرف النسل وما بقي الأبد.
" وكتب بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة ٣٩٨هـ? إلى الدواردي يهنيه بمولود "
حقاً لقد أنجز الإقبال وعده ووافق الطالع سعده وإن الشأن لفيما بعده وحبذا الأصل وفرعه وبورك الغيث وصوبه وأينع الروض ونوره وحبذا سماء أطلعت فرقداً وغابة أبرزت أسداً وظهر وافق سنداً وذكر يبقى أبداً ومجد يسمى ولداً وشرف لحمة وسدى.
أنجب كلٌّ منْ والديه به ... إذْ نجلاه فنعمَ ما نجلا
فألفياه شهاب ذكاء وبدر علاء.
стр. 113
ووجداهُ ابنْ جلا ... أبيضَ يدَّعى الجفلى
لمثلهِ أولى فلا ... إذا النَّديُّ احتفلا
" وكتب في التهنئة بالقدوم أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة ٤٢٩ه ـ?"
أهنيء سيدي ونفسي تطيب بما يسر الله من قدومه سالماً وأشكر الله على ذلك شكراً دائماً جعل الله قدومك بالخيرة التامة العامة والكفاية الشاملة الكاملة.
غيبة المكارم مقرونة بغيبتك وأوبة النعم موصولة بأوبتك: فوصل الله قدومك من الكرامة بأضعاف ما قرن به مسيرك من السلامة وهناك بإيابك وبلغك غاية محابك مازلت بالنية معك مسافراً وباتصال الذكر والفكر ملاقياً إلى أن جمع شمل سروري بأوبتك وسكن نافر قلبي بعودتك.
" وكتب أيضاً في التهنئة برمضان "
ساق الله إليك سعادة إهلاله وعرفك بركة كماله لقاك الله فيه ما ترجوه ورقاك إلى ما تحب في ما تتلوه جعل الله ما يطول من هذا الصوم مقروناً بأفضل القبول مؤذناً بدرك البغية ونجح المأمول ولا أخلاك من بر مرفوع ودعاء مسموع قابل الله بالقبول صاميك وبعظيم المثوبة تهجدك وقيامك أعاد الله إلى مولاي أمثاله وتقبل فيه أعماله وأصلح في الدين والدنيا أحواله وبلغه منها آماله سعد الله مولاي بهذا الشهر ووفاه فيه أجزل المثوبة والأجر.
" وكتب أبو الفرج الببغاء المتوفي سنة ٣٩٨هـ? تهنئة "
سيدي: أيده الله، أرفع قدراً. وأنبه ذكراً وأعظم نبلاً وأشهر
стр. 114
فضلاً من أن نهنئه بولاية وإن جل خطرها وعظم قدرها. لأن الواجب تهنئه الأعمال بفائض عدله والرعية بمحمود فعله والأقاليم بآثار رياسته والولايات بسمات سياسته فعرفه الله بمن ما تولاه ورعاه في سائر ما استرعاه ولا أخلاه من التوفيق فيما يعانيه والتسديد فيما يبرمه ويمضيه.
" وكتب رشيد الدين الوطواط المتوفي سنة ٥٧٣هـ? تهنئة بالقدوم من سفر "
بلغني إياب سيدي زانه الله بصنوف المعالي وصانه من صروف الليالي من سفرته الميمونة التي أسفرت عن نيل المراد وتسهيل البغية إلى دار أقامته ومستقر كرامته لم يؤثر فيه نصب السير وعناؤه وكلال السفر وعثاؤه فبلغ سروري بذلك مبلغاً يضاهي ما كنت بصدده من الجزع لغيبته فحمدت الله تعالى على ما يسر له من الرجوع إلى مغانيه والطلوع على بلدة جر فيها ذيول أمانيه فسألته عظمت هيبته أن يجعل ما أنعم به عليه من قرب الدار ودنو المزار موصولاً بطول العمر والبقاء مقروناً بدوام العز والعلاء أنه سميع الدعاء.
" كتب المرحوم الشيخ حمزة فتح الله المتوفي سنة ١٣٣٥ه ـ?"
أي جهابذة الكنانة نبال الجنابة مياه الأجانة أبناء تلك اللغى صناديد هذه الوغى إليكم يساق الحديث في القديم والحديث عن هذا النبأ العظيم والمجد الصميم مالي أرى في لغتنا الشريفة "ويعلم أولو النهي آية هي من اللغات أحق بهذا النبر أن يصرف إليها عند الإطلاق" هبوباً غب خمول وترة بعد تحول ونوراً عقيب أفول ونوراً إثر ذبول وصبا وراء قبول وعدلاً ولا حيف وقوة ولا ضعف وما يشاء المطري في هذا القبيل من العطف.
آمنت بالقدر المقدور والبعث والنشور كذلك يحيي الله الموتى.
أليس رجل واحد أسفرت عنه عناية التوفيق فألقت إليه المقاليد بلى ولكنه الواحد الذي يقول في مثله صاحب بني ميكال:
والناس ألفٌ منهمُ كواحدٍ ... وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عنا
إي ورب تلك البنية باريء نسم البرية إنه لرجل البلاد رجل الحزم والسداد ألم تر جنابه وحنانه وبنانه وبيانه عوامل رفع لهذه اللغة لغة الفرقان لغة الأوطان لا بل أمضى من العوامل حتى
стр. 115
ظلت آدابها فرائض وقد كانت وما بالعهد من قدم نوافل ومن حليها أجياد اللهجات عواطل اللهم إلا بقية ثمد قد منيت صحفها الأود ففقدت الجلد والجلد وبعد أن راج سوق الرطانة ونضب ماء الإبانة وخبت أنوار البلاغة وزوت أنوار النباعة وكسد البيان وقوض منه البنيان وأصبحت العربية لقى ملقاه وبضاعة مزجاه فأي هذا اليراع لا أقل من نفثات في صوغ كليمات تقدر هذه النعمة قدرها ويمنحها شكرها.
