← Адаб

Адаб · id 21505

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب

أحمد الهاشمي

Полный текст (685 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الكلام على الرسالات العلمية الرسالات العلمية هي مقالات في المطالب العلمية أو المسائل الأدبية وإنما سميت بالرسالات لأن أصحابها يرسلونها إلى من اقترحها عليهم ويسلك

стр. 177

فيها صاحبها مناهج الاسترسال والمخاطبات البليغة وقد أفردنا لها كتابنا "أسلوب الحكيم في منهم الإنشاء القويم" فارجع إليه إن شئت. الفن الثاني في المناظرات للمناظرة ثلاثة شروط: الأول: أن يجمع بين خضمين متضادين أو متباينين في صفاتهما بحيث تظهر خواصهما بالمقابلة كالربيع والخريف والصيف والشتاء، والثاني: أن يأتي كل من الخصمين في نصرته لنفسه وتفنيد مزاعم قرنه بأدلة من شأنها أن ترفع من قدره وحط من مقام الخصم بحيث ميل بالسامع عنه إليه، والثالث: أن تصاغ المعاني والمراجعات صوغاً حسناً وترتب على سياق محكم ليزيد بذلك نشاط السامع وتنمي فيه الرغبة في حل المشاكل. ولنذكر لك عليها شذرات من أقوال الكتاب فنقول: " مناظرة العثمان بن المنذر وكسرى وأنوشروان في شأن العرب " روى بن القطامي عن الكلبي قال: قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعند وفود الروم والهند والصين فذكروا من ملوكهم وبلادهم: فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جمع الأمم لا يستثنى فارس ولا غيرها: فقال كسرى وأخذته عزة الملك يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأم ونظرت في حالة من يقدم عليّ من وفود الأمم، فوجدت للروم حظاً في اجتماع ألفتها وعظم سلطانها وكثرة مدائنها ووثيق بنيانها وإن لها دينا يبين خلالها وحرامها ويرد سفيهها ويقيم جاهلها ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها وكثرة أنهار بلادها وثمارها وعجيب صناعتها وطيب أشجارها ودقيق حسابها وكثرة عددها ووكذلك الصين في اجتماعها وكثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد وإن لها ملكاً

стр. 178

يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم، ولم أر للعرب شيئاً من خصال الخير في أمر ودين ولا دنيا لا حزم ولا قوة: ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطير الحائرة يقتلون أولادهم من الفاقة ويأكل بعضهم بعضاً من الحاجة قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشربها ولهوها ولذاتها، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها، وإن قوى أحدهم ضيفاً عدها مكرمة وإن أطعم أكلة عدها غنيمة تنطق بذلك إشعارهم وتفتخر بذلك رجالهم (ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها وشد مملكتها ومنعها من عدوها فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا وإن لها مع ذلك آثاراً ولبوساً وقرى وحصوناً وأموراً تشبه بعض أمور الناس يعني اليمن) ثم لا أراكم تستكبنون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس، قال النعمان أصلح الله الملك: حق لأمة الملك منها أن يسمو فضلها ويعظم خطبها وتعلوا درجتها إلا أن عندي جواباً في كل ما ينطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له فإن أمنني من غضبه نطقت به: قال كسرى: قل فأنت آمن: قال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها وبسطة محلها وبحبوحة عزها وما أكرمه الله به من ولاية آبائك وولايتك وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها: قال كسرى بماذا: قال النعمان بعزها ومنعتها وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها. فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دخلوا البلاد

стр. 179

ووطدوا الملك وقادوا الجند لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل حصونهم ظهور خيلهم ومهادهم الأرض وسقوفهم السماء وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر، إذا غيرها من لأمم إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور. وأما أحسن وجوهها وألوانها فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة والصين المنحفة والتك المشوهة والروم المقسرة. وأما أنسابها وأحسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيراً من أولها حتى أن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا ويسمى آباءه أبا فأبا حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا به أنسابهم فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينتسب إلى غير نسبه ولا يدعي إلى غير أبيه. وأما سخاؤها فإن أذناهم رجلا الذي تكون عند البكرة والنا عليها بلاغة في حموله وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتري بالشربة فيعقرها وله ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر. وأما حكمة ألسنتهم فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنة وزنه وقوافيه مع معرفتهم بالأشياء وضربهم للأمثال وإبلاغهم في الصفات وما ليس لشيء من ألسنة الأجناس، ثم خيلهم أفضل الخيل ونساؤهم أعف النساء ولباسهم أفضل اللباس ومعدنهم الذهب والفضة وحجارة جبالهم الجزع ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفرٌ. وأما دينها وشريعتها لأنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهراً حرماً وبلجاً محرماً وبيتاً محجوجاً ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون فيه ذبائحهم فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وه قادر على أخذ ثأره وإدراك رغمه منه فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بالأذى.

стр. 180

وأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماء فهي ولت (أي عهد) وعقدة ولا يحلها إلا خروج نفسه وإن أحدهم يرفع عوداً من الأرض فيكون رهناً بدينه فلا يغلق رهنه ولا تحفز ذمته وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به وعسى أن يكون نائياً عن داره فيصاب فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى لما أحفز من جواره وأنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله. وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج. وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها فما تركوا ما دونها إلا احتقاراً ل فعمدوا إلى أجلها وأفضلها فكانت مراكبهم وطعامهم مع أنها أكثر البهائم شحوماً وأطيبها لحوماً وأرقها ألباناً وأقلعها غائلة وأحلاها ومضغة وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه. وأما تجاربهم وأكل بعضهم بعضاً وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفاً وتخوفت نهوض عدوها بالزحف وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم فيقولون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمتهم. وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا ن يكونوا ملوكاً أجمعين مع آنفتهم من أداء الخراج والوطث (أي الضرب الشديد بالرجل على الأرض) بالعسف. وأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه عند غلبة الجيش له على ملك وأمرٍ مجتمع فأتاه مسلوباً طريداً مستصرخاً ولولا

стр. 181

ما وتر به من يليه العرب لمال إلىة مجال واحد من يجيد الطعان ويغضب الأحرار من غلبة العبيد الأشرار. قال فعجب كسرى لما أجابه النعمان به وال إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة. فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم بعث إلى أكثم بن صفي حاجب بن زرارة التيميين وإلى الحارث بن ظالم وقيس بن مسعود البكريين وإلى خالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين وإلى عمرو بن الشريد لسليمي وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والحارث بن ظالم المري فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غوار أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ العرب خولاً كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه كما يفعل بملوك الأمم الذي حوله فاقتص عليهم مقالات كسرى وما رد عليه: فقالوا أيها الملك وفقك الله ما أحسن ما رددت وأبلغ ما حججته به فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت. قال إنما أنا رجل منكم وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوف ومن ناحيتكم ولاليس شيء أحب إليّ مما سدد الله أمركم وأصلح به شأنكم وأدام به عزكم والرأي أن تسيرزا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره ليعلم أن العرب تعلى غير ما ظن أو حدثته نفسه ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه فإنه ملك عظيم السلطان كثير الأعوان مترف معجب بنفسه لا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل ولكن أمر بين ذلك تظهر به دماثة حلومكم وفضل منزلتكم وعظيم أخطاركم وليكن

стр. 182

أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه فلا يكون منكم فيجد في آدابكم مطعناً فإنه ملك مترف وقادر مسلط ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك كل رجل منهم حلة وعممه عمامة وختمه بياقوتة وأمر لكل رجل نهم بخيبة مهرية وفرس نجيبة وكتب معهم كتاباً. أما بعد فإن الملك ألقى إلى من أمر العرب ما قد علم وأجبته بما قد فه مما أحببت أن يكون منه على علم ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها وحمت ما يليها بفضل قوتها تبلغها من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت أيها الملك رهطً من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم فليسمع الملك وليغمض عن جفاء أ، ظهر من منطقهم وليكرمنني بإكرامهم وتعجيل سراحهم وقد نسبتهم الملك وليغمض عن جفاء أن ظهر من منطقهم وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن فدفعوا إليه كتاب النعمان فرآه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلساً يسمع منهم فلما أن كان بعد ذلك بأيام أمر مرازبته وجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كاسي عن يمينه وشماله ثم دعا بع على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه وأقام الترجمان ليؤدي إليه كالمهم ثم أذن لهم في الكلام. فقام أكثم بن صفي فقال إن أفضل الأشياء أعاليها وأعلى الرجال ملوكها وأفضل الملوك أعمها نفعاً وخيرُ الأزمنة أخصبها وأفضل الخطباء أصدقها. الصدق منجاة والكذب مهواة والشر لجاجة والحزم مركب صعب

стр. 183

والعجز مركب وطيء آفة الرأي الهوى والعجز مفتاح الفقر وخير الأمور الصبر حسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة، إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فسادر الراعي من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء. شر البلاد بلاد لا أمير بها، شر الملوك من خافه البريء المرء يعجز لا محالة أفضل الأولاد البررة الأعوان من لم يراء بالنصيحة أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته يكفيك من الزاد ما بلغك المحل حسبك من شر سماعه الصمت حكم وقليل فاعله البلاغة الإيجاز من شدد نفر ومن تراخى تألف فتعجب كسرى من أكثم ثم قال ويحك يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه قال أكثم الصدق بنبئ عنك لا الوعيد قال كسرى لو لم يكن للعرب غيرك لكفى قال أكثم رب قول أنفذ من صول. ثم قام حاجب بن زرارة التيمي وقال: ورى زندك وعلت يدك وهيب سلطانك، وإن العرب أمة قد غلظت أكبادها واستحصدت مرتها ومنعت درتها وهي لك وامقة ما تألفتها مسترسلة ما لا ينتها سامعة ما سامحتها وهي العلقم مرارة وهي الصاب غضاضة والعسل حلاوة والماء الزلال سلاسة نحن وفودها إليك وألسنتها لديك ذمتنا محفوظة وأحسابنا ممنوعة وعشائرها فينا سامعة مطيعة إن نؤوب لك حامدين خيراً فلك بذلك عموم محمدتنا وإن نذم لم نخص بالذم دونها، قال كسرى يا حاجب ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها قال حاجب بل زئير الأسد بصولتها، قال كسرى وذلك. ثم قام الحارث البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها وعلو سنائها، من طال رشاؤه كثر متحه ومن ذهب ماله قل نحه تناقل الأقاويل يعرف اللب وهذا مقام سيوجف بما تنطق به الركب وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب ونحن جيرانك الأدنون وأعوانك المعينون خيولنا

стр. 184

جمة وجيوشنا فخمة ون استنجدتنا فغير ربض وإن استطرفتنا غير جهض وإن طلبتنا فغير غمض ولا ننثني لذعر ولا نتنكر لدهر رماحنا طوال وأعمارنا قصار وقال كسرى أنفس عزيزة وأمة ضعيفة قال الحارث أيها الملك وأنى يكون لضعيف عزة أو لصغير مرة قال كسرى لو قصر عمرك لن تستول على لسانك نفسك قال الحارث أيها الملك إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغرراً بنفسه على الموت فهي منية استقبلتها وجنان استدبرها، والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدماً وأحبسها وهي تصرف بها حتى إذا جاشت نارها وسعرات لظاها وكشفت عن ساقها جعلت مقادها رمحي وبرقها سيفي ورعدها زئيري ولم أقصر عن خوض خضخاضها حتى انغمس في غمرات لججها وأكون فلكاً لفرساني إلى بحبوحة كبشها فاستمطرها دماً وأترك حماتها جز السباع وكل نسر قشعن ثم قال كسرى لمن حضره من العرب أكذلك هو قالوا فعاله أنطق من لسانه قال كسرى ما رأيت كاليوم وفداً أحشد ولا شهوداً أوفد. ثم قام عمرو بن الشريد السلمي فقال: أيها الملك نعم بالك ودام في السرور حالك أن عاقبة الكلام متدبرة وأشكال الأمور معتبرة وفي كثير ثقلة وفي قليل بلغة وفي الملوك سورة العز وهذا منطق له ما بعده، شرف فيه شرف وخمل من خمل لم نأتِ لضيمك ولم نفد لسخطك ولم نتعرض١ لرفدك إن في أموالنا منتقداً وعلى عزنا معتمداً إن أورينا اثقبنا وإن أود دهر بنا اعتدلنا إلا أنا م هذا لجوارك حافظون ولمن رامك كافحون حتى يحمد الصدر ويستطاب الخبر قال كسرى ما يقوم قصد منطقك بإفراطك ولا مدحك بذمك قال عمرو كفى بقليل قصدي هاديا وبأيسر إفراطي مخبراً

стр. 185

ولم يلم من غربت نفسه ما يعلم ورضى من القصد بنما بلغ قال كسرى ما كل ما يعرف المرء ينطق، اجلس. ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: أحضر الله الملك إسعادا ورشده إرشاداً إن لكل منطق فرصة ولك حاجة غصة وعي المنطق من عي السكوت وعثار القول أنكأ من عثار الوعث وما فرصة وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوى وغصة المنطق بما لا نهوى غير مستساغة وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعي أنني له مطيق أحب إلي من تكلفني ما أتخوف ويتخوف مني وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان وهو لك من خير الأعوان ونغم حامل المعروف والإحسان أنفسنا بالطاعة لك باخعة ورقابنا بالنصيحة وأيدينا لك بالوفاء رهينة قال له كسرى نطقت بعقل وسمرت بفضل وعلوت بنبل. ثم قام علقمة بن علاثة العامري فقال: نهجت سبل الرشاد وخضعت لك رقاب العباد إن للأقاويل مناهج وللآراء موالج وللعويص مخارج وخير القول اصدقه وأفضل الطلب أنجح، وإنا وإن كانت المحبة أحضراتنا والوفادة فربتنا فليس من حضرك منا بأفضل من عزب عنك بل لو قست كل رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا لوجدت له في آبائه دنيا أنداداً وأكفاء كلهم إلى الفضل منسب وبالشرف والسودد موصوف وبالرأي الفاضل والأدب النافذ معروف يحمي حماه ويروي نداماه ويذود أعداه لا تخمد ناره ولا يحترز منه جاره، أيها الملك، من يبل العرب يعرف فضلهم فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسي عزا والبحور الزواخر طميا والنجوم الزواهر شرفاً والحصى عدداً فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك وإن تستصرخهم لا يخذلوك، قال كسرى وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه أبلغت وأحسنت. ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال: أطاب الله بك المراشد وجنبك

стр. 186

المصاب ووقاك مكروه الشصائب ما أحقنا إذا أتيناك ما لا يحنق صرك ولا يزرع لنا حقداً في قلبك لم تقدم أيها الملك لمساماة ولم ننتسب لمعاداة ولكن لتعلن أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أما في المنطق غير محجمين وفي الناس غير مقرصين وإن جورينا فغير مسبوقين وإن سومينا فغير مغلوبين قال كسرى غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد: قال قيس أيها الملك ما كنت في ذلك إلا كوافٍ غدر به أو كخافر خفر بذمته قال كسرى ما يكون لضعيف ضمان ولا لذليل خفارة قال قيس أيها الملك م أنا فيما أخفر من ذمتي أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك وانتهك من حرمتك قال كسرى ذلك لأن من ائتمن الخانة واستنجد الأئمة ناله من الخطأ ما نالني وليس كل الناس سواء، كيف رأيت حاجب بن زرارة لم يحكم قواه فيبرم ويعهد فيوفي ويعد فينجز، قال وما أحقه بلك وما رأيته إلا لي قال كسرى القوم بزل فأفضلها أشدها. ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال: كثر فنون المنطق وليس القول أعمى من حندس الظلماء وإنما الفخر في الفعال والعجز في النجدة: والسؤدد مطاوعة القدة وما أعلمك بقدرنا وأبصرك بفضلنا وبالحرا إن أدلت الأيام وثابت الأحلام أن تحدث لنا أمور لها أعلام، قال كسرى وما تلك الأعلام قال مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر على أمر يذكر قال كسرى وما الأمر الذي يذكر قال عامر مالي علم أكثر مما خبرني به خبر قال كسرى متى تكاهنت يا ابن الطفيل قال لسن بكاهن ولكني بالرمح طاعن قال كسرى فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع قال ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي وما أذهب عيني عيث ولكن مطاوعة العبث.

стр. 187

ثم قامر عمرو بن معد يكرب الزبيدي: فقال: إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فبلاغ المنطق الصواب وملاك النجدة الارتياد وعفو الرأي خيرٌ من استكراه الفكرة وتوقيف الخبرة خيرٌ من اعتساف الحيرة فاحتبذ طاعتنا بلفظ واكتظم بإدراتنا وألن كتفك يسلس لك قيادتا فإنا أناس لم يوقس صفاتنا قراع ناقير من أراد قضماً ولكن منعاً ن كل من رام لناهضما. ثم قام الحارث بن ظالم المري فقال: إن من آفة المنطق الكذب ومن لؤم الأخلاق الملق ومن خطل الرأي خفة الملك المسلط فإن أعلمناك أن مواجهتنا لك عن الائتلاف وانقيادنا لك عن تصاف ما أنت لقبول ذلك منا ولا للاعتماد عليه بحقيق ولمن الوفاء بالعهود وإحكام ولث لعقود والأمر بينا وبينك معتدل وما لم يأتمن قبلك ميل أو زلل، قال كسرى من أنت قال الحارث بن ظالم قال إن في أسماء آبائك لدليلا على قلة وفائك وأن تكون أولى بالغدر وأقرب من الوزر قال الحارث إن في الحق مغضبة والسر التغافل ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة فلتشبه أفعالك مجلسك قال كسرى هذا فتى القوم، ثم قال كسرى قد فهمت ما نطقت به أخطاؤكم وتفنن فيه متكلموكم ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف أودكم ولم بحكم أمركم وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة فنطقتم بما استولى على ألسنتكم وغلب على طباعكم لم أجز لكم كثيراً مما تكلمنم به وإني لأكره أن أجبه وفودي أو أحنق صدورهم والذي أحب من إصلاح مدبركم وتألف شواذكم والإعذار إلى الله فيما يني وبينكم وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب وصفحت عما كان في من خلل فانصرفوا إلى ملككم فاحسنوا موازرته والتزموا طاعته واردعوا سفهاءكم وقيموا أودهم وأحسنوا أدبهم فإن في ذلك صلاح العامة.

стр. 188

روي عن الكلبي أنه قال كان كسرى يحفل بالعرب ويستأنس بمشاهدهم ويرغب في سماع محادثاتهم ومفاخراتهم ومنافراتهم ولم يدخر وسعاً إلا بذله للحصول على ذلك (وممات اتفق له) أن النعمان بن المنذر كان بمجلسه يوماً فقال له هل في العرب من قبلية تشرف على قبيلة، قال نعم، قال فبأي شيء قال من كانت له ثلاث آباء متوالية رؤساء واتصل ذلك بمزية فبيته أشرف بيت وليه تنسب القبيلة وه تعلو تعلى غيرها، قال أحضر من هذه صفتهم فطلبهم النعمان فلو يصبهم إلا في الحذيفة بن بدر وآل ذي الجدين وآل الأشعث بن قيس بن كندة فأحضرهم في جملة من عشائرهم، فعقد لهم كسرى مجلساً عاماً حضره لحكام والعدول والأعيان، ثم قال ليتكلم كل منكم بمآثر قومه وليصدق. فانتصب حذيفة بن در قائماً وكان ألسن القوم فقال: قد علمت العرب أن فينا الشرف الأقدم والفخر الأعظم، لقيل له لم ذاك يا أخا فزارة قال ألسنا الدعائم التي لا تنرام والعز الذي لا يضام، فقيل له صدقت. ثم قام شاعرهم فقال: فزارةُ بيتُ العزّ والعز فيهمِ ... فزةارةُ بدرِ حسبُ بدر نضالها لها العزةُ القعساء والحسبُ الذي ... بناه لبدرٍ في القيم رجالها فهيهات قد أعيا القرون التي مضت ... مآثر بدرٍ مجدها وفعالها وهل أحدٌ إن مدّ يوماً بكفه ... إلى الشمس في مجرى النجوم ينالها فإن يصلحوا يصلح لذاك جميعنا ... وإن يفسدوا يفسد على الناس حالها ثم قام الأشعث بن قيس فقال: لقد علمت العرب أن نقاتل عديدها الأكثر ونقهر جمعها الكبر وأنا غياث اللزبات وبناة المكرمات، فقيل له لم يا أخا كندة، قال لأنا ورثنا ملك كندة فاستظللنا بأفيائه وتقلدنا منكبه الأعظم وتوسطنا بحبوحه الأكرم، ثم قام شاعرهم فقال:

стр. 189

إذا قستَ أبياتَ الرجال بيتنا ... وجدت لهُ فضلاً على من يفاخرُ فمن قال كلاّ أو أتانا بخطّةٍ ... ينافرنا يوماً فنحن نخاطرُ تعالوا فغدوا يعلم الناس أيُّنا ... له الفضل فيما أورثته الأكابر ثم قام بسطام لابن قيس فقال: قد علمت العرب أنّا بناة بيتها الذي لا يزول ومغرس عزها الذي لا يحول، فقيل له ولم يا أخا شيبان، قال لأنا أدرهم للثأر وأضربهم لملك الجبار وأقوالهم للحق وألدهم للخصم. ثم قام شاعرهم فقال: لعمري بسطامٌ أحقُّ بفضلها ... وأوّلُ بينت العزّ عزُّ القبائل فسائل أبيتَ اللّعن عن عزّ قومها ... إذا جدّ يوم الفخر كلُّ مناضل فيخبرك الأقوام عنها فإنها ... وقائع جدّ لا ملاعب هازل ألسنا أعزّ الناس قوماً وأسرةً ... وأضربهم للكبش يوم التخاذل وقائع عزّ كلها ربعية ... تذل لهم فيها رقابُ المحافل إذا ذكرتم ينكر الناس فلها ... وعاذ بها من شرها كل قائل وإنا ملوك الناس في كلّ بلدة ... إذا نزلت بالناس إحدى النوازل ثم قام حاجب بن زرارة التيمي فقال: قد علمت العرب أن فرع دعامتها وقادة زحفها. فقيل له لم ذلك يا أخا بني تميم. قال لأنّا أكثر عديداً وأنجبهم طريداً وليدا وأعطاهم للجزيل وأحملهم للثقيل. ثم قام شاعرهم فقال: لقد علمت أبناء خندفَ أنّنا ... لنا العزُّ قدماً في الخطوب الأوائل وأنّا كرام أهلُ مجد وثروةٍ ... وعزّ قديم ليس بالمتضائل فكم فيهم من سيّد وابن سيّد ... أغر نجيب ذي فعال ونائل

стр. 190

فسائل أبيت اللعن عنا فإنّنا ... دعائم هذا الناس عند الجلائل ثم قام قيس بن عاصم السعدي فقال: لقد علم هؤلاء أنا أرفعهم في المكرمات وأثبتهم في النائبات، فقيل له لم ذاك يا أخا بني سعد، قال لأنا أدركهم للثأر وأمنعهم للجار لا نتكل إذا حملنا ولا نرام إذا حللنا. ثم قام شاعرهم فقال: لقد علمت قيسٌ وخندف أنّنا ... وجلُّ تميم والجموعُ التي ترى بأنّا ليوثُ البأس في كلّ مأزقٍ ... إذا جزّ بالبيض الجماجم والطلى وأنا إذا داعٍ دعانا لنجدةٍ ... أجبنا سراعاً في العلائم من دعا فهيهات قد أعيا الجميع فعالهم ... وفاتوا بيوم الفخر مسعاة من سعى فقال كسرى حينئذٍ ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه. وأعظم صلاتهم أجمعين وردهم إلى أقوام معظمين. " مناظرات المهدي لأهل بيته ومشاروته لهم في حر خراسان " هذا ما ترجع فيه المهدي ووزراءه وما دار بينهم من تجبير الرأي في حرب خراسان أيان تحاملت عليهم العمال وأعنفت فحملتهم الدالة وما تقدم لهم من المكانة على أن نكثوا ببعتهم ونقضوا موثقهم وطردوا العمال والتووا بما عليهم الخراج وحمل المهدي مات يجب من مصلحتهم ويكره من عينهم على أن أقال عثرتهم اغتفر زلتهم واحتمل دالتهم تطولاً بالفضل واتساعاً بالعفو وأخذاً بالحجة ورفاً بالسياسة ولذلك لم يزل مذ حمله الله أعباء الخلافة وقلده أمور الرعية رفيقاً بمدار سلطانه وبصيراً بأهل زمانه باسطاً للمعدلة ف رعيته تسكن إلى كنفه وتأنس بعفوه وتثق بحلمه فإذا وقعت الأقضية اللازم والحقوق الواجبة فليس عنده هوادة ولا إغضاء ولا مداهنة أثرة للحق وقياماً بالعدل وأخذاً بالحزم فدعا أهل خراسان الاغترار بحمله والثقة

стр. 191

بعفوه وأن كسروا الخراج وطردوا العمال وسألوا ما ليس لهم من الحق ثم خلطوا احتجاجاً باعتذار وخصومة بإقرار وتنصلا باعتلال، فلما انتهى ذلك إلى المهدي خرج إلى مجلس خائه وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه فأعلمهم الحال واستفهم للرعية ثم أمر الموالي بالابتداء وقل للعباس بن محمد "أي عم" تعقب قولنا وكن حكماً بينا وأرسل ولديه موسى وهارون فأحضرهما الأمر وشاركهما في الرأي وأمر محمد بن الليث بحظ مراجعتهم وإثبات مقالتهم في كتاب. فقال سلام صاحب المظالم: أيها المهدي إن في كل أمر غاية ولكل قوم صناعة استفرغت رأيهم واستغرقت أشغالهم واستنفدت أعمارهم وذهبوا بها وذهبت بهم وعرفوا بهم ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية وطلبت معونتنا عليها أقوام من أبناء الحرب وساسة الأمور وقادة الجنود وفرسان الهزاهز وإخوان التجارب وأبطال الوقائع الذين رشحهم سجالها وفياتهم ظلالها وعضتهم شدائدها وفرمتهم نواجذها فلو عجمت ما قبلهم وكشفت ما عندهم لوحدت نظائر تؤيد أمرك وتجارب توافق نظرك وأحاديث تقوي قلبك فأما نحن معاشر عمالك وأصحاب دواوينك فحسنٌ بنا، وكثيرٌ منا أن نقوم بثقل ما حملتنا من عملك واستودعتنا من أمانتك وشغلتنا من إمضاء عدك وإنفاذ حكمك إظهار حقك. فأجابه المهدي إن في كل قوم حكمة ولك زمان سياسة وفي كل حال تدبيراً يبطل ألآخر الأول ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا. قال نعم أيها المهدي أنت متبع الرأي وثيق العقدة قوي المنة بليغ الفطنة معصوم النية محضور الروية مؤيد البديهة موفق العزيمة معان بالظفر مهدي إلى الخير، إن هممت في عزمك مواقع الظن وإن اجتمعت صدع فعلك ملتبس الشك فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك وقل ينطق الله بالحق لسانك فإن جنوك جمة وخزائنك عامرة ونفسك سخية وأمرك نافذ.

стр. 192

فأجابه المهدي أن المشاورة والمناظرة بلا رحمة ومفتاحاً بركة لا يهلك عليهما رأي ولا يتغيل معها حزم فأشيروا برأيكم وقولوا بما بحضوركم فأثنى من ورائكم وتوفيق الله من وراء ذلك. قال الربيع: أيها المهدي إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة وإن الإشارة ببعض معاريض القول يسيرة ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة متراخية الشقة متفاوتة السبيل فإذا ارتأيت من محكم لتدبير ومبرم التقدير ولباب الأصول رأياً قد أحكمه نظرك وقلبه تدبيرك فليس وراءه ومذهب طاعن ولا دونه معلق لخصومه عائب ثم أجبت البرد به وانطوت الرسل عليه بالحري أن لا يصل إليهم محكمه إلا وقد حدث منهم ما ينقضه فما أيسر أن ترجع إليك الرسل وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم وشوارد آثارهم ومصادر أمورهم فتحدث رأياً غيره وتبتدع تدبيراً سواه وقد انفرجت الحلق وتحللن العقد واسترخى الحقاب وامتد الزمان ثم لعلمك موقع الآخرة كمصدر الأولى ولكن الرأي لك أيها المهدي وفقك الله أن تصرف إجالة النظر وتقليب الفكر فبما جمعتنا له واستشرتنا فيه من تدبير لحربهم والحيل في أمرهم إلى الطلب لرجل ذي دين فاضل وعقل كامل وورع واسع وليس موصوفاً بهوى في سواك ولا متهماً في أثرة عليك ولا ظنيناً على دخلة مكروهة ولا منسوباً إلى بدعة محذورة فيقدح في ملكك ويريض الأمور لغيرك ثم تستند إليه أمورهم وتفوض غليه حربهم وتأمره في عهدك ووصيتك إياه بلزوم أمرك ما لزمه الحزم وخلاف نهيك إذا خالفه الرأي عند استحالة الأمور واشتداد الأحوال التي ينقض أمر الغائب عنها ويثبت رأي الشاهد لها فإنه إذا فعل ذلك فواثب أمرهم من قريب وسقط عنه ما

стр. 193

أتي من بعيد تمت الحيلة وقويت المكيدة ونفذ العمل وأحد النظر إن شاء الله. قال الفضل بن العباس: أيها المهدي إن ولي الأمور سائس الحروي ربما حي جنوده وفرق أمواله في غير ما ضيق أمر حزبه لا ضغطه حال اضطرته فيقعد عند الحاجة إليها وبعد التفرقة لها عديمها منها فاقداً لها ولا يثق ولا يصول بعدة ولا يفزع إلى ثقة فالرأي لك أيها المهدي وفقك الله أن تعفي خزائنك من الإجابة إلى ما يطلبون والعطاء لما يسألون فيفسد عليك أدبهم وتجريء من رعيتك غيرهم ولكن أغرهم بالحيلة وقاتلهم بالمكيدة وصارعهم باللين خاتلهم بالرفق وأبرق لهم بالقول أرعد نحوهم بالفعل وأبعث البعوث وجند الجنود وكتب الكتائب واعقد الألوية وانصب الرايات وأظهر إنك موجه إليهم الجيوش مع أخنق قوادك عليهم وأسوئهم أثراً فيهم ثم ادسس الرسل وأثبت الكتب وضع بعضهم على طمع من وعدك وبعضاً على خوف من عيدك وأوقد بذلك وأشباهه نيران التحاسد فيهم واغرس أشجار التنافس بينهم حتى تملأ القلوب نمن الوحشة وتنطوي الصدور على البغضة ويدخل كلاً من كل الحذر والهيبة فإن مرام الظفر بالعيلة والقتال بالحيلة والمناصبة والكتب والمكايدة بالرسل والمقارعة بالكلام اللطيف المدخل في القلوب القوي الموقع من النفوس المعقود بالحجج الموصول بالحل المبني على اللين الذي يستميل القلوب ويسرق العقول والآراء ويستميل الأهولاء ةويستجعي المواتاة انفذ من القتال بظبات السيوف وأسنة الرماح كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيته بالحيل ويفرق كلمة عدوه بالمكايدة أحكم عملاً وألطف منظراً وأحسن سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال ولإتلاف للأموال والتغرير والخطار

стр. 194

وليعلم المهدي إنه إن وجه لقتالهم رجلاً لم ير لقتالهم إلا بجنود كثيفة تخرج عن حال شديدة وتقدم على أسفار ضيقة وأموال متفرقة وقواد غششة إن ائتمنهم استنفدوا ماله وإن استنصحهم كانوا عليه لا له. قال المهدي هذا رأي قد أسفر نوره وأبرق ضوءه وتمثل صوابه للعيون ومجد حقه في القلوب ولكن (وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: ٧٦] ثم نظر ابنه علي فال ما تقول قال علي: أيها المهدي إن أهل خراسان لم يخلعوا عن طاعتك ولم ينصبوا من دونك أحداً يقدح في تغيير ملكك ويريض الأمور لفساد دولتك ولو فعلوا لكان الخطب أيسر والشأن أصغر والحال أدل لأن الله مع حقه الذي لا يخذله وعند موعده الذي لا يخلفه ولكنهم قوم من رعيتك وطائفة من شيعتك الذي جعلك الله عليهم والياً وجعل العدل بينك وبينهم حاكماً طلبوا حقاً وسألوا إنصافاً فإن أجبت إلى دعوتهم ونفست عنهم قبل أن يتلاحم منهم حال أو يحدث من عندهم فتق أطعت أمر الرب واطفأت ثائرة الحرب ووفرت خزائن المال وطرحت تغرير القتال وحمل الناس محمل ذلك على طبيعة وسجية حلمك وأشجاع خليفتك ومعدلة نظرك فأمنت أن تنسب إلى ضعف وأن يكون فيما بقي دربة وإن منعتم ما طلبوا ولم تجبهم إلى ما سألوا اعتدلت بك وبهم الحال وساويتهم في ميدان الخطاب فما أرب المهدي أن يعمد إلى طائفة من رعيته مقرين بمملكته مذعنين بطاعته لا يخرجون أنفسهم عن قدرته ولا يبرؤنها من عبوديته فيملكهم أنافسهم ويخلع نفسه عنهم ويقف على الحيل معهم ثم يجازيهم السوء في حد المنازعة ومضمار المخاطرة أيريد المهدي وفقه الله الأموال فلعمري لا ينالها ولا يظفرها إلا بإنفاق أكثر منها مما يطلب منهم وأضعاف ما يدعي قبلهم ولو نالها فحملت إليه أو وضعت بخرائطها بين يديه ثم تجافى لهم عنها وطال عليهم لها لكان مما إليه ينسب وبه يعرف من الجود

стр. 195

الذي طبه الله عليه وجعل قرة عينه ونهمة نفسه فيه فإن قال المهدي هذا رأيٌ مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمالنا وتحامل ولاتنا فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود انطقوا لسان الإرجاف وفتحوا باب المعصية وكسروا قيد الفتنة فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نكالاً لغيرهم وعظة لسواهم فيعلم المهدي أنه لو أتى بهم مغلولين في الحديد مقرنين في الأصفاد ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه والإقالة عثرتهم صفحة واستبقاهم لما هم فيه من حزبه أو من بإزائهم من عدوه لما كمان بدعاً من رأيه ولا مستنكراً من نظره لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفواً وأشدها وقعاً وأصدقها أصوله وأنه لا يتعاظمه عفو ولا يتكادءه صفح وإن عظم الذنب وجل الخطب فالرأي للمهدي وفقه الله تعالى أن يحل عقدة الغيظ بالرجاء لحسن ثواب الله في العو عنهم وأن يذطر أولى حالاتهم وضيعة عيالاتهم برأيهم وتسعاً لهم فإنهم إخوان دولته وأركان دعوته وأساس حقه الذين بعوزتهم يصول وبحجتهم يقول وإنما مثلهم فيما دخلوا من مساخطه وتعرضوا له من معاصيه وانطووا فيه عن إجابته ومثله في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم أو نقل حاله لهم أو تغير من نعمته بهم كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازرين أصاب أحدهما خبلٌ ولهوٌ حادث فنهض إلى أخيه بالأذى وتحامل عليه بالمكروه فلم يزدد أخوه إلا رقة ولطفاً به واحتيالاً لمداواة مرضه ومراجعة حاله عطفاً عليه وبراً به ومرحمة له. فقال المهدي أما علي فقد كوى سمت اللبان وفض القلوب في أهل خراسان (لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ) ، [الأنعام: ٦٧] فقال ما ترى يا أبا محمد يعنى موسى ابنه. فقال موسى: أيها المهدي لا تسمكن إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم وأنت ترى الدماء تسيل من خلال فعلهم الحال من القوم ينادي بمضمرة شر وخفية

стр. 196

حقد قد جعلوا المعاذير عليها ستراً اتخذوا العلل من دونها حجاباً رجاء أن يدافعوا الأيام بالتأخر والأمور بالتطويل فيكسروا حيل المهدي فيهم ويفنوا جنوده عنهم حتى يتلاحم أمرهم وتتلاحق مادتهم وتستفحل حربهم وتستمر الأمور بهم والمهدي من قولهم في حال غرة ولباس آمنة قد فتر لها وأنس بها وسكن غليها ولولا ما اجتمعت به قلوبهم وبردت عليه جلودهم من المناصبة بالقتال والإضمار للقراع عن داعية ضلال أو شيطان فساد لرهبوا عواقب أخبار الولاء وغب سكون الأمور فليشدد المهدي وفقه الله أزره لهم ويكتب كتائبه نحوهم وليضع الأمر على أشج ما يحضره فيهم وليوقن أنه لا يعطيهم خطة يريد بها صلاحهم إلا كانت دربة إلى فسادهم وقوة الذين أقرهم وتلك العادة وأجراهم على ذلك الأرب ولم يبرح في فتق حادث وخلاف حاضر ولا يصلح عليه دين ولا ستقيم به دنيا وإن طلب تغييره بعد استحكام العادة واستمرار الدربة لم يصل إلى ذلك إلا بالعقوبة المفرطة والمؤونة الشديدة والرأي للمهدي وفقه الله أن لا يقيل عثرتهم ولا يقبل معذرتهم حتى تطأهم الجيوش وتأخذهم السيول ويستحر بهم القتل ويحدق بهم البلاء ويطبق عليهم الذل فإن فعل المهدي ذلك كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم وهزيمة لكل بادرة شرفيهم واحتمال المهدي في مؤونة غزوتهم هذه تضع عنه غزوات كثيرة ونفقات عظيمة. قال المهدي قد قال القوم فاحكم يا أبا الفضل. فقال العباس بن محمد: أيها المهدي أما (الموالي٩ فأخذوا بفروع الرأي وسلكوا جنبات الصواب وتعدوا أموراً قصر بنظرهم عنها وأه لم يأت تجاربهم عليها وأما (الفضل) فأشار بالأموال أن لا تنفق والجنود أن لا تفرق وبأن لا يعطي القوم ما طلبوا

стр. 197

ولا يبذل لهم ما سألوا وجاء بأمر بين ذلك استصغاراً لأمرهم واستهانة بحربهم وإنما يهيج جسيمات الأمور صغارها وأما (علي) فأشار باللين وإفراط الرفق وإذا جرد الوالي لمن غمط أمره وسفه حقه اللين بحتاً والخير محضاً لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب عن لينة ولا بشر يحسبهم إلى خيره فقد ملكهم الخلع لعذرهم ووسع لهم الفرجة لثني أعناقهم فإن أجابوا دعوته وقبلوا لينه من غير خوف اضطرهم ولا شدة فنزوة في رؤوسهم يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم ويستصرخون بها رأي المهدي فيهم وإن لم يقبلوا دعوته يسرعوا لإجابته باللين المحض والي الصراح فذلك ما عليه الظن بهم والرأي فيهم وما قد يشبه أن يكون من مثلهم لأن الله تعالى خلق الجنة وجعل فيها من النعيم المقيم والملك الكبير مال لا يخطر على قلب بشر ولا تدركه الفكر ولا تعلمه نفس ثم دعا الناس إليها ورغبهم فيها فلولا أنه خلق ناراً جعلها لم رحمة يسوقهم بها إلى الجنة لما أجابوا ولا قبلوا وأما (موسى) فأشار بأن يعصبوا بشدة لا لين فيها وأن يرموا بشر ولا خير معه وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته وخالف جماعته الخوف مفاداً والشر مجرداً ليسعهما طمع ولا لين بثنيتهم اشتت الأمور بهم وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين إما أن تدخلهم الحمية من الشدة والأنفة من الذلة والامتعاض من القهر فيدعوهم ذلك إلى التمادي في الخلاف والاستبسال في القتال والاستسلام للموت وإما أن ينقادوا بالكره ويذعنوا بالقهر على بغضة لازمة وعداوة باقية تورث النفاق وتعب الشقاق فإذا أمكنتهم فرصة أو ثابت لهم قدرة أو قويت لهم حال عاد أمرهم إلى اصعب وأغلظ وأشده مما كان. وقاتل في قول الفضل: أيها المهدي أكفى دليل أوضح برهان وأبين خبر بأن فد أجمع رأيه وحزم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم وتوجيه

стр. 198

البعوث نحوم مع إعطائهم ما سألوا من الحق وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل. قال المهدي ذلك رأي. قال هارون ما خلطت الشدة أيها المهدي باللين فصارت الشدة أمر فطام لما تكره وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب ولكن أرى غير ذلك. قال المهدي لد قلت قولاً بديعاً وخالفت فيه أهل بيتك جميعاً والمرء مؤتمن بما قال وظنين بما ادعى حتى يأتي بينة عادلة وحجة ظاهرة فاخرج عما قلت. أيها المهدي إن الحرب خدع والأعاجم قوم مكرة وربما اعتدلت الحال بهم واتفقت الأهواء منهم فكان باطن ما يسرون على ظاهر ما يعلنون وربما اقترفت الحالان وخالف القلب اللسان فانطوى القلب على محجوبه تبطن واستسر بمدخوله لا تعلن والطبيب الرفيق بطبه البصير بأمره العالم بمقدم يده وموضع مسيمه لا يتعجل بالدواء حتى يقع على معرفة الداء فالرأي للمهدي وفقه الله أن يفر باطن أمرهم فر المسنة ويمخض ظاهر حالهم مخض السقاء متابعة الكتابة ومظاهرة الرسل وموالاة العيون حتى تهتك جب عيونهم وتكشف أغطية أمورهم فإن انفرجت الحال وأفضت الأمور به إلى تغيير حال أو داعية ضلال اشتملت الأهواء عليه وانقاد الرجال إليه وامتدت الأعناق نحو يدين يعتقدونه وأثم يستحلونه عصبهم بشد لا لين فيها ورماهم بعقوبة لا عفو معها وإن انفرجت العيون واهتصرت الستور ورفعت الحجب والحال فيهم مريعة والأمور بهم معتدلة في مناصحتهم فالرأي للمهدي وفقه الله أن يتسع لهم بما طالبوا ويتجافى لهم عما كرهوا ويشعب من أمهم ما صدعوا من فتقهم ما قطعوا ويولي عليهم من أحبوا ويداوي

стр. 199

بذلك مرض قلوبهم وفساد أمورهم فإنما المهدي وأمته وسواد أهله مملكته بمنزلة الطبيب الرفيق والوالد الشفيق والراعي المجر الذي يختال لمرابض غنمه وضوال رعيته حتى يبرئ المريضة من داء علتها ويرد الصحيحة إلى انس جماعتها، ثم إن خراسان بخاصة الذين لهم دالة محمولة وماتة مقبولة ووسيلة معروفة وحقوق واجبة لأنهم أيدي دولته وسيوف دعوته وأنصار حقه وأعوان عدله فليس من شأن المهدي الاضطعان عليهم ولا المؤاخذة لهم ولا التوغير بهم ولا المكافأة بإساءتهم لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى ومحاولة قطع الأصول ضئيلة قبل أن تغلط أحزم في الرأي وأصح في التدبير من التأخير لها والهاون بها حتى يلتئم قليلها بكثيرها وتجتمع أطرافها إلى جمهورها. قال المهدي ما زال هارون يقع وقع الحيا حتى خرج خروج القدح من الماء وانسل انسلال السيف فيما ادعى فدعوا ما سبق موسى فيه فإنه هو الرأي وثنى بعد هارون ولكن من لأعنة الخيل وسياسة الحر وقادة الناس إن أمعن بهم اللجاج وأفرطت بهم الدالة. قال صالح: لسنا نبلغ أيها المهدي بدوم البحث وطول الفكر أدنى فراسة رأيك وبعض لحظات نظرك وليس ينقض عنك من بيوتات العرب ورجال العجم ذو دين فاضل ورأي كامل وتدبير قوي تقلده حربك وتستودعه جندك ممن يحتمل الأمانة العظيمة ويضطلع بالأعباء الثقيلة وأنت بحمد الله ميمون النقيبة مبارك العزيمة مخبور التجارب محمود العواقب معصوم العزم فليس يقع اختيارك وزلا يقع نظرك على أحد توليه أمرك وتسند إليه ثغرك إلا أراك لله ما تحب وجمع لك منه ما تريد. قال المهدي إني لأرجو ذلك لقديم عادة الله فيه وحسن معونته عليه ولكني أحب الموافقة على الرأي والاعتبار للمشاورة فالأمر المهم.

стр. 200

قال محمد بن الليث: أهل خراسان أيها المهدي قوم ذوو عزة ومنعة وشياطين خدعة زروع الحمية فهم نابتة وملابس الأنفة عليهم ظاهرة فالروية عنهم عازية والعجلة عنهم حاضرة تسبق سيولهم مطرهم وسيوفهم عذلهم لأنهم بين صفة لا يعدو مبلغ عقولهم منظر عيونهم وبين رؤساء لا يلجمون إلا بشدة ولا يفطمون إلا بالمر وإن ولي المهدي عليهم وضيعاً لم تنقد له العظماء وإن ولي أمرهم شريفاً تحمل عليه الضعفاء وإةن أخر المهدي أمرهم ودافع حربهم حتى يصيب لنفسه من حشمه ومواليه وأو بني عمه أو بني أبيه ناصحاً يتفق عليه أمرهم وثقة تجتمع له أملاؤهم بلا أنفة تلزمهم ولا حمية تدخلهم ولا مصيبة تنفرهم تنفست اليان بهم وتراخت الحال بأمرهم فدخل بذلك من الفساد الكبير والضياع لعظيم ما لا يتلافاه صاحب هذه الصفة وإن جد ولا يستصلحه وإن جهد إلا بعد دهر طويل وشر كبير وليس المهدي وفقه الله فاطماً عاداتهم ولا قارعاً صفاتهم ويمثل أحد رجلين لا ثالث لهما ولا عدل في ذلك بهما: أحدهما لسان ناطق موصول بمسمعك ويد ممثلة لعينك وصخرة لا تزعزع وبهمة لا تثنى وبازل لا يفزعه صوت الجلجل نقي العرض نزيه النفس جليل والخطر قد اتضعت الدنيا عن قدره وسما نحو الآخرة بهمته فجع الغرض الأقصى لعينه نصبا والغرض الأدنى لقدمه موطئاً فليس يقبل عملاً ولا يتعدى أملاً وهو رأس مواليك وأنصح بني أبيك رجل قد غذي بلطيف كرامتك ونبت في ظل دولتك ونشأ على قوائم أدبك فإن قلدته أمرهم وحملته ثقلهم وأسندت إليه ثغرهم كان قفلاً فتحه أمرك وباباً أغلقه نهيك فجعل العدل عليه وعليهم أميراً والإنصاف بينه وبينهم حاكماً وإذا حكم المنصفة وسلك المعدلة فأعطاهم ما لهم وأخذ منهم ما عليهم غرس في الذي لك بين صدورهم وأسكن لك في السويداء داخل قلوبهم طاعة راسخة العروق باسقة الفروع متماثلة فيحول شيء عوامهم متمكنة من قلوب

стр. 201

من غيضك أو نبعة من أورمتك فتي السن كهل الحلم راجح العقل محمود الصرامة مأمون الخلاف يجرد فيهم سيفه ويبسط عليهم خيره بقدر ما يستحقون وعلى حسب ما يستوجبون وهو فلان أيها المهدي: فسلطة أعزك الله عليهم ووجهه بالجيوش إليهم ولا تمنعك ضراعة سنة وحداثة مولده فإن الحلم والثقة مع الحداثة خير من لشك والجهل مه الكهولة وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم الله عليه واختصكم به من مكارم الأخلاق لأخذ الصيد بلا تدريب والعارفة لوجوه النفع بلا تأديب فالحلم والعلم والعزم والحزم والجود والتؤدة والرفق ثابت في صدوركم مزروع في قلوبكم مستحكم لكم متكامل عندكم بطبائع لازمة وغرائز ثابتة. قال معاوية بن عبد الله: فتاء أهل بيتك المهدي في الحلم على ما ذكر وأهل خراسان في حال عز على ما وصف: ولكن إن ولى المهدي عليهم رجلاً ليس بقديم الذكر في الجنود ولا نبيه الصوت في لحروب ولا بطويل التجربة للأمور ولا بمعروف السياسة للجيوش والهيبة في الأعداء داخل ذلك أمران عظيمان وخطران مهولان أحدهما أن الأعداء يغتمرونها منه ويحتقرونها فيه ويجترئون بها عليه في النهوض به والمقارعة له والخلاف عليه قبل الاختبار لأمره والتكشف لحاله والعلم بطباعه ولأمر الآخر أن الجنود التي يقود والجيوش التي يسوس إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة وبم يعرفوه بالصيت والهيبة انكسرت شجاعتهم وماتت نجدتهم واستأخرت طاعتهم إلى حين اختيارهم ووقوع معرفتهم وبنا وقع البوار قبل

стр. 202

الاختيار، وبباب المهدي وفه الله رجل مهيب نبيه حنيك صيت له نسب زاك وصوت عال قد قاد الجيوش وساد الحروب وتآلف أهل خراسان واجتمعوا عليه بالمقة ووثقوا به كل الثقة فلولا ولاه المهدي أمرهم لكفاه شرهم قال المهدي جانبت قصد الرمية وأبيت إلا عصبية إذا رأى الحدث من أهل بيتنا كرأي عشرة حلفاء من غيرنا ولمتن أين تركتم ولي العهد. قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده ونسيج وده ومن الدين وأهله بحي يقصر القول عن أدنى فضله وكن وجدنا الله حجب عن خلقه وستر دون عباده علم ما تختلف به الأيام ومعرفة ما تجري عليه المقادير من حوادث الأمور وريب المنون المخترمة لخوالي القرون ومواضي الملوك فكرهنا شسوعه ن محله الملك ودار السلطان ومقر الإمامة والولاية وموضع المدائن والخزائن ومستقر الجنود ومعدن الجود ومجمع الأموال التي جعلها الله قطباً لدار الملك ومصيدة لقلوب الناس ومثابة لإخوان الطمع وثوار الفتن وداعي البدع وفرسان الضلال وأبناء الموت لقلوب الناس ومثابة لإخوان الطمع وثوار الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال وأبناء الموت وقلنا إن وجه المهدي ولي عهده فحدث في جيوشه وجنوده ما قد حدث بجنود الرسل من قبله لم يستطع المهدي أن يعقبهم بغيره إلا أن ينهد إليهم بنسفه وهذا خطر عظيم وهول شديد إن تنفست الأيام بمقامة واستدارت الحال بإمامه حتى يقع عوض لا يستغنى عنه أو يحدث أمر لابد منه صار ما بعد ما هو أعظم وأجل خطراً له تبعاً وبه متصلاً. قال المهدي: الخط ب أيسر مما تذهبون إليه وعلى غير ما تصفون الأمر عليه نحن أهل البيت نجري من أساليب القضايا ومواقع الأمور على سابق من

стр. 203

العلم ومحتوم من الأمر قد أنبأت به الكتب ونبأت عليه الرسل وولي عهد عقبي بعدي أن يقود إلى خراسان البعوث ويتوجه نحوها بالجنود أما الأول فإنه يقدم إليهم رسله ويعمل فيهم حيله ثم يخرج نشطاً حنقاً عليهم يريد أن لا يدع أحداً من إخوان الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال إلا توطأة بحر القتل والبسه قناع القهر وقلده طوق الذل ولا أحد من الذين عملوا في قص جناح الفتنة وإخماد نار لبدعة ونصرة ولاة الحق إلا أجرى عليهم ديم فضله وداول نهله فإذا خرج مزمعاً بع مجمعاً عليه لم يسر إلا قليلاً حتى تأتيه أن قد عملت محيلة وكدحت كتبه ونفذت مكايده فهدأت نافرة القلوب وقعت طائرة الأهواء واجتمع عليه المختلفون بالرضى فيميل نظراُ لهم وبراً بهم وتعطفاً عليهم إلى عدو قد أخاف سبيلهم وقطع طريقهم ومنع حجاجهم بين اله الحرام وسلب تجارهم رزق الله الحلال وأما الآخر فإنه يوجع إليهم ثم تعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون وبذل ما يسألون فإذا سمحت الفرق بقراباتها له وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه فأضعت إليه الأفئدة واجتمعت له الكلمة وقدمت عليه الوفود قصد الأول ناحية نجعت بطاعتها وأفت بأزمتها عليهم بالرمة فاتقى فيهم ناحية وأنزلها ظل كرامته ولا فرقة قاصية إلا دخلت عليها بركته ووصلت إليها منفعته فأغنى فقيرها وجبر كسيرها ورفع وضيعها وزاد رفيعها ما خلا ناحيتي ناحية يغلب عليها الشقاء وتستمليهم الأهواء فتستخف بدعوته وتبطئ عن إجابته وتتثاقل عن حقه فتكون آخر من يبعث وأبطا من يوجه فيصطلي عليها موجودة ويبتغي لها علة لا يبث أن يجد بحق يلزمهم وأمر يجب عليهم فتستلحمهم الجيوش وتأكلهم السيوف ويستحر بهم القتل ويحيط بهم الأسر ويفنيهم التتبع حتى يخرب البلاد ويوتم الأولاد وناحية لا يبسط لهم أماناً ولا يقبل لهم عهداً

стр. 204

ولا يجعل لهم ذمة لأنهم أول من فتح باب الفرقة وتدرع جلباب الفتنة وربض في شق العصا ولكنه يقتل أعلامهم ويأسر قوادهم ويطلب هربهم في لجج البحار وقلل الجبال وحميل الأدوية وبطون الأرض تقتيلاً وتغليلاً وتنكيلاً حتى يدع الديار خراباً والنساء أيامى، وهذا أم لا نعرف له في كتبنا وقتاً ولا نصحح منه غير ما قلنا تفسيراً وأما موسى ولي عهدي فهذا أو أن توجه إلى خراسان وحلوله بجرجان وما قضي الله له من الشخوص إيها والمقام فيها خير للمسلمين مغبة له بإذن الله عاقبة من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجاميع أمواجنا فيتصاغر عظيم فضله ويتدأب مشرق نوره ويتقلل كثير ما هو كائن منه فمن يصحبه من الوزراء ويختار له من الناس. قال محمد بن الليث: أيها المهدي إن ولي عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علماً قد تثنت نحوه أعناقها ومجت سمته أبصارها وقد كان لقرب داره منك ومحل جواره لك عطل الحال غفل الأمر واسع العذر فأما إذا انفرد بنفه وخلا بنظره وصار إلى تدبيره فإن من شأن العامة أن تتفقد مخارج رأيه وتستنصت لمواقع آثاره وتسأل عن حوادث أحواله في بره ومرحمته وإقساطه ومعدلته وتدبير سياسته ووزرائه وأصحابه ثم يكون ما سق إليهم أغلب الأشياء عليهم وأملك الأمور بهم وألزمها لقلوبهم وأشدها استمالة لرأيه وعطفاً لأهوائهم فلا يفتأ المهدي وفقه الله ناظراً له فيما يقوي عمد مملكته ويسدد أركان ولايته وتستجمع رضاء أمته هو أزين لحاله وأظهر لجماله وأفضل مغبة لأمه وأجل موقعاً في قلوب رعيته وأحمد حالاً في نفوس ملته ولا أدفع مع ذلك باستجماع الأهواء له وأبلغ في استعطاف القلوب عليه من مرحمة تظهر من فعله ومعدلة تنتشر عن ثر ومحبة للخير وأهله وأن يختار المهدي وفقه الله من خيار أهل كل

стр. 205

مصر أقواماً تسكن العامة إليهم إذا ذكروا وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا ثم تسهل لهم عمارة سبل الإحسان وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له وسهل عليه. قال امهدي صدقت ونصحت ثم بعث في ابنه موسى فقال: أي بني قد أصبحت لسمت وجوه العامة نصباً ولمثنى أعطاف الرعية غاية فحسنتك شاملة وإساءتك نائية وأمر ظاهر بتقوى الله وطاعته احتمل سخط الناس فيهما ولا تطلب رضاهم بخلافهما فإن الله كفيك من أسخطه عليه إيثارك رضاه وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه، ثم اعلم أن الله تعالى في كل زمان فترة من رسله وبقايا من صفوة خلقه وخبايا لنصرة حقه يجدد حيل الإسلام بدعواهم ويشيد أركان الدين بنصرتهم ويتخذ لأولياء دينه أنصاراً وعلى إقامة عدله أعواناً يسدون الخلل ويقيمون الميل ويدفعون عن الأرض الفساد وأن أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم ونستصرف نزول العائم بمناصحتهم وندافع ريب الزمان بعزائمهم ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم فهم عناد الأرض إذا أرجفت لففها وخوف الأعداء إذا برزت صفحتها وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها وأذلت رقاب الجبرين ولم ينفكوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا وأقاموا فيظل دعوتنا واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعز الله بها ذاتهم ورفع بها ضعتهم وجعلهم بها أرباباً في أقطار الأرض وملوكاً على رقاب العالمين بعد لباس الذل وقناع الخوف وإطباق البلا ومحالفة الأسى وجهد البأس والضر فظاهر عليهم لباس كرامتك وأنزلهم في حدائق نعمتك ثم اعرف لهم حق طاعتهم ووسيلة دالتهم ووماتة سابقتهم وحرمة مناصحتهم بالإحسان إليهم والتوسعة عليهم والإثابة لمحسنهم والإقالة لمسيئهم

стр. 206

أي بني ثم عليك العامة فاستدع رضاها بالعدل عليها واستجلبت مودتها بالإنصاف لها وتحسن بذلك لربك وتوثق هـ عين رعيتك واجعل عمال العذر وولاة الحجج مقدمة بين عملك ونصفة منك لراعيتك وذلك أن تأمر قاضي كل بلد وخيار أهل كل مصر أن يختاروا لأنفسهم رجلاً توليه أمرهم وتجعل العدل حاكماً بينه وبينهم فإن أحسن حمدت وإن أساء عذرت هؤلاء عمال العذر وولاة الحجج فلايسقطن عليك ما في ذلك إذا انتشر في الآفاق وسبق إلى الأسماع من انعقاد ألسنة المرجفين وكبت قلوب الحاسدين وإطفاء نيران الحروب وسامة عواقب الأمور ولا ينفكن في ظل كرامتك نازلاً وبعرى حبلك متعلقاً رجلان أحدهما كريمة مكن كرائم رجالات العرب وأعلام بيوتات الشرف له أد فاضل وحلم راجح ودين صحيح والآخر له دين غير مغموز وموضع غير مدخول بصير بتقليب وتصريف الرأي وأنحاء العرب ووضع الكتب عالم بحالات الحروب وتصاريف الخطوب يضع آداباً نافعة وآثاراً باقية من محاسنك وتحسين أمرك وتحلية ذكرك فتستشيره بحربك وتدخله في أمرك فرجل أصبته كذلك فهو يأوي إلى محلتي ويرعى في خضرة جناني ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان وخيار الأمصار أقواماً يكونون جيرانك وسمارك وأهل مشاورتك فيمت تورد أصحاب مناظرتك فيما تصدر فسر على بركة الله أصحبك الله من عونه وتوفيقه دليلاً يهدي إلى الصواب قلبك وهادياً ينطق بالخير لسانك. " وفود بكارة الهلالية على معاوية " استأذنت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها وهو يومئذٍ بالمدينة فدخلت عليه وكانت أسنت وعشي وبصرا وضعفت قوتها ترعشبين خادمين لها فسلمت وجلست فرد عليها معاوية السلام وقال:

стр. 207

كيف أنت يا خالة فقالت بخير يا أمير المؤمنين قال غيرك الدهر قالت كذلك هو ذو غير من عاش كبر ومن مات قبر فقال عمرو بن العاص هي والله القائلة يا أمير المؤمنين: يا زيد دونك فاحتفر من دارنا ... سيفا حساماً في التراب دفينا قد كنت أذخره ليوم كريهة ... فالآن أبرزه الزمان مصونا قال مروان وهي ولله قائلة يا أمير المؤمنين: أترى ابن هند للخلافة مالكاً ... هيهات ذاك وإن أراد بعيدُ منتّك نفسك في الخلاء ضلالة ... أغراك عمرو للشقا وسعيد قال سعيد بن العاص وهي والله القائلة: قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى ... فوق المنابر من أمية خاطبا فالله أخر مدتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا في كل يوم لازال خطيبهم ... بين الجميع لآل أحمد عائبا ثم سكتوا فقالت يا معاوية كلامك أعشى بصري وقصر حجتي أنا والله قائلة ما قالوا خفي عليك مني أكثر فضحك وقال ليس يمنعنا ذلك من برك اذكري حاجتك: قالت أما أن فلا. " مناظرة السيف والقلم لزين الدين عمر بن الوردي المتوفى سنة ٧٤٩ه ـ?" لما كان السيف والقلم عتي العمل ولقول، وعمدتي الدول عدمتهما دولة فلا حول. وركني إسناد الملك المعربين عن المخفوض والمرفوع ومقدمتي نتيجة الجدل الصادر عنهما المحمول والموضوع فكرت أيهما أعظم فخراً أو أعلى قدراً فجلست مجلس الحكم والفتوى ومثلتهما في الفكر حاضرين للدعوى وسويت بين الخصمين في الإكرام واستنطقت لسان حالهما للكلام، (فقال القلم) : (بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: ٤١] ، (وَالنّهَارِ إِذَا جَلاّهَا ﴿٣﴾

стр. 208

وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) [الشمس: ٣ ٤] أما بعد حمد الله بارئ القلم ومشرفه بالقسم وجعله أول ما خلق وجمل الورق بغصنه كما جمل الغصن بالورق والصلاة على القائل جفت الأقلام فإن القلم قصب السباق والكاتب بسبعة أقلام من طبقت الكتاب السبع الطباق جرى بالقضاء والقدر وناب عن اللسان فيما نهى وأمر طالما أربى على البيض والسمر في ضرابها وطعانها واتل البعد والصوارم في القرب ملء أجفانها وماذا يشبه القلم في طاعة ناسه ومشيه لهم على أم رأسه، (قال السيف) : بسم الله الخافض الرافع (وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ) [الحديد: ٢٥] أما بعد حمد الله الذي أنزل آية السيف فعظم بها حرمة الجرح وآمن خيفة الحيف والصلاة على الذي نفذ بالسيف سطور الطروس وخدمته والأقلام ماشية على الرؤوس وعلى آله وصحبه الذين أرهفت سيوفهم وبنيت بها على كسر الأعداء حروفهم فإن السيف عظيم الدولة شديد الصولة محا أسطار البلاغة وأساغ ممنوع الإساغة من اعتمد على غيره في قهر العداء تعب وكيف لا وفي حده الحد بين الجد واللعب فإن كلن القلم شاهداً فالسيف قاضي وإن اقتربت مجادلته بأمر مستقل قطعه السيف بفعل ماضي به ظهر الدين وهو العدة لقمع المعتدين حملته دون القلم يد نبينا فشرف بذلك في الأمم شرفاً بينا الجنة تحت ظلاله ولا سيما حين يسل فترى ودق الجم يخرج من خلاله زينت بزينة الكواكب سماء غمده وصدق لقائل (السيف أصدق إنباءً من ضده) لا يعبث به الخامل ولا يتناوله كالقلم بأطراف الأنامل ما هو كاللم المشبه بقوم عروا لبوسهم ثم نكسوا ما قبل على رؤوسهم فكأن السيف (خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ) [الطارق: ٦] أو كوكب راشق مقدراً في السرد فهو الجوهر الفرد لا يشترى كالقلم بثمن بخس ولا يبلى كما يبلى القلم بسواد وطمس كم لقائمه المنتظر من أثر في عين أو عين في أثر فهو في جراب القوم قوام الحر ولهذا جاء مطبوع الشكل داخل الضرب (قال القلم)

стр. 209

أمن ينشأ في المخصوص وهو في الخصام غير مبين يفاخر وهو القائم عن الشمال وأن الجالس على اليمين أنا المخصوص بالرأي وأنت المخصوص بالصدى أنا آلة الحياة وأنت آلة الردى ما لنت إلا بعد دخول السعير وما حددت إلا عن ذنب كبير أنت تنفع في العمر ساعة وأنا أفني العم في الطاعة أنت للرهب وأنا للرعب وإذا كان بصرك حديداً فبصري ماء ذهب أين تقليدي من اجتهادي، وأين نجاسة دمك من تطهير مدادي، (قال السيف) : أمثلكم يعبر مثلي بالدماء فطالما أمرت بعض فراخي وهي السكين: فأصبحت من النفاثات فيعدك يا مسكين، فأخلت من الحياة جثمانك، وشقت أنف وقطعت لسان، ويك إن كنت للديوان فحاسبٌ مهموم، أو للإنشاء فخادم لمخدوم، أو للبليغ فساحر مذموم، أو للفقيه فناقص في المعلوم، أو للشاعر فسائل محروم، أو للشاهد فخائف مسموم، أو للمعلم فللحي القيوم، وأما أنا فلي الوجه الأزهر، والحلية والجوهر، والهيبة إذا أشهرن والصعود على المنبر، شكلي الحسن علي، ولم لا حملك الحطب بدلي، ثم إني مملوك كمالك، فإنك كناسك، أسلك الطرائق وأقطع العلائق، (قال القلم) : وأليف الغدير وحليف الهواء، وأما أنت فابن النار والدخان، وباتر الأعمار وخوان الإخوان، تفصل ما لا تفصل، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، لا جرم شمر السيف وصقل قفاه، وسقي ماء حميماً فقطع معاه، يا غرب البين، ويا عدة الحين، ويا معتل العين، ويا ذا الوجهين، كم أفنيت وأعدمت.. وأرملت وأيئمت (قال السيف) : يا بن الطين، ألست ضامراً وأنت بطين، كم جريت بعكس وتصرفت في مكس، وزورت وحرفت، ونكرت وعرفت، وسطر ت وهجواً وشتماً، وخلدت عاراً وذماً، أشر بفرط روعتك، وشدة خيفتك، إذا قستن بياض صحيفتي بسواد صحيفتك، فألن خطابك فأنت قصير المدة، وأحسن

стр. 210

جوابك فعندي حدة، وأقلل من غلظتك وجبهك، واشتغل عن دم في وجهي بمدة في وجهك، وإلا فأدنى ضربة مني تروم أرومتك، فنستأصل أصلك وتجحتث جرثومتك، فسقيا لمن غاب بك عن غابك، ورعياً من أهاتب بك لسلخ إهابك، (فلما رأى القلم) السيف احتد، الآن له من خطابه ما اشتد وقال: أما ألأدب فيؤخذ عني، وأما اللطف فيكةتس منس، فإن لنت لنت، وإن أحينت أحينت، نحن اهل السمع والطاعة، ولهذا نجمع في الدواء الواحدة منا جماعة، وأما أنتم فأهل الحدة والخلاف، ولهذا لم يجمعوا بين سيفين في غلاف، (قال السيف) : أمراً ودعوى عفة، لأمر اجدع قصير أنفع لو كنت كما زتعمت ذا أدب، لما قابلت رأس الكىاتب بعقدة الذنب، أنا ذو الصيت والصوت، وغرارء لسانا مشرفي يرتجل غرائب الموت، أنا من مارج النمار، والقلم من صلصال كالفخار، وإذات زعنم القلم أه مثلي أمرت من يدق رأسه بنعلي (قال اللم) : صف فصاحب السيف بلا سعادة كأعزل، (قال السيف) : مه فقلم البيلغ بغير حظ معزل، (قال القلم) : أنا أزكى وأطهر، (قال السيف) : أنا أبهى وأبهر فتلا، (ذو القلم) لقلمه: (إِنّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) [لكوثر: ١] فتلا: (صاحب السيف) : (فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢] فتلا (ذو القلم) لقلمه: (إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) [الكوثر: ٣] (قال) أما وكتابي المسطور، وبيتي المعمور، والتوراة والإنجيل، والقرآن ذي التنبجيل، إن لم تكف عني غربك، وتبعد مني قربك، لأكتبنك من الصم والبكم، ولسطرن عليك بقلمي بهذا الحكم، (قال السيف) : أما ومتني المتين، وفتحي المبين، ولساني الرطبين، ووجهين الصلبين، وإن لم تغب عن بياضي بسوادك، لأمسحن وجهك بمدادك، ولقد كسبت من الأسد في الغابة، توقيح العين والصلابة، ومع أني ما ألوتك نصحاً، أفنضرب عنكم الذكر صفحاً. (قال القلم) : سلم إلي مع من سلم، إن كنت على فأنا أعلم، وإن كنت أحلى فأنا أحلم، وإن كنت أقوى فأنا أقوم، أوكنت ألوى فأنا ألوم، أو كنت

стр. 211

أطرى فأنا أطرب، أو كنت أغلى فأنا أغلب، أو كنت أعتى فأنا أعتب، أو كنت أقضة فأنا أقضب (قال السيف) : كيف لا أفضلك والمقر الفلاني شاد أزري، (قال القلم) كيف لا أفضلك وهو تعز نصره ولي أمري. (قال الحكم بين السيف والقلم) : فلما رأيت الحجتين ناهضتين، والبينتين متعارضتين، وعلمت أن لكل واحد منهما نسبة صحيحة إلى هذا المقر الكريم، ورواية مسندة عن حديثه القديم لطفت الوسيلة ودقت الحيلة حتى رددت القلم إلى كنه، وأغمدت السيف فنام ملء جفنه. وأخرت بينهما الترجيح، وسكت عما هو عندي الصحيح، إلى أن بحكم المقر لبينهما بعلمه ويسكن سورة غضبهما الوافر ولجاجهما المديد ببسط حلمه. " مناظرة بين صاحب أبي تمام وصاحب البحتري للآمدي " (صاحب أبي تمام) : كيف يجوز لقائل أن يقول إن البحتري أشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ وعلى حذوه احتذى ومن معانيه استقى حتى قيل الطائي الأكبر والطائي الأصغر. (صاحب البحتري) : أما الصحبة له فما صحبه ولا تتلمذ له وا روى ذلك أحد عنه ولا نقله ولا رأي قط أنه محتاج إليه ودليل ذلك الخبر المستفيض من اجتماعهما وتعارفهما عند أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري وقد دخل عليه البحتري بقصيدته التي أولها: أأفاقَ صبَ من هوى فأُفيقا وأبو تمام حاضر فلما أنشدها علق أبو تمام منها أبياتاً كثيرة فلما فرغ من الإنشاد أقبل أبو تمام على محمد بن يوسف فال أيها الأمير ما ظننت أن أحداً يقدم على أن يسرق شعري وينشده بحضرتي حتى اليوم ثم اندفع ينشج ما حفظه حتى أتي على أبيات كثيرة من القصيدة فبهت البحتري ورأ ى أبو تمام الإنكار في وجه أبي سعيد فحينئذٍ قال له أبو تمام أيها الأمير والله ما الشعر إلا له وإنه

стр. 212

أحسن فيه الإحسان كله وأقبل يقرظه ويصف معانيه ويذكر محاسنه ولم يقنع من محمد بن يوسف حتى أضعف له الجائزة فمن كان يقول مثل هذه القصيدة التي هي من عين شعره وفاخر كلامه قبل أن يعرف أبا تمام جدير به أن يستغني عن أن يصحبه أو يتتلمذ له أو لغيره من الشعراء على أنني لا أنكر استعار بعض معاني أبي تمام لقرب البلدين وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعره وليس ذلك بمقتض أن يكون أبو تمام أستاذ البحتري ولا بمانعه أن يكون البحتري أشعر من أبي تمام فهذا كثير قد أخذ من جميل واستقى من معانيه فما رأينا أحداً قال إن جميلاً أشعر منه بل هو عند أهل الشعر والرواية أشعر من جميل (صاحب أبي تمام) : أن البحتري نفسه يعترف أن أبا تمام منه فقد سئل عنه وعن أبي تمام فقال أن جيده خير من جيدي وجيد أبي تمام كثير. (صاحب البحتري) : إن كان هذا الخر صحيحاً فهو للبحتري لا عليه لأن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام كثير الاختلاف وشعره شديد الاستواء ولمستوى الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر وقد اجتمعنا نحن وأنتم على أن أبا تمام يعلو علواً حسناً وينحط انحطاطاً قبيحاً وأن البحتري يعلو بتوسط ولا يسقط ومن لا يسقط ولا يسف أفضل ممن يسقط ويسف. (صاحب أبي تمام) : أن أبا تمام انفرد بمذهب اخترعه وصار فيه أولاً إماماً متبوعاً وشهر به حتى قيل هذا مذهب أبي تمام وسلك الناس نهجه واقتفوا أثره وهي فضيلة عري عن مثلها البحتري. (صاحب البحتري) ليس الأمر على ما وصفت وليس أبو تمام صاحب هذا المذهب ولا يأول فيه ولا سابق إليه بل سلك فيه سبيل مسلم بن الوليد

стр. 213

واحتذى حذوه وأفرط في ذلك وأسرف حتى زال عن النّهج المعروف وسنن المألوف بل إنّ مسلماً غير مبتدع له ولكنه رأى هذه الأنواع التي وقع عليها اسم البديع متفرّقة في أشعار المتقدمين فقصدها وأكثر في شعره منها ولكنه حرص على أن يضعها في مواضعها ولم يسلم مع ذلك من الطعن عليه حتى قيل إنه أول من أفسد الشعر فجاء أبو تمام على أثره واستحسن مذهبه وأحبّ أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من هذه الأصناف فسلك طريقاً وعراً واستكره الألفاظ والمعاني استكراهاً ففسد شعره وذهب طلاوته ونشف ماؤه فقط سقط الآن احتجاجكم باختراع أبي تمام لهذا المذهب وسبقه إليه: وكلّ ما في المسألة أنه استكثر منه وأفرط فكان إفراطه فيه من أعظم ذنوبه وأكبر عيوبه. أما البحتري فإنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعروفة على كثرة ما جاء في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة فكان انفراده بحسن العبارة وحلاوة اللفظ وصحّة المعنى والبعد عن التكلف والتعمل سبباً في إجماع الناس على استحسان شعره واستجادته وتداوله ونفاق شعر الشاعر دليل على علو مكانته واضطلاعه بما يلائم الأذواق ويلامس القلوب من أساليب الكلام ومناهجه. (صاحب أبي تمام) إنما أعرض عن شعر أبي تمام من لم يفهمه لدقّة معانيه وقصور فهمه عنه أما النقاد والعلماء فقد فهموه وعرفوا قدره وإذا عرفت هذه الطبقة فضيلته لم يضره طعن من طعن بعدها عليه. (صاحب البحتري) لا يستطيع أحد أن ينكر منزلة ابن الأعرابي وأحمد بن يحيى الشيباني ودعبل بن الخزاعي من الشعر ومنزلتهم من العلم بكلام العرب وقد علمتم مذهبهم في أبي تمام وازدراءهم بشعره حتى قال دعبل إن ثلث شعره محال

стр. 214

وثلثه مسوق وثلثه صالح وقال ما جعل الله أبا تمام من الشعراء: بل شعره بالخطب والكلام المنثور أشبه منه بالشعر: وقال ابن الأعرابي في شعر أبي تمام إن كان شعراً فكلام العرب باطل وهذا محمد بن يزيد المبرد ما علمناه دون له كبير شيء. (صاحب أبي تمام) إن دعبلاً كان يشنأ أبا تمام ويحسده على ما هو معروف ومشهور فلا يقبل قول شاعر في شاعر وإما ابن الأعرابي فكان شديد التعصب عليه لغرابة مذهبه ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لا يفهمه ولا يعلمه فكان إذا سئل عن شيء منها بأنف أن يقول لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه ولا مانع أن يكون جميع من تذكرونه على هذا القياس. (صاحب البحتري) لا عيب على ابن الأعرابي في طعنه على شاعر عدل في شعره عن مذاهب العرب إلى الاستعارات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ والإحالة والعيب في ذلك يلحق أبا تمام إذ عدل عن المحجة إلى طريقة يجهلها ابن الأعرابي وأمثاله من المضطلعين بالسليقة العربية. (صاحب أبي تمام) إن العلم في شعر أبي تمام أظهر منه في شعر البحتري والشاعر العالم أفضل من الشاعر غير العالم. (صاحب البحتري) كان الخليل بن أحمد عالماً شاعراً وكان الأصمعي شاعراً عالماً وكان الكسائي كذلك وكان خلف بن حيان الأحمر أشعر العلماء وما بلغ بهم العلم طبقة من كان في زمانهم من الشعراء غير العلماء والتجويد في الشعر ليست علته العلم: والشائع المشهور أن شعر العلماء دون شعر الشعراء وقد كان أبو تمام يعمل على أن يدل في شعره على علمه باللغة وكلام العرب. أم البحتري فلم يقصد هذا ولا اعتمده ولا كان يعده فضيلة ولا يراه علماً بل كان يرى أنه شاعر لا بد له أن يقرب شعره من فهم سامعه فلا يأتي بالغريب إلا أن يتفق له في اللفظة بعد اللفظة في موضعه من غير طلب له ولا حرص عليه. على أن هذا العلم

стр. 215

الذي تؤثرون به أبا تمام لم ينفعه فقد كان يلحن في شعره لحناً يضيق العذر فيه ولا يجد المتأول له مخرجاً منه إلا بالحيلة والتحمل الشديد. (صاحب أبي تمام) لسنا ننكر أن يكون صاحبنا قد وهم في بعض شعره وعدل عن الوجه الأوضح في كثير من معانيه: وغير غريب على فكر نتج من المحاسن ما نتج وولد من البدائع ما ولد أن يلحقه الكلال في الأوقات والزلل في الأحيان بل من الواجب لمن أحسن إحسانه أن يسامح في سهوه ويتجاوز له عن خطائه وما رأينا أحداً من شعراء الجاهلية سلم من الطعن ولا من أخذ الرواة عليه الغلط والعيب وكذلك ما أخذته الرواة على المحدثين المتأخرين من الغلط والخطأ واللحن أشهر من أن يحتاج إلى أن نبرهنه أو ندل عليه وما كان أحد من أولئك ولا هؤلاء مجهول الحق ولا مجحود الفضل بل عفا إحسانهم على إسائتهم وتجويدهم على تقصيرهم. (صاحب البحتري) أما أخذ السهو والغلط على من أخذ عليهم من المتقدمين والمتأخرين ففي البيت الواحد والبيتين والثلاثة أما أبو تمام فلا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من عدة أبيات يكون فيها مفسداً أو محيلاً أو عادلاً عن السنن أو مستعيراً استعارة قبيحة أو مخطئاً للمعنى بطلب الطباق والتجنيس أو مبهماً يسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم ولا يوجد له مخرج. (صاحب أبي تمام) إنكم تنكرون على أبي تمام من الفضل ما يعترف به البحتري نفسه فقد رثاه بعد موته رثاء اعترف فيه له بالسبق وفضله على شعراء عصره. (صاحب البحتري) لم لا يفعل البحتري ذلك وقد كان هو وأبو تمام صديقين متحابين وأخوين متاصفيين يجمعهما الطلب والنسب والمكتسب فليس بمنكر ولا غريب أن يشهد أحدهما لصاحبه بالفضل ويصفه بأحسن ما فيه وينحله ما ليس فيه على أن الميت خاصة يعطى في تأيينه من التقريظ والوصف وجميل الذكر أضعاف ما كان يستحقه.
следующие страницы →