Полный текст (685 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
منهم واستعمل العدل وباعد عنك الجور فإنه ما افلح قوم ظلموا ولا نصروا على عدوعم و (إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلّوهُمُ الأدْبَارَ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىَ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مّنَ اللهِ) [الأنفال: ١٥ ١٦] وإذا نصرتم عليهم فلا تقتلوا شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً ولا تحرقوا زرعاً ولا تقطعوا شجراً ولا تذبحوا بهيمة إلا ما يلزمكم للأكل ولا تغدروا إذا هادنتم ولا تنقضوا إذا صالحتم وستمرون على أقوام في الصوامع رهبان ترهبوا الله فدعوهم وما انفردوا إليه وارتضوه لأنفسهم فلا تهدموا صوامعهم ولا تقتلوهم والسلام.
" وكتب عمر بن الخطاب المقتول في ٢٦ ذي الحجة سنة ٢٣ هـ? إلى بعض قواده "
أما بعد فإني أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب وأن تكون أنت ومن معك أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا لتيس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة (وإلا ننصر عليهم بطاعتنا لم نغلبهم بقوتنا) واعلموا أن عليكم في سيركم حفظه من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة يحيون فيهما أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق به، وليكن منك عند دنوك من أرض
стр. 142
العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم ثم أذك أحراسك على عسكرك وتيقظ من البيات جهدك والله ولي أمرك ومن معك وولي النصر لكم على عدوكم.
" وكتب أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة ٣٩٨هـ? إلى ابن أخته "
أنت ولدي ما دمت والعلم شأنك والمدرسة مكانك والمحبرة حليفك والدفتر أليفك فإن قصرت ولا أخالك فغيري خالك، والسلام.
" ومن وصية ابن سعيد المغربي المتوفي سنة ٦٩٧هـ? لابنه وقد أراد السفر "
أودعكَ الرَّحمنَ في غربتك ... مرتقباً رجماهُ في أوبتك
فلا تطل حبل النّوى إنّني ... والله أشتاق إلى طلعتك
واختصر التّوديعَ أخذاً فما ... لي ناظرٌ يقوى على فرقتك
واجعل وصاتي نصبَ عين ولا ... تبرح مدى الأيام من فكرتك
خلاصة العمر التي حنّكتْ ... في ساعةٍ زفّتْ إلى فطنتك
فللتَّجاريب أمور إذا ... طالعتها تشحذَ من غفلتك
فلا تنمْ عن وعيها ساعةً ... فإنّها عونٌ إلى يقظتك
وكلّ ما كابدتهُ في النّوى ... إيّاك أن يكسرَ منْ همتك
فليس يدرى أصلُ ذي غربة ... وإنما تعرفُ من شيمتك
وامش الهوينا مظهراً عفّةً ... وابغ رضا الأعين عن هيئتك
وانطق بحيثُ الغيُّ مستقبحُ ... واصمتْ بحيث الخير في سكتتك
ولج على رزقك من بابه=واقصدْ له ما عشتَ في بكرتك
ووفّ كلاّ حقَّه ولتكن ... تكسر عند الفخر من حدّتك
وحيثما خيَّمت فاقصد إلى ... صحبة من ترجوه في نصرتك
وللرزايا وثبةٌ مالها ... إلا الذي تذخرُ من عدَِّتك
стр. 143
ولا تقل اسلمُ لي وحدتي ... فقد تقاسي الذل في وحدتك
ولتجعل العقلَ محكَّماً وخذ ... كلاّ بما يظهر في نقدتك
واعتبر الناس بألفاظهم ... واصحبْ أخاً يرغب في صحبتك
كم من صديقٍ مظهرٍ نصحه ... وفكرهُ وقفْ على عثرتك
إيّاك أن تقربه إنهُ ... عونٌ مع الدّهر على كربتك
وأنُ نموَّ النبت قد زاره ... غبُّ النَّدى واسمُ إلى قدرنك
ولا تضيّعْ زمناً ممكناً=تذكارهُ يذكي لظى حسرتك والشّرّ مهما استطعتَ لا تأتهِ= فإنهُ جورٌ على مهجتك يا بني الذي لا ناصح له مثلي ولا منصوح لي مثلة قد قدمت لك في هذا النظم ما إن أخطرته بخاطرك في كل أوان رجوت لك حسن العاقبة إن شاء الله تعالى وإن أخف منه للحفظ وأعلق بالفكر وأحق بالتقدم قول الأول.
يزينُ الغريبَ إذا ما اغتربْ ... ثلاثٌ فمنهنّ حسن الأدّب
وثانية حسن أخلاقهِ ... وثالثةٌ اجتنابُ الرّيب
واصغ يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر وسلم الكرم والصبر ولو أن الديار نبت بكم لسكنتم الأخلاق والآدابا.
إذ حسن الخلق أكرم نزيل والأدب أرحب منزل ولتكن كما قال بعضهم في أديب متغرب وكلن كلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد وإليه قصد غير مستريب بدهره ولا منكر شيئاً من أمره وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع هواه فاجعل التكلف له سلماً وهب في روض أخلاقه هبوب النسيم وحل بطرفه حلول الوسن وانزل بقلبه نزول المسرة حتى يتمكن لك وداده ويخلص فيك اعتقاده
стр. 144
وطهر من الوقوع فيه لسانك وأغلق سمعك ولا ترخص في جانبه لحسود لك منه يريد إبعادك عنه لمنفعة أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك ومع هذا فلا تغتر بطول صحبته ولا تتمهد بدوام رقدته فقد ينبهه الزمان ويتغير نته القلب واللسان وإنما العاقل من جعل عقله معياراً وكان كالمرأة يلقى كل وجه بمثاله: وفي أمثال العامة من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل فاحتذ بأمثلة من جرب واستمع إلى ما خلد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال فإنها خلاصة عمرهم وزبدة تجاربهم ولا تتكل على عقلك فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم وابتاعوه غالياً بتجاربهم يربحك ويقع عليك رخيصاً، وإن رأيت من له عقل ومروءة وتجربة فاستفد منه ولا تضيع قوله ولا فعله فإن فيما تلقاه تلقيحاً لعقلك وحثاً لك واهتداء وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره فإن كان موافقاً لعقلك مصلحاً لحالك فراع ذلك عندك وإلا فانبذه نبذ النواة فليس لكل أحد يبتسم ولا كل شخص يكلم ولا الجود مما يعم به ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد والله در القائل:
وماليَ لا أوفى البريّة قسطها ... على قدرِ ما يعطي وعقلي ميزانُ
وإياك أن تعطي من نفسك إلا بقدر فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء ولا الكفء بمعاملة الأعلى ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع ويثيبك على مصلحة حاضرة عاجلة بغائبة آجلة ولا تجف الناس بالجملة ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر ولا جفاء فمتى فارقت أحداً فعلى حسنى في القول والفعل فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه فلذلك قال الأول (ولما مضى سلم بكيت على سلم) وإياك والبيت السائر.
وكنتَ إذا حللتَ بدارِ قومٍ ... رحلتَ بخزيةٍ وتركتَ عارا
стр. 145
واحرص على ما جمع قول القائل ثلاثة تبقي لك الود في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه واحذر كل ما بينه لك القائل: كل ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم فإذا غرسته يقلعك وقول الآخر ابن آدم ذئب مع الضعف أسد مع القوة، وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره. ويحكى أن ابن المقفع خطب من الخليل صحبته فجاوبه أن الصحبة رق ولا أضع رقي في يديك حتى أعرف كيف ملكتك واستمل من عين من تعاشره وتفقد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تبينه فإن الكلام سلاح السلم وبالأنين يعرف ألم الجرح واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية يجعلها نهاية لك.
وخذْ من الدّهر ما أتاك به ... من قرّ عيناً بعيشه نفعه
غذ الأفكار تجلب الهموم وتضاعف الغموم وملازمة القطوب عنوان المصائب والخطوب يستريب به الصاحب ويشمت العدو والمجانب ولا تضر بالوساوس إلا نفسك لأنك تنصر بها الدهر عليك، ولله در القائل:
إذا ما كنتَ للأحزان عوناً ... عليك مع الزمان فمن تلوم
مع انه لا يرد عليك الغائب الحزن ولا يرعوي بطول عتبك الزمن.
ولقد شاهدت بغرظ ناطة شخصاً قد ألقته الهموم وعشقته الغموم ومن صغره إلى كبره لا تراه أبداً خلياً من فكرة حتى لقب "بصدر الهم" ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج ويتنكد في الرخاء خوفاً من أن لا يدوم. وينشد: "توقع زوالاً إذا قيل تم" وينشد "وعند التناهي يقصر المتطاول".
وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب ومثل هذا عمره محسور يمر ضياعاً،
стр. 146
ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العالم ما تحسنه حسداً لك وقصداً لتصغير قدرك عندك وتزهيداً لك فيه فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك وتركن إلى العلم الذي مدحوه فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه فبقي مخبل المشي كما قيل:
إن الغراب وكان يمشي مشيةً ... فيما مضى من سالف الأجيال
حسدّ القطا وأرادَ يمشي مشيها ... فأصابه ضربٌ من العقَّال
فأضلَّ مشيته وأخطأ مشيها=فلذلك كنَّوهُ أبا مرقال ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزمان وأهله ويقول ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل ولا مكان يرتاح فيه فإن الذين تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممن صحبه الحرمان واستحقت طلعته للهوان وأبرموا على الناس بالسؤال فمقتوهم وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها فاستراحوا إلى الوقوع في الناس وأقاموا الأعذار لأنفسهم بقطع أسبابهم ولا تزل هذين البيتين من فكرك.
لنْ إذا ما نلتَ عزَّا ... فأخو العزّ يلين
فإذا نابكَ دهرٌ ... فكما كنتَ تكون
والأمثال تضرب لذب اللب الحكيم وذوا البصر يمشي على الصراط المستقيم والفطن يقنع بالقليل ويستدل باليسير والله سبحانه خليفتي عليك لا رب سواه.
" وصية هارون الرشيد لمعلم ولده الأمين "
يا احمر: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره
стр. 147
بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته بتعظيم بني هاشم إذا دخلوا عليم ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.
" ومن وصية ابن شداد لابنه "
عليك بتقوى الله العظيم وليكن أولى الأمور شكر الله وحسن النية في السر والعلانية فإن الشكور يزداد والتقوى خير زاد وكن كما قال الحطيئة:
ولستُ أرى السّعادةَ جمعَ مالٍ ... ولكنّ التّقيّ هو السّعيدُ
وتقوى الله خير الزّاد ذخراً ... وعندَ الله للأتقى مزيدُ
ثم قال: أي بني لا تزهدن في معروف فإن الدهر ذو صروف والأيام ذات نوائب على الشاهد والغائب فكم من راغب قد كان مرغوباً إليه وطالب أصبح مطلوباً ما لديه: واعلم أن الزمان ذو ألوان ومن يصحب الزمان يرى الهوان.
ثم قال: أي بني كن جواداً بالمال في موضع الحق. بخيلاً بالأسرار عن جميع الخلق فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر وأن أحمد بخل الحر الضن بمكتوم السر وكن كما قال قيس بن الخطيم:
أجودُ بمكنون التِّلاد وإنّني ... بسرّك عمّن سالني لضنينُ
إذا جاوزَ الإثنين سرُّ فإنه ... بنث وتكثير الحديث قمين
وعندي له يوماً إذا ما ائتمنتني ... مكانٌ بسوداء الفؤاد مكين
ثم قال: أي بني وإن غلبت يوماً على المال فلا تدع الحيلة على حال فإن الكريم يحتال والدنيء عيال وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالاً أقل ما تكون في الباطن مالاً فإن الكريم من كرمت طبيعته وظهرت عند الأنفاذ نعمته.
ثم قال: أي بني وإن سمعت كلمة من حاسد فكن كأنك لست بالشاهد فإنك إن أمضيتها حيالها رجع العيب على من قالها وكان يقال الأريب العاقل هو الفطن المتغافل.
" وصية بعض نساء العرب إلى ابنها وقد أراد السفر "
قال أبان بن تغلب وكان عابداً من عباد أهل البصرة شهدت أعرابية وهي توصي ولداً لها يريد سفراً وهي تقول له.
أي بني أجلس أمنحك وصيتي وبالله توفيقك فإن الوصية أجدى عليك من كثير عقلك. فقال أبان فوقفت مستمعاً لكلامها مستحسناً لوصيتها فإذا هي تقول. أي بني إياك والنميمة فإنها تزرع الضغينة وتفرق بين المحبين وإياك والتعرض للعيوب فتتخذ غرضاً وخليق ألا يثبت الغرض على كثرة السهام. وقلما اعتورت السهام غرضاً إلا كلمته حتى يهي ما اشتد من قوته. وإياك والجود بدينك والبخل بمالك. وإذا هززت فاهزز كريماً يلن لهزتك ولا تهزز اللئيم فإنه صخرة لا ينفجر ماؤها ومثل لنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به وما استقبحت من غيرك فاجتنبه فإن المرء لا يرى عيب نفسه ومن كانت مودته بشره وخالف ذلك منه فعله كان صديقه منه على مثل الريح في تصرفها، والغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم ومن جميع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلة ريطتها وسربالها.
стр. 148
الفصل الثاني عشر في رسائل التنصل والتبرؤ
" كتب أبو الحسن علي بن الرومي المتوفي سنة ٢٨٤هـ? إلى القاسم بن عبيد الله "
ترفع عن ظلمي إن كنت بريئاً وتفضل بالعفو إن كنت مسيئاً فو الله إني لأطلب عفو ذنب لم اجنه وألتمس الإقالة مما لا أعرفه لتزداد تطوالاً وأزداد تذللاً وأنا أعيذ حالي عندك بكرمك من واش يكيدها وأحرسها بوفائك زمن باغ يحاول إفسادها وأسأل الله تعالى أن يجعل حظي منك بقدرودي لك ومحلي من رجالك بحيث استحق منك.
стр. 149
" وكتب أبو الوليد بن زيدون المتوفي بأشبيلية سنة ٤٦٣ه ـ?"
يا مولاي وسيدي الذي ودادي له واعتمادي عليه واعتدادي به وامتدادي منه ومن أبقاه الله ماضي حد العزم وأرى زند الأمل ثابت عهد النعمة إن سلبتني أعزك الله لباس نعمائك وعطلتني من حلى إيناسك وأظمأتني إلى برود إسعافك ونفضت بي كف حياطتك وغضضت عني طرف حمايتك بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك وسمع الأصم ثنائي عليك وأحس الجماد باستحمادي إليك.
стр. 150
فلا غزو قد يغض الماء شاربه ويقتل الدواء المستشفى به ويؤتى الحذر من مأمنه وتكون منية المتمني في أمنيته والحين قد يسبق جهد الحريص.
كلُّ المصائبِ قد تمر?ُ على الفتى ... وتهون غير شماتةِ الحسَّادِ
وإني لأتجلد وأرى للشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع فأقول هل أنا إلا يد أدماها سوارها وجبين عض به إكليله
стр. 151
ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله وسمهري عرضه على النار مثقفه وعبد ذهب به سيده مذهب الذي يقول:
فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً ... فليقسُ أحياناً على من يرحمُ
هذا العتب محمود عواقبه وهذه النبوة غمرة ثم تنجلي وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تقشع ولن يربيني من سيدجي إن أبطأ سبييه أو تأخر غير ضنين غناؤه فأبطأ الدلاء فيضاً أملؤها وأثقل السحائب مشياً أحفلها وأنفع الحيا ما صادف جدباً وألذ الشراب ما أصاب غليلاً ومع اليوم غد و (لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ) [الرعد: ٣٨]
стр. 152
له الحمد على اهتباتله ولا عتب عليه في اغتفاله.
فإن يكن الفعلُ الذي ساءَ واحداً ... فأفعالهُ اللائي سررنَ ألوفُ
وأعود فأقول ما هذا الذنب الذي لم يسعه عفوك والجهل إلي لم يأت من ورائه حلمك والتطاول الذي لم تستغرقه تطولك والتحامل الذي لم يف به احتمالك ولا أخلو من أن أكون بريئاً فأين عدلك أو مسيئاً فأين فضلك.
ألاَّ يكن ذبنٌ فعدلك واسعٌ ... أو كان لي ذنبٌ ففضلك أوسع
فهبني مسيئاً كالذي قلت طالباً ... قصاصاً فأين الأخذ يا عزّ بالفضل
حنانيك قد بلغ السيل الزبى ونالني ما حسبي به وكفى وما أراني إلا لو أمرت بالسجود لآدام فأبيت واستكبرت.
стр. 153
وقال لي نوح اركب معنا فقلت سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وأمرت ببناء صرح لعلي أطلع إلى إله موسى وعكفت على العجل واعتديت في السبت وتعاطيت فعقرت وشربت من النهر الذي
стр. 154
ابتلى به جيوش طالوت وقدت الفيل لأبرهة وعاهدت قريشاً على ما في الصحيفة وتأولت في بيعة العقبة واستنفرت إلى العير
стр. 155
ببدر وانخذلت بثلث الناس يوم أحد وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة وجئت بالإفك على عائشة الصديقية وأنفت
стр. 156
عن إمارة أسامة وزعمت أن خلافة أبي بكر كانت فلتة ورويت رمحي من كتيبة خالد ومزقت الأديم الذي باركت يد الله عليه وضحيت بأشمط عنوان السجود به وبذلت لقطام.
ثلاثة آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ ... وضربُ عليّ بالحسامِ المسمَّمِ
стр. 157
وكتبت إلى عمر بن سعد أن جعجع بالحسين وتمثلت عندما بلغني من وقعة الحرة.
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
ورجمت الكعبة وصلبت العائذ على الثنية لكان فيما جرى علي ما يحتمل أن يكون نكالاً ويدعى ولو على المجاز عقابا.
وحسبك من حادث بازمرئٍ ... ترى حاسديهِ له راحمينا
стр. 158
فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح ونبأ جاء به فاسق وهم المهمازون المشاؤون بنميم والواشون الذين لا يلبثون أن يصدعوا العصا والغواة الذين لا يتركون أديماً صحيحاً والسعاة الذين ذكرهم الأحنف بن قيس فقال ما ظنك بقوم الصدق محمود إلا منهم.
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً ... وليسَ وراءَ الله للمرءِ مذهبُ
والله ما غششتك بعد النصيحة ولا انحرفت عنك بعد الصاغية إليك ولا نصبت لك بعد التشيع فيك ولا أزمعت يأساً منك مع ضمان تكلفت به الثقة عنك وعهد أخذه حسن الظن عليك ففيم عبث الجفاء بأذمتي
стр. 159
وعاث العقوق في مواتى وتمكن الضياع من وسائلي ولم ضاقت مذاهبي وأكدت مطالبي وعلام رضيت من المركب بالتعليق بل من الغنيمة بالإياب وأنى غلبني المغلب وفجر على العاجز الضعيف ولطمتني غير ذات سوار.
ومالك لم تمنع من قبل أن أفترس وتدركني ولما أمزق.
أم كيف لا تضطرم جوانح الأكفاء حسداً لي على الخصوص بك وتنقطع أنفاس النظراء منافسة لي على الكرامة فيك
стр. 160
وقد زانني اسم خدمتك وزهاني وسم نغمتك وأبليت البلاء الجميل في سماطك وقمت المقام المحمود على بساطك.
ألستُ الموالى فيك غرّ قصائد ... هي الأنجمُ اقتادت مع الليلي أنجما
ثناءٌ يظلُّ الروض منه منوراً ... ضحّى ويخال الوشى فيه منمنما
وهل لبس الصباح إلا برداً طرزته بفضائلك وتقلدت الجوزاء إلا عقداً فصلته بمآثرك واستملى الربيع إلا ثناء أملأته في محاسنك وبث المسك إلا حديثاً أذعته في محامدك (ما يوم حليمة بسر) وإن كنت لم أكسك سليباً ولا حليتك عطلاً ولا وسمتك غفلاً بل وجدت آجراً وجصاً فبنيت ومكان القول ذا سعة فقلت
стр. 161
حاشا لك أن أعد من العاملة الناصية وأكون كالذبابة المنصوبة تضيء للناس وهي تحترق (فلك المثل الأعلى) وهو بك وبي وفيك أولى ولعمرك ما جهلت أن (صريح الرأي) أن أتحول إذا بلغتني الشمس (وبنا بي المنزل) واصفح عن المطامع التي تقطع أعناق الرجال فلا (استوطئ العجز) ولا أطمئن إلى الغرور. ومن الأمثال المضروبة: خامري أم عامري.
стр. 162
وإني مع المعرفة أن الجلاء سباء والنقلة مثلة.
ومن يغتربْ عن قومه لم يزل يرى ... مصارعَ مظلوم مجرا مسحبا
ويدفن منه الصالحات وإن يسيء ... يكن ما أساء النار في راس كبكبا
عارف أن الأدب الوطن لا يخشى فراقه والخليط لا يتوقع زياله والنسيب لا يخفى والجمال لا يجفى.
ثم ما قران السعد بالكواكب أبهى أثراً ولا أثنى خطراً من اقتران غنى النفس به وانتظامها نسقاً معه فغن الحائز لهما الضارب بسهم فيهما "وقليل ما هم" أينما توجه ورد منهل بر وحط في جناب قبول وضوحك قبل إنزال رحلة وأعطى حكم الصبي على أهله.
стр. 163
وقيلَ له أهلاً وسهلاً ومرحبا ... فهذا مبيتٌ صالحٌ ومقيل
غير ان الوطن محبوب والمنشأ مألوف واللبيب يحن إلى وطنه النجيب إلى عطنه والكريم لا يجفوا أرضاً بها قوابله ولا ينسى بلداً فيها مراضعه، قال الأول:
أحبّ بلادَ الله ما بين منعجٍ ... إليّ وسلمى أن يصوبَ سحابها
بلاد بها حلّ الشّباب تمائمي ... وأوّل أرضٍ مسّ جلدي ترابها
стр. 164
هذا إلى مغالاتي بعقد جوارك ومنافستي بلحظة من قربك واعتقادي أن الطمع في غيرك طبع والغنى ممن سواك عناء والبدل منك أعور والعوض لفاء وكل الصيد في جوف الفرا.
وإذا نظرتُ إلى أميري زادني ... ضنَّا بهِ نظري إلى الأمراء
وفي كل شجر نار وأستمجد (المرخ والعهفار) فما هذه البراءة ممن
стр. 165
يتولاك والميل عمن لا يميل عنك وهلا كان هواك فيمن هواه ورضاك فيمن رضاه لك.
يا من يعزُّ علينا أن نفارقهم ... وجداننا كلَّ شيء بعدكم عدمُ
أعيذك ونفسي من أن أشيم خلباً وأستمطر جهاماً وأكدم في غير مكدم وأشكو شكوى الجريح إلى الغربان والزخم فما أبسست لك إلا لتدر ولا حركت لك الحوار إلا لتحن ولا نبهتك إلا لأنام.
ولا سريت إليك إلا لأحمد السرى لديك.
стр. 166
وإنك إن سنيت عقد أمري تيسر ومتى أعذرت في فك أسري لم يتعذر وعلمك محيط بأن المعروف ثمرة النعمة والشفاعة زكاة المروءة وفضل الجاه يعوذ به صدقه.
وإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةً ... من جاهله فكأنّها من ماله
لعلي ألقي العصا بذارك وتستقر بي النوى في ظلك وأستأنف التأديب بأدبك والاحتمال على مذهبك فلا أوجد للحاسد مجال لحظة ولا أدع للقادح مساغ لفظه.
стр. 167
والله ميسرك من إطلابي بهذه الطلبة وإشكائي من هذه الشكوى بصنيعة تصيب منها مكان المصنع وتستودعها أحفظ مستودع حسبما أنت خليق له وأنا منك حري به وذلك بيده وهين عليه.
مكاتبات متفرقة
" كتب الدولة العلية العثمانية إلى إحدى الدول الأوروبية "
أيها الوزير الأفخم: إن لفظة (تقسيم تركيا) إفك لا يفوه به عاقل ولا يتصوره إنسان تكاد تنفطر له السماء دهشة وترتج له الأرض وحشة بل تخر دونه الجبال وتنفك عنده الآمال كأن أوروبا تستطيعه ولكنها لم تفعله: ولن تفعله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً فقل: (اللهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: ٢٦] تقسم تركيا كلمة ليست اكبر من أوروبا فقط بل هي أكبر من منظومة هذا العالم الشمسي الذي تراه أو تسمع به إن كنت لا تراه فلا يليق أن يفوه به إلا فم القدرة الإلهية (قَآئِمٌ عَلَىَ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: ٣٣] (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَىَ أَمْرِهِ وَلََكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: ٢١] تقسيم تركيا ربما يكون ولكن متى يكون؟ يكون حينما يتحلى وجه البسيطة بدمائنا الطاهرة الزكية يوم ترى الأرض لابسة تلك الحلة الأرجوانية الثمينة حيث تتمشى الدماء على فيروزج الفضاء محاطة كواكب الوجود بكتائب جنود العدم المطلق: لا أرض لمن تقل ولا سماء لمن تظل ولا قائم موجود ولا دائم
стр. 168
مقصود، هنالك تتحدث شياطين الخيال في أندية المحال بحديث ذلك التقسيم المشؤوم ولا من سميع ولا من مجيب فالويل ثم الويل يوم ذلك التقسيم الموهوم والثبور ثم الثبور إذا تنزلت السماء بقضاء ذلك الهول المقسوم: إن في ذلك لبلاغاً يتفكرون.
" وكتب ابن العميد المتوفى سنة ٣٦٠هـ? في شكر صديق له على مراسلته إياه "
وصل ما وصلتني به جعلني الله فداك من كتابك بل نعمتك التامة ومنتك العامة فقرت عيني بوروده وشفيت نفسي بوفوده ونشرته فحكى نسيم الرياض غب المطر وتنفس الأنوار في السحر وتأملت مفتتحه وما اشتمل عليه من لطائف كلمم وبدائعه حكمك فوجدته قد تحمل من فنون البر عنك وضروب الفضل منك جداً وهزلاً ملأ عيني وغمر قلبي وغلب فكري وبهر لبي فبقيت اأدري أسموط در خصصتني بها أم عقود جوهر منحتنيها ولا أدري أجدك أبلغ وألطف أم هزلك أرفع وأظرف وأنا أوكل بتتبع ما انطوى عليه نفساً
стр. 169
لا ترى الحظ إلا ما اقتنته منه ولا تعد الفضل إلا فيما أخذته وأمتع بتأمله عيناً لا تقر إلا بمثله مما يصدر عن بدك ويرد من عندك وأعطيه نظراً لا يمله وطرفاً لا يطردونه، وأجعله مثالاً أرتسمه وأحتذيه وأمتع خلقي برونقه وأعذي نفسي ببهجته وأمزج قريحتي برقته وأشرح صدري بقراءته ولئن كنت عن تحصيل ما قلته عاجزاً وفي تعديد ما ذكرته متخلفاً لقد عرفت أن ما سمعت به منه السحر الحلال.
" وكتب السيد توفيق البكري في سفراه إلى الآستانة العلية "
كتابي إلى السيد الأجل وأنا أحمد الله إليه وأدعوه أن يديم النعمة والسلامة عليه، وبعد: فلما اعتزمت عى الرحلة هذا العام إلى قبة السلام ودا خلافة الإسلام وفارقت مصر وساكنها وأرباضها ومواطنها ركبت سفينة عدولية إلى الثغور الفرنجية فجرت في خضم عجاج ملتطم الأمواج لع دوي من جرجرة الآذي أخضر الجلد كأنه إفرند تصطخب فيه النينان وتجري لفي جوفه الدعاميص، والحيتان إذا ما زحه الأصيل وبالعشي خلته كسرت، عليه الحلي أو مزج بالرحيق القطربلي وإن لاحت به نجوم السماء خلته صفائح من فضة بيضاء سمرت بمسامير صغار من نشضار وأخذت السفينة تشق عبابه وتفلق حبابه بين ريح رخاء أو زعزع هوجاء فهي تارة في طريق معبد
стр. 170
ورةميث مسرد وطوراً فو حزن وردد أو على صرح ممرد وطان معنا في الفلك رهط من العرب والترك فكنا نتوار د معهم جوائب الأخبار وطرف الأحاديث والأسمار ما يزري بالمنهل العذب واللؤلؤ الرطب إلى أن يميل ميزان وتغرق ذكاء في البحار ويمسي الكون من السواد في لبوس حديد أو لباس حداد وتبرق ونجوم السماء في أكناف الظلماء كأنها سكاك دلاص أو فلق رصاص أو عيون جراد أو جمر في خلال رماد أو در في بحر أو ثقوب في قبة الديجور يلوح منها النور ويبدو الهلال كأنه خنجر من ضياء يشق طياليس الظلماء أو قلادة أو دنملج غادة أو سنان لواه الضراب أو الليل فيل وهو ناب فنأخذ مجلساً نسمه الكافور وأرضه عنبر مذور رقمت فيه زرابي مثبوتات ومنابذ وحسبانات وأنماط مفروشة وأبسط منقوشة.
بسط أجادَ الرسمَ صانعها ... وزها عليه النقشُ والشكلُ
فيكاد يقطف من أزهارها ... ويكاد يسقط فوقها النحلُ
وحوله شموع تزهر وأضواء تبهر وقد دارت عليه سقاة
стр. 171
جماع الثريا بأقداح الحميا وأكواب الفانيذ المروق وقوارير الجلاب المصفق ثم تجيء قينة في يدها ناي كأنه صور إسرافيل يحيي الرفات وينشر الأموات حتى إذا بدا الضياء كابتسام الشفة اللمياء دخلنا المضجع لنهجع وهلّم جراً في أيامنا الأخرى إلى أن وطئنا أرض القوم بعد ثلاثة أيام وبعض يوم فلما أضحت مرأى عين كبرنا تكبر ابن الحسين.
كبرتُ حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق
وراقنا ما رأينا من عمران وحضارة ورفهينة وشارة وزراعة وصناعة وتجارة وضخامة وسلكان بنيان وجواد كالأودية بين الأطواد وكأنما الناس في المدينة احتفلوا ليوم الزينة أو هم لكثرة الحركة منهزموا معركة ىفيهم غادون ورائحون زرافات ووحداناً إناثاً وذكراناً وقد لبثنا في تيك البلدان هنيهة من الزمان نتقلب في جنباتها ونتنقل في أنحائها وجهاتها إلى أن قدمنا القسطنطينية إيوان الخلافة الإسلامية وعش الدعوة المحمدية فإذا النعيم والملك الكبير والجنةوالحرير وإذا بقعة أطيب الأرضين رقعة وأمرعها نجعة وقد اعتلت منائرها في الفضاء وحلقت قصورها بالسماء فلبست أردية الغيوم وتقلدت عقود النجوم ولاحت مقاصيرها البيضاء في أكنافها الخضراء وجرى بينها خليج الماء فكأنها النجوم والمجرة والسماء واكتظت نواحيها بالآثار وحشدت بالجوامع الكبار ناهيك "بأيا صوفية" وما أدراك ما "أيا صوفية" هو بنية تعلوها شرافات علية وقبة ضخمة جوفاء كأنها قبة السماء وأرض تلك البنية كالماوية من مرمر ألاق ذي بصيص براق وافيها دعائم كل دعامة كالحق واستقامة وبها محاريب وحنايا وأقبية زوايا ومنبر كأنه أريكة سلطان في الخورنق أو غمدان هذا وقد نزلت من كنف أمير المؤمنين وخليقة رب العالمين ىفي دار السعادة ومرع الفضل والمجاد ومطلع الجود وفل السعود وحظيرة لنع ومشعر الهمم وأقمت ضيفاً تعند السيد السند الهزبري النضد تاج آل محمد السيد فلان في عصابة من الصوابة لاعيب فيهم غير أنهم ينسون الغريب وطنه وحامته وسكنه لهم أعراق عربية وأخلاق هاشمية وحماس وسماح كالماء والراح ولم أكد ألقي العصا وتستقر بين النوى حتى جاءني سلام من أمير المؤمنين خلته السلام الذي ذكره في قوله تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ) [الحجر: ٤٦] .
" كتبت السيدة وردة اليازجية إلى السيدة عائشة تيمور المتوفاة سنة ١٣٠٠ه ـ?"
سيدتي ومولاتي: أعرض أنني بينما أنا ألهج بذكر ألطافكم السنية أتنسم شذا أنفاسكم العبقرية وأترقب لقاء أثر من لدنكم يتعللل به الخاطر ويكتحل بإثمد مداد الناظر.
وصلتني مكاتبكم فجلت العين أقذاءها وردت إلى النفس صفاءها فتناولتها بالقلب لا بالبنان وتصفحت ما في طيها من سحر البيان، فقلت:
هذا الكتابُ الذي هامَ الفؤاد به ... يا ليتني قلمٌ لفي كفّ كاتبه
ولعمري إنه كتاب حوى بدائع المنثور والمنظوم وتحلى من درر الفصاحة فأخجلت لديه دراي النجوم وقد تطفلت على مقالكم العالي بهذا الجواب ناطقاً بتقصيري وضمنته من مدح سجاياكم الغراء وما يشفع لدى مكارمكم في قبو معازيري لا زلتم للفضل معهدناً وذخر اً وللأدب كنزاً وفخراً.
" وكتبت السيدة عائشة تيمور إلى السيدة وردة اليازجية المتوفاة سنة ١٣١٣ه ـ?"
استهل براعة سلام مل الشوق وتقلد الشقق ما نشقت ناشقة عف الوداد كفالته ورضيت المجال في صدق المقال لنطق بخالص الوفاء
стр. 172
مداد حروفه وأقام بأداء التحية العاطرة قبل فض ختام مظروفه ولعمري قد توجته أزهار الثناء بلآلئ غراء كللته زواهر الوفاء من خالص الوداد إلى حضرة من لا تزال تستروح الأسماع بنسيم أنبائها صباح مساء، وتتشوق الأرواح إلى استطلاع بدر إنسانها الكامل أطرافاً وآناء، ومما زادني شوقاً إلى شوق حتى لقد شبّ فيه طفل الشفق تعن الطوق اجتلائي حديقة "الورد" القدسية ونافجة الأدب المكية فيالها من حديقة رقمتها أحداق الأذهان فاقتبست نوراً وانشقتها مسام الآذان فثملت طرباً وسروراً ومنذ سرحت في أرجاء تلك اليانعة إنان العيون وشرحت بأفكار البصيرة أسرار ذلك الدر المصون لم أزل بين طرب أتوشح وأدب أتعجب من حسن اختتامه وافتتاحه وجعلت أغازل من نرجس تلك الروضة تعيوناً ملكت مني الحواس وهصرت من غصون ألفاتها كل ممشوق أهيف مياس وأتأدب في حضرة وردها خوفً من شوكة سلطانها وأن حياتي بجميل الالتفات ضاحكة عن نفس جماثة وإذا بالياسمين الغض قد ألقى نفسه على الثرى ونادى بلسان الإفصاح هل لهذه النضرة نظيرة يا ترى فأشار المنثور بكفه الخضيب أن لا نظير لتك الغادة ونطق الزنبق بلسان البيان لا تكتموا الشهادة فعد ذلك صفق الطير بأكف الأجنحة وبشر وجرى الماء لإذاعة نبأ السرور فعثر بذيل النسيم وتكسر وتمايل أغصانها المورقة لسماع هذا الحديث وأخذت نسماتها العاطرة في السير الحثيث إذاعة لتلك البشائر في العشائر ونشراً لهذه الفضائل التي سارت مسير المثل السائر فقلت بلسان الصادق الأمين بعد تحقق هذا النبأ اليقين هكذا وهكذا تكون الحديقة وإلا وكذلك كذلك لتكتب الفضائل وتملي.
وحدثني يا سعد عنهم فزدتني ... غراماً فزدني من حديثك يا سعدُ
فتحمل عني أيها الصديق تحية إلى ربة هاتيك الحديقة واشرح لديها حديث شغفي بفضلها الباهر على الحقيقة وأعتذر عن كتابي هذا فقد جاء يمشي
стр. 173
على استحياء وكلما حركة الشوق يبطئه الحياء وكيف وقد حل في منيع الفضائل والمقام الذي لم يدع مقالاً لقائل فكأني إما أهدي الثمر إلى هجر وأمنح البحر الخضم بالمطر أدام الله معالي تلك الحضرة وزادها في كل حال بهجة ونضرة ما لاح جبين وبلغ غاية الكمال.
" وكتب السيد عبد الله النَّدي المتوفى سنة ١٣١٤ه ـ?"
أستاذي وقدوتي وملاذي وعمدتي، ربيت فأحسنت وغذيت فأسمنت مؤدباً ليثا ولنت فسودت وجدت فعودت مهذباً غيثاً وعلمت فأفهمت وأشرت فألهمت غرض سهمك وقد نلت ما أملت فيمن تعليه عولت حسن فهمك.
غلامك الشهيرُ بالنّديم ... منْ صار في البيان كالنّسيم
وكيف لا يكون لساني قوس البديع وكلامي السهم السريع وأنت باريه وراميه أم كيف لا يكون مقامي الحصن المنيع وقدري العزيز الرفيع وأنت معليه وبانيه وفوجه جمال العلم أنت غرته وإنسان عين العلم أنت قرته وحاليه وجاليه وجبين العقل أنت طرته وكتاب الفضل أنت صورته وطاليه وتاليه.
على بابك العالي من الفضل رايةٌ ... على رأس أرباب المعارف تخفقُ
فعلمك جناتٌ من الفضل رايةٌ ... وكلك خبراتٌ وغيثك مغدقٌ
أرى غصن من يدعو إلى الفضل نفسه ... من الفضل عرياناً وغصنك مورقٌ
إذا رمت إنشاء فعن صدق فكرة ... تهادى بأبكار وغيرك يسرق
" وكتب أيضاً في التوادد "
بينما أنا راكب لجة بحر الفكر مجد في طلب فريدة بكر تارة أغوص ومرة أسبح وآونة أقف وطوراً أصفح لا يقر لي قرارا ولا يمكنني الفرار ولا يقصر عن طرح شباكي ذراعٌ ولا يطوى لسفينتي شراع كلما أدركني الملل
стр. 174
هاجت عليّ رياح الأمل حتى دخلت في بحر عجاج متلاطم الأمواج فاقتحمت هذا المركب الصعب وتهت بين الجزائر والشعب فتعلقت أفكاري بالسواري والحبال وبت بليلة نجومها كواحل لا يرى فيها بر ولا سواحل وقلت اشتداد الأمر يستدعي ضده ولا يأتي الفرج إلا بعد الشدة، وعينيك ما سل سيفها على مفرق مساها حتى سمعت (بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: ٤١] فكان من تمام حظي وسعودي أن تركت لجنة اليم (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ) [هود: ٤٤] وتنصرف خوفي وارتباكي وبادرت بطرح شباكي فإذا هي قد ملئت بأصداف الجوهر وعلقت بها شجرة العنبر فتفتح الصدف عن در يستخدم الأقمار وفاح العنبر بما أذهب شذى الأزهار.
وصرت ما بينها كسرى الزمان له ... شمسٌ تنادمه في مجلس عطر
ونلت أقصى أمان كنت آملها ... الأنس في خلدي والنور في نظري
ولما جلوت الطرف بما فيها من الظرف ووقعت ندي الموقع الحسن أردت أن أسومها بثمن فإذا هي درة يتيمة لا يقدر لها أحد على قيمة فاستهديتها من ربها لشغفي بحبها وجعلت القلب لها كنزاً والفؤاد لها حرزاً ألا وهي محة العزيز الحافظ أبدع مرئي وأبلغ لافظ.
" وكتب إبراهيم بك المويلحي المتوفى سنة ١٣٢٣ يعزي محمود باشا البارودي "
أنت فوق أن تعزى عن الأحبا ... ب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدي فإذا عزا ... ك قال الذي له لت قبلا
وقتلت الزمان علماً فما يغ ... رب قولاً ولا يجدد فعلا
نعم إن يا "محمود" الخصال و"سامي" الفعال لأنت الشهم المجرب لصروف الحدثان والعالم الخبير بأحوال الزمان قد أعددت لنوازل المقدور نزلاً من الصبر المأجور وصرفت ضيف الشجون والهموم إلى قرى الفضائل
стр. 175
العلوم وأخذت من المصاب العظيم بسيرة ذاك الفيلسوف الحكيم بين هو جالسٌ يوماً في الدرس بين تلاميذه إذ جاءه من أخبره بأن ابنه الوحيد مات وهو رطب الشباب غض العمر فلم يتوله الفزع ولم يظهر عليه الاضطراب ولم يبد على وجهه الكدر وما زاد على أن استرجع واستمر في قراءة درسه كما كان فلما انتهى منه بادر أحد الحاضرين من أصحابه ممن حيرتهم الدهشة في أمره ويسأله كيف لم يسله الحزن ثوب الثبات برهة مفاجأته بالخبر فقال له: "لو فاجأتني النازلة على غرة مني لجزعت وحزنت ولكني ما وزلت أقدر لابني منذ يوم ولادته حلول أجله كل يوم من أيام حياته ولمثل هذا اليوم كنت أعده من زمان طويل وكان كلما مضى عام من أعوام اعتبرته خلسة اختلسها من الدهر حتى مضى على هذه العارية عشرون عاماً فشكري لله اليوم على أن أبقاها في يدي ولهذه المدة يوم مقام الحزن عند غير لدى استرداها" وعن النبي ﷺ : "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه فيقولون نعم فيقول الله تعالى ماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد" وأنت يا محمود صلوات الله عليك ورحمته لقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ الّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للهِ وَإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴿١٥٦﴾ أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: ١٥٥ ١٥٧] أول من يمثل لحكم القضاء ويسترجع عنه نزول البلاء ويعمل بأدب الدين في التجلد والتصبر ويأخذ بسيرة الحكماء في التدبر والتبصر.
ومن كان ذا نفس كنفسك حرة ... ففيه لها مغنٍ وفيها له مسلْ
стр. 176
الكلام على الرسالات العلمية
الرسالات العلمية هي مقالات في المطالب العلمية أو المسائل الأدبية وإنما سميت بالرسالات لأن أصحابها يرسلونها إلى من اقترحها عليهم ويسلك
стр. 177
فيها صاحبها مناهج الاسترسال والمخاطبات البليغة وقد أفردنا لها كتابنا "أسلوب الحكيم في منهم الإنشاء القويم" فارجع إليه إن شئت.
الفن الثاني في المناظرات
للمناظرة ثلاثة شروط: الأول: أن يجمع بين خضمين متضادين أو متباينين في صفاتهما بحيث تظهر خواصهما بالمقابلة كالربيع والخريف والصيف والشتاء، والثاني: أن يأتي كل من الخصمين في نصرته لنفسه وتفنيد مزاعم قرنه بأدلة من شأنها أن ترفع من قدره وحط من مقام الخصم بحيث ميل بالسامع عنه إليه، والثالث: أن تصاغ المعاني والمراجعات صوغاً حسناً وترتب على سياق محكم ليزيد بذلك نشاط السامع وتنمي فيه الرغبة في حل المشاكل.
ولنذكر لك عليها شذرات من أقوال الكتاب فنقول:
" مناظرة العثمان بن المنذر وكسرى وأنوشروان في شأن العرب "
روى بن القطامي عن الكلبي قال: قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعند وفود الروم والهند والصين فذكروا من ملوكهم وبلادهم: فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جمع الأمم لا يستثنى فارس ولا غيرها: فقال كسرى وأخذته عزة الملك يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأم ونظرت في حالة من يقدم عليّ من وفود الأمم، فوجدت للروم حظاً في اجتماع ألفتها وعظم سلطانها وكثرة مدائنها ووثيق بنيانها وإن لها دينا يبين خلالها وحرامها ويرد سفيهها ويقيم جاهلها ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها وكثرة أنهار بلادها وثمارها وعجيب صناعتها وطيب أشجارها ودقيق حسابها وكثرة عددها ووكذلك الصين في اجتماعها وكثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد وإن لها ملكاً
стр. 178
يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم، ولم أر للعرب شيئاً من خصال الخير في أمر ودين ولا دنيا لا حزم ولا قوة: ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطير الحائرة يقتلون أولادهم من الفاقة ويأكل بعضهم بعضاً من الحاجة قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشربها ولهوها ولذاتها، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها، وإن قوى أحدهم ضيفاً عدها مكرمة وإن أطعم أكلة عدها غنيمة تنطق بذلك إشعارهم وتفتخر بذلك رجالهم (ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها وشد مملكتها ومنعها من عدوها فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا وإن لها مع ذلك آثاراً ولبوساً وقرى وحصوناً وأموراً تشبه بعض أمور الناس يعني اليمن) ثم لا أراكم تستكبنون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس، قال النعمان أصلح الله الملك: حق لأمة الملك منها أن يسمو فضلها ويعظم خطبها وتعلوا درجتها إلا أن عندي جواباً في كل ما ينطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له فإن أمنني من غضبه نطقت به: قال كسرى: قل فأنت آمن: قال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها وبسطة محلها وبحبوحة عزها وما أكرمه الله به من ولاية آبائك وولايتك وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها: قال كسرى بماذا: قال النعمان بعزها ومنعتها وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها.
فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دخلوا البلاد
стр. 179
ووطدوا الملك وقادوا الجند لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل حصونهم ظهور خيلهم ومهادهم الأرض وسقوفهم السماء وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر، إذا غيرها من لأمم إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور.
وأما أحسن وجوهها وألوانها فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة والصين المنحفة والتك المشوهة والروم المقسرة.
وأما أنسابها وأحسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيراً من أولها حتى أن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا ويسمى آباءه أبا فأبا حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا به أنسابهم فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينتسب إلى غير نسبه ولا يدعي إلى غير أبيه.
وأما سخاؤها فإن أذناهم رجلا الذي تكون عند البكرة والنا عليها بلاغة في حموله وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتري بالشربة فيعقرها وله ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر.
وأما حكمة ألسنتهم فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنة وزنه وقوافيه مع معرفتهم بالأشياء وضربهم للأمثال وإبلاغهم في الصفات وما ليس لشيء من ألسنة الأجناس، ثم خيلهم أفضل الخيل ونساؤهم أعف النساء ولباسهم أفضل اللباس ومعدنهم الذهب والفضة وحجارة جبالهم الجزع ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفرٌ.
وأما دينها وشريعتها لأنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهراً حرماً وبلجاً محرماً وبيتاً محجوجاً ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون فيه ذبائحهم فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وه قادر على أخذ ثأره وإدراك رغمه منه فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بالأذى.
стр. 180
وأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماء فهي ولت (أي عهد) وعقدة ولا يحلها إلا خروج نفسه وإن أحدهم يرفع عوداً من الأرض فيكون رهناً بدينه فلا يغلق رهنه ولا تحفز ذمته وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به وعسى أن يكون نائياً عن داره فيصاب فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى لما أحفز من جواره وأنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله.
وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج.
وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها فما تركوا ما دونها إلا احتقاراً ل فعمدوا إلى أجلها وأفضلها فكانت مراكبهم وطعامهم مع أنها أكثر البهائم شحوماً وأطيبها لحوماً وأرقها ألباناً وأقلعها غائلة وأحلاها ومضغة وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه.
وأما تجاربهم وأكل بعضهم بعضاً وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفاً وتخوفت نهوض عدوها بالزحف وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم فيقولون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمتهم.
وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا ن يكونوا ملوكاً أجمعين مع آنفتهم من أداء الخراج والوطث (أي الضرب الشديد بالرجل على الأرض) بالعسف.
وأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه عند غلبة الجيش له على ملك وأمرٍ مجتمع فأتاه مسلوباً طريداً مستصرخاً ولولا
следующие страницы →