ويحك هب من سنتك في حلية مقتك وانض حسامك واشحذ كهامك وانشل كنانتك وأعمل بنانتك وصغ إن استطعت تهانئ غرا بل عقوداً درا بل أنجماً زهراً مشتاراً منن خلايا ذلك الأري الشهي الندي الذكي ما جرست نحلة الشيح والخزامى وأطايب الثمار وأزاهي الأزهار تهديهن أولئك المصاقع شكراناً لتلك النعم تجميعاًُ لشواردها وتقييداً لأوابدها
стр. 116
كما شبهها رسول الله (وهو الصادق المصدوق وإشفاقاً عليها من الجماح بعد ذلك الارتياح.
فإليكم بني هذه اللغة كتابي هذا تهنئة بتلك النهضة العربية في إبان كما تعلمون وجهه مكفهر وبدنه مقشعر وثناء على العناية التوفيقية والعزمة الرباضية.
على أن لهذا المولى الوزير سوى ذلك أيادي مبرورة ومساعي مشكورة أكسبت الوطن وأهلية نهضات وأقالته كثيراً من العثرات لكنني آثرت تلكم النهضة العربية بتهنئتكم بها، أي بني جلدتي وإخوان حرفتي لكونها فيما إخال لا بل فيما أتيقن ويتيقن أولو الحجا أعظم النهضات وأيمن ما اجتازه الوطن من العقبات ولو كان في نطاق الإمكان زيادة البيان في هذا الشأن لأسهبت وأوسعت وأطريت وأظنبت ولو لم يكن في تلك النهضة إلا أن حياة الأمة حياة لغتها فحسب لكفاك وشفاك وأغناك وكان ذلك قصاراك وحماداك.
" وكتب الأستاذ محمود بك أو النصر "
إنسان عين الفضائل عزيزي فلان المحترم.
نور على نور وشفاء لما في الصدور شفاؤك أيها العزيز من ذلك الرمد: قد أنجز الإقبال ما وعد وابتهجت النفوس الطروس واهتزت الأقلام وأعلنت بالسلام.
ولاح فجرُ التّهاني بالبشائر إذ ... حيّتْ فأحيتْ ربوعَ الفضل والأدب
وكيف لا وأنت واحد الكتاب وإنسان عين الآداب رمدت فرمدت
стр. 117
وشفيت فاهتزت وربت وقد كان طرفها كليلً وفؤادها عليلاً واليوم زال العناء وحق الهناء ووافى الشفاء فكان برداً وسلاماً على القلوب وقميص يوسف في أجفان يعقوب.
فلك الهناء بصحّةٍ ميمونةٍ ... أبداً على مرّ الدُّهور وتدوم
وإن الله ما قضى بما قد مضى إلا ليعرف سيدي مكانته من القلوب ومنزلته من الفضل وهذه حلل العافية قد خلعت عليك وثياب السلامة سيقت إليك فوافى السرور وعم الحبور والله يبلغك بالصحة والأعمال منتهى الآمال والسلام.
" وكتب الوزير عبد الله باشا فكري المتوفي سنة ١٣٠٧هـ? في تهنئة العيد "
هذا يوم نشر البشر فيه أعلامه وأضاءت الدنيا وازدانت الآفاق ببهجة هذا العيد السعيد وأخذ الأحبة يتهادون رسائل البشائر فيما بينهم وكل حزب فرحون بما لديهم بما أودع فيهم من روابط المحبة وعوامل الاتحاد السارية في النفوس: أما أنا فعيدي وبهجة نفسي وسرور فؤادي دوام إقبال الزمان عليك بوجه النصر وعود أعياد السرور على جبانك الرفيع فمثلك تشرق الدنيا بطلعته وتفرح الأعياد برؤيته.
وأرى الحياةَ لذيذةً بحياته ... وأرى الوجودَ مشرفاً بوجودهِ
لو أنني خيرتُ من دهري المنى ... لاخترتُ طولَ بقائه وخلودهِ
أعاد الله عليك أيها الأخ أمثاله وأمثال أمثاله في صفاء وهناء.
الفصل التاسع في رسائل التعازي
" كتب أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة ٤٢٩ه ـ?"
خبر عز علي مستمعه وأثر في قلبي موقعه خبر تستاء له المساميع وترتج منه الأضالع خبر يهد الرواسي ويفلق الحجر القاسي كادت له القلوب تطير والعقول تطيش والنفوس تطيح خبر يشيب ويذيب الحديد قد كاد
стр. 118
من الحزن أن تنقبض الألسن عن هذا النعي الفادح وتخرس وتقصر الأيدي عن التعزية بهذا الرزء الفادح وتيبس.
" وكتب أيضاً في الأمر بالصبر على المصيبة "
ماذا نصنع والبلاء نازل والموت حكم شامل وإن لم نعتصم بحبل الصبر فقد اعترضنا على مالك الأمر عليك بعزيمة الصبر وصريمة الجلد فإنها في الدين حتم وفي الرأي حزم واعلم بأن الميت لا ترده نار تلهبها من الهم على كبدك ولا يرجعه انزعاج تسلطه بالحزن على جسدك فخير لك من ذلك أن تفعل ما يفعله الذاكرون وتقول: (إِنّا للهِ وَإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ) [البقرة: ١٥٦] .
" وكتب أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة ٣٩٨ه ـ?"
إذا ما الدّهر جرّ على أناسٍ ... مصائبهُ أناخَ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
أحسن ما في الدهر عمومه بالنوائب وخصوصه بالرغائب فهو يدعو الجفلى ذا ساء ويخص بالنعمة إذا شاء فليفكر الشامت: فإن كان أفلت فله أن يشمت: ولينظر الإنسان في الدهر وصروفه والموت وصنوفه من فاتحة أمره إلى خاتمة عمره هل يجد لنفسه أثراً في نفسه أم لتدبيره عوناً على تصويره أم لعمله تقديماً لأمله أم لحيله تأخيراً لأجله كلا بل هو العبد لم يكن شيئاً مذكوراً خلق مقهوراً فهو يحيا جبراً ويهلك صبراً وليتأمل المرء كيف كان قبلاً فإن كان العدم أصلاً والوجود فضلاً فليعلم الموت عدلاً ...
والموت أطال الله بقاء مولاي خطب فقد عظم حتى هان وأمر قد خشن حتى لان ولعل هذا السهم قد صار آخر ما في كنانتها وأزكى ما في خزانتها ونحن معاشر التبغ نتعلم الأدب من أقواله والجميل من أفعاله فلا نحثه على الجميل وهو الصبر ولا نرغبه في الجزيل وهو الأجر فبهما رأيه.
"وكتب أيضاً"
يا سيدي: المصاب لعمر الله كبير وأنت بالجزع جدير ولكنك بالصبر أجدر والعزاء عن الأعزة رشد كأنه ألغي وقد مات الميت فليحي الحي.
стр. 119
" وكتب فقيد اللغة الشيخ ابراهيم اليازجي المتوفي سنة ١٩٠٦م "
أشباح تروح وتجي وآجال تمسي وتغتدي وأنفاس تتقطع من دونها حزناً وأسفاً وعبرات تتفطر وجداً ولهفاً وما عمدت الأقدار إلى استنزاف مدمع ولا أرادت الأيام إيلام موجع إنما هي سنة الخلق كون يليه زوال وعقد يسبقه انحلال وأن لكل شيء أجلاً موقوتاً وإن لكل أجل سبباً مقدوراً وأن الإنسان لفي كل ذلك شاهد يسمع لاهياً ويبصر ساهياً وليس في يده أن يسترد ماضياً ولا أن يرد آتياً ولقد وددت أن أعزيك لولا ما يغالبني على العزاء من كبد حرى ومقلة شكرى وزفرة تترى ثم وددت أن أستبكيك لولا أنيب بكيت حتى لم أدع في البكاء من واد وأحييت ليالي بالنوح حتى ما بالنجم سهاد ثم لم يزدني البكاء على سقم جسدي ولم يزدني النوح على صفر يدي إلا من كبدي وإن الأقدار سهام إذا انطلقت لم ترد وإن المتطلع إلى الفائت لطويل شقة الكمد وإن الخطوب لهي هي إنما تتفاوت عند الجلد.
وإن الحصى عند الجزوع ثقيلةٌ ... وضخم الصّفا عند الصّبور خفيف
والله المسؤول في إطالة بقائك قرة للعيون وجبراً لخاطر المحزون بمنه وكرمه.
стр. 120
الفصل العاشر في رسائل الأجوبة
" كتب الوزير عبد الله باشا فكري المتوفي سنة ١٣٠٧ه ـ?"
سيدي سلمك الله وحياك وأسعدك برؤية محياك وزاد عزك وعلياك وحرس دينك ودنياك وجمعني على بساط المسرة وإياك ولا حرمني دوام لقياك ولا برح الدهر مبتسم الثغر بمحاسن معاليك مباهياً أعصار الأوائل بأيامك ولياليك محلياً أجياد المفاخر بزواهر لآليك: ورد علي كتابك الكريم مورد إعزاز وتكريم فبل بعض ما في الجوانح من الصدى وأنعشني ولا انتعاش الزهر بمباكرة الندى وجلا علي من البلاغة روضاً غضاً وأدار لدي صفواً من سلاف المحبة محضاً وهزني هزة النشوان شوقاً وطرباً واستفزني بمعجز آياته الحسان عجباً وعجباً ونثر علي من محاسن لفظك الحر وكلماتك الغر ما يخجل الدراري ويفضح الدر.
стр. 121
كلامٌ كستهُ بهجةُ الحسن رونقاً ... هو السحر لا بل جلَّ قدراً عن السّحر
" وكتب أيضاً وهو بالآستانة العلية في يوم برد كثير الأمطار "
كتبت إليك والأمطار ساجمة بطلها ووبلها وعساكر البرد والبرد هاجمة بخيلها ورجلها والسماء متلفعة بأذيال السحاب وكأن الشمس خافت من الطل فتوارت الحجاب والجو مسكي الرداء عنبري الأرجاء كأنه وعليه ثوب الغيم مزرور قد وجل من صوله البرد فلبس فروة السمور والغمام على الأفق بكلاكله وهز من البرق بيض مناصله ونشر في الجو طرائق مطارفه وجاد على الأرض بتليده وطارفه وثقل على كاهل الهواء كالطير بل جناحه بالماء وقرب حتى كاد يمسك باليدين ويعتصر بالراحتين أو كأنه مرآة مذهبة تبدو وتخفى أو جذوة متلهبة توقد وتطفئ والرعد يهدد بزواجر زماجره السحائب فيبكيها والطير يتلو سطور الندى في طروس الثرى فيمليها ويطرب بأفنان الألحان أفنان البان فيعليها ويثنيها ويقرأ على رؤوس الأغصان أوراده الحسان فيقربها ويرقيها وقوس السماء يرمي بسهام وبله جنوب الشقائق فيصميها ويدميها والريح أخلاف الغمائم فتمر بها وترضع بدرها بنات النبات في حجور أراضيها فتربيها وتربيها وترصع بدرها تيجان القضبان وتارة تجعله عقوداً في تراقيها أو دموعاً في أماكقيها وكأن الحر خاف من بنادق البرد
стр. 122
ومدافع الرعد ففر إلى مصر ونواحيها وأصبح نزيل من فيها لكرم أهليها وكأن غيرها بخلت عليه فلم تقبله عندها ضيفاً أو غلط الناس في حساب الفصول فظنوا شتاها صيفاً.
" وكتب المرحوم حفني بك ناصف إلى الشيخ علي الليثي المتوفي سنة ١٣١٣ه ـ?"
وصل يا مولاي إلى هذا الطرف ما خصصت به العبد من الطرف "قفص" من عنب كاللؤلؤ في الصدف تتألق عناقيده كأنها من صناعة "النجف" ولعمر الحق أنها تحفة من أحلى التحف لا يعثر على مثلها إلا بطريق "الصدف" فقابلناه لثماً بالأفواه ورشفاً بالشفاه واحتفينا بقدومه كل الاحتفاء ولم نفرط في حبه عند اللقاء بل حللنا له الحبي وقلنا له أهلاً وسهلاً ومرحباً وأوسعناه عضاً ولثماً وتناولناه تجميشاً وضماً وحفظنا في صدورنا سره المكنون وطويناه في غضون البطون فطربت من تعاطيه الأرواح ولا غرو فهو أصل الراح وانتشينا ولم نحمل وزراً وثملنا ولم نذق طعماً مراً فهو كبيان مهدية سحر ولكنه حلال ولعب إلا أنه كمال فإن أكسبت الشمول شاربها قوة في الجنان ونفحت ذائقها طلاقة في اللسان فقد سرت في أجسامنا من حرارته شجاعة "ليثيه" ودبت في كلامنا من مذاقته فصاحة "علوية" وخلصت إلينا منه فوائد لا يحيط بها العلم ونجمت عنه منافع ليس يصحبها إثم، فإن زعم الأولون أن في الخمر معنى ليس في العنب فقد تغير الحال في هذه الهدية وانقلب وانكشف للمتأخرين حقيقة الأمر أن في العنب معنى ليس في الخمر.
وكان الأحرى بهذا العنب أن يناط بالنحور أو تزين به الصدور فما هو إلا اللؤلؤ لكنه سلم من سجن البحار وما هو إلا الدر لكن ليس فيه صغار.
стр. 123
ومنْ كنتَ بحراً له يا علي ... لا يلقطُ الدُّرّ إلاّ كباراً وما ضره أن ضمه القفص حصة من الحصص فإن كريم الطير يودع في الأقفاص والقلب ليس له من حنايا الضلوع خلاص فلا بدع أن تستقل في حباته حبات القلوب ويستملح في جنب حلاوته رضاب المحبوب وكأن الثريا لما أخذت شكله فغر الهلال فاه لعنقودها يريد أكله فهو يطاردها في السماء ويأخذ عليها الطريق من الوراء وهي تجري من الأمام مخافة الالتهام هذا لمجرد تشابه في الشكل فكيف بالثريا لو أشبهته حلاوة ورياً فلله تلك العناقيد ما اشد تألقها وأصفى ماءها وأحسن رونقها من كل عنقود تخاله عمود الصبح أحاطت به الدراري أو غصن البان تعلقت به القماري.
فسقى الغيث أرضاً أنبتته ولاثل الدهر عروشاً حملته وأرضاً عرفتنا بأثمارها حلاوة الجنة وأبرزت لنا لمحة من محاسنها المستكنة وأنساناً عنبها ذكرى دمشق وأزمير وأنباناً غارسها مصر خير مستقر (وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: ١٤] وعروساً كالعروس تتيه في الحلي والملبوس تحسدها المجرة في السماء وتود لو تكون لها هذه البهجة والرواء لازال مولاي يهدي ويهدي وصنائعه تعيد في ثنائه وتبدي
" وأجابه المرحوم الشيخ علي الليثي المتوفي سنة ١٣١٣ه ـ?"
وبعد فقد وصل كتاب القاضي الفاضل وأرج الأرجاء بلطيف فواضله وشريف الفضائل وما كنت أظن أن يحصل من زبيبه خماره حتى رأيت الفاضل سبكه في قوالب شتى وصاغه وأتى بما أدهش اللب من أساليب البلاغة فتارة عقداً على النحور وتارة في ميادين الطلب تطارده البدور
стр. 124
وآونة دراً مكبراً ومرة خمراً عنبراً وساعة دوالي "نجفة" وساعة غصناً تعلق به الهزار وألفه.
تكاثرتِ الظّباءُ على خراشِ ... فما يدري خراشٌ ما يصيدُ
عجباً لك أيها الفاضل: هذا مع اشتغال بالك وإقبالك على ما لديك من مراعاة عدلك واعتدالك فكيف لو تفرغت لهذا الأمر ولإراحة النفس اعتصرت من العنقود قدحاً من خمر وامتطيت طرف اليراع منهجاً مناهج الطرس ودبجت بياض صفحاته بمحاسن حلى النفس فلله أنت من بليغ بلغ ما يريد وقلد فرائد آدابه كل جيد وأفاد السحر منثوراً في فواصله وأقام بعوامل أقلامه تثقيف عوامله وأوجب علينا الشهادة له بالسبق فأذعنا مسلمين والحق أحق: هذا ولولا أن يقاتل فلان جفا وما احتفل بكتاب أخيه ولا احتفى وإن كان شيبي يلزمني ذلك كما أن شباب (البيك) يسلك به أقوم المسالك لترلات عيي وما أشرت ورأيت طي خيراً لي مما نشرت وجعلت كتاب سيدي في عنقي تميمة ورؤحت النفس تيمناً بمس آياته الكريمة وقلت كفاني ما أحاط بالعنق من قلائده حيث العبد لا يبلغ في الفخامة كمال سيده.
وهبني قلتُ هذا الصُّبحُ ليلٌ ... أيعمي العالمون عن الضّياء
لازالت برد الترسل بيننا مستمرة ومدد التوصل على جناح التقرب مستقرة ولا برح الجناب في كل بداية يترقى كما يحب من غاية إلى غاية والسلام.
الفصل الحادي عشر في رسائل الوصايا والشفاعات
" من كلام له ﵊ لعمر بن الخطاب في غزوة الفرس "
إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة وهو دين الله
стр. 125
الذي أظهره وجنده الذي أعده وأمده حتى بلغ وطلع حيثما طلع ونحن على موعود من الله والله منجز وعده وناصر جنده: ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً.
والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك.
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا اصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكبلهم عليك وطعمهم فيك فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره: وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة.
ومن وصية له ﵊ قالها بصفين
أما بعد فقد جعل الله عليكم حقاً بولاية أمركم ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف لا يجلاي لأحد إلا جرى عليه ولا يجري عليه الأجرى له ولو كان لأحد أن يجر ي له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً اقترضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافأ في وجوهها ويجب بعضها بعضاً ولا
стр. 126
يستوجب بعضها إلا ببعض وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها سبحانه لكل على كل فجعلها نظاماً لألفتهم وعزاً لدينهم فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدجى الوالي إليها حقها عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العجل وجرت على أذلالها السنن فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الأعداء وإذا غلبت الرعية وإليها وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور وكثر الإدغال في الدين وتركت محاج السنن فعمل بالهوى وعطلت الأحكام وكثر علل النفوس فلا يستوحش لعظيم حق عطل ولا لعظيم باطل فهل فهنالك تذل الأبرار وتعز الأشرار وتعظم تبعات الله عند العباد فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه فليس أحد وإن اشتد على رضاء الله حرصه وطال في العمل اجتهاده لبالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة: ولكن من واجب حقوق الله على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته يفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه ولا امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه.
فأجابه ﵇ رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته فقال ﵇ إن من حق من عظم جلال الله في نفسه وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله ولطف إحسانه إليه فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظماً وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم
стр. 127
حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء ولست بحمد الله كذلك ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطاً لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء: وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله وإليكم من التقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لابد من إمضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي يفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلني إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى.
ومن وصية له ﵇ وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو
فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبيل الأشراف وسفاح الجبال أو أثناء الأنهيار فيما يكون لكم رداء ودونكم مرداً ولتكن مقالتكم من وجه واحد أو اثنين واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن: واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم وإياكم والتفرق فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة ولا تذوقوا النوم إلا غراراً أو مضمضة.
стр. 128
" ومن وصية له ﵇ كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات "
انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له ولا تروعن مسلماً ولا تجتازن عليه كارهاً ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم فهل الله في أموالكم من حق فتأدوه إلى وليه فإن قال قائل لا فلا تراجعه: وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخفيه وتوعده أو تعسفه أو ترهقه فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثرها له فإذا أتيتها فلا تدخل عليها متسلط عليه ولا عنيف به ولا نتفرن بهيمة ولا تفرعنها ولا تسؤن صاحبها فيها واصدع المال صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره فلا تزال بذلك حتى يبقى ما فيه لحق الله في ماله فاقبض حق الله منه فإن استقالك فأقله ثم اخلطهما ثم اصنع مثل الذي صنعت أولاً حتى تأخذ حق الله في ماله ولا تأخذن عوداً ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار ولا تأمنن عليها إلا من تثق بدينه رافقاً بمال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم ولا توكل بها غلا ناصحاً شفيقاً وأميناً حفيظاً غير معنف ولا مجحف ولا مغلب ولا متعب ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك نصبره حيث أمر الله فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصليها ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بولدها ولا يجدنها ركوباً وليعدل بين صواحبتها في ذلك وبينها: وليرفه على اللاغب وليستأن بالنقب والظالع وليوردها ما تمر به من الغدر ولا
стр. 129
يعدل بها عن نبت الأرض إلى جواد الطرق وليروحها في الساعات وليمهلها عند النطاف والأعشاب حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات غير متعبات ولا مجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه (فإن ذلك أعظم لأجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله.
وقال ﵇ وقد سمع رجلاً يذم الدنيا: أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها المخدوع بأبلطيلها ثم تذمها أتغتر بالدنيا ثم تذمها أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك متى استهوتك أم متى غرتك أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى كم عللت بكفيك وكم مرضت بيديك تبعي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء لم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تسعف بطلبتك ولم تدفع عنه بقوتك وقد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك: إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فيهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها مسجد أحباء الله ومتجر أولياء اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها وقد آذنت بينها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها فمثلت للهم ببلائها البلاء وشوقتهم بسرورها إلى السرور راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيراً فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة ذكرتهم الدنيا فتذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا.
" عهد الإمام علي المتوفي سنة ٤٠١ هـ? لمالك بن الحارث الأشتر النخعي "
" حين ولاه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها وإصلاح أهلها وعمارة بلادها "
اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثلى ما كنت تنظر فيه من أمور
стр. 130
الولاة قبلك، ويقولون فيك كما كنت تقول فيهم وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسنة عباده فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت: واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدى لك بنقمته ولا غنى بك عن عفوه ورحمته ولا تندمن على عفو ولا تبجحن بعقوبة ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة ولا تقولن إني مؤثر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الغير وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك فإن ذلك يطامن إليك من طماحك ويكف عنك من غربك ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك وإياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته فإن الله يذل كل جبار ويهين كل محتال أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة اهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إن لم تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان الله حرباً حتى ينزع ويتوب وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم فإن الله سميع دعوة المظلومين وهو للظالمين بالمرصاد. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضاء الرعية
стр. 131
فإن سخط العامة يجحف برضاء الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضاء العامة وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل معونة في البلاء وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقل شكراً عند الإعطاء وأبطأ عذراً عند المنع وأخف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة: وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صفوك لهم وميلك معهم: وليكن ابعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب سترة من رعيتك: أطلق عن الناس عقدة كل حقد واقطع عنك سبب كل وتر وتغاب عن كل ما لايصح لك ولا تعجلن إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين: ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك من الفقر ولا جباناً يضعفك عن الأمور ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله: إن شر وزارائك من كان قبلك للأشرار وزيراً ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة وأنت واحد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممن لا يعاون ظالماً على ظلمه ولا آثماً على إثمه أولئك أخف عليك مؤونة وأحسن لك معونة وأحنى عليك عطفاً وأقل لغيرك إلفاً فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك: ثم ليكن عندك أقولهم لك بمر الحق وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه واقعاً ذلك من هواك حيث وقع: وألصق بأهل الورع والصدق ثم رضهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله فإن كثرة الإطراء
стр. 132
تحدث الزهو وتدني من العزة: ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه: واعلم أنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه للمؤونات عليهم وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم فليكن منك في ذلك أمر يجمع لك حسن الظن برعيتك فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً: وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده ولا تنقض سنة صالحة
عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية ولا تحدثن سنة تضر بشيء مما مضي من تلك السنن فيكون الأجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها: وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك: واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض فمنها جنود الله ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ومنها عمال الأنصاف والرفق ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ومنها التجار وأهل الصناعات ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكلا قد سمى الله سهمه ووضع على حده فريضة في كتابه أو سنة نبيه (عهداً منه عندنا محفوظاً فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الأمن وليس تقوم الرعية إلا بهم ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله تعالى لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المقاعد ويجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها ولا قوام لهم جميعاً إلا
стр. 133
بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغ رفق غيرهم: ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم وفي الله لكل سعة: ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزومه الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك وأطهرهم جيباً وأفضلهم حلماً ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء وينبو على كالأقوياء ممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف ثم الصق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة فإنهم جماع من الكلام وشعب من العرف: ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من والدهما ولا يتفاقمن من نفسك شيء قويتهم به ولا تحفرن لطفاً تتعاهدهم به وإن قل فإنه داعية إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعاً به وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه: وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من ورائهم من خلوق أهلهم حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك: وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية وأنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم ولا تصح نصيحتههم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم، فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديل ما أبلى ذوو البلاء منهم فإن كثرة الذكر لحسن فعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله تعالى: ثم أعرف لكل امرئ منهم ما أبلى ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره ولا تقصرن به دون
стр. 134
غاية بلائه ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً ولا ضعة امرئ أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً: واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللهِ وَالرّسُولِ) [النساء: ٥٩] فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة: ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر عن الفيء إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه أوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشف الأمور وصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستمليه إغراء وأولئك قليل: ثم أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيح غلته وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك مالاً يطمع فيه
غيره من خاصتك لتأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك نظراً بليغاً فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يعمل فيها بالهوى وتطلب به الدنيا ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولاهم محاباة وأثره فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام فإنهم أكرم أخلاقاً واصح أعراضاً وأقل في المطامع إشرافاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً: ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو خانوا أمانتك: ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية وتحفظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في
стр. 135
بدنه وأخذته بما أصاب من عمله ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله: وليكن نظرك عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً فإن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحاطة أرض اعتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم: ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلدك وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك بى استفاضة العدل فيهم معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم فربما حدث من الأمور ما إذا عول فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به فإن العمران يحتمل ما حملته وإنما يأتي خراب الأرض من أعواز أهلها وإنما يعوز أهلها لإشراف أو نفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر ثم انظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم وأخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك وإصدار جواباتها على الصواب عنك فيما يأخذ لك ويعطى منك ولا يضعف عقداً اعتقده لك ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل: ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك فإن الرجال يتعرفون لفراسات الولاة
стр. 136
بتصنعهم وحسن خدمتهم وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لأحسنهم في العامة أثراً وأعرفهم بالأمانة وجهاً فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره واجعل لرأس كل من أمورك رأساً منهم لا يقهره كبيرها ولا يتستت عليه صغيرها ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجربها من المباعد والمطارح في برك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها فإنهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته: وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار فإن رسول الله (منع منه وليكن البيع سمحاً بموازين عدل واسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقب في غير إسراف: ثم الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسماً من بيت مالك وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكل قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم بطر فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير
المهم فلا تشخص همك عنهم خدك لهم وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحتقره الرجال ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم ثم أعمل فيهم بالأعذار
стр. 137
إلى الله سبحانه يوم تلقاه فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه إليه وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم: واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع فإني سمعت رسول الله (يقول في غير موطن: "لقد تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع" ثم احتمل الخرق منهم والعي وسنح عنهم الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته وبوجب لك ثواب طاعته وأعط هنيئاً وامنع في إجمال وإعذار: ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كتابك ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك مما تحرج به صدور أعوانك وامض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه: واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله تعالى أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية: وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة فاعط فاعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ووف ما تقربت به إلى الله سبحانه من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص بالغاً من بدنك ما بلغ وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً فإن فيلا الناس من به العلة ولا الحاجة وقد سألت رسول الله (حين وجهني اليمن كيف اصلي بهم فقال:
стр. 138
"صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيماً" وأنا بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور وليست على الحق سمات نعرف بها ضروب الصدق من الكذب وإنما أنت أحد رجلين إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه أو فعل كريم تسجيه أو مبتلى بالمنع: فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة، ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وخاصتك قطيعة ولا يطعمن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة: وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابراً محتسباً واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإن مغبة ذلك محمودة وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك وأعدل عنك ظنونهم بأصحارك فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ورفقاً برعيتك وإعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويم على الحق ولا تدفعن صلحاً دعاك ولله فيه رضا فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه فإن
стр. 139
العدو ربما قارب ليغتفل فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر فلا تغدرون بذمتك ولا تخيسن بعهدك ولا تختلن عدوك فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته وحريماً يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة ولا
يدعونك ضيق أمر لزمك فيه كعهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك فيه من الله طلبة فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك، إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة زولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها والله سبحانه يتولى الحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لأن كفيه قود البلدان وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.
стр. 140
وإياك والمن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك فإن المن يبطل الإحسان والتزيد يذهب بنور الحق والخلق يوجب المقت عند الله والناس قال : (كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ) [الصف: ٣] وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التسقط فيها عند إمكانها أو اللجاجة فيها إذا تنكرت أو الوهن عنها إذا استوضحت فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه، وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة والتغابي عما يعنى به مما قد وضح للعيون فإنه مأخوذة منك لاغيرك وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم: أملك حمية أنفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار وزلن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلة أو اثر عن نبينا (أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي دليلك لكيلا يكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه من حسن الثناء في العباد وجميل الأثر في البلاد وتمام النعمة وتضعيف الكرامة وإن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة (إِنّآ إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ) [التوبة: ٥٩] والسلام على رسول الله (الطيبين الطاهرين.
" وكتب أبو بكر الصديق المتوفي ٧ جمادى الثانية سنة ١٣هـ? إلى بعض قواده "
إذا سرت فلا تعنف أصحابك في السير ولا تغضبهم وشاور ذوي الآراء
стр. 141
منهم واستعمل العدل وباعد عنك الجور فإنه ما افلح قوم ظلموا ولا نصروا على عدوعم و (إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلّوهُمُ الأدْبَارَ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىَ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مّنَ اللهِ) [الأنفال: ١٥ ١٦] وإذا نصرتم عليهم فلا تقتلوا شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً ولا تحرقوا زرعاً ولا تقطعوا شجراً ولا تذبحوا بهيمة إلا ما يلزمكم للأكل ولا تغدروا إذا هادنتم ولا تنقضوا إذا صالحتم وستمرون على أقوام في الصوامع رهبان ترهبوا الله فدعوهم وما انفردوا إليه وارتضوه لأنفسهم فلا تهدموا صوامعهم ولا تقتلوهم والسلام.
" وكتب عمر بن الخطاب المقتول في ٢٦ ذي الحجة سنة ٢٣ هـ? إلى بعض قواده "
أما بعد فإني أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب وأن تكون أنت ومن معك أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا لتيس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة (وإلا ننصر عليهم بطاعتنا لم نغلبهم بقوتنا) واعلموا أن عليكم في سيركم حفظه من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة يحيون فيهما أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق به، وليكن منك عند دنوك من أرض
стр. 142
العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم ثم أذك أحراسك على عسكرك وتيقظ من البيات جهدك والله ولي أمرك ومن معك وولي النصر لكم على عدوكم.
" وكتب أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة ٣٩٨هـ? إلى ابن أخته "
أنت ولدي ما دمت والعلم شأنك والمدرسة مكانك والمحبرة حليفك والدفتر أليفك فإن قصرت ولا أخالك فغيري خالك، والسلام.
" ومن وصية ابن سعيد المغربي المتوفي سنة ٦٩٧هـ? لابنه وقد أراد السفر "
أودعكَ الرَّحمنَ في غربتك ... مرتقباً رجماهُ في أوبتك
فلا تطل حبل النّوى إنّني ... والله أشتاق إلى طلعتك
واختصر التّوديعَ أخذاً فما ... لي ناظرٌ يقوى على فرقتك
واجعل وصاتي نصبَ عين ولا ... تبرح مدى الأيام من فكرتك
خلاصة العمر التي حنّكتْ ... في ساعةٍ زفّتْ إلى فطنتك
فللتَّجاريب أمور إذا ... طالعتها تشحذَ من غفلتك
فلا تنمْ عن وعيها ساعةً ... فإنّها عونٌ إلى يقظتك
وكلّ ما كابدتهُ في النّوى ... إيّاك أن يكسرَ منْ همتك
فليس يدرى أصلُ ذي غربة ... وإنما تعرفُ من شيمتك
وامش الهوينا مظهراً عفّةً ... وابغ رضا الأعين عن هيئتك
وانطق بحيثُ الغيُّ مستقبحُ ... واصمتْ بحيث الخير في سكتتك
ولج على رزقك من بابه=واقصدْ له ما عشتَ في بكرتك
ووفّ كلاّ حقَّه ولتكن ... تكسر عند الفخر من حدّتك
وحيثما خيَّمت فاقصد إلى ... صحبة من ترجوه في نصرتك
وللرزايا وثبةٌ مالها ... إلا الذي تذخرُ من عدَِّتك
стр. 143
ولا تقل اسلمُ لي وحدتي ... فقد تقاسي الذل في وحدتك
ولتجعل العقلَ محكَّماً وخذ ... كلاّ بما يظهر في نقدتك
واعتبر الناس بألفاظهم ... واصحبْ أخاً يرغب في صحبتك
كم من صديقٍ مظهرٍ نصحه ... وفكرهُ وقفْ على عثرتك
إيّاك أن تقربه إنهُ ... عونٌ مع الدّهر على كربتك
وأنُ نموَّ النبت قد زاره ... غبُّ النَّدى واسمُ إلى قدرنك
ولا تضيّعْ زمناً ممكناً=تذكارهُ يذكي لظى حسرتك والشّرّ مهما استطعتَ لا تأتهِ= فإنهُ جورٌ على مهجتك يا بني الذي لا ناصح له مثلي ولا منصوح لي مثلة قد قدمت لك في هذا النظم ما إن أخطرته بخاطرك في كل أوان رجوت لك حسن العاقبة إن شاء الله تعالى وإن أخف منه للحفظ وأعلق بالفكر وأحق بالتقدم قول الأول.
يزينُ الغريبَ إذا ما اغتربْ ... ثلاثٌ فمنهنّ حسن الأدّب
وثانية حسن أخلاقهِ ... وثالثةٌ اجتنابُ الرّيب
واصغ يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر وسلم الكرم والصبر ولو أن الديار نبت بكم لسكنتم الأخلاق والآدابا.
إذ حسن الخلق أكرم نزيل والأدب أرحب منزل ولتكن كما قال بعضهم في أديب متغرب وكلن كلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد وإليه قصد غير مستريب بدهره ولا منكر شيئاً من أمره وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع هواه فاجعل التكلف له سلماً وهب في روض أخلاقه هبوب النسيم وحل بطرفه حلول الوسن وانزل بقلبه نزول المسرة حتى يتمكن لك وداده ويخلص فيك اعتقاده
стр. 144
وطهر من الوقوع فيه لسانك وأغلق سمعك ولا ترخص في جانبه لحسود لك منه يريد إبعادك عنه لمنفعة أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك ومع هذا فلا تغتر بطول صحبته ولا تتمهد بدوام رقدته فقد ينبهه الزمان ويتغير نته القلب واللسان وإنما العاقل من جعل عقله معياراً وكان كالمرأة يلقى كل وجه بمثاله: وفي أمثال العامة من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل فاحتذ بأمثلة من جرب واستمع إلى ما خلد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال فإنها خلاصة عمرهم وزبدة تجاربهم ولا تتكل على عقلك فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم وابتاعوه غالياً بتجاربهم يربحك ويقع عليك رخيصاً، وإن رأيت من له عقل ومروءة وتجربة فاستفد منه ولا تضيع قوله ولا فعله فإن فيما تلقاه تلقيحاً لعقلك وحثاً لك واهتداء وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره فإن كان موافقاً لعقلك مصلحاً لحالك فراع ذلك عندك وإلا فانبذه نبذ النواة فليس لكل أحد يبتسم ولا كل شخص يكلم ولا الجود مما يعم به ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد والله در القائل:
وماليَ لا أوفى البريّة قسطها ... على قدرِ ما يعطي وعقلي ميزانُ
وإياك أن تعطي من نفسك إلا بقدر فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء ولا الكفء بمعاملة الأعلى ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع ويثيبك على مصلحة حاضرة عاجلة بغائبة آجلة ولا تجف الناس بالجملة ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر ولا جفاء فمتى فارقت أحداً فعلى حسنى في القول والفعل فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه فلذلك قال الأول (ولما مضى سلم بكيت على سلم) وإياك والبيت السائر.
وكنتَ إذا حللتَ بدارِ قومٍ ... رحلتَ بخزيةٍ وتركتَ عارا
стр. 145
واحرص على ما جمع قول القائل ثلاثة تبقي لك الود في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه واحذر كل ما بينه لك القائل: كل ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم فإذا غرسته يقلعك وقول الآخر ابن آدم ذئب مع الضعف أسد مع القوة، وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره. ويحكى أن ابن المقفع خطب من الخليل صحبته فجاوبه أن الصحبة رق ولا أضع رقي في يديك حتى أعرف كيف ملكتك واستمل من عين من تعاشره وتفقد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تبينه فإن الكلام سلاح السلم وبالأنين يعرف ألم الجرح واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية يجعلها نهاية لك.
وخذْ من الدّهر ما أتاك به ... من قرّ عيناً بعيشه نفعه
غذ الأفكار تجلب الهموم وتضاعف الغموم وملازمة القطوب عنوان المصائب والخطوب يستريب به الصاحب ويشمت العدو والمجانب ولا تضر بالوساوس إلا نفسك لأنك تنصر بها الدهر عليك، ولله در القائل:
إذا ما كنتَ للأحزان عوناً ... عليك مع الزمان فمن تلوم
مع انه لا يرد عليك الغائب الحزن ولا يرعوي بطول عتبك الزمن.
ولقد شاهدت بغرظ ناطة شخصاً قد ألقته الهموم وعشقته الغموم ومن صغره إلى كبره لا تراه أبداً خلياً من فكرة حتى لقب "بصدر الهم" ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج ويتنكد في الرخاء خوفاً من أن لا يدوم. وينشد: "توقع زوالاً إذا قيل تم" وينشد "وعند التناهي يقصر المتطاول".
وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب ومثل هذا عمره محسور يمر ضياعاً،
следующие страницы